Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.
стр. 11061
النّيل إلى شاطئه. فكان دور السّور على القاهرة ومصر والقلعة تسعة وعشرين ألف ذراع، وثلاثمائة ذراع وذراعين. من ذلك ما بين قلعة المقسم والبرج بالكوم الأحمر بساحل مصر عشرة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع؛ ومن القلعة بالمقسم إلى حائط قلعة الجبل ثمانية آلاف ذراع وثلاثمائة ذراع واثنان وتسعون ذراعا؛ ومن حائط قلعة الجبل إلى البرج بالكوم الأحمر سبعة آلاف ومائتا ذراع. ودائر قلعة الجبل ثلاثة آلاف ومائتا ذراع وعشرة أذرع، كل ذلك بالذراع الهاشمى. وتولّى عمارة ذلك الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، وحفر فى رأس الجبل بئرا يتوصل إلى مائها المعين من درج منحوتة من الجبل؛ وتوفى الملك الناصر قبل أن تكمل عمارته «١» .
وفيها أمر ببناء المدرسة عند تربة الإمام الشّافعى ﵀، وتولاها الفقيه الزاهد نجم الدين الخبوشانى.
وأمر باتّخاذ دار فى القصر بيمارستانا للمرضى، ووقف على ذلك وقوفا. وهذا البيمارستان يسمّى فى وقتنا هذا البيمارستان العتيق «٢» .
وفيها أسقط مكوس مكّة، شرّفها الله تعالى، المقررة على الحاج وعوض أميرها عن ذلك فى كل سنة ثمانية آلاف إردب قمحا تحمل إلى ساحل جدة، وعيّن لذلك ضياعا بالدّيار المصرية وقرّر أيضا حمل غلّات إلى المجاورين بالحرمين الشريفين والفقراء؛ فقال الشيخ أبو
стр. 11062
الحسين محمد بن أحمد بن جبير الأندلسى «١» فى ذلك من قصيدة يمدح بها الملك الناصر:
رفعت مكارم مكس الحجاز ... بإنعامك الشّامل الغامر
وأمّنت أكناف تلك البلاد ... فهان السّبيل على العابر
وسمت أياديك فيّاضة ... على وارد وعلى صادر
فكم لك بالشّرق من حامد ... وكم لك بالغرب من شاكر
ذكر قتل جماعة من المصريين
وفى سنة تسع وستين وخمسمائة أيضا، فى ثانى شهر رمضان صلب جماعة ممّن أراد الوثوب بمصر من أصحاب الخلفاء العبيديّين. وسبب ذلك أن جماعة من شيعتهم، منهم عمارة اليمنى الشاعر، وعبد الصّمد الكاتب، والقاضى الأعزّ سلامة المعروف بالعوريس «٢» ، والقاضى ضياء الدّين نصر بن عبد الله بن كامل، وداعى الدعاة، وغيرهم من جند العبيديين ورجال السّودان وحاشية القصر ومن وافقهم من الأمراء الصّلاحية والجند- اتّفق رأيهم على استدعاء الفرنج من جزيرة صقليّة ومن سواحل الشّام إلى الديار المصريّة على شىء بذلوه لهم من المال والبلاد، وقرّروا أنّ الملك الناصر إذا خرج إليهم بنفسه ثار هؤلاء بالقاهرة ومصر وأعادوا الدولة العبيديّة، العلوية بزعمهم، ويعود من معه من العساكر الذين وافقوهم عنه فلا يبقى له مقام بالبلاد. وإن أقام هو وأرسل العساكر إليهم ثاروا به فأخذوه باليد. وقال لهم عمارة: وأنا فقد أبعدت أخاه إلى اليمن خوفا أن يسدّ مسدّه، وتجتمع الكلمة عليه بعده.
وأرسلوا إلى الفرنج وتقرّرت هذه القاعدة بينهم.
стр. 11063
قال: وكان ممن أدخلوه معهم فى هذا الأمر زين الدّين علىّ «١» بن نجا الواعظ، وهو القاضى ابن نجيّة، ثمّ اختلفوا فى وزارة الخليفة؛ فقال بنو رزّيك: يكون الوزير منّا. والقاضى؛ وقال بنو شاور: بل يكون الوزير منّا فحضر ابن نجا إلى الملك النّاصر وأعلمه بصورة الحال، فأمره بمباطنتهم وموافقتهم، ومطالعته بأحوالهم. ففعل ذلك.
ثم وصل رسول من ملك الفرنج إلى الملك النّاصر بهدايا، وهو فى الظّاهر له وفى الباطن لهؤلاء، فوضع الملك النّاصر عليه من النّصارى من داخله وباطنه؛ فذكر له الحال على جليّته، فأعلم به الملك النّاصر. فلما تحقّقه قبض على هؤلاء وصلبهم، فكان ممن صلب عمارة اليمنى، وعبد الصّمد الكاتب، والقاضى الأعز العوريس، وغيرهم «٢» .
وجاء عمارة إلى باب القاضى الفاضل لمّا مسك، فاحتجب عنه، فقال عمارة:
عبد الرّحيم قد احتجب ... إنّ الخلاص من العجب «٣»
ونودى فى أجناد المصريين بالرّحيل من ديار مصر ومفارقتها إلى أقاصى الصّعيد، واحتاط الملك النّاصر على من بالقصر من سلالة العاضد
стр. 11064
وأهله. وأمّا من كان قد وافقهم من أصحابه فلم يخاطبهم فى ذلك ولا أوهمهم أنّه علم به. وبلغ ذلك فرنج السّاحل فلم يتحركوا من أماكنهم، وأما فرنج صقليّة فإنهم قصدوا ثغر الإسكندريّة على ما نذكره.
وفى سنة سبعين وخمسمائة، فى أوائلها، خالف الكنز «١» ، أمير العرب، على الملك النّاصر بصعيد مصر، واجتمع معه جماعة كبيرة من رعايا البلاد والعربان والسّودان وغيرهم، وقتل أخا الأمير أبى الهيجاء السّمين، وكان قد توجّه لإقطاعه بالصّعيد. فعظم قتله على أخيه، وكان من أكابر الأمراء النّاصريّة، فسار إلى قتال الكنز. وندب معه الملك الناصر جماعة من الأمراء والعسكر، فوصلوا إلى مدينة طود، وهى على مسافة يوم من مدينة قوص إلى جهة الصّعيد، فامتنع من بها عليهم، فقاتلوهم وظفروا بهم وقتلوا كثيرا منهم، وأخربوا البلد، فهى إلى وقتنا هذا تعرف بطود الخراب، وغيطانها عامرة. ثمّ سار العسكر منها إلى الكنز، فقاتلوه، فقتل هو ومن معه من الأعراب، وأمنت البلاد واستقرّ أهلها «٢» .
وفى سنة سبع وسبعين وخمسمائة ظهر بالدّيار المصرية فأر كثير جدّا.
قال القاضى الفاضل عبد الرحيم: حدّثنى من شاهد هذا الفأر وهو يرحل من بقعة إلى أخرى فيغطّى الأرض بكمالها حتى لا يظهر منها شىء ألبتّة
стр. 11065
وأنه شاهد يمرّ بأماكن فلا يلمّ بها ولا يخرج عليها والزّروع بها محصورة، ويمرّ بأخرى فلا يلبث أن يفسد جميع ما فيها ولا يرتحل عنها وبها شىء من الزّرع ولا المقات بالجملة.
وفى سنة تسع وسبعين وخمسمائة [١١٢] ظهر بأبو صير السدر «١» من أعمال الجيزة بيت أشاع النّاس أنّه بيت هرمس، ففتح بحضور القاضى نظام الدّين بن الشّهرزورى وأخرج منه أشياء، من جملتها صور كباش وضفادع بأزهر، وقوارير دهنج، وفلوس من فضّة ونحاس، وأصنام نحاس وياقوت، وغير ذلك من الذّهب والفضة والتّحف القديمة ووجد فيه خلق كثير من الأموات.
وفى سنة ثمانين وخمسمائة فى يوم الاثنين مستهلّ المحرم درّس فى المدرسة الفاضلية «٢» الّتى أنشأها القاضى الفاضل عبد الرّحيم بالقاهرة بدرب ملوخيّا؛ ورتّب فيها لإقراء كتاب الله تعالى الشيخ الإمام العالم الزّكى أبو [محمد] «٣» القاسم بن فيرّه الرّعينى الشّاطبى؛ وفى التّدريس على مذهبى الشّافعى ومالك الفقيه أبو القاسم عبد الرحيم بن سلامة الإسكندرى، رحمهما الله تعالى.
وحيث ذكرنا هذه النّبذة من الحوادث الّتى اتّفقت فى خلال دولته، فلنذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلاميّة.
