← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 10991–11030 · переход к 10996.

стр. 10991

الله محمد بن قاسم الصقلى إلى أن توفى؛ فأعاد الجليس ثم صرفه؛ وولّى أبا الفتح مسلم، فبقى إلى أن تولى المأمون فعزله ونفاه لمّا أخطأ فى قراءته؛ وولّى أبا الحجاج يوسف بن أيوب الأندلسى إلى أن توفى فى سنة إحدى وعشرين وخمسمائة؛ فولّى الآمر أبا عبد الله محمد بن هبة الله بن ميسّر القيسرانى، فاستمر إلى أن قتل الآمر بأحكام الله «١» . ذكر بيعة الحافظ لدين الله هو أبو الميمون عبد المجيد بن محمّد بن المستنصر بالله، وهو الحادى عشر من ملوك الدّولة العبيديّة والثّامن من ملوك الدّيار المصريّة منهم. بويع له بعد مقتل ابن عمّه الآمر، فى يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من ذى القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة، بولاية العهد إلى أن يستبرئ نساء الآمر وهل فيهنّ من هى مشتملة على حمل أم لا. ذكر قيام أحمد بن الأفضل الحافظ وما كان من أمر أحمد إلى أن قتل قال المؤرّخ: لما بويع الحافظ لدين الله ثار الجند الأفضليّة وأخرجوا ابن مولاهم، أبا علىّ أحمد بن الأفضل، الملّقب بكتيفات، وولّوه إمرة الجيوش؛ وذلك فى يوم الخميس السّادس «٢» من ذى القعدة منها، فحكم، واعتقل الحافظ صبيحة يوم بيعته، ودعا للإمام المنتظر؛ وقوى أمر ابن الأفضل.

стр. 10992

وفى سنة خمس وعشرين رتّب أحمد بن الأفضل فى الأحكام أربعة قضاة: الشّافعية والمالكية والإسماعيلية [٨٨] والإمامية، يحكم كلّ قاض بمقتضى مذهبه ويورّث بمقتضاه، فكان قاضى الشافعيّة الفقيه سلطان «١» ، وقاضى المالكية الّلبنى «٢» ، وقاضى الإسماعلية أبو الفضل «٣» ابن الأزرق، وقاضى الإمامية ابن أبى كامل «٤» . وسار أحمد بن الأفضل سيرة جميلة بالنّسبة إلى أيّام الآمر، وردّ على الناس بعض مصادراتهم، وأظهر مذهب الإمامية الاثنى عشرية، وأسقط من الأذان قولهم «حىّ على خير العمل» ، وأمر بالدّعاء لنفسه على المنابر بدعاء اخترعه لنفسه وهو: «السّيد الأجلّ الأفضل، مالك أصحاب الدّول، والمحامى عن حوزة الدّين، وناشر جناح العدل على المسلمين، الأقربين والأبعدين، ناصر إمام الحقّ فى حالتى غيبته وحضوره، والقائم بنصرته بماضى سيفه، وصائب رأيه وتدبيره، أمين الله على عباده، وهادى القضاة إلى اتّباع شرع الحق واعتماده، ومرشد دعاة المؤمنين بواضح بيانه وإرشاده، مولى النعم، ورافع الجور عن الأمم، ما لك فضيلتى السّيف والقلم؛ أبو على أحمد بن السيد الأجلّ الأفضل شاهنشاه أمير الجيوش «٥» » .

стр. 10993

واستمر أمره إلى يوم الثّلاثاء سادس عشر المحرّم سنة ستّ وعشرين وخمسمائة. فاتّفق ركوبه فى هذا اليوم إلى الميدان بالبستان الكبير «١» ظاهر القاهرة، للّعب بالأكرة «٢» على جارى عادته، فوثب عليه مملوك رومىّ، وقيل بل من صبيان الخاصّة «٣» ، فطعنه طعنة ألقاه بها عن فرسه، ونزل واحتزّ رأسه، ومضى به إلى القصر؛ وذلك بموافقة من الأجناد. فكانت مدّة تغلّبه على الأمر سنة واحدة وشهرين وثلاثة عشر يوما؛ ودفن بتربة أبيه خارج باب النصر «٤» . ذكر بيعة الحافظ لدين الله الثانية قال: ولما قتل أحمد بن الأفضل بويع الحافظ بالخلافة بيعة عامّة، وظهر الحمل المنتظر بنتا، فانتقلت الخلافة إليه، وأمر أن يدعى له على المنابر: اللهم صلّ على الذى شيّدت به الدّين بعد أن رام الأعداء دثوره، وأقررت الإسلام بأن جعلت طلوعه على الأمّة وظهوره، وجعلته آية لمن يدبّر الحقائق بباطن البصيرة، مولانا وسيّدنا وإمام عصرنا وزماننا، عبد المجيد أبى الميمون، وعلى آبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين، صلاة دائمة

стр. 10994

إلى يوم الدين «١» . قال: ولما تم أمر الحافظ استوزر أبا الفتح يانس، وهو رومّى من مماليك الأفضل، ولقبه بأمير الجيوش؛ فقتل الطّائفة المعروفة بصبيان الخاصّ، ومن جملتهم قاتل أحمد بن الأفضل. وكان عظيم الهيبة، بعيد الغور، فخافه الحافظ وتخيّل منه، وتخيّل يانس أيضا من الحافظ، فدبّر كلّ واحد منهما على صاحبه، فسبق تدبير الحافظ فيه فسمّه فى إبريق استعمل الماء منه عند الطّهارة فعولج وكاد أن يبرأ. فكلّم الحافظ بعض الأطباء، فقال له الطبيب: إن رأى مولانا أمير المؤمنين أن يمضى إليه ويزوره ويهنّئه بالعافية فإنّه لا بدّ أن ينهض إليك ويمشى، فإذا مشى لا يكاد يعيش أبدا. فمضى إليه الحافظ فقام إليه وتلقّاه، فمات فى ليلته؛ وذلك فى السّادس والعشرين من ذى الحجة «٢» فكانت مدة وزارته تسعة أشهر. ذكر الخلف بين ابنى الحافظ لدين الله قال المؤرخ: وفى شعبان سنة ثمان وعشرين وخمسمائة جرى بين أبى نزاب حيدرة وحسن، ولدى الحافظ، حرب شديدة، وافترقت العساكر على فرقتين، وهما الرّيحانية والجيوشية، وكان بينهما وقعة فى خامس شهر رمضان ووقع الحرب بينهما بين القصرين؛ وقتل من الطّائفتين تقدير عشرة آلاف إنسان. وكان سبب ذلك أن الحافظ جعل ولده حيدرة ولىّ عهده من بعده، فلم يرض حسن بذلك، فوقع الاختلاف والحرب بينهما. واستظهر حسن على أخيه حيدرة، فهرب حيدرة إلى أبيه، فأرسل الحافظ إلى ابنه حسن ليدخل إليه، فامتنع وضايق القصر، وطالبه بأخيه

стр. 10995

حيدرة، فتلافاه الحافظ وجعله ولىّ عهده من بعده. وتمكّن حسن من الدّولة والتصرف فيها بحسب رأيه، ولم يبق للحافظ معه حكم «١» . [٨٩] ذكر مقتل حسن بن الحافظ كان مقتله فى يوم الثّلاثاء الثّالث والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وخمسمائة وذلك أنه لمّا استقر فى ولاية العهد والوزارة والتدبير واستبدّ بالأمر، قبض على جماعة من الأمراء وقتلهم، بسبب قيامهم مع أحمد بن الأفضل، وأقام غيرهم؛ فخافه من بقى من الأمراء العتق، وأجمعوا على خلع أبيه من الخلافة وولده حسن من الوزارة فاجتمعوا بين القصرين، وراسلوا الحافظ، وأعلموه بما أجمعوا عليه، فاستعطفهم الحافظ واعتذر إليهم؛ وهرب حسن إلى أبيه، فقبض عليه وقيّده، وذكر ذلك للأمراء، فقالوا: لا بدّ من قتله، فسقاه أبوه سمّا فمات، وجعله على سرير، وأمر الأمراء بمشاههدته، فدخلوا عليه وورأوه فسكتوا. وقيل إن قيام الأمراء «٢» كان بتدبير الحافظ. ذكر وزارة بهرام الأرمنى وفى يوم الجمعة سادس عشر جمادى الآخرة، وقيل لإحدى عشرة ليلة خلت منه، استوزر الحافظ بهرام الأرمنى النّصرانى، ونعته بسيف الإسلام تاج الملوك «٣» وكان بهرام المذكور قد وصل إلى الدّيار المصريّة

