← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11026–11065 · переход к 11031.

стр. 11026

وساءت سيرته فى الأمراء فأجمعوا على إخراج العادل من الاعتقال ونصبه فى الوزارة. فاتّصل ذلك بالكامل بن شاور؛ فأشار على أبيه بقتل العادل، فامتنع من ذلك وقال: إنّه أولانى خيرا فلا أقتله، فقتله الكامل من غير إذن أبيه. فعظم ذلك على شاور وعلى الأمراء، وغضب الأمراء لقتل العادل، وخرجوا عن شاور، وافترقوا على فرقتين: فكان الضّرغام وإخوته وأهله فرقة، والظّهير عزّ الدين مرتفع وعين الزّمان وابن الزّبد فرقة. وكان الضّرغام ومن معه أظهر الفرقتين. فخرج على شاور وحاربه، فجمع شاور أمواله وذخائره وغلمانه، وخرج ليلا من القاهرة، فركب الضّرغام فى إثره فلحقه عند باب النصر؛ فقاتله طىّ بن شاور، فقتل طىّ، وأسر أخوه الكامل؛ ومضى شاور إلى الشّام. وذلك فى صبيحة يوم الجمعة، لثلاث بقين من شهر رمضان من السّنة. فكانت وزارته ثمانية أشهر وخمسة أيّام «١» . والله أعلم. ذكر وزارة الضّرغام بن سوار قال: ولمّا توجّه شاور إلى الشّام عاد الضّرغام إلى القصر وأرسل إلى العاضد بما كان من أمر شاور، ومضى إلى داره بقيّة ليلته. وجاء إلى القصور من بكرة النّهار، فاستدعاه العاضد لدين الله، وولّاه الوزارة، ولقّبه بالملك المنصور، واستحلف له الأمراء.

стр. 11027

وأرسل علم الملك بن النحاس إلى الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، صاحب الشّام، يقبض على شاور. فأظهر نور الدّين الإجابة لذلك، وباطنه بخلاف ظاهره «١» . قال: ولمّا ولى الضّرغام الوزارة خرج عليه الأمير على بن الخوّاص، فظفر به الضّرغام، فأشهره بالقاهرة، وصلبه. وأحضر جماعة من الأمراء إلى داره لدعوة عملها، فلما حضروا إليه قبض عليهم وقتلهم «٢» . ذكر قدوم شاور من الشّام وعوده إلى الوزارة ثانيا وقتل الضّرغام كان قدومه فى جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. وذلك أنّه لمّا توجه إلى دمشق اجتمع بالملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، وحسّن له أن يجهّز معه جيشا يفتح به مصر؛ ووصفها له ورغّبه فيها، والتزم أنّه يحمل خزائنها «٣» إليه يستعين بها على قتال الفرنج. فمال إليه، وجهّز معه أسد الدّين شيركوه بعساكر. فلمّا قاربوا مصر ندب إليهم الضّرغام عسكرا وقدّم عليه أخاه ناصر المسلمين، فلقيهم على بلبيس، فانهزم العسكر المصرىّ وعاد إلى القاهرة.

стр. 11028

وسار شاور والعساكر الشّاميّة، فنزل بظاهر القاهرة فى آخر الشّهر، واجتمع معه خلق كثير من العربان. فعلم الضّرغام أنّه لا قبل له بما دهمه؛ فركب إلى القصر، وطاف به، وجعل ينادى العاضد، وهو يخاف أن ينزل إليه. فأرسل إليه العاضد يقول: أنج بنفسك. فخرج من القاهرة يريد مصر، ودخل شاور وشيركوه إلى القاهرة، وندب جماعة فى إثر الضرغام فأدركوه عند مشهد السّيدة نفيسة، فقتلوه هناك فى يوم الجمعة، لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة. وطيف برأسه القاهرة [١٠٠] على رمح، وبقيت جثّته ملقاة بين الآكام ثلاثة أيّام حتى أكلتها الكلاب. ودفن ما بقى منه عند بركة الفيل، وعمل عليه قبّة، فكانت مدّة ملك الضرغام تسعة أشهر «١» . وكان فارسا بطلا، كريما، عاقلا، أديبا، يحبّ العلماء ويقرّبهم؛ وله مجلس يجتمع فيه أهل العلم والأدب دون غيرهم. وكان حسن الخطّ. يقال إنّه كان يحاكى ابن البوّاب «٢» فى خطّه. قال: ودخل شاور إلى العاضد لدين الله فى مستهلّ شهر رجب، فعاتبه على ما كان منه فى إحضار العسكر الشّامىّ، وحذّره عاقبة ذلك؛ فوعده أنّه يصرفهم إلى بلادهم، فقبل ذلك منه، وخلع عليه خلع الوزارة.

стр. 11029

ذكر غدر شاور بشيركوه قال: ولما انتصب شاور فى الوزارة وتمّ له ما أراد، أخذ فى التّدبير على العسكر الشّامى، وحلّف الأمراء، وتخاذل عن شيركوه؛ وصار يخرج إليه بوجه عليه آثار الغضب. ففهم أسد الدّين شيركوه عنه، وعلم شاور أنّه لا قبل له بشيركوه، فاستعان بالفرنج «١» واستدعاهم من السّاحل لنصرته، ووعدهم بالأموال. واتّصل ذلك بأسد الدّين فحاصر القاهرة. واتّصل خبر شاور بالملك العادل نور الدّين، فكتب إلى أسد الدين وأعلمه بما بلغه من مباطنة الفرنج، وأمره بالخروج عن الدّيار المصريّة. فأبى ذلك وتوجّه إلى بلبيس، واحتوى على بلاد الحوف، وجعل مدينة بلبيس ظهره. فاجتمعت العساكر المصريّة ومن أتاهم من الفرنج، ونازلوا أسد الدّين، وحصروه ببلبيس ثلاثة أشهر، وهو ممتنع بها لم يبرز إليهم، فبينما هم كذلك إذ ورد الخبر على الفرنج أنّ نور الدّين ملك حارم «٢» وسار إلى بانياس، فراسلوا شيركوه يسألونه الصّلح؛ فأجابهم إلى ذلك؛ وخرج من مدينة بلبيس «٣» ، فلمّا صار بظاهرها أشار شاور على تلك الفرنج بمهاجمته وقبضه فامتنع مرّى «٤» ، ملك الفرنج، وأبى إلّا الوفاء بيمينه لشيركوه. وسار أسد الدّين إلى الشّام، وعاد شاور إلى القاهرة، ومعه طائفة من الفرنج يتقوّى بهم. وكان قد بذل لهم على نصرته أربعمائة ألف دينار، ويهادنهم خمس سنين.

стр. 11030

وكان دخول شاور إلى القاهرة لستّ مضين من ذى الحجة من السّنة؛ واستمرّ بمصر من غير منازع، إلى سنة اثنتين وستين وخمسمائة. ذكر عود أسد الدّين شيركوه إلى الدّيار المصرية بالعساكر الشاميّة وانفصاله قال المؤرخ: لمّا انفصل أسد الدّين شيركوه عن الدّيار المصريّة فى سنة تسع وخمسين، بقى عنده منها أمر عظيم. وكان إذا خلا بنور الدّين الشّهيد يرغّبه فيها. فجهّزه بالعساكر والحشود، فسار من الشّام فى شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وستّين وخمسمائة، فاتّصل ذلك بشاور، فراسل الفرنج وانتصر بهم. فخرج الفرنج ووقفوا على الطّريق الّتى يسلكها شيركوه إلى الدّيار المصريّة، فعدل شيركوه عن تلك الطّريق وجعلها عن يمينه، وسار حتى نزل إطفيح، فى سادس شهر ربيع الآخر. وعبر النّيل إلى الجانب الغربىّ، ونزل الجيزة، وأقام عليها إلى العشرين من جمادى الأولى. واستولى على الغربية وغيرها. فأرسل شاور إلى الفرنج يستحثّهم، فأتوه على الصّعب والذّلول، وقد طمعوا فى ملك الدّيار المصريّة «١» . فلما تكاملوا بالقاهرة توجّه أسد الدّين شيركوه نحو الصّعيد، وسار شاور والفرنج فى آثارهم. فجمع أسد الدّين الأمراء واستشارهم [فى] «٢» العبور إلى الجانب الشّرقى والعود إلى الشّام، فوافقوه على ذلك؛ فنهض

стр. 11031

شرف الدّين بزغش، أحد الأمراء المماليك النّوريّة، وكان شجاعا مقداما، وأنكر ذلك كلّ الإنكار، وامتنع من الموافقة، وقال: من خاف من الأسر أو القتل فلا يخدم الملوك «١» ويأكل رزقهم، ويكون فى بيته عند امرأته. وقال: والله لا نزال نقاتل إلى ان نقتل عن آخرنا أو ننتصر. فوافقه أسد الدّين، وجمع عسكره ورتّبهم، وجعل أثقاله فى القلب ليكثر بها السّواد ولئلّا ينهبها أهل البلاد. فبينما هم فى التّعبئة إذا بشاور والفرنج قد أقبلوا، ورتّبهم واقتتلوا، فكانت الهزيمة على شاور والفرنج «٢» وتوالت عليهم الحملات من العسكر الشّامى، فتمادت بهم الهزيمة إلى الجيزة، وشيركوه فى آثارهم. وقتل منهم خلق وغرق كثير منهم. وأسر أسد الدّين [١٠١] صاحب قيسارية «٣» . ودخل شاور والفرنج إلى القاهرة، وملك أسد الدّين البرّ الغربى بكماله؛ وقصد الإسكندريّة ليحاصرها. فلمّا قرب منها خرج إليه أهلها وسلّموها إليه من غير ممانعة؛ وكان والى الثّغر يوم ذاك نجم الدّين بن مصال. فدخل شيركوه البلد، وأقام بها أيّاما قلائل، واستناب بها صلاح الدّين يوسف بن أبيه نجم الدّين أيوب، وتركه بها ومعه ألف فارس. وتوجّه هو إلى الصّعيد فاستولى عليه، واستخرج أمواله؛ وصام شهر رمضان بمدينة قوص. هذا وشاور يتجهّز للخروج ويرتّب أحواله وأحوال الفرنج ويرمّ ما تلف لهم. فلمّا تكامل ما يحتاج إليه قصد الإسكندريّة، فأخرج أهلها

стр. 11032

الأموال وأنفقوها، واستعدّوا للحصار؛ فكان فى جملة ما أخرجوه للحصار أربعة وعشرون ألف قوس زنبورك وما يناسب ذلك من الآلات. وسار شاور ومرّى ملك الفرنج، فنازلوا الإسكندريّة. فلمّا رأوا شدّة أهلها واجتماعهم على الحصار، تقدّم شاور إليهم وقال: سلّموا إلىّ صلاح الدّين ومن معه وأضع عنكم المكوس، وأعطيكم الأخماس. فامتنعوا وقالوا: معاذ الله أن نسلم المسلمين إلى الفرنج والإسماعيلية. فعند ذلك وقع الحصار واشتدّ على أهل الإسكندرية إلى أن قلّت الأقوات. وبلغ ذلك أسد الدّين فسار من الصّعيد وجدّ فى السّير إلى الإسكندرية، وكان شاور قد أفسد التّركمان الذين مع أسد الدين فصاروا معه؛ واجتمع لشيركوه طائفة كبيرة من العربان، فلمّا علم شاور بقربه خافه وراسله فى طلب الصّلح، وبذل له خمسين ألف دينار، سوى ما أخذه من خراج البلاد، على أن يفارق الدّيار المصريّة. فأجاب أسد الدّين إلى ذلك «١» ، وشرط عليهم أن يرجع هو إلى الشّام ويرجع الفرنج إلى بلادهم. فاستقرّت هذه القاعدة، وحلف الفرنج عليها. ففتحت الإسكندريّة عند ذلك، وخرج صلاح الدّين يوسف إلى مرّى ملك الفرنج وجلس إلى جانبه. فدخل شاور عليهما، فقال لمرّى: سلّمه إلى وأعطيك فى كلّ سنة خمسين ألف دينار. فقال مرّى: نحن إذا حلفنا

стр. 11033

لا نغدر؛ ووبّخه. وكان أسد الدّين قد شرط على شاور أنّ الفرنج يرحلون ولا يلتمسون من البلاد درهما ولا ضيعة ولا غير ذلك. قال: وارتحل أسد الدّين، ودخل مصر برضاء أهلها، وسار إلى بلبيس. وأرسل إلى ابن أخيه يوسف أن يتوجّه فى المراكب إلى عكّا، هو ومن معه من العسكر، وما معه من الأثقال؛ ففعل ذلك، وركب من عكّا إلى دمشق. هكذا حكى ابن جلب راغب فى تاريخه. قال: وارتحل أسد الدّين من بلبيس فى نصف شوّال، ودخل شاور إلى الإسكندريّة، ثمّ خرج منها وعاد إلى القاهرة، فدخلها فى مستهلّ ذى القعدة، وتلقّاه العاضد لدين الله. وأمّا الفرنج، فاستقرّ بينهم وبين شاور أن يكون لهم شحنة «١» بالقاهرة وتكون أبوابها بيد فرسانهم، ويكون لهم فى كلّ سنة مائة ألف دينار. وفى سنة ثلاث وستّين وخمسمائة خرج يحيى بن الخياط على شاور وطلب الوزارة؛ فندب شاور عسكرا لحربه، فانهزم ومضى إلى بلاد الفرنج «٢» .

стр. 11034

ذكر وصول الفرنج إلى القاهرة وحصارها وحريق مصر قال المؤرخ: وفى سنة أربع وستّين وخمسمائة عاد الفرنج إلى القاهرة. وذلك أنهم لمّا توجّهوا فى سنة اثنتين وستّين رتّبوا فى القاهرة جماعة من أبطالهم وشجعانهم وفرسانهم ليحموها من عسكر يأتى إليها من الشّام؛ فلمّا رأوا خلوّ مصر من الأجناد راسلوا ملكهم مرّى واستدعوه، وكان من الشّجاعة والمكر على أمر عظيم. فامتنع وقال: الرّأى ألا نقصدها فإنّها طعمة لنا، وأموالها تحمل إلينا نتقوّى بها على قتال نور الدّين؛ وإن قصدناها حمل أصحابها الخوف على تسليمها لنور الدّين، وإن أخذها وجعل فيها مثل أسد الدّين شيركوه فهو هلاك الفرنج وخروجهم من الشام. فلم يقبلوا رأيه، وقالوا: ما يصل عسكر نور الدّين إلينا إلا وقد ملكناها. وغلبوا على رأيه. فتجهّز الفرنج وساروا حتّى وصلوا إلى مدينة بلبيس ونازلوها؛ فوقع الإرجاف بمصر؛ وشرع شاور فى إنشاء حصن على مصر واستعمل فيه النّاس، فلم يبق أحد إلا وعمل فيه؛ وحفر خندقا. وملك الفرنج بلبيس عنوة وسبوا وقتلوا خلقا كثيرا «١» . وكان معهم بعض الأمراء المصريّين ممّن هرب من شاور، منهم يحيى بن الخياط. ثمّ ساروا [١٠٢] إلى القاهرة وأحاطوا بها، وذلك فى العاشر من صفر، فخاف أهلها إن أهملوا القتال أن يحلّ بهم ما حلّ بأهل بلبيس، فجدّوا فى القتال والاحتراز.

стр. 11035

قال: ولمّا قرب الفرنج من القاهرة أمر شاور بنهب مصر وإحراقها، فأحرقت فى تاسع صفر، ونهبت؛ وأمر أهلها بالانتقال إلى القاهرة، فانتقل بعضهم، وتحصّن البعض بالجزيرة، وتوجّه آخرون فى المراكب إلى ثغرى الإسكندريّة ودمياط، وطائفة إلى الوجه القبلى؛ وتفرّقوا وذهبت أموالهم. كلّ ذلك قبل نزول الفرنج على القاهرة بيوم. قال: وبقيت النّار تعمل فيها أربعة وخمسين يوما؛ إلى حادى عشر شهر ربيع الآخر. قال: ولمّا علم العاضد لدين الله عجز أهل القاهرة عن مقاومة الفرنج أرسل إلى الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى يستغيث به، وسيّر إليه شعور نسائه فى طىّ الكتب. وقيل إن شاورا أرسل إلى نور الدّين أيضا. وأرسل شاور إلى مرّى ملك الفرنج يذكّره بسابق الصحبة والعهود القديمة، وقرّر أن يحمل إليه ألف ألف دينار؛ فأجاب مرّى إلى ذلك وقال لأصحابه: نأخذ المال ونتقوّى به ونمضى ثمّ نرجع فلا نبالى بعد ذلك بنور الدّين. فاستوثق شاور منه بالأيمان وعجّل له مائة ألف دينار، وماطله بالبقيّة؛ وشرع يجمع له من أهل القاهرة المال، فلم يحصل له من جهتهم غير خمسة آلاف دينار لضعفهم. هذا والرّسل تتتابع إلى الملك العادل ويستغيثون به. وقرّر له ثلث الدّيار المصرية. قال: ولما وصلت الكتب إليه طلب أسد الدّين شيركوه من حمص، فسار منها إلى حلب فى ليلة واحدة، فجهّزه نور الدّين وأعطاه مائتى ألف دينار سوى الثّياب والسّلاح وغير ذلك. فاختار أسد الدّين من العسكر ألفى فارس من الأقوياء، وستّة آلاف من بقيّة العسكر. وأنفق نور

стр. 11036

الدّين لكلّ فارس عشرين دينارا. ثمّ سار شيركوه، فكان خروجه من دمشق فى منتصف شهر ربيع الأول؛ وأردفه نور الدين بجماعة من الأمراء، منهم مملوكه عز الدين جرديك، وشرف الدين بزغش وعين الدّولة الياروقى، وناصح الدّين خمارتكين، وقطب الدين ينال بن حسّان المنبجى، وغيرهم «١» . والله أعلم. ذكر قدوم أسد الدّين شيركوه إلى الدّيار المصرية ورحيل الفرنج عنها قال: وقدم أسد الدّين شيركوه بالعساكر، فكان وصوله إلى مصر فى يوم الثلاثاء لليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة أربع وستّين وخمسمائة. ولمّا بلغ الفرنج قربه عادوا عن القاهرة إلى بلادهم، وكان رجوعهم فى يوم السّبت ثالث شهر ربيع الآخر، ومعهم من الأسرى اثنا عشر ألف نفس. ودخل أسد الدّين القاهرة فى سابع شهر ربيع الآخر، وخرج إليه العاضد لدين الله وتلقّاه. وحضر يوم الجمعة التاسع من الشّهر إلى الإيوان وجلس إلى جانب العاضد، وخلع عليه؛ وفرح النّاس بقدومه. وعاد أهل مصر إليها، وشرعوا فى إطفاء النّيران وإصلاح ما تشعّث. وكانت سقوف جامع عمرو بن العاص بمصر قد احترقت فجدّده الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف. قال: وأمر العاضد أسد الدّين بالنّزول على شاطىء النّيل بالمقس، ورتّب له شاور ولمن معه الإقامات الوافرة، وأظهر له ودّا كثيرا، وصار يتردّد إليه فى كلّ يوم. فطلب أسد الدّين من شاور ما لا ينفقه فى عسكره، فمطله

стр. 11037

فسيّر إليه شيركوه الفقيه عيسى الهكّارى يطالبه بالنّفقة ويقول له: إن العسكر قد طال مقامهم وطالبوا بالنّفقة وتغيّرت قلوبهم عليك، وإنّى أخشى عليك منهم. فلم يكترث شاور بذلك، وشرع فى المماطلة فيما كان قرّره لنور الدّين. وعزم شاور على أن يصنع دعوة ويحضر أسد الدّين وجماعة الأمراء الذين معه إلى داره، ويقبض عليهم، ويستخدم من معه من الجند فيمتنع بهم من الفرنج. فنهاه عن ذلك ولده الكامل، وحلف أنّه إن صمّم على هذا الأمر عرّف به شيركوه. فقال له أبوه: والله لئن لم تفعل هذا قتلنا عن آخرنا. فقال الكامل لأبيه: صدقت، ولأن نقتل ونحن مسلمون خير من أن نقتل وقد ملكها الفرنج، فإنّه ليس بينك وبين [عود] «١» الفرنج إلا ان يسمعوا أنّ أسد الدّين قد قبض عليه، وحينئذ لو مشى العاضد إلى نور الدّين ما أغاثه، ويملكون البلاد. فترك ما عزم عليه «٢» . واتّصل ذلك بالعاضد فأعلم شيركوه. [١٠٣] ذكر مقتل شاور كان مقتله فى يوم السّبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر من السنة. وذلك أنّ الأمراء النّوريّة لمّا رأوا مماطلته بالنّفقة وبلغهم أنّه قد عمل على القبض عليهم اتّفق صلاح الدّين يوسف وعزّ الدين جرديك، وغيرهما، على قتله وأعلموا أسد الدّين بذلك؛ فنهاهم عنه. واتّفق أنّ شيركوه خرج لزيارة قبر الإمام الشّافعى هذا اليوم، وحضر شاور له على عادته، فقيل إنّه توجّه للزّيارة؛ فقال: نتوجّه إليه. فتوجّه ومعه يوسف

стр. 11038

وجرديك وهما يسايرانه، فأنزلاه عن فرسه، وكتّفاه، فهرب عنه أصحابه. فجعلاه فى خيمة، وأحاط بها جماعة ولم يمكنهم قتله بغير أمر أسد الدّين «١» . فحضر من القصر جماعة من قبل العاضد، يستحثّ على قتله، وحضر أسد الدّين إلى المخيّم ورسل العاضد تتواتر لأسد الدّين يأمره بقتله. فقتل، وأرسل رأسه إلى العاضد على «٢» رمح. ومضى أولاده إلى القصور واستجاروا بالعاضد، فقتلوا بعد العقوبة الشّديدة، فى يوم الاثنين لأربع خلون من جمادى الأولى منها. وهم: الكامل، والمعظّم، وركن الإسلام. وتأسّف شيركوه بعد ذلك على الكامل لأنه بلغه ما جرى بينه وبين أبيه. قال: ولما قتل شاور استدعى العاضد أسد الدّين شيركوه، فدخل إلى القاهرة فى السّاعة الّتى قتل فيها شاور، فرأى العوامّ وقد اجتمعوا، فهاله ذلك، فقال لهم: إنّ مولانا العاضد لدين الله أمير المؤمنين يأمركم أن تنهبوا دور شاور. فتفرّق النّاس عنه، ونهبوها. ودخل شيركوه إلى القصر، فتلقّاه العاضد، وخلع عليه خلع الوزارة، ولقّبه الملك المنصور أمير الجيوش «٣» . ولم تطل مدّته فى الوزارة حتّى توفى إلى رحمة الله تعالى بعد خمسة وستّين يوما؛ وقام بالأمر بعده الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار الدّولة الأيّوبيّة.

стр. 11039

ذكر انقراض الدّولة العبيديّة والخطبة للمستضىء بنور الله العبّاسى كان انقراض هذه الدّولة عند خلع العاضد لدين الله، وذلك فى يوم الجمعة لسبع مضين من المحرّم سنة سبع وستّين وخمسمائة. وكان سبب ذلك أنّ صلاح الدّين يوسف لمّا ثبتت قدمه فى ملك الدّيار المصريّة واستمال النّاس بالأموال قتل مؤتمن الخلافة جوهرا، زمام القصور، ونصب مكانه قراقوش الأسدىّ الخصىّ خادم عمه، ثمّ كانت وقعة السّودان فأفناهم بالقتل، على ما نذكره إن شاء الله مستوفى فى أخباره. ثمّ أسقط من الأذان قولهم: «حىّ على خير العمل» ؛ وأبطل مجلس الدّعوة؛ وضعف أمر العاضد معه إلى الغاية فعند ذلك كتب الملك العادل نور الدّين إلى الملك النّاصر صلاح الدّين يأمره بالقبض على العاضد وأقاربه، والخطبة للخليفة المستضىء بنور الله «١» ، وكان المستضىء قد راسله فى ذلك. فامتنع صلاح الدّين، وكره إزالة هذه الدّولة. فكتب إلى الملك العادل يعتذر، وقال: إن فعلنا هذا الأمر لا نأمن من قيام أهل مصر علينا لميلهم إلى هذه الدّولة. وكان قصد صلاح الدّين أن يتفوّى بالعاضد على نور الدّين إن هو أراد الدّخول إلى الديار المصريّة «٢» . فلما ورد جوابه على نور الدّين بالاعتذار انزعج لذلك، ورادف رسله إليه يأمره بخلع العاضد والقبض عليه «٣» .

стр. 11040

فاستدعى الملك الناصر الأمراء واستشارهم فى ذلك، فمنهم من حذّره، ومنهم من هوّنه عليه. فأحضر الفقيه اليسع بن يحيى بن اليسع، وعرّفه الحال. فلمّا كان فى هذه الجمعة صعد إلى المنبر بجامع مصر قبل طلوع الخطيب، ودعا للمستضىء بنور الله؛ فلم ينكر عليه أحد. فلمّا كان فى الجمعة الثّانية أمر الملك النّاصر الخطباء بمصر والقاهرة أن يخطبوا للمستضىء بنور الله أبى محمد الحسن، بن المستنجد بالله العباسى؛ فخطبوا له. ثمّ توفى العاضد لدين الله إثر هذا الخلع، فى يوم عاشوراء من السّنة، بعد ثلاثة أيّام من خلعه. وكان ضعيفا لمّا قطعت خطبته، فقال صلاح الدّين: لا تعلموه، فإن عوفى أعلمناه، وإن توفى فلا نفجعه بهذه الحادثة. وقال [١٠٤] بعض المؤرخين: إنّ صلاح الدين لمّا قطع خطبته دخل عليه وقبض عليه واعتقله، فلمّا رأى ذلك كان فى ذخائره فصّ فى خاتم، فمصّه، فمات لوقته. فكان صلاح الدّين يقول: ندمت [على] كونى دخلت على العاضد وفعلت به ما فعلت، وكان أجله قد قرب. ولمّا مات جلس الملك النّاصر للعزاء به. فكانت مدّة ولايته إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر وتسعة عشر يوما، ومولده فى يوم الثلاثاء لعشر بقين من المحرّم سنة ستّ وأربعين وخمسمائة؛ فعمره على هذا إحدى وعشرون سنة إلّا أحد عشر يوما. وكان له من الأولاد ثلاثة عشر وهم علىّ؛ وموسى؛ وعبد الكريم؛ وأبو الحجّاج يوسف؛ وأبو الفتوح؛ وإبراهيم؛ وجعفر؛ ويحيى؛ وعبد القوى؛ وعبد الصّمد؛ وأبو البشر؛ وعيسى. فاعتقلهم الملك النّاصر بأجمعهم، واستمرّوا فى الاعتقال إلى سنة اثنتين وستّمائة، فكان من أمرهم ما نذكره فى أخبار الدّولة الأيوبية.

стр. 11041

ووزرله من ذكرنا أخبارهم، وهم: الصّالح أبو الغارات طلائع بن رزّيك؛ ثم ولده العادل رزّيك، ثمّ شاور؛ ثمّ الضّرغام؛ ثم عاد شاور؛ ثمّ أسد الدّين شيركوه؛ ثمّ الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف. قضاته: أبو القاسم هبة الله بن كامل؛ وأبو الفتح عبد الجبار بن إسماعيل بن عبد القوى؛ ثمّ الأعز أبو محمّد الحسن بن على بن سلامة؛ ثم أعيد عبد الجبّار؛ ثم أعيد ابن كامل، ثمّ صرف على أيام الملك النّاصر بالقاضى صدر الدين أبى القاسم عبد الملك بن درباس «١» . وكان العاضد شديد التشيّع متغاليا فى سبّ الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين. إذا رأى سنّيّا استحلّ دمه. جامع أخبار الدّولة العبيديّة ومدّتها ومن ملك من ملوكها كانت مدّة تغلّب ملوك هذه الدّولة على البلاد منذ أخرج أبو عبد الله الشيعىّ عبيد الله، المنعوت بالمهدىّ، من سجلماسة، من سجن اليسع ابن مدرار إلى أن مات العاضد هذا مائتى سنة وسبعين سنة وشهورا «٢» . منها ببلاد الغرب، منذ دخل عبيد الله المهدى رقّاده إلى أن وصل المعزّ لدين الله إلى القاهرة أربع وستون سنة وعشرة أشهر وخمسة وعشرون

стр. 11042

يوما «١» . وباقى هذه المدّة بمصر والشّام، إلى أن انقطعت دعوتهم. بخروج عسقلان عن يد المسلمين واستيلاء الفرنج عليها، فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، فى أيام الظافر بأعداء الله فى وزارة عبّاس بن يحيى بن تميم. وعدّة من ملك منهم أربعة عشر ملكا تسمّوا كلّهم بالخلافة؛ وهم: عبد الله المنعوت بالمهدىّ؛ ثم ابنه القائم بأمر الله أبو القاسم محمد؛ ثمّ ابنه المنصور بنصر الله أبو الظاهر إسماعيل؛ ثم ابنه المعزّ لدين الله أبو تميم معدّ، وهو أوّل من ملك الدّيار المصريّة والبلاد الشامية منهم، وإليه تنسب القاهرة المعزيّة؛ ثم ابنه العزيز بالله أبو المنصور نزار؛ ثمّ ابنه الحاكم بأمر الله أبو على المنصور؛ ثمّ ابنه الظاهر لإعزاز دين الله أبو هاشم، وقيل أبو الحسن، علىّ؛ ثم ابنه المستنصر بالله أبو تميم معدّ؛ ثم ابنه المستعلى بالله أبو القاسم أحمد؛ ثم ابنه الآمر بأحكام الله أبو على المنصور؛ ثم ابن عمّه الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد بن محمّد بن المستنصر بالله؛ ثم ابنه الظّافر بأعداء الله أبو المنصور إسماعيل بن الحافظ؛ ثم ابنه الفائز بنصر الله أبو القاسم عيسى بن الظافر؛ ثم ابن عمّه العاضد لدين الله أبو محمد عبد الله بن يوسف بن الحافظ لدين الله عبد المجيد بن محمد بن المستنصر؛ وعليه انقرضت دولتهم، وانتهت أيّامهم، وباد ملكهم، فلم يعد إلى وقتنا هذا. قال المؤرخ: ولما خلع العاضد ومات واعتقل الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف أولاده بالقصور مرّ القاضى الأرشد عمارة اليمنى الشّاعر بالقصور، وهى مغلّقة الأبواب، مهجورة الجناب، خاوية على عروشها، خالية من أنيسها؛ فأنشأ قصيدته المشهورة التى رثى بها القصور وأهلها،

стр. 11043

وهى من عيون المراثى [١٠٥] وأوّلها «١» : رميت يا دهر كفّ المجد بالشّلل ... وجيده بعد حسن الحلى «٢» بالعطل سعيت فى منهج الرّأى العثور، فإن ... قدرت من عثرات الدهر «٣» فاستقل هدمت قاعدة المعروف «٤» عن عجل ... سقيت مهلا، أما تمشى على مهل! لهفى ولهف بنى الآمال قاطبة ... على فجيعتنا «٥» فى أكرم الدّول قدمت مصر فأولتنى خلائفها ... من المكارم ما أربى على الأمل قوم عرفت بهم كسب الألوف ومن ... جمالها «٦» أنّها جاءت ولم أسل منها: يا عاذلى فى هوى أبناء فاطمة ... لك الملامة إن قصّرت فى عذلى

стр. 11044

بالله زرساحة القصرين، وابك معى ... عليهما، لا على صفّين والجمل وقل لأهلهما: والله ما التحمت ... فيكم جراحى، ولا قرحى بمندمل «١» ماذا ترى «٢» كانت الإفرنج فاعلة ... فى نسل آل أمير المؤمنين على هل كان فى الأمر شىء غير قسمة ما ... ملّكتم بين حكم السّبى والنّفل وقد حصلتم عليها واسم جدّكم ... محمّد، وأبيكم غير منتقل مررت بالقصر، والأبواب خالية ... من الوفود، وكانت قبلة القبل فملت بوجهى خوف منتقد ... من الأعادى، ووجه الودّ لم يمل أسلت من أسفى «٣» دمعى غداة خلت ... رحابكم، وغدت مهجورة السّبل أبكى على مأثرات «٤» من مكارمكم ... حال الزّمان عليها، وهى لم تحل

стр. 11045

وهى قصيدة مشهورة مطوّلة. ولمّا انقرضت هذه الدّولة قامت الدّولة الأيوبيّة على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار ملوكها والله أعلم.

стр. 11046

ذكر أخبار الدولة الأيوبية وهى دولة السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيوب وأولاده، ودولة أخيه الملك العّادل سيف الدّين أبو بكر وأولاده، رحمهم الله تعالى. ولنبدأ بذكر نسب نجم الدين أيّوب والد ملوك الدّولة الأيّوبيّة وابتداء حاله وحال أخيه أسد الدّين، وكيف تنقّلت بهم الحال إلى أن ملك أسد الدّين شيركوه الدّيار المصريّة، وكيف انتقل الملك من بعده إلى ابن أخيه الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف. ثمّ نذكر أخبار من ملك من أولاده وأخيه الملك العادل وأولاده فى حربهم وسلمهم إلى حين انقراض دولتهم. وبالله التوفيق ذكر نسب الملك الأفضل نجم الدّين هو [أبو] «١» سعيد أيوب بن شادى بن مروان. هذا هو المقطوع به الذى لا نزاع فيه، ولا خلاف بين أحد من المؤرخين ونقلة أخبارهم. وقال الملك الأمجد مجد الدّين أبو محمد الحسن، ابن السلطان الملك النّاصر صلاح الدين أبى المفاخر داود، ابن السلطان الملك المعظّم شرف الدّين أبى المظفر عيسى، ابن السلطان الملك العادل سيف الدّين أبى بكر محمد، ابن الملك الأفضل نجم الدّين أبى سعيد أيوب، رحمهم الله تعالى، فى كتابه المترجم بالفوائد الجليّة فى الفرائد النّاصريّة: سمعت من يقول: مروان بن محمد؛ وقال بعض النّاس محمد بن يعقوب.

стр. 11047

وقال شهاب الدّين أبو شامة عبد الرحمن فى كتابه المترجم بالرّوضتين فى أخبار الدّولتين سمعت من يقول: مروان بن يعقوب «١» . وقال [١٠٦] الملك الأمجد: وقد اختلف فى نسبهم على ثلاثة أقوال: القول الأول: ما قاله عز الدّين على بن الأثير الجزرى المؤرخ أنّ نجم الدين أيوب من بلد دوين «٢» من أذربيجان، وأصله من الأكراد الرّواديّة؛ وهذا القبيل هم أشرف الأكراد «٣» . قال الملك الأمجد: وهذا شىء يجرى على ألسنة كثير من النّاس، ولم أر أحدا ممّن أدركه من مشايخ بيتنا يعترف بهذا النّسب، لكنّهم لا ينكرون أن نجم الدّين كان بدوين. قال: والمشهور عند بيتنا أنّ جدنا نزل على الأكراد وتزوّج منهم، فصارت بيننا وبينهم خؤولة لا غير. ويدلّ على ذلك أن السّلطان الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف لمّا ملك البلاد تقدّم فى دولته جماعة من الأكراد، فلم يبق أحد منهم إلا جاء بنو عمّه وأقاربه، حتى صار فى عصبة من أهله؛ والسّلطان ﵀ لم يأت إليه من يمتّ بقرابة إلا من جهة النّساء فقط؛ ولو كان من الرّواديّة لكان جميع القبيلة أولاد عمه وإن لم يكن له ابن عمّ قريب فيكون ابن عمّ بعيد قطعا لأن القبيلة كلّها أولاد رجل واحد. ولا شكّ أنّ الدّواعى تتوفّر على الانتماء إلى الملك ما لا تتوفّر على الانتماء إلى الأمراء. القول الثانى: أنهم من أولاد مروان بن محمد الأموى، آخر خلفاء الدولة الأموية.

стр. 11048

قال الملك الأمجد: وهذا شىء ادّعاه الملك المعزّ فتح الدين أبو الفداء إسماعيل بن الملك العزيز ظهير الدين أبى الفوارس سيف الإسلام طغتكين، ابن أيوب، باليمن، لما ملكه بعد أبيه، وتلقّب بالإمام الهادى بنور الله المعز لدين الله أمير المؤمنين. وقال يحيى بن حميد بن أبى طىّ: قد نقّبت عن ذلك فأجمع الجماعة من بنى أيوب على أنهم لا يعرفون جدّا فوق شادى» . القول الثالث: ما ذكره حسن بن عمران الجرشى فإنه جاء إلى الملك المعظم وعمل شجرة لنسب بنى أيوب، فوصله بعلىّ بن أحمد المرّى «٢» ممدوح أبى الطيب المتنبى الذى يقول فيه: شرق الجوّ بالغبار إذا سا ... ر على بن أحمد القمقام وقال أيضا فى مدحه: إنما بن عوف بن سعد ... جمرات لا تشتهيها النعام ولم ينكر الملك المعظّم عليه ذلك بل قبل منه. قال: وهذا سرد النّسب الذى عمله الجرشىّ، وهو: أيّوب بن شادى ابن مروان بن أبى على. قال الملك الأمجد: قلت: ويحتمل أن يكون أبو على هذا هو محمد المقدم ذكره- وأبو على كنية له- ابن عنترة بن الحسن بن على بن أحمد ابن أبى على بن عبد العزيز بن هدية بن الحصين بن الحارث بن سفيان بن عمرو بن مرة بن شبة بن غيظ بن مرّة بن عوف بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النّضر بن كنانه بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وبقية النسب معروف. هذا ما قيل فى نسبه. وأما ابتداء حاله:

стр. 11049

ذكر ابتداء حال الملك الأفضل نجم الدين أيوب وأخيه أسد الدين شيركوه قال المؤرخ: قدم نجم الدين أيوب وأخوه أسد الدّين شيركوه من بلد دوين إلى العراق فى خلافة المسترشد بالله «١» ، وخدما مجاهد الدين بهروز شحنة بغداد. فرأى من نجم الدّين عقلا ورأيا وحسن سيرة، وكان أسنّ من أخيه أسد الدّين، فجعله مجاهد الدين دزدارا «٢» بقلعة تكريت «٣» ، وكانت له، فسار إليها ومعه أسد الدّين. وقيل بل كان نجم الدّين قد خدم السّلطان محمد بن ملكشاه السّلجقى «٤» ، فرأى منه أمانة وعقلا، وسدادا وشهامة، فولّاه قلعة تكريت، فقام بها أحسن قيام. فلمّا ولى السّلطان مسعود «٥» أقطع قلعة تكريت لمجاهد الدّين بهروز، فأقرّ نجم الدّين فى الولاية. وكان أتابك عماد الدّين زنكى بن آق سنقر، والد السّلطان الشّهيد نور الدّين لمّا انهزم من قراجا السّاقى فى سنة ستّ وعشرين وخمسمائة، كما ذكرناه «٦» ، بلغت به الهزيمة إلى تكريت، فقام نجم الدّين بخدمته أتمّ قيام، وأقام له

стр. 11050

السّفن إلى أن عبر دجلة، فكان ذلك سبب وصلته بالبيت الأتابكى [١٠٧] وتقدّمه. قال: ثمّ اتفق بين أسد الدّين وبين قوارص النّصرانى، كاتب بهروز، مشاجرة فى بعض الأيام، فكلّمه النّصرانى بكلمة أمضّته، فضرب عنقه بيده، ورماه برجله «١» فلمّا اتصل الخبر ببهروز وحضر عنده من حذّره من جرأة شيركوه وتمكين نجم الدّين واستحوازه على قلوب الرّعايا خاف عاقبة ذلك، وكتب بالإنكار عليه بسبب ما كان من أخيه، وعزله. فسار نجم الدّين أيوب وشيركوه إلى عماد الدين زنكى فى الموصل، فلمّا وصلا إليه سرّ بهما وأحسن إليهما، فأقطعهما الإقطاعات الجليلة، وشهدا معه حروب الكفار وقتال الفرنج. فلمّا ملك زنكى قلعة بعلبك، فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة جعل نجم الدّين دزدارا بها؛ فأقام بها إلى أن قتل عماد الدين زنكى، فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة. وحاصر معين الدّين أنر، صاحب دمشق قلعة بعلبك، حتّى ضاق الأمر على نجم الدّين، فاضطر إلى تسليمها إليه، وتعوّض عنها إقطاعا وأملاكا؛ وكان عنده من الأكابر الأمراء. واتّصل أسد الدين شيركوه بخدمة الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكى، فجعله مقدّما على عسكره، وجعل له حمص والرّحبة وغيرهما. فلما تعلقت همّة نور الدّين بملك دمشق أمر أسد الدين بمكاتبة أخيه نجم الدّين أيوب فى ذلك، فراسله، فأعان نور الدّين على فتح دمشق؛ فعظم محلّهما عند نور الدّين. فكان نجم الدين إذا دخل عليه جلس من غير أن يؤذن له فى الجلوس، ولم تكن هذه الرّتبة لغيره من سائر الأمراء. فلمّا كان من أمر شاور ما قدّمناه وقصد نور الدّين محمود أو استغاث به،

стр. 11051

أرسل معه أسد الدّين بالعساكر؛ وكان من أمره فى المرّة الأولى، فى سنة تسع وخمسين وخمسمائة، والمرّة الثانية، فى سنة اثنتين وستّين، والمرّة الثالثة فى سنة أربع وستّين وخمسمائة [على] ما قدّمنا ذكره فى أخبار الدّولة العبيديّة فى أيّام العاضد لدين الله. ذكر وزارة الملك المنصور أسد الدّين شيركوه بالدّيار المصريّة ووفاته كانت وزارته للعاضد لدين الله فى يوم السّبت لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الآخر سنة أربع وستّين وخمسمائة. وذلك أنّه لما كان من أمر شاور ومقتله ما ذكرناه آنفا استدعى العاضد لدين الله أسد الدّين شيركوه، فدخل إلى القاهرة فى السّاعة التى قتل فيها شاور، فرأى من اجتماع العوام ما هاله، فخاف على نفسه، فقال لهم: أمير المؤمنين يأمركم بنهب دار شاور. فقصدها النّاس ونهبوها، وتفرّقوا عنه. ولمّا نزل أسد الدّين بدار شاور، وهى دار الوزارة، لم يجد فيها ما يجلس عليه «١» . قال: ولمّا تفرق الناس للنهب دخل أسد الدّين على العاضد لدين الله، فتلقّاه وخلع عليه خلع الوزارة، ولقّبه بالملك المنصور أمير الجيوش، وكتب له تقليد الوزارة، وكتب عليه العاضد بخطه عهدا: (عهد لم يعهد لوزير بمثله، وتقليد أمر رآك أمير المؤمنين أهلا لحمله. والحجة عليك عند الله بما أوضحه لك من مراشد سبله. فخذ كتاب أمير المؤمنين بقوّة، واسحب ذيل الفخار بأن اعتززت بخدمتك من

стр. 11052

النّبوة «١» ؛ واتّخذ الفوز سبيلا «وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) «٢» . وخرج من عند العاضد وركب إلى دار الوزارة وسكنها، واستقلّ بالأمر. واستعمل على الأعمال من يثق به من كفاة أصحابه، وأقطع البلاد لعساكره. وأرسل إلى ديوان الإنشاء بالقصر يطلب من يكتب بين يديه، فأرسل إليه متولى الديوان القاضى الفاضل عبد الرّحيم البيسانى؛ وظن رؤساء ديوان المكاتبات أنّ هذا الأمر لا يتمّ، وأن «٣» أسد الدّين يقتل عن قريب كما قتل غيره، فأرسلوا إليه القاضى الفاضل وقالوا لعلّه يقتل معه. فكان من أمره ما كان. ولم تطل مدّة أسد الدّين فى الوزارة بل انقضت أيامه، وفاجأه حمامه، فتوفّى فى يوم السّبت لثمان بقين من جمادى الآخرة من السّنة. واختلف فى سبب وفاته، فقيل إنّه مات فجأة، وقيل بعلّة الخوانيق، وقيل بل سمّ. فكانت مدّة وزارته خمسا وستّين يوما «٤» ؛ وعمل عزاؤه ثلاثة أيام، وحمل إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصّلاة

стр. 11053

والسّلام؛ ودفن هناك برباط الوزير [١٠٨] جمال الدّين وزير الموصل «١» . ولمّا مات أسد الدّين شيركوه استقرّ فى الوزارة بعده الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف بن أيّوب. ذكر أخبار الملك النّاصر صلاح الدّين يوسف ابن الملك الأفضل نجم الدّين أيّوب ووزارته بالدّيار المصريّة كانت وزارته بالدّيار المصرية عقب وفاة عمّه الملك المنصور أسد الدّين شيركوه وقد تطاول «٢» جماعة من الأمراء النّورية للوزارة؛ منهم عين الدولة الياروقى، وقطب الدّين قايماز، وسيف الدّين المشطوب الهكّارى، وشهاب الدّين محمود الحارمى، وهو خال صلاح الدّين؛ وخطبها كلّ منهم لنفسه. فأشار جماعة من المصريّين وخواصّ العاضد لدين الله على العاضد أن يولّى صلاح الدّين، وقالوا: إنه أصغر الجماعة سنّا ولا يخرج من تحت أمر أمير المؤمنين. فإذا استقرّ وضعنا على العساكر من يستميلهم «٣» إلينا، فيبقى عندنا من الجند من نتقوى

стр. 11054

به، نم نأخذ يوسف بعد ذلك أو نخرجه فإنّ أمره أسهل من غيره، فاستدعاه العاضد لدين الله، وخلع عليه خلع الوزارة. ولقّبه بالملك النّاصر «١» ، فلم يطعه أحد من الأمراء الذين كانوا تطاولوا للوزارة ولا خدموه. وكان الفقيه عيسى الهكّارى «٢» معه، فسعى مع الأمير سيف الدّين على بن أحمد المشطوب حتّى استماله إليه، وقال له: إنّ هذا الأمر لا يصل إليك مع الياروقى والحارمى وغيرهما. ثمّ اجتمع بالحارمى وقال له مثل ذلك، وقال له: إن صلاح الدّين ولد أختك، وعزّه وملكه لك، وقد استقام له الأمر، فلا تكن أوّل من سعى فى إخراج الأمر عنه. واجتمع بالأمراء واستمالهم. فأطاعه بعضهم وعصى بعضهم. فأمّا الياروقى فإنه قال: لا أخدم يوسف أبدا، وعاد إلى الملك العادل نور الدّين هو وجماعة من الأمراء. وصار صلاح الدّين نائبا عن الملك العادل نور الدّين، والخطبة لنور الدّين ولا يكاتبه إلا: «بالأمير الأسفهسلار «٣» صلاح الدّين وكافة الأمراء بالدّيار المصرية. يفعلون كذا وكذا» . ويفعل علامته فى الكتب، عظمة أن يكتب اسمه. ولمّا وزر صلاح الدين ثبت قدمه، واستمال قلوب الناس بالأموال فمالوا إليه فقوى أمره، وضعف أمر العاضد.

стр. 11055

ذكر مقتل مؤتمن الخلافة جوهر، زمام القصور وانتقال وظيفته إلى قراقوش الأسدى وحرب السودان كان مقتل مؤتمن الخلافة فى يوم الأربعاء لخمس بقين من ذى القعدة، من سنة أربع وستين وخمسمائة. وسبب ذلك أن الملك الناصر شرع فى نقض «١» إقطاع المصريين، فاتفق هذا الخادم مع جماعة من الأمراء المصريين على مكاتبة الفرنج واستدعائهم إلى الديار المصرية، والاعتضاد بهم على صلاح الدين ومن معه؛ وأرسل الكتب مع إنسان، فجعلها فى نعل ولبسه، وسار على أنه فقير رثّ الهيئة. فلما وصل إلى البيضاء «٢» وجده تركمانى، فأنكر حاله إذ هو رثّ الهيئة جديد المداس. فأخذ مداسه وفتقه، فوجد الكتب فيه، فحمله بها إلى الملك النّاصر، فوقف عليها، وكتم الأمر، وقرّر الرجل بالعقوبة، فأقرّ أنّ الكتب بخط رجل يهودى، فاستحضره، فأقرّ بها. ثم قتل صلاح الدّين القاصد. واستشعر مؤتمن الخلافة من الملك النّاصر، فلزم القصور واحترز على نفسه، فكان لا يخرج منها. فلمّا طال ذلك عليه خرج فى هذا اليوم لقصر «٣» له بالخرقانيّة، فأرسل إليه الملك النّاصر جماعة فقتلوه، وأتوه برأسه، فرتّب حينئذ على أزمّة

стр. 11056

القصور قراقوش الخصىّ، وكان من مماليك عمّه أسد الدين ليطالعه بما يتجدّد بالقصور. قال: ولما قتل مؤتمن الخلافة ثار السّودان لذلك وأخذتهم الحميّة، وعظم عليهم قتله، لأنّه كان رأسهم ورئيسهم، فحشدوا واجتمعوا، فزادت عدّتهم على خمسين ألف عبد؛ وكانوا أشدّ على الوزراء من العسكر. فندب الملك الناصر العسكر لقتالهم، وقدّم على العسكر أبا الهيجاء السّمين؛ فالتقوا بين القصرين واقتتلوا، فقتل من الفريقين جمع كثير. [١٠٩] فلمّا رأى الملك النّاصر قوّتهم وشدة بأسهم أرسل إلى محلّتهم المعروفة بالمنصورة «١» ، خارج باب زويلة، فأحرقها؛ فاتّصل ذلك بهم، فضعفت نفوسهم، فانهزموا إلى محلّتهم فوجدوا النّيران تضرم فيها. واتّبعهم العسكر فمنعهم من إطفائها «٢» . ودام [القتال] «٣» بينهم أربعة أيّام، نهارا وليلا، إلى يوم السّبت الثامن والعشرين من ذى القعدة؛ فخرجوا بأجمعهم إلى الجيزة وقد أيقنوا بالهلاك، وخرج إليهم تورانشاه أخو الملك النّاصر فقتلهم، ولم ينج منهم إلا اليسير. وكتب الملك الناصر إلى ولاة البلاد بقتل من يجدونه منهم، فقتلوا من عند آخرهم. وبقى الملك النّاصر يخشى من أهل القصر لما فعله بمؤتمن الخلافة جوهر، فكان جوهر هذا سبب زوال ملك الدّولة العبيديّة وجوهر القائد سبب ملك المعزّ للبلاد؛ فشتان بين الجوهرين.

стр. 11057

ذكر الحوادث فى الأيام النّاصريّة غير الفتوحات والغزوات لم نقدّم هذه الحوادث التى نذكرها الآن على الغزوات والفتوحات إلا أنها سابقة على ذلك فى التّاريخ، ولأنّا أردنا أن نفرد غزواته وفتوحاته ليأتى الكلام عليها سياقة يتلو بعضه بعضا، ولا ينقطع بغيره، فكان ممّا نذكره: ذكر وصول الملك الأفضل نجم الدّين أيّوب والد الملك النّاصر إلى الديار المصرية كان الملك النّاصر قد كتب فى طلب والده، رحمهما الله تعالى، فوصل بأولاده وأهله إلى القاهرة فى السّابع والعشرين من شهر رجب سنة خمس وستين وخمسمائة؛ ولمّا وصل تلقّاه الخليفة العاضد لدين الله بظاهر باب الفتوح عند شجرة الإهليلج «١» ، ولم تجر بمثل ذلك عادة، فكان يوما مشهودا. وخلع العاضد عليه، ولقّبه الملك الأفضل، وحمل إليه من أنواع التحف والألطاف شيئا كثيرا؛ وأقطعه الإسكندريّة ودمياط والبحيرة، وأقطع ولده شمس الدولة، أخا النّاصر، قوص وأسوان وعيذاب، وكانت عبرتها يوم ذاك مائتى ألف وستّة وستّين ألف دينار «٢» . ذكر إبطال الأذان بحىّ على خير العمل قال المؤرخ: ولعشر مضين من ذى الحجّة سنة خمس وستّين وخمسمائة أمر الملك النّاصر أن يسقط من الأذان قولهم «حىّ على

стр. 11058

خير العمل، محمّد وعلىّ خير البشر» . وكانت أوّل وصمة دخلت على الشّيعة والدّولة العبيديّة؛ ويئسوا بعدها من خير يصل إليهم من الملك النّاصر. ثم أمر أن يذكر فى الخطبة بكلام مجمل، ليلبس على الشّيعة والعامّة: اللهم أصلح العاضد لدينك «١» . ذكر ما أنشأه الملك النّاصر صلاح الدّين بالقاهرة ومصر من المدارس والخوانق قال المؤرخ: وفى أوّل سنة ستّ وستين وخمسمائة أمر الملك النّاصر بهدم دار المعونة «٢» المجاورة للجامع العتيق بمصر. ودار المعونة هى المكان الذى يعتقل فيه النّاس. وأمر ببنائها مدرسة لطائفة الفقهاء الشافعية، وتعرف هذه المدرسة بابن زين التجّار «٣» . وإنّما عرفت به لأنه درس بها. ثم عمر دار الغزل المجاورة لباب الجامع المعروف بباب الزكخته مدرسة للطائفة المالكيّة» ودرس فيها ابن أبى المنصور. وفيها اشترى تقىّ الدّين عمر بن شاهنشاه، ابن أخى صلاح الدّين، الدّار المعروفة بمنازل العّز «٥» بمصر، وبناها مدرسة للطائفة الشافعيّة.

стр. 11059

وكانت هذه الدّار يسكنها الأمير ناصر الدولة بن حمدان فى الأيّام المستنصرية؛ وقد تقدّم ذكر ذلك. ثم أمر الملك النّاصر ببناء مدرسة الشافعىّ والبيمارستان، وعمّر الخانقاه المعروفة بسعيد السعداء على ما يأتى ذكر ذلك. وفى [هذه] «١» السّنة أيضا أبطل الملك النّاصر مجلس الدّعوة من الجامع الأزهر وغيره، وكان [١١٠] من سنّة الدّولة العبيديّة أن يقيموا لهم دعاة كالخطباء والله أعلم. ذكر تفويض القضاء بالدّيار المصريّة للقاضى صدر الدّين بن درباس وفى سنة ستّ وستّين وخمسمائة فى ثامن عشرى جمادى الآخرة فوّض السّلطان الملك النّاصر القضاء بالدّيار المصريّة إلى القاضى صدر الدّين أبى القاسم عبد الملك بن عيسى بن درباس الماردانى، فاستمرّ إلى آخر الأيّام النّاصرية. وفى سنة سبع وستين وخمسمائة، فى سابع المحرم قطعت خطبة العاضد لدين الله، ومات فى يوم عاشوراء كما قدّمناه. وفيها فى الثّالث عشر من جمادى الأولى كشف حاصل الخزائن بالقصور، فوجد فيها ما يزيد على مائة صندوق، ومن الذّخائر النّفيسة ما لا مزيد عليه. وفيها فى صفر أمر الملك النّاصر بإبطال المكوس بالقاهرة والأعمال عن التّجار المتردّدين إليها وإلى ساحل المقسم صادرا وواردا، فكان مبلغ ذلك مائة ألف دينار عينا.

стр. 11060

وفيها رسم بتحويل سنة خمس وستّين الخراجية إلى سنة سبع وستين الهلاليّة، وكانت قد حوّلت فى سنة خمسمائة فى أيام الأفضل أمير الجيوش «١» . ذكر وفاة الملك الأفضل نجم الدين أيوب كانت وفاته رحمه الله تعالى فى يوم الثّلاثاء السّابع والعشرين «٢» من ذى الحجة سنة ثمان وستّين وخمسمائة. وذلك أنّه ركب من داره، فلمّا انتهى إلى باب القصر فى وسط المحجة شبّ به فرسه فسقط عنه، فحمل إلى منزله، فعاش ثمانية أيّام ومات فدفن إلى جانب قبر أخيه أسد الدّين فى الدّار السّلطانية، ثم نقلا إلى المدينة النبويّة، على ساكنها أفضل الصّلاة والسّلام، وقبرا فى تربة الوزير جمال الدين الأصفهانى وزير الموصل ﵀. وفى سنة تسع وستّين وخمسمائة أمر الملك النّاصر ببيع الكتب التى بخزانة القصر «٣» ، فكانت أكثر من مائة ألف كتاب من سائر المصنفات، فأبيعت بأخسّ الأثمان. ذكر عمارة قلعة الجبل والسّور وفى سنة تسع وستين وخمسمائة أيضا أمر الملك النّاصر بعمارة قلعة الجبل والسّور الدائر على القاهرة ومصر، وجعل مبدأه من شاطىء

стр. 11061

النّيل إلى شاطئه. فكان دور السّور على القاهرة ومصر والقلعة تسعة وعشرين ألف ذراع، وثلاثمائة ذراع وذراعين. من ذلك ما بين قلعة المقسم والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع؛ ومن القلعة بالمقسم إلى حائط قلعة الجبل ثمانية آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع واثنان وتسعون ذراعا؛ ومن حائط قلعة الجبل إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع. ودائر قلعة الجبل ثلاثة آلاف ومائتا ذراع وعشرة أذرع، كل ذلك بالذراع الهاشمى. وتولّى عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، وحفر فى رأس الجبل بئرا يتوصل إلى مائها المعين من درج منحوتة من الجبل؛ وتوفى الملك الناصر قبل أن تكمل عمارته «١» . وفيها أمر ببناء المدرسة عند تربة الإمام الشّافعى ﵀، وتولاها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشانى. وأمر باتّخاذ دار فى القصر بيمارستانا للمرضى، ووقف على ذلك وقوفا. وهذا البيمارستان يسمّى فى وقتنا هذا البيمارستان العتيق «٢» . وفيها أسقط مكوس مكّة، شرّفها الله تعالى، المقررة على الحاج وعوض أميرها عن ذلك فى كل سنة ثمانية آلاف إردب قمحا تحمل إلى ساحل جدة، وعيّن لذلك ضياعا بالدّيار المصرية وقرّر أيضا حمل غلّات إلى المجاورين بالحرمين الشريفين والفقراء؛ فقال الشيخ أبو

стр. 11062

الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسى «١» فى ذلك من قصيدة يمدح بها الملك الناصر: رفعت مكارم مكس الحجاز ... بإنعامك الشّامل الغامر وأمّنت أكناف تلك البلاد ... فهان السّبيل على العابر وسمت أياديك فيّاضة ... على وارد وعلى صادر فكم لك بالشّرق من حامد ... وكم لك بالغرب من شاكر ذكر قتل جماعة من المصريين وفى سنة تسع وستين وخمسمائة أيضا، فى ثانى شهر رمضان صلب جماعة ممّن أراد الوثوب بمصر من أصحاب الخلفاء العبيديّين. وسبب ذلك أن جماعة من شيعتهم، منهم عمارة اليمنى الشاعر، وعبد الصّمد الكاتب، والقاضى الأعزّ سلامة المعروف بالعوريس «٢» ، والقاضى ضياء الدّين نصر بن عبد الله بن كامل، وداعى الدعاة، وغيرهم من جند العبيديين ورجال السّودان وحاشية القصر ومن وافقهم من الأمراء الصّلاحية والجند- اتّفق رأيهم على استدعاء الفرنج من جزيرة صقليّة ومن سواحل الشّام إلى الديار المصريّة على شىء بذلوه لهم من المال والبلاد، وقرّروا أنّ الملك الناصر إذا خرج إليهم بنفسه ثار هؤلاء بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة العبيديّة، العلوية بزعمهم، ويعود من معه من العساكر الذين وافقوهم عنه فلا يبقى له مقام بالبلاد. وإن أقام هو وأرسل العساكر إليهم ثاروا به فأخذوه باليد. وقال لهم عمارة: وأنا فقد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفا أن يسدّ مسدّه، وتجتمع الكلمة عليه بعده. وأرسلوا إلى الفرنج وتقرّرت هذه القاعدة بينهم.

стр. 11063

قال: وكان ممن أدخلوه معهم فى هذا الأمر زين الدّين علىّ «١» بن نجا الواعظ، وهو القاضى ابن نجيّة، ثمّ اختلفوا فى وزارة الخليفة؛ فقال بنو رزّيك: يكون الوزير منّا. والقاضى؛ وقال بنو شاور: بل يكون الوزير منّا فحضر ابن نجا إلى الملك النّاصر وأعلمه بصورة الحال، فأمره بمباطنتهم وموافقتهم، ومطالعته بأحوالهم. ففعل ذلك. ثم وصل رسول من ملك الفرنج إلى الملك النّاصر بهدايا، وهو فى الظّاهر له وفى الباطن لهؤلاء، فوضع الملك النّاصر عليه من النّصارى من داخله وباطنه؛ فذكر له الحال على جليّته، فأعلم به الملك النّاصر. فلما تحقّقه قبض على هؤلاء وصلبهم، فكان ممن صلب عمارة اليمنى، وعبد الصّمد الكاتب، والقاضى الأعز العوريس، وغيرهم «٢» . وجاء عمارة إلى باب القاضى الفاضل لمّا مسك، فاحتجب عنه، فقال عمارة: عبد الرّحيم قد احتجب ... إنّ الخلاص من العجب «٣» ونودى فى أجناد المصريين بالرّحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصى الصّعيد، واحتاط الملك النّاصر على من بالقصر من سلالة العاضد

стр. 11064

وأهله. وأمّا من كان قد وافقهم من أصحابه فلم يخاطبهم فى ذلك ولا أوهمهم أنّه علم به. وبلغ ذلك فرنج السّاحل فلم يتحركوا من أماكنهم، وأما فرنج صقليّة فإنهم قصدوا ثغر الإسكندريّة على ما نذكره. وفى سنة سبعين وخمسمائة، فى أوائلها، خالف الكنز «١» ، أمير العرب، على الملك النّاصر بصعيد مصر، واجتمع معه جماعة كبيرة من رعايا البلاد والعربان والسّودان وغيرهم، وقتل أخا الأمير أبى الهيجاء السّمين، وكان قد توجّه لإقطاعه بالصّعيد. فعظم قتله على أخيه، وكان من أكابر الأمراء النّاصريّة، فسار إلى قتال الكنز. وندب معه الملك الناصر جماعة من الأمراء والعسكر، فوصلوا إلى مدينة طود، وهى على مسافة يوم من مدينة قوص إلى جهة الصّعيد، فامتنع من بها عليهم، فقاتلوهم وظفروا بهم وقتلوا كثيرا منهم، وأخربوا البلد، فهى إلى وقتنا هذا تعرف بطود الخراب، وغيطانها عامرة. ثمّ سار العسكر منها إلى الكنز، فقاتلوه، فقتل هو ومن معه من الأعراب، وأمنت البلاد واستقرّ أهلها «٢» . وفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة ظهر بالدّيار المصرية فأر كثير جدّا. قال القاضى الفاضل عبد الرحيم: حدّثنى من شاهد هذا الفأر وهو يرحل من بقعة إلى أخرى فيغطّى الأرض بكمالها حتى لا يظهر منها شىء ألبتّة

стр. 11065

وأنه شاهد يمرّ بأماكن فلا يلمّ بها ولا يخرج عليها والزّروع بها محصورة، ويمرّ بأخرى فلا يلبث أن يفسد جميع ما فيها ولا يرتحل عنها وبها شىء من الزّرع ولا المقات بالجملة. وفى سنة تسع وسبعين وخمسمائة [١١٢] ظهر بأبو صير السدر «١» من أعمال الجيزة بيت أشاع النّاس أنّه بيت هرمس، ففتح بحضور القاضى نظام الدّين بن الشّهرزورى وأخرج منه أشياء، من جملتها صور كباش وضفادع بأزهر، وقوارير دهنج، وفلوس من فضّة ونحاس، وأصنام نحاس وياقوت، وغير ذلك من الذّهب والفضة والتّحف القديمة ووجد فيه خلق كثير من الأموات. وفى سنة ثمانين وخمسمائة فى يوم الاثنين مستهلّ المحرم درّس فى المدرسة الفاضلية «٢» الّتى أنشأها القاضى الفاضل عبد الرّحيم بالقاهرة بدرب ملوخيّا؛ ورتّب فيها لإقراء كتاب الله تعالى الشيخ الإمام العالم الزّكى أبو [محمد] «٣» القاسم بن فيرّه الرّعينى الشّاطبى؛ وفى التّدريس على مذهبى الشّافعى ومالك الفقيه أبو القاسم عبد الرحيم بن سلامة الإسكندرى، رحمهما الله تعالى. وحيث ذكرنا هذه النّبذة من الحوادث الّتى اتّفقت فى خلال دولته، فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلاميّة.
следующие страницы →