стр. 11066
ذكر ما استولى عليه الملك الناصر من البلاد الإسلامية بنفسه وأتباعه
كان من البلاد التى خطب بها للملك النّاصر صلاح الدّين يوسف طرابلس الغرب وبعض بلاد إفريقية، منها مدينة قابس «١» .
وسبب ذلك أن شرف الدين قراقوش مملوك تقىّ الدين عمر «٢» ، ابن أخى الملك النّاصر، توجّه فى سنة ثمان وستين وخمسمائة فى طائفة من الأتراك إلى جبال نفوسة «٣» ، واجتمع به مسعود بن زمام المعروف بالبلاط، وهو من أعيان أمراء تلك النّاحية، وكان خارجا عن طاعة [ابن] «٤» عبد المؤمن. فاتّفقا وكثر جمعهما، ونزلا على طرابلس الغرب، فحاصراها مدّة وضيّقا على أهلها، ثمّ فتحاها، فاستولى قراقوش عليها، وأسكن أهله بقصرها. ثمّ ملك كثيرا من بلاد أفريقية إلا المهديّة وسفاقس وقفصة وتونس وما والاها من القرى والمواضع. وكثر جمع قراقوش، فحكم على تلك البلاد، وجمع أموالا عظيمة وجعلها بمدينة قابس، وقويت نفسه، وطمع أنّه يستولى على جميع أفريقيّة لبعد ابن عبد المؤمن عنها واشتغاله بجهاد الفرنج. ثم جاء نورا به مملوك تقىّ الدين أيضا، بطائفة من التّرك فزاد بهم قوّة إلى قوّتة. ثم اجتمع الأتراك وعلىّ
стр. 11067
ابن إسحاق الملثّم [المعروف بابن غانية] «١» وملكوا بجاية فى سنة ثمانين، وانقادوا إلى الملثّم واستعانوا به، لأنّه من بيت المملكة والرئاسة القديمة، ولقّبوه بأمير المسلمين؛ وقصدوا بلاد أفريقية فملكوها شرقا وغربا إلا تونس والمهديّة فإنّ الموحّدين حفظوها.
ولمّا حصل استيلاؤهم على بلاد أفريقية قطعت خطبة أولاد عبد المؤمن وخطب للنّاصر لدين الله العبّاسى؛ وقصدوا مدينة قفصة فتسلّموها فى سنة اثنتين وثمانين؛ وأقام بها طائفة من الملثمين والأتراك.
فلمّا اتّصلت هذه الأخبار بالأمير يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن «٢» اختار من عسكره عشرين ألف فارس من الموحّدين، وسار بهم فى صفر سنة ثلاث وثمانين، فوصل إلى مدينة تونس. وأرسل ستّة آلاف مع ابن أخيه فساروا إلى الملثم والأتراك بقفصة، فهزمهم الملثم ومن معه فى شهر ربيع الأول من السّنة. فجاء يعقوب بن يوسف بمن معه فى نصف شهر رجب منها، والتقوا على مدينة قابس، فانهزم الأتراك والملثم، وقتل كثير منهم. وفتح يعقوب قابس، وأخذ أموال قراقوش وأهله وحملهم على مراكش. وحصر مدينة قفصة ثلاثة أشهر وبها التّرك، فطلبوا الأمان لهم ولأهل البلد، فأمّنهم وسيّر الأتراك إلى الثّغور لما رأى من شجاعتهم.
هذا ما اتّفق لهذه الطائفة، وإن كانت هذه الفتوحات لا تختصّ كلّها بالدّولة الأيوبية، إلا أنهم كانوا سببا، وهم الّذين استولوا على البلاد كما ذكرنا فأوردناها فى أخبارهم.
стр. 11068
[١١٣] ذكر استيلائه على اليمن
وفى سنة تسع وستّين وخمسمائة جهّز الملك النّاصر أخاه الملك المعظّم شمس الدّولة تورانشاه «١» إلى اليمن، فسار فى مستهلّ شهر رجب.
وكان عمارة اليمنى الشّاعر يذكر له البلاد ويحسّنها له ويحثّه على قصدها، ويعظّم مملكتها. فسار ووصل إلى مكة شرّفها الله تعالى، ومنها إلى زبيد «٢» وبها صاحبها عبد النبىّ المتغلب عليها «٣» . فلمّا قرب منها ورأى أهلها انهزموا، فوصل المصريون إلى سور زبيد فلم يجدوا عليه من يمانع عنه، فنصبوا السّلاليم وصعدوا عليها إلى السّور فملكوا البلد عنوة ونهبوه، وأسر المتغلب عليها عبد النّبىّ وزوجته المدعوة بالخيرة، وكانت امرأة صالحة كثيرة الصدقة. وسلّم شمس الدّولة عبد النّبى إلى سيف الدّولة مبارك بن كامل بن منقذ، وهو من أمرائه، وأمره أن يستخرج منه الأموال، فاستخرج منه شيئا كثيرا وأظهر دفائن كانت له. ودلّتهم الخيّرة على ودائع لها كثيرة. ثم أصلح أمر زبيد وخطب بها للنّاصر لدين الله «٤» .
ثم سار إلى ثغر عدن، وهى فرضة «٥» الهند والزّنج والحبشة وعمان وكرمان وكشّ وفارس وغير ذلك؛ وهى من جهة البرّ من أمنع البلاد
стр. 11069
وأحصنها. وصاحبها يومئذ رجل اسمه ياسر «١» ، فخرج إليه وقاتله، فانهزم هو ومن معه؛ فسبقه بعض عسكر الدّولة فدخلوا البلد قبل أهله وملكوه، وأسر صاحبه. وقصد العسكر نهب البلد، فمنعهم شمس الدّولة، وقال: ما جئنا لنخرب البلاد، وإنّما جئنا لنملكها ونعمّرها وننتفع بها. ثمّ عاد إلى زبيد وحصر ما فى الجبل من الحصون فملك قلعة تعزّ واسمها الدّمولة، وهى من أحصن القلاع، وبها تكون خزائن صاحب اليمن. وملك غيرها من الحصون والمعاقل، واستناب بثغر عدن عزّ الدين عثمان الزّنجيلى، وبزبيد سيف الدّين مبارك بن كامل بن منقذ. وجعل فى كلّ حصن نائبا من أصحابه.
وأحسن شمس الدّولة إلى أهل البلاد؛ وعادت زبيد إلى أحسن ما كانت عليه من العمارة والأمن. ثمّ عاد شمس الدولة من اليمن، وقدم إلى دمشق بعد أن ملكها الملك الناصر، فوصل إليها فى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة.
ذكر ملكه مدينة دمشق
قال المؤرخ: لمّا توفى الملك العادل نور الدّين الشهيد محمود»
ابن زنكى ﵀، كما قدّمناه «٣» فى أخباره، وولى بعده ولده الملك الصّالح إسماعيل أقرّ الملك النّاصر الخطبة باسمه بعد أبيه، ولم يخطب لنفسه. ثم اتّفق ما ذكرناه من نقلة الملك الصّالح من دمشق إلى حلب، ولم يستأذن الملك النّاصر فى ذلك ولا كتب له فيه؛ فسار
стр. 11070
[الملك الناصر] «١» من الدّيار المصريّة إلى الشام فى شهر ربيع الأول سنة سبعين وخمسمائة، ووصل إلى دمشق فى يوم الاثنين سلخ الشهر- وقال ابن شدّاد فى سلخ شهر ربيع الآخر «٢» - وتسلّم دمشق من الأمير شمس الدّين بن المقدّم ونزل بدار العقيقى، وكانت سكن أبيه، وأحسن إلى الأمراء وأكرمهم، وأظهر أنّه إنّما حضر إلى الشّام نصرة للملك الصّالح، وليعيد عليه ما أخذه ابن عمه سيف الدّين غازى «٣» من بلاده. وأقرّ خطبته ولم يقطعها ولا خطب لنفسه.
ذكر ملكه مدينة حمص وحماه
قال المؤرخ: ولمّا ملك دمشق استخلف بها أخاه سيف الإسلام «٤» طغزتكين بن أيوب، وتوجّه إلى مدينة حمص فى مستهلّ جمادى الأولى، فنازلها، فملك المدينة ولم يشتغل بالقلعة؛ وترك بالمدينة من يحفظها ويمنع من [فى، «٥» القلعة من التصرّف.
وسار منها فوصل إلى مدينة حماة فى مستهلّ جمادى الآخرة؛ وكان بقلعتها الأمير عزّ الدّين جرديك، وهو من المماليك النوريّة، فامتنع من تسليمها. فأرسل إليه يعرّفه ما هو عليه من الطّاعة للملك الصّالح، فاستحلفه جرديك على ذلك، وخرج إليه، وترك أخاه بالقلعة ليحفظها.
وتوجّه عزّ الدّين جرديك إلى حلب ليكون سفيرا [١١٤] بين الملك الناصر وبين كمشتكين فاعتقل بحلب فلما بلغ أخاه ذلك سلم القلعة إلى الملك الناصر فملكها.
