Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11096–11135 · переход к 11101.
стр. 11096
ذكر فتح عكا ونابلس وحيفا وقيسارية وصفورية والنّاصرة ومعليا والفولة والطور والشّقيف وغير ذلك
قال ابن شدّاد: ثمّ رحل السّلطان طالبا عكّا. وكان نزوله عليها فى يوم الأربعاء سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثمانين، وقاتلها بكرة الخميس مستهل جمادى الأولى، فأخذها، واستنقذ من كان فيها من الأسارى، وكانوا زهاء أربعة آلاف؛ واستولى على ما فيها من الأموال والذّخائر.
ثم تفرّقت العساكر فى بلاد السّاحل فأخذوا نابلس، وحيفا، وقيساريّة، وصفّوريّة، والنّاصرة، ومعليا، والفؤلة، والطّور، والشّقيف وقلاعا تلى هذه كثيرة؛ وكان ذلك لخلوّها من الرّجال فإنّهم عمّهم القتل والأسر «١» .
ذكر فتح تبنين وصيدا وصرفند وبيروت وجبيل
قال: ثم أرسل السلطان [ابن] «٢» أخيه تقى الدين إلى تبنين، فضايقها، وكتب إلى السلطان أن يأتيه بنفسه، فوصل إليها ونازلها يوم الأحد الحادى عشر من جمادى الأولى، فسأل من بها الأمان واستمهلوا خمسة أيام لينزلوا بأموالهم، وأطلقوا الأسارى، فخرجوا إليه، فسرّ بهم وكساهم. وخلص فى تلك السنة [١٢٣] من الأسرى أكثر من عشرين ألف أسير، ووقع فى أسره من الكفار مائة ألف.
قال: ثم رحل السّلطان من تبنين إلى صيدا، فاجتاز فى طريقه بصرفند فأخذها بعد قتال.
стр. 11097
ثم سار إلى صيدا، ففارقها صاحبها وتركها خالية، فتسلّمها ساعة وصوله إليها لتسع بقين من جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين وسار من يومه نحو بيروت فقاتل أهلها على سورها وظنّوا أنهم قد قدروا على حفظه، فدخلها المسلمون من الجانب الآخر، فسألوا الأمان فأمّنهم على أنفسهم وأموالهم، وتسلّمها فى التاسع والعشرين من الشهر.
وأمّا جبيل فكان صاحبها فى جملة الأسرى الذين نقلوا إلى دمشق، فسأل إطلاقه وتسليمها، فأحضره مقيّدا، فسلّم البلد وأطلق أسرى المسلمين، وأطلقه السّلطان.
ذكر فتح عسقلان وما يجاورها
قال: وسار السّلطان إلى عسقلان والرملة وغزة والدّاروم وغير ذلك.
فنزل على عسقلان فى يوم الأحد سادس عشر جمادى الآخرة، ونصب عليها المجانيق، فسلّموها على خروجهم بأموالهم سالمين؛ وذلك فى يوم السبت سلخ جمادى الآخرة «١» .
ثم تسلّم حصون الدّاويّة وهى غزّة، والدّاروم، والرّملة، وتبنى، وبيت لحم، ومشهد الخليل، ولدّ، وبيت جبريل «٢» .
قال: وكان بين فتح عسقلان وأخذ الفرنج لها من المسلمين خمس وثلاثون سنة، فإنّ العدوّ استولى عليها فى السّابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وخمسمائة.
стр. 11098
قال العماد: وفوّض السّلطان القضاء والحكم والخطابة وجميع المناصب الدينيّة بمدينة عسقلان وأعمالها إلى جمال الدّين عبد الله بن عمر الدّمشقى، وهو المعروف بقاضى اليمن.
ذكر فتح البيت المقدس
قال المؤرخ: لمّا فرغ السّلطان الملك النّاصر من أمر عسقلان وما يجاورها سار إلى البيت المقدّس، فكان وصوله إليه فى يوم الأحد الخامس عشر من شهر رجب سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة. وكان به البطرك المعظّم عندهم، وهو أعظم شأنا من ملكهم، وبه أيضا ياليان بن بارزان صاحب الرّملة ومن خلص من فرسان الفرنج من حطّين، واجتمع به أهل عسقلان وغيرها، كلّهم يرى الموت عليه أهون من أن يملك البيت المقدّس.
فنزل السّلطان بالجانب الغربىّ وأقام خمسة أيّام يطوف حول البلد لينظر من أين يقاتله. ثمّ انتقل إلى الجانب الشّمالىّ يوم الجمعة، العشرين من الشّهر، وكانت عدّة من به من المقاتلة ستّين ألفا غير النّساء والصّبيان فنصب السّلطان المجانيق فى تلك اللّيلة، ونصب الفرنج على السّور مجانيق أيضا، وقاتلوا أشد قتال رآه النّاس لأنّ كلّا من الفريقين يرى ذلك عليه من الواجبات لا يحتاج فيه إلى سلطان.
وكانت خيّالة الفرنج يخرجون فى كلّ يوم إلى ظاهر البلد فيقاتلون ويبارزون. وتوالى الزّحف، ونقب المسلمون السّور مما يلى وادى جهنّم.
فلما رأى الفرنج ذلك أخلدوا إلى طلب الأمان، وبعثوا جماعة من أكابرهم فى ذلك؛ فامتنع الملك النّاصر من ذلك وقال: لا أفعل بكم إلّا كما فعلتم بأهله حين ملكتموه فى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة من
стр. 11099
القتل والسّبى. فلما رجع الرّسل إليهم، أرسل باليان بن بارزان يطلب الأمان لنفسه ليحضر إلى الملك النّاصر، فأمّنه، فحضر إليه وسأله الأمان، فلم يجبه، واستعطفه فلم يتعطّف، واسترحمه فلم يرحمه. فلمّا أيس منه قال له ما معناه: أيها السّلطان، اعلم أنّنا فى هذه المدينة فى خلق كثير لا يعلمهم إلّا الله تعالى، وإنما يفترون عن القتال رجاء الأمان، وهم يكرهون الموت ويرغبون فى الحياة؛ فإذا رأينا أنّ الموت لا بدّ منه والله لنقتلنّ أبناءنا ونساءنا، ونحرق أموالنا وأمتعتنا، فلا نترككم تغنمون منها دينارا واحدا ولا درهما، ولا تسبون ولا تأسرون رجلا ولا امرأة. [١٢٤] فإذا فرغنا من ذلك أخرجنا الصّخرة والمسجد الأقصى؛ وغير ذلك من المواضع الشّريفة؛ ثم نقتل من عندنا من أسرى المسلمين، وهم خمسة آلاف، ولا نترك لنا دابّة ولا حيوانا إلا قتلناه. ثمّ نخرج إليكم، كلّنا، فنقاتلكم قتال من يريد يحمى دمه ونفسه، فلا يقتل الرّجل منا حتى يقتل؛ فإمّا أن نموت أعزاء أو نظفر كراما.
فلمّا سمع الملك النّاصر كلامه استشار عند ذلك أصحابه، فأشاروا عليه بموافقتهم.
ووقع الصّلح على أن يسلّموا أسرى المسلمين، ويبذلوا عن كلّ رجل من الفرنج عشرة دنانير، وعن كلّ امرأة خمسة، وعن كلّ طفل وطفلة دينارين، يستوى فى ذلك الغنىّ والفقير. وبذل ابن بارزان فى الفقراء ثلاثين ألف دينار من ماله، وعلى أن تكون المدّة أربعين يوما، فمن أدّى ذلك قبل المدّة خلص ومن تأخّر استرقّ.
وتسلّم السّلطان المدينة فى يوم الجمعة السّابع والعشرين من شهر
стр. 11100
رجب. وكان يوما مشهودا، ورفعت الأعلام الإسلامية على الأسوار «١» ، ورتّب السّلطان على أبواب البلد أمناء من الأمراء يأخذون من أهله ما استقرّ عليهم، فخانوا، ولو أدّوا الأمانة لامتلأت الخزائن.
قال: وصلّى الملك النّاصر الجمعة الثّانية فى رابع شعبان فى قبّة الصّخرة، وكان الخطيب والإمام القاضى محيى الدّين ابن الزّكى قاضى دمشق «٢» .
ثم رتّب له خطيبا وإماما ونقل إليه المنبر الذى كان عمله الملك العادل نور الدّين بحلب برسم البيت المقدّس إذا فتحه. وكان بين عمله وفتح البيت المقدّس ما يزيد على عشرين سنة.
ثمّ تقدّم أمر السّلطان بعمارة المسجد الأقصى ومحو ما كان الفرنج صنعوه من الصّور على عادتهم، ونقل إليه المصاحف، وطهّره من أدناس الكفر، رحمه الله تعالى، وتقدّم بعمل الرّبط والمدارس، وجعل دار الأسبتار مدرسة للشّافعيّة» .
ذكر رحيله ومحاصرة صور
قال المؤرّخ: وأقام السّلطان الملك النّاصر بالبيت المقدّس إلى الخامس والعشرين من شعبان من السّنة، ثمّ سار لقصد محاصرة صور وقد اجتمع فيها خلق كثير من الفرنج. وقدم إليها المركيس «٤» فى
стр. 11101
البحر بأموال عظيمة؛ وكانت عادته أن يحضر إلى البيت المقدّس بأموال يفرّقها، فلمّا حضر فى هذا الوقت ووصل عكّا فرآها قد خرجت عن أيدى الفرنج سار إلى صور فملكها، وأنفق ما معه على من بها، فقوى أمره وانحاز إليه جميع من خلص بالأمان من سائر البلاد. فأنفق على سور صور وخنادقها، وعمّقها، فصارت كالجزيرة فى البحر لا يمكن الوصول إليها.
فوصل الملك النّاصر إلى عكّا فى مستهل شهر رمضان، فأصلح من شأنها، ثم رحل عنها ونازل صور فى تاسع شهر رمضان ونزل على نهر بالقرب من البلد؛ ثمّ نزل على تلّ يقارب صور فى الثّانى والعشرين من الشّهر، وقسّم القتال على العسكر لكلّ جمع منهم وقت معلوم.
واستدعى الأسطول المصرىّ، وكان بعكّا، فجاءته عشر شوان، وكان للفرنج فى البحر مراكب فيها رماة الجروخ «١» والزنبوركات «٢» يرمون من دنا من البحر. فاستطال الأسطول عليها، وأحاط بهم المسلمون وقاتلوا برّا وبحرا؛ ثمّ أغفلوا أمرهم فملك الفرنج من الشوانى خمسة وأسروا مقدّمها «٣» .
ثمّ كانت حروب كثيرة ووقائع.
ثمّ رحل السّلطان عنها فى آخر شوّال، وهو أول كانون «٤» ، وسار إلى عكّا، وأذن للعساكر بالعود إلى أوطانهم للرّاحة فى الشتاء والعود فى الربيع، فعادت عساكر الشّرق والموصل والشّام ومصر، وبقى
стр. 11102
السّلطان فى عكّا فى حلقته وخاصّته، وردّ أمرها إلى الأمير عز الدّين جرديك «١» .
ذكر فتح هونين
قال المؤرخ: كان السّلطان لمّا فتح تبنين امتنع من بهونين من تسليمها، وهى من أحصن القلاع وأمنعها، فرتّب عليها من يحصرها؛ فطلب من بها الأمان لمّا كان السّلطان يحاصر صور، فأمّنهم، ونزلوا منها وتسلّمها. «٢»
[واتفق أن فتح هذه المدن والحصون جميعها من جبلة إلى سرمينية، مع كثرتها، كان فى ست جمع مع أنها فى أيدى أشجع الناس] «٣» [١٢٥] وأشدهم عداوة للمسلمين، فيسر الله فتحها فى أيسر مدة.
стр. 11103
ذكر فتح حصن برزية
قال: ولما رحل السلطان من قلعة الثغر سار إلى قلعة برزية «١» ، وبحصانتها يضرب المثل، وهى تقابل حصن أفامية «٢» وتناصفها فى أعمالها، وبينهما بحيرة تجتمع من ماء العاصى، ومن عيون تنفجر من جبل برزية وغيره.
وكان أهلها أضر شىء على المسلمين يقطعون الطّريق ويبلغون فى الأذى.
فنزل السّلطان شرقيّها فى رابع عشرى الشّهر «٣» ، وركب من الغد وطاف عليها لينظر موضعا يقاتلها منه، فلم يجده إلا من جهة الغرب.
وهذه القلعة لا يمكن أن تقاتل من جهتى الجنوب والشّمال ألبتّة، فإنّ جبلها لا يصعد إليه من هاتين الجهتين؛ وأمّا الجانب الشرقىّ فيمكن الصّعود منه لغير مقاتل لصعوبته وارتفاعه؛ وأما جهة الغرب فإنّ الوادى المطيف بجبلها قد ارتفع هناك ارتفاعا كثيرا حتّى قارب القلعة بحيث يصل منه حجر المنجنيق والسّهام. فنزله المسلمون ونصبوا المجانيق، ونصب أهل القلعة منجنيقا، فرأى السّلطان المجانيق لا تفيد، فتركها وعزم على الزّحف ومكاثرتها بالرّجال؛ فقسّم العسكر ثلاثة أقسام، يزحفون بالنّوبة. فطال ذلك على أهلها وعجزوا عن مقاتلتهم فملكها المسلمون عنوة ونهبوا وأسروا وسبوا، وأخذوا صاحبها وأهله، وأمست خالية خاوية. وألقى المسلمون النّار فى بعض البيوت فاحترقت «٤» .
стр. 11104
ذكر فتح قلعة دربساك
قال: ثمّ رحل السّلطان بعد فتوح برزيّة من الغد فأتى جسر الحديد، وهو على العاصى بالقرب من أنطاكيّة، فأقام هناك حتّى وافاه من تخلّف عنه من عسكره ثمّ سار إلى قلعة دربساك، فنزل عليها فى ثامن شهر رجب سنة أربع وثمانين وخمسمائة، وهى من أحصن معاقل الدّاويّة وقلاعهم التى يدّخرونها عند نزول الشدائد بهم. فنصب عليها المجانيق، وتابع الرّمى بالحجارة، فهدم قطعة يسيرة من سورها؛ ثمّ أمر بالزّحف عليها ومهاجمتها؛ فتوالى الزّحف والقتال، وتقدّم النّقّابون فنقبوا منها برجا وعلقوه فسقط، وطلب أهله الأمان فأمّنهم على ألا يخرجوا منها بغير ثيابهم خاصّة، فخرجوا كذلك، وتوجهوا إلى أنطاكيّة، وتسلّمه فى تاسع عشر شهر رجب «١» .
ذكر فتح قلعة بغراس
قال: ثمّ سار عن دربساك إلى قلعة بغراس، فحصرها بعد أن اختلف أصحابه فى حصرها، فمنهم من أشار به، ومنهم من نهى عنه وقال هو حصن حصين، وقلعة منيعة، وهو بالقرب من أنطاكية. فسار إليها وجعل أكثر عسكره مقابل أنطاكية يغيرون على ضياعها، وبقى هو فى بعض أصحابه على القلعة ونصب عليها المجانيق فلم يؤثّر فيها، فغلب على الظّنون تعذّر فتحها. فبينما هم فى ذلك إذ جاء رجل من القلعة يطلب الأمان لرسول، فأعطيه، وجاء رسول يطلب الأمان لأهلها، وسلّموها على قاعدة دربساك، فأجابهم إلى ما طلبوا. وعاد
стр. 11105
الرّسول ومعه الأعلام السّلطانيّة فرفعت على رأس القلعة، وتسلّمها السّلطان وأمر بتخريبها فخربت «١» .
ذكر الهدنة بين المسلمين وبين صاحب أنطاكية
قال: ولمّا فتح السّلطان بغراس قصد حصار أنطاكيّة فجاءته رسل بيمند تسأله الهدنة ثمانية أشهر بحيث يطلق جميع من عنده من أسرى المسلمين. فاستشار السّلطان أصحابه، فأشار أكثرهم بذلك ليستريح العسكر ويجدّدوا [١٢٦] ما يحتاجون إليه، فأجاب إلى ذلك ووقعت الهدنة ثمانية أشهر أولها تشرين الأول «٢» .
وتوجّه السّلطان إلى حلب فوصل إليها فى ثالث شعبان، وفرّق العساكر الشّرقية: عماد الدّين زنكى بن مودود صاحب سنجار، وعسكر الموصل، وغيرهما. ثمّ رحل إلى دمشق فدخلها فى أول شهر رمضان من السّنة.
ذكر فتح الكرك والشوبك وما يجاورهما
قد ذكرنا أنّ السّلطان كان قد جعل على الكرك من يحصره، وهو سعد الدّين كمشبه «٣» ، فى أوّل سنة أربع وثمانين؛ فلازم الحصار هذه المدّة الطويلة حتى نفذت ذخائر الفرنج، وأكلوا دوابّهم. فراسلوا الملك العادل أخا السّلطان، وكان السّلطان قد جعله بتلك النّواحى فى مجمع من العسكر، وسألوه الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وأرسل إلى سعد الدّين مقدّم العسكر فتسلّم القلعة منهم وأمّنهم.
стр. 11106
وتسلّم أيضا ما قارب هذا الحصن من الحصون وهو الشوبك، وهرمز، والوعيرة، والسلع فأمنت القلوب من تلك الجهة «١» .
ذكر فتح قلعة صفد
قال: ولمّا وصل السّلطان إلى دمشق أشير عليه أن يفرّق العساكر، فقال: إنّ العمر قصير والأجل غير مأمون، وقد بقى بيد الفرنج هذه الحصون: صفد والكوكب، ولا بدّ من الفراغ من ذلك فإنّهما فى وسط بلاد الإسلام. وأقام بدمشق إلى منتصف شهر رمضان من السّنة، وسار إلى قلعة صفد، فحصرها ونصب عليها المجانيق، وداوم الرّمى ليلا ونهارا، فسألوا الأمان، فأمّنهم وتسلّمها، وخرج أهلها إلى صور «٢» .
ذكر فتح كوكب
قد قدّمنا «٣» أنّ السلطان كان قد جعل على كوكب الأمير قايماز النّجمى «٤» . فلمّا حصر السّلطان صفد أرسل من بصور من الفرنج نجدة من جهاتهم إلى كوكب، وهم مائتا رجل من الشّجعان، فظفر بهم قايماز فقتلهم عن آخرهم، وأرسل إلى السلطان المقدّمين عليهم، وهما رجلان من فرسان الأسبتار، فأمر بقتلهما، فقال أحدهما ما أظن أنّنا ينالنا سوء بعد أن رأينا وجهك الصّبيح. فعفا عنهما واعتقلهما.
ولما ملك صفد سار عنها إلى كوكب وشدّد الحصار ووالى الزّحف، وأشرف على أخذها، فسأل الفرنج الأمان فأمّنهم وأطلقهم، وتسلّم
стр. 11107
الحصن فى منتصف ذى القعدة سنة أربع وثمانين وخمسمائة.
فالتحق من كان به بصور فقويت شوكتهم وكثروا، لأنه اجتمع عندهم شجعان الفرنج وكماتهم. وتابعوا الرّسل إلى ملوك الفرنج بالأندلس وصقليّة والجزائر يستغيثون بهم ويسألون الأمداد، فكان من أمرهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.
قال: ثمّ سار السّلطان إلى البيت المقدّس فعيّد فيه عيد الأضحى.
ثمّ سار منه إلى عكّا وأقام بها إلى أن انسلخت السنة «١» .
وفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثار بالقاهرة اثنا عشر رجلا من الشّيعة، ونادوا بشعار العلويّين، وصاحوا: يا لعلىّ «٢» وسلكوا الدّروب ينادون، ظنّا منهم أن أهل البلد يلبّون دعوتهم ويخرجون معهم، فيعيدون الدولة العبيديّة ويملكون البلد ويخرجون من بالقصر من العلويين؛ فلم يجبهم أحد من الناس.
فلمّا خاب سعيهم تفرّقوا فأخذوا. وكتب بذلك إلى السّلطان فأهمّه وأزعجه.
فقال له القاضى الفاضل عبد الرّحيم: ينبغى أن يفرح السّلطان بذلك ولا يحزن، حيث علم من بواطن رعيّته المحبّة له والنّصيحة، وترك الميل إلى عدوّه. ولو وضع السّلطان جماعة يفعلون مثل هذه الحالة ليعلم بواطن أصحابه ورعيّته وخسر الأموال «٣» الجلية لكان قليلا فسرّى عنه.
стр. 11108
[١٢٧] ذكر فتح شقيف ارنوم
وفى شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وخمسمائة سار السّلطان إلى شقيف أرنوم «١» ، وهو من أمنع الحصون، ليحصره، ونزل بمرج عيون فنزل صاحب الشّقيف، وهو أرناط «٢» صاحب صيدا، إلى السّلطان؛ وكان من أكثر النّاس دهاء ومكرا فقال: أنا محب لك ولدولتك، ومعترف بإحسانك، وأخاف أن يطّلع المركيس على ما بينى وبينك فينال أولادى وأهلى منه أذى، فإنّهم عنده بصور؛ وأحبّ أن تمهلنى حتى أتوصّل إلى تخليصهم من عنده، وحينئذ أحضر أنا وهم إلى عندك ونسلّم الحصن إليك، ونكون فى خدمتك، نقنع بما تعطينا من الإقطاع. فأجابه السلطان إلى ذلك وظنّ صدقه، واستقرّ الأمر بينهما أن يسلّم الشّقيف فى جمادى الآخرة.
وأقام السّلطان بمرج عيون ينتظر الأجل وهو قلق مفكر لقرب انقضاء الهدنة بينه وبين صاحب أنطاكية فأمر تقى الدّين ابن أخيه أن يسير فيمن معه من عساكره ومن يأتيه من بلاد الشّرق ويكون مقابل أنطاكيّة لئلا يغير صاحبها على ما يجاوره من بلاد الإسلام عند انقضاء الأجل.
وكان السّلطان أيضا منزعج الخاطر لما بلغه من اجتماع الفرنج بصور وما يصل إليهم من الأمداد، وأنّهم اجتمعوا فى خلق كثير وخرجوا من مدينة صور إلى ظاهرها؛ فخاف أن يترك الشّقيف وراء ظهره. وكان أرناط فى هذه المدّة يشترى الأقوات من سوق العسكر، والسّلاح، وغير ذلك مما يحصّن به شقيفه، فيبلغ السّلطان فلا ينكره بحسن ظنّه. وكان قصد أرناط المطاولة إلى أن يظهر الفرنج من صور.
стр. 11109
فلما قارب الأجل تقدّم السلطان إلى الشّقيف، واستدعى أرناط وقد بقى من الأجل ثلاثة أيّام، فجاءه، فتحدّث معه فى تسليم الحصن، فاعتذر بأولاده وأهله وأنّ المركيس لم يمكّنهم من المجىء إليه، وطلب المهلة مدّة أخرى. فحينئذ تحقق السّلطان مكره وخداعه، فأخذه وحبسه، وأمره بتسليم الشقيف فطلب قسّيسا وحمّله رسالة سرّا، وأظهر أنّه أمره بتسليمه؛ فامتنع من بالحصن من تسليمه: فسرّ أرناط إلى دمشق وسجنه، وتقدّم إلى الشّقيف وضيّق على من به، وترك عليه من يحفظه ويمنع من الوصول إليه. فتسلّمه فى يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الأول سنة ستّ وثمانين، وأطلق صاحبه «١» .
ذكر مسير السلطان من مرج عيون إلى صور وما كان عليها من الوقائع
قال: وجاءت السّلطان كتب أصحابه الذين جعلهم يزكا «٢» فى مقابلة الفرنج على مدينة صور يخبرونه أنّ الفرنج قد اجتمعوا على عبور الجسر الذى لصور، وعزموا على حصار صيدا. فسار جريدة فى شجعان أصحابه، فوصل إليهم بعد أن كانت الوقعة بين الفرنج وبين اليزك.
وذلك أن الفرنج خرجوا من مدينة صور، فلقيهم اليزك على مضيق وقاتلوهم ومنعوهم، وكانت حربا شديدة، وأسر من الفرنج جماعة، منهم سبعة رجال من فرسانهم المشهورين، وقتل من المسلمين
стр. 11110
جماعة. ثم عجز الفرنج عن الوصول إلى صيدا فعادوا إلى صور والله أعلم «١» .
ثم كانت لهم وقعة ثانية بعد وصول السّلطان مع المتطوّعة.
وذلك أن السّلطان لما جاء إلى صور أقام مع اليزك فى خيمة صغيرة ينتظر عودة الفرنج للخروج؛ فركب فى بعض الأيام فى عدّة يسيرة لينظر إلى مخيّم الفرنج من الجبل، فظنّ من هناك من المتطوّعة أنّه قصد الغزاة، فساروا مجدّين وأوغلوا فى أرض العدوّ وبعدوا [١٢٨] عن العسكر، وخلّفوا السّلطان وراء ظهورهم؛ فبعث من يردّهم فلم يرجعوا. وظنّ الفرنج أنّ وراءهم من يحميهم فأحجموا عنهم؛ فلمّا علموا بانفرادهم حملوا عليهم حملة رجل واحد، فقتل منهم جماعة من المعروفين؛ فشقّ ذلك على السّلطان والمسلمين. وكانت هذه الوقعة فى تاسع جمادى الأولى.
فلمّا رأى السّلطان ذلك انحدر من الجبل بمن معه، وحمل على الفرنج فردّهم إلى الجسر، فرموا بأنفسهم فى الماء، فغرق منهم مائة دارع سوى من قتل. وعادوا إلى مدينة صور، فعادا السّلطان إلى تبنين ثم إلى عكا.
ثم كانت وقعة ثالثة فى يوم الاثنين ثامن جمادى الآخرة صبر فيها الفريقان «٢» .
ذكر مسير الفرنج إلى عكّا ومحاصرتها
قال المؤرخ: لما كثر جمع الفرنج بصور، على ما ذكرناه من أنّ السّلطان كان كلّما فتح حصنا أو مدينة بالأمان سار أهلها إلى صور
стр. 11111
بأموالهم وأهليهم، اجتمع بها منهم عالم كثير لا يحصون، وأموال كثيرة، ثم إنّ الرّهبان والقسوس لبسوا السواد وأظهروا الحزن على خروج البيت المقدّس عنهم، وتابعهم جماعة من المشهورين.
فأخذهم البطرك «١» ودخل بهم إلى بلاد الفرنج يطوفها بهم ويستنجدون أهلها ويستجيرون بهم، ويحثّونهم على الأخذ بثأر البيت المقدّس.
وصوّروا صورة المسيح ﵇ وصورة رجل أعرابى والعربىّ يضربه بين جماعة، وقالوا: هذا المسيح يضربه محمّد نبى المسلمين، وقد جرحه وقتله «٢» .
فعظم ذلك على الفرنج وحشدوا، حتّى النساء، فإنّهم كان معهم على عكّا عدّة من النساء يبارزن الأقران. ومن لم يستطع أن يخرج استأجر عنه أو يعطيهم مالا. فاجتمع لهم من الرّجال والأموال مالا.
يحصى كثرة.
واجتمعوا بصور والبحر يمدّهم بالأموال والأقوات والعدد والذّخائر، فضاقت عليهم مدينة صور، باطنها وظاهرها؛ فأرادوا قصد صيدا، فكان من ردّهم ما ذكرناه.
فاتّفقوا على قصد عكّا ومحاصرتها؛ فساروا إليها بفارسهم وراجلهم، ولزموا البحر فى مسيرهم، لا يفارقونه فى السّهل والوعر، ومراكبهم تسايرهم وفيها السّلاح والذّخائر. فكان رحيلهم من مدينة صور فى ثانى شهر رجب سنة خمس وثمانين وخمسمائة، ونزولهم
стр. 11112
على عكّا فى منتصف الشّهر. فتخطّف المسلمون منهم فى مسيرهم وأخذوا من انفرد.
وجاء الخبر إلى السّلطان برحيلهم، فسار حتى قاربهم. ثمّ نزلوا على عكّا قبل وصوله إليها، ونازلوها من سائر جهاتها برّا وبحرا، فلم يبق للمسلمين إليها طريق. ونزل السّلطان عليهم وضرب خيمته على تلّ كيسان «١» وامتدّت ميمنته إلى تلّ العياضيّة وميسرته إلى النّهر الجارى «٢» ، ونزلت الأثقال بصفّوريّة. وسيّر الكتب إلى الأطراف يستدعى العساكر، فأتاه عسكر الموصل، وديار بكر، وسنجار، وغيرها من بلاد الجزيرة. وأتاه تقىّ الدّين ابن أخيه، ومظفّر الدّين بن زين الدين صاحب حرّان والرّها. فكانت الأمداد تأتى المسلمين فى البرّ وتأتى الفرنج فى البحر.
وكان بين الفريقين مدّة مقامهم على عكّا حروب كثيرة.
نحن نذكر المشهور منها على سبيل الاختصار؛ وأمّا الحروب التى تكون بين بعض هؤلاء وبعض هؤلاء، والمناوشات، فلو شرحناها لطال بها الكتاب لأن مدّة هذا الحصار كانت ثلاث سنين وشهرا.
وكان ابتداء القتال فى مستهل شعبان من السّنة. فقاتلهم السّلطان فى ذلك اليوم ولم يبلغ منهم غرضا؛ ثم باكرهم القتال واستدار عليهم من سائر جهاتهم إلى أن انتصف النّهار، وصبر الفريقان أعظم صبر. فحمل تقىّ الدّين من الميمنة على من يليه منهم وأزاحهم عن مواقفهم، فركب بعضهم بعضا لا يلوى الأخ على أخيه، والتجأوا إلى من يليهم من أصحابهم. وانكشف نصف البلد، وملك تقىّ الدّين مكانهم، ودخل
стр. 11113
المسلمون البلد وخرجوا منه، واتصلت الطريق وزال الحصار. وأدخل السّلطان إلى البلد [١٢٩] من أراد من الرّجال، وما أراد من الذّخائر، والأموال، والسّلاح؛ فكان من جملة من أمره السلطان بالدّخول إليها الأمير حسام الدين أبو الهيجاء السّمين. وقتل من الفرنج فى هذا اليوم خلق كثير.
ثم كانت بينهم وقعات فى ثامن شعبان، وتاسعه، وعاشره، وحادى عشره. ثمّ كانت وقعة فى تاسع عشر شعبان بين أهل عكّا والعدوّ فقتل من فى الطّائفتين وجرح.
ثم كانت الوقعة الكبرى فى الحادى والعشرين من شعبان وذلك أن الفرنج اجتمعوا وتشاوروا، وقالوا إن العسكر المصرىّ إلى الآن ما قدم وهذا فعل السّلطان، فكيف إذا قدمت عساكره فأجمعوا رأيهم على مناجزة الحرب. وكانت عساكر السّلطان متفرّقة: منها طائفة فى مقابلة أنطاكية تمنع صاحبها من الإغارة على الأعمال الحلبيّة؛ وطائفة على حمص فى مقابلة طرابلس؛ وطائفة تقاتل من بقى بصور؛ وطائفة بالدّيار المصرية لحماية ثغرى الإسكندرية ودمياط، ومن بقى من العسكر المصرى إلى الآن لم يصل؛ وهذا ممّا أطمع الفرنج فى الظّهور.
قال: وأصبح المسلمون فى هذا اليوم على عادتهم، منهم من يتقدّم إلى القتال ومنهم من هو فى خيمته، ومنهم من قد توجه فى حاجته. فخرج الفرنج من معسكرهم كالجراد المنتشر قد ملأوا الأرض، فكانت وقعة عظيمة ابتداؤها على المسلمين، ثم أنزل الله نصره عليهم، فهزموا الفرنج أقبح هزيمة، وقتل منهم من رؤسائهم عشرة آلاف، وقتل من المسلمين فى هذه الموقعة من الغلمان ومن لم يعرف مائة وخمسون، ومن المعروفين الأمير مجلى بن مروان،
стр. 11114
والظّهير أخو الفقيه عيسى [الهكارى] «١» ، وكان والى البيت المقدّس، جمع العلم والدّين والشجاعة، والحاجب خليل الهكّارى، وجمال الدّين بن رواحة الحموىّ، ولم يكن بالمصافّ. وأسر من الفرنج مقدّم الدّاويّة! وكان السّلطان قد أسره فيما تقدّم وأطلقه، فقتله الآن.
قال: وأمر السّلطان بجمع القتلى وإلقائهم فى النّهر الذى يشرب منه الفرنج.
قال العماد الأصفهانى ﵀: ومن العجب أنّ الذين ثبتوا فى هذه الوقعة لم يبلغوا ألفا، ردّوا مائة ألف، وآتاهم الله قوة بعد ضعف.
قال ابن الأثير: وأخذ فى جملة الأسرى ثلاث نسوة فرنجيّات كنّ يقاتلن على الخيل، فلما أسرن وألقى عنهنّ السلاح عرفن «٢» .
ذكر رحيل السّلطان عن منزلته وتمكّن الفرنج من حصار عكّا
كان رحيله فى رابع شهر رمضان من السّنة. وسبب ذلك أنه لما قتل من الفرنج هذه المقتلة العظيمة جافت الأرض منهم وتغيّر الهواء، وحدث للأمزجة فساد، وحصل للسّلطان مرض القولنج، وكان يعتريه، فأشار عليه الأمراء والأطباء بالانتقال، وقالوا لو أراد الفرنج أن ينصرفوا لما قدروا فإنّا قد ضيقنا عليهم؛ والرأى أن ينثقل عن هذه المنزلة، فإن رحلوا فقد كفينا شرّهم، وإن أقاموا عدنا إلى القتال، فوافقهم. وكان بئس الرّأى.
стр. 11115
ورحل السّلطان إلى منزلة الخرّوبة «١» ، وكتب إلى أهل عكّا يعلمهم بسبب رحيله ويحثّهم على حفظ البلد وغلق أبوابها.
قال: ولما رحل السلطان بعساكره عن تلك المنزلة أمن الفرنج وانبسطوا، وانبثّوا، وعادوا إلى حصار عكّا فى البرّ والبحر، وشرعوا فى حفر خندق عليهم يكون بينهم وبين المسلمين إن قصدوهم وعملوا سورا من تراب، وجاءوا بما لم يكن فى الحسبان. هذا والسّلطان قد اشتدّ به المرض فلم يستقل منه إلى أن تكامل حفر الخندق وعمل السّور من ترابه.
ذكر وصول العسكر المصرىّ فى البر [١٣٠] والأسطول فى البحر
قال: وفى منتصف شوال سنة خمس وثمانين وصلت العساكر المصرية ومقدّمها الملك العادل سيف الدّين. فلما وصلت قويت قلوب النّاس، وأحضر من آلات الحصار شيئا كثيرا. ثم وصل بعده الأسطول المصرى فى خمسين قطعة ومقدّمهم الأمير حسام الدّين لؤلؤ، وكان شهما شجاعا، مقداما ميمون النقيبة، خبيرا بقتال البحر؛ فوصل بغتة، فوقع على بطشة كبيرة للفرنج، فغنمها وأخذ ما فيها من الأموال الكثيرة والميرة، وعبر بذلك إلى عكّا؛ فسكنت نفوس النّاس بذلك.
وقال العماد: إنه ظفر ببطشتين «٢» .
стр. 11116
ذكر خبر ملك الألمان وما كان من أمره إلى نهايته
قال العماد الأصفهانى: ونمى الخبر بوصول ملك الألمان «١» إلى قسطنطينية فى ثلاثمائة ألف مقاتل على قصد العبور إلى بلاد الإسلام.
فاستنفر الملك الناصر الجيوش والعساكر من كلّ جهة، وجهّز القاضى بهاء الدين شدّاد وأمره بالمسير إلى الدّيوان العزيز ببغداد «٢» وأن يمرّ على صاحب سنجار «٣» ، وصاحب الموصل «٤» ، وصاحب إربل «٥» ، ويستدعيهم بأنفسهم وعساكرهم.
قال ابن شدّاد: فسرت فى حادى عشر شهر رمضان سنة خمس وثمانين وخمسمائة، وأبلغت الرّسائل، فأجابوا إلى ذلك، فعدت فى خامس شهر ربيع الأول سنة ستّ وثمانين، وسبقت العساكر «٦» .
ثم وصلت العساكر عند انقضاء الشتاء فى شهر ربيع الأول وأمده الخليفة بحمل من النّفط الطّيّار وحملين من القنا، وتوقيع بعشرين ألف دينار يقبض على الدّيوان العزيز من التجار، وخمسة من الزّرّاقين.
стр. 11117
وكان العدوّ قد اصطنع ثلاثة أبرجة من الخشب والحديد كالجبال وألبسها الجلود المسقاة بالخل، فيسّر الله تعالى على المسلمين إحراقها، وذلك فى الثامن والعشرين من شهر ربيع الأول.
قال: وكان السّلطان قد كتب إلى مصر بعمارة الأسطول وإحضاره إلى عكّا، فوصل فى يوم الخميس ثامن الشهر، فكانت الحرب فى هذا اليوم فى ثلاثة مواضع فى البحر، والحصار فى البحر، وكان النّصر بحمد الله للمسلمين.
هذا ما كان من أمر السّلطان لمّا بلغه خبر ملك الألمان.
وأما ملك الألمان فقال ابن الأثير فى تاريخه الكامل:
وفى سنة ست وثمانين وخمسمائة خرج ملك الألمان من بلاده، وهم طائفة من الفرنج من أكثرهم عددا وأشدّهم بأسا، وكان قد أزعجه ملك المسلمين البيت المقدّس، فجمع عساكره وسار بهم، وطريقه فى مسيره على القسطنطينيّة. فأرسل ملك الرّوم «١» بخبره إلى السّلطان، ووعده أنّه لا يمكّنه من العبور إلى بلاده. فلمّا وصل ملك الألمان إلى القسطنطينيّة عجز ملكها عن منعه من العبور لكثرة جموعه، لكنّه منع عنهم الميرة، فقلّت أزواده؛ وساروا حتّى عبروا خليج القسطنطينية، وصاروا على أرض بلاد الإسلام، وهى مملكة الملك قلج أرسلان بن مسعود السلجقى «٢» . فلمّا وصلوا إلى أوائلها ثار عليهم التّركمان [فما زالوا] «٣» يسايرونهم، فيقتلون من انفرد منهم ويسرقون ما قدروا
стр. 11118
عليه؛ فنالهم لذلك مشقّة عظيمة، وهلك كثير منهم من الجوع والبرد وكثرة الثّلوج.
فلمّا قاربوا مدينة قونية خرج إليهم الملك قطب الدين ملكشاه بن قلج أرسلان [ليمنعهم] «١» فعجز عن ذلك، فعاد إلى قونية، فأسرعوا السّير فى أثره فنازلوا قونية وأرسلوا إليه هدية وطلبوا منه أن يأذن للرّعيّة فى بيع الأقوات عليهم، فأذن فى ذلك.
وطلبوا من الملك قطب الدّين أن يأمر رعيّته بالكفّ عنهم وأن يجهّز معهم جماعة من أمرائه رهائن، فخافهم، وسلّم إليهم نيّفا وعشرين أميرا كان يكرههم. فساروا بهم معهم، ولم يمتنع اللّصوص وغيرهم من أذاهم؛ فقبض ملك الألمان على من معه من الأمراء وقيّدهم، فمنهم من مات فى أسره ومنهم من فدى نفسه «٢» .
قال ابن شدّاد: وأعوزهم الزّاد وعراهم جوع عظيم، وعجزوا عن حمل أقمشتهم، فجمعوا عددا كثيرة وسلاحا [١٣١] وجعلوا ذلك بيدرا «٣» وأضرموا فيه النّار، لعجزهم عن حمله، ولئلّا ينتفع به غيرهم.
قال: وبقيت بعد ذلك رابية من حديد «٤» .
قال ابن الأثير: ثمّ سار إلى أن أتى إلى بلاد الأرمن، وصاحبها يومئذ لافون «٥» بن اصطفانه بن ليون الأرمنى، فأمدّهم بالأقوات والعلوفات، وحكّمهم فى بلاده، وأظهر الطّاعة لهم. ثمّ سار إلى
стр. 11119
أنطاكيّة، وكان فى طريقهم نهر «١» فنزلوا عنده، وعبر ملكهم إليه ليغتسل فيه، فغرق فى مكان لا يبلغ الماء وسط الرّجل فيه. وكفى الله شرّه «٢» .
وقال ابن شدّاد: إنه لمّا وصل إلى طرسوس سبح فى النّهر فمرض من شدّة برد الماء فمات؛ ولمّا مات سلقوه فى خلّ وجمعوا عظامه فى كيس ليحملوها إلى القدس ويدفنوها به «٣» .
قال ابن الأثير: وكان معه ولد كبير فملك بعده وسار إلى أنطاكية، فاختلف أصحابه عليه؛ وأحبّ بعضهم العود إلى بلاده فتخلّف عنه، ومال بعضهم إلى تمليك أخ له فعاد أيضا، وسار هو فيمن بقى معه، فعرضهم، وكانوا نيّفا وأربعين ألفا وقع فيهم الوباء والموت، فوصلوا إلى أنطاكيّة وكأنّهم قد نبشوا من القبور فتبرّم بهم صاحبها وحسّن لهم المسير إلى عكّا. فساروا على اللاذقية وجبلة وغيرهما من البلاد التى ملكها المسلمون؛ وخرج أهل حلب وغيرها إليهم وأسروا منهم خلقا كثيرا، ومات أكثر ممّن أسر «٤» .
قال: وبلغوا إلى طرابلس وأقاموا بها أيّاما فكثر فيهم الموت، فلم يبق منهم إلّا نحو ألف رجل، فركبوا فى البحر إلى الفرنج الذين على عكّا.
ولمّا وصلوا ورأوا ما نالهم فى طريقهم وما هم فيه من الاختلاف عادوا إلى بلادهم، فغرقت بهم المراكب، فلم ينج منهم أحد «٥» .
стр. 11120
وقال ابن شدّاد: إنّهم لمّا وصلوا إلى أنطاكية طلب ابن ملكهم من صاحبها قلعتها لينقل إليها أمواله وخزائنه وأثقاله، فسلّمها إليه طمعا فى ماله، وكان كذلك، فإنّه لم يعد إليه واستولى الإبرنس على ما فيها «١» .
قال: وجاءت فرقة منهم إلى حصن بغراس وظنّوا أنّه للفرنج، ففتح لهم والى الحصن الباب وتسلّم منهم الأموال، وأسر جماعة منهم وقتل. وخرج إليهم العسكر الحلبىّ فقتل منهم وأسر. ثمّ أخذ من بقى منهم على طريق طرابلس فخرج عليهم من باللاذقية وجبلة، فقتلوا منهم وأسروا.
ثم ركب ملك الألمان فى البحر من طرابلس بمن بقى معه لقصد عكّا، فى أواخر شعبان، فثارت عليهم ريح كسرت منهم ثلاث مراكب، ووصل الباقون إلى صور ثمّ إلى عكا فى سادس شهر رمضان سنة ستّ وثمانين؛ وكان لقدومهم وقع عظيم «٢» .
وسيأتى ذكر ما تجدّد بعد وصولهم إلى عكّا إن شاء الله تعالى.
فلنذكر ما كان قبل وصولهم من الوقائع.
ذكر الوقعة العادليّة على عكّا
كانت هذه الوقعة فى يوم الأربعاء العشرين من جمادى الأولى سنة ستّ وثمانين.
قال ابن شدّاد: لمّا بلغ السّلطان وصول ملك الألمان إلى بلاد الأرمن جهّز بعض العساكر إلى البلاد المتاخمة لطريق عسكر العدوّ،
стр. 11121
وتقدّم أمره بهدم سور طبريّة وهدم يافا وأرسوف وقيساريّة، وهدم سور صيدا وجبيل ونقل أهلها إلى بيروت. فلمّا علم الفرنج أنّ العساكر قد تفرّقت نهضوا للقتال بغتة وهجموا على الميمنة وفيها مخيّم الملك العادل، فلما بصر بهم ركب فيمن معه، وتلاحقت به العساكر، واقتتلوا، فكانت من أعظم الوقائع، قتل فيها خلق كثير من الفرنج.
قال: ولقد خضت فى الدّماء بدابّتى واجتهدت أن أعدّهم فما قدرت على ذلك لكثرتهم وتفرّقهم؛ وشاهدت منهم امرأتين مقتولتين.
وكانت هذه الوقعة فيما بين الظّهر والعصر فى الميمنة وبعض القلب، ولم نفقد من المسلمين فيها غير عشرة غير معروفين «١» .
قال: ولمّا أخبر من بعكّا من المسلمين بهذه الوقعة خرجوا إلى مخيّم العدوّ من البلد، وجرى بينهم مقتلة عظيمة انتصر فيها المسلمون، ونهبوا ما كان بخيام الفرنج من الأقمشة وغيرها، حتى الطّعام الذى فى القدور، وسبوا النّساء.
قال: واختلف النّاس فى عدد من قتل من الفرنج فى هذه الوقعة، فقيل ثمانية آلاف، وقيل سبعة آلاف، ولم ينقصهم حازر عن خمسة آلاف «٢»
[١٣٢] ذكر وصول الكندهرى إلى عكّا نجدة للفرنج وما جدّده من آلة الحصار
قال: ثمّ وصل الكندهرى «٣» فى البحر نجدة للفرنج فى عدد كثير أضعاف ما نقص منهم، ففرّق الأموال واستخدم؛ ونصب المجانيق على
стр. 11122
عكا فحرقها المسلمون؛ ثمّ نصب منجنيقين فأحرقا فى أوّل شعبان، وكان قد أنفق عليهما ألف دينار وخمسمائة دينار، وأسر من الفرنج سبعون فى هذا اليوم ومن جملتهم فارس كبير عندهم فقتله المسلمون «١» ثمّ جهّز الفرنج بطشا لمحاصرة برج الذبان «٢» ، وهو برج فى وسط البحر على باب ميناء عكّا، فعمدوا إلى بطشة من البطش وعملوا برجا على صاريها وملأوه حطبا ونفطا على أنهم يلحقون البطشة ببرج الذّبان، ثمّ يحرقون البرج الذى على الصّارى. وجعلوا فى البطشة وقودا كثيرا حتّى يلقوه فى البرج إذا اشتعلت فيه النّيران. وعبئوا بطشة ثانية وملأوها حطبا على أنّها تدخل بين المراكب الإسلاميّة ثم يلهبونها فتحترق هى والبطش الإسلاميّة وجعلوا فى بطشة ثالثة جماعة من المقاتلة. وقدّموا البطشة نحو البرج، وكان الهواء مسعدا لهم، فلمّا أحرقوا البطشة والبرج الّذى قصدوا بهما إحراق بطش المسلمين وبرج الذّبان انعكس الهواء عليهم بإذن الله تعالى، فاحترقت البطشتان، وانقلبت الثالثة بمن فيها من المقاتلة. والله أعلم «٣» .
ذكر ما كان من أمر الفرنج بعد وصول ابن ملك الألمان إلى عكّا وما اتّخذوه من آلات الحصار
قال: ولمّا وصل ابن ملك الألمان القائم فى الملك بعد أبيه إلى عكّا كان وصوله إليها فى سادس شهر رمضان سنة ستّ وثمانين
стр. 11123
وخمسمائة. فكان أول ما بدأ به أنّه خرج إلى يزكيّة السّلطان وقاتلهم، فقتل من أصحابه وجرح خلق كثير، وانكسروا ورجعوا إلى المخيّم غروب الشّمس من ذلك اليوم؛ وقتل من المسلمين اثنان وجرح جماعة. فلمّا عاين ذلك رجع إلى قتال من فى البلد، واتّخذ من آلات الحصار ما لم ير قبل ذلك مثله، فكان ممّا أحدثه آلة عظيمة تسمّى دبّابة يدخل من تحتها المقاتلة، وهى من الخشب الملبّس بصفائح الحديد، ولها من تحتها عجل يحرّك من داخلها حتى تنطح السّور بشدّة عظيمة فتهدمه بتكرار نطحها، وآلة أخرى وهى قبو فيه رجال تسحبه وفيه كبش، ورأس تلك الآلة ممدة شبه سكّة المحراث، ورأس الكبش مدوّر، هذا يهدم بثقله، وتلك تهدم بحدّتها وثقلها، وهى تسمّى سفودا «١» ، وأعد السّتائر «٢» والسّلاليم وغير ذلك؛ وأعدّ فى البحر بطشة عظيمة وصنع فيها برجا بخرطوم إذا أرادوا قلبه على السّور بحركة انقلب بحركات ويبقى طريقا إلى المكان الذى ينقلب عليه تمشى عليها المقاتلة، ونصب المجانيق وحكّمها على السّور، وتوالت حجارتها حتى أثّرت فيها أثرا بيّنا فأخذ المسلمون سهمين عظيمين من سهام الجروح وأحرقوا نصالهما حتّى بقيا كالشّعلة من النّار ثم رميا فى منجنيق الفرنج فاحترق، واتّصل لهبه بالآخر فأحرقه «٣» .
ثمّ زحف العدوّ على البلد فى شهر رمضان فى خلق كثير، فأمهلهم أهل البلد حتى سحبوا آلتهم المذكورة وقاربوا أن يلصقوها بالسّور ويحصل منهم فى الخندق جماعة كثيرة، فأطلقوا عليهم الجروخ
стр. 11124
والمجانيق والسّهام والنيران، وفتحوا الأبواب وهجموا على العدوّ من كل مكان، وكبسوهم فى الخندق، فانهزموا؛ ووقع السّيف فيمن بقى فى الخندق منهم. ثم ألقوا النّار فى كبشهم، فاحترق، وسرت ناره إلى السّفّود فاحترق أيضا، وعلّق المسلمون فى الكبش الكلاليب الحديد فسحبوه وهو يشتعل، فحصل عندهم، فأطفأوه بالماء. ووزن ما كان عليه من الحديد فكان مائة قنطار بالشّامى [١٣٣] فكان هذا اليوم من أحسن أيام الإسلام «١» .
قال: واستأنف الفرنج عمل دبابة أخرى وفى رأسها شكل عظيم يقال له الكبش، وله قرنان فى طول الرّمح كالعمد الغلاظ، وسقوفها هى والكبش بأعمدة الحديد، ولبّسوا رأس الكبش بعد الحديد بالنّحاس، فلم يبق للنار عليها سبيل؛ وشحنوها بالرّجال. فنصب المسلمون عليها المجانيق ورموها بالحجارة، فأبعدت الرّجال من حولها، ثمّ رموها بحزم الحطب فأحرقوا ما بين القرنين، وخسفها المنجنيق، وخرج أهل عكّا فقطعوا رأس الكبشين.
قال: وفى العشر الأوسط من شهر رمضان ألقت الرّيح بطشتين فيهما رجال ونساء وصبيان، وميرة عظيمة وأغنام، فغنمهما المسلمون «٢» .
وكان فى إحداهما امرأة محتشمة كثيرة الأموال؛ واجتهد الفرنج فى استنقاذها فلم يجابوا لذلك.
وكان بينهم فى بقيّة السّنة عدّة وقائع يطول شرحها.
стр. 11125
وفى سابع ذى الحجّة هدمت قطعة عظيمة من سور عكّا فسدّها المسلمون وقاتلوا عليها قتالا شديدا حتى أحكموا بناءها.
وفى ثانى ذى الحجّة هلك ابن ملك الألمان وكند كبير، ومرض الكندهرى، ووقع فيهم فناء عظيم. والله أعلم.
ذكر وصول ملك افرنسيس
كان وصوله فى ثانى عشر شهر ربيع الأوّل سنة سبع وثمانين وخمسمائة فى ستّ بطش عظام مشحونة بالمقاتلة «١» ؛ وكان ملكا مطاعا فيهم، ووعدهم بالأمداد خلفه. وكان معه باز عظيم الخلق أبيض اللّون، فطار من يده وسقط على سور عكّا، فأخذه المسلمون وأنفذوه إلى السّلطان؛ فبذل الفرنج فيه ألف دينار فلم يجابوا لذلك.
قال: وزحف الفرنج على عكّا فى يوم الخميس الرّابع من جمادى الأولى سنة سبع وثمانين، ونصبوا عليها سبعة مجانيق. وبلغ من مضايقتهم لها أنّهم كانوا يلقون فى خندقها ما يموت من دوابّهم وما يؤيس منه ممّن أثخنته الجراح. وانقسم أهل البلد أقساما: قسم ينزلون إلى الخندق ويقطعون الدّواب ليسهل نقلها، وقسم ينقلون ذلك إلى البحر، وقسم يذبّون عنهم، وقسم فى المنجنيقات وحراسة الأسوار.
قال: وكانوا قد صنعوا دبّابة عظيمة أربع طبقات، الأولى من الخشب، والثّانية من الرّصاص، والثّالثة من الحديد، والرّابعة من
стр. 11126
النّحاس؛ فكانت تعلو على السّور وتركب فيها المقاتلة؛ وقرّبوها من السّور فكاد أهل البلد يطلبون الأمان؛ فأعان الله على حرقها «١» .
وكان فى جمادى الأولى عدّة وقعات.
قال: ولمّا حرقت دبّابات الفرنج وكباشهم وأبرجتهم الخشب وستائرهم أقاموا أمام خيامهم ممّا يلى عكّا تلّا مستطيلا عاليا من التّراب، فكانوا يقفون وراءه ويحوّلونه ليقرّبوه من السّور؛ إلى أن صار بينه وبين السّور مقدار نصف غلوة سهم. فلم تعمل فيه النّار.
ذكر وصول ملك الإنكلتير
كان وصوله إلى عكّا فى ثالث عشر جمادى الأولى من السّنة «٢» بعد أن ملك فى مسيره قبرص عنوة؛ ووصل فى أربعين قطعة. ولمّا قدم توالى الزّحف والقتال. ثمّ مرض مرضا شديدا وجرح الإفرنسيس، وهم مع ذلك لا يدعون القتال. هذا واللّصوص يدخلون عليهم فى خيامهم ويسرقون أقمشتهم ويخطفونهم، فكانوا يدخلون على الرّجل من الفرنج وهو نائم فيوقظونه، ويشيرون إليه بالسّلاح: إن تكلّمت ذبحناك، ويحملونه [١٣٤] ويخرجون به إلى عسكر المسلمين. فعلوا ذلك مرارا كثيرة.
قال: ثمّ تردّدت الرّسائل من الفرنج إلى السّلطان مدافعة بسبب مرض الإنكلتير؛ ثم استأذن فى إهداء جوارح، وقال إنّها قد ضعفت وتغيّرت من البحر، وطلب أن يسيّر لها دجاج وطير تأكله لتقوى به ثمّ
стр. 11127
يهدى للسّلطان. ففهم السّلطان أنّه يحتاج ذلك لنفسه لأنّه حديث عهد بمرض، فسيّر إليه ذلك. ثمّ أرسل فى طلب فاكهة وثلج، فأرسل إليه.
وهم مع ذلك يحاصرون البلد أشدّ حصار «١» .
ذكر استيلاء الفرنج على عكّا
قال: ثمّ اشتدّ الحصار فى سابع جمادى الآخرة، فركب السّلطان بالعسكر وجرى قتال عظيم إلى اللّيل، ولم يطعم فى ذلك اليوم؛ ولمّا حال بينهما اللّيل عاد إلى خيامه. ثمّ باكر القتال، فوصلت مطالعة من بالبلد يذكرون أنّ العجز قد بلغ بهم الغاية، وأنّهم فى الغد متى لم يعمل ما يمنع العدوّ طلبوا الأمان وسلّموا البلد. فرأى السّلطان مهاجهة العدوّ، فلم يساعده العسكر. فضعفت نفوس أهل البلد، وتمكّن العدوّ من الخنادق فملكوها، ونقبوا السّور وأحرقوه، فوقعت بدنة من الباشورة ودخل العدوّ إليها، فقتل منها زهاء مائة وخمسين نفسا؛ وكان منهم ستّة من أكابرهم، فقال أحدهم: لا تقتلونى حتى أرحّل الفرنج عنكم. فقتل رجل من الأكراد وقتل الخمسة، فناداهم الفرنج من الغد احفظوا السّتّة فإنّا نطلقكم كلّكم بهم. فقالوا: قد قتلناهم. فقوى عزم الفرنج على عدم المصالحة وأنّهم لا يطلقون من فى البلد إلا بإطلاق جميع الأسرى الذين فى أيدى المسلمين، وتعاد إليهم البلاد السّاحليّة.
فصالحهم من بالبلد على أنّهم يسلّمون إليهم البلد وجميع ما فيه من الآلات والعدد والمراكب، ومائتى ألف دينار، وألف وخمسمائة أسير
стр. 11128
مجاهيل الأحوال، ومائة أسير معيّنين، وصليب الصّلبوت؛ على أنهم يخرجون بأنفسهم ونسائهم وذراريهم، وما معهم من أموالهم وأقمشتهم.
فكتبوا فى ذلك إلى السّلطان، فأنكر هذا الأمر واستعظمه؛ وعزم على أن يكتب بالإنكار على من بعكّا. وجمع أمراءه وأصحاب المشورة، فما شعر المسلمون إلا وقد ارتفعت أعلام الكفر وصلبانه على أسوار البلد؛ وذلك ظهر نهار الجمعة السّابع عشر من جمادى الآخرة، سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
فعظمت المصيبة على المسلمين وتحيّز المسلمون إلى بعض أطراف البلد. ثم تردّدت الرّسائل بينهما على تقرير القاعدة فى خلاص من بعكّا من المسلمين، فاستقرّت الحال على مائة ألف دينار وستّمائة أسير وصليب الصّلبوت. وأنفذوا ثقاتهم وعاينوا الصّليب فى ثامن عشر شهر رجب؛ ثم طلبوا أن يسلّم ذلك إليهم فإذا صار عندهم أطلقوا الأسرى؛ فامتنع السّلطان من ذلك إلا بعد تسليم الأسرى.
فلمّا رأوه قد امتنع منه أخرجوا خيامهم إلى ظاهر الخنادق فى الحادى والعشرين من الشّهر؛ ثمّ ركبوا فى وقت العصر فى اليوم السّابع والعشرين من شهر رجب سنة سبع وثمانين، وجمعوا الأسرى، وحملوا عليهم حملة الرّجل الواحد، فقتلوهم صبرا، طعنا بالرّمح وضربا بالسّيف، رحمة الله عليهم؛ ولم يبقوا من المسلمين إلّا أكابرهم. فلمّا اتصل الخبر بالسّلطان حمل المسلمون عليهم، وجرت بينهم حرب عظيمة دام القتال فيها طول النّهار. وتصرّف السّلطان فيما كان قد حصّله من المال، وأعاد الأسرى إلى أماكنهم، وردّ صليب الصّلبوت إلى مكانه «١» .
стр. 11129
ذكر ما كان بعد أخذهم عكّا
قال: ثمّ سار الفرنج إلى صوب عسقلان فى مستهل شعبان، وسار السّلطان فى عراضهم، والمسلمون يتخطّفونهم ويقتلون منهم ويأسرون؛ وكلّ أسير جىء به إلى السّلطان أمر بقتله. ثمّ كانت وقعة عظيمة فى تاسع شعبان عند رحيلهم من قيساريّة، انتصر فيها المسلمون. ثمّ رحل السّلطان فنزل شعراء أرسوف. وطلب ملك الإنكلتير الاجتماع بالملك العادل خلوة، فاجتمعا، فأشار بالصّلح. وكان حاصل كلامه [١٣٥] أنّه قد طال بيننا القتال ونحن فى نصرة فرنج السّاحل، ورأيى الصّلح، ويرجع كلّ منا إلى مكانه. فقال له الملك العادل: على ماذا يكون الصّلح؟ قال: على أن تسلّموا لأهل السّاحل ما أخذ منهم من البلاد.
فأبى الملك العادل «١» .
ثم كانت وقعة أرسوف فى يوم السّبت رابع عشر شعبان؛ وكانت الدائرة فيها على الفرنج «٢» .
ذكر هدم عسقلان
قال: ثمّ رحل السّلطان بعد وقعة أرسوف فى تاسع عشر شعبان، ونزل بالرّملة، واستشار أصحابه فى أمر عسقلان، فأشاروا عليه بتخريبها خشية أن يستولى العدوّ عليها وهى عامرة، فتكون سببا لأخذ البيت
стр. 11130
المقدّس وقطع طريق مصر. فعلم السّلطان عجز المسلمين عن حفظها لقرب عهدهم بقتال عكّا؛ فسار حتى أتى عسقلان، وأمر بتخريبها، وكان هو وولده الملك الأفضل يستعملان النّاس فى الخراب خشية من حضور العدوّ فيتعذّر هدمها، ثمّ حرقها بالنّار؛ والأخبار تتواتر من جهة العدوّ بعمارة يافا. واستمرّ الخراب والحريق إلى سلخ شعبان «١» .
ثمّ رحل السّلطان عنها يوم الثّلاثاء، ثانى شهر رمضان فنزل على الرّملة يوم الأربعاء، وأمر بتخريب حصنها وتخريب كنيسة لدّ. وركب جريدة إلى القدس الشريف، فوصل إليه فى يوم الخميس.
وفى يوم الجمعة ثانى عشر شهر رمضان من السّنة كانت بينهم وقعة انتصر فيها المسلمون.
قال: ثمّ سار السّلطان إلى الرّملة فى سابع شوّال وأقام بها عشرين يوما، فجرت وقعات؛ منها وقعة فى ثامن شوّال، وفى سادس عشره، والدّائرة فيها على العدو.
وفى ثامن عشر شوّال اجتمع الملك العادل والإنكلتير على طعام، وانفصلا «٢» على توادد، وسأله الاجتماع بالسّلطان فامتنع السّلطان من ذلك.
ثمّ رحل الفرنج فى ثالث ذى القعدة إلى الرّملة، وأظهروا قصد بيت المقدس والحرب مستمرّة بين المسلمين وبينهم. ورحل السّلطان إلى القدس فى الثّالث والعشرين من ذى القعدة بنيّة المقام به، وشرع فى تحصينه.
стр. 11131
ذكر وقوع الصّلح والهدنة العامّة بين المسلمين والفرنج
قال: ولم تزل الحرب قائمة والمراسلات متّصلة بينهم على طلب الصّلح، والسّلطان لا يرضى بما يختارونه، وهم لا يوافقون على ما يريده السّلطان، إلى الحادى والعشرين من شعبان سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، فوقّعت هدنة عامّة فى البرّ والبحر، وجعل لهم من يافا إلى قيسارية إلى عكّا إلى صور، وأدخلوا فى الصّلح طرابلس وأنطاكية.
وأخرج من عمل يافا الرّملة ومجدل يابا «١» ومن عمل عكّا الناصرة وصفّوريّة واشترط خراب عسقلان. ووقعت المصالحة مدّة ثلاث سنين وثلاثة أشهر «٢» ، أوّلها مبتدأ أيلول الموافق لهذا التّاريخ، وذلك بعد سؤال ملك الإنكلتير وتكرار رسائله.
قال: ثمّ أمر السّلطان أن ينادى فى الطّرقات والأسواق: ألا إنّ الصّلح قد انتظم، فمن شاء من بلادنا يدخل بلادهم ومن شاء من بلادهم يدخل بلادنا فليفعل.
ووقع له عزم الحجّ فى ذلك المجلس «٣» .
ثمّ أمر بإرسال مائة نقّاب لتخريب سور عسقلان وإخراج الفرنج منها، فخرّبت. وكان يوم الصّلح يوما مشهودا واختلط العسكران.
ثمّ اشتدّ المرض بالإنكلتير فرحل ليلة الأربعاء التاسع والعشرين من شعبان وسار معه الكندهرى إلى جهة عكّا، ولم يبق بيافا [١٣٦]
стр. 11132
إلا مريض أو عاجز. ثم أذن السّلطان للنّاس فى الرّجوع إلى أوطانهم، فسار عسكر إربل والموصل وسنجار؛ وقوى عزمه على الحج.
ثم عاد السّلطان إلى القدس ورتّب أحواله وعيّن الكنيسة التى فى شارع قمامة للبيمارستان ونقل إليه العقاقير والأدوية؛ وأدار سور القدس. وأقام بالقدس إلى يوم الأربعاء رابع شوال، وخرج فى يوم الخميس خامس الشهر قاصدا دمشق. فلمّا انتهى إلى طبريّة وصل إليه بهاء الدين قراقوش الأسدى وقد خلص من الأسر، فاستصحبه معه وكشف القلاع والحصون، ودخل إلى دمشق فى يوم الاثنين السادس عشر من شوّال سنة ثمان وثمانين وخمسمائة: وجلس النّاس يوم الخميس؛ وأنشده الشّعراء؛ وكان مجلسا عامّا، وعمّ النّاس فيه بعدله. ولم يزل كذلك إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
ذكر وفاة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب
كانت وفاته رحمه الله تعالى بعد صلاة الصّبح يوم الأربعاء لثلاث بقين من صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة.
وكان مولده بقلعة تكريت فى شهور سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة؛ فكان عمره سبعا وخمسين سنة تقريبا. ومدّة ملكه منذ ولى وزارة العاضد لدين الله ولقّب بالملك النّاصر لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وستين وخمسمائة وإلى هذا التّاريخ أربعا وعشرين سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام؛ ومنذ خلع العاضد فى السابع المحرّم سنة سبع وستّين وخمسمائة اثنتين وعشرين سنة وشهرا واحدا وعشرين يوما.
стр. 11133
وكان ابتداء مرضه يوم السّبت سادس عشر صفر؛ ونال المسلمون لوفاته من الألم ما لا يعبّر عنه. ولمّا مات دفن بقلعة دمشق فى منزله؛ وما زال ابنه الأفضل يتروّى فى موضع ينقله إليه، فشرع فى بناء تربته عند مسجد القدم «١» وبنى عندها مدرسة للشّافعيّة. وأمر ببناء التّربة فى سنة تسعين وخمسمائة؛ فاتّفق وصول ابنه العزيز تلك السّنة من الدّيار المصريّة للحصار، فخرب ما كان قد ارتفع من البناء. ثمّ أمر بعمارة القبّة فى حدّ جامع دمشق، فعمّرت ونقل إليها يوم عاشوراء سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة؛ ومشى الأفضل أمام تابوته وأخرج من باب القلعة على دار الحديث إلى باب البريد، «٢» وأدخل منه إلى الجامع، وصلّى عليه قدّام باب السر، صلّى عليه القاضى محيى الدّين محمّد بن على بإذن الأفضل. ثم حمل إلى لحده، وألحده الأفضل وجلس فى الجامع ثلاثة أيام.
وكان الملك النّاصر ﵀ كريما جوادا شجاعا، حسن الأخلاق، مضت أكثر أيّامه فى الجهاد فى سبيل الله تعالى.
قال ابن شدّاد: لمّا مات السّلطان لم يخلّف فى خزائنه من الذّهب والفضّة إلا سبعة وأربعين درهما ناصريّة وجراما «٣» واحدا ذهبا صوريّا، ولم يخلّف ملكا فى سائر أنواع الأملاك. وحسب ما وهبه من الخيل فى مدّة مقامه على عكّا فكان تقديره اثنى عشر ألف رأس؛ ولم يكن له فرس يركبه إلا وهو موهوب أو موعود به، وصاحبه يلازمه فى طلبه؛ وما حضر
стр. 11134
اللقاء إلا استعار فرسا فركبه. وكان لا يلبس إلا ما يحلّ كالكتان والقطن والصّوف. وكان له ركعات يصلّيها من الليل «١» .
وخلف ﵀ من الأولاد، على ما نقله العماد الأصفهانى وغيره سبعة عشر ولدا: الملك الأفضل نور الدّين أبو الحسن [على] «٢» ، وهو أكبرهم؛ والملك العزيز عماد الدين أبو الفتح عثمان؛ والملك الظاهر غياث الدّين، وقيل شهاب الدّين، أبو منصور غازى؛ والملك الظّافر مظفّر الدّين أبو العباس خضر؛ والملك المعز فتح الدّين أبو يعقوب يوسف «٣» ؛ والملك الأعز شرف الدّين أبو يوسف «٤» يعقوب [١٣٧] والملك المؤيّد نجم الدين أبو الفتح مسعود؛ والملك الزّاهر مجير الدين أبو سليمان داود «٥» ؛ والملك المفضل قطب الدّين أبو محمد موسى «٦» ؛ والملك الأشرف عزّ الدّين محمد «٧» ؛ والملك المحسن شهاب الدّين «٨» أبو العباس أحمد؛ والملك الجواد ركن الدّين أبو سعيد أيوب؛ والملك المظفّر «٩» فخر الدّين أبو منصور تورانشاه؛ والملك العادل نور الدّين أبو المظفّر
стр. 11135
ملكشاه «١» ؛ والملك المنصور نصرة الدّين مروان «٢» ؛ والملك الصالح معين الدين إسماعيل «٣» ؛ وعماد الدين شادى، ويسمى عمر؛ وابنة صغيرة «٤» .
ذكر من ملك الممالك التى كانت جارية فى ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف رحمه الله تعالى من أولاده وإخوته وأقاربه وألزامه بعد وفاته
استقرّ ملك دمشق وما معها للملك الأفضل نور الدّين أبى الحسن على، وهو أكبر أولاده وولىّ عهده، وعنده أخواه شقيقاه الملك الظّافر خضر والملك المفضّل «٥» موسى.
واستقرّ ملك الدّيار المصريّة للملك العزيز عماد الدّين أبى الفتح عثمان.
واستقرّ ملك حلب وما يليها للملك الظّاهر غياث الدّين غازى، وعنده أخوه الملك الزاهر داوود، فجعله من قبله على البيرة.
واستقرّ ملك حمص والرّحبة [وتدمر] «٦» للملك المجاهد أسد الدّين شيركوه بن محمّد بن شيركوه، وهو ولد ابن عمّ السّلطان الملك النّاصر.
следующие страницы →