القسم الثانى من الفن الأوّل فى الآثار العلوية وفيه أربعة أبواب
الباب الأوّل من القسم الثانى من الفن الأوّل
١- فى السحاب، وسبب حدوثه، وفى الثّلج والبرد
والسحاب من الآثار العلوية.
روى أبو الفرج بن الجوزىّ بإسناد يرفعه إلى عبيد ابن عمير أنه قال: يبعث الله ريحا فتقمّ الأرض، ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، وذلك أنها تحمل الماء فتمجّه.
فى السحاب، ثم يمريه فيدرّكما تدرّ اللّقحة.
وقد روى فى الأثر أن الرياح أربع: ريح تقم؛ وريح تثير، فتجعله كسفا؛ وريح تؤلّف، فتجعله ركاما؛ وريح تمطر.
وروى عن عبد الله بن عباس (رضى الله عنهما) أنه قال: إن الله تعالى يرسل الرياح فتثير سحابا، وينزل عليه المطر فتتمخض به الريح كما تمخض النّتوج بولدها.
وروى عن عكرمة (رضى الله عنه) أنه قال: ينزل الله الماء من السماء السابعة
стр. 72
فتقع القطرة على السحاب مثل البعير، والسحاب للمطر كالغربال ينزل منه بقدر.
ولولا ذلك لأفسد ما على الأرض.
وقال الزمخشرى فى تفسيره: السحاب من السماء ينحدر، ومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم أنه يأخذ من البحر. ويؤيد ذلك قوله (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ) .
٢- ذكر ما قيل فى ترتيب السحاب
(وأسمائه اللغوية وأصنافه) قال أبو منصور، عبد الملك بن محمد الثعالبىّ فى فقه اللغة، ينقله عن أئمتها:
أوّل ما ينشأ السحاب، فهو نشء.
فإذا انسحب فى الهواء، فهو السحاب.
فإذا تغيرت وتغممت له السماء، فهو الغمام.
فإذا كان غيم ينشأ فى عرض السماء فلا تبصره، وإنما تسمع رعده، فهو العقر.
فإذا أطلّ وأظلّ السماء، فهو العارض.
فإذا كان ذا رعد وبرق، فهو العرّاص.
فإذا كانت السحابة قطعا صغارا متدانيا بعضها من بعض، فهى النّمرة.
فإذا كانت متفرّقة، فهى القزع.
فإذا كانت قطعا متراكمة، فهى الكرفئ (واحدتها كرفئة) .
فإذا كانت قطعا كأنها قطع الجبال، فهى قلع، وكنهور (واحدتها كنهورة) .
فإذا كانت قطعا رقاقا، فهى الطّخارير (واحدتها طخرور) .
стр. 73
فإذا كانت حولها قطع من السحاب، فهى مكلّلة.
فإذا كانت سوداء، فهى طخياء، ومتطخطخة.
فإذا رأيتها وخسبتها ما طرة، فهى مخيّلة.
فإذا غلظ السحاب وركب بعضه بعضا، فهو المكفهّر.
فإذا ارتفع ولم ينبسط، فهو النّشاص.
فإذا تقطع فى أقطار السماء وتلبّد بعضه فوق بعض، فهو القرد.
فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق، فهو العماء، والعماية، والطّخاء، والطّخاف، والطّهاء.
فإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء، فهو الحبىّ.
فإذا عنّ، فهو العنان.
فإذا أظل الأرض، فهو الدّجن.
فإذا اسودّ وتراكب، فهو المحمومى.
فإذا تعلق سحاب دون السحاب، فهو الرّباب.
فإذا كان سحاب فوق سحاب، فهو الغفارة.
فإذا تدلّى ودنا من الأرض مثل هدب القطيفة، فهو الهيدب.
فإذا كان ذا ماء كثير، فهو القنيف.
فإذا كان أبيض، فهو المزن، والصّبير.
فإذا كان لرعده صوت، فهو الهزيم.
стр. 74
فإذا اشتدّ صوت رعده، فهو الأجشّ.
فإذا كان باردا وليس فيه ماء، فهو الصّرّاد [١] .
فإذا كان ذا صوت شديد، فهو الصّيّب.
فإذا أهرق ماءه، فهو الجهام (وقيل بل الجهام الذى لا ماء فيه) .
٣- ذكر ما قيل فى ترتيب المطر
قال الثعالبىّ ﵀: أخفّ المطر وأضعفه الطّلّ، ثم الرّذاذ، ثم البغش والدّثّ ومثله الرّكّ، ثم الرّهمة.
ويقال أيضا: أوّله رشّ وطشّ، ثم طلّ وزذاذ، ثم نضح ونضخ، وهو قطر بين قطرين، ثم هطل وتهتان، ثم وابل وجود.
٤- ذكر ما قيل فى فعل السحاب والمطر
يقال إذا أتت السماء بالمطر اليسير [٢] الخفيف: حفشت، وحشكت.
فإذا استمرّ قطرها، قيل: هطلت، وهتنت.
فإذا صبّت الماء، قيل: همعت، وهضبت.
فإذا ارتفع صوت وقعها، قيل: انهلّت، واستهلّت.
стр. 75
فإذا سال المطر بكثرة، قيل: انسكب، وانبعق.
فإذا سال يركب بعضه بعضا، قيل: اثعنجر، واثعنجج.
فإذا دام أياما لا يقلع، قيل: أثجم، وأغبط، وأدجن.
فإذا أقلع، قيل: أنجم، وأفصم، وأفصى.
٥- ذكر أسماء أمطار الأزمنة
قالت العرب: أوّل ما يبدأ المطر فى إقبال الشتاء، فاسمه الخريف، ثم يليه الوسمىّ، ثم الرّبيع، ثم الصّيّف، ثم الحميم.
وقيل المطر الأوّل هو الوسمىّ، ثم يليه الولى، ثم الربيع، ثم الصّيّف، ثم الحميم.
٦- ذكر أسماء المطر اللغوية
قال الثعالبىّ:
إذا أحيا الأرض بعد موتها، فهو الحيا.
فإذا جاء عقيب المحل أو عند الحاجة إليه، فهو الغيث.
فإذا دام مع سكون، فهو الدّيمة. والضّرب فوق ذلك قليلا، والهطل فوقه.
فإذا زاد، فهو الهتلان، والهتّان، والتّهتان.
فإذا كان القطر صغارا كانه شذر، فهو القطقط.
فإذا كانت مطرة ضعيفة، فهى الرّهمة.
فإذا كانت ليست بالكثيرة، فهى الغبية، والحفشة، والحشكة.
стр. 76
فإذا كانت ضعيفة يسيرة، فهى الذّهاب، والهميمة. [١]
فإذا كان المطر مستمرّا، فهو الودق.
فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع، فهو الوابل.
فإذا انبعق بالماء، فهو البعاق.
فإذا كان يروى كل شىء، فهو الجود.
فإذا كان عامّا، فهو الجدا.
فإذا دام أيّاما لا يقلع، فهو العين.
فإذا كان مسترسلا سائلا، فهو المرثعنّ.
فإذا كان كثير القطر، فهو الغدق.
فإذا كان شديد الوقع كثير الصّوب، فهو السّحيفة. [٢]
فإذا كان شديدا كثيرا، فهو العزّ، والعباب.
فإذا جرف ما مرّ به، فهو السّحيقة. [٣]
فاذا قشرت وجه الأرض، فهى السّاحية.
فإذا أثرت فى الأرض من شدّة وقعها، فهى الحريصة.
فإذا أصابت القطعة من الأرض وأخطأت الأخرى، فهى النّفضة.
فإذا جاءت المطرة لما يأتى بعدها، فهى الرّصدة، والعهاد نحو منها.
стр. 77
فإذا أتى المطر بعد المطر، فهو الولى.
فإذا رجع وتكرر، فهو الرّجع.
فإذا تتابع، فهو اليعلول.
فإذا جاءت المطرة دفعات، فهى الشّآبيب.
٧- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر المطر
يقال: أبرد من غبّ المطر. أرقّ من دمع الغمام. أسرع من السيل إلى الحدور. أطغى من السيل. أغشم من السيل. أمضى من السيل. يذهب يوم الغيم ولا يشعر به. قد بلغ السيل الزّبى. اضطره السيل إلى معطشه. أرنيها نمره، أريكها مطره. سبق سيله مطره. قبل السحاب أصابنى الوكف.
ومن أنصاف الأبيات:
هل يرتجى مطر بغير سحاب
وأوّل الغيث طلّ ثم ينسكب
سحابة صيف عن قريب تقشّع
فدرّكما درّ السّحاب على الرّعد
أسرع السّحب فى المسير الجهام
ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟
سحاب عدانى فيضه وهو صيّب
يحسب الممطور أن كلّ مطر
سال به السّيل وما يدرى به
ومن الأبيات قول الطائى:
وكذا السّحائب، قلّما تدعو إلى ... معروفها الرّوّاد ما لم تبرق.
стр. 78
وقال البحترىّ عفى عنه:
واعلم بأنّ الغيث ليس بنافع ... ما لم يكن للنّاس فى إبّانه.
وقال أبو الطّيّب:
ليت الغمام الّذى عندى صواعقه ... يزيلهنّ إلى من عنده الدّيم!
وقال كثيّر:
كما أبرقت يوما عطاشا غمامة. ... فلمّا رجوها، أقشعت وتجلّت.
وقال آخر:
أنا فى ذمّة السّحاب وأظما! ... إنّ هذا لوصمة فى السّحاب!
وقال آخر:
والله ينشى سحابا تطمئنّ به النّ ... فوس من قبل بلّ الأرض بالمطر.
٨- ذكر شىء مما قيل في وصف السحاب والمطر
قال أبو تمّام الطائى:
سحابة صادقة الأنواء ... تجرّ أهدابا على البطحاء.
تجمع بين الضّحك والبكاء: ... بدت بنار وثنت بماء.
وقال أبو عبادة البحترىّ عفا الله تعالى عنه:
ذات ارتجاس بحنين الرّعد ... مجرورة الذّيل صدوق الوعد،
مسفوحة الدّمع بغير وجد ... لها نسيم كنسيم الورد،
стр. 79
ورنّة مثل زئير الأسد ... ولمع برق كسيوف الهند.
جاءت بها ريح الصّبا من نجد ... فانتثرت مثل انتثار العقد.
وراحت الأرض بعيش رغد ... من وشى أنوار الثّرى فى برد.
كأنما غدرانها فى الوهد ... يلعبن ترحابا بها بالرّند.
وقال أبو الحسن علىّ بن القاسم القاشانى من شعراء اليتيمة عفى عنه:
إذا الغيوم ارجحنّ باسقها ... وحفّ أرجاءها بوارقها،
وعبّيت للثّرى كتائبها ... وانتصبت وسطها عقائقها،
وجلجل الرعد بينها فحكى ... خفق طبول ألحّ خافقها،
وابتسمت فرحة لوامعها ... واختلفت عبرة حمالقها،
وقيل: طوبى لبلدة نتجت ... بجوّ أكنافها بوارقها.
أيّة نعماء لا تحلّ بها؟ ... وأىّ بأساء لا تفارقها؟
وقال القاضى التّنوخىّ:
سحاب أتى كالأمن بعد تخوّف ... له فى الثّرى فعل الشّفاء بمدنف.
أكبّ على الآفاق إكباب مطرق ... يفكّر أو كالنّادم المتلهف.
ومدّ جناحيه على الأرض جانحا ... فراح عليها كالغراب المرفرف.
غدا البرّ بحرا زاخرا وانثنى الضّحى ... بظلمته فى ثوب ليل مسجّف.
فعبّس عن برق به متبسّم ... عبوس بخيل فى تبسّم معتف.
تحاول منه الشمس فى الجوّ مخرجا ... كما حاول المغلوب تجريد مرهف.
стр. 80
وقال ابن الرومىّ:
سحائب قيست بالبلاد فألفيت ... غطاء على أغوارها ونجودها.
حدتها النّعامى مقبلات فأقبلت ... تهادى رويدا سيلها كركودها.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
وبرق سرى، واللّيل يمحى سواده ... فقلت: سوار فى معاصم أسمرا!
وقد سدّ عرض الأفق غيم تخاله ... يزرّ على الدّنيا قميصا معنبرا.
تهادى على أيدى الحبائب والصّبا ... كخرق من الفتيان نازع مسكرا.
تخال به مسكا وبالقطر لؤلؤا ... وبالرّوض ياقوتا وبالوحل عنبرا.
سواد غمام يبعث الماء أبيضا ... وغرّة أرض تنبت الزّهر أصفرا.
أتتك به أنفاس ريح مريضة ... كمفظعة رعناء تستاق عسكرا.
فألقى على الغدران درعا مسرّدا ... وأهدى إلى القيعان بردا محبّرا.
تخال الحيا فى الجوّ درّا منظّما ... وفى وجنات الرّوض درّا منثّرا.
وأقبل نشر الأرض فى نفس الصّبا ... فبات به ثوب الهواء معطّرا.
إذا ما دعت فيه الرّعود فأسمعت ... أجاب حداة واستهلّ فأغزرا.
ويبكى إذا ما أضحك البرق سنّه ... فيجعل نار البرق ماء مفجّرا.
كأنّ به رؤد الشّباب خريدة ... قد اتّخذت ثنى السّحابة معجرا.
فثغر يرينا من بعيد تبلّجا ... ودمع يرينا من بعيد تحدّرا.
стр. 81
وقال مؤيد الدين الطّغرائى:
سارية ذات عبوس برقها ... يضحك والأجفان منها تهمل.
كحلّة دكناء فى حاشية ... فيها طراز مذهب مسلسل.
إذا دنت عشارها، صاح بها ... قاصف رعد وحدتها الشمأل.
وقال عبد الله بن المعتزّ:
ومزنة جاد من أجفانها المطر: ... فالرّوض منتظم والقطر منتثر.
ترى مواقعه فى الأرض لائحة ... مثل الدراهم تبدو ثم تستتر.
وقال أيضا:
ما ترى نعمة السّماء على الأر ... ض وشكر الرّياض للأمطار؟
وكأنّ الرّبيع يجلو عروسا ... وكأنّا من قطره فى نثار!
وقال ابن عوف الكاتب فى إطباق الغيم وقربه:
فى مزنة أطبقت فكادت ... تصافح التّرب بالغمام.
وقال آخر:
تبسّمت الرّيح، ريح الجنو ... ب فيها هوى غالبا وادّكارا.
وساقت سحابا كمثل الجبال ... إذا البرق أومض فيه، أنارا.
إذا الرّعد جلجل فى جانبي ... هـ، روّى النّبات وأروى الصّحارى.
تطالعنا الشّمس من دونه ... طلاع فتاة تخاف اشتهارا،
تخاف الرّقيب على نفسها ... وتحذر من زوجها أن يغارا.
فتستر غرّتها بالخما ... ر طورا، وطورا تزيل الخمارا.
стр. 82
فلمّا رآه هبوب الجنو ... ب وانهمز الماء فيه انهمارا،
تبسّمت الأرض لمّا بكت ... عليها السّماء دموعا غزارا!
وقال الأسعد بن بليطة من شعراء الذخيرة:
لو كنت شاهدنا عشيّة أمسنا ... والمزن تبكينا بعينى مذنب،
والشمس قد مدّت أديم شعاعها ... فى الأرض تجنح غير أن لم تذهب
خلت الرّذاذ برادة من فضّة ... قد غربلت من فوق نطع مذهب!
وقال أبو عبد الله محمد بن الخياط من شعرائها:
راحت تذكّر بالنّسيم الرّاحا ... وطفاء تكسر للجنوح جناحا.
أخفى مسالكها الظلام فأوقدت ... من برقها
كى تهتدى، مصباحا. ... وكأنّ صوت الرّعد خلف سحابها
حاد إذا ونت السحائب، صاحا. ... جادت على التّلعات فاكتست الرّبا
حللا أقام لها الرّبيع وشاحا.
وقال ابن برد الأصغر الأندلسىّ من شعرائها:
وما زلت أحسب فيه السّحاب، ... ونار بوارقها تلتهب:
نجاتىّ توضع فى سيرها ... وقد قرعت بسياط الذّهب.
ومما ورد فى وصفها نثرا قال بعض الأندلسيّين من رسالة:
ثم أرسل الله الرياح من كنائنها، وأخرجها من خزائنها؛ قجرّت ذيولها، وأجرت خيولها؛ خافقة بنودها، متلاحقة جنودها؛ فأثارت الغمام، وقادته بغير زمام؛ وأنشأت بحريّة من السحاب، ذات أتراب وأصحاب؛ كثيرا عددها، غزيرا مددها،
стр. 83
فبشّرت بالقطر كلّ شائم، وأنذرت بالورد كلّ حائم، والريح تنثّها، والبرق يحثّها، كأنه قضيب من ذهب، أو لسان من لهب؛ وللسحاب من ضوء البرق هاد، ومن صوت الرعد حاد؛ والريح توسع بلحمتها سداها، وتسرع فى حياكتها يداها. فلما التحم فتقها، والتأم رتقها؛ وامتدّت أشطانها، واتسعت أعطانها؛ وانفسحت أجنابها، وانسدلت أطنابها؛ وتهدّل خملها، وتمخض حملها؛ ومدّت على آفاق السماء نطاقها، وزرّت على أعناق الجبال أطوافها، كأنها بناء على الجوّ مقبوب، أو طبق على الأرض مكبوب؛ تمشى من الثقل هونا، وتستدعى من الريح عونا؛ ومخايلها تقوى، وعارضها أحوى. فلما أذن الله لها بالأنحدار، وأنزل منه الودق بمقدار، أرسلت الريح خيوط القطر من رود السحائب، وأسبلتها إسبال الذوائب. فدرّت من خلف مصرور، ونثرت طلّها نثر الدرور. ثم انخرق جيبها، وانبثق سيبها؛ وصار الخيط حبلا، والطلّ وبلا. فالسحاب يتعلّق، والبرق يتألّق؛ والرعد يرتجس، والقطر ينبجس؛ والنّقط تترامى طباقا، وتتبارى اتساقا؛ فيردف السابق المصلّى، ويتصل التابع بالمولّى؛ كما يقع من المنخل البر، وينتثر من النظام الدّرّ؛ فجيوب السماء تسقطه، وأكفّ الغدران تلقّطه؛ والأرض قد فتحت أفواها، وجرعت أمواها. حتّى أخذت ريّها من المطر، وبلغت منه غاية الوطر، خفى من الرعد تسبيحه، وطفئت من البرق مصابيحه، وحسرت السماء نقابها، وولّت المطر أعقابها؛ وحكت فى ردّها طلق السابق، وهرب الآبق.
ومن رسالة لمحمد بن شرف القيروانى:
برئ عليل البرى، وأثرى فقير الثرى، وتاريخ ذلك انصرام ناجر [١] ، وقد بلغت القلوب
стр. 84
الحناجر، محمارّة احمرت لها خضرة السماء، واغبرّت مرآة الماء، حتّى انهلّ طالع وسمىّ، وتلاه تابع ولىّ، دنا فأسفّ، ووكف فما كفّ. فما فتئ مسكوبا قطره، محجوبا شمسه وبدره، وجليت عروس الشمس، معتذرة عن مغيبها بالأمس. فعندها مزّق عن الدقعاء صحيح إهابها، واختزن درّ البر فى أصداف ترابها. فما مرّت أيام إلا والقيعان مسندسه، والآكام مطوّسه.
ومن رسالة لأبى القاسم، محمد بن عبد الله بن أبى الجد فى وصف مطر بعد قحط:
قال: لله تعالى فى عباده أسرار، لا تدركها الأفكار، وأحكام، لا تنالها الأوهام.
تختلف والعدل متّفق، وتفترق والفضل مجتمع متّسق. ففى منحها نفائس المأمول، وفى محنها مداوس [١] العقول. وفى أثناء فوائدها حدائق الإنعام رائقه، وبين أرجاء سرائرها بوارق الإعذار والإنذار خافقه. وربما تفتحت كمائم النوائب، عن زهرات المواهب.
وانسكبت غمائم الرزايا، بنفحات العطايا. وصدع ليل اليأس صبح الرجاء، وخلع عامل البأس والى الرخاء. ذلك تقدير اللطيف الخبير، وتدبير العزيز القدير! ولما ساءت بتثبط الغيث الظّنون، وانقبض من تبسط الشك اليقين، واسترابت حياض الوهاد، بعهود العهاد، وتأهبت رياض النّجاد، لبرود الحداد، واكتحلت أجفان الأزهار، بإثمد النقع المثار، وتعطلت أجياد الأنوار، من حلى الديمة المدرار، أرسل الله بين يدى رحمته ريحا بليلة الجناح، مخيلة النّجاح، سريعة الإلقاح. فنظمت عقود السحاب، نظم السّخاب، وأحكمت برود الغمام، رائقة الأعلام. وحين ضربت تلك المخيلة فى الأفق قبابها، ومدّت على الأرض أطنابها، لم تلبث أن انهتك رواقها،
стр. 85
وانبتك وشيكا نطاقها، وانبرت مدامعها تبكى بأجفان المشتاق، غداة الفراق، وتحكى بنان الكرام، عند أريحيّة المدام، فاستغربت الرياض ضحكا ببكائها، واهتزّ رفات النبات طربا لتغريد مكّائها، واكتست ظهور الأرض من بيض إنائها، خضر ملائها. فكأنّ صنعاء قد نشرت على بسيطها بساطا مفوّفا، وأهدت إليها من زخارف بزّها ومطارف وشيها ألطافا وتحفا. وخيّل للعيون أن زواهر النجوم، قد طلعت من مواقع التّخوم، ومباسم الحسان، قد وصلت بافترار الغيطان. فيا برد موقعها على القلوب والأكباد! ويا خلوص ريها إلى غلل النفوس الصّواد! كأنما استعارت أنفاس الأحباب، أو ترشّفت شنب الثنايا العذاب، أو تحملت ماء الوصال، إلى نار البلبال. أو سرت على أنداء الأسحار وريحان الآصال. لقد تبين للصنع الجليل، من خلال ديمها تنفس ونصول، وتمكن للشكر الجميل، من ظلال نعمها معرّس ومقيل. فالحمد لله على ذلك ما انسكب قطر، وانصدع فجر؛ وتوقّد قبس، وتردّد نفس؛ وهو الكفيل تعالى بإتمام النعمى، وصلة أسباب الحياة والحيا بعزته! وقال الوزير أبو عمرو الباجىّ فى مثل ذلك:
إن لله تعالى قضايا واقعة بالعدل، وعطايا جامعة للفضل؛ ونعما يبسطها إذا شاء إنعاما وترفيها، ويقبضها متى أراد إلهاما وتنبيها؛ ويجعلها لقوم صلاحا وخيرا، ولآخرين فسادا وضيرا. (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ)
. وإنه كان من امتساك السّقيا، وتوقّف الحيا؛ ما ريع به الآمن، واستطير له الساكن؛ ورجفت الأكباد فزعا، وذهلت الألباب جزعا؛ وأذكت ذكاء حرّها، ومنعت السماء درّها؛ واكتست الأرض غبرة بعد خضرة، ولبست شحوبا بعد نضرة؛ وكادت برود الرياض تطوى، ومدود نعم الله تزوى؛
стр. 86
ثم نشر الله تعالى رحمته، وبسط نعمته، وأتاح منّته، وأزاح محنته. فبعث الرياح لواقح، وأرسل الغمام سوافح؛ بماء يتدفّق، ورواء غدق، من سماء طبق. استهلّ جفنها فدمع، وسمح دمعها فهمع، وصاب وبلها فنقع. فاستوفت الأرض ريّا، واستكملت من نباتها أثاثا وريّا؛ فزينة الأرض مشهوره، وحلّة الزهر منشوره، ومنّة الرب موفوره؛ والقلوب ناعمة بعد بوسها، والوجوه ضاحكة إثر عبوسها؛ وآثار الجزع ممحوّه، وسور الشكر متلوّه؛ ونحن نستزيد الواهب نعمة التوفيق، ونستهديه فى قضاء الحقوق إلى سواء الطريق؛ ونستعيذ به من المنّة أن تعود فتنه. والمنحة أن تصير محنه! والحمد لله رب العالمين!
٩- ذكر شىء مما وصف به الثلج والبرد
قال أبو الفتح كشاجم:
الثّلج يسقط أم لجين يسبك، ... أم ذا حصى الكافور ظلّ يفرّك؟
راحت به الأرض الفضاء كأنّها ... فى كلّ ناحية بثغر تضحك!
شابت ذوائبها فبيّن ضحكها ... طربا وعهدى بالمشيب ينسّك!
وتردّت الأشجار منه ملاءة ... عمّا قليل بالرّياح تهتّك!
وقال أيضا:
ثلج وشمس وصوب غادية ... فالأرض من كلّ جانب غرّه!
باتت. وقيعانها زبرجدة. ... فأصبحت قد تحوّلت درّه!
كأنها والثّلوج تضحكّها ... تعار ممن أحبّه ثغره!
شانت فسرّت بذاك وابتهجت ... وكان عهدى بالشّيب يستكره!
стр. 87
وقال الصاحب بن عبّاد:
أقبل الثّلج فى غلائل نور ... تتهادى بلؤلؤ منثور!
فكأنّ السماء صاهرت الأر ... ض فصار النّثار من كافور!
وقال النميرىّ:
أهدى لنا بردا يلوح كأنه ... فى الجو حبّ لآلئ لم يثقب،
أو ثغر حواء اللّثات تبسّمت ... عن واضح مثل الأقاحى أشنب!
الباب الثانى من القسم الثانى من الفن الأوّل
فى النيازك، والصواعق، والرعد، والبرق، وقوس قزح
(أ) فأما النيازك، فهو ما يرى من الذوائب المتصلة بالشّهب والكواكب.
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لجماعة من الأنصار: «ما كنتم تقولون فى هذا النجم الذى يرمى به؟ قالوا: يا رسول الله، كنا نقول إذا رأيناها يرمى بها: مات ملك، ولد مولود. فقال رسول الله ﷺ : ليس ذلك كذلك، ولكن الله تعالى كان إذا قضى فى خلقه أمرا سمعه الملائكة فيسبحون، فيسبّح من تحتهم لتسبيحهم، فيسبّح من تحت أولئك حتّى ينتهى إلى السماء الدنيا فيسبحون، ثم يقولون ألا تسألون من فوقكم ممّ يسبحون؛ فيقولون قضى الله فى خلقه كذا وكذا، للأمر الذى كان. فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتّى ينتهى إلى السماء الدنيا فيتحدّثون به، فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف. ثم يأتون
стр. 88
به الكهّان، فيصيبون بعضا، ويخطئون بعضا. ثم إن الله تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التى يقذفون بها، فانقطعت الكهانة، فلا كهانة اليوم» .
والشهب التى يقذف بها الشياطين غير النجوم الثوابت التى منها البروج والمنازل لقول الله تعالى (وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ) .
وقال بعض الشعراء:
وكوكب نظر العفريت مسترقا ... للسّمع فانقضّ يذكى إثره لهبه
كفارس حلّ من تيه عمامته ... وجرّها كلّها من خلفه عذبه
وكتب ابن الحرون إلى صديق له، وقد كثر انقضاض الكواكب، وذلك فى أيام المتوكل على الله:
أما بعد. فإن الفلك قد تفرّى عن شهب ثواقب، كنيران الحباحب، متّقدة كشرر الزنود، وشعل زبر الحديد؛ مازجها عرض حمرة البهرمان، وصفرة العقيان [١] .
فهى كأرسال جراد منتشر، وهشيم ذرته ريح صرصر، فى سرعة الكفّ، ووحى لحظ الطّرف.
(ب) وأما الصواعق، فهى ما قاله الزمخشرىّ فى تفسيره: الصاعقة قصفة من رعد ينقضّ معها شقّة من نار.
وقالوا: إنها تنقدح من السحاب إذا اصطكّت أجرامه. وهى نار لطيفة حديدة لا تمرّ بشىء إلا أتت عليه، إلا أنها مع حدّتها سريعة الخمود. على أنها متى سقطت على نخلة أحرقت عاليها.
стр. 89
وقال صاحب كتاب «مناهج الفكر ومباهج العبر» فى كتابه:
ومن عجيب شأنها أنها تحرق ما فى الكيس، ولا تحرق الكيس؛ وإن احترق فإنما يحترق باحتراق ما ذاب فيه وسال. قال: وهى إذا سقطت على جبل أو حجر كلسته ونفذته، وإذا سقطت فى بحر غاصت فيه وأحرقت ما لاقت من جوانبه.
وربما عرض لها عند انطفائها فى الأرض برد ويبس، فتكوّن منها أجرام حجرية، أو حديدية، أو نحاسية. وربما طبعت الحديد سيوفا لا يقوم لها شىء.
(ج) وأما الرعد وما قيل فيه. قال الله ﵎: (وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ) .
قال المفسرون: الرعد ملك موكل بالسحاب، معه كرّ من حديد، يسوقه من بلد إلى بلد كما يسوق الراعى إبله. فكلما خالف سحاب، صاح به فزجره. فالذى يسمع هو صوت الملك.
وقال الزمخشرىّ من تفسيره: الرعد الذى يسمع من السحاب، كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتفض إذا حدتها الريح فتصوّت عند ذلك.
وأما صوت الرعد، تقول العرب: رعدت السماء.
فإذا ازداد صوتها، قيل: ارتجست.
فإذا زاد، قيل: أرزمت، وقعقعت [١] .
فإذا بلغت النهاية، قيل: جلجلت، وهدهدت.
стр. 90
المثل
ربّ صلف تحت الراعدة. (للبخيل المتكبر) .
(د) وأما البرق وما قيل فيه، فقد ذهب المفسرون لقول الله تعالى إلى أنه ضرب الملك الذى هو الرعد للسحاب بمخراق من حديد. وروى عن مجاهد: ان الله وكّل بالسحاب ملكا. فالرعد قعقعة [١] صوته، والبرق سوطه [٢] .
وأما ترتيبه فى لمعانه
تقول العرب إذا برق كأنه يتبسم، وذلك بقدر ما يريك سواد الغيم من بياضه:
أنكلّ انكلالا.
فإذا بدا من السماء برق يسير، قيل: أوشمت السماء. ومنه قيل: أوشم النبت إذا أبصرت أوّله.
فإذا برق برقا ضعيفا، قيل: خفا.
فإذا لمع لمعا خفيفا، قيل: لمح، وأومض.
فإذا تشقق، قيل: انعقّ انعقاقا.
فإذا ملأ السماء وتكشف واضطرب، قيل: تبوّج.
فإذا كثر وتتابع، قيل: ارتعج.
فإذا لمع وأطمع ثم عدل، قيل له: خلّب.
стр. 91
المثل:
«ليس فى البرق اللّامع مستمتع» .
ذكر ما قيل فى وصف الرعد والبرق
قال أبو هلال العسكرىّ، عفا الله عنه:
والرعد فى أرجائه مترنّم ... والبرق فى حافاته متلهّب.
كالبلق ترمح، والصّوارم تنتضى ... والجوّ يبسم، والأنامل تحسب.
وقال آخر:
إذا ونت السّحب الثّقال وحثّها ... من الرعد حاد ليس يبصر أكمه،
أحاديثه مستهولات وصوته ... إذا انخفضت أصواتهنّ مقهقه،
إذا صاح فى آثارهنّ حسبته ... يجاوبه من خلفه صاحب له.
وقال ابن الدقّاق الأندلسىّ:
أرى بارقا بالأبلق الفرد يومض ... يذهّب أكناف الدّجى ويفضّض.
كأنّ سليمى من أعاليه أشرفت ... تمدّ لنا كفّا خضيبا وتقبض.
وقال إبراهيم بن خفاجة الأندلسىّ:
ويوم جرى برقه أشقرا ... يطارد من مزنه أشهبا:
ترى الأرض فيه وقد فضّضت ... ووجه السّماء وقد ذهّبا!
وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ، شاعر الذخيرة:
ولما تجلّى اللّيل والبرق لامع ... كما سلّ زنجى حساما من التّبر،
وبتّ سمير النجم وهو كأنه ... على معصم الدّنيا جبائر من درّ.
стр. 92
وقال محمد بن عاصم، شاعر الخريدة عفا الله عنه:
أضاء بوادى الأثل واللّيل مظلم ... بريق كحدّ السّيف ضرّجه الدّم.
إذا البرق أجرى طرفه فصهيله ... إذا ما تفرّى رعده المترنّم.
فشبّهته إذ لاح فى غسق الدّجى ... بأسنان زنجىّ بدت تتبسّم.
وقال أيضا:
والبرق يضحك كالحبيب وعنده ... رعد يخشّن كالرّقيب مقاله!
وقال آخر:
أرقت لبرق غدا موهنا ... خفىّ كغمزك بالحاجب.
كأنّ تألّقه فى السما ... يدا كاتب أويدا حاسب.
وقال عبد الله بن المعتزّ، يشير إلى سحابة:
رأيت فيها برقها منذ بدت ... كمثل طرف العين أو قلب يحب.
ثم حدت بها الصّبا حتّى بدا ... فيها إلى البرق كأمثال الشّهب.
تحسبه فيها إذا ما انصدعت ... أحشاؤها عنه شجاعا يضطرب.
وتارة تبصره كأنّه ... أبلق مال جلّه حين وثب.
حتّى إذا ما رفع اليوم الضّحى ... حسبته سلاسلا من الذّهب.
قوله شجاعا يضطرب مأخوذ من قول دعبل:
أرقت لبرق آخر الليل منصب ... خفىّ كبطن الحيّة المتقلّب.
وقال ايضا:
ما زلت أكلأ برقا فى جوانبه ... كطرفة العين تخبو ثم تختطف.
برق تجاسر من حفّان لامعه ... يقضى اللّبانة من قلبى وينصرف.
стр. 93
(هـ) وأما قوس قزح وما قيل فيه. قالوا: وإنما سمى بذلك لتلوّنه.
وكان ابن عبّاس (رضى الله عنهما) يكره أن يسميه قوس قزح، ويسميه قوس الله، ويقول: قزح اسم الشيطان.
وزعم القدماء فى علة تلوّنه وتكوّنه، أنه إذا تكاثف جزء من الهواء بالبرد ثم أشرق عليه نور بعض الكواكب انصبغ ذلك الجزء، وانعطف منه الضوء إلى مايليه من الهواء، كالحمرة الصافية إذا طلعت عليها الشمس سطع نورها، وانعطف منه ألوان مختلفة إلى ما يقرب منها. وحمرته وصفرته من قبل الرّطوبة واليبس.
قالوا: وقياس ذلك النار، فإنها إذا كانت من حطب رطب، كان لونها أحمر كدرا، فإن كانت من حطب يابس، كان لونها أصفر صافيا.
وقال آخرون: القوس يحدث عن رطوبة الهواء وصقالته، حتّى يمكن أن ترسم فيه دائرة الشمس كما ترسم الأشباح فى المرايا، وتشتبك الأشعة بما يكون فيه البخار الرطب فيتولد، فيكون منها تلك الألوان. وإنما توجد دائرة على الناظر، لأن الشمس أبدا تكون فى قفاها، ولذلك ترى فى مقابلة الجهة التى تكون فيها الشمس، فترى فى المغرب إذا كانت الشمس فى المشرق، وترى فى المشرق إذا كانت فى المغرب.
وزعم بعض القدماء أن أثر القوس غير حقيقىّ، وإنما هو تخييل لا وجود له فى نفسه. وقال إن إدراكه على نحو إدراك صورة الإنسان فى المرآة من غير أن تكون منطبعة على الحقيقة فيها ولا قائمة بها. وذلك بحسب غلظ الحس الباصر، وهو لا يرى إلا أن يكون وراء السحاب الصقيل، إذ ذاك يكون كالمرآة مؤديا للبصر على نحو تأدية البلّور، إذا جعل وراءه شىء غير مشفّ، ولا يكون ذلك عن السحاب الصقيل وحده، كما لا يكون عن البلّور وحده، ولا عن غير المشفّ وحده. والله أعلم.
стр. 94
ذكر ما قيل فى وصفه وتشبيهه
قال أبو الفرج الوأواء، عفا الله تعالى عنه:
سقيا ليوم بدا قوس الغمام به ... والشّمس طالعة والبرق خلّاس!
كأنه قوس رام والبروق له ... رشق السّهام وعين الشمس برجاس.
وقال سعيد بن حميد القيروانى، رحمة الله عليه:
أما ترى القوس فى الغمام وقد ... نمّق فيه الهواء نوّارا؟
حكى الطّواويس وهى جاعلة ... أذنابها للمياه أستارا.
أخضر فى أحمر على يقق ... على وشاح السّحاب قد دارا.
كأنما المزن وهى راهبة ... شدّت على الأفق منه زنّارا.
وقال ظاهر الدين الحريرى. شاعر الخريدة عفا الله عنه:
ألست ترى الجوّ مستعبرا ... يضاحكه برقه الخلّب؟
وفد بات من قزح قوسه ... بعيدا وتحسبه يقرب؟
كطاقى عقيق وفيروزج ... وبينهما آخر مذهب.
وقال سيف الدولة بن حمدان، من أبيات:
وفد نشرت أيدى الجنوب مطارفا ... على الجوّ دكنّا والحواشى على الأرض.
يطرّزها قوس السّحاب بأصفر ... على أحمر فى أخضر وسط مبيضّ.
كأذيال خود أقبلت فى غلائل ... مصبّغة، والبعض أقصر من بعض.
وقال عبد المحسن الصّورىّ، عفا الله تعالى عنه:
تأمّل الجوّ ترى واليا ... قد ولى العهد على السّحب!
سار، وقوس الله تاج له، ... ركضا من الشّرق إلى الغرب!
стр. 95
الباب الثالث من القسم الثانى من الفن الأوّل
١- فى أسطقسّ [١] الهواء
روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «الريح من روح الله تعالى، تأتى بالرحمة، وتأتى بالعذاب. فلا تسبّوها، واسألوا الله خيرها؛ واستعيذوا بالله من شرّها» .
أخرجه البيهقىّ فى سننه.
وروى أبو الفرج بن الجوزىّ بإسناده أن الريح تنقسم إلى قسمين: رحمة وعذاب؛ وينقسم كل قسم إلى أربعة أقسام. ولكل قسم اسم. فأسماء أقسام قسم الرحمة: المبشّرات، والنّشر، والمرسلات، والرّخاء. وأسماء أقسام قسم العذاب:
العاصف، والقاصف (وهما فى البحر) ، والعقيم، والصرصر (وهما فى البر) .
وقد جاء القرءان بكل هذه الأسماء.
٢- ذكر ما قيل فى حدّ الهواء
قال الشيخ الرئيس أبو علىّ بن سينا فى حدّه: الهواء حرم بسيط، طباعه أن يكون حارّا رطبا مشفا متحرّكا إلى المكان الذى تحت كرة النار التى فوق كرة الأرض والماء.
стр. 96
وقال إبّقراط: إنّ تغير حالات الهواء هو الذى يغير حالات الناس مرة إلى الغضب، ومرة إلى السكون، وإلى الهمّ والسرور، وغير ذلك. وإذا استوت حالات الهواء، استوت حالات الناس وأخلاقهم.
وقال: إن قوى النفوس تابعة لأمزجة الأبدان، وأمزجة الأبدان تابعة لتصرف الهواء، إذا برد مرة، وسخن مرة، خرج مرة الزرع نضيجا، ومرة غير نضيج، ومرة قليلا، ومرة كثيرا، ومرة حارّا، ومرة باردا، فتتغير لذلك صورهم ومزاجاتهم. وإذا استوى واعتدل الهواء، خرج الزرع معتدلا، فاعتدلت بذلك الصور والمزاجات.
قال: والعلة فى تشابه التّرك، هو أنه لما استوى هواء بلادهم فى البرد استوت صورهم وتشابهوا.
وقال: إنّ الرياح تقلب الحيوان حالا إلى حال، وتصرفه من حرّ إلى برد، ومن يبس إلى رطوبة، ومن سرور إلى حزن؛ وإنها تغير ما فى البيوت من أصناف المآكل كالتمر، والعسل، والسمن، والشراب، فتسخنها مرة، وتبردها أخرى، وتصلّبها مرة، وتيبّسها مرة. وعلة ذلك أنّ الشمس والكواكب تغير الهواء بحركاتها؛ وإذا تغير الهواء، تغير بتغيره كل شىء.
وقال: إنّ الجنوب إذا هبت، أذابت الهواء وبرّدته، وسخنت البحار والأنهار.
فكل شىء فى رطوبة تغير لونه وحالاته. وهى ترخى الأبدان والعصب، وتورث الكسل، وتحدث ثقلا فى الأسماع، وغشاوة فى الأبصار. وأما الشّمال فإنها تصلب الأبدان، وتصحح الأدمغة، وتحسن اللون، وتصفى الحواس، وتقوّى الشهوة والحركة، غير أنها تهيج السعال، ووجع الصدر.
стр. 97
وزعم بعض من تأخر فى الإسلام من الحكماء: أن الجنوب إذا هبت بأرض العراق، تغير الورد، وتناثر الورق، وتشقق القنّبيط، وسخن الماء، واسترخت الأبدان، وتكدّر الهواء.
وزعم آخرون من القدماء: ان الهواء جسم رقيق متى تموّج من المشرق إلى المغرب سمى ريح الصّبا.
قيل: سميت ريح الصّبا، لأن النفوس تصبو إليها لطيب نسيمها وروحها.
والصّبوة الميل. وجاء فى بعض الآثار: ما بعث نبىّ إلا والصّبا معه، وهى الريح التى سخّرت لسليمان ﵇ غدوّها شهر، أى من أوّل النهار إلى الزوال، ورواحها شهر، أى من الزوال إلى المغرب. كان يغدو من تدمر من بلاد الشام فيقيل فى إصطخر من بلاد فارس، ويبيت بكابل من بلاد الهند.
وعن رسول الله ﷺ أنه قال «نصرت بالصّبا، وأهلكت عاد بالدّبور» .
وإذا تموّج من الجنوب إلى الشّمال، سمى ريح الجنوب، وهى الريح التى أهلك الله بها عادا.
وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى الفن الخامس من كتابنا هذا.
وإذا تموّج من الشّمال إلى الجنوب، سمى ريح الشّمال.
وهم يزعمون أن مبادئ الرياح شمالية أخذت إلى الجنوب، وغربية أخذت إلى المشرق للطف الهواء فى هاتين الجهتين،.
والعرب تحبّ الصّبا لرقتها، ولأنها تجىء بالسحاب. والمطر فيها والخصت.
وهى عندهم اليمانية.
стр. 98
٣- ذكر أسماء الرياح اللغوية
قال الثعالبىّ فى فقه اللغة:
إذا وقعت الريح بين ريحين، فهى النّكباء.
فإذا وقعت بين الجنوب والصّبا، فهى الجربياء.
فإذا هبّت من جهات مختلفة، فهى المتناوحة.
فإذا كانت ليّنة، فهى الرّيدانة.
فإذا جاءت بنفس ضعيف وروح، فهى النّسيم.
فإذا كان لها حنين كحنين الإبل، فهى الحنون.
فإذا ابتدأت بشدّة [١] ، فهى العاصف، والسّيهوج.
فإذا كانت شديدة ولها زفزفة وهى الصوت، فهى الزّفزافة.
فإذا اشتدّت حتّى تقلع الخيام، فهى الهجوم.
فإذا حرّكت الأغصان تحريكا شديدا أو قلعت الأشجار، فهى الزّعزاع، والزّعزعان، والزّعزع.
فإذا جاءت بالحصباء، فهى الحاصبة.
فإذا درجت حتّى ترى لها ذيلا كالرّسن فى الرمل، فهى الدّروج.
فإذا كانت شديدة المرور، فهى النّؤوج.
فإذا كانت سريعة، فهى المجفل، والجافلة.
فإذا هبّبت من الأرض كالعمود نحو السماء، فهى الإعصار.
فإذا هبّت بالغبرة، فهى الهبوة.
стр. 99
فإذا حملت المور وجرّت الذيل، فهى الهوجاء.
فإذا كانت باردة، فهى الحرجف، والصّرصر، والعريّة.
فإذا كان مع بردها ندى، فهى البليل.
فإذا كانت حارّة، فهى الحرور، والسّموم.
فإذا كانت حارّة وأتت من قبل اليمن، فهى الهيف.
فإذا كانت باردة شديدة تخرق البيوت، فهى الخريق [١] .
فإذا ضعفت وجرت فويق الأرض، فهى المسفسفة.
فإذا لم تلقح شجرا ولم تحمل مطرا، فهى العقيم. (وقد نطق بها القرآن) .
٤- فصل فيما يذكر منها بلفظ الجمع
يقال: الرياح الحواشك: المختلفة الشديدة. البوارح: الشّمال الحارّة فى الصيف.
الأعاصير: التى تهيج بالغبار. المعصرات: التى تأتى بالأمطار. المبشّرات: التى تهبّ بالسحاب والغيث. السّوافى: التى تسفى التراب.
٥- ذكر ما يتمثّل به مما فيه ذكر الهواء
يقال:
أخفّ من النسيم. أسرع من الرّيح. ريحهما جنوب (يضرب للمتصافيين) . هو ساكن الريح (اذا كان حليما) . قد هبّت ريحه (إذا قامت دولته) .
ومن أنصاف الأبيات.
إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا
وبعض القول يذهب بالرياح
تجرى الرياح بما لا تشتهى السّفن
لو كنت ريحا كانت الدّبورا
стр. 100
ومن الأبيات:
إذا هبّت رياحك، فاغتنمها. ... فإن لكلّ خافقة سكون!
وقال آخر:
وكلّ ريح لها هبوب ... يوما فلا بدّ من ركود.
وقال آخر:
والريح ترجع عاصفا ... من بعد ما ابتدأت نسيما.
وقال أبو تمّام، عفا الله عنه:
إنّ الرياح إذا ما أعصفت، قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرّتم.
وقال ابن الرومىّ، رحمة الله عليه:
لا تطفئنّ جوى بلوم إنه ... كالريح تغرى النّار بالإحراق.
٦- ذكر ما جاء فى وصف الهواء وتشبيهه
قال عبد الله بن المعتزّ، رحمة الله عليه:
ونسيم يبشّر الأرض بالقط ... ر كذيل الغلالة المبلول.
ووجوه البلاد تنتظر الغي ... ث انتظار المحبّ ردّ الرسول.
وقال ابن الرومىّ:
حيّتك عنّا شمال طاف طائفها ... تحيّة، فجرت روحا وريحانا.
هبّت سخيرا فناجى الغصن صاحبه ... سرّا بها، وتنادى الطير إعلانا
. ورقّ تغنّى على خضر مهدّلة ... تسمو بها وتشمّ الأرض أحيانا.
يخال طائرها تشوان من طرب ... والغصن من هزّه عطفيه نشوانا.
стр. 101
وقال أيضا:
كأنّ نسيمها أرج الخزامى ... ولاها بعد وسمىّ ولىّ.
هديّة شمال هبّت بليل ... لأفنان الغصون بها نجىّ.
إذا أنفاسها نسمت سحيرا ... تنفّس كالشّجىّ لها الخلىّ.
وقال آخر:
وأنفاس كأنفاس الخزامى ... قبيل الصّبح بلّتها السماء.
تنفّس نشرها سحرا فجاءت ... به سحريّة المسرى رخاء.
وقال إسحاق الموصلىّ:
يا حبّذا ريح الجنوب إذا جرت ... فى الصّبح وهى ضعيفة الأنفاس!
قد حمّلت برد النّدى وتحمّلت ... عبقا من الجثجاث [١] والبسباس [٢] !
стр. 102
وقال آخر:
إذا خلا الجوّ من هواء، ... فعيشهم غمّة وبوس.
فهو حياة لكلّ حىّ، ... كأنّ أنفاسه نفوس.
وقال ابن سعيد الأندلسىّ:
الرّيح أقود ما يكون لأنّها ... تبدى خفايا الرّدف والأعكان [١] .
وتميّل الأغصان بعد علوّها ... حتّى تقبّل أوجه الغدران.
وكذلك العشّاق يتّخذونها ... رسلا إلى الأحباب والأوطان.
وقال آخر:
أيا جبلى نعمان بالله خلّيا ... سبيل الصّبا يخلص إلىّ نسيمها.
أجد بردها أو تشف منّى خرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها.
فإنّ الصّبا ريح إذا ما تنفّست ... على كبد حرّاء، قلّت همومها.
وقال ابن هتيمل اليمنىّ:
هبّت لنا سحرا، والصبح ملتثم، ... واللّيل قد غاب فيه الشّيب والهرم.
سقيمة من بنات الشّرق أضعفها ... عن قوّة السّير، لمّا هبّت، السّقم.
فبلّغت بلسان الحال قائلة ... ما لم يبلّغه يوما إلىّ فم،
سرّا لغانية تسرى إلىّ به ... من النّسيم رسول ليس يتّهم.
أصافح الرّيح إجلالا لما حملت ... إلىّ من ريح برديها وأستلم.
стр. 103
الباب الرابع من القسم الثانى من الفن الأوّل
١- فى أسطقس النار [١] وأسمائها، وعبادها، وبيوت النيران
حكى أصحاب التواريخ فى حدوث النار أن آدم ﵇ لما هبط إلى الارض وحجّ، نزل جبل أبى قبيس. فأنزل الله إليه مرختين من السماء، فحكّ إحداهما بالأخرى فأوريا نارا. فلهذا سمى الجبل بأبى قبيس.
ويدل على أن النار من الشجر، قوله : (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) .
والعرب تقول: «فى كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار» . لأنهما أسرع اقتداحا.
قال الله : (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ) .
وقال أصحاب الكلام فى الطبائع: إن الله جمع فى النار الحركة، والحرارة، واليبوسة، واللّطافة، والنور. وهى تفعل بكل صورة من هذه الصور خلاف ما تفعل بالأخرى.
فبالحركة تعلى الأجسام؛ وبالحرارة تسخن؛ وباليبوسة تجفف؛ وباللطافة تنفذ؛ وبالنور تضىء ما حولها.
стр. 104
ومنفعة النار تختص بالإنسان دون سائر الحيوان. فلا يحتاج إليها شىء سواه، وليس به عنها غنى فى حال من الأحوال.
ولهذا عظمتها المجوس، [١] وقالوا: إذ أفردتنا بنفعها، فنفردها بتعظيمها. على أنهم يعظمون جميع ما فيه منفعة على العباد، فلا يدفنون موتاهم فى الأرض، ولا يستنجون فى الأنهار.
٢- ذكر أسماء النار
(وأحوالها فى معالجتها وترتيبها) أما أسماؤها، فمنها:
النار، والصّلاء، والسّكن، والضّرمة، والحرق، والحمدة (وهو صوت التهابها) ، والحدمة، والجحيم، والسّعير، والوحى.
وأما تفصيل أحوالها ومعالجتها وترتيبها، فقد قال الثعالبىّ فى فقه اللغة:
إذا لم يخرج الزّند النار عند القدح، قيل: كبايكبو.
فإذا صوّت ولم يخرج، قيل: صلد يصلد.
فإذا أخرج النار، قيل: ورى يرى.
فإذا ألقى الإنسان عليها ما يحفظها ويذكيها، تقول: شيعتها وأثقبتها.
فإذا عالجها لتلتهب، قال: حضأتها وأرّثتها [٢] .
فإذا جعل لها مذهبا تحت القدر، قال: سخوتها.
стр. 105
فإذا زاد فى إيقادها وإشعالها، قال: أحجبتها.
فإذا اشتدّ تأجّجها، فهى جاحمة [١] .
فإذا طفئت البتة، فهى هامدة.
فإذا صارت رمادا، فهى هابية.
والله تعالى أعلم.
٣- ذكر عبّاد النار
(وسبب عبادتها وبيوت النيران) أوّل من عبد النار قابيل بن آدم.
وذلك أنه لما قتل أخاه هابيل هرب من أبيه إلى اليمن، فجاءه إبليس لعنه الله، وقال له: إنما قبل قربان هابيل وأكلته النار لأنه كان يخدمها ويعبدها.
فانصب أنت أيضا نارا تكون لك ولعقبك، فبنى بيت نار.
فهو أوّل من نصب النار وعبدها.
وأوّل من عظمها من ملوك الفرس، جم. وهو أحد ملوك الفرس الأوّل، عظمها ودعا الناس إلى تعظيمها، وقال: إنها تشبه ضوء الشمس والكواكب، لأن النور عنده أفضل من الظلمة.
ثم عبدت النار بالعراق، وأرض فارس، وكرمان، وسجستان، وخراسان، وطبرستان، والجبال، وأذربيجان، وأرّان، وفى بلاد الهند، والسند، والصين.
стр. 106
وبنى فى جميع هذه الأماكن بيوت للنّيران، نذكرها بعد إن شاء الله تعالى.
ثم انقطعت عبادة النيران من أكثر هذه الأماكن إلا الهند. فإنهم يعبدونها إلى يومنا هذا. وهم طائفة تدعى الإكنواطرية. [١] زعموا أن النار أعظم العناصر جرما، وأوسعها حيزا، وأعلاها مكانا، وأشرفها جوهرا، وأنورها ضياء وإشراقا، وألطفها جسما وكيانا؛ وأن الأحتياج إليها أكثر من الاحتياج إلى سائر الطبائع؛ ولا نور فى العالم إلا بها؛ ولا نموّ ولا انعقاد إلا بممازجتها.
وعبادتهم لها أن يحفروا أخدودا مربعا فى الأرض ويحشوا النار فيه، ثم لا يدعون طعاما لذيذا، ولا شرابا لطيفا، ولا ثوبا فاخرا، ولا عطرا فائحا، ولا جوهرا نفيسا، إلا طرحوه فيها: تقرّبا إليها، وتبرّكا بها. وحرّموا إلقاء النفوس فيها، وإحراق الأبدان بها، خلافا لجماعة أخرى من زهّاد الهند.
وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعظمائها. يعظمون النار لجوهرها تعظيما بالغا، ويقدّمونها على الموجودات كلها.
ومنهم زهّاد وعبّاد يجلسون حول النار صاغين، يسدّون منافسهم حتّى لا يصل إليها من أنفاسهم نفس صدر عن صدر مجرم. وسنّتهم الحثّ على الأخلاق الحسنة، والمنع من أضدادها، وهى: الكذب، والحسد، والحقد، والكفاح، والحرص، والبغى، والبطر. فإذا تجرّد الإنسان عنها، تقرّب من النار.
стр. 107
٤- وأما بيوت النيران
(ومن رسمها من ملوك الفرس) قال المسعودىّ:
أوّل من حكى ذلك عنه أفريدون الملك. وذلك أنه وجد نارا يعظمها أهلها، [وهم] [١] معتكفون على عبادتها. [فسألهم عن خبرها ووجه الحكمة منهم فى عبادتها. فأخبروه بأشياء اجتذبت نفسه إلى عبادتها] [٢] وأنها واسطة بين الله تعالى وبين خلقه، وأنها من جنس الآلهة النورية، وأشياء ذكروها له. وجعلوا للنور مراتب وقوانين [وفرقوا بين طبع النار والنور] [٣] وزعموا أن الحيوان يجتذبه النور، فيحرق نفسه: كالفراش الطائر بالليل فما لطف جسمه، يطرح نفسه فى السراج فيحرقها. وغير ذلك مما يقع فى صيد الليل من الغزلان، والوحش، والطير؛ وكظهور الحيتان من الماء إذا قربت من السراج فى الزوارق كما يصاد السمك ببلاد البصرة فى الليل، فإنهم يجعلون السّرج حوالى المركب، فيثب السمك من الماء إليها؛ وأن بالنور صلاح هذا العالم، وشرف النار على الظلمة إلى غير ذلك.
فلما أخبروا الملك أفريدون بذلك أمر أن تحمل جمرة منها إلى خراسان، فحملت. فاتخذ لها بيتا بطوس. [واتخذ بيتا آخر بمدينة بخارا يقال له برد سورة] [٤] .
وبيتا آخر بسجستان كواكر [٥] ، كان اتخذه بهمن بن إسفنديار بن يستاسف بن يهراسف.
стр. 108
وبيت آخر ببلاد الشير والرّان، كانت فيه أصنام أخرجها منه أنوشروان، وقيل إنه صادف هذا البيت، وفيه نار معظمة فنقلها إلى الموضع المعروف بالبركة.
وبيت آخر للنار يقال له كوسجة [١] : بناه كيخسرو الملك.
وقد كان بقومس بيت نار معظم لا يدرى من بناه، يقال له حريش. [٢] ويقال إن الإسكندر لما غلب عليها، تركها ولم يطفئها.
وبيت نار آخر يسمّى كنكدز، بناه سياوش بن كاوس الجبار، وذلك فى زمن لبثه بشرق الصين مما يلى البركة.
وبيت نار بمدينة أرّجان من أرض فارس؛ بناه قمار.
وبيت بأرض فارس اتّخذ فى أيام يهراسف. [٣]
فهذه البيوت كانت قبل ظهور زرادشت.
ثم اتخذ زرادشت بعد ذلك بيوتا للنيران. فكان مما اتخذ بيت بمدينة نيسابور من بلاد خراسان، وبيت بمدينة نسا والبيضاء من أرض فارس. وقد كان زرادشت أمر يستاسف [٤] الملك بطلب نار كان يعظمها جم [٥] فطلبت، فوجدت بمدينة خوارزم.
فنقلها يستاسف إلى مدينة دارا بجرد من أرض فارس............ والمجوس تعظم هذه النار ما لا تعظم غيرها من النيران والبيوت............ وللفرس بيت نار
стр. 109
بإصطخر فارس، يعظمه المجوس. كان فى قديم الزمان للأصنام، فأخرجتها جمان بنت بهمن بن اسپنديار وجعلته بيت نار. ثم نقلت عنه النار فخرب...... وفى مدينة سابور من أرض فارس بيت معظم عندهم اتخذه دارا بن دارا. وفى مدينة جور من أرض فارس...... بيت بناه أردشير بن بابك......... وقد كان أردشير بنى بيت نار يقال له بارنوا فى اليوم الثانى من غلبته على فارس. وبيت نار على خليج القسطنطينية من بلاد الروم بناه سابور الجنود ابن أردشير بن بابك حين نزل على هذا الخليج وحاصر القسطنطينية. ولم يزل هذا البيت إلى خلافة المهدىّ. وكان سابور اشترط على الروم بقاء هذا البيت......... وبأرض العراق بيت نار بالقرب من مدينة السلام. بنته بوران [١] بنت كسرى أبرويز، الملكة، بالموضع المعروف بأسنيبا [٢] .
وبيوت النيران كثيرة تعظمها المجوس. والذى ذكرناه هو المشهور منها [٣] .
٥- ذكر نيران العرب
ونيران العرب أربعة عشر نارا.
١- نار المزدلفة. توقد حتّى يراها من دفع من عرفة. وأوّل من أوقدها قصىّ بن كلاب.
٢- نار الاستسقاء. كانت الجاهلية الأولى، إذا تتابعت عليهم الأزمات، واشتدّ الجدب، واحتاجوا إلى الأمطار. يجمعون لها بقرا، معلقة فى أذنابها وعراقيبها
стр. 110
السّلع [١] والعشر [٢] ، ويصعدون بها إلى جبل وعر، ويشعلون فيها النار، ويضجّون بالدعاء والتضرّع. وكانوا يرون ذلك من الأسباب المتوصّل بها إلى نزول الغيث [٣] . وفى ذاك يقول الوديك الطائى:
لا درّ درّ رجال خاب سعيهم، ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر!
أجاعل أنت بيقورا مسلّعة ... ذريعة لك بين الله والمطر؟
وقال أمية بن أبى الصّلت:
ويسوقون باقر السّهل للطّو ... د مهازيل خشية أن تبورا.
عاقدين النّيران فى بكر الأذ ... ناب منها، لكى تهيج النّحورا.
سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت الببقورا.
٣- نار الزائر والمسافر. ويسمونها نار الطّرد. وذلك أنهم كانوا إذا لم يحبوا رجوع شخص، أوقدوا خلفه نارا ودعوا عليه. ويقولون فى الدعاء: أبعده الله وأسحقه! وأوقدوا نارا إثره. قال الشاعر:
وجمّة قوم قد أتوك ولم تكن ... لتوقد نارا خلفها للتندّم.