стр. 11071
ذكر حصره حلب وعوده عنها وملكه قلعة حمص وبعلبك
قال: ولمّا بلغ الملك النّاصر خبر عزّ الدين جرديك والقبض عليه، توجّه إلى حلب وحصرها فى جمادى الآخرة من السّنة، فقاتله أهلها، وركب الملك الصّالح وهو صبىّ وعمره اثنتا عشرة سنة وجمع أهل حلب، وذكّرهم بإحسان والده إليهم، واستنصر بهم فى دفع صلاح الدّين، فبكوا وحلفوا له على بذل النّفوس والأموال، وقاتلوا أشدّ قتال. وأرسل سعد الدّين كمشتكين إلى سنان، مقدّم الإسماعلية، مالا كثيرا على قتل الملك النّاصر؛ فسيّر إليه جماعة، فظفر صلاح الدّين بهم وقتلهم. ورحل عن حلب فى مستهلّ شهر رجب من السنة.
وكان سبب رحيله أنّ كمشتكين أرسل إلى القومص ريمند «١» الصّنجيلى، صاحب طرابلس، أن يجهّز إلى بلاد صلاح الدّين من الفرنج من يمنعه من الوصول إليها. فلمّا بلغه ذلك فارق حلب وعاد إلى حماة فى ثامن الشهر، بعد نزول الفرنج على حمص بيوم. فلمّا سمع الفرنج بقربه رحلوا عن حمص، ووصل صلاح الدّين إلى حمص، وملك القلعة بعد حصار. وكان ملكه لها فى الحادى والعشرين من شعبان من السّنة.
ثمّ سار منها إلى بعلبك، وكان بها يمن الخادم متوليها من أيّام نور الدّين، فحصرها الملك النّاصر، فطلب يمن الأمان، فأمّنه وتسلّم القلعة فى رابع شهر رمضان.
стр. 11072
ذكر انهزام عسكر سيف الدين غازى من الملك الناصر وحصره حلب ثانيا
قال المؤرخ. كان الملك الصّالح كتب إلى عمه سيف الدّين غازى يستنجده على قتال صلاح الدّين ودفعه فجهّز العسكر صحبة أخيه عزّ الدين مسعود، وتأخّر هو لما وقع بينه وبين أخيه عماد الدّين من الاختلاف الذى قدمناه فى أخبار الدولة الأتابكية «١» فسارت العساكر السّيفيّة، واجتمع معها العسكر الحلبىّ، وساروا كلّهم لقتال الملك النّاصر فأرسل إلى سيف الدّين يبذل له تسليم حمص وحماة وأن يقرّ بيده مدينة دمشق نيابة عن الملك الصالح؛ فلم يجب إلى ذلك وقال:
لا بدّ من تسليم جميع ما أخذه من بلاد الشام ويعود إلى مصر.
فلما امتنع سيف الدّين من إجابته تجهّز عند ذلك للقاء عزّ الدين مسعود ومن معه وقتالهم، فالتقوا فى تاسع عشر شهر رمضان بقرون حماة «٢» ، فلم تثبت عساكر سيف الدّين وانهزموا لا يلوى بعضهم على بعض. وتبعهم الملك النّاصر وغنم معسكرهم، ووصل إلى حلب وحاصرها، وقطع خطبة الملك الصالح، وأزال اسمه.
فلمّا طال الحصار على من بحلب راسلوه فى الصلح على أن يكون له ما بيده من بلاد الشّام ولهم ما بأيديهم منها؛ فأجابهم إلى ذلك، وانتظم الصّلح. فرحل عن حلب فى العشر الأول من شوال ووصل إلى حماة، ووصلت إليه بها رسل الخليفة المستضىء بنور الله، ومعهم الخلع والأعلام السّود وتوقيع من الدّيوان العزيز بالسّلطنة ببلاد مصر والشام.
стр. 11073
وفيها ملك قلعة بعرين «١» فى العشر الأول من شوال من صاحبها فخر الدين مسعود بن الزّعفرانى، وكان من أكابر الأمراء النّورية، فجاء إلى خدمة الملك النّاصر، وظن أنّه يكرّمه ويقرّبه، فلم ير من ذلك شيئا، ففارقه وعاد إلى قلعته. فلما استقرّ الصّلح بين الملكين النّاصر والصّالح نازل [الناصر] «٢» بعرين ونصب عليها المجانيق وملكها.
ذكر الحرب بين الملك النّاصر وسيف الدين غازى وانهزام غازى
قد قدّمنا انهزام عزّ الدين مسعود بالعسكر السّيفى من الملك النّاصر فى سنة سبعين وخمسمائة. فلمّا كان فى سنة إحدى وسبعين جمع سيف الدّين غازى جميع عساكره وفرّق فيهم الأموال، واستنجد بصاحب حصن كيفا «٣» وصاحب ماردين «٤» وغيرهما، وسار إلى حلب، واستصحب سعد الدّين كمشتكين مدبّر دولة الملك الصّالح والعسكر الحلبىّ.
وكان صلاح الدّين فى قلّة من العسكر لأنّه جهّز أكثر عساكره إلى الدّيار المصريّة فلمّا بلغه ذلك [١١٥] أرسل يستدعى عساكره، فلم تلحقه؛ وأعجلته الحركة، فسار من دمشق إلى حلب للقاء غازى ومن معه، فالتقى العسكران بتلّ السّلطان بالقرب من حلب، فى عاشر شوال من السّنة.
стр. 11074
وكان عزّ الدين زلفندار مقدّم العسكر الموصلى قليل المعرفة بالحروب، فجعل أعلام صاحبه فى وهدة من الأرض لا يراها إلا من هو بالقرب منها فلما لم يرها النّاس ظنّوا أن سيف الدّين غازى قد انهزم، وانهزموا لا يلوى الأخ على أخيه. ولم يقتل من العسكر على كثرته غير رجل واحد. وانهزم سيف الدّولة إلى الموصل وترك أخاه عزّ الدّين بحلب «١» .
قال العماد الأصفهانى: إن سيف الدّين غازى كان فى عشرين ألف فارس؛ وخطّأه ابن الأثير الجزرى فى ذلك وقال إن أخاه مجد الدّين أبا السّعادات المبارك كان يتولّى كتابة الجيش، وأنه وقف على جريدة العرض فكانت ستّة آلاف «٢» .
وإن جمعنا بين قوليهما فنقول: إنّ الجريدة الّتى وقف عليها ابن الأثير كانت للجيش المختصّ بسيف الدّين غازى خاصّة، والّذى نقله العماد الأصفهانى عن جميع ما صحبه من سائر الجيوش الحلبية والحصفية، والماردينيّة، والله أعلم.
ذكر ما ملكه الملك الناصر من بلاد الملك الصالح بعد هذه الوقعة
قال المؤرّخ: لمّا استولى الملك النّاصر على أثقال العسكر الموصلىّ وغنمها، واتّسع هو وعسكره بها، سار إلى بزاعة «٣» ، فحصرها وملكها «٤» بعد قتال من بقلعتها، وجعل بها من يحفظها. ثمّ
стр. 11075
سار إلى منبج «١» فحصرها فى آخر شوّال، وبها صاحبها قطب الدّين ينال بن حسّان المنبجى، وكان شديد العداوة للملك النّاصر والتّحريض عليه؛ فملك المدينة وحاصر القلعة وملكها عنوة، وأسر صاحبها ينال، ثم أطلقه، فسار إلى الموصل، فأقطعه سيف الدّين غازى مدينة الرّقة.
ثم سار إلى قلعة عزاز «٢» فنازلها فى ثالث ذى القعدة ونصب عليها المجانيق، ولازم الحصار ثمانية وثلاثين يوما وتسلّمها فى حادى عشر ذى الحجّة من السّنة «٣» .
ووثب عليه فى مدّة الحصار باطنىّ «٤» فضربه بسكّين فى رأسه، فردّ عنه المغفر «٥» ، وضربه عدّة ضربات وقعت فى زيق كزاغنده «٦» .
стр. 11076
ذكر حصره مدينة حلب والصلح عليها
قال: ثمّ رحل الملك النّاصر عن أعزاز ونازل حلب فى نصف ذى الحجة، وحصرها إلى العشرين من المحرّم سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
وتردّدت الرّسائل بينهم فى الصّلح، فاستقرّت القاعدة بين الملك النّاصر وسيف الدّين غازى والملك الصّالح وصاحب ماردين وصاحب حصن كيفا، وتحالفوا أن يكونوا كلّهم عونا على النّاكث منهم. فتمّ الصّلح، وأعاد الملك النّاصر إليهم قلعة أعزاز، ورجع عن حلب.
ذكر نهبه بلاد الإسماعيلية
قال: لمّا عاد الملك النّاصر من حلب قصد بلاد الإسماعيليّة فى شهر المحرّم سنة اثنتين وسبعين لقتالهم، لأنّهم أرادوا قتله؛ فنهب بلادهم وخرّ بها؛ ونازل قلعة مصياف «١» . فأرسل سنان مقدّم الإسماعيليّة إلى الأمير شهاب الدّين الحارمى صاحب حماة، وهو خال الملك النّاصر، يطلب منه الدّخول بينهما فى الصّلح والشّفاعة، وتهدّده بالقتل إن لم يفعل.
ففعل ذلك، وتمّ الصلح. وتوجّه الملك النّاصر إلى دمشق، ثم رحل منها إلى الدّيار المصريّة لأربع خلون من شهر ربيع الأول، ووصل إلى القاهرة لأربع بقين منه.
ذكر عبوره الفرات وملكه الديار الجزيرية
وفى سنة ثمان وسبعين «٢» وخمسمائة كان الملك الناصر يحاصر بيروت، فأتته كتب مظفّر الدّين كوكبرى بن زين الدّين على بن
стр. 11077
تكين «١» مقطع حرّان يطلبه إلى البلاد ويعده المساعدة. فسار وعبر الفرات، وكاتب ملوك الأطراف [١١٦] ووعدهم، وبذل لهم البذول على نصرته فأجابه نور الدّين محمد صاحب حصن كيفا. فسار الملك النّاصر إلى مدينة الرّها فحصرها فى جمادى الأولى، وداوم الحصار، فطلب صاحبها فخر الدّين مسعود الزّعفرانى الأمان، فأمّنه وتسلّم البلد، وصار صاحبها فى خدمته؛ وتسلّم القلعة. فلما ملكها سلّمها لمظفّر الدّين صاحب حرّان. ثم سار عنها إلى الرّقّة وكان بها مقطها قطب الدّين ينال بن حسان المنبجى، فملكها، وسار صاحبها إلى عز الدّين أتابك. وسار إلى الخابور فملكه. بكماله. ثمّ سار إلى نصيبين، فملك المدينة لوقته، وحصر القلعة عدّة أيّام، فملكها؛ وأقطعها للأمير أبى الهيجاء السّمين، وهو من أكابر الأمراء، وسار عنها، ومعه نور الدّين صاحب الحصن، فحاصر الموصل فلم يظفر منها بشىء لحصانتها وكثرة من بها.
ذكر ملكه مدينة سنجار
قال: ثم سار الملك النّاصر من الموصل إلى سنجار، فسيّر مجاهد الدّين قايماز إليها نجدة من العسكر، فمنعهم الملك النّاصر الوصول إليها، وأوقع بهم وأخذ سلاحهم ودوابّهم، وسار إليها ونازلها وبها شرف الدّين أمير أميران أخو عز الدّين صاحب الموصل، فملكها بأمان بعد حصار عظيم. وسار شرف الدّين ومن معه إلى الموصل.
واستقرّ للملك النّاصر جميع ما ملكه فى هذه الوقعة بملك سنجار «٢» واستناب بها سعد الدّين بن معين الدّين أنر، وهو من أكابر الأمراء،
стр. 11078
وأحسنهم صورة ومعنى. وعاد إلى نصيبين، فلقيه أهلها وشكوا إليه من أبى الهيجاء السّمين فأنكر عليه وعزله.
وسار إلى حرّان فوصل إليها فى أوائل ذى القعدة، فكاتب عزّ الدّين صاحب الموصل صاحب خلاط، وهو شاه أرمن «١» ، واستنجد به على حرب الملك النّاصر. فلمّا بلغه اجتماعهما سار إلى بحرزم «٢» بالقرب من ماردين.
ذكر ملكه مدينة آمد وتسليمها إلى صاحب حصن كيفا
قال: ثم سار من هذه الجهة الى آمد فوصل إليها فى سابع عشر ذى الحجة «٣» فنازلها وحاصرها، ونصب عليها المجانيق. وهى من أحصن البلاد، يضرب المثل بحصانتها، وكان صاحبها ابن نيسان فى غاية الشّح يبخل ببذل المال، فملّه أصحابه وتخاذلوا عنه. فأخرج نساء إلى القاضى الفاضل «٤» وسأله أن يأخذ له الأمان ولأهله، وأن يؤخّر ثلاثة أيام حتى ينقل ماله بالبلد من الأموال والذّخائر.
فأجابه الملك الناصر إلى ذلك، وتسلّم البلد فى العشر الأول من المحرّم سنة تسع وسبعين وخمسمائة. وانقضت الأيّام الثّلاثة قبل فراغه من نقل أمواله، فمنع مما بقى. وسلّم الملك النّاصر البلد بما فيه إلى نور الدّين صاحب الحصن، وكان فيه من الذخائر ما تزيد قيمته على ألف ألف دينار «٥» .
стр. 11079
ذكر ملكه تل خالد وعين تاب
قال: ثمّ سار الملك النّاصر إلى تلّ خالد من أعمال حلب فحصرها ورماها بالمجانيق، فطلب أهلها الأمان، فأمّنهم، وتسلّمها فى المحرّم أيضا.
وسار منها إلى عين تاب، وبها ناصر الدّين محمد [بن خمارتكين] «١» من أيّام نور الدّين الشّهيد، فحصرها، فراسله فى طلب الأمان على أن يكون الحصن بيده ويكون فى خدمته. فأجابه إلى ذلك وحلف له عليه، فنزل إليه واتصل بخدمته «٢» .
ذكر ملكه حلب
قال: ثمّ سار من عين تاب إلى حلب فى المحرّم أيضا ونزل بالميدان [الأخضر] «٣» عدّة أيّام ثم انتقل إلى جبل جوشن «٤» ؛ فنزل بأعلاه وأظهر أنّه يريد [أن] «٥» يبنى مساكن لنفسه ولأصحابه وعساكره، وأقام أيّاما والقتال بين العسكرين فى كلّ يوم.
وكان صاحبها عماد الدّين زنكى بن مودود بن زنكى مجدّا فى القتال، فطالبه بعض الجند بأرزاقهم، [١١٧] فاعتذر بقلّة المال عنده؛ وكان قد شحّ بإخراجه، فقال له من يريد حفظ حلب يخرج الأموال ولو باع حلىّ نسائه. فجنح إلى تسليمها، فراسل الملك النّاصر فى طلب العوض عنها: سنجار ونصيبين والخابور والرّقّة وسروج.
стр. 11080
فسلّم «١» مثل حلب وأعمالها وتعوّض عنها قرى ومزارع، وجرت الأيمان على ذلك. وتسلّمها الملك النّاصر فى ثامن عشر صفر.
فسبّ النّاس عماد الدّين زنكى وأسمعوه المكروه على فعله.
واستقرّت الحال بينهما أنّ عماد الدّين يحضر إلى خدمة الملك النّاصر متى استدعاه بنفسه وعسكره ولا يحتجّ بحجة.
قال: ولما تسلّم الملك النّاصر حلب امتدحه القاضى محيى الدين ابن الزّكى، قاضى دمشق، بقصيدة جاء منها:
وفتحكم حلبا بالسّيف فى صفر ... مبشّر بفتوح القدس فى رجب «٢»
فكان كذلك.
ونقل الملك النّاصر أخاه الملك العادل من نيابة الدّيار المصرية إلى حلب، فى سنة تسع وسبعين، وأعطاه حلب وقلعتها وأعمالها ومنبج وما يتعلّق بها؛ وسيّره فى شهر رمضان.
ذكر فتح الملك النّاصر حارم
قال: ولمّا فتح الملك النّاصر حلب كان بقلعة حارم «٣» سرخك، وهو من المماليك النّورية، فامتنع من تسليمها، فراسله فى ذلك وخيّره فيما يريد من القلاع، ووعده الإحسان؛ فاشتطّ فى الطّلب. فتردّدت الرّسائل بينهم، فراسل سرخك الفرنج ليحتمى بهم، فبلغ ذلك من معه من الأجناد فخافوا أن يسلّمها للفرنج، فقبضوا عليه واعتقلوه، وراسلوا الملك النّاصر فى طلب الأمان، فأجابهم وتسلّم الحصن ورتّب
стр. 11081
فيه دزدارا من بعض خواصّه «١» ، وأقام الملك النّاصر بحلب إلى أن قرّر قواعدها وأقطع أعمالها.
ذكر حصار الموصل
وفى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة حاصر الملك النّاصر الموصل. وذلك أنّه سار من دمشق فى ذى القعدة سنة ثمانين لقصد حصارها فلمّا وصل إلى مدينة بلد «٢» سيّر إليه عز الدّين صاحب الموصل والدته وابنة عمه «٣» الملك العادل نور الدّين الشهيد وغيرهما من النّساء فى جماعة من أعيان الدولة يسألونه المصالحة، وبذلوا موافقته وإنجاده بالعساكر متى طلبها، ليعود عن قصد الموصل. وإنّما أرسلهنّ ظنّا منه أنّه لو سيّر ابنة نور الدّين إلى الملك النّاصر فى طلب الشّام أعطاه لأنّها ابنة مخدومه. فتلقّاهنّ بالإكرام، وأحسن إليهن، واستشار أصحابه فى ذلك، فكلّ أشار عليه بموافقتهنّ.
فقال له الفقيه عيسى الهكّارى وعلىّ المشطوب: مثل الموصل لا تترك لامرأة، وإنّ عزّ الدّين ما أرسلهنّ إلّا وقد عجز عن الحرب.
فوافق ذلك هواه فردّهنّ خائبات، واعتذر بأعذار غير مقبولة، وقصد الموصل وحاصرها، وكان بينهم مناوشات فلم يتمكّن منها، فندم حيث
стр. 11082
لم يحبس النّساء. ففى أثناء ذلك توفى شاه أرمن «١» صاحب خلاط، فأشار عليه أصحابه بمفارقة الموصل وقصد خلاط، ففارقها.
ذكر ملكه ميّافارقين
قال: ولمّا سار الملك النّاصر إلى خلاط جعل طريقه ميّافارقين «٢» وكان صاحبها قطب الدّين صاحب ماردين قد توفى «٣» وملك بعده ابنه وهو طفل وكان حكمها إلى شاه أرمن وعسكره بها؛ فتوفى شاه أرمن أيضا، فطمع فى أخذها ونازلها. فرآها مشحونة بالرّجال، وفيها زوجة قطب الدّين المتوفّى وبناته، والمقدّم على جيشها أسد الدّين برتقش «٤» ، وكان فيه شجاعة وشهامة. فحصرها الملك النّاصر من أوّل جمادى الأولى، ونصب عليها المجانيق والعرّادات؛ واشتدّ القتال فلم يظفر منها بشىء؛ فرجع عن القوّة إلى إعمال الحيلة. فراسل امرأة قطب الدّين المقيمة بالبلد يقول إنّ أسد الدّين قد مال إلينا فى تسليم البلد، ونحن نرعى حقّ أخيك نور الدّين فيك بعد وفاته، ونريد أن يكون لك نصيب، وأنا أزوّج بناتك بأولادى، وتكون ميّافارقين وغيرها لك وبحكمك، [١١٨] ووضع من أرسل إلى أسد الدّين يعرّفه أنّ الخاتون قد مالت للانقياد إلى تسليمها، وأنّ من بخلاط قد كاتبوه ليسلّموها إليه. فسقط فى يده، وضعفت نفسه، وأرسل إلى الملك النّاصر يقترح إقطاعا ومالا، فأجيب إلى ذلك. وسلّم البلد فى سلخ جمادى الأولى، وعقد نكاح بعض أولاده على بعض البنات.
стр. 11083
ذكر عوده إلى بلد الموصل والصلح بينه وبين صاحبها
قال: ولمّا تسلّم الملك الناصر ميّافارقين وفرغ من أمرها وتدبير أحوالها، عاد إلى الموصل لحصارها. فتردّدت الرّسائل بينه وبين عزّ الدين صاحبها، ووقع الاتّفاق على أن يسلّم للملك النّاصر شهرزور وأعمالها، وولاية القرابلى، وجميع ما وراء الزّاب، وأن يخطب له على منابر بلاده، ويضرب السّكّة باسمه؛ وتحالفا على ذلك. فتسلّم الملك النّاصر البلاد، وسكنت الدّهماء.
ورحل إلى حرّان فمرض بها وطال مرضه حتى أيس منه؛ ثمّ عوفى. وعاد إلى دمشق فى المحرّم سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة.
قال: ولمّا كان الملك النّاصر مريضا بحرّان كان عنده ابن عمه ناصر الدّين محمد [بن] «١» شيركوه، وله من الإقطاع حمص والرّحبة، فسار إلى حمص واجتاز بحلب، وأحضر جماعة من أحداثها، ووعدهم، وأعطاهم مالا؛ ثمّ وصل إلى حمص وراسل جماعة من الدّماشقة على تسليم البلد إذا مات الملك النّاصر. وأقام ينتظر موته؛ فتوفّى ناصر الدّين ليلة عيد الأضحى سنة إحدى وثمانين، وعوفى الملك الناصر.
[وكان الملك الناصر] «٢» لما بلغه ما اعتمده ناصر الدّين بحلب ومراسلته للدّماشقة، وضع عليه النّاصح بن العميد سقاه سمّا فمات، وطلب ابن العميد من الغد فلم يوجد؛ وسار من ليلته إلى الملك النّاصر؛ فقويت الظّنّة «٣» بذلك.
стр. 11084
ولمّا توفى أعطى الملك النّاصر إقطاعه لولده شيركوه، وعمره اثنتا عشرة سنة. وخلّف ناصر الدّين من الأموال والخيول والآلات شيئا كثيرا، فحضر الملك النّاصر إلى حمص وعرض تركته، وأخذ أكثرها، واستعان به على الجهاد، ولم يترك إلّا ما لا خير فيه.
وحضر شيركوه عند الملك النّاصر [بعد موت أبيه بسنة] «١» ، فأجلسه فى حجره وسأله إلى أين انتهى من القرآن، فقال إلى قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
«٢» ، فاضطرب الملك النّاصر لذلك وظنّ أنّه عرّض بفعله، وطلب مؤدّبه ولوحه فوجده كذلك.
فعوّضه عمّا أخذه من مال أبيه الضّياع الخراب بالشّام فى ذلك الوقت، وهو الذى يعرف إلى زماننا هذا بالخراب الأسدىّ: وورثته إلى هذا التّاريخ يبيعون خراب ضياع الشّام والسّواد والبلقاء وغير ذلك.
واستولوا من الخراب على ما ليس فى كتابهم، وأباعوا مالا هو لهم، فإنّه قيل إن الذى اشتمل عليه كتاب المبايعة أربعمائة ضيعة، وهى الّتى كانت قد استولى عليها الخراب فى ذلك الوقت، فأباع ورثته جميع ما خرب بعد ذلك ممّا لم يتضمّنه كتابهم وأعانهم على ذلك أنّهم يبيعونه لأرباب الجاهات بأحسن الأثمان. وأعرف بلدا يسمّى رمدان من بلاد البلقاء بالقرب من الرّقيم والجادية وسنجاب «٣» اشتراها الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى «٤» لمّا كان ينوب عن السّلطنة بالشام،
стр. 11085
من الورثة الأسديّة بسبعمائة درهم؛ فلمّا مات وانتقل بعض ميراثه إلى السلطان الملك النّاصر «١» بالولاء الشّرعى. وكنت أباشر ديوانه بالشام، حصّلت من مغلّ هذه البلدة فى سنة إحدى وسبعمائة ما أبيع بنيّف وعشرين ألف درهم. فانظر إلى هذا التّفاوت العظيم.
ذكر غزوات الملك النّاصر وما افتتحه من بلاد الفرنج
وقد رأيت أن أفرد غزوات الملك النّاصر وفتوحاته ونكاياته فى الفرنج، ولا أضمّ ذلك إلى غيره من أخباره، لأنّ فيه ما يدلّ على قوّة الإسلام، وأنّ الله تعالى لم يزل يؤيّد هذا الدّين من عباده بمن يناضل عنه، ويحمى حوزته، ويذب عن أهله، ويستأصل شأفة عدوهم.
ونذكر ذلك على التّرتيب.
فكان أول ذلك وصول الفرنج إلى ثغر دمياط ورجوعهم عنه.
كان وصول الفرنج، خذلهم الله تعالى، إلى ثغر دمياط فى صفر سنة خمس وستين وخمسمائة، [١١٩] فحاصروا الثّغر. وكان سبب ذلك أنّ أسد الدّين شيركوه لمّا ولى الوزارة للخليفة العاضد لدين الله خافه فرنج السّاحل، فكاتبوا أهل صقليّة والأندلس من الفرنج يستمدّونهم ويخبرونهم أن أسد الدّين قد ملك الدّيار المصرية، وأنهم لا يأمنونه على البيت المقدّس. فأمدّوهم بالمال والرّجال والسّلاح، فنازلوا دمياط وضيّقوا على أهلها. فأرسل الملك النّاصر إليهم العساكر برّا وبحرا، وكتب إلى الملك العادل نور الدّين الشّهيد بذلك، ويعرّفه «٢»
стр. 11086
أنّه لا يمكنه الخروج من القاهرة لأنه لا يأمن أمر الشّيعة وأنّهم يثورون بعده، فيبقى الفرنج أمامه والمصريّون خلفه. فأمدّه نور الدّين بعسكر، وخرج نور الدّين بنفسه إلى بلاد الفرنج للإغارة عليها؛ فاستباح أموالها لخلوّ البلاد السّاحلية منهم فلمّا بلغهم ذلك رجعوا إلى بلادهم بساحل الشام بعد مقامهم على دمياط نيّفا وخمسين يوما، ولم يظفروا منها بشىء. وأخرج العاضد للملك النّاصر فى هذه الغزاة ألف ألف دينار مصريّة، سوى الثّياب والأسلحة.
ذكر غزوه بلاد الفرنج وفتح أيلة
وفى سنة ستّ وستّين وخمسمائة سار الملك النّاصر عن القاهرة وأغار على أعمال عسقلان والرّملة، وهجم على ربض غزّة فنهبه. وأتاه ملك الفرنج «١» فى قلّة من العسكر ليردّه، فهزمه الملك النّاصر بعد أن أشرف على أسره، وعاد إلى القاهرة، وعمل مراكب مفصّلة ونقلها على الجمال إلى البحر، فجمع قطعها وشدّها، وألقاها فى الماء. وحصر أيلة برّا وبحرا، وفتحها فى العشر الأول من شهر ربيع الآخر، واستباح أهلها وما فيها؛ وعاد إلى الدّيار المصريّة «٢» .
ذكر محاصرة الشوبك وعوده عنها
قال المؤرخ: وفى صفر سنة سبع «٣» وستين توجّه الملك النّاصر إلى حصن الشّوبك ونازله، وحصره، وضيّق على من به من الفرنج.
ودام القتال، فطلب أهله الأمان، واستمهلوه إلى عشرة أيّام فأجابهم
стр. 11087
إلى ذلك. ثمّ بلغه أنّ الملك العادل نور الدّين جاء من دمشق إلى الشّوبك من الجانب الآخر، فخاف أنّ نور الدّين متى ملك الشوبك قبض عليه، فعاد إلى الدّيار المصريّة، وكتب إلى نور الدّين يعتذر بمرض أبيه بمصر، فقبل عذره ظاهرا، ووقعت الوحشة بينهما باطنا
ذكر وصول [أسطول] «١» صقلية إلى ثغر الإسكندرية وانهزامه
كانت هذه الحادثة فى سنة سبعين وخمسمائة، ولم يكن للملك النّاصر بها غزاة بنفسه ولا مباشرة للحرب. وكان سبب وصول هذا الأسطول إلى الثّغر ما قدّمناه من مكاتبة المصريّين الذين صلبهم صلاح الدّين الفرنج. فوصل من صقلية مائتا شينى تحمل الرجال، وستّ وثلاثون طريدة «٢» تحمل الخيل، وستّ مراكب تحمل آلة الحرب، وأربعون مركبا تحمل الأزواد. وفى المراكب من الرجال: خمسون ألفا ومن الفرسان ألف فارس وخمسمائة فارس. وكان المقدّم عليهم ابن عمّ صاحب صقليّة. فوصلوا إلى الثّغر فى السّادس والعشرين من ذى الحجة سنة تسع وستّين على حين غفلة، فخرج إليهم أهل الثّغر بعددهم وأسلحتهم، فمنعهم المتولّى عليهم، وأمرهم أن يقاتلوا من وراء السّور. وطلع الفرنج إلى البرّ ونصبوا الدبّابات «٣» وقاربوا السّور؛ وقاتلهم أهل البلد قتالا شديدا. وجاء إلى الإسكندرية من كان إقطاعه بالقرب منها.
стр. 11088
وكتب إلى الملك النّاصر بذلك؛ فتجهّز بنفسه؛ وقدّم من يعلم أهل الثّغر بوصوله، وكان أهل الثّغر قد أنكوا فى الفرنج، وقتلوا وجرحوا كثيرا منهم، وحرقوا الدّبابات.
ولمّا علم الفرنج بمقدم الملك النّاصر جنحوا إلى الهرب، وأخذتهم سيوف أهل الثّغر، وحرقوا بعض مراكبهم، ونهبوا خيامهم، وأخذوا سلاحهم؛ وكثر القتل فيهم، وهرب من بقى؛ واحتمى ثلاثمائة من الفرسان على تلّ، فقاتلهم المسلمون طوال الليل إلى ضحى الغد، فأخذوا بين أسير وقتيل.
[١٢٠] ذكر مسيره إلى عسقلان وغيرها وانهزام عسكره وعوده
وفى سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة خرج الملك النّاصر إلى غزّة وعسقلان.
وكان رحيله من القاهرة بعد صلاة الجمعة لثلاث ليال خلون من جمادى الأولى من السّنة، فوصل إلى عسقلان فى يوم الأربعاء لليلة بقيت من الشهر، فسبى وسلب، وضرب أعناق الأسرى؛ وتفرّق عسكره للإغارة على الأعمال.
ثمّ سار إلى الرّملة فى يوم الجمعة مستهلّ جمادى الآخرة، فاعترضه الفرنج وقد جمعوا جموعا كثيرة؛ فكان بينهما وقعة عظيمة استشهد فيها أحمد ولد الملك المظفّر تقى الدين [عمر] »
، وأسر ولده الثّانى شاهنشاه، وأقام فى الأسر سبع سنين حتى افتكّه السّلطان بمال كثير. وأسر الفقيه عيسى الهكّارى.
стр. 11089
ثم كانت على المسلمين. وذلك أنّ العساكر كانت قد تعبّت للحرب، فلما قاربهم العدوّ أراد بعض الأمراء أن ينقل الميمنة إلى الميسرة والميسرة إلى القلب، فلمّا اشتغلوا بهذه التّعبئة هجم عليهم الفرنج، فانكسروا وطلبوا الدّيار المصرية، وضلّوا فى الطّريق. وعاد السّلطان ومن معه إلى القاهرة فى يوم الخميس منتصف الشهر «١» .
ذكر وقعة مرج عيون وانهزام الفرنج وأسر ملوكهم
كانت هذه الوقعة فى يوم الأحد لثمان خلون من شهر المحرّم سنة خمس وسبعين وخمسمائة؛ وكان الفرنج فى عشرة آلاف مقاتل. فلمّا التقوا مع المسلمين انهزم ملكهم «٢» مجروحا عند اللقاء وأسر منهم جماعة، منهم: مقدّم الدّاوية «٣» . ومقدّم الأسبتارية، وصاحب طبريّة، وأخو صاحب جبيل «٤» ، وابن القومصيّة «٥» ، وابن بارزان «٦» صاحب الرّملة، وصاحب جينين، وقسطلان يافا، وابن صاحب مرقيّة وعدّة من خيّالة القدس وعكّا. وغيرهم من المقدّمين الأكابر زادت عدّتهم على مائتين وسبعين، سوى غيرهم، فنقلهم السّلطان إلى دمشق.
فأمّا ابن بارزان فإنّه بذل فى نفسه مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار صوريّة، وإطلاق ألف أسير من المسلمين، والتزم بفكاك الفقيه عيسى الهكّارى. وأما ابن القومصية فافتكّته أمّه بخمسة وخمسين ألف
стр. 11090
دينار صوريّة. وأما مقدّم الداويّة فإنه هلك، فطلبت جثته بإطلاق ألف أسير من مقدّمى المسلمين «١» .
قال: وفى هذا اليوم ظفر الأسطول المصرىّ ببطشة «٢» كبيرة للفرنج، فاستولى عليها وعلى أخرى، وعاد إلى الثّغر بألف أسير. والله أعلم.
ذكر هدم بيت الأحزان
كان الفرنج قد عمروا حصن بيت الأحزان فى مدّة مقام الملك النّاصر على بعلبك واشتغاله بأمرها؛ فبنوه على مخاضة بيت الأحزان، وبينه وبين صفد وطبريّة نصف يوم.
وكان فى بنائه ضرر عظيم على المسلمين، فبذل لهم الملك النّاصر فى هدمه مائة ألف دينار، فأبوا ذلك. فجهّز إليه الجيش، فوصل إلى المخاضة يوم السّبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين، والحصن مبنىّ دونها من الغرب. فنصبوا عليه المجانيق بعد العصر من يوم الأحد، فما جاء اللّيل إلّا وقد استولوا على الباشورة «٣» . ثم أدار حوله النّقوب، فاستمرّت إلى يوم الخميس، لستّ بقين من الشهر، فهدم الجدار، ودخل العسكر الحصن وغنموا ما فيه؛ فكان ما غنموه من أنواع السّلاح الجديدة مائة ألف قطعة؛ وأسروا سبعمائة أسير، ومن أسرى المسلمين مائة. ثم هدم الحصن إلى الأساس، وكان سمكه عشرة أذرع «٤» .
стр. 11091
قال: ولمّا عمر الفرنج بيت الأحزان قال النشو أحمد الدّمشقى:
هلاك الفرنج أتى عاجلا ... وقد آن تكسير صلبانها
ولو لم يكن قد دنا حتفها ... لما عمرت بيت أحزانها «١»
ذكر مسير الملك الناصر إلى بلاد الأرمن
[١٢١] وفى سنة ستّ وسبعين وخمسمائة، توجّه الملك النّاصر إلى بلاد الأرمن. وذلك أن ابن لاوون «٢» ملك الأرمن كان قد استمال قوما من التّركمان، فلمّا أتوه وهم آمنون أسرهم. فدخل الملك النّاصر إلى بلاده واستولى على قلعة تعرف بالمانقير «٣» ، وهدمها إلى الأساس، وأخذ ما فيها من الآلات. ووجد المسلمون فى أرضها صهريجا مملوءا من الآلات الذّهب والفضّة والنّحاس. فبذل ابن لاوون جملة من المال، وأنّه يطلق الأسرى، ويشترى خمسمائة أسير من بلاد الفرنج ويطلقهم. فأجابه السّلطان إلى ذلك، وأخذ رهينة عليه. ثمّ عاد إلى الدّيار المصريّة، وأقام بها إلى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة «٤» .
ذكر مسيره إلى الشام والإغارة على طبرية وبيسان وما كان من الظفر بمراكب الفرنج ببحر عيذاب
وفى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة توجّه السّلطان الملك النّاصر لقصد الشام عند وفاة الملك الصّالح بن الملك العادل نور الدّين. فأغار
стр. 11092
على طبريّة وبيسان فى العشر الأوسط من شهر ربيع الأوّل، فانتصر بعد قتال.
وفيها كان الظفر بالفرنج ببحر عيذاب «١» . وذلك أنّ البرنس صاحب الكرك «٢» عمل أسطولا بالكرك، ونقل قطعه إلى بحر أيلة، وجمعها وألقاها فى البحر، وشحنها بالمقاتلة، فساروا فى البحر وافترقوا فرقتين: فرقة حصلت أيلة، وفرقة توجّهت إلى عيذاب. وأفسدوا السّواحل، ونهبوا، وأخذوا ما وجدوه من المراكب الإسلامية ومن فيها من التّجار. وجاءوا على حين غفلة، فرأى النّاس ما لم يعهدوه، فإنّ هذا البحر لم ير النّاس فيه فرنجيّا قطّ، لا تاجرا ولا مقاتلا قبل هذا الوقت.
وكان الملك العادل ينوب عن أخيه الملك النّاصر بالدّيار المصريّة، فعمر أسطولا وجهّز فيه جماعة من المسلمين، ومقدّمهم حسام الدّين لؤلؤ الخاص، فسار فى طلبهم. وابتدأ بالمركب التى على أيلة، فظفر بها، وقتل بعض من فيها وأسر بعضهم. وتوجّه لوقته بعد ظفره بهم إلى الذين توجّهوا إلى عيذاب، وكانوا قد عزموا على الدّخول إلى الحجاز وأخذ الحاج، والدّخول بعد ذلك إلى اليمن، فوصل لؤلؤ إلى عيذاب فوجدهم قد نهبوا ما وجدوه بها وتوجّهوا، فسار فى أثرهم، فبلغ رابغ والحوراء فأدركهم بها، وأوقع بهم. فلمّا تحقّقوا العطب خرجوا إلى البرّ واعتصموا ببعض تلك الشّعاب، فنزل من مراكبه وقاتلهم فى البرّ أشدّ قتال، وأخذ خيلا من الأعراب الذين هناك فركبها، وقاتلهم، فظفر بهم وقتل أكثرهم؛ وأسر من بقى، وأرسل
стр. 11093
بعضهم إلى منى لينحروا بها عقوبة لهم على قصدهم البيت الحرام.
وعاد إلى مصر ببقية الأسرى، فقتلوا «١» .
ذكر الإغارة على الغور
قال: ولمّا ملك الملك النّاصر حلب وعاد إلى دمشق ثم رحل منها فى ثامن جمادى الآخرة سنة تسع وسبعين وخمسمائة نزل على بيسان فوجد أهلها قد ارتحلوا عنها، فنهبها العسكر النّاصرى وتقوّوا بما فيها، وحرقوا ما لم يمكنهم أخذه. وسار بهم حتى أتى الجالوت، وهى قرية عامرة وعندها عين جارية، فعبّأ أصحابه عندها للقتال، ورحل إلى الفولة «٢» ، ووقع القتال بينه وبين الفرنج، وكان الظّفر له. ثمّ عاد إلى دمشق، فوصل إليها فى يوم الخميس الرّابع والعشرين من جمادى الآخرة من السّنة.
وتوجّه إلى الكرك فى هذه السّنة، وعاد.
ثمّ جمع العساكر المصريّة والحلبيّة وغيرها وقصد الكرك فى سنة ثمانين وخمسمائة، وهى الدّفعة الثانية؛ فجمع الفرنج فارسهم وراجلهم للذّبّ عنها، ففارقها السّلطان، وجهّز طائفة إلى نابلس فنهبوها وعادوا إليه «٣» .
ذكر غزوة الكرك والشوبك وفتح طبرية ومجدل يابا ويافا
قال العماد الأصفهانى فى البرق الشامى: وفى سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة برز الملك النّاصر من دمشق فى أول المحرّم، فى العسكر
стр. 11094
العرمرم، ومضى بأهل الجنّة لجهاد أهل جهنم. فلمّا وصل إلى رأس الماء «١» أمر ولده الأفضل بالمقام عندها ليجتمع عنده الأمراء الواصلون من الجهات. وسار السّلطان [١٢٢] إلى بصرى، ثمّ منها إلى الكرك، ورعى الزّروع وقطع الأشجار. ثمّ سار إلى الشّوبك وفعل مثل ذلك.
ووصل إليه العسكر المصرىّ ففرّقه على قلعتى الكرك والشّوبك. وأقام إلى أن انقضى من السّنة شهران، والملك الأفضل مقيم برأس الماء، وقد اجتمعت عنده العساكر، فتقدّم إلى سريّة منهم بالغارة على أعمال طبريّة، فانتهوا إلى صفّوريّة «٢» فخرج إليهم الفرنج فقاتلوهم، فكان الظّفر للمسلمين، وهلك مقدّم الأسبتار؛ وعادوا إليه فكانت مقدّمة النّصر المبين.
وانتهت البشائر إلى الملك النّاصر وهو بنواحى الكرك والشّوبك، فسار بمن معه فى يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأوّل، وعرضهم فى اثنى عشر ألف فارس. وعزم على دخول السّاحل، فانتهى إلى ثغر الأقحوانة «٣» فاجتمعت الفرنج فى زهاء خمسين ألفا، ونزلوا على مرج صفّوريّة بأرض عكّا، فلم يتقدّموا عنها. فتقدّم السّلطان إلى الأمراء أن يقيموا فى مقابلتهم، ونزل هو بمن معه من خواصّه على طبريّة وشرع فى نقب سورها، فهدموه فى ساعة من نهار، وامتنعت القلعة بمن فيها.
فلمّا اتّصل بالفرنج فتح طبريّة تقدّموا، وذلك فى يوم الخميس ثالث شهر ربيع الآخر، فترك السّلطان على طبريّة من يحفظ قلعتها، وتقدّم بالعسكر، فالتقيا على سطح جبل طبريّة الغربىّ منها. وحال
стр. 11095
بينهما اللّيل، فباتا إلى صبيحة يوم الجمعة، فتصادما بأرض قرية اللّوبيا؛ واستمرّت الحرب بينهما إلى الليل فكانت من أعظم الحروب. ثمّ باتا إلى صبيحة يوم السّبت، فالتقيا.
فلمّا عاين القومص «١» أنّ الدائرة تكون على طائفته هرب فى أوائل الأمر قبل اشتداده، وسار نحو صور، فتبعه جماعة من المسلمين، فنجا بمفرده. ثمّ انهزمت طائفة أخرى فتبعها أبطال المسلمين، فلم ينح منها واحد. واعتصمت الطّائفة الأخرى بتل حطّين، فضايقهم المسلمون وأشعلوا حولهم النّيران، فقتلهم العطش، فأسر مقدّمهم، وقتل الباقون وأسروا، وألقى الله عليهم الخذلان.
قال القاضى أبو المحاسن ابن شداد: لقد حكى لى من أثق به أنّه لقى بحوران شخصا واحدا ومعه طنب خيمة فيه نيّف وثلاثون أسيرا «٢» .
وأمّا القومص الذى هرب فإنّه وصل إلى طرابلس، وأصابه ذات الجنب، فأهلكه الله.
قال: وبات السّلطان بالمنزلة، ونزل يوم الأحد على طبريّة وتسلّم قلعتها فى بقيّة يومه، وأقام بها إلى يوم الثّلاثاء.
قال: ولمّا يسر الله هذا الفتح كتب السّلطان إلى أخيه الملك العادل سيف الدّين بمصر يبشّره به، وأمره بالمسير إلى بلاد الفرنج من جهة مصر بمن بقى عنده من العساكر، ومحاصرة ما يليه منها؛ فسارع إلى ذلك، وسار ونازل حصن مجدليابة «٣» وفتحه، وغنم ما فيه، ثم سار إلى يافا وفتحها عنوة، وقتل وسبى، وأسر وغنم ...
стр. 11096
ذكر فتح عكا ونابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والنّاصرة ومعليا والفولة والطور والشّقيف وغير ذلك
قال ابن شدّاد: ثمّ رحل السّلطان طالبا عكّا. وكان نزوله عليها فى يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين، وقاتلها بكرة الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذها، واستنقذ من كان فيها من الأسارى، وكانوا زهاء أربعة آلاف؛ واستولى على ما فيها من الأموال والذّخائر.
ثم تفرّقت العساكر فى بلاد السّاحل فأخذوا نابلس، وحيفا، وقيساريّة، وصفّوريّة، والنّاصرة، ومعليا، والفؤلة، والطّور، والشّقيف وقلاعا تلى هذه كثيرة؛ وكان ذلك لخلوّها من الرّجال فإنّهم عمّهم القتل والأسر «١» .
ذكر فتح تبنين وصيدا وصرفند وبيروت وجبيل
قال: ثم أرسل السلطان [ابن] «٢» أخيه تقى الدين إلى تبنين، فضايقها، وكتب إلى السلطان أن يأتيه بنفسه، فوصل إليها ونازلها يوم الأحد الحادى عشر من جمادى الأولى، فسأل من بها الأمان واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم، وأطلقوا الأسارى، فخرجوا إليه، فسرّ بهم وكساهم. وخلص فى تلك السنة [١٢٣] من الأسرى أكثر من عشرين ألف أسير، ووقع فى أسره من الكفار مائة ألف.
قال: ثم رحل السّلطان من تبنين إلى صيدا، فاجتاز فى طريقه بصرفند فأخذها بعد قتال.
стр. 11097
ثم سار إلى صيدا، ففارقها صاحبها وتركها خالية، فتسلّمها ساعة وصوله إليها لتسع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وسار من يومه نحو بيروت فقاتل أهلها على سورها وظنّوا أنهم قد قدروا على حفظه، فدخلها المسلمون من الجانب الآخر، فسألوا الأمان فأمّنهم على أنفسهم وأموالهم، وتسلّمها فى التاسع والعشرين من الشهر.
وأمّا جبيل فكان صاحبها فى جملة الأسرى الذين نقلوا إلى دمشق، فسأل إطلاقه وتسليمها، فأحضره مقيّدا، فسلّم البلد وأطلق أسرى المسلمين، وأطلقه السّلطان.
ذكر فتح عسقلان وما يجاورها
قال: وسار السّلطان إلى عسقلان والرملة وغزة والدّاروم وغير ذلك.
فنزل على عسقلان فى يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة، ونصب عليها المجانيق، فسلّموها على خروجهم بأموالهم سالمين؛ وذلك فى يوم السبت سلخ جمادى الآخرة «١» .
ثم تسلّم حصون الدّاويّة وهى غزّة، والدّاروم، والرّملة، وتبنى، وبيت لحم، ومشهد الخليل، ولدّ، وبيت جبريل «٢» .
قال: وكان بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة، فإنّ العدوّ استولى عليها فى السّابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
стр. 11098
قال العماد: وفوّض السّلطان القضاء والحكم والخطابة وجميع المناصب الدينيّة بمدينة عسقلان وأعمالها إلى جمال الدّين عبد الله بن عمر الدّمشقى، وهو المعروف بقاضى اليمن.
ذكر فتح البيت المقدس
قال المؤرخ: لمّا فرغ السّلطان الملك النّاصر من أمر عسقلان وما يجاورها سار إلى البيت المقدّس، فكان وصوله إليه فى يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وكان به البطرك المعظّم عندهم، وهو أعظم شأنا من ملكهم، وبه أيضا ياليان بن بارزان صاحب الرّملة ومن خلص من فرسان الفرنج من حطّين، واجتمع به أهل عسقلان وغيرها، كلّهم يرى الموت عليه أهون من أن يملك البيت المقدّس.
فنزل السّلطان بالجانب الغربىّ وأقام خمسة أيّام يطوف حول البلد لينظر من أين يقاتله. ثمّ انتقل إلى الجانب الشّمالىّ يوم الجمعة، العشرين من الشّهر، وكانت عدّة من به من المقاتلة ستّين ألفا غير النّساء والصّبيان فنصب السّلطان المجانيق فى تلك اللّيلة، ونصب الفرنج على السّور مجانيق أيضا، وقاتلوا أشد قتال رآه النّاس لأنّ كلّا من الفريقين يرى ذلك عليه من الواجبات لا يحتاج فيه إلى سلطان.
وكانت خيّالة الفرنج يخرجون فى كلّ يوم إلى ظاهر البلد فيقاتلون ويبارزون. وتوالى الزّحف، ونقب المسلمون السّور مما يلى وادى جهنّم.
فلما رأى الفرنج ذلك أخلدوا إلى طلب الأمان، وبعثوا جماعة من أكابرهم فى ذلك؛ فامتنع الملك النّاصر من ذلك وقال: لا أفعل بكم إلّا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه فى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة من
стр. 11099
القتل والسّبى. فلما رجع الرّسل إليهم، أرسل باليان بن بارزان يطلب الأمان لنفسه ليحضر إلى الملك النّاصر، فأمّنه، فحضر إليه وسأله الأمان، فلم يجبه، واستعطفه فلم يتعطّف، واسترحمه فلم يرحمه. فلمّا أيس منه قال له ما معناه: أيها السّلطان، اعلم أنّنا فى هذه المدينة فى خلق كثير لا يعلمهم إلّا الله تعالى، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان، وهم يكرهون الموت ويرغبون فى الحياة؛ فإذا رأينا أنّ الموت لا بدّ منه والله لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا، ونحرق أموالنا وأمتعتنا، فلا نترككم تغنمون منها دينارا واحدا ولا درهما، ولا تسبون ولا تأسرون رجلا ولا امرأة. [١٢٤] فإذا فرغنا من ذلك أخرجنا الصّخرة والمسجد الأقصى؛ وغير ذلك من المواضع الشّريفة؛ ثم نقتل من عندنا من أسرى المسلمين، وهم خمسة آلاف، ولا نترك لنا دابّة ولا حيوانا إلا قتلناه. ثمّ نخرج إليكم، كلّنا، فنقاتلكم قتال من يريد يحمى دمه ونفسه، فلا يقتل الرّجل منا حتى يقتل؛ فإمّا أن نموت أعزاء أو نظفر كراما.
فلمّا سمع الملك النّاصر كلامه استشار عند ذلك أصحابه، فأشاروا عليه بموافقتهم.
ووقع الصّلح على أن يسلّموا أسرى المسلمين، ويبذلوا عن كلّ رجل من الفرنج عشرة دنانير، وعن كلّ امرأة خمسة، وعن كلّ طفل وطفلة دينارين، يستوى فى ذلك الغنىّ والفقير. وبذل ابن بارزان فى الفقراء ثلاثين ألف دينار من ماله، وعلى أن تكون المدّة أربعين يوما، فمن أدّى ذلك قبل المدّة خلص ومن تأخّر استرقّ.
وتسلّم السّلطان المدينة فى يوم الجمعة السّابع والعشرين من شهر
стр. 11100
رجب. وكان يوما مشهودا، ورفعت الأعلام الإسلامية على الأسوار «١» ، ورتّب السّلطان على أبواب البلد أمناء من الأمراء يأخذون من أهله ما استقرّ عليهم، فخانوا، ولو أدّوا الأمانة لامتلأت الخزائن.
قال: وصلّى الملك النّاصر الجمعة الثّانية فى رابع شعبان فى قبّة الصّخرة، وكان الخطيب والإمام القاضى محيى الدّين ابن الزّكى قاضى دمشق «٢» .
ثم رتّب له خطيبا وإماما ونقل إليه المنبر الذى كان عمله الملك العادل نور الدّين بحلب برسم البيت المقدّس إذا فتحه. وكان بين عمله وفتح البيت المقدّس ما يزيد على عشرين سنة.
ثمّ تقدّم أمر السّلطان بعمارة المسجد الأقصى ومحو ما كان الفرنج صنعوه من الصّور على عادتهم، ونقل إليه المصاحف، وطهّره من أدناس الكفر، رحمه الله تعالى، وتقدّم بعمل الرّبط والمدارس، وجعل دار الأسبتار مدرسة للشّافعيّة» .
ذكر رحيله ومحاصرة صور
قال المؤرّخ: وأقام السّلطان الملك النّاصر بالبيت المقدّس إلى الخامس والعشرين من شعبان من السّنة، ثمّ سار لقصد محاصرة صور وقد اجتمع فيها خلق كثير من الفرنج. وقدم إليها المركيس «٤» فى
следующие страницы →