← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

أو ليت نجمك لم تقفل ركائبه، ... أو ليت صبحك لم يقدم من السّفر. أو ليت لم يصف فيك الشرق من غبش، ... فذلك الصّفو عندى غاية الكدر. أو ليت كلّا من الشرقين ما ابتسما، ... أو ليت كلّا من النّسرين لم يطر. أو ليت كنت كما قد قال بعضهم: ... «ليل الضّرير فصبحى غير منتظر» . أو ليت فجرك لم ينفر به رشئى، ... أو ليت شمسك ما جارت على قمرى. أو ليت قلبى وطرفى تحت ملك يدى ... فزدت فيه سواد القلب والبصر. أو ليت ألقى حبيبى سحر مقلته ... على العشاء فأبقاها بلا سحر. أوليت كنت سألتيه مساعدة ... فكان يحبوك بالتكحيل والشّعر. كأنّها حين ولّت قمت أجذبها ... فانقد فى الشّرق منها الثّوب من دبر. لا مرحبا بصباح جاءنى بدلا ... من غرّة النّجم أو من طلعة القمر! وقال عبد الله بن المعتز: يا ليلة ما كان أط ... يبها سوى قصر البقاء! أحييتها فأمتّها ... وطويتها طىّ الرداء. حتّى رأيت الشمس تت ... لو البدر فى أفق السماء. فكأنه وكأنّها ... قدحان من خمر وماء. وقال المهلبى: قد قصر الليل عند ألفتنا ... كأن حادى الصّباح صاح به. وقال آخر: كأنّما الليل راكب فرسا ... منهزما والصّباح فى طلبه.

стр. 142

٨- أما ما وصف به من الإشراق فمن ذلك قول شاعر أندلسىّ: ربّ ليل عمرته ... فيك خال من الفكر. كثرت حوله الحجو ... ل وسارت به الغرر. وقال أبو بكر الصنوبرى: يا ليلة طلعت بأسعد طالع ... تاهت على ضوء النهار السّاطع. بمحاسن مقرونة بمحاسن ... وبدائع موصولة ببدائع. ضوء الشّموع وضوء وجهك مازجا ... ضوء العقار وضوء برق لامع. فكأنّما ألقى الدّجى جلبابه ... وأراك جلباب النّهار الساطع. ٩- أما ما وصف به من الظلمة قال الله : (أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ) . فهذه أتمّ أوصاف الظلمة. وقال مضرّس بن ربعىّ: وليل يقول الناس فى ظلماته: ... سواء صحيحات العيون وعورها كأنّ لنا منه بيوتا حصينة ... مسوح [١] أعاليها وساج كسورها وقال أبو تمام: إليك هتكنا جنح ليل كأنّما ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد

стр. 143

وقال أبو نواس: أبن لى: كيف صرت إلى حريمى، ... وجفن الليل مكتحل بقار وقال العلوىّ الأصفهانىّ: وربّ ليل باتت عساكره ... تحمل فى الجوّ سود رايات لامعة فوقها أسنّتها ... مثل الأزاهير وسط روضات ومن رسالة لابى عبد الله بن أبى الخصال. جاء منها: والليل زنجىّ الأديم، تبرىّ النجوم؛ قد جلّلنا ساجه، وأغرقتنا أمواجه؛ فلا مجال للّحظ، ولا تعارف إلا باللفظ؛ ولو نظرت فيه الزرقاء لاكتحلت، ولو خضبت به الشّيبة ما نصلت. ١٠- ومما قيل فى تباشير الصباح قال أبو محمد العلوىّ: كأنّ اخضرار الجوّ صرح ممرّد ... وفيه لآل لم تشن بثقوب. كأنّ سواد اللّيل فى ضوء صبحه ... سواد شباب فى بياض مشيب. وقال أبو علىّ بن لؤلؤ، الكاتب: ربّ فجر كطلعة البدر جلّى ... جنح ليل كطلعة الهجران، زار فى حلّة النراة فولّى الل ... يل عنه فى حلّة الغربان. وقال الخالديّان: وكأنّما الصّبح المنير وقد بدا ... باز [١] أطار من الظّلام غرابا.

стр. 144

وقال النظام البلخىّ، من شعراء الخريدة: فلاح الصبح مبتسم الثّنايا ... وطار اللّيل مقصوص الجناح. يطير غراب أو كار الدّياجى ... إذا ما حلّ بازىّ الصّباح. وقال تميم بن المعزّ: وكأنّ الصّباح فى الأفق باز ... والدّجى بين مخلبيه غراب. وقال ابن وكيع: غرّد الطير فنبّه من نعس. ... وأدر كأسك فالعيش خلس! سلّ سيف الفجر من غمد الدّجى ... وتعرّى الصبح من ثوب الغلس. وانجلى فى حلة فضّيّة ... ما بها من ظلمة اللّيل دنس. وقال أبو مروان بن أبى الخصال: ولمّا رأيت الغرب قد غصّ بالدّجى ... وفى الشّرق من ثوب الصّباح دلائل، توهّمت أن الغرب بحر أخوضه ... وأن الذى يبدو من الشّرق ساحل. وقال أسعد بن بليطة الأندلسىّ: جرت بمسك الدّجى كافورة السّحر ... فغاب، إلا بقايا منه فى الطّرر، صبح يفيض وجنح الليل منغمس ... فيه كما غرق الزنجىّ فى نهر. قد حار بينهما فى برزخ قمر ... يلوح كالشّنف بين الخدّ والشّعر. وقال أحمد بن عبد العزيز القرطبىّ: بتنا كأنّ حداد الليل شملتنا ... حتّى بدا الصبح فى ثوب سحولىّ. كأنّ ليلتنا، والصبح يتبعها، ... زنجيّة هربت قدّام رومىّ.

стр. 145

وقال أبو نواس: فقمت والليل يجلوه الصّباح، كما ... جلا التّبسم عن غرّ الثّنيّات. وقال عبد الله بن المعتزّ: قد أغتدى واللّيل فى جلبابه ... كالحبشىّ فرّ من أصحابه. والصّبح قد كشّر عن أنيابه ... كأنّما يضحك من ذهابه. وقال السرىّ: وشرّد الصبح عنّا الليل فاتّضحت ... سطوره البيض فى آياته السّود. وقال أبو فراس: مددنا علينا الليل، والليل راضع ... إلى أن تردّى رأسه بمشيب. بحال تردّ الحاسدين بغيظهم ... وتطرف عنّا عين كلّ رقيب. إلى أن بدا ضوء الصّباح كأنه ... مبادى نصول فى عذار خضيب. وقال عبد الصمد بن بابك، شاعر اليتيمة: واستهلّت لمصرع الليل ورق ... ثاكلات، حدادها التّطويق. فتضاحكت شامتا وكأنّ الص ... بح جيب على الدّجى مشقوق. وقال أبو بكر الصنوبرىّ: وليلة كالرّفرف المعلم ... محفوفة الظّلماء بالأنجم. تعلّق الفجر بأرجائها، ... تعلّق الأشقر بالادهم. وقال السلامىّ، شاعر اليتيمة: وقد خالط الفجر الظّلام كما التقى ... على روضة خضراء ورد وأدهم.

стр. 146

وعهدى بها، والليل ساق ووصلنا ... عقار، وفوها الكأس أو كأسها الفم. إلى أن بدرنا بالنجوم، وغربها ... يفضّ عقود الدّرّ والشّرق ينظم. ونبّهت فتيان الصّبوح للذّة ... تلوح كدينار يغطّيه درهم. ومن رسالة للقاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى، عفا الله عنه. جاء منها: «فلما قضى الليل نحبه، وأرسل الصباح على دهمه شهبه؛ شمّر الليل إزاره، ووضع النجم أوزاره؛ ونزح بالطّيف طاردا، وظلّ وراء الصبح ناشدا؛ وفجر الفجر نهر النهار، واستردّ البنفسج وأهدى البهار؛ فمواكب الكواكب منهزمه، وغرّة الفجر كغرّة مولاى مبتسمه» . ومما يدخل فى هذا الباب، ما حكى أن بعض الأعراب تزوّج بأربع نسوة، فأراد أن يختبر عقولهنّ. فقال لإحداهنّ: إذا دنا الصبح فأيقظينى. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال: وما يدريك؟ قالت: غارت صغار النجوم وبقى احسنها وأضوؤها وأكبرها، وبرد الحلىّ على جسدى، واستلذذت باستنشاق النسيم. فقال لها: إن فى ذلك دليلا. ثم بات عند الثانية، فقال لها مثل مقالته للأولى. فلما دنا الصبح، أيقظته. فقال لها: وما يدريك؟ قالت: ضحكت السماء من جوانبها، ولم تبق نابتة إلا فاحت روائحها، وعينى تطالبنى بإغفاءة الصباح. فقال لها: إن فى ذلك دليلا.

стр. 147

ثم بات عند الثالثة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، أيقظته. فقال لها: وما يدريك؟ فقالت: لم يبق طائر إلا غرد، ولا ملبوس إلا برد، وقد صار للطّرف: فى الليل مجال، وليس ذلك إلا من دنوّ الصباح. فقال لها: إن فى ذلك لدليلا. ثم بات عند الرابعة، فقال لها مثل ذلك. فلما دنا الصبح، قالت له: قم، فقد دنا الصبح! فقال لها: وما يدريك؟ قالت: أبت نفسى النوم، وطلبنى فمى بالسواك واحتجت إلى الوضوء. فقال لها: أنت طالق، فإنك أقبحهنّ وصفا. ١١- ذكر ما قيل فى النهار والنهار طبيعىّ، وشرعىّ. فالطبيعىّ زمان بين طلوع نصف قرص الشمس من المشرق، وإلى غيابه فى المغرب. والشرعىّ ما بين انفجار الفجر الثانى إلى غروب الشمس. والفجر فجران: الفجر الكاذب، وهو بياض مستطيل؛ والفجر الصادق بياض مستطير. وقد وضعت العرب لساعات النهار أسماء، كما وضعت لساعات الليل، وهى: الذّرور، ثم البزوغ، ثم الضّحى، ثم الغزالة، ثم الهاجرة، ثم الزّوال، ثم الدّلوك، ثم العصر، ثم الأصيل، ثم الصّبوب، ثم الحدور، ثم الغروب. ويقال أيضا: البكور، ثم الشّروق، ثم الإشراق، ثم الرّاد، ثم الضّحى، ثم المتوع، ثم الهاجرة، ثم الأصيل، ثم العصر، ثم الطّفل، ثم العشىّ، ثم الغروب. ذكر ذلك معا أبو جعفر النحاس.

стр. 148

وحكى الثعالبىّ فى كتاب فقه اللغة- عن حمزة بن الحسن- قال: وعليه عهدتها: الشّروق، ثم البكور، ثم الغدوة، ثم الضّحى، ثم الهاجرة، ثم الظّهيرة، ثم الرّواح، ثم العصر، ثم القصر، ثم الأصيل، ثم العشىّ، ثم الغروب. وكانت العرب العاربة تسمّى أيام الأسبوع بأسماء غير هذه التى تتداولها الناس فى وقتنا هذا، وهى: «أوّل» وهو الأحد «أهون» وهو الاثنان «جبار» وهو الثلاثاء «دبار» وهو الأربعاء «مؤنس» وهو الخميس «عروبة» وهو الجمعة «شيار» وهو السبت. نظم ذلك شاعر فقال: أؤمّل أن أعيش وأنّ يومى ... لأوّل أو لأهون أو جبار، أو التالى دبار وإن أفته ... فمؤنس أو عروبة أو شيار. ١٢- ذكر الأيام التى خصّت بالذكر منها: الأيام المعلومات. وهى عشر ذى الحجة، وفيها يوم التّروية. وهو اليوم الثامن سمى بذلك لأنهم يرتوون من الماء لما بعده، لأن منى لا ماء بها. الأيام المعدودات. هى أيام التشريق. وعدّتها ثلاثة بعد يوم النحر. سميت بذلك لأنهم كانوا يشرّقون فيها لحوم الأضاحى فى الشمس والهواء، لئلا تفسد. أيام العجوز. ويقال فيها الأيام الأعجاز، وهى سبعة: أوّلها السادس والعشرون من شباط من شهور الروم؛ والخامس من برمهات من شهور القبط. وهى لا تخلو من رياح وبرد. وسميت بالعجوز: لأنها فى عجز الشتاء.

стр. 149

يوم عبيد، مثل لليوم المنحوس. كان عبيد بن الأبرص قد تصدّى للنعمان فى يوم بؤسه الذى لا يفلح من لقيه فيه، كما لا يخيب من لقيه فى يوم نعيمه، قال أبو تمّام: من بعد ما ظنّ الأعاذى أنّه ... سيكون لى يوم كيوم عبيد. يوم المطر. يضرب مثلا فى كفر النعمة. وذلك أنه حكى عن المعتمد على الله ابن عباد صاحب إشبيلية أنه خلا بزوجته الرميكية فى مجلس أنس، والزمان فيه قيظ. فتمنّت عليه غيما ومطرا. فأمر بمجامر العنبر والعود والنّدّ، حتّى انعقد الدّخان كالضّباب، ثم أمر برشّ صحن المجلس بماء الورد من أعلاه. وحصل بينهما بعد ذلك نبوة، فقالت له: ما رأيت معك يوم سرور قطّ! فقال لها: ولا يوم المصر؟ [١] ؟ صدق رسول الله ﷺ فى قوله: إنّهنّ يكفرن العشير. يوم عاشوراء. وهو اليوم العاشر من المحرّم. ورد فى فضله أحاديث كثيرة. ويقال إن نوحا ﵇ ركب السفينة فيه فصامه وأمر من معه بصومه. وصحّ أن رسول الله ﷺ لما هاجر، رأى اليهود فى المدينة صياما فى هذا اليوم. فسألهم عنه، فقالوا: هذا اليوم الذى نجىّ الله تعالى فيه موسى وبنى إسرائيل، وأغرق فرعون وقومه. فنحن نصومه شكرا لله تعالى. فقال ﵊ : أنا أحقّ بأخى موسى. ثم أمر مناديا فنادى: من أكل فليمسك، ومن لم يأكل فليصم! وفيه قتل الحسين بن علىّ (رضى الله عنهما) .

стр. 150

١٣- ذكر أيام أصحاب الملل الثلاث يوم الجمعة، للمسلمين. وسبب اتخاذهم له أنه اليوم الذى أتمّ الله فيه خلق العالم، وأوجد فيه أبا البشر آدم ﵇ وفيه قبض، وفيه يكون النفخ فى الصّور، وفيه الصّعق، وفيه الساعة التى لا يصادفها عبد مسلم يسأل الله فيها حاجة إلا قضاها له. يوم السبت، لليهود. وحجّتهم على اتخاذهم له أن الله تعالى ابتدأ خلق العالم يوم الأحد، وفرغ منه يوم الجمعة، وأن يوم السبت يوم فراغ ودعة. ولهم فى ذلك أقوال كثيرة. يوم الأحد، للنصارى. ذكر فى سبب اتخاذهم له أن الله ابتدأ فيه بخلق الأشياء. ١٤- ذكر ما يتمثّل به مما فيه ذكر النهار يقال: أطول من يوم الفراق. أضوأ من نهار. أنور من وضح النهار. ويقال: يذهب يوم الهمّ ولا يشعر به. ما يوم حليمة بسرّ. من ير يوما ير به. يوم السّرور قصير. اليوم خمر وغدا أمر. اليوم عيش وغدا خيش. اليوم فعل وغدا ثواب. يوم لنا ويوم علينا. لكلّ قوم يوم. ومن أنصاف الأبيات: وهل يخفى على الناس النهار وفى اللّيالى والأيام معتبر

стр. 151

ومن الأبيات: واله ما أمكن يوم صالح ... إنّ يوم الشّر لا كان عتيدا! وقال آخر: أمام! لا أدرى، وإن سألت: ... ما نسك يوم جمعة من سبت. وقال آخر: وأيام! الشّرور مقصّصات ... وأيّام السّرور تطير طيرا. وقال آخر: لا تحملنّ هموم أيّام على ... يوم، لعلّك أن تقصّر عن غده. ١٥- ذكر شىء مما قيل فى وصف النهار وتشبيهه فمن ذلك قول شاعر، يصفه بالقصر: ويوم سرور قد تكامل وصفه ... سوى قصر، لا عيب فيه سواه! وعهدى به كالرّمح طولا، فعندما ... هززناه للهو التقى طرفاه. وقال آخر: بأبى من نعمت منه بيوم، ... لم يزل للسّرور فيه نموّ! يوم لهو، قد التقى طرفاه ... فكأنّ العشىّ فيه غدوّ. وقال آخر: لم ينتشر فلق الإصباح من؟؟؟ صر ... فيه إلى أن طواه فيلق الغسق. ولم يكن ما تقى جفنى أخى رمد ... كملتقى طرفيه: الصّبح والشّفق. وما تناولت فيه الرّطل مصطبحا ... إلا أعادته منّى كفّ مغتبق.

стр. 152

وقال آخر: لله يوم مسرّة ... أضوا وأقصر من ذباله! لما نصبنا للمنى ... فيه بأشراك حباله، طار النّهار مروّعا ... فيه وأجفلت الغزاله! وقال آخر: حثّ الكؤوس! فذا يوم به قصر، ... وما به من تمام الحسن تقصير. صحو وغيم، يروق الطّرف حسنهما: ... فالصّبحو فيروزج، والغيم بلّور. وقال آخر: ويوم كحلى الغانيات سلبته ... حلىّ الرّبا حتّى انثنى وهو عاطل. سبقت إليه الشمس، والشمس غضّة ... وصبغ الدّجى من مفرق الفجر ناصل. ومن كلام ابن برد الأصغر الأندلسىّ: اليوم يوم بكت أمطاره، وضحكت أزهاره؛ وتقنعت شمسه، وتعطّر نسيمه؛ وعندنا بلبل هزج، وساق غنج؛ وسلافتان: سلافة إخوان، وسلافة دنان؛ قد تشاكلتا فى الطباع، وازدوجنا فى إثارة السرور. فاخرق إلينا سرادق الدّجن تجد مرأى لم يحسن إلا لك، ولا يتم إلا بك. ومن كلامه أيضا: لم نلتق منذ عرّينا مركب اللهو، وأخلينا ربع الأنس، وقصصنا جناح الطّرب، وعبسنا فى وجوه اللذات. فإن رأيت أن تخفّ إلى مجلس قد نسخت فيه الرياحين

стр. 153

بالدواوين، والمجامر بالمحابر، والأطباق، بالأوراق، وتنازع المدام، بتنازع الكلام؛ واستماع الأوتار، باستماع الأخبار؛ وسجع البلابل، بسجع الرسائل؛ كان أشحذ لذهنك، وأرشد لرأيك. ١٦- ذكر شىء مما وصفت به الآلات الموضوعة لمعرفة الأوقات قد وضع أهل هذا الفنّ لمعرفة درجات الليل وساعات النهار آلات، يستدلّون بها على معرفة ما مضى من ذلك وما بقى، ولتحرير المواقيت: كالاصطرلاب، والطّرجهارة والبنكام. ووصف الشعراء والفضلاء ذلك بأوصاف، نذكر منها إن شاء الله تعالى ما نقف عليه. ١- فأما الاصطرلاب وما قيل فيه. فقال أبو طالب، عبد السلام المأمونى: وشبيه بالشّمس يسترق الأن ... وار من نور جرمها فى خفاء. فتراه أدرى وأعلم منها، ... وهو فى الأرض، بالذى فى السّماء. وقال أيضا: وعالم بالغيب من غير ما ... سمع، ولا قلب، ولا ناظر! يقابل الشمس فيأتى بما ضمّنها من خبر حاضر. ... كأنها ناجته لمّا بدا لعينها بالفكر والخاطر. ... وألهمته علم ما يحتوى عليه صدر الفلك الدّائر.

стр. 154

وقال أبو إسحاق الصابى، وقد أهداه فى مهرجان إلى مخدومه: أهدى إليك بنو الآمال واجتهدوا ... فى مهرجان جديد أنت تبليه. لكنّ عبدك إبراهيم، حين رأى ... سمّو قدرك عن شىء يساميه. لم يرض بالأرض يهديها إليك فقد ... أهدى لك الفلك الأعلى بما فيه! وقال أبو الصلت أميّة بن عبد العزيز: أفضل ما استصحب النبيل فلا ... يعدل به فى المقام والسّفر، جرم إذا ما التمست قيمته ... جلّ عن التّبر وهو من صفر. مختصر وهو إذ تفتّشه ... عن ملح العلم غير مختصر. ذو مقلة تستنير ما رمقت ... عن صائب اللحظ صادق النّظر. تحمله وهو حامل فلكا ... لو لم يدر بالبنان لم يدر. مسكنه الأرض وهو ينبئنا ... عن جلّ ما فى السماء من خبر. أبدعه ربّ فكرة بعدت ... فى اللّطف عن أن تقاس بالفكر. فاستوجب الشّكر والثناء به ... من كلّ ذى فطنة من البشر. فهو لذى اللّبّ شاهد عجب ... على اختلاف العقول والفطر. وكتب أبو الفرج الببغاء يصف اصطرلابا أهداه فقال: آثرتك- أيدك الله- ببرهان الحكمة ونسبها، ومدار الفلسفة وقطبها؛ ومرشد الفكر ومناره، وميزان الحسن ومعياره؛ ونافى الشك ومزيله، وشاهد الأثير ودليله؛ مصوّر الحكمة وممثّلها، ومقسم البروج ومعدّلها؛ وموقف النجوم ومسيّرها، وجامع الأقاليم ومدبّرها؛ مرآة الحبك، وصورة الفلك؛ وأمين الكواكب، وحدّ المشارق والمغارب؛ مما اخترعت العقول تسطيحه، وأتقن الحسّاب تصحيحه؛ وتمارت الفطن

стр. 155

فى ترتيبه، واصطلحت الحكماء على تركيبه؛ فأوضحت بالنقش تقسيمه، وأبانت بالكتابة رسومه؛ إلى أن شافهنا بالارتفاع على بعد مسافته، وحصر متفرّق الأمور فى خرقى عضادته؛ واحتوى على قطرى الشّمال والحنوب، واطلع باللطف على خفيّات الغيوب؛ الملقب بالاصطرلاب، الفاصل بين الخطإ والصواب. وقال أبو نصر الكاتب فيه: قطب الزمن ومداره، وميزان الفلك ومعياره؛ وأساس الحكمة وموضوعها، وتفصيل الفطنة ومجموعها؛ الناطق فى صمته، الموفى على نعته؛ مظهر السّر المكنون، المخبر بما كان وما يكون؛ ذو شكل مقمر مستدير، ولون مشمس مستنير؛ ومنطقة محيطة بأجزائه، وخطوط معدّلة على اعضائه؛ وكتابة مطبقة بتدويره، ورموز بائحة بضميره؛ متقابل الأهداف، متكامل الأوصاف؛ بحجرة مسكونه، وصفائح مصونه؛ وقدّ موموق، وباب مطروق؛ للعلم فتحه ورتاجه، وعليه طريقه ومنهاجه؛ إذا انتصب قال فحمد، وإذا اضطجع عيى فلم يفسد؛ صفرىّ الانتساب، ذهىّ الإهاب؛ يخترق الأنوار من نقابه، ويستخدم الشّمس فى حسابه؛ يجمع الشرق والغرب فى صفحته، ويستره الحامل فى راحته؛ رافعه ينظر من تحته، وأخباره تسند عن خرته. ٢- ومما قيل فى طرجهارة. قال أبو الفتح كشاجم يصفها [١] : روح من الماء فى جسم من الصّفر ... مؤلّف بلطيف الحسّ والفكر.

стр. 156

له على الظّهر أجفان محجّرة ... ومقلة دمعها جار على قدر. تنشاله حركات فى أسافله ... كأنها حركات الماء فى الشّجر. وفى أعاليه حسّاب مفصّلة ... للناظرين بلا ذهن ولا نظر. إذا بكى، دار فى أحشائه فلك ... خافى المسير؛ وإن، لم يبك لم يدر. ومخرج لك بالأجزاء ألطفها ... من النهار، وقوس اللّيل فى السّحر. مترجم عن مواقيت يخبّرنا ... عنها فيوجد فيها صادق الخبر. تقضى به الخمس فى وقت الوجوب وإن ... غطّى على الشمس أو غطّى على القمر. وإن سهرت لأسباب تؤرّقنى ... عرفت مقدار ما ألقى من السّهر. محدّد كلّ ميقات، تخيّره ... ذوو التّخيّر للأسباب والسّفر. الباب الثانى من القسم الثالث من الفن الأوّل فى الشهور والأعوام نذكر فى هذا الباب الشهور العربية، واشتقاقها، والشهور العجمية، ودخول بعضها فى بعض، والسنين القمرية، والشمسية، والنسىء ومعناه، وما يجرى هذا المجرى، مما لمحناه أثناء المطالعة بعون الله تعالى وقدرته. وإياه أسأل التوفيق بكرمه ومنته!. ١- ذكر الشهور وما قيل فيها الشهر إما طبيعىّ، وإما اصطلاحىّ. فالطبيعىّ هو مدّة مسير القمر من حين يفارق الشمس إلى حين يفارقها مرة أخرى.

стр. 157

وقال آخرون: هو عود شكل القمر فى جهة بعينها إلى شكله الأوّل. وأما الاصطلاحىّ، فهو مدّة قطع الشمس مقدار برج من بروج الفلك. وذلك ثلاثون يوما، وثلث عشر يوم بالتقريب. وهذا مذهب الروم، والسريان، والفرس والقبط. والله أعلم! ٢- ذكر الأشهر العربية (وما يختص بها من القول) والأشهر العربية قسمان: قسم غير مستعمل، وهو الذى وضعته العرب العاربة؛ وقسم مستعمل، وهو الذى وضعته العرب المستعربة. وكلا القسمين موضوع على الأشهر القمرية. فأما القسم غير المستعمل، فهو أسماء كانت العرب العاربة اصطلحوا عليها، وهى: مؤتمر، ناجر، خوّان، صوان (ويقال فيه: بصان) ، رنّى، أيّدة، الأصمّ، عادل، ناطل، واغل، ورنة، برك. وفى هذه الأسماء خلاف عند أهل اللغة. والذى ذكرناه منها هو المشهور، ويدل عليه قول الشاعر: بمؤتمر وناجر ابتدأنا ... وبالخوّان يتبعه البصان ورنّى ثم أيّدة تليه ... تعود أصمّ صمّ به السّنان وعادله وناطله جميعا ... وواغله فهم غرر حسان وورنة بعدها برك فتمت ... شهور الحول يعقدها البنان.

стр. 158

وأما القسم المستعمل، فهو هذه الأسماء المشهورة: المحرّم، صفر، الربيعان، الجماديان، رجب، شعبان، رمضان، شوّال، ذو القعدة،. ذو الحجّة. قيل: وإنما وضعوا هذه الأسماء على هذه الشهور لاتفاق حالات وقعت فى كل شهر، فسمى الشهر بها عند ابتداء الوضع. فسموا المحرّم محرّما: لأنهم أغاروا فيه فلم ينجحوا، فحرّموا القتال فيه، فسمّوه محرّما. وسموا صفرا: لصفر بيوتهم فيه منهم عند خروجهم إلى الغارات. وقيل: لأنهم كانوا يغيرون على الصّفريّة، وهى بلاد. وشهرا ربيع: لأنهم كانوا يخصبون فيهما بما أصابوا فى صفر، والربيع الخصب. والجماديان: من جمد الماء، لأن الوقت الذى سميا فيه بهذه التسمية كان الماء جامدا فيه لبرده. ورجب: لتعظيمهم له. والترجيب التعظيم. وقيل: لأنه وسط السنة فهو مشتق من الرواجب، وهى أنامل الأصبع الوسطى. وقيل: إن العود رجب النبات فيه أى أخرجه، فسمى بذلك. وكذلك تشعّب العود فى الشهر الذى يليه، فسمى شعبان. وقيل: سمى بذلك لتشعبهم فيه للغارات. وسمى رمضان، أى شهر الحر. مشتق من الرمضاء. وشوّال، من شالت الإبل أذنابها إذا حالت، أو من شال يشول إذا ارتفع. وذو القعدة: لقعودهم فيه عن القتال إذ هو من الأشهر الحرم. وذو الحجة، لأن الحج اتفق فيه، فسمى به. ويقال إن أوّل من سماها بهذه الأسماء، كلاب بن مرّة. ومن مجموع هذه الأشهر أربعة حرم، ثلاثة سرد، وهى: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ وواحد فرد، وهو رجب.

стр. 159

هذا ما رواه الأصمعىّ عن العرب فى ترتيب الأشهر الحرم. واختار غيره أن الواحد الفرد هو المحرّم؛ والسرد رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، لتكون الأربعة أشهر فى سنة واحدة. وهذا مروى عن ابن عباس رضى الله عنهما. ومنها أربعة أشهر لا تكاد العرب تنطق بها إلا مضافة، وهى: شهرا ربيع، وشهر رجب، وشهر رمضان [١] . فهذه الشهور العربية وما قيل فيها. ٣- وأما شهور اليهود فأسماؤها: تشرى، مرحشوان، كسلاو، طابات، شباط، آذار، نيسان، أيّار، سيوان، تموز، آب، أيلول. ٤- وأما الشهور العجمية فإنها شمسية. وهى أقسام، بحسب الأمم التى تنسب إليهم. فمنها الشهور القبطية، وتنسب لدقلطيانوس. وكل شهر منها ثلاثون يوما. وما فضل من عدد أيام السنة الشمسية جعلوه كبيسا فى آخر شهر منها، وهى: توت، بابه، هاتور، كيهك، طوبه، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤونه، أبيب، مسرى. وأوّل توت يكون النوروز. وفى أوّل يوم من كيهك تدخل الأربعينيات، وهى أربعون يوما باردة تؤذن بالشتاء. وفى الرابع من برمودة تدخل الخمسينيات، وهى أيام حارّة تؤذن بالصيف.

стр. 160

ومنها شهور السريان والروم. وهما متفقان فى العدد والدّخول. والسريانيون ينسبون شهورهم لأغسطش [١] ، وهو قيصر. وهذه الشهور منها ما ينقص عن الثلاثين، ومنها ما يوفيها، ومنها ما يزيد عليها. وفيها يقول الكيزانىّ: شهور الروم ألوان: ... زيادات ونقصان. فتشرينهم الثانى، ... وأيلول ونيسان. ثلاثون، ثلاثون، ... سواء، وحزيران. وأشباط ثمان بع ... د عشرين له شان. والسبعة التى تركها، كل شهر منها يزيد يوما. ووضع لها بعض المغاربة ضابطا، وهو حروف معجمة ومهملة يجمعها فى أربع كلمات، وهى: «فاز رجل ختم بحجّ» . وجمعها آخر فى مثل ذلك فقال: «غاب عنك زيد فحجّ» . فما كان معجما فهو أحد وثلاثون يوما، وما كان مهملا فهو ثلاثون، والشهر الموافق للألف ثمانية وعشرون. وأوّل سنة السريان تشرين الأوّل. ودخوله رابع بابه، ويوافق أكتوبر من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم تشرين الثانى، ودخوله فى الخامس من هتور، ويوافقه نومبر [٢] من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم كانون الأوّل، ودخوله فى الخامس من كيهك، ويوافقه دچنبر [٣] من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛

стр. 161

ثم كانون الثانى، ودخوله فى السادس من طوبه، ويوافقه ينير [١] من شهور الروم، وهو أوّل سنتهم، وعدد أيامه أحد وثلاثون يوما؛ ثم شباط، ودخوله فى السابع من أمشير ويوافقه فبرير [٢] من شهور الروم، وهو ثمانية وعشرون يوما وربع يوم؛ ثم آذار، ودخوله فى الخامس من برمهات، ويوافقه مارس من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم نيسان، ودخوله فى السادس من برمودة، ويوافقه أبريل من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم أيّار، ودخوله فى السادس من بشنس، ويوافقه مايه من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم حزيران، ودخوله فى السابع من بؤونة، ويوافقه يونيه من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما؛ ثم تموز، ودخوله فى السابع من أبيب، ويوافقه يوليه من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم آب، ودخوله فى الثامن من مسرى، ويوافقه أغشت [٣] من شهور الروم، وهو أحد وثلاثون يوما؛ ثم أيلول، ودخوله فى الرابع من توت، ويوافقه ستنبر [٤] من شهور الروم، وهو ثلاثون يوما. ونظم بعض الشعراء أرجوزة فى مداخلة الشهور، فقال: وإن حفظت أشهر السّريان ... وكنت من ذاك على بيان. ورمت منها عمل المنازل ... فإنها معلومة التداخل.

стр. 162

أيلول يبدو رابعا من توت ... هذا بحكم النظر المثبوت. وهكذا تشرين وهو الأوّل ... من بابة أربعة تكمل. أوّل تشرين الأخير يدخل ... ومن هتور خمسة يا رجل. أوّل كانون وأعنى الأوّلا ... وخامس من كيهك تعدّلا. أوّل كانون الأخير سادس ... من طوبة فيها يقيس القائس. ومن شباط أوّل يوافى ... سابع أمشير بلا خلاف. أوّل آذار حساب صادق ... من برمهات خامسا يوافق. برمودة سادسه وأوّل ... نيسان وفق ليس عنه معدل. أوّل أيّار بغير لبس ... يوافق السادس من بشنس. بؤونة وافق منه سابعه ... أوّل حزيران لما يتابعه. أوّل تموز على الترتيب ... يدخل فى السامع من أبيب. أوّل آب ثامن من مسرى، ... العلم بالمرء اللبيب أحرى. وقال بعض الشعراء فى مثل ذلك: متى تشأ معرفة التداخل ... من أوّل الشهور فى المنازل. فعدّ من توت بلا تطويل ... أربعة فهى ابتدا أيلول. وبابة كذاك من تشرين ... الأوّل السابق فى السّنين. والخامس المعدود من هاتور ... أوّل تشرينهم الأخير. أوّل كانون بغير دلسه ... إذا نقصت من كيهك خمسه. وطوبة إن مرّ منه ستّة ... أتاك كانون الأخير بغته.

стр. 163

ومن شباط أوّل يوافق ... سابع أمشير، حساب صادق. أوّل آذار إذا جعلته ... لبرمهات خامسا وجدته. أوّل نيسان لدى التجريد ... السادس المعدود من برمود. ومثله أيّار مع بشنس ... واحدة مقرونة بخمس. أما حزيران فيحسبونه ... من أوّل السابع من بؤونه. كذلك السابع من أبيب ... أوّل تموز بلا تكذيب. أوّل آب عند من يحصّل ... ثامن مسرى ذاك ما لا يجهل. وأما شهور الفرس، فهى موافقة لشهور القبط فى العدد. لأن كل شهر منها ثلاثون يوما، إلا أبان ماه، وهو الشهر الثامن، فإنهم يصيفون إليه خمسة أيام لأجل النسىء، ويسمونها الاندركاه. ولكل يوم من أيام الشهر اسم خاص، يزعمون أنه اسم ملك من الملائكة موكل به. فأسماء المشهور منها: افريدون ماه (وهو رأس سنتهم) ، أرديهشت ماه، حرداد ماه، تير ماه، ترد ماه، برماه، مهر ماه، أبان ماه، ادر ماه، دى ماه، بهمن ماه، اسفندار ماه. ويعنون بقولهم «ماه» القمر. المثل- قول بعض الشعراء: شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهنّ ولا سرار

стр. 164

٥- ذكر ما يختص بالسنة من القول وما جاء من اختلاف الأمم فى ابتدائها وانتهائها، والفرق بين السنة والعام أما الفرق بين السنة والعام، فإنهم يقولون «سنة جدب» و «عام خصب» . قال الله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ) . وقال تعالى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) . والصحيح أنهما اسمان موضوعان على مسمّى واحد. قال الله تعالى: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً) . والسنة طبيعية، واصطلاحية. فالطبيعية قمرية؛ وأوّلها استهلال القمر فى غرّة المحرّم، وانسلاخها بسراره فى ذى الحجة. وهى اثنا عشر شهرا، وعدد أيامها ثلاثمائة يوم وأربعة وخمسون يوما وخمس وسدس يوما تقريبا؛ ويتم من هذا الخمس والسدس فى ثلاث سنين يوم، فتصير السنة فى الثالثة ثلاثمائة وخمسة وخمسين يوما. ويبقى شىء يتم منه ومن خمس اليوم وسدسه المستأنف فى السنة يوم واحد إلى أن يبقى الكسر أصلا بأحد عشر يوما عند تمام ثلاثين سنة. وتسمّى تلك السنين كبائس العرب. وأما السّنة الاصطلاحية فإنها شمسيّة، وعدد أيامها عند سائر الأمم ثلاثمائة يوم وخمسة وستون يوما وربع يوم. فتكون زيادتها على السنة العربية عشرة أيام ونصف يوم وربع يوم وثمن يوم وخمسا من خمس يوم. ويقال: إنهم كانوا فى صدر الإسلام يسقطون عند رأس كل اثنتين وثلاثين سنة عربية سنة، ويسمونها الازدلاف. لأن كل ثلاث وثلاثين سنة قمرية اثنتان

стр. 165

وثلاثون سنة شمسية تقريبا. وذلك لتحرزهم من الوقوع فى النسىء الذى أخبر الله أنه زيادة فى الكفر. وهذا الازدلاف هو الذى نسميه فى عصرنا هذا بين كتاب التصرف «التحويل» . لأنا نحوّل السنة الخراجية إلى الهلالية، ولا يكون ذلك إلا بأمر السلطان. وسنة العالم- على ما اتفق عليه المنجمون- هى من حين حلول الشمس رأس الحمل، وهو الاعتدال الربيعىّ. ومنهم من يجعل أوّلها من حين حلول الشمس رأس الميزان، وهو الاعتدال الخريفىّ. وابتداء سنة القبط قطع الشمس اثنتى عشرة درجة من السنبلة، وابتدؤا بفعل ذلك فى زمن أغسطش، وهو قيصر الأوّل على ما ذكره أصحاب الزيجات. وأما الفرس، فأوّل سنتهم عند حلول الشمس أوّل نقطة من الحمل [١] . وأما السّريانيون، فأوّل سنتهم عند قطع الشمس من الميزان ستّ عشرة درجة. ٦- ذكر النسىء ومذهب العرب فيه يقال إن عمرو بن لحىّ، وهو خزاعة- ويقال اسمه عمرو بن عامر الخزاعىّ- هو أوّل من نسأ الشهور، وبحر البحيرة، وسيّب السائبة، وجعل الوصيلة، والحامى. وهو أوّل من دعا الناس إلى عبادة هبل، قدم به معه من هيت. ومعنى النسىء أنهم ينسئون المحرم إلى صفر، ورجب إلى شعبان.

стр. 166

وكان جملة ما يعتقدونه من الدّين تعظيم الأشهر الحرم الأربعة، وكانوا يتحرّجون فيها من القتال. وكانت قبائل منهم يستبيحونها فإذا قاتلوا فى شهر حرام، حرموا مكانه شهرا من أشهر الحلّ، ويقولون نسئ الشهر. وحكى ابن إسحاق صاحب السيرة النبوية (على صاحبها أفضل الصلاة والسلام) أن أوّل من نسأ الشهور على العرب، وأحلّ منها ما أحلّ، وحرّم ما حرّم، القلمّس. وهو حذيفة بن فقيم بن عامر بن الحرث بن مالك بن كنانة بن خزيمة. ثم قام بعده ولده عباد، ثم قام بعد عباد ابنه قلع، ثم قام بعد قلع ابنه أمية، ثم قام بعد أمية ابنه عوف، ثم قام بعد عوف ابنه أبو ثمامة جنادة، وعليه ظهر الإسلام. فكانت العرب إذا فرغت من حجها، اجتمعت عليه بمنى، فقام فيها على جمل، وقال بأعلى صوته: «اللهم إنى لا أخاف ولا [١] أعاف، ولا مردّ لما قضيت! اللهم إنى أحللت شهر كذا (ويذكر شهرا من الأشهر الحرم، وقع اتفاقهم على شنّ الغارات فيه) وأنسأته إلى العام القابل (أى أخرت تحريمه) وحرمت مكانه شهر كذا من الأشهر البواقى!» وكانوا يحلون ما أحلّ، ويحرّمون ما حرّم. وفى ذلك يقول عمرو بن قيس بن جذل الطّعان، من أبيات يفتخر: ألسنا الناسئين على معدّ ... شهور الحلّ، نجعلها حراما؟ وحكى السهيلىّ فى كتابه المترجم «بالروض الأنف» أن نسىء العرب كان على ضربين: أحدهما تأخير المحرّم إلى صفر لحاجاتهم إلى شنّ الغارات وطلب الثأر، والثانى تأخير الحج عن وقته تحرّيا منهم للسنة الشمسية. فكانوا يؤخرونه فى كل عام

стр. 167

أحد عشر يوما حتّى يدور الدّور فى ثلاث وثلاثين سنة فيعود إلى وقته. فلما كانت السنة التاسعة من الهجرة، حج بالناس أبو بكر الصدّيق (رضى الله عنه) فوافق حجه فى ذى القعدة، ثم حج رسول الله ﷺ فى العام القابل فوافق عود الحج إلى وقته فى ذى الحجة كما وضع أوّلا. فلما قضى رسول الله ﷺ حجه، خطب فكان مما قال فى خطبته ﷺ : «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض» . يعنى أن الحج قد عاد فى ذى الحجة. ٧- ذكر السنين التى يضرب بها المثل يضرب المثل: بعام الجراد. كان سنة ثمان من الهجرة. عام الحزن. وهى السنة التى مات فيها أبو طالب عم النبىّ ﷺ وخديجة (رضى الله عنها) وهى سنة عشر من الهجرة، وكان موتها بعده بثلاثة أيام وقيل بسبعة. عام الرّمادة. كان سنة ثمانى عشرة من الهجرة، فى خلافة عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) . أصاب الناس فيه قحطّ حتّى صارت وجوههم فى لون الرماد من الجوع. وقيل: كانت الريح تسفى ترابا كالرّماد لشدّة يبس الأرض، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى «التاريخ» . عام الرّعاف. كان سنة أربع وعشرين من الهجرة، سمى بذلك لكثرة ما أصاب الناس فيه من الرّعاف.

стр. 168

عام الجماعة. كان سنة أربعين من الهجرة. فيه سلّم الحسن بن علىّ (رضى الله عنهما) الخلافة لمعاوية، فاجتمعت الكلمة فيه. عام الجحاف. كان سنة ثمانين من الهجرة، وقع بمكة سيل عظيم ذهب بالإبل وعليها الحمول. عام الفقهاء. وهو سنة أربع وتسعين من الهجرة. فيها مات علىّ بن الحسين زين العابدين، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصدّيق (رضى الله عنهم) وسعيد بن المسيّب، وعروة بن الزبير، وعطاء بن يسار، وسعيد بن زيد بن ثابت. وفيه قتل الحجاج بن يوسف الثقفىّ سعيد بن جبير. سنيّات خالد. يضرب بها المثل فى الجدب. وهو خالد بن عبد الملك بن الحارث المعروف بأبى مطير. كان قد تولّى لهشام بن عبد الملك المدينة سبع سنين توالى القحط فيها حتّى أجلى أهل البوادى. سنة عشر ومائة. مات فيها قرينان فى الزهد: الحسن البصرى ومحمد بن سيرين، وقرينان فى الشعر: جرير والفرزدق. سنة ست وخمسين وثلاثمائة. مات فيها جماعة من الملوك، وهم: شمكير بن زياد صاحب طبرستان وجرجان، ومعز الدّولة بن بويه، وكافور الأخشيدىّ صاحب مصر، ويقفور ملك الروم، وأبو علىّ محمد بن إلياس صاحب كرمان، وسيف الدّولة ابن حمدان ممدوح المتنبى، والحسن بن فيرزان صاحب أذربيجان.

стр. 169

الباب الثالث من القسم الثالث من الفن الأوّل ١- فى الفصول وأزمنتها وفصول السنة أربعة: الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء. ولكل فصل منها ثلاثة بروج، وثلاثة أشهر، وسبع منازل، وموافقة من الطبائع الأربع. ١- فأما فصل الربيع، وهو عند العرب الصيف، فطبعه حارّ رطب. ودخوله عند حلول الشمس برج الحمل، والثور، والجوزاء. وهذه البروج عندهم تدل على الحركة. وله من السن الطفوليّة والحداثة، ومن الرياح الجنوب، ومن الساعات الأولى والثانية والثالثة، ومن القوى القوّة الجاذبة، ومن الأخلاط الدّم، ومن الكواكب القمر والزّهرة، ومن المنازل بعض الفرغ المقدّم والفرغ المؤخر، والرشاء، والسّرطان، والبطين، والثّريّا، والدّبران، وبعض الهقعة. وعدد أيامه أربعة وتسعون يوما. وحلول الشمس [١] فى الثانى عشر من آذار، ويوافقه مارس من شهور الروم، وفى السادس عشر من برمهات من شهور القبط، وفى العشرين من اسفندار ماه من شهور الفرس. وإذا حلت الشمس برج الحمل، اعتدل الليل والنهار، وصار كل واحد منهما اثنتى عشرة ساعة. ثم يأخذ النهار فى الزيادة، والليل فى النقصان. وفى هذا الفصل تتحرّك الطبائع، وتظهر الموادّ المتولدة فى الشتاء. فيطلع النبات وتزهر الأشجار وتورق، ويهيج الحيوان للسّفاد، وتذوب الثلوج، وتنبع العيون، وتسيل الأودية.

стр. 170

ذكر ما قيل فى وصف فصل الربيع وتشبيهه نظما ونثرا. فمن ذلك ما قاله الصنوبرىّ: ما الدّهر إلّا الرّبيع المستنير إذا ... جاء الرّبيع، أتاك النّور والنّور. فالأرض ياقوتة، والجوّ لؤلؤة، ... والنّبت فيروزج، والماء بلّور. وقال آخر: اشرب هنيئا قد أتاك زمان ... متعطّر، متهلّل، نشوان! فالأرض وشى، والنّسيم معنبر، ... والماء راح، والطّيور قيان. وقال الثعالبىّ: أظنّ الرّبيع العام قد جاء زائرا ... ففى الشّمس بزّازا، وفى الرّيح عطّارا. وما العيش إلا أن تواجه وجهه ... وتقضى بين الوشى والمسك أوطارا. وقال آخر: وفصّل فصل الربيع الرياض ... عقودا ورصّع منها حليّا. وفاخر بالأرض أفق السّماء ... فحلّى الثّرى بنجوم الثّريّا. وقال الحسن بن وهب: طلعت أوائل للرّبيع فبشّرت ... نور الرّياض بجدّة وشباب! وغدا السحاب يكاد يسحب فى الثّرى ... أذيال أسحم حالك الجلباب. فترى السّماء إذا أجدّ ربابها ... فكأنّما التحفت جناح غراب. وترى الغصون إذا الرّياح تناوحت ... ملتفّة كتعانق الأحباب. وقال بعض فضلاء أصفهان فى وصف فصل الربيع من رسالة ذكرها العماد الأصفهانىّ فى الخريدة:

стр. 171

أما بعد. فإن الزمان جسد وفصل الربيع روحه، وسرّ حكمة إلهية وبه كشفه ووضوحه؛ وعمر مقدور وهو الشبيبة فيه، ومنهل جمّ وهو نميره وصافيه؛ ودوحة خضرة وهو ينعها وجناها، وألفاظ مجموعة وهو نتيجتها ومعناها؛ فمن لم يستهو طباعه نسيم هوائه، ولم يدرك شفاء دائه فى صفاء دوائه؛ لم يذق لطعم حياته نفعا، ولم يجد لخفض حظه من أيامه رفعا. ٢- وأما فصل الصيف، فإن طبيعته الحرارة واليبس، ودخوله عند حلول الشمس برج السرطان، والأسد، والسنبلة. وهذه البروج تدل على السكون. وله من السنّ الشباب؛ ومن الرياح الصبا؛ ومن الساعات الرابعة والخامسة والسادسة؛ ومن القوى القوّة الماسكة؛ ومن الأخلاط المرّة الصفراء؛ ومن الكواكب المرّيخ، والشمس؛ ومن المنازل بعض الهقعة، والهنعة، والذراع، والنّثرة والطّرف والجبهة (وهى أربعة عشر يوما) والخراتان وبعض الصّرفة. وتنزل الشمس فى برج السرطان فى الرابع عشر من حزيران. وعدد أيامه ثلاثة وتسعون يوما، ويوافقه ينير من شهور الروم؛ وفى العشرين من بؤونه، وإذا حلت الشمس برج السرطان، أخذ الليل فى الزيادة، والنهار فى النقصان. والله أعلم. ذكر ما قيل فى وصف فصل الصيف وتشبيهه نظما ونثرا فمن ذلك ما قاله ذو الرمّة: وهاجرة حرّها واقد ... نصبت لحاجبها حاجبى. تلوذ من الشمس أطلاؤها ... لياذ الغريم من الطّالب. وتسجد للشمس حرباؤها ... كما يسجد القسّ للرّاهب.

стр. 172

وقال مسكين الدّارمىّ. وهاجرة ظلّت كأنّ ظباءها ... إذا ما اتّقتها بالقرون سجود. تلوذ بسؤبوب من الشمس فوقها ... كما لاذ من حرّ السّنان طريد. وقال ابن الفقيسىّ: فى زمان يشوى الوجوه بحرّ، ... ويذيب الجسوم لو كنّ صخرا. لا تطير النّسور فيه إذا ما ... وقفت شمسه وقارب ظهرا. ويودّ الغصن النّضير به لو ... أنّه من لحائه يتعرّى. وقال أيضا: يا ليلة بتّ بها ساهدا ... من شدّة الحرّ وفرط الأوار. كأننى فى جنحها محرم ... لو أنّ للعورة منّى استتار. وكيف لا أحرم فى ليلة ... سماؤها بالشّهب ترمى الجمار؟ وقال آخر: ويوم سموم خلت أنّ نسيمه ... ذوات سموم للقلوب لوادغ، ظللت به أشكو مكابدة الهوى ... فكوزى ملآن ومائى فارغ. وقال محمد بن أبى الثياب، شاعر اليتيمة: وهاجرة تشوى الوجوه كأنّها ... إذا لفحت خدّىّ نار توهجّ. وماء كلون الزيت ملح كأنّه ... بوجدى يغلى أو بهجرك يمزج. وقال الثعالبىّ: ربّ يوم هواؤه يتلظّى ... فيحاكى فؤاد صبّ متيّم. قلت إذ صكّ حرّه حرّ وجهى: ... «ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّم» !

стр. 173

ومما وصف به من النثر قول بعضهم: أوقدت الظّهيرة نارها، وأذكت أوارها؛ فأذابت دماغ الضب، وألهبت قلب الصب؛ هاجرة كأنها من قلوب العشّاق، إذا اشتعلت بنيران الفراق؛ حرّ تهرب له الحرباء من الشمس، وتستجير بمتراكب الرمس؛ لا يطيب معه عيش، ولا ينفع معه سرج [١] ولا خيش؛ فهو كقلب المهجور، أو كالتنور المسجور. ٣- وأما فصل الخريف- فإن طبعه بارد يابس؛ ودخوله عند حلول الشمس برأس الميزان والعقرب والقوس. وهذه البروج تدل على الحركة؛ وله من السن الكهولة؛ ومن الرياح الشّمال؛ ومن الساعات السابعة والثامنة والتاسعة؛ ومن القوى القوّة الهاضمة؛ ومن الأخلاط المرّة السوداء؛ ومن الكواكب زحل؛ ومن المنازل بعض الصّرفة والعوّاء والسّماك والغفر والزّبانيان والقلب وبعض الشولة؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما؛ ويكون حلول الشمس الميزان فى الخامس عشر من أيلول، ويوافقه ستمبر من شهور الروم، وفى الثامن عشر من توت. وفى هذا الفصل يبرد الهواء، ويتغير الزمان، وتصرم الثمار، ويغيّر وجه الأرض، ويصفرّ ورق الشجر، وتهزل البهائم، وتموت الهوامّ، وتنجحر الحشرات، وتطلب الطير المواضع الدّفئة، وتصير الدّنيا كأنها كهلة مدبرة. ويقال: فصل الخريف ربيع النفس كما أن فصل الربيع ربيع العين. والله أعلم.

стр. 174

ذكر ما قيل فى وصف فصل الخريف وتشبيهه نظما ونثرا. فمن ذلك ما قاله الصنوبرىّ، عفا الله عنه: ما قضى فى الربيع حقّ المسرّا ... ت مضيع زمانه فى الخريف. نحن منه على تلقّى شتاء ... يوجب القصف أو وداع مضيف. فى قميص من الزمان رقيق ... ورداء من الهواء خفيف. يرعد الماء منه خوفا إذا ما ... لمسته يد النّسيم الضّعيف. وقال عبد الله بن المعتز: طاب شرب الصّبوح فى أيلول! ... برد الظلّ فى الضّحى والأصيل! وخبت جمرة الهواجر عنّا، ... واسترحنا من النهار الطّويل. وخرجنا من السّموم إلى بر ... د نسيم، وطيب ظلّ ظليل، وشمال تبشّر الأرض بالقط ... ر كذيل الغلالة المبلول. فكأنّا نزداد قربا الى الجن ... ة فى كلّ شارق وأصيل. ووجوه البقاع تنتظر الغي ... ث انتظار المحبّ ردّ الرّسول. تبتغى غلّة لتعمل روضا ... بكثير من الحبا أو قليل. وقال آخر: اشرب على طيب الزمان فقد حدا ... بالصّيف من أيلول أسرع حاد. وأشمّنا باللّيل برد نسيمه ... فارتاحت الأرواح فى الأجساد. وأفاك بالأنداء قدّام الحيا ... فالأرض للأمطار فى استعداد. كم فى ضمائر تربها من روضة ... بمسيل ماء أو قرارة واد. تبدو إذا جاد السّحاب بقطره ... فكأنما كانا على ميعاد.

стр. 175

وقال آخر: لا تصغ للّوم إنّ اللّوم تضليل ... واشرب ففى الشّرب للأحزان تحليل. فقد مضى القيظ واجتثّت رواحله، ... وطابت الرّاح لما آل أيلول. وليس فى الأرض نبت يشتكى رمدا ... إلا وناظره بالطّلّ مكحول. وقال آخر يذمّه: خذ بالتّدثّر فى الخريف فإنّه ... مستوبل، ونسيمه خطّاف. يجرى مع الأيّام جرى نفاقها ... لصديقها «ومن الصّديق يخاف» ! ومما وصف به من النثر: قال أبو إسحاق الصابى يصفه: الخريف أصح فصول السنة زمانا، وأسهلها أوانا؛ وهو أحد الاعتدالين، المتوسطين بين الانقلابين، حين أبدت الأرض عن ثمرتها، وصرّحت عن زينتها؛ وأطلقت السماء حوافل أنوائها، وتأذّنت بانسكاب مائها؛ وصارت الموارد، كمتون المبارد؛ صفاء من كدرها، وتهذّبا من عكرها؛ واطّرادا مع نفحات الهواء، وحركات الريح الشّجواء؛ واكتست الماشية وبرها القشيب، والطائر ريشه العجيب. وقال ابن شبل: كلّ ما يظهر فى الربيع نوّاره، ففى الخريف تجتنى ثماره؛ فهو الحاجب أمامه، والمطرق قدّامه. وقال ضياء الدّين ابن الأثير الجزرىّ عن الخريف يفتخر على فصل الربيع: أنا الذى آتى بذهاب السّموم، وإياب الغيوم، واعتصار بنات الكروم، وتكاثر ألوان المشروب والمطعوم؛ وفىّ يترقرق صفاء الأنهار، فتشتبه القوابل بالأسحار، وأيامى

стр. 176

هى الذهبيات وتلك نسبة كريمة النّجار؛ ومن ثمراتى ما لا تزال أمّهاته حوامل، وأوراقه نواضر وغيرها ذوابل، وقد شبه بالمصابيح وشبهت أغصانه بالسلاسل. ولقد أنصف من قال: محاسن للخريف بهنّ فخر ... على زمن الربيع، وأىّ فخر! به صار الزّمان أمام برد ... يراقب نزحه وعقيب حرّ. ٤- وأما فصل الشتاء، فإن طبعه بارد رطب، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجدى والدّلو والحوت. وهذه البروج تدل على السكون. وله من السنّ الشيخوخة؛ ومن الرياح الدّبور؛ ومن الساعات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة؛ ومن القوى القوّة الدّافعة؛ ومن الاخلاط البلغم؛ ومن الكواكب المشترى وعطارد؛ ومن المنازل بعض الشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية وبعض الفرغ المقدّم؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما. ويكون حلول الشمس برأس الجدى فى الثالث عشر من كانون الأوّل، ويوافقه دچنبر من شهور الروم؛ وفى السابع عشر من كيهك من شهور القبط. وإذا حلت الشمس ببرج الجدى يشتدّ البرد، ويخشن الهواء، ويتساقط ورق الشجر، وتنجحر الحيوانات، وتضعف قوى الأبدان، وتكثر الأنواء، ويظلم الجوّ، وتصير الدّنيا كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت. وروى عن علىّ (رضى الله عنه) أنه قال: «توقّوا البرد فى أوّله، وتلقّوه فى آخره، فإنه يفعل فى الأبدان كفعله فى الأشجار: أوّله يحرق، وآخره يورق» .

стр. 177

ذكر ما قيل فى وصف فصل الشتاء وتشبيهه. فمن ذلك ما قاله جرير شاعر الحماسة: فى ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب فى ظلمائها الطّنبا. لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا. وقال ابن حكينا البغدادىّ: البس إذا قدم الشّتاء برودا ... وافرش على رغم الحصير لبودا. الرّيق فى اللهوات أصبح جامدا ... والدّمع فى الآماق صار برودا. وإذا رميت بفضل كأسك فى الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا. وترى على برد المياه طيورها ... تختار حرّ النّار والسّفّودا. يا صاحب العودين لا تهملهما ... أوقد لنا عودا، وحرّك عودا! وقال آخر: ويومنا أرواحه قرّة ... تخمّش الأبدان من قرصها. يوم تودّ الشمس من برده ... لو جرّت النّار إلى قرصها! وقال عبد الله بن المعتزّ: قد منع الماء من اللّمس ... وأمكن الجمر من المسّ. فليس نلقى غير ذى رعدة، ... ومسلم يسجد للشّمس! وقال آخر: ليس عندى من آلة البرد إلّا ... حسن صبرى، ورعدتى، وقنوعى. فكأنّى لشدّة البرد هرّ ... يرقب الشّمس فى أوان الطّلوع.

стр. 178

وقال ابن سكّرة الهاشمىّ، عفا الله تعالى عنه ورحمه: قيل: ما أعددت للبر ... د وقد جاء بشدّه؟ قلت: درّاعة برد ... تحتها جبّة رعده. وقال أبو سعيد المخزومىّ: إذا كنت فى بلدة نازلا ... وحلّ الشّتاء حلول المقيم، فلا تبرزنّ إلى أن ترى ... من الصّحو يوما صحيح الأديم. فكم زلقة فى حواشى الطريق ... تردّ الثياب بخزى عظيم! وكم من لئيم غدا راكبا ... يحبّ البلاء لماش كريم! وقال الصاحب بن عبّاد: أنّى ركبت فكفّ الأرض كاتبة ... على ثيابى سطورا ليس تنكتم. فالأرض محبرة، والحبر من لثق ... والطّرس ثوبى، ويمنى الأشهب القلم. قال أبو علىّ كاتب بكر شاعر اليتيمة: يا بلدة أسلمنى بردها ... وبرد من يسكنها للقلق. لا يسلم الشّاتى بها من أذى ... من لثق، أو دمق، أو زلق. ومما وصف به نثرا قول بعضهم: إذا حلّت الشمس برج الجدى مدّ الشتاء رواقه، وحلّ نطاقه؛ ودبّت عقارب البرد لاسبه، ونفع مدخور الكسب كاسبه. ومن رسالة لابن أبى الخصال، جاء منها: الكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه؛ والتوى التواء الحباب، واستدار استدارة الغراب؛ وجلده الجليد، وضربه الضّريب وصعّد أنفاسه الصعيد؛

стр. 179

فحماه مباح، ولا هرير له ولا نباح؛ والنار كالصّديق، أو كالرّحيق؛ كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرّب. وقال بعضهم: برد بغير الألوان، وينشّف الأبدان؛ ويجمّد الريق فى الأشداق، والدّمع فى الآماق؛ برد حال بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره. وقيل لبعضهم: أىّ البرد أشدّ؟ فقال: إذا دمعت العينان، وقطر المنخران، وتلجلج اللسان، واصطكّت الأسنان. ووصف ابن وكيع الفصول الأربعة فى أرجوزة فقال: عندى فى وصف الفصول الأربعه ... مقالة تغنى اللّبيب مقنعه. ذكر ما قيل فى فصل الصيف أمّا المصيف، فاستمع ما فيه ... من فطن يفهم سامعيه. فصل من الدّهر إذا قيل حضر، ... أذكرنا بحرّه نار سقر. يظلّ فيه القلب مقشعرّا، ... والأرض تشكو حرّه المضرّا. أوّله فيه ندى منغّص ... كأنه على القلوب يقنص. يلصق منه الجلد بالثّياب ... ويعلق التّراب بالأثواب. حتّى إذا ما طردته الشمس ... وفرحت بأن يزول النّفس. فتّحت النّار لنا أبوابها ... وشبّ فيها مالك شهابها. حرّ يحيل الأوجه الغرّانا ... حتّى ترى الروم به حبشانا. يعلو به الكرب ويشتدّ القلق ... وتنضح الأبدان فيه بالعرق.

стр. 180

تبصره فوق القميص قد علا ... حتّى ترى مبيضّه مصندلا. إن كان رثّا، زاد فى تمزيقه؛ ... أو مستجدّا، جدّ جبل زيقه. ثم يعيد الماء نارا حاميه ... يزيد فى كرب القلوب الصّاديه. شاربه يكرع فى حميم ... كأنّه من ساكنى الجحيم. ينسيه ما يلقى من التهابه ... أن يحمد الله على شرابه. حتّى إذا أعيا، انقضى نهاره ... وأرخيت من ليله أستاره، تحرّكت فى جنحه دواهى ... سارية، وأنت عنها لاهى. من عقرب يسعى كسعى اللّصّ ... سلاحها فى إثره كالشّصّ. وحيّة تنفث سمّا قاتلا ... تزوّد الملسوع حتفا عاجلا. تبصر ما بجلدها من الرّقش ... كوجنة مصفرة فيها نمش. لو نهشت بالنّاب منها الخضرا، ... لنثرت منه الحياة نثرا. فلا تقل إن جاء يوما أهلا ... فلعنة الله عليه فصلا. ذكر ما قيل فى فصل الخريف حتّى إذا زال، أتى الخريف: ... فصل بكلّ سوأة معروف. أهونه يسرع فى حلّ الجسد ... وهو كطبع الموت يبس وبرد. يجنى على الأجسام من آفاته، ... وأرضه قرعاء من نباته. لا يمكن النّاس اتّقاء شرّه ... ولا خلاف برده وحرّه. تبصره مثل الصّبىّ الأرعن ... من كثرة العشّاق والتلوّن. فأنت منه خائف على حذر ... لأنه يمزج بالصّفو الكدر.
следующие страницы →