← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وبنى فى جميع هذه الأماكن بيوت للنّيران، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى. ثم انقطعت عبادة النيران من أكثر هذه الأماكن إلا الهند. فإنهم يعبدونها إلى يومنا هذا. وهم طائفة تدعى الإكنواطرية. [١] زعموا أن النار أعظم العناصر جرما، وأوسعها حيزا، وأعلاها مكانا، وأشرفها جوهرا، وأنورها ضياء وإشراقا، وألطفها جسما وكيانا؛ وأن الأحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع؛ ولا نور فى العالم إلا بها؛ ولا نموّ ولا انعقاد إلا بممازجتها. وعبادتهم لها أن يحفروا أخدودا مربعا فى الأرض ويحشوا النار فيه، ثم لا يدعون طعاما لذيذا، ولا شرابا لطيفا، ولا ثوبا فاخرا، ولا عطرا فائحا، ولا جوهرا نفيسا، إلا طرحوه فيها: تقرّبا إليها، وتبرّكا بها. وحرّموا إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، خلافا لجماعة أخرى من زهّاد الهند. وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعظمائها. يعظمون النار لجوهرها تعظيما بالغا، ويقدّمونها على الموجودات كلها. ومنهم زهّاد وعبّاد يجلسون حول النار صاغين، يسدّون منافسهم حتّى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر مجرم. وسنّتهم الحثّ على الأخلاق الحسنة، والمنع من أضدادها، وهى: الكذب، والحسد، والحقد، والكفاح، والحرص، والبغى، والبطر. فإذا تجرّد الإنسان عنها، تقرّب من النار.

стр. 107

٤- وأما بيوت النيران (ومن رسمها من ملوك الفرس) قال المسعودىّ: أوّل من حكى ذلك عنه أفريدون الملك. وذلك أنه وجد نارا يعظمها أهلها، [وهم] [١] معتكفون على عبادتها. [فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم فى عبادتها. فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى عبادتها] [٢] وأنها واسطة بين الله تعالى وبين خلقه، وأنها من جنس الآلهة النورية، وأشياء ذكروها له. وجعلوا للنور مراتب وقوانين [وفرقوا بين طبع النار والنور] [٣] وزعموا أن الحيوان يجتذبه النور، فيحرق نفسه: كالفراش الطائر بالليل فما لطف جسمه، يطرح نفسه فى السراج فيحرقها. وغير ذلك مما يقع فى صيد الليل من الغزلان، والوحش، والطير؛ وكظهور الحيتان من الماء إذا قربت من السراج فى الزوارق كما يصاد السمك ببلاد البصرة فى الليل، فإنهم يجعلون السّرج حوالى المركب، فيثب السمك من الماء إليها؛ وأن بالنور صلاح هذا العالم، وشرف النار على الظلمة إلى غير ذلك. فلما أخبروا الملك أفريدون بذلك أمر أن تحمل جمرة منها إلى خراسان، فحملت. فاتخذ لها بيتا بطوس. [واتخذ بيتا آخر بمدينة بخارا يقال له برد سورة] [٤] . وبيتا آخر بسجستان كواكر [٥] ، كان اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن يهراسف.

стр. 108

وبيت آخر ببلاد الشير والرّان، كانت فيه أصنام أخرجها منه أنوشروان، وقيل إنه صادف هذا البيت، وفيه نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة. وبيت آخر للنار يقال له كوسجة [١] : بناه كيخسرو الملك. وقد كان بقومس بيت نار معظم لا يدرى من بناه، يقال له حريش. [٢] ويقال إن الإسكندر لما غلب عليها، تركها ولم يطفئها. وبيت نار آخر يسمّى كنكدز، بناه سياوش بن كاوس الجبار، وذلك فى زمن لبثه بشرق الصين مما يلى البركة. وبيت نار بمدينة أرّجان من أرض فارس؛ بناه قمار. وبيت بأرض فارس اتّخذ فى أيام يهراسف. [٣] فهذه البيوت كانت قبل ظهور زرادشت. ثم اتخذ زرادشت بعد ذلك بيوتا للنيران. فكان مما اتخذ بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان، وبيت بمدينة نسا والبيضاء من أرض فارس. وقد كان زرادشت أمر يستاسف [٤] الملك بطلب نار كان يعظمها جم [٥] فطلبت، فوجدت بمدينة خوارزم. فنقلها يستاسف إلى مدينة دارا بجرد من أرض فارس............ والمجوس تعظم هذه النار ما لا تعظم غيرها من النيران والبيوت............ وللفرس بيت نار

стр. 109

بإصطخر فارس، يعظمه المجوس. كان فى قديم الزمان للأصنام، فأخرجتها جمان بنت بهمن بن اسپنديار وجعلته بيت نار. ثم نقلت عنه النار فخرب...... وفى مدينة سابور من أرض فارس بيت معظم عندهم اتخذه دارا بن دارا. وفى مدينة جور من أرض فارس...... بيت بناه أردشير بن بابك......... وقد كان أردشير بنى بيت نار يقال له بارنوا فى اليوم الثانى من غلبته على فارس. وبيت نار على خليج القسطنطينية من بلاد الروم بناه سابور الجنود ابن أردشير بن بابك حين نزل على هذا الخليج وحاصر القسطنطينية. ولم يزل هذا البيت إلى خلافة المهدىّ. وكان سابور اشترط على الروم بقاء هذا البيت......... وبأرض العراق بيت نار بالقرب من مدينة السلام. بنته بوران [١] بنت كسرى أبرويز، الملكة، بالموضع المعروف بأسنيبا [٢] . وبيوت النيران كثيرة تعظمها المجوس. والذى ذكرناه هو المشهور منها [٣] . ٥- ذكر نيران العرب ونيران العرب أربعة عشر نارا. ١- نار المزدلفة. توقد حتّى يراها من دفع من عرفة. وأوّل من أوقدها قصىّ بن كلاب. ٢- نار الاستسقاء. كانت الجاهلية الأولى، إذا تتابعت عليهم الأزمات، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الأمطار. يجمعون لها بقرا، معلقة فى أذنابها وعراقيبها

стр. 110

السّلع [١] والعشر [٢] ، ويصعدون بها إلى جبل وعر، ويشعلون فيها النار، ويضجّون بالدعاء والتضرّع. وكانوا يرون ذلك من الأسباب المتوصّل بها إلى نزول الغيث [٣] . وفى ذاك يقول الوديك الطائى: لا درّ درّ رجال خاب سعيهم، ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر! أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر؟ وقال أمية بن أبى الصّلت: ويسوقون باقر السّهل للطّو ... د مهازيل خشية أن تبورا. عاقدين النّيران فى بكر الأذ ... ناب منها، لكى تهيج النّحورا. سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت الببقورا. ٣- نار الزائر والمسافر. ويسمونها نار الطّرد. وذلك أنهم كانوا إذا لم يحبوا رجوع شخص، أوقدوا خلفه نارا ودعوا عليه. ويقولون فى الدعاء: أبعده الله وأسحقه! وأوقدوا نارا إثره. قال الشاعر: وجمّة قوم قد أتوك ولم تكن ... لتوقد نارا خلفها للتندّم.

стр. 111

والجمّة: الجماعة يمشون فى الدّم، وفى الصلح. ومعنى هذا البيت: لم تندم على ما أعطيت فى الحمالة عند كلام الجماعة، فتوقد خلفهم ناراكى لا يعودوا. ٤- نار التحاليف. كانوا لا يعقدون حلفهم إلا عليها، فيذكرون منافعها، ويدعون الله بالحرمان والمنع من منافعها على الذى ينقض العهد، ويطرحون فيها الكبريت والملح. فإذا فرقعت هوّل على الحالف. قال الكميت: همو خوّفونى بالعمى هوّة الرّدى ... كما شبّ نار الحالفين المهوّل. وقال أوس بن حجر: إذا استقبلته الشّمس، صدّ بوجهه ... كما صدّ عن نار المهوّل حالف. ٥- نار الغدر. كانت العرب إذا غدر الرجل بجاره، أوقدوا له نارا بمنى، أيام الحج على الأخشب (وهو الجبل المطلّ على منّى) . ثم صاحوا: هذه غدرة فلان. قالت امرأة من هاشم: فإن نهلك فلم نعرف عقوقا ... ولم توقد لنا بالغدر نار. ٦- نار السّلامة. وهى نار توقد للقادم من سفره، إذا قدم بالسلامة والغنيمة. قال الشاعر: يا سليمى أوقدى النارا ... إنّ من تهوين قد زارا. ٧- نار الحرب. وتسمّى نار الأهبة والإنذار. توقد على يفاع، فتكون إعلاما لمن بعد. قال ابن الرومى: له ناران: نار قرى وحرب. ... ترى كلتيهما ذات التهاب. ٨- نار الصّيد. يوقدونها لصيد الظباء، لتعشى أبصارها.

стр. 112

٩- نار الأسد. كانت العرب توقدها إذا خافوه؛ فإن الأسد إذا عاين النار حدّق إليها وتأمّلها. ١٠- نار السّليم. توقد للملدوغ، والمجروح، ومن عضّه الكلب الكلب حتّى لا يناموا فيشتدّ بهم الألم. قال النابغة: يسهّد من ليل التّمام سليمها ... لحلى النّساء فى يديه قعاقع. وذلك لأنهم كانوا يعلقون عليه حلى النساء ويتركونه سبعة أيام. ١١- نار الفداء. وذلك أن ملوكهم كانوا إذا سبوا قبيلة وخرجت إليهم السادات فى الفداء وفى الاستيهاب، كرهوا أن يعرضوا النساء نهارا فيفتضحن. وأما فى الظلمة فيخفى قدر ما يحبسون من الصيفىّ لأنفسهم، وقدر ما يجودون به، وما يأخذون عليه الفداء. فيوقدون لذلك النار. قال الشاعر: نساء بنى شيبان يوم أوارة ... على النّار إذ تجلى له فتياتها. ١٢- نار الوسم. كانوا يقولون للرجل: ما نارك؟ (فى الاستخبار عن الإبل) أو ما سمتك؟ [فيقول] : حياط، أو علاط، أو حلقة، أو كذا، أو كذا. حكى أن بعض اللصوص قرّب إبلا كان قد أغار عليها وسلبها من قبائل شتّى إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التجّار: ما نارك؟ وإنما سأله عن ذلك، لأنهم كانوا يعرفون ميسم كل قوم وكرم إبلهم من لؤمها، فقال: تسألنى الباعة: ما نجارها، ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها؟ وكلّ دار لأناس دارها! ... وكلّ نار العالمين نارها [١] !

стр. 113

١٣- نار القرى. وهى من أعظم مفاخر العرب. كانوا يوقدونها فى ليالى الشتاء، ويرفعونها لمن يلتمس القرى. فكلما كانت أضخم وموضعها أرفع، كان أفخر. وهم يتمادحون بها، قال الشاعر: له نار تشبّ بكلّ واد ... إذا النّيران ألبست القناعا. وقال إبراهيم بن هرمة: إذا ضلّ عنهم ضيفهم، رفعوا له ... من النار فى الظّلماء ألوية حمرا. ١٤- وكانت للعرب نار عظمى تسمّى نار الحرّتين. وهى التى أطفأها الله تعالى بخالد بن سنان العبسىّ. وكانت حرّة ببلاد عبس، تسمّى حرّة الحدثان. روى عن ابن الكلبىّ أنه قال: كان يخرج منها عنق فيسيح مسافة ثلاثة أو أربعة أميال، لا تمرّ بشىء إلا أحرقته. وأن خالد بن سنان أخذ من كل بطن من بنى عبس رجلا فخرج بهم نحوها، ومعه درّة حتّى انتهى إلى طرفها، وقد خرج منها عنق كأنه عنق بعير فأحاط بهم، فقالوا: هلكت والله أشياخ بنى عبس آخر الدهر! فقال خالد كلّا! وجعل يضرب ذلك العنق بالدّرّة ويقول: «بدّا بدّا، كلّ هدى الله يؤدّى! أنا عبد الله خالد بن سنان!» فما زال يضربه حتّى رجع، وهو يتبعه والقوم معه كأنه ثعبان يتملك حجارة الحرّة حتّى انتهى إلى قليب، فانساب فيه وتقدّم عليه، فمكث طويلا. فقال ابن عم لخالد، يقال له عروة بن شب: لا أرى خالدا يخرج إليكم أبدا! فخرج ينطف عرقا، وهو يقول: زعم ابن راعية المعزى أنى لا أخرج. فقيل لهم بنو راعية المعزى إلى الآن. وفى هذه النار يقول الشاعر: كنار الحرّتين لها زفير ... تصمّ مسامع الرجل السّميع.

стр. 114

٦- ذكر النيران المجازية ومن النيران، نيران مجازية لا حقيقية. فمنها: نار البرق. وقد وصفها بعض الأعراب فقال: نار تجدّد للعيدان نضرتها ... والنار تشعل عيدانا فتحترق إشارة إلى أن النار تحرق العيدان، إلا نار البرق فإنها تجىء بالغيث. نار المعدة. وهى التى تهضم الطعام. وهى كنار الحياة، ونار الغريزة. وقوّتها مادّة للصحة، كما أن ضعفها سبب للعلة. نار الحمّى. وقد قيل: النيران ثلاثة: نار لا تأكل ولا تشرب، وهى نار الآخرة؛ ونار تأكل وتشرب، وهى نار الحمّى، تأكل اللحم وتشرب الدّم؛ ونار تأكل ولا تشرب، وهى نار الدّنيا. ومن النيران المجازية: نار الشوق، نار الشّره، نار الشباب، نار الشراب. قال شاعر يمدح بعض الملوك: وقيت نار الجحيم يا ملك، ... أربع نيرانه له نسق! نار شباب تروق نضرتها، ... ونار راح كأنّه شفق، ونار سلطانه، تقارنها ... نار قرى لا تزال تأتلق،

стр. 115

٧- ذكر النيران التى يضرب المثل بها يضرب المثل: بنار الحباحب. وهى نار لبخيل كان يوقدها. فإذا استضاء بها إنسان، أطفأها. وقيل: إنها النار التى توريها الخيل بسنابكها من الحجارة. قال الله تعالى: (فَالْمُورِياتِ قَدْحاً) . وقال النابغة: ويوقدن بالصّفّاح نار الحباحب وهذا المثل يضرب لما لا منفعة فيه ولا حاصل له. نار الغضى، يضرب بها المثل فى الحرارة. وهى جمر أبيض لا يصلح إلا للوقود. نار العرفج. هى نار تتقد سريعا. قال قتيبة بن مسلم لعمرو بن عباد بن الحصين: «للسّؤدد أسرع إليك من النار فى يبس العرفج» . إذا التهبت فيه النار انتشرت وتسمى نار الزّحفتين، لأن العرفج إذا انتشرت فيه النار عظمت واستفاضت. فمن كان بالقرب منها زحف عنها، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها. فيحتاج الذى زحف عنها أن يزحف إليها. فلا يزال المصطلى بها كذلك، فلذلك سميت نار الزحفتين. نار الحلفاء. يضرب بها المثل فى سرعة الاتقاد، كما قيل: فما ظنّك بالحلفا ... ءأدنيت له نارا. وفى سرعة الانطفاء، كما قيل: نار الحلفاء، سريعة الانطفاء.

стр. 116

٨- ذكر ما جاء منها على لفظ أفعل يقال: آكل من النار؛ أحرّ من النار؛ أحرّ من الجمر؛ أحسن من النار؛ أسرع من شرارة فى قصباء. ويقال: فلان وارى الزناد؛ وريت بك زنادى؛ فلان ثاقب الزّند؛ فلان كابى الزّناد؛ صلدت زناده؛ فلان ما يصطلى بناره؛ هو القابس العجلان؛ هما زندان فى وعاء. ومن أنصاف الأبيات: والنار قد يخمدها النّافخ كملتمس إطفاء نار بنافخ والجمر يوضع فى الرّماد فيخمد كذا كلّ نار روّحت تتوهّج هيهات تكتم فى الظّلام مشاعل ومن الأبيات قول علىّ بن الجهم: والنّار فى أحجارها مكنونة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند وقال آخر: والنار بالماء الذى هو ضدّها ... تعطى النّضاج، وطبعها الإحراق. وقال آخر: والكاتم الأمر ليس يخفى ... كالموقد النار باليفاع. وقال آخر: لا تتّبع كلّ دخان ترى، ... فالنّار قد توقد للكىّ.

стр. 117

وقال أبو تمام: لولا اشتعال النّار فيما جاورت، ... ما كان يعرف طيب عرف العود. وقال آخر: وفتيلة المصباح تحرق نفسها ... وتضىء للسّارى، وأنت كذاكا. ٩- ذكر ما قيل فى وصف النار وتشبيهها قال عبد الله بن المعتزّ، غفر الله له: كأنّ الشّرار على نارها ... وقد راق منظرها كلّ عين. سحالة تبر إذا ما علا، ... فإمّا هوى ففتات اللّجين. أخذه العسكرىّ فقال: أوقدت بعد الهدوّ نارا ... لها على الطارقين عين . شرارها إن علا نضار، ... لكنّه إن هوى لجين. وقال السّرىّ الرّفّاء: والتهبت نارنا، فمنظرها ... يغنيك عن كلّ منظر عجب . إذا رمت بالشّرار فاطّردت ... على ذراها مطارد اللهب، رأيت ياقوتة مشبّكة ... تطير عنها قراضة الذّهب. وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ: حمراء نازعت الرّياح رداءها ... وهنا وزاحمت السّماء بمنكب. ضربت سماء من دخان فوقها، ... لم تدر منها شعلة من كوكب. وتنفّحت عن كلّ نفحة جمرة ... باتت لها ريح الشّمال بمرقب. قد ألهبت فتذهّبت فكأنها ... شقراء تمرح فى عجاج أكهب [١] .

стр. 118

وقال أبو الفتح كشاجم: كأنما النار والرّماد وقد ... كاد يوارى من نورها النّورا: ورد جنىّ القطاف أحمر قد ... ذرّت عليه الأكفّ كافورا. وقال تاج الملوك بن أيوب: أما ترى النار وهى تضرم فى ... أحشاء كانونها وتلتهب؟ كأنّما الفحم فوقها قضب ... من عنبر وهى تحته ذهب. وقال أبو مروان بن أبى الخصال: لابنة الزّند فى الكوانين جمر ... كالدّرارىّ فى دجى الظّلماء. خبّرونى عنها ولا تكتمونى، ... ألديها صناعة الكيمياء؟ سبكت فحمها صفائح تبر ... رصّعتها بالفضّة البيضاء. كلّما رفرف النّسيم عليها ... رقصت فى غلالة حمراء. هذا البيت مأخوذ من قول الخفاجىّ: وكأنّها والريح عابثة بها ... تزهى فترقص فى قميص أحمر. وقال أبو هلال العسكرىّ: نار تلعّب بالسّقوف كأنها ... حلل مشقّقة على حبشان. ردّت عليها الريح فضل دخانها ... فأتت به سبجا على عقيان. فالجوّ يضحك فى ابيضاض شرائر ... منها ويعبس فى اسوداد دخان.

стр. 119

وقال ابن أبى الخصال: وعوجوا على ياقوته ذهبيّة، ... يهيم بها المقرور بالسّبرات [١] . إذا ما ارتمت من فحمها بشرارها، ... رأيت نجوم اللّيل منكدرات. وقال سيف الدّولة بن حمدان: كأنما النار والرّماد معا ... وضوءها فى ظلامه يحجب: وجنة عذراء مسّها خجل ... فاستترت تحت عنبر أشهب. وقال آخر: فحم كيوم الفراق تشعله ... نار كنار الفراق فى الكبد. أسود قد صار تحت حمرتها ... مثل العيون اكتحلن بالرّمد. وقال أبو طالب المأمونىّ: ما نرى النار كيف أسقمها القرّ ... فأضحت تخبو وطورا تسعّر؟ وغدا الجمر والرّماد عليه ... فى قميص مذهّب ومعنبر؟ وقال أبو فراس الحمدانىّ: لله برد ما أش ... دّ ومنظر ما كان أعجب! جاء الغلام بناره ... هو جاء فى فحم تلهّب. فكأنما جمع الحلىّ ... فمحرق منه ومذهب. ثم انطفت فكأنها ... ما بيننا ندّ معشّب.

стр. 120

١٠- ذكر شىء مما قيل فى الشّمعة والشّمعدان (والسراج [١] والقنديل [٢] ) ١- أما الشمعة، فمن جيّد ما قيل فيها قول الأرّجانىّ: نمّت بأسرار ليل كان يخفيها ... وأطلعت قلبها للنّاس من فيها. قلب لها لم يرعنا وهو مكتمن ... إلا برقية نار من تراقيها. سقيمة لم يزل طول اللسان لها ... فى الحىّ يجنى عليها ضرب هاديها. غريقة فى دموع، وهى تحرقها ... أنفاسها بدوام من تلظّيها. تنفّست نفس المهجور إذ ذكرت ... عهد الخليط فبات الوجد يبكيها. يخشى عليها الرّدى مهما ألمّ بها ... نسيم ريح إذا وافى يحيّيها. بدت كنجم هوى فى إثر عفرية ... فى الأرض فاشتعلت منه نواصيها. نجم رأى الأرض أولى أن يبوّأها ... من السماء، فأمسى طوع أهليها. كأنها غرّة قد سال شادخها ... فى وجه دهماء يزهيها تجلّيها. أو ضرّة خلقت للشّمس حاسدة؛ ... فكلّما حجبت، قامت تحاكيها. وحيدة كشباة الرّمح هازمة ... عساكر الليل إن حلّت بواديها. ما طنّبت قطّ فى أرض مخيّمة ... إلا وأقمر للأبصار داجيها.

стр. 121

لها غرائب تبدو من محاسنها، ... إذا تفكّرت يوما فى معانيها. كصعدة فى حشا الظّلماء طاعنة ... تسقى أسافلها ريّا أعاليها . فالوجنة الورد إلا فى تناولها ... والقامة الغصن إلا فى تثنّيها . صفراء هنديّة فى اللّون إن نعتت، ... والقدّ واللّين إن أتممت تشبيها . فالهند تقتل بالنّيران أنفسها ... وعندها أنّ ذاك القتل يحييها . قد أثمرت وردة حمراء طالعة ... تجنى على الكفّ إن أهويت تجنيها . ورد تشاك به الأيدى إذا قطفت، ... وما على غصنها شوك يوقّيها . ما إن تزال تبيت اللّيل ساهرة ... وما بها غلّة فى الصّدر تطفيها . صفر غلائلها، حمر عمائمها، ... سود ذوائبها، بيض لياليها . تحيى الليالى نورا، وهى تقتلها. ... بئس الجزاء لعمر الله تجزيها! قدّت على قدّ ثوب قد تبطّنها ... ولم يقدّر عليها الثوب كاسيها. غرّاء فرعاء ما تنفكّ قالية ... تقصّ لمتّها طورا وتفليها. شبّاء شعثاء لا تكسى غدائرها ... لون الشّبيبة إلا حين تبليها. قناة ظلماء لا تنفك يأكلها ... سنانها طول طعن أو يشظّيها. مفتوحة العين تفنى ليلها سهرا؛ ... نعم، وإفناؤها إيّاه يفنيها. وربّما نال من أطرافها مرض ... لم يشف منه بغير القطع مشفيها. وقال آخر: بيضاء أضحكت الظلام فراعها ... فبكت وأسبلت الدّموع بوادرا. جفّت دموع جفونها فكأنّما ... كسيت من الطّلع النّضيد ضفائرا.

стр. 122

وقال أبو القاسم المطرّز من أبيات: وللشّموع عيون كلّما نظرت ... تظلّمت من يديها أنجم الغسق. من كلّ مرهفة الأعطاف كالغصن ال ... ميّاد لكنّه عار من الورق. إنى لأعجب منها وهى وادعة ... تبلى، وعيشتها من ضربة العنق! وقال آخر: جاءت بجسم كأنّه ذهب ... تبكى وتشكى الهوى وتلتهب. كأنها فى أكفّ حاملها ... رمح لجين سنانه ذهب. وقال محمد بن أبى الثبات، شاعر اليتيمة: ومجدولة مثل صدر القناة ... تعرّت، وباطنها مكتسى. لها مقلة هى روح لها، ... وتاج على الرأس كالبرنس. إذا غازلتها الصّبا حرّكت ... لسانا من الذّهب الأملس. وتنتج من حيث ما ألقحت ... ضياء يجلّى دجى الحندس. فنحن من النّور فى أسعد، ... وتلك من النار فى أنحس! وقال آخر: ورشيقة بيضاء تطلع فى الدّجى ... صبحا وتشفى الناظرين بدائها. شابت ذوائبها أوان شبابها، ... واسودّ مفرقها أوان فنائها. كالعين: فى طبقاتها ودموعها ... وبياضها وسوادها وضيائها.

стр. 123

وقال الصاحب بن عبّاد: وشمعة قدّمت إلينا ... تجمع أوصاف كلّ صبّ: صفرة لون، وذوب جسم، ... وفيض دمع، وحرّ قلب. وقال السرىّ الرفّاء: مفتولة مجدولة ... تحكى لنا قدّ الأسل. كأنّها عمر الفتى ... والنار فيها كالأجل. ومما ورد فى وصفها نثرا . من رسالة لابن الأثير الجزرىّ جاء منها: وكان بين يدىّ شمعة تعمّ مجلسى بالإيناس، وتغنى بوجودها عن كثرة الجلّاس؛ وكانت الريح تتلعّب بشعبها، وتدور على قطب لهبها؛ فطورا تقيمه فيصير أنمله، وطورا تميله فيصير سلسله؛ وتارة تجوّفه فيصير مدهنه، وتارة تجعله ذا ورقات فيمثل سوسنه؛ وآونة تنشره فيبسط منديلا، وآونة تلفّه على رأسها فيستدير إكليلا. ومن رسالة أخرى له: وكانت الريح تتلعّب بلهبها لدى الخادم فتشكله أشكالا، فتارة تبرزه نجما، وتارة تبرزه هلالا؛ ولربما سطع طورا كالجلّنارة فى تضاعيف أوراقها، وطورا كالأصابع فى انضمامها وافتراقها. وقال سيف الدّين المشدّ فى الفانوس: وكانّما الفانوس فى غسق الدّجى ... دنف براه سقمه وسهاده. حنيت أضالعه ورقّ أديمه ... وجرت مدامعه وذاب فؤاده.

стр. 124

٢- ومما قيل فى السراج . من رسالة لأبى عبد الله محمد بن أبى الخصال، جاء منها: عذرا إليك أيّدك الله! فإنى خططت والنوم مغازل، والقرّ نازل؛ والريح تلعب بالسراج، وتصول عليه صولة الحجّاج؛ فطورا تبرزه سنانا، وتحرّكه لسانا؛ وآونة تطويه جنّابه، وأخرى تنشره ذؤابه؛ وتارة تقيمه إبرة لهب، وتعطفه برة ذهب؛ وحينا تقوّسه حاجب فتات، ذات غمزات؛ وتسلطه على سليطه، وتديله على خليطه؛ وربما نصبته أذن جواد، ومسخته حدق جراد؛ ومشقته حروف برق، بكفّ ودق؛ ولثمت بسناه قنديله، وألقت على أعطافه منديله؛ فلا حظّ منه للعين، ولا هداية فى الطّرس ميدين. ٣- رسالة القنديل والشمعدان . من إنشاء المولى الفاضل البارع البليغ تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانى، سمعتها من لفظه، وقرأتها عليه، وأجاز لى روايتها عنه. وهى الموسومة «بزهر الجنان، فى المفاخرة بين القنديل والشمعدان» . ابتدأها بأن قال: الحمد لله الذى أنار حالك الظّلماء، بأنوار بدر السماء؛ وحلّى جيدها، بعقود النجوم، وحرس مشيدها، بسهام الرجوم؛ وجعلها عبرة للاستبصار، ونزهة للأبصار؛ غشاؤها لا زورد مكلل بنضار، أو أقاحىّ خميلة تفتحت فيها أزرار الأزهار؛ تهدى السارى بسواريها، وتزرى بالدرر أنوار دراريها؛ كرع فى نهر مجرّتها النّسران، ورتع فى مراعى رياضها الفرقدان.

стр. 125

أحمده على نعمه التى لا يقوم بشكرها لسان، ولا يؤدّى واجب حقها إنسان؛ حمدا يجلب إلى الحامد أنواع الإحسان، ويسوق إلى الشاكر ركائب الخيرات الحسان. وأصلى وأسلم على سيدنا محمد الذى أنار الله بوجوده ظلمة الوجود، وأظهر بظهوره أفعال الركوع والسجود؛ صلّى الله وسلم عليه وعلى آله الوافين بالعهود، وعلى أصحابه أهل الإفضال والجود، صلاة وسلاما دائمين إلى اليوم الموعود! وبعد فإن فنون الاداب كثيرة الشعوب، متباينة الأسلوب؛ طالما تلاعب الأديب بفنونها بين جدّ ومجون، وكيف لا والحديث ذو شجون. وكنت بحمد الله ممن هو قادر على إبراز ملح الأدب، وعلى إظهار لطائف لغة العرب؛ فتمثّل فى خاطرى المفاخرة بين الشمعدان والقنديل، ولا بدّ من إبراز المفاخرة بينهما فى أحسن تمثيل؛ لأنهما آلتا نور، ونديما سرور؛ طالما مزّقا جلباب الدّجى بأضوائهما، وحسما مادّة الظلمة بأنوارهما؛ وطلعا فى سماء المجالس بدورا، وأخجلا نور الرياض لما أصدرا من جوهرهما نورا. سماكل واحد منهما إلى أنه الأصل، وأن بمدحه يحسن الفصل والوصل؛ وأنه الجوهرة اليتيمه، والبدرة التى ليست لها قيمه؛ سارت بمحاسنه ركائب الركبان، ونظمت فى جيد مجده قلائد العقيان. فأحببت أن أنظمهما فى ميدان المناظرة ليبرز كل واحد منهما خصائصه الواضحه، ويظهر نقائص صاحبه الفاضحه؛ وليتسنم غارب الاستحقاق بالفضيله، ويؤكد فى تقرير فضائله الراجحة دليله؛ مع أنه لا تقبل الدّعاوى إلا بالبرهان، ولعمرى لقد قيل قدما: من تحلّى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد الإمتحان.

стр. 126

فأتلع الشمعدان جيده للمطاوله، وعرض سمهريّه اللجينىّ للمناضله. وقال: استنّت الفصال حتّى القرعى لست بنديم الملوك فى المجالس، كلّا ولا الروضة الغنّاء للمجالس! طالما أحدقت بى عساكر النظار، ووقفت فى استحسان هياكلى رؤية الأبصار؛ وحملت على الرؤوس إذا علّقت بآذانك، وجليت كجلاء المرهفات إذا اسودّ وجهك من دخانك. فنضنض لسان القنديل نضنضة الصّلّ، وارتفع ارتفاع البازى المطلّ. وقال: إن كان فخرك بمجالسة السلاطين، فافتخارى بمجالسة أهل الدين!، طالما طلعت فى أفق المحراب نجما ازداد علا، وازدانت الأماكن المقدّسة بشموس أنوارى حلا؛ جمع شكلى مجموع العناصر، فعلى مثلى تعقد الخناصر؛ يحسبنى الرائى جوهرة العقد الثمين، إذا رأى اصفرار لونك كصفرة الحزين؛ ولقد علوتك فى المجالس زمانا، ومن صبر على حرّ المشقة ارتفع مكانا. فنظر إليه الشمعدان مغضبا، وهمّ بأن يكون عن جوابه منكّبا. وقال: أين ثمنك من ثمنى، ومسكنك من مسكنى؟ صفائحى صفحات الإبريز، فلذا سموت عليك بالتّبريز؛ تنزّه العيون فى حمائلى الذهبيه، وتسر النفوس ببزوغ أنوارى الشمسيه؛ ولا يملكنى إلا من أوطنته السعادة مهادها، وقرّبت له الرياسة جيادها؛ ولقد نفعت فى الصحة والسّقم، وازدادت قيمتى إذا نقصت فى القيم؛ إن انفصمت عراك فلا تشعب، ولا تعاد إلى سبك نار فتصبّ وتقلب؛ لست من فرسان مناظرتى، ولا من قرناء مفاخرتى. فالتفت القنديل التفات الضّرغام، وفوّق إلى قرينه سهام الملام. وقال:

стр. 127

أنت عندى كثعاله، لا محاله؛ طالك العنقود، فأبرزت أنواع الحقود؛ وأين الثريّا من يد المتناول؟ أم أين السها من كف المتطاول؟ تالله إنك فى صرفك بصفرك مغلوط! لقد خصصت بالعلوّ وخصصت بالهبوط. ترى باطنى من ظاهرى مشرقا، وتخالنى لخزائن الأنوار مطلقا؛ فحديث سيادتى مسلسل، وتاج فضائلى بجواهر العلوّ مكلّل. فلحظه الشّمعدان بطرف طرفه، وأرسل فى ميدان المناظرة عنان طرفه. وقال: إنّ افتخارك بالعلوّ غير مفيد، ومزية اختصاصك به ليس له أبّهة مزيد؛ طالما علا القتام وانحطت الفرسان، ومكث الجمر وسما الدّخان؛ ولقد صيّرتك كنظر المشنوق حاله، وكضوء السّها ذباله؛ وأنت الخليق بما قيل: وقلب بلا لبّ، وأذن بلا سمع وسلاسلك تشعر بعقلك، وعتوك ينبئ عن غلوّ إسقاط كمثلك؛ عادلت التبر كفّة بكفّه، ووزنته إذ كان فيه خفه؛ فأصخ لمفاخرى الجليله، واستمع مناقبى الجميله. أطارد جيوش الظّلماء برمحى، وأمزق أثوب الديجور بصبحى؛ جمع عاملى بين طلع النخل. وحلاوة النحل؛ يتلو سورة النور لسانى، ويقوى فى مصادمة عساكر الليل البهيم جنانى؛ أسامر المليك خلوه، ويستجلى من محاسنى أحسن جلوه. ولله درّ القائل: انظر إلى شمعدان شكله عجب ... كروضة روّضت أزهارها السّحب. يطارد الليل رمح فيه من ورق ... سنانه لهب من دونه الذّهب. فمثل هذه المناقب تتلى، ومثل هذه المحاسن تظهر وتجلى.

стр. 128

فأضرم نار تبيينه، فى أحشاء قرينه. فعندها قال القنديل: لقد أطلت الأفتخار بمحاسن غيرك، لّما وقفت فى المناظرة ركائب سيرك؛ فاشكر اليد البيضاء من شمعك، واحرص على معرفة قيمتك ووضعك؛ وأما افتخارك بتلاوة سورة النور، فأنا أحق بها منك إذ محلى الجوامع، والفرقان فارق بينى وبينك مع أنه ليس بيننا جامع؛ ففضيلتى فيه بيّنه، وآية نورى فى سورة النور مبيّنه؛ فاقطع موادّ اللجاجة، واقرأ الآية المشتملة على الزجاجة؛ يظهر لك من هو الأعلى، ومن بالافتخار الأولى؛ تخالنى درّة علّقت فى الهواء، أو كوكبا من بعض كواكب الجوزاء. ولله درّ القائل: قنديلنا فاق بأنواره ... نور رياض لم تزل مزهره. ذبالة فيه إذا أوقدت ... حكت بحسن الوضع نيلوفره. لا يحمل الأقذاء خاطرى، ولا يغتمّ مشاهدى وناظرى؛ فأنا خلاصة السبك، والتبر الذى لا يفتقر إلى الحكّ؛ اشتقاق اسمك من النحوس، ومن جرمك تقام هياكل الفلوس؛ لقد عرّضت نفسك للمنيه، وانعكست عليك موادّ الأمنيه؛ مع أن الحق أوضح من لبّة الصباح، وأسطع من ضوء المصباح؛ والآن غضصت بريقك، وخفيت لوامع بروقك؛ فهذه الشهباء والحلبه، وهذه ميادين المناضلة رحبه. فحار الشمعدان فى الجواب، وجعل ما أبداه أوّلا فصل الخطاب فقال القنديل: لا بدّ من الإقرار بأن قدحى المعلّى، وأنى عليك بالتقديم الأولى؛ وأن مقامى العالى، ونورى المتوالى.

стр. 129

فقال الشمعدان: لا منازعة فيما جاء به الكتاب من تفضيلك، وكونك الكوكب الدّرّىّ الذى قصر عن بلوغك باع مثيلك. فجنح الشمعدان للسلّم، وترفع عن استيطان مواطن الإثم؛ وشرع يبدى شعائر الخضوع، وينشر أعلام الأوبة عما قال والرجوع؛ وقال: لولا حميّة النفوس، ما تجمّلت بمفاخرنا صفحات الطروس؛ ولولا القال والقيل، ما ضمّنا معرض التمثيل؛ ولكن أين صفاؤك من كدرى، وأين نظرك من نظرى؛ خصك الله بنوره، وذكرك فى فرقانه وزبوره. فعندها تهلك أسارير القنديل، وتبسم فرحا بالتعظيم والتبجيل. وقال: حيث رجعنا إلى شرع الإنصاف، وإظهار محاسن الأوصاف؛ ففضلك لا يبارى، ووصفك لا يجارى؛ يحسبك الرائى خميلة نور تفتّحت أزهارها، وحديقة نرجس اطّردت أنهارها؛ تسرّ بك النفوس، وتدار على نضارتك الكؤوس؛ وإن اللائق بحالنا طىّ بساط المنافسه، وإخماد شرر المقابسه؛ والاستغفار فيما فرط من كلامنا، والرجوع إلى الله فى إصلاح أقوالنا وأفعالنا. ونقول: الأصل فيما نقلناه عدمه، فقد حفى كل واحد منا فى إبراز معايبه قلمه. ونسأل الله أن تدوم لنا نعمه، ويتعاهدنا فى المساء والصباح كرمه! بمنه وجوده وكرمه! آمين!

стр. 130

القسم الثالث من الفن الأوّل فى الليالى والأيام، والشهور والأعوام، والفصول والمواسم والأعياد وفيه أربعة أبواب الباب الأوّل من هذا القسم ١- فى الليالى والأيام روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: خلق الله الخلق فى ظلمة. (وروى: فى عماء) ثم رش عليهم من نوره. وهذا يدل على أن الظلمة خلقت قبل النور. وروى أن عبد الله بن عباس (رضى الله عنهما) سئل عن الليل، أكان قبل أو النهار؟ قال: أرأيتم حيث كانت السماوات والأرض رتقا، هل كان بينهما إلا ظلمة؟ ذلك لتعلموا أن الليل كان قبل النهار. والذى ورد فى القرآن من ذكر الليل والنهار، والظلمات والنور بدأ الله بذكر الليل قبل النهار، وبالظلمات قبل النور. ويروى أن الله لما خلق السماء والأرض، وقع ظل السماء على الأرض فأظلمت، فجعل الشمس ضياء والقمر نورا.

стр. 131

ثم خلق الزمان وقسمه قسمين: ليلا، ونهارا. فجعل حصة الليل للقمر، وحصة النهار للشمس. فكانا يتعاقبان بالطلوع فيهما، فلم يكن بين الليل والنهار فرق فى الإضاءة. فلما أراد الله خلق النوع الإنسانىّ- وعلم أنه لا غنى له عن حركته للمعاش نهارا وسكونه للراحة ليلا- أمر جبريل فأمرّ جناحه على القمر فمحا نوره. فالسواد الذى يرى فى القمر هو أثر المحو، وصار الليل مظلما، والنهار مبصرا. وروى أيضا أن الله خلق حجابا من ظلمة مما يلى المشرق، ووكّل به ملكا يقال له سراهيل. فإذا انقضت مدّة النهار، قبض الملك قبضة من تلك الظلمة واستقبل بها المغرب، فلا تزال الظلمة تخرج من خلل أصابعه وهو يراعى الشفق. فإذا غاب الشفق، بسط كفه فطبق الدّنيا ظلمة. فإذا انقضت مدّة الليل، قبض كفه على الظلمة، إصبعا بعد إصبع إلى أن يذهب الظلام، حتّى تنتقل الشمس من الشرق إلى الغرب. وذلك من أشراط الساعة. والله أعلم! ٢- ذكر ما قيل فى الليل وأقسامه الليل طبيعىّ، وشرعىّ. أما الطبيعىّ، فهو من حين غروب الشمس واستتارها إلى طلوعها وظهورها. وأمّا الشرعىّ، فهو من حين غروبها إلى طلوع الفجر الثانى، وهو المراد بقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) . والليل ينقسم إلى اثنتى عشرة ساعة، لها أسماء وضعتها العرب، وهى:

стр. 132

الشاهد، ثم الغسق، ثم العتمة، ثم الفحمة، ثم الموهن، ثم القطع، ثم الجوشن ثم العبكة [١] ، ثم التّباشير، ثم الفجر الأوّل، ثم الفجر الثانى، ثم المعترض. هذا ما ذكره ابن النحاس فى وصف صناعة الكتاب. وحكى الثعالبىّ فى فقه اللغة- عن حمزة الأصفهانىّ، قال: وعليه عهدته- أسماء غير هذه، وهى: الجهمة، والشّفق، والغسق، والعتمة، والسّدفة، والزّلّة [٢] ، والزّلفة، والبهرة، والسّحر، والفجر، والصّبح، والصّباح. فصل وقد عبّر بالليالى عن الأيام، كقول الله : (وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً) ؛ وقوله تعالى: (وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ) . فعبر عن الأيام بالليالى، لأن كل ليلة تتضمن يوما. ٣- ذكر الليالى المشهورة من الليالى المشهورة: ليلة البراءة. وهى ليلة النصف من شعبان، قيل سميت بذلك لأنها براءة لمن يحييها؛ وليلة القدر. والصحيح أنها فى مفردات العشر الأخير من شهر رمضان؛ وليلة الغدير. وهى ليلة الثامن عشر من ذى الحجة؛

стр. 133

وليلة الهرير. وهى ليلة من ليالى صفّين، قتل فيها خلق كثير من أصحاب معاوية (رضى الله عنه) ؛ وليلة الخلعاء. وهى ليلة باتها أبو الطّمحان القينىّ عند ديرانية، فأكل طفيشلها [١] بلحم الخنزير، وشرب خمرها، وزنى بها، وسرق كساءها؛ وليلة النابغة. يضرب بها المثل فى الخوف؛ وليلة المتوكل. تضرب مثلا فى موت نتج من سرور، لأنه قتل فى مجلس أنسه، على ما نذكره فى أخباره إن شاء الله تعالى. ٤- ذكر ما يتمثّل به مما فيه ذكر الليل يقال: أطغى من الليل. أطفل من ليل على نهار. أحير من الليل. أستر من الليل. أظلم من الليل. أندى من ليلة ماطرة. ويقال: الليل أخفى للويل. الليل نهار الأريب. الليل طويل وأنت مقمر. الليل وأهضام الوادى. الليل أغور (لأنه لا يبصر فيه) . ويقال: اتخذ الليل جملا. شمّر ذيلا، وادّرع ليلا. أمر نهار قضى بليل.

стр. 134

ومن أنصاف الأبيات: الليل حبلى ليس تدرى ما تلد ما أقصر الليل على الراقد! ما أشبه الليلة بالبارحه! وليل المحبّ بلا آخر إحدى لياليك فهيسى هيسى! فإنّك كالليل الذى هو مدركى ومن الأبيات: إن اللّيالى لم تحسن إلى أحد ... إلا أساءت إليه بعد إحسان. واللّيالى كما عهدت حبالى ... مقربات يلدن كلّ عجيب. أما ترى اللّيل والنهارا ... جارين لا يبقيان جارا؟ وقال حميد بن ثور: ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تمنّيا! وقال أبو حية النّميرىّ: إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة، ... تقاضاه شىء لا يملّ التّقاضيا. ٥- ذكر ما قيل فى وصف الليل وتشبيهه قد أكثر الشعراء فى وصف الليل بالطّول والقصر. وذكروا سبب الطول الهموم وسبب القصر السرور. ولهذا أشار بعض الشعراء فى قوله: إنّ الليالى للأنام مناهل ... تطوى وتنشر بينها الاعمار. فقصارهنّ مع الهموم طويلة، ... وطوالهنّ مع السرور قصار.

стр. 135

وقال آخر: إنّ التّواصل فى أيامه قصر، ... كما التهاجر فى أيّامه طول. فليس يعرف تسهيدا ولا رمدا ... جفن برؤية من يهواه مشغول. وقال ابن بسّام: لا أظلم الليل ولا أدّعى ... أنّ نجوم الليل ليست تغور. ليل كما شاءت فإن لم تزر، ... طال؛ وإن زارت، فليل قصير. أصله من قول علىّ بن الخليل: لا أظلم الليل ولا أدّعى ... أنّ نجوم الليل ليست تعول. ليل كما شاءت قصير إذا ... جادت، وإن صدّت، فليل طويل. وقال آخر: أخو الهوى يستطيل الليل من سهر، ... والليل فى طوله جار على قدره. ليل الهوى سنة فى الهجر مدّته؛ ... لكنّه سنة فى الوصل من قصره. وقال الوليد بن يزيد بن عبد الملك: لا أسأل الله تغييرا لما صنعت: ... نامت وقد أسهرت عينىّ عيناها. فالليل أطول شىء حين أفقدها ... والليل أقصر شىء حين ألقاها. ٦- وأما ما وصف به من الطول قال الخبّاز: وليل كواكبه لا تسير ... ولا هو منها يطيق البراحا. كيوم القيامة فى طوله ... على من يراقب فيه الصّباحا.

стр. 136

وقال ابن المعتزّ: مالى أرى الليل مسبلا شعرا ... عن غرّة الصّبح غير مفروق. وقال بشار: خليلىّ! ما بال الدّجى لا يزحزح، ... وما بال ضوء الصّبح لا يتوضّح؟ أضلّ النّهار المستنير طريقه؟ ... أم الدّهر ليل كلّه ليس يبرح؟ وقال الرّفاء: ألا ربّ ليل بتّ أرعى نجومه ... فلم أغتمض فيه ولا اللّيل أغمضا. كأنّ الثّريّا راحة تشبر الدّجى ... لتعلم طال اللّيل لى أم تعرّضا. عجبت لليل بين شرق ومغرب ... يقاس بشبر كيف يرجى له انقضا؟ وقال محمد بن عاصم: أقول، واللّيل دجى مسبل ... والأنجم الزّهر به مثّل: يا طول ليل ما له آخر ... منك، وصبح ماله أوّل! وقال التنوخىّ: وليلة كأنّها قرب أمل ... ظلامها كالدّهر ما فيه خلل. كأنّما الإصباح فيها باطل ... أزهقه الله بحقّ، فبطل. ساعاتها أطول من يوم النّوى ... وليلة الهجر وساعات العذل. مؤصدة على الورى أبوابها ... كالنار لا يخرج منها من دخل. وقال أبو محمد، عبد الله بن السيّد البطليوسىّ: ترى ليلنا شابت نواصيه كبرة ... كما شبّ، أوفى الجوّ روض نهار؟ كأنّ الليالى السّبع فى الأفق جمّعت ... ولا فصل فيما بينها بنهار.

стр. 137

وقال الشريف البياضىّ: أقول لصحبى والنجوم كأنّها، ... وقد ركدت فى بحر حندسها غرقى: أرى ثوب هذا اللّيل لا يعرف البلى! ... فهل أرين للصّبح فى ذيله فتقا؟ وقال أيضا: أقول وللدّجى عمر مديد ... وآخره يردّ إلى معاد. وقد ضلّت كواكبه، فظلّت ... حيارى ما لها فى الأفق هادى: لعلّ الليل مات الصّبح فيه، ... فلازم بعده لبس الحداد. وقال آخر: أما لظلام ليلى من صباح؟ ... أما للنّجم فيه من براح؟ كأنّ الأفق سدّ، فليس يرجى ... به نهج إلى كلّ النواحى. كأنّ الشّمس قد مسخت نجوما ... تسير مسير روّاد طلاح. كأنّ الصّبح مهجور طريد، ... كأنّ الليل مات صريع راح. كأنّ بنات نعش متن حزنا، ... كأنّ النّسر مكسور الجناح. وقال آخر: يا ليلة طالت على عاشق، ... منتظر للصّبح ميعادا! كادت تكون الحول فى طولها؛ ... إذا مضى أوّلها، عادا. وقال ابن الرومىّ: ربّ ليل كأنّه الدّهر طولا ... قد تناهى فليس فيه مزيد. ذى نجوم كأنّهنّ نجوم الشّ ... يب ليست تزول، لكن تزيد.

стр. 138

وقال أبو الأحنف: حدّثونى عن النّهار حديثا ... أو صفوه، فقد نسيت النّهارا. وقال بشّار: طال هذا اللّيل بل طال السّهر! ... ولقد أعرف ليلى بالقصر. لم يطل حتّى دهانى فى الهوى ... ناعم الأطراف فتّان النّظر. فكأنّ الهجر شخص ماثل ... كلّما أبصره النّوم نفر. وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ: يا ليل وجد ينجد ... أما لطيفك مسرى؟ وما لدمعى طليق ... وأنجم الجوّ أسرى؟ وقد طما بحر ليل ... لم يعقب المدّ جزرا. لا يعبر الطّرف فيه ... غير المجرّة جسرا. وقال أبو مروان بن أبى الخصال: وليل كأنّ الدّهر أفضى بعمره ... جميعا إليه، فانتهى فى ابتدائه. يحدّث بعض القوم بعضا بطوله، ... ولم يمض منه غير وقت عشائه. وقال إبراهيم ولد ابن لنكك البصرىّ، شاعر اليتيمة: وليلة أرّقنى طولها ... فبتّها فى حيرة الذّاهل. كأنّما اشتقّت لإفراطها ... فى طولها من أمل الجاهل. وقال امرؤ القيس: وليل كموج البحر مرخ سدوله ... علىّ بأنواع الهموم ليبتلى. فقلت له لما تمطّى بصلبه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل:

стр. 139

ألا أيّها الليل الطويل، ألا انجلى ... بصبح! وما الإصباح منك بأمثل! فيا لك من ليل كأنّ نجومه ... بأمراس كتّان إلى صمّ جندل. وقال آخر: أراقب فى السّماء بنات نعش؛ ... ولو أسطيع، كنت لهنّ حادى. كأنّ اللّيل أوثق جانباه ... وأوسطه بأمراس شداد. وقال أخرم بن حميد: وليل طويل الجانبين قطعته ... على كمد، والدّمع تجرى سواكبه. كواكبه حسرى عليه كأنها ... مقيّدة دون المسير كواكبه. وقال ابن الرقاع: وكأنّ ليلى حين تغرب شمسه ... بسواد آخر مثله موصول. أرعى النجوم. إذا تغيب كوكب، ... أبصرت آخر كالسّراج يجول. وقال آخر: ما لنجوم اللّيل لا تغرب؟ ... كأنّها من خلفها تجذب! رواكد ما غار فى غربها ... ولا بدا من شرقها كوكب. وقال سعيد بن حميد: يا ليل، بل يا أبد! ... أنائم عنك غد؟ يا ليل لو تلقى الّذى ... ألقى بها أو تجد، قصّر من طولك أو ... ضعّف منك الجلد!

стр. 140

وقال سيف الدّين المشدّ: مات الصّباح بليل ... أحييته حين عسعس. لو كان فى الدّهر صبح ... يعيش، كان تنفّس. ٧- أما ما وصف به من القصر فمن ذلك قول إبراهيم بن العباس: وليلة إحدى الليالى الزّهر، ... قابلت فيها بدرها ببدرى. لم تك غير شفق وفجر، ... حتّى تولّت وهى بكر الدّهر. وقال الشريف الرضىّ: يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسّحر. وقال آخر: يا ليلة جمعتنا بعد فرقتنا ... فبتّ من صبحها لمّا بدا، فرقا. لما خلوت بآمالى بها، قصرت ... وكاد يسبق فيها فجرها الغسقا. وقال آخر: يا ربّ ليل سرور خلته قصرا ... يعارض البرق فى أفق الدّجى برقا. قد كاد يعثر أولاه بآخره ... وكاد يسبق منه فجره الشّفقا. وقال القاضى السعيد بن سناء الملك: يا ليلة الوصل، بل يا ليلة العمر! ... أحسنت، إلا إلى المشتاق، فى القصر. يا ليت زيد بحكم الوصل فيك لنا ... ما طوّل الهجر من أيامك الأخر.

стр. 141

أو ليت نجمك لم تقفل ركائبه، ... أو ليت صبحك لم يقدم من السّفر. أو ليت لم يصف فيك الشرق من غبش، ... فذلك الصّفو عندى غاية الكدر. أو ليت كلّا من الشرقين ما ابتسما، ... أو ليت كلّا من النّسرين لم يطر. أو ليت كنت كما قد قال بعضهم: ... «ليل الضّرير فصبحى غير منتظر» . أو ليت فجرك لم ينفر به رشئى، ... أو ليت شمسك ما جارت على قمرى. أو ليت قلبى وطرفى تحت ملك يدى ... فزدت فيه سواد القلب والبصر. أو ليت ألقى حبيبى سحر مقلته ... على العشاء فأبقاها بلا سحر. أوليت كنت سألتيه مساعدة ... فكان يحبوك بالتكحيل والشّعر. كأنّها حين ولّت قمت أجذبها ... فانقد فى الشّرق منها الثّوب من دبر. لا مرحبا بصباح جاءنى بدلا ... من غرّة النّجم أو من طلعة القمر! وقال عبد الله بن المعتز: يا ليلة ما كان أط ... يبها سوى قصر البقاء! أحييتها فأمتّها ... وطويتها طىّ الرداء. حتّى رأيت الشمس تت ... لو البدر فى أفق السماء. فكأنه وكأنّها ... قدحان من خمر وماء. وقال المهلبى: قد قصر الليل عند ألفتنا ... كأن حادى الصّباح صاح به. وقال آخر: كأنّما الليل راكب فرسا ... منهزما والصّباح فى طلبه.

стр. 142

٨- أما ما وصف به من الإشراق فمن ذلك قول شاعر أندلسىّ: ربّ ليل عمرته ... فيك خال من الفكر. كثرت حوله الحجو ... ل وسارت به الغرر. وقال أبو بكر الصنوبرى: يا ليلة طلعت بأسعد طالع ... تاهت على ضوء النهار السّاطع. بمحاسن مقرونة بمحاسن ... وبدائع موصولة ببدائع. ضوء الشّموع وضوء وجهك مازجا ... ضوء العقار وضوء برق لامع. فكأنّما ألقى الدّجى جلبابه ... وأراك جلباب النّهار الساطع. ٩- أما ما وصف به من الظلمة قال الله : (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ) . فهذه أتمّ أوصاف الظلمة. وقال مضرّس بن ربعىّ: وليل يقول الناس فى ظلماته: ... سواء صحيحات العيون وعورها كأنّ لنا منه بيوتا حصينة ... مسوح [١] أعاليها وساج كسورها وقال أبو تمام: إليك هتكنا جنح ليل كأنّما ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد

стр. 143

وقال أبو نواس: أبن لى: كيف صرت إلى حريمى، ... وجفن الليل مكتحل بقار وقال العلوىّ الأصفهانىّ: وربّ ليل باتت عساكره ... تحمل فى الجوّ سود رايات لامعة فوقها أسنّتها ... مثل الأزاهير وسط روضات ومن رسالة لابى عبد الله بن أبى الخصال. جاء منها: والليل زنجىّ الأديم، تبرىّ النجوم؛ قد جلّلنا ساجه، وأغرقتنا أمواجه؛ فلا مجال للّحظ، ولا تعارف إلا باللفظ؛ ولو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، ولو خضبت به الشّيبة ما نصلت. ١٠- ومما قيل فى تباشير الصباح قال أبو محمد العلوىّ: كأنّ اخضرار الجوّ صرح ممرّد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب. كأنّ سواد اللّيل فى ضوء صبحه ... سواد شباب فى بياض مشيب. وقال أبو علىّ بن لؤلؤ، الكاتب: ربّ فجر كطلعة البدر جلّى ... جنح ليل كطلعة الهجران، زار فى حلّة النراة فولّى الل ... يل عنه فى حلّة الغربان. وقال الخالديّان: وكأنّما الصّبح المنير وقد بدا ... باز [١] أطار من الظّلام غرابا.

стр. 144

وقال النظام البلخىّ، من شعراء الخريدة: فلاح الصبح مبتسم الثّنايا ... وطار اللّيل مقصوص الجناح. يطير غراب أو كار الدّياجى ... إذا ما حلّ بازىّ الصّباح. وقال تميم بن المعزّ: وكأنّ الصّباح فى الأفق باز ... والدّجى بين مخلبيه غراب. وقال ابن وكيع: غرّد الطير فنبّه من نعس. ... وأدر كأسك فالعيش خلس! سلّ سيف الفجر من غمد الدّجى ... وتعرّى الصبح من ثوب الغلس. وانجلى فى حلة فضّيّة ... ما بها من ظلمة اللّيل دنس. وقال أبو مروان بن أبى الخصال: ولمّا رأيت الغرب قد غصّ بالدّجى ... وفى الشّرق من ثوب الصّباح دلائل، توهّمت أن الغرب بحر أخوضه ... وأن الذى يبدو من الشّرق ساحل. وقال أسعد بن بليطة الأندلسىّ: جرت بمسك الدّجى كافورة السّحر ... فغاب، إلا بقايا منه فى الطّرر، صبح يفيض وجنح الليل منغمس ... فيه كما غرق الزنجىّ فى نهر. قد حار بينهما فى برزخ قمر ... يلوح كالشّنف بين الخدّ والشّعر. وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ: بتنا كأنّ حداد الليل شملتنا ... حتّى بدا الصبح فى ثوب سحولىّ. كأنّ ليلتنا، والصبح يتبعها، ... زنجيّة هربت قدّام رومىّ.

стр. 145

وقال أبو نواس: فقمت والليل يجلوه الصّباح، كما ... جلا التّبسم عن غرّ الثّنيّات. وقال عبد الله بن المعتزّ: قد أغتدى واللّيل فى جلبابه ... كالحبشىّ فرّ من أصحابه. والصّبح قد كشّر عن أنيابه ... كأنّما يضحك من ذهابه. وقال السرىّ: وشرّد الصبح عنّا الليل فاتّضحت ... سطوره البيض فى آياته السّود. وقال أبو فراس: مددنا علينا الليل، والليل راضع ... إلى أن تردّى رأسه بمشيب. بحال تردّ الحاسدين بغيظهم ... وتطرف عنّا عين كلّ رقيب. إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنه ... مبادى نصول فى عذار خضيب. وقال عبد الصمد بن بابك، شاعر اليتيمة: واستهلّت لمصرع الليل ورق ... ثاكلات، حدادها التّطويق. فتضاحكت شامتا وكأنّ الص ... بح جيب على الدّجى مشقوق. وقال أبو بكر الصنوبرىّ: وليلة كالرّفرف المعلم ... محفوفة الظّلماء بالأنجم. تعلّق الفجر بأرجائها، ... تعلّق الأشقر بالادهم. وقال السلامىّ، شاعر اليتيمة: وقد خالط الفجر الظّلام كما التقى ... على روضة خضراء ورد وأدهم.
следующие страницы →