стр. 10996

واجتمع بالحافظ، فرأى منه عقلا وافرا وإقداما فى الحرب وحسن تدبير «١» . وكان سبب وصوله من بلاده أنّ القائم بأمر الأرمن مات، وكان بهرام أحقّ بمكانه من غيره فعدل الأرمن عنه وولّوا غيره، فغضب لذلك وخرج من تلّ باشر «٢» وقدم مصر؛ فعيّنه الحافظ للوزارة. واستشار بعض أهله وأكابر دولته فيه، فكلّهم كره ذلك وأشار عليه ألا يفعل، وقالوا: إنّه نصرانى لا يرضاه المسلمون، وإنّ من شروط الوزارة أنّ الوزير يرقى المنبر مع الإمام فى الأعياد ليزرّ عليه المزرة الحاجزة بينه وبين الناس؛ وأنّ القضاة هم نواب الوزراء، من زمن أمير الجيوش. بدر الجمالى، ويذكرون فى النّيابة عنهم فى الكتب الحكمية النّافذة عنهم إلى الآفاق وكتب الأنكحة. فقال الحافظ: إذا رضيناه نحن فمن يخالفنا، وهو وزير السيف؟ وأمّا صعود المنبر فيستنيب عنه فيه قاضى القضاة، وأمّا ذكره فى الكتب الحكميّة فلا حاجة إلى ذلك. واستوزر والنّاس ينكرون ذلك عليه «٣» . وقال بعض المؤرخين: إن بهرام كان والى الغربيّة يومئذ وإنّه سار منها مجدّا إلى أن وصل إلى القاهرة وحاصرها يوما واحدا ودخلها. فلمّا ولى الوزارة وثبتت بها قدمه سأل الحافظ أن يسمح له بإحضار إخوته وأهله، فأذن له فى ذلك. فأرسل إليهم وأحضرهم من تلّ باشر، فتواصلوا حتى كمل منهم ومن غيرهم من الأرمن تقدير ثلاثين ألف إنسان؛ فاستطالوا على المسلمين. وبنيت فى أيّامه كنائس كثيرة وديرة

стр. 10997

حتى إن كل رئيس من أهله بنى له كنيسة؛ وخاف أهل مصر منهم أن يغيّروا الملّة الإسلاميّة. وكثرت الشّكايات فيه. وكان أخوه المعروف بالباساك، وإليه تنسب المنية «١» التى بالقرب من إطفيح «٢» ، قد ولى الأعمال القوصيّة فجار فيها جورا عظيما واستباح الأموال، فعظم ذلك على النّاس. ذكر خروج بهرام «٣» من الوزارة ووزارة رضوان ابن الولخشى قال: ولما ثقلت وطأة بهرام على النّاس اجتمع الأمراء وكاتبوا رضوان بن الولخشى، وذلك فى صفر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وكان يومئذ متولى الغربيّة ولاه بهرام إيّاها إبعادا له، فلمّا أتته كتب الأمراء نهض فى طلب الوزارة، ورقى المنبر، وخطب خطبة بليغة حرّض النّاس فيها على الجهاد. فأجابوه. وحشد العربان وقدم إلى القاهرة. وكان الأمراء قد كاتبوه وقالوا: إذا وقع الوجه فى الوجه ارفع المصاحف على الرّماح فإنّا ننحاز إليك؛ ففعل ذلك. وخرج بهرام إليه لمّا قرب من القاهرة؛ فلمّا عاين الأمراء [٩٠] والجند المصاحف التحقوا جميعهم برضوان، وبقى بهرام فى الأرمن خاصّة. فراسل الحافظ وقال: أنا ألقاهم بمن معى. فخاف الحافظ عاقبة ذلك، فأمره أن يتوجّه إلى قوص ويقيم عند أخيه الباساك إلى حين يدبّر أمرا. فعاد بهرام إلى القاهرة،

стр. 10998

وأخذ ما خفّ حمله، وخرج من باب البرقيّة فى حادى عشر جمادى الأولى؛ وتوجّه إلى الأعمال القوصيّة. قال: ولما انفصل عن القاهرة أتت العوامّ منازل الأرمن، وكانوا قد نزلوا الحسينيّة «١» وعمروها دورا. ولمّا اتصل بأهل قوص انهزام بهرام ثاروا بأخيه الباساك وقتلوه ومثّلوا به، وربطوا فى رجله كلبا ميّتا، ورموه على مزبلة. فقدم بهرام بعد ذلك بيومين، ومعه طائفة من أقاربه، فرأى الباساك على هذه الحال، فقتل جماعة من أهل قوص بالسّيف ونهبها وسار إلى أسوان. ثمّ رجع ونزل بالدّيرة البيض «٢» ، وهى من أعمال أخميم بالجانب الغربى. قال: ولمّا فارق بهرام القاهرة دخلها رضوان ووقف بين القصرين، واستأذن الحافظ فيما يفعله؛ فأمره بالنّزول بدار الوزارة، فنزلها، وخلع عليه خلع الوزارة، ونعته بالأفضل. وندب رضوان جماعة من العسكر مع أخيه ناصر الدّين، فتوجّهوا إلى بهرام، فاستقرّ الأمر بينهم أن يقيم بالدّيرة البيض؛ وعاد الجند الّذين مع بهرام إلى مصر. ودبر رضوان الأمر أحسن تدبير، وصادر جماعة من أصحاب بهرام وشدّد عليهم الطّلب، وقتلهم بالسيف. وفى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة أحضرت «٣» من تنّيس امرأة بغير يدين، وموضع يديها مثل الحلمتين، فجىء بها إلى مجلس الوزارة بين يدى رضوان، فعرّفته أنّها تعمل برجليها ما يعمله الناس باليدين من خطّ ورقم وغير ذلك. فأحضر لها دواة، فتناولت الأقلام

стр. 10999

برجلها اليسرى وتأمّلتها قلما قلما فلم ترض شيئا منها؛ فأخذت السّكين وبرت لنفسها قلما وشقّته وقطّته، واستدعت ورقة فأمسكتها برجلها اليمنى، وكتبت باليسرى بأحسن خطّ ما تكتب النّساء بأيديهنّ مثله، وحمدت الله فى آخر الرّقعة، وناولتها للوزير. فتناولها فوجدها قد سألته الزّيادة فى راتبها؛ فزادها، وأعادها إلى بلدها «١» . وفيها بنى رضوان المدرسة المعروفة به بالإسكندريّة «٢» ، واستدعى الفقيه أبا طاهر بن عوف «٣» إلى حضرته وأسند إليه تدريسها. ذكر خروج رضوان من الوزارة وما كان من أمره إلى أن قتل وفى شهر رمضان سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة أحضر الحافظ بهرام الأرمنى من الصّعيد، وأسكنه فى القصور وأكرمه، فعظم ذلك على الأفضل رضوان، فشغب الحافظ عليه الجند، فقام بعضهم عليه، وجرت بينهم حرب بالقاهرة. وطلب رضوان أن يسكن مع الحافظ فى القصور، فلم يمكّنه. فتزايد الحال على الأفضل وضعفت قدرته عن لقاء العساكر، فهرب إلى الشام، وذلك فى منتصف شوال منها، وقصد

стр. 11000

كمشتكين والى صرخد «١» ، فأقام عنده فأكرمه «٢» . ثمّ عاد إلى مصر فى سلخ المحرّم سنة أربع وثلاثين وقد جمع جمعا صالحا من الجند، فخرج إليه العسكر وحاربوه عند باب الفتوح، فمضى ونزل عند الرّصد، ثم مضى إلى الصّعيد. فندب اليه الحافظ الأمير سيف الدّولة أبا الفضل «٣» بن مصال بأمان؛ فسار إليه وتلطّف به، إلى أن أحضره إلى القصر، فى رابع شهر ربيع الآخر من السّنة، فاعتقله فى بعض قاعات القصور. فأقام فى الاعتقال إلى سنة اثنتين وأربعين، فخرج من نقب نقبه فى القصر، وذلك فى ليلة الثّلاثاء لسبع بقين من ذى القعدة منها. وركب وحوله جماعة ممن كان يكاتبه، وتوجّه إلى الجيزة، ولقى عسكر الحافظ وقاتلهم عند جامع ابن طولون، فهزمهم. ودخل القاهرة، ونزل بالجامع الأقمر «٤» ، وأغلق الحافظ باب القصر فى وجهه؛ فاستحضر رضوان أرباب الدّولة والدّواوين، وأمر ديوان الجيش بعرض الجند، فعرضهم، وأخذ أموالا كثيرة خارجة عن القصر كانت فى الدّواوين، وأنفق؛ وأرسل إلى الحافظ فى طلب المال، فأرسل إليه عشرين ألف دينار. وأمر الحافظ مقدّمى السّودان بالهجوم على رضوان وقتله، فهجموا عليه، فهمّ بالركوب، فاعجلوه عن ذلك، وضربه بعضهم بسيف فقتله. وقتل معه أخوه، وأحضرت رأساهما إلى الحافظ.

стр. 11001

وسكنت الفتنة، وأرسل الحافظ الرأس [٩١] لزوجة رضوان فلمّا وقع فى حجرها قالت: هكذا تكون الرجال. فلم يكن فى وقت رضوان أسمع «١» منه. وكان مولده فى سنة تسع وثمانين وأربعمائة. وأوّل ولاية وليها الأعمال القوصيّة والأعمال الإخميمية فى سنة ثمان وعشرين وخمسمائة. ذكر وفاة بهرام الأرمنى كانت وفاته لستّ بقين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وخمسمائة بالقصور، وكان الحافظ قد أسكنه بدار بها ولم يمكّنه من التصرف، وكان يشاوره فى تدبير الدّولة والأمور ويصدر عن رأيه. فلمّا هلك حزن عليه حزنا شديدا، وأمر بغلق الدّواوين ثلاثة أيام. وأحضر الحافظ بطرك الملكية بمصر، وأمره بتجهيزه، فجهّزه. وأخرج وقت صلاة الظّهر فى تابوت عليه الدّيباج، وحوله جماعة من النّصارى يبخّرون باللّبان والسّندروس والعود؛ وخرج النّاس كلّهم مشاة ولم يتخلّف عن جنازته أحد من الأعيان. ثمّ خرج الحافظ على بغلة خلف التّابوت وعليه عمامة خضراء وثوب أخضر بغير طيلسان. ولم تزل النّاس مشاة والقسوس يعلنون بقراءة الإنجيل، والحافظ على حالته إلى دير الخندق «٢» بظاهر القاهرة؛ وقيل بل فى بستان الزّهرى

стр. 11002

فى الكنيسة المستجدة «١» . ونزل الحافظ عن بغلته، وجلس على شفير القبر، وبكى بكاء «٢» كثيرا. وفى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة طلع النّيل حتى بلغ تسعة عشر ذراعا وأربع أصابع «٣» ، ووصل الماء إلى الباب الجديد «٤» أوّل الشارع الأعظم بالقاهرة، وصار النّاس يتوجّهون من القاهرة إلى مصر من جهة المقابر. ولمّا وصل الماء إلى الباب أظهر الحافظ الحزن والانقطاع، فدخل عليه بعض خواصّه وسأله عن السّبب، فأخرج له كتابا وقال له: انظر هذا السّطر؛ فقرأه، فإذا فيه، إذا وصل الماء إلى الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد. وقال: هذا الكتاب الذى تعلم منه أحوالنا وأحوال الدّولة وما يأتى بعدها «٥» . ذكر وفاة الحافظ لدين الله وشىء من أخباره كانت وفاته فى ليلة الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ومولده فى المحرّم سنة أربع وستّين

стр. 11003

وأربعمائة، وقيل فى المحرّم سنة ثمان وستين «١» . فكانت مدّة عمره ستّا وسبعين سنة وشهورا، ومدّة ولايته منذ بويع البيعة العامّة الثانية، بعد قتل أحمد بن الأفضل، ثمانى عشرة سنة وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما. قال المؤرخ: وكان الحافظ موصوفا بالبطش والتيقّظ؛ وكان شديد المناقشة. وهو الذى عمل طبل القولنج الذى كسره الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف؛ وكان هذا الطّبل قد عمل من سبعة معادن والكواكب السبعة فى إشراقها. وكان خاصّته أنه كلّما ضرب به ضربة خرج الرّيح من مخرج الضّارب «٢» . قال بعض المؤرخين: إنّ الحافظ خطر بباله أن ينقل رسول الله ﷺ من المدينة إلى القاهرة، وكانت المدينة إذ ذاك يخطب بها لبنى العبّاس، لظهور ملوك الدّولة السّلجقية؛ فأرسل نحوا من أربعين رجلا من أهل النّجدة والقدرة، فتوجّهوا إلى المدينة وأقاموا بها مدّة، وتحيّلوا بأن حفروا سربا من مكان بعيد، وعملوا حساب الخروج فى المكان المقصود. فعصم الله تعالى نبيّه ﷺ من أن ينقل من المكان الذى اختاره له؛ فيقال إن السّرب انهار عليهم فهلكوا؛ وقيل بل سعى بهم فأهلكوا. وكان للحافظ من الأولاد: أبو علىّ حسن؛ هلك كما ذكرنا؛ وعبد الله، هلك فى حياته أيضا؛ وأبو المنصور إسماعيل؛ وأبو الأمانه جبريل؛ ويوسف.

стр. 11004

ووزراؤه: تقدّم ذكرهم. ولمّا قتل رضوان بن الولخشى لم يستوزر بعده أحدا، وإنما كانوا كتّابا. فمن أشهر كتابه أبو على حسن الأنصارى كان [القاضى] «١» الفاضل يقول: لم يسمح الزّمان يمثله. ومن أشهر شعرائه الشّريف أبو الحسن الأخفش المغربى، فى جملة شعره فى قصيدة: ذكر الدّوح وشاطى بردى ... وحبابا فيه يحكى بردا [٩٢] والصّبا يمرح فى أرجائه ... وتحوك الرّيح منه زردا ينثر الدّرّ عليه فضّة ... وتذيب الشمس فيه عسجدا ورشألو لم تكن ريقته ... خمرة صافية ما عر بدا قضاته: لمّا غلب أحمد بن الأفضل على الآمر، أبقى محمد ابن هبة الله ابن ميسّر القيسرانى على القضاء، ثم صرفه الحافظ واستقضى أبا الفخر صالح بن عبد الله بن أبى رجاء؛ ثم قبض عليه الوزير يانس الرّومى وقتله، فولّى سراج الدّين أبو الثّريّا نجم من جعفر، مضافا إلى الدّعوة، إلى أن قتل فى ذى القعدة سنة ثمان وعشرين؛ فأعيد سناء الملك بن ميسّر، فأقام إلى أن قبض عليه فى يوم الأحد لسبع خلون من المحرم سنة إحدى وثلاثين، وسيّر إلى تنّيس فقتل بها. وولى بعده القاضى الأعزّ أبو المكارم أحمد بن عبد الرّحمن بن محمد بن أبى عقيل، إلى أن توفى فى شعبان سنة ثلاث

стр. 11005

وثلاثين. وأقام الناس بغير قاض ثلاثة أشهر، ثم ولى أبو الفضائل هبة الله بن عبد الوارث الأنصارى لإحدى عشرة ليلة خلت من ذى القعدة منها. ثمّ جرت مفاوضة بينه وبين «النبيه» «١» أبى الحسن على بن «اسماعيل» «٢» ، قيل أدّت الى مصافعة خرج فى أثنائها القاضى إلى القصر وهو مخرّق الأثواب وقد تحلّقت عمامته فى حلقه، فعظم على الحافظ خروجه على هذه الهيئة وغرّمه مائتى دينار؛ واستناب أبا طاهر إسماعيل ابن سلامه الأنصارى، فأقام فى النّيابة إلى مستهلّ المحرّم سنة خمس وثلاثين، فوفّر جارى القضاء، وهو أربعون دينارا فى كل شهر، وخدم لجارى التّقدمة فى الدّعوة، وهو ثلاثون دينارا، فى الوظيفتين؛ فأجيب إلى ذلك وأقام إلى أن صرف لسبع خلون من صفر سنة ثلاث وأربعين، وبقى على الدّعوة. وولى القضاء أبو الفضائل يونس بن محمد بن الحسين المقدسى إلى آخر المدّة «٣» . ذكر بيعة الظّافر بأعداء الله هو أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ لدين الله، وهو الثّانى عشر من ملوك الدّولة العبيديّة والتّاسع من ملوك الدّيار المصريّة منهم. بويع له بعد وفاة أبيه لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة أربع وأربعين وخمسمائة. واستوزر الأمير نجم الدّين أبا الفتح سليم بن محمّد بن

стр. 11006

مصال، ونعته بالسيّد الأجل المفضّل أمير الجيوش؛ وكان إذ ذاك من أكابر أمراء الدّولة. وفى الرابع من شعبان من السّنة اجتمع السودان وجماعة من المفسدين بالبهنسانية «١» ، فخرج إليهم الوزير فحاربهم وهزمهم. ذكر قيام العادل بن السّلار ووزارته ومقتل ابن مصال فى هذه السنة ثار الأمير المظفّر أبو الحسن على «٢» بن السّلار والى الإسكندرية وخرج وحشد وتقدّم بمن معه، ودخل القاهرة فى يوم الأربعاء سابع شعبان، ووقف على باب القصر، وراسل الظافر والمدبّر له من النساء؛ فراجعت فى ذلك وفاء لابن مصال، ثم أجيب إلى ما سأله. وفتح باب القصر، وخلع على المظفّر خلع الوزارة ولقّب بالعادل. فلمّا اتصل ذلك بابن مصال جمع عربان البلاد، ووافقه بدر بن رافع مقدّم العربان بتلك البلاد؛ وقصد ابن السّلار فندب إليه ربيبه عبّاس بن يحيى بن تميم بن المعّز بن باديس بعسكر معه. فعسكر ببركة الحبش. فندب ابن مصال لحربه الأمير الماجد فجدّ فى السّير وكبس عسكر عباس، فأثحنهم جراحا وقتلا؛ فانهزم عباس.

стр. 11007

واجمع ابن مصال رأيه على قصد بلاد الصّعيد، فعاجله ابن السّلار وأمدّ ربيبه بالعساكر وأمره بمعاجلته قبل الجمع، فأدركه بالقرب من دلاص «١» . والتقوا بينها وبين مهد، وهى قرية هناك، واقتتلوا؛ فانجلت الحرب عن قتل ابن مصال وبدر بن رافع. وكانت هذه الوقعة فى يوم الأحد تاسع عشر شوال. وحمل رأس ابن مصال إلى القاهرة، وطيف به، وخلع على العادل فى ذلك «٢» اليوم. وفى السّادس والعشرين من شهر رمضان أغلق العادل أبواب القاهرة والقصور، وقبض على صبيان الخاصّ وقتلهم، وكانوا جمعا كثيرا وهم أولاد الأجناد والأمراء وعبيد الدّولة فكان الرجل إذا توفّى وخلّف أولادا حملوا إلى حضرة الخلافة وأودعوا فى أماكن مفردة لهم، ويؤخذ فى تعليمهم الفروسية وغير ذلك؛ وتسمّوا صبيان الخاص. وكان سبب إيقاع العادل بهم أنه بلغه أنهم تعاقدوا على قتله، فبادر بهم، وقبض عليهم، وقتل أكثرهم، وجعل من بقى منهم فى المراكز بالثغور «٣» . وفى يوم الجمعة لأربع خلون من شوّال من السّنة قتل العادل أبا المكرّم الموفّق محمّد بن معصوم التنّيسى ناظر الدّواوين، وكان سبب ذلك أن العادل فى مبدأ أمره كان من صبيان الحجر وكان يتكرر [دخوله] «٤» إلى الموفق برسائل ويكلّمه بكلام غليظ، فكرهه

стр. 11008

الموفّق، ثم كتب بعد ذلك لابن السّلار منشور بإقطاع، فدخل به إليه، فتغافل عنه وأهمل أمره؛ فقال له ابن السّلار: ما تسمع؟ فقال: كلامك ما يدخل فى أذنى أصلا. فأخذ ابن السّلار منشوره وخرج من حيث أتى. فلمّا ولى أمر الدّولة دحل عليه الموفّق وسلّم عليه، فقال له: ما أظنّ كلامى يدخل فى أذنك. فتلجلج بين يديه وقال له: عفو السّلطان. فقال: قد استعملت للعفو من حين خروجى من عندك، ما أتيتك به. وأشار لبعض خدمه فأحضر مسمارا من حديد عظيم الهيئة «١» ، وقال: هذا والله أعددته لك من ذلك الوقت. وضرب المسمار فى أذنه حتى نفذ من الأخرى، وحمل إلى باب زويلة الأوسط ودقّ المسمار فى خشبة، وعلّق عليها وقد مات. ذكر ما فعله الفرنج بالفرما وما جهّزه العادل من الأسطول إلى بلادهم وفى شهر رجب سنة خمس وأربعين وخمسمائة أغار الفرنج على الفرما فنهبوها وأحرقوها «٢» وعادوا إلى بلادهم. فجهّز العادل المراكب الحربيّة وشحنها بالرّجال وسفّرها فى شهر ربيع الأول سنة ستّ وأربعين، فمضت إلى يافا وقاتلوا من بها فى المراكب، واستولوا على عدّة كثيرة من مراكب الفرنج، وأحرقوا ما عجزوا عن أخذه، وقتلوا خلقا كثيرا. ثم امتدّوا إلى ثغر عكّا وفعلوا فيه كفعلهم بيافا. وكذلك فعلوا بصيدا وبيروت وطرابلس. وأنكوا فى الفرنج نكاية عظيمة.

стр. 11009

ووجدوا طائفة كثيرة من حجّاج الفرنج فقتلوهم عن اخرهم. وكان جملة ما أنفق فى هذا الأسطول ثلاثمائة ألف «١» دينار. وفى سنة ستّ وأربعين قطعت جميع الكساوى المرتّبة للأمراء والدّواوين عن أربابها، وتوفّرت. ذكر مقتل العادل بن السّلار وسلطنة ربيبه عبّاس كان مقتله فى السّادس من المحرّم سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. وكان سبب ذلك أن العادة كانت جارية بتجريد عسكر من مصر فى كلّ سنة لحفظ عسقلان من الفرنج، وكان الفرنج قد حاصروها فى سنة سبع وأربعين. فلمّا كان فى هذه السنة وقعت القرعة فى البدل على عبّاس ربيب العادل، وهو ابن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس، فجرّده العادل بالعساكر، وقال له: هذا الثّغر قد نازله الفرنج، ولا غنية أن تتوجّه بالعساكر إليه لتدفعهم عنه. فخرج عباس من القاهرة ومعه جماعة من أكابر الأمراء، منهم أسامة بن منقذ، وكان خصيصا بعبّاس فلمّا وصلوا إلى بلبيس تذاكر عبّاس وأسامة القاهرة وطيب المقام بها وما خرجا إليه، وما يلقيانه من الشّدائد ولقاء العدوّ؛ فتأوّه عبّاس لذلك ولام عمّه كونه جرّده، فقال له أسامة: لو أردت أنت كنت سلطان مصر. قال: وكيف الحيلة فى ذلك؟ فقال: هذا ولدك نصر «٢» ، بينه وبين الظّافر مودّة عظيمة، فأرسله إليه وخاطبه على لسانه أن تكون أنت

стр. 11010

السّلطان مكان عمّك، فهو يختارك ويكره العادل. فإن أجابك لذلك فاقتل عمّك. فجهّز عبّاس ابنه وعرّفه ما تقرّر مع أسامة. فدخل إلى القاهرة على حين غفلة من العادل؛ واجتمع بالظّافر وأعلمه الحال؛ فأجاب لما طلب. ثمّ مضى نصر إلى عند جدّته، زوجة العادل «١» ، وأعلم العادل أنّ والده أعاده شفقة عليه من السّفر. ومضى العادل إلى مصر وجهّز المراكب الحربية، وأنفق فى رجالها ليلحق عبّاسا، وأقام طول نهاره فى العرض [٩٤] والنّفقة على رجالها، وعاد إلى داره بالقاهرة وهو على غاية من التّعب. فلمّا نام على فراشه احتزّ نصر بن عبّاس رأسه، ومضى به إلى القصر، ودخل إلى الظّافر، وجهّز إلى أبيه، فركب لوقته؛ ودخل القاهرة صبيحة نهار الأحد الثّانى عشر من المحرّم، فوجد جماعة من الأتراك، كان العادل قد اصطنعهم لنفسه، قد ثاروا لذلك، فلا طفهم وطمّنهم؛ فلم يطمئنوا. ومضوا إلى دمشق. وكانت وزارة العادل ثلاث سنين ونصف سنة تقريبا؛ وكان من الأكراد الزرزارية. ولمّا قتل طيف برأسه فى القاهرة جميعا. ونصب الظّافر عبّاسا فى السّلطنة «٢» . ذكر مقتل الظّافر بأعداء الله وأخويه كان مقتله فى ليلة الخميس سلخ المحرّم سنة تسع وأربعين وخمسمائة. وذلك أنه خرج ليلا متنكّرا ومعه خادمان وجاء إلى دار نصر

стр. 11011

ابن عبّاس، وهى الدّار المعروفة قديما بدار جبر بن القاسم ثم عرفت بسكن المأمون بن البطائحى، وهى المدرسة المعروفة بالسّيوفيّة «١» فى وقتنا هذا، المقابلة لحافر الدبابله. بخط سوق السّيوفيين بالقاهرة وهى لطائفة الفقهاء الحنفيّة. فلمّا جاء الظّافر إليه قتله نصر بن عبّاس، وحفر له تحت لوح رخام ودفنه «٢» ، وقتل أحد الخادمين وهرب الآخر. وكان سبب ذلك أنّ الأمراء استوحشوا من أسامة بن منقد لمّا حسّن لعبّاس قتل عمّه العادل، وقصدوا قتل أسامة. فلمّا علم بذلك اجتمع بعبّاس وقال له: كيف تصبر على ما يقوله النّاس فى ولدك واتّهامهم أنّ الخليفة الظّافر يفعل به ما يفعله مع النساء! فعظم ذلك على عبّاس. وقيل بل كان الظّافر قد أنعم على نصر بن عبّاس بقليوب، فجاء نصر إلى والده وأعلمه بذلك، فقال له أسامة: ما هى بمهرك غالية. فقال عبّاس لأسامة: كيف تكون الحيلة على هذا الأمر؟ فقال: إنّ الخليفة فى كلّ وقت يأتى لولدك فى هذه الدّار خفية، فإذا أتاه فأمره بقتله. فأوصى عبّاس ابنه بذلك؛ فلما جاءه قتله نصر «٣» . قال: ولمّا كان صبيحة يوم قتله ركب عبّاس وولده على العادة وأتى إلى القصر؛ فقال لبعض الخدم: أعلم مولانا ليجلس للاجتماع معه.

стр. 11012

فدخل وأعلم أهل القصر بما التمسه عبّاس من الاجتماع بالخليفة. فقالوا: قل له إنّه خرج البارحة ولم يعد. فجاء الخادم إليه وأعلمه الخبر؛ فشدّد عبّاس فى طلب الظّافر، ودخل إلى القاعات ومعه أكابر الخدم، وقال: لا بدّ من مولانا. فقيل له عند دلك: أنت أعلم بحاله. فأحضر أخويه يوسف وجبريل وقال لهما: أنتما قتلتما مولانا. فأنكرا ذلك وحلفا عليه الأيمان المغلّظة. وأحضر القاضى وجماعة من الأعيان أهل الفتيا وداعى الدّعاة وقال: قد صحّ عندى أنّ أخوى الظّافر قتلاه. فأفتوه بقتلهما؛ فقتلا بين يديه وقيل إنّه قتل معهما أبا البقاء ابن حسن بن الحافظ، وصارم الدّولة، مصلح، زمام القصر «١» قال: وكان الظافر من أحسن خلق الله وجها. وكان مولده يوم الأحد، النّصف من شهر ربيع الآخر «٢» سنة سبع وعشرين وخمسمائة؛ فكانت مدّة عمره إحدى وعشرين سنة وتسعة أشهر وخمسة عشر يوما؛ ومدّة ولايته أربع سنين وسبعة أشهر وخمسة أيام «٣» ولده: أبو القاسم عيسى. وزراؤه: تقدّم ذكرهم. قضاته: أبو الفضائل يونس، إلى أن صرفه العادل بن السّلار فى سنة سبع وأربعين؛ وولّى أبا المعالى مجلى «٤» بن نجا المخزومى، فأقام إلى آخر الدّولة.

стр. 11013

ذكر بيعة الفائز بنصر الله هو أبو القاسم عيسى بن الظّافر بأعداء الله؛ وهو الثالث عشر من ملوك الدّولة العبيديّة والعاشر من ملوك الدّيار المصرية منهم. بويع له بعد مقتل والده فى يوم الخميس سلخ المحرّم سنة تسع وأربعين وخمسمائة، وعمره خمس سنين. وذلك أنّه لما قتل الظّافر استدعى عبّاس ابنه أبا القاسم عيسى هذا وحمله على كتفه، ووقف فى القاعة، وأمر أن تدخل الأمراء، فدخلوا؛ فقال: هذا ولد مولاكم وقد قتل أبوه وعمّاه كما ترون، والواجب الطّاعة لهذا الطفل. فقالوا بأجمعهم: سمعنا وأطعنا؛ وصاحوا صيحة عظيمة زلّ منها عقل الصّبى واختل. ثمّ سيّره [٩٥] إلى إمّه ولقّب بالفائز؛ فأقام يصرع فى كلّ يوم «١» . وانفرد عبّاس بالوزارة وبتدبير الأمور، ولم يبق على يده يد، وظنّ أن الأمر استقام له. ذكر خروج عبّاس من الوزارة وما آل إليه أمره قال المؤرخ: لما قتل الظّافر بأعداء الله أكثر أهل القصر النّواح عليه، وشرعوا فى إعمال الحيلة على عبّاس، ووافق ذلك نفور الأمراء منه لإقدامه على القتل: فاختلفت الكلمة عليه، وهاجت العساكر. وتفرّقت الفرق، ولبسوا السّلاح. فخرج إليهم عبّاس فى يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول من السنة، فقاتلهم وهزمهم، وقتل جماعة منهم.

стр. 11014

فأرسلت عمّة الفائز أخت الظّافر شعور أهل القصر طىّ الكتب إلى الأمير طلائع ابن رزّيك، وهو إذ ذاك متولّى الأعمال السّيوطية، وقيل كان متولّى منية بنى خصيب «١» ، وسألوه الانتصار لمولاه فجمع العربان والأجناد ومقطعى البلاد، وسار إلى القاهرة، فوصل إليها فى تاسع عشر شهر ربيع الأول من السّنة، وخرج النّاس للقائه. فاستشار عبّاس أسامة بن منقد فأشار عليه باللّحاق بالشّام. فدخل إلى القصر وأخذ فى [جمع] «٢» تحفه وحمل أمواله، وسار هو وأسامة بن منقذ إلى الشّام على طريق أيلة. فأرسلت عمّة الفائز إلى الفرنج بعسقلان رسلا على البريد تعلمهم الحال وتبذل لهم الأموال فى الخروج على عبّاس وأخذ ما معه. فخرجوا إليه وقاتلوه، فتخاذل عنه أصحابه، ونهبوا ما معه فأسره الفرنج وحملوه إلى عسقلان؛ ونجا أسامة إلى دمشق «٣» . وقيل إن الفرنج قتلوا عبّاسا وأسروا ابنه نصرا ففداه الصّالح بن رزّيك، وأحضره إلى القاهرة وضرب عنقه. ذكر وزارة الصّالح أبى الغارات طلائع بن رزيك قال المؤرخ: لمّا توجّه عبّاس نحو الشّام وافق ذلك قدوم طلائع بن رزيك، فخرج الأمراء والعساكر إليه. فمن الأمراء من شهر سلاحه

стр. 11015

وقاتله، ومنهم من التحق به؛ ثم انجلى الأمر بعد ساعة عن دخول طلائع إلى القاهرة والعساكر بين يديه. وشقّ القاهرة وهو لابس السّواد، وأعلامه سود كذلك حزنا على الظّافر، وشعور نساء القصر التى سيّرت إليه على الرّماح «١» . ونزل طلائع دار المأمون الّتى كان بها نصر بن عبّاس، وأحضر الخادم الذى كان مع الظّافر لمّا قتل وأعلمهم بمكانه، فأخرج وغسّل وكفّن، وحمل فى تابوت على أعناق الأمراء والأستاذين، وابن رزّيك يمشى أمام التّابوت. وأتوا به إلى القصر فصلّى عليه ابنه الفائز ودفن فى تربتهم بالقصر وجلس الفائز فى بقيّة النّهار، وخلع على ابن رزّيك بالموشّح والعقد، وعلى ولده وإخوته وحاشيته، وقرئ سجلّه «٢» بالوزارة، ونعت بالملك الصّالح. وقبض على جماعة من الأمراء وقتلهم، فى ثالث عشرى شهر ربيع الأول من السنة وفى سنة خمسين وخمسمائة خرج الأمير تميم «٣» ، متولّى إخميم وأسيوط، على الصّالح، وجمع جمعا صالحا «٤» ، فأخرج إليه الصّالح عسكرا، فالتقوا واقتتلوا، فقتل تميم فى سابع عشر رجب. وفى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة انفسخت الهدنة بين الصّالح بن رزّيك والفرنج، فجهّز الصّالح الجيوش والسّرايا إلى بلاد الفرنج. فوصلت سريّة إلى عسقلان وغنمت وعادت سالمة. وجهّز المراكب فى

стр. 11016

البحر إلى نحو بيروت، فأوقعت بمراكب الفرنج. وجهّز سريّة إلى جهة الشّوبك «١» فعاثوا فى تلك النّواحى، وعادوا سالمين بالغنائم والأسرى. وفى يوم الثلاثاء تاسع عشر ذى الحجّة سنة اثنتين وخمسين قبض الصّالح ابن رزّيك على الأمير ناصر الدّولة ياقوت وأولاده واعتقلهم؛ وسبب ذلك أنّه بلغه أنّه كاتب أخت الظّافر وقصد القيام على الصّالح، وكان واليا عاملا على الأعمال القوصيّة، وهو بالقاهرة. ولم يزل فى حبسه إلى أن توفى فى شهر رجب سنة ثلاث وخمسين. وفى سنة أربع وخمسين ثار على الصّالح طرخان بن سليط بن ظريف، متولّى الإسكندريّة، وجمع جموعا من العربان وغيرها؛ وتقدّم بها لحربه؛ فندب الصّالح إليه الأمير عزّ الدّين حسام بن فضّة بعسكر، فالتقوا واقتتلوا، فهزم حسام جيوشه وظفر به؛ فاعتقله الصّالح. فلمّا كان فى المحرّم سنة خمس وخمسين ثار أخوه إسماعيل طلبا لثأره، وتلقّب بالملك الهادى؛ فندب الصّالح [٩٦] إليه الجيوش. فلمّا هجمت عليه هرب وأتى الجيزة، واستتر عند بعض العربان. فلمّا كان فى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر هرب طرخان من الاعتقال هو والموكل به، فقبض عليه فى السّادس من الشهر وصلب على باب زويلة، ورمى بالنشّاب، ثم مسك أخوه إسماعيل وصلب إلى جانبه بعد ضرب عنقه «٢» . وفى سنة أربع وخمسين بنى الصّالح حصنا من اللبن على مدينة بلبيس «٣» .

стр. 11017

ذكر وفاة الفائز بنصر الله كانت وفاته فى ليلة الجمعة السّابع عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة؛ وقيل لليلة بقيت منه؛ وكان مولده فى يوم الجمعة لتسع بقين من المحرّم سنة أربع وأربعين، فكان عمره إحدى عشرة سنة وستّة أشهر وأيّاما، ومدّة ولايته ستّ سنين وخمسة أشهر وسبعة عشر يوما «١» . وزراؤه: الأفضل عبّاس بن يحيى بن تميم؛ ثم الصّالح طلائع بن رزّيك. قضاته: أبو المعالى مجلّى بن نجا القرشى المخزومىّ؛ ثمّ صرف فى أوّل وزارة الصّالح، وأعيد أبو الفضائل يونس؛ ثم صرف بالقاضى المفضّل أبى القاسم هبة الله بن كامل. ذكر بيعة العاضد لدين الله هو أبو محمد عبد الله بن يوسف، بن الحافظ عبد المجيد، بن محمد، ابن المستنصر بالله أبى تميم معدّ، بن الظّاهر لإعزاز دين الله أبى هاشم على، بن الحاكم بأمر الله أبى على المنصور [بن العزيز بالله] «٢» نزار، بن المعزّ لدين الله أبى تميم معدّ، بن المنصور بنصر الله أبى طاهر إسماعيل، ابن القائم بأمر الله أبى القاسم محمد، بن المهدىّ عبيد الله. وهو الرابع عشر من ملوك الدولة العبيدية، والحادى عشر من ملوك الديار المصرية

стр. 11018

منهم؛ وعليه انقرضت دولتهم. بويع له بعد وفاة الفائز بنصر الله فى يوم الجمعة السّابع عشر من شهر رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة. وكان الملك الصّالح طلائع قصد أن يبايع لشخص من أقارب العاضد، فقال له بعض أصحابه لا يكن عبّاس أحزم منك حيث اختار صغيرا وترك من هو أسنّ منه، واستبدّ هو بالأمر. فعدل الصّالح إلى العاضد، وبايع له وهو مراهق البلوغ؛ فكانت الخلافة للعاضد اسما وللصّالح رسما «١» . ويوسف أبو العاضد هو أحد الأخوين «٢» اللذين قتلهما عبّاس بعد قتل الظافر. وفى سنة ستّ وخمسين تزوّج العاضد لدين الله بابنة الملك الصّالح بن رزّيك؛ وكان العاضد توقّف عن زواجها، فجبره الصّالح على ذلك واعتقله إلى أن تزوّجها؛ وقصد بذلك أن يرزق العاضد منها ولدا فتحصل الخلافة والملك لبنى رزّيك، فجاء بخلاف ما قصد «٣» .

стр. 11019

ذكر مقتل الملك الصّالح طلائع بن رزّيك وقيام ولده الملك العادل رزّيك كان مقتله فى السّابع عشر من شهر رمضان سنة ستّ وخمسين وخمسمائة. وذلك أنّه ركب فى هذا اليوم من دار الوزارة إلى القصر، وجلس على مرتبته على عادته؛ فلمّا انقضى المجلس خرج؛ فبينما هو فى دهاليز القصر وثب عليه جماعة فضربوه بالسّكاكين عدّة ضربات مهلكة. وكان سبب ذلك أنّه تحكّم فى الدّولة لخلوّها من الأمراء وصغر سنّ العاضد، وكان قد فرّق الأمراء وقتل بعضهم؛ فبعثت ستّ القصور عمّة العاضد الأموال إلى بعض الأمراء وأغرتهم به، فرتبوا ذلك. قال: ولمّا ضرب بالسّكاكين ألقى ابن الزّبد نفسه عليه وقاتل دونه ودخل بقيّة الأمراء فخلّصوه فركب وبه بعض رمق. فلمّا رأته ستّ القصور وقد ركب أيقنت بالهلاك. قال: ولمّا استقرّ فى منزله أرسل إلى العاضد يعاتبه على ما كان منه، فحلف وأنكر أن يكون اطّلع «١» على هذا الأمر قبل وقوعه فأرسل إليه أن يبعث إليه عمّته ستّ القصور، فتوقّف العاضد عن ذلك، فأرسل الصّالح إلى [ست] «٢» القصور وأخرجها؛ فلما جاءت إلى منزله أمر [٩٧] بخنقها، فخنقت بين يديه حتّى ماتت. ومات الصّالح فى بقيّة ليلته. قال: وكان الصّالح شديد التّشيّع متغاليا فى مذهب الإماميّة؛ وكان يكره أهل السّنّة. وقيل إنّه كان يسبّ الصّحابة، رضى الله عنهم،

стр. 11020

وغضب على من يتنقّصهم. وكان فيه بخل وحسد. ومنع فى أيّامه من بيع الغلال حتى غلت الأسعار. وكان كثير التّطلّع إلى ما فى أيدى النّاس، وصادر جماعة ليس لهم تعلّق بالدّولة وأفنى الأمراء قتلا واعتقالا. وهو أوّل من خوطب بالملك فى الدّيار المصريّة «١» . وقال ابن الحباب فى سيرته: إنّه من ولد جبلة بن الأيهم الغسّانى الذى ارتدّ عن الإسلام فى خلافة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه. قال المؤرخ: وكان والد الصّالح يسمى أسد رزّيك، قدم مع أمير الجيوش بدر الجمالى. قال: وكان الصّالح مع ذلك حازما ضابطا لأمور دولته شاعرا أديبا. قال القاضى الأرشد عمارة اليمنى «٢» ، دخلت على الصّالح قبل وفاته بليلتين فناولنى رقعة وقال: قد عملت هذين البيتين فى هذه السّاعة؛ فإذا فيها: نحن فى غفلة ونوم وللمو ... ت عيون يقظانة لا تنام قد رحلنا إلى الحمام سنينا ... ليت شعرى! متى يكون الحمام!!

стр. 11021

فقلت: هما صالحان، وقمت، فكان آخر عهدى به «١» . قال المؤرخ: وكان الصّالح يقطع اللّيل أثلاثا: فالثّلث الأوّل مع أمراء دولته ووجوهها؛ والثّلث الثّانى مع جلسائه وندمائه وشعرائه؛ والثّلث الثالث مع خواصّ نسائه. فكان يسمّى: أبو العمرين قالوا: وكذلك كان أمير الجيوش بدر الجمالى: ومن شعر الصّالح قوله: يا مريض القلب بالذّن ... ب، متى بالعفّو تبرا كلّما جدّدت يوما ... توبة ضيّعت أخرى تشتهى الأجر ولا تف ... عل ما يكسب أجرا أترى بعد ذهاب ال ... عمر تستأنف عمرا وقوله: يا ماشيا فوق الثّرى ... رفقا، فسوف تصير تحته إن قلت إنّى أعرف ال ... مولى القدير، فما عرفته إن كنت تعبد للمخا ... فة والرّجاء، فما عبدته «٢» والصّالح هو الذى بنى الجامع «٣» خارج باب زويلة المعروف به. وكان يقول: ندمت على ثلاثة: أحدها أننى بنيت الجامع بظاهر القاهرة وجعلته عونا على باب زويلة فيضرّها وقت الحصار؛ والأخرى توليتى شاور أعمال الصّعيد، والله لا كان خراب دولة بنى رزّيك إلا على يديه؛

стр. 11022

والثّالثة أنّنى أنفقت فى العساكر مائتى ألف دينار لأجل فتح بيت المقدس فتأخّرت عن ذلك «١» . قال: ولمّا توفى دفن بدار الوزارة ثمّ نقل إلى تربته الّتى بقرافة مصر. قال: ولمّا حضرته الوفاة أحضر ولده رزّيك وأوصاه بوصايا كثيرة، من جملتها أنّه لا يعزل شاور ولا يغيّر عليه مغيّرا. قال: ورثاه الشّعراء بقصائد كثيرة، فيها ما قاله القاضى الأرشد عمارة اليمنى: أفى أهل ذا النّادى عليم أسائله ... فإنّى لما بى، ذاهب العقل ذاهله «٢» سمعت حديثا أحسد الصّمّ عنده ... ويذهل واعيه، ويخرس قائله ومنها: وقد رابنى من شاهد الحال أنّنى ... أرى الدّست منصوبا وما فيه كافله وأنّى أرى فوق الوجوه كآية ... تدلّ على أنّ النّفوس ثواكله دعونى. فما هذا أوان بكائه «٣» ... سياتيكم طلّ البكاء ووابله وهى قصيدة طويلة أتى فيها بكل عجيب قال: ولمّا مات الصّالح خرجت الخلع من القصر لولده، وتلقّب بالملك العادل مجد الإسلام «٤»

стр. 11023

[٩٨] ذكر ظهور حسين بن نزار وقتله وفى شهر رمضان سنة سبع وخمسين وخمسمائة ورد حسين بن نزار، بن المستنصر بالله ابن الظّاهر لإعزاز دين الله من بلاد المغرب، وقد جمع جمعا عظيما وتلقب بالمنتصر بالله؛ فخرج إليه الأمير عزّ الدين حسام بن فضّة ابن رزّيك على صورة الانضمام إليه واللّحاق به. فلمّا صار عنده فى خيمته غدر به وقتله، وحمل رأسه إلى العاضد لدين الله. وفيها بنى الأمير أبو الأشبال ضرغام البرج المعروف به بثغر الإسكندرية. ذكر انقراض دولة بنى رزيك قد ذكرنا أن الملك الصّالح بن رزّيك، والد العادل، لمّا حضرته الوفاة أوصى ابنه العادل بوصايا كثيرة منها أنّه لا يعزل شاور من عمله ولا يحرّكه؛ وحذّره من ذلك فلمّا كان فى سنة سبع وخمسين اجتمع أقارب العادل وحسّنوا له عزل شاور عن ولاية الصّعيد، فذكّرهم بوصيّة أبيه، فأصروا على عزله، وكان أشدّهم فى ذلك الأمير عزّ الدّين حسام ابن فضّة، فألزم العادل إلى أن كتب كتابا يستدعى فيه شاور ويأمره بالحضور إلى القاهرة فكتب إليه شاور يستعطفه ويظهر الطّاعة والإدلال لسابق الخدمة لأبيه، ومناصحته فى القيام بأمور الدّولة، ثمّ قال فيه إن كان القصد أن يلى الأعمال أحدكم فليرسل السّلطان من يتسلّمها غير عزّ الدين حسام؛ وإن كان غيركم من الأمراء فأنا أحق به من سواكم؛ وقد سمعتم وصيّة أبيكم الصّالح فى حقّى وما كرّره عليكم فى أمرى

стр. 11024

وإقرار أعمال الصّعيد فى يدى. وأرسل الكتاب إلى العادل، فوقف عليه، وأوقف عليه أقاربه وأهله. فقالوا: إن أبقيته طمع فى البلاد ولا يحمل إليك مالا. فقال العادل لهم: المصلحة تركه. فصمّموا على عزله. فأحضر العادل نصير الدّين شيخ الدّولة، وهو من أقاربه، وخلع عليه وولّاه الأعمال القوصيّة، وكتب على يده إلى شاور بتسليم الأعمال إليه ووصوله إلى القاهرة. وتوجّه نصير الدّين. فلمّا وصل إلى إخميم أقام بها وأرسل الكتاب إلى شاور طىّ كتابه؛ فلمّا وقف شاور على الكتاب أرسل إلى نصير الدّين رسولا من جهته برسالة يقول له: إنّ بينى وبينك صحبة ولا تغترّ بقول حسام، وارجع من حيث أتيت فهو خير لك. فرجع نصير الدّين إلى القاهرة ولم يعاوده. وأظهر شاور العصيان على الدّولة، وأحضر جماعة من العربان من بنى شيبان وغيرهم، وتوجّه من الأعمال القوصية، وجعل طريقه على الواحات، وخرج منها إلى تروجة، وحشد العربان وأنفق فيهم الأموال؛ فوافقوه وانطاعوا له؛ فسار بهم نحو القاهرة. فندب العادل لحربه سيف الدّين حسينا، صهره، ومعه جماعة من الأمراء. فراسلهم شاور واستمالهم، وبذل لهم الأموال الجمّة، فمالوا إليه فلمّا التقوا انحازوا إلى جماعته وفارقوا مقدّمهم، فانهزم حسين واستجار بظريف ابن مكنون أمير جذام فأجاره، وحمله فى البحر؛ فمضى إلى مدينة الرّسول ﷺ فمات هناك فندب إليه العادل عزّ الدّين حساما، فانهزم منه أيضا. فعند ذلك خرج العادل من القاهرة وتوجّه إلى إطفيح، واستصحب أهله وذخائره. واستجار بسليمان بن الفيض اللّخمى، وكان من

стр. 11025

أصحاب أبيه الصّالح، فأنزله عنده؛ ومضى من وقته إلى شاور وأخبره بخبر العادل، فندب إليه جماعة فأخذوه أسيرا هو ومن معه، ونهب أصحاب ابن الفيض ما كان معه. وحمل إلى شاور فوصل إليه فى ليلة الجمعة لثلاث بقين من المحرّم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة فأمر شاور باعتقاله؛ وقال لسليمان بن الفيض: لقد خبأك الصّالح ذخيرة لولده حين استجار بك فأسلمته لى، وأنا أخبئك ذخيرة لولدى. ثمّ أمر به فشنق. وسمّيت فرقة ابن الفيض غمازة من ذلك اليوم، فهى تعرف الآن بهذا الاسم. فكانت أيام العادل سنة واحدة وثلاثة أشهر وأيّاما. وجميع دولة بنى رزّيك تسع سنين تقريبا. [٩٩] ذكر وزارة شاور الأولى وخروجه منها كانت وزارته فى يوم الأحد لثمان بقين من المحرّم سنة ثمان وخمسين وخمسمائة. وذلك أنّه لما انهزمت جيوش العادل بن رزّيك وهرب هو إلى إطفيح خلت القاهرة منهم؛ فدخلها شاور، وحضر بين يدى الخليفة العاضد لدين الله، فخلع عليه خلع الوزارة، وسلطنه، ولقّبه بأمير الجيوش. وأطلق شاور لأهل القصور الإطلاقات الكثيرة، وزادهم على مقرّراتهم فى أيّام بنى رزّيك واستدعى أموال بنى رزّيك وودائعهم. وبسط العدل أيّاما، ثم شرع فى ظلم النّاس؛ وبسط يده ويد أولاده فى الدّولة؛ وقطع أرزاق الأمراء والجند واستخفّ بهم وبالعاضد. وعتا ولده الكامل وتجبّر، ولبس رداء الكبر، وبذخ فى الأموال، وصرفها فى غير وجوه مصارفها «١» .

стр. 11026

وساءت سيرته فى الأمراء فأجمعوا على إخراج العادل من الاعتقال ونصبه فى الوزارة. فاتّصل ذلك بالكامل بن شاور؛ فأشار على أبيه بقتل العادل، فامتنع من ذلك وقال: إنّه أولانى خيرا فلا أقتله، فقتله الكامل من غير إذن أبيه. فعظم ذلك على شاور وعلى الأمراء، وغضب الأمراء لقتل العادل، وخرجوا عن شاور، وافترقوا على فرقتين: فكان الضّرغام وإخوته وأهله فرقة، والظّهير عزّ الدين مرتفع وعين الزّمان وابن الزّبد فرقة. وكان الضّرغام ومن معه أظهر الفرقتين. فخرج على شاور وحاربه، فجمع شاور أمواله وذخائره وغلمانه، وخرج ليلا من القاهرة، فركب الضّرغام فى إثره فلحقه عند باب النصر؛ فقاتله طىّ بن شاور، فقتل طىّ، وأسر أخوه الكامل؛ ومضى شاور إلى الشّام. وذلك فى صبيحة يوم الجمعة، لثلاث بقين من شهر رمضان من السّنة. فكانت وزارته ثمانية أشهر وخمسة أيّام «١» . والله أعلم. ذكر وزارة الضّرغام بن سوار قال: ولمّا توجّه شاور إلى الشّام عاد الضّرغام إلى القصر وأرسل إلى العاضد بما كان من أمر شاور، ومضى إلى داره بقيّة ليلته. وجاء إلى القصور من بكرة النّهار، فاستدعاه العاضد لدين الله، وولّاه الوزارة، ولقّبه بالملك المنصور، واستحلف له الأمراء.

стр. 11027

وأرسل علم الملك بن النحاس إلى الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، صاحب الشّام، يقبض على شاور. فأظهر نور الدّين الإجابة لذلك، وباطنه بخلاف ظاهره «١» . قال: ولمّا ولى الضّرغام الوزارة خرج عليه الأمير على بن الخوّاص، فظفر به الضّرغام، فأشهره بالقاهرة، وصلبه. وأحضر جماعة من الأمراء إلى داره لدعوة عملها، فلما حضروا إليه قبض عليهم وقتلهم «٢» . ذكر قدوم شاور من الشّام وعوده إلى الوزارة ثانيا وقتل الضّرغام كان قدومه فى جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وذلك أنّه لمّا توجه إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، وحسّن له أن يجهّز معه جيشا يفتح به مصر؛ ووصفها له ورغّبه فيها، والتزم أنّه يحمل خزائنها «٣» إليه يستعين بها على قتال الفرنج. فمال إليه، وجهّز معه أسد الدّين شيركوه بعساكر. فلمّا قاربوا مصر ندب إليهم الضّرغام عسكرا وقدّم عليه أخاه ناصر المسلمين، فلقيهم على بلبيس، فانهزم العسكر المصرىّ وعاد إلى القاهرة.

стр. 11028

وسار شاور والعساكر الشّاميّة، فنزل بظاهر القاهرة فى آخر الشّهر، واجتمع معه خلق كثير من العربان. فعلم الضّرغام أنّه لا قبل له بما دهمه؛ فركب إلى القصر، وطاف به، وجعل ينادى العاضد، وهو يخاف أن ينزل إليه. فأرسل إليه العاضد يقول: أنج بنفسك. فخرج من القاهرة يريد مصر، ودخل شاور وشيركوه إلى القاهرة، وندب جماعة فى إثر الضرغام فأدركوه عند مشهد السّيدة نفيسة، فقتلوه هناك فى يوم الجمعة، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. وطيف برأسه القاهرة [١٠٠] على رمح، وبقيت جثّته ملقاة بين الآكام ثلاثة أيّام حتى أكلتها الكلاب. ودفن ما بقى منه عند بركة الفيل، وعمل عليه قبّة، فكانت مدّة ملك الضرغام تسعة أشهر «١» . وكان فارسا بطلا، كريما، عاقلا، أديبا، يحبّ العلماء ويقرّبهم؛ وله مجلس يجتمع فيه أهل العلم والأدب دون غيرهم. وكان حسن الخطّ. يقال إنّه كان يحاكى ابن البوّاب «٢» فى خطّه. قال: ودخل شاور إلى العاضد لدين الله فى مستهلّ شهر رجب، فعاتبه على ما كان منه فى إحضار العسكر الشّامىّ، وحذّره عاقبة ذلك؛ فوعده أنّه يصرفهم إلى بلادهم، فقبل ذلك منه، وخلع عليه خلع الوزارة.

стр. 11029

ذكر غدر شاور بشيركوه قال: ولما انتصب شاور فى الوزارة وتمّ له ما أراد، أخذ فى التّدبير على العسكر الشّامى، وحلّف الأمراء، وتخاذل عن شيركوه؛ وصار يخرج إليه بوجه عليه آثار الغضب. ففهم أسد الدّين شيركوه عنه، وعلم شاور أنّه لا قبل له بشيركوه، فاستعان بالفرنج «١» واستدعاهم من السّاحل لنصرته، ووعدهم بالأموال. واتّصل ذلك بأسد الدّين فحاصر القاهرة. واتّصل خبر شاور بالملك العادل نور الدّين، فكتب إلى أسد الدين وأعلمه بما بلغه من مباطنة الفرنج، وأمره بالخروج عن الدّيار المصريّة. فأبى ذلك وتوجّه إلى بلبيس، واحتوى على بلاد الحوف، وجعل مدينة بلبيس ظهره. فاجتمعت العساكر المصريّة ومن أتاهم من الفرنج، ونازلوا أسد الدّين، وحصروه ببلبيس ثلاثة أشهر، وهو ممتنع بها لم يبرز إليهم، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر على الفرنج أنّ نور الدّين ملك حارم «٢» وسار إلى بانياس، فراسلوا شيركوه يسألونه الصّلح؛ فأجابهم إلى ذلك؛ وخرج من مدينة بلبيس «٣» ، فلمّا صار بظاهرها أشار شاور على تلك الفرنج بمهاجمته وقبضه فامتنع مرّى «٤» ، ملك الفرنج، وأبى إلّا الوفاء بيمينه لشيركوه. وسار أسد الدّين إلى الشّام، وعاد شاور إلى القاهرة، ومعه طائفة من الفرنج يتقوّى بهم. وكان قد بذل لهم على نصرته أربعمائة ألف دينار، ويهادنهم خمس سنين.

стр. 11030

وكان دخول شاور إلى القاهرة لستّ مضين من ذى الحجة من السّنة؛ واستمرّ بمصر من غير منازع، إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ذكر عود أسد الدّين شيركوه إلى الدّيار المصرية بالعساكر الشاميّة وانفصاله قال المؤرخ: لمّا انفصل أسد الدّين شيركوه عن الدّيار المصريّة فى سنة تسع وخمسين، بقى عنده منها أمر عظيم. وكان إذا خلا بنور الدّين الشّهيد يرغّبه فيها. فجهّزه بالعساكر والحشود، فسار من الشّام فى شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وستّين وخمسمائة، فاتّصل ذلك بشاور، فراسل الفرنج وانتصر بهم. فخرج الفرنج ووقفوا على الطّريق الّتى يسلكها شيركوه إلى الدّيار المصريّة، فعدل شيركوه عن تلك الطّريق وجعلها عن يمينه، وسار حتى نزل إطفيح، فى سادس شهر ربيع الآخر. وعبر النّيل إلى الجانب الغربىّ، ونزل الجيزة، وأقام عليها إلى العشرين من جمادى الأولى. واستولى على الغربية وغيرها. فأرسل شاور إلى الفرنج يستحثّهم، فأتوه على الصّعب والذّلول، وقد طمعوا فى ملك الدّيار المصريّة «١» . فلما تكاملوا بالقاهرة توجّه أسد الدّين شيركوه نحو الصّعيد، وسار شاور والفرنج فى آثارهم. فجمع أسد الدّين الأمراء واستشارهم [فى] «٢» العبور إلى الجانب الشّرقى والعود إلى الشّام، فوافقوه على ذلك؛ فنهض
следующие страницы →