Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.
стр. 11201
وكان رحيلهم عن دمشق فى ذى الحجة، سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وسار الملك العادل ودخل دمشق. واصطلح مع الملك المنصور صاحب حماه. وتزوج العادل ابنته.
ذكر اتفاق الملوك الأيّوبيّة وما استقر لكل منهم من الممالك
قال المؤرخ: ثم استقرت القاعدة بين الملوك، فى سنة تسع وتسعين وخمسمائة على أن يكون للملك العادل الديار المصرية، ودمشق والسواحل وبيت المقدس، وجميع ما هو فى يده ويد أولاده ببلاد الشرق.
وأن يكون للملك الظاهر حلب وما معها. وأن يكون للملك المنصور- ناصر الدين محمد بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب- حماه وأعمالها، والمعرّة وسلميّه «١» وبارين «٢» .
وأن يكون للملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن محمد بن شيركوه
стр. 11202
حمص، والرّحبة «١» ، وتدمر «٢» . وأن يكون للملك الأمجد، بن فرّخشاه ابن شاهنشاه بن أيوب، بعلبك وأعمالها.
وأن يكون للملك الأفضل، بن الملك الناصر، سميساط «٣» وبلادها، لا غير.
وأن يقطع الملك الظاهر خبز «٤» عماد الدين المشطوب «٥» ولا يستخدمه. فقطع خبزه، فصار إلى الملك العادل فلم يستخدمه، وقال له: تخدم بعض أولادى. فقصد الملك الأوحد، فلم يستخدمه. فاستخدمه الملك الأشرف، وندبه لحصار ماردين، وحلف له على أربعمائة فارس، إذا فتحت. فسار ابن المشطوب إليها وحاصرها، فأرسل صاحبها إلى الملك الأشرف خمسة آلاف دينار، فتركها.
نعود إلى أخبار الملك العادل، فى أثناء هذه المدة التى قدمنا ذكرها، والحوادث التى وقعت فى خلالها.
стр. 11203
وفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، فى ذى القعدة، اعتقل الملك العادل، الملك المؤيد والملك العزيز وهما: ابنا أخيه صلاح الدين يوسف.
رحمه الله تعالى.
ذكر خبر الزلزلة الحادثة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وغيرها
وفى هذه السنة فى شعبان، جاءت زلزلة من الصعيد، فعمت الدنيا فى ساعة واحدة. وهدمت أماكن كثيرة بالديار المصرية، ومات تحت الهدم خلق كثير.
وامتدت إلى الشام والساحل، فهدمت مدينة نابلس، فلم يبق بها جدار قائم إلا حارة السامرة «١» ، ومات تحت الهدم ثلاثون ألفا. وهدمت عكا وصور وجميع قلاع الساحل. وامتدت إلى دمشق، فرمت بعض المنارة بالجامع، وأكثر الكلّاسة والبيمارستان النّورى، وعامة دور دمشق إلا القليل. وهرب الناس إلى الميادين. وسقط من الجامع ستة عشر شرفة «٢» ، وتشققت قبّة النّسر «٣»
стр. 11204
وتهدمت بانياس «١» وهونين «٢» وتبنين «٣» . وخرج قوم من بعلبك يجمعون الرّيباس «٤» من جبل لبنان، فالتقى عليهم الجبلان، فماتوا بأسرهم.
وتهدمت قلعة بعلبك- مع عظم حجارتها. وامتدت إلى حمص، وحماه، وحلب، والعواصم.
وقطعت البحر إلى قبرص، وانفرق البحر فصار أطوادا، وقذف بالمراكب إلى الساحل، فتكسرت. ثم امتدت إلى خلاط وأرمينية وأذربيجان والجزيرة.
وأحصى من هلك فى هذه السنة، بسبب هذه الزلزلة، فكانوا ألف ألف إنسان، ومائة ألف. وكانت قوة الزّلزلة، فى مبدأ الأمر، بمقدار ما يقرأ الإنسان سورة الكهف. ثم دامت بعد ذلك أياما.
حكى ذلك أبو المظفر يوسف سبط بن الجوزى «٥» فى تاريخه: «مرآة الزمان» . وقد ذكرت زلزلة أيضا فى شعبان، سنة ثمان وتسعين وخمسمائة،
стр. 11205
وذكر مما حدث بسببها نحو هذا. فالله أعلم: هل هى هذه، أو هما اثنتان؟.
وفى هذه السنة توفى الأمير بهاء الدين قراقوش الأسدى، الزّمام «١» ، فى مستهل شهر رجب بالقاهرة، وله من العمر ثمان وثمانون سنة:
وهو الذى عمّر سور القاهرة، وقلعة الجبل «٢» وقناطر نهيا «٣» من الجيزة. وعمر بالمقس «٤» رباطا، وبظاهر القاهرة- خارج باب الفتوح- سبيل. والناس ينسبون إليه فى ولايته أحكاما غريبة، حتى وضع الأسعد بن ممّاتى خبرا لطيفا، سماه «الفاشوش فى أحكام قراقوش» ، ذكر فيه أشياء يبعد وقوعها من مثله «٥» ، فإن الملك الناصر صلاح الدين يوسف،
стр. 11206
مع حسن تدبيره وسداد رأيه، كان يعتمد عليه فى المهمات الجليلة والمناصب العالية، وثوقا بمعرفته وكفايته. والله أعلم. ولما مات، أقطع الملك العادل إقطاعه لابنه الملك الكامل.
وفيها، فى يوم الاثنين مستهل شهر رمضان، توفى بدمشق القاضى عماد الدين محمد بن محمد بن حامد، الأصفهانى، الكاتب، صاحب الخريدة، والرسائل المشهورة «١» . ومولده فى يوم الاثنين، ثانى جمادى الآخرة، سنة تسع عشرة وخمسمائة.
وفيها كانت وفاة الشيخ جمال الدين أبو الفرج: عبد الرحمن، بن على، بن عبيد الله، بن حماد، بن أحمد، بن جعفر، الجوزى الواعظ، البكرى التّيمى ببغداد، فى الليلة المسفرة عن يوم الجمعة، ثالث عشر رمضان. ودفن يوم الجمعة عند قبر الإمام أحمد بن حنبل- رحمهما الله تعالى.
стр. 11207
واستهلت سنة ثمان وتسعين وخمسمائة:
ذكر عمارة المسجد الجامع بقاسيون
فى هذه السنة، شرع الشيخ أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسى الحنبلى شيخ المقادسة- رحمه الله تعالى- فى بناء المسجد الجامع، بجبل قاسيون «١» . وكان بالجبل رجل فامى «٢» ، يقال له أبو داود، فوضع أساسه وبلغ قامة، وأنفق عليه ما كان يملكه. وبلغ مظفّر الدين بن زين الدين صاحب إربل ذلك، فبعث إلى الشيخ أبى عمر مالا يملكه، ووقف عليه وقفا. ثم أرسل ألف دينار. وأراد أن يسوق إليه الماء من برزه «٣» ، فقال الملك المعظم عيسى: طريق الماء كلها مقابر، فكيف يجوز أن تنبش أموات المسلمين! وأشار أن يشترى بغل يدور بدولاب، ويشترى ببقية المال مكان يوقف عليه. ففعلوا ذلك.
ذكر وفاة الملك المعز صاحب اليمن وقيام أخيه نجم الدين أيوب
كانت وفاة الملك المعز: فتح الدين أبى الفدا إسماعيل، بن الملك العزيز، ظهير الدين أبى الفوارس: سيف الإسلام طعتكين «٤» بن أيوب،
стр. 11208
ملك اليمن بالقرو «١» من أعمال زبيد، فى شهر رجب سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.
وكان قد ادعى أنه من بنى أمية، وتلقب بألقاب الخلفاء، وهو الإمام الهادى بنور الله، المعز لدين الله، أمير المؤمنين. وغيّر زيّه، فلبس القميص الواسع والعمامة والطّيلسان. وكتب إليه عمه العادل ينكر عليه ذلك، فلم يجبه. وكان سبب ذلك أن الشعراء باليمن سموه فى مدائحهم بالخليفة، وفضلوه على من سواه. ومنهم من امتدحه بقوله:
بنى العباس هاتوا ناظرونا..
وهى أبيات لم يقع منها غير هذا.
ولما مات، قام بعده بملك اليمن أخوه: نجم الدين أيوب، وتلقب بالناصر. وكان دون البالغ، فقام بأمره سيف الدين: مملوك أبيه.
وفيها توفى الرئيس مؤيّد الدين، أبو المعالى: أسعد، بن عز الدين أبى يعلى حمزة، بن القلانسى التّميمى «٢» بدمشق، فجأة فى رابع عشرين شهر ربيع الأول. ومولده فى سابع عشر شهر رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائة.
стр. 11209
وكان رئيس دمشق وكبيرها وصدرها. وسائر أهل البلد تحت حكمه، وهو المقدم عليهم. وكان الدماشقة فى الزمن الأول لكل طائفة منهم مقدم، يركبون «١» مع الملوك ويجاهدون «٢» الفرنج. ولكل طائفة قطعة من السور يحفظونها، بغير إقطاع لهم على ذلك ولا جامكيّة «٣» . وما برح الحال على ذلك إلى زمن الملك المعظم عيسى بن الملك العادل، فأبطل ذلك وقال:
لا نقاتل بالعوام. وإنما فعل ذلك خوفا على نفسه منهم، فإنهم كانوا إذا طلبهم ملك قتلوه. ولما ولى الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل دمشق، شرع فى مصادرة أكابر دمشق واستئصال أموالهم. فاشتغلوا بالظلم عما كانوا بصدده، من ركوب الخيل وجمع السلاح، وغير ذلك.
وكان مؤيّد الدين هذا رئيس دمشق فى زمانه، ومقدم الجماعة. بحيث أنه لا يباع من أملاك دمشق ملك، حتى يأتيه جماعة ويشهدون عنده أنه ملك البائع، انتقل إليه بالميراث أو الابتياع. فإذا ثبت ذلك عنده كتب بخطه فى ذيل الكتاب ليشهد فيه بالتبايع، فيشهد الشهود بعد ذلك. وخطه موجود فى الكتب القديمة بذلك. وكان رحمه الله تعالى من أرباب المروءات لمن قصده ولجأ إليه.
وله نظم حسن، فمن نظمه:
يا رب جد لى إذا ما ضمّنى جدثى ... برحمة منك تنجينى من النار
أحسن إلىّ إذا أصبحت جارك فى ... لحدى، فإنك قد أوصيت بالجار
стр. 11210
وتوفى والده عز الدين «١» حمزة يوم الجمعة، سابع شهر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة. ودفن بقاسيون. وكان فاضلا حسن الخط والنظم. وجمع تاريخا لحوادث سنة أربعمائة إلى حين وفاته- رحمهما الله تعالى.
وفى يوم عيد النحر من هذه السنة، ورد إلى فوّه»
مراكب الروم فنهبوها نهبا شديدا.
واستهلت سنة تسع وتسعين وخمسمائة:
فى هذه السنة أخرج الملك العادل الملك المنصور، بن العزيز، من الديار المصرية إلى الرّها «٣» .
وفيها ملك الفرنج القسطنطينية من الروم.
وخرج الفرنج منها لقصد الساحل. [فجمع الملك العادل عساكره وخرج إليهم. فاستقر الصلح بينه وبينهم على أن يكون لهم من بلاد المناصفات «٤» أشياء، مثل الرّملة والناصرة.
стр. 11211
وفيها بعث الخليفة- الناصر لدين الله- الخلع إلى الملك العادل وأولاده، وسراويلات الفتّوة «١» ، فلبسوها فى شهر رمضان «٢» ] .
ذكر حصار ماردين «٣» وما حصل من الاتفاق
وفى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، جمع السلطان الملك العادل عساكره، وفرق فيهم السلاح والأموال، وقدم عليهم ولده: الملك «الأشرف موسى» ، وأمره بالمسير إلى ماردين. فسار إليها وحاصرها، وشدد الحصار.
فدخل الملك الظاهر غازى، صاحب حلب، فى الصلح بين عمه وصاحب ماردين. فأجاب الملك العادل إلى الصلح- على أن يخطب له صاحب ماردين فى جميع بلاده، ويضرب السّكّة باسمه، ويحمل إليه مائة ألف وخمسين ألف دينار، ويكون عسكر ماردين فى خدمته، متى طلبه.
فأجاب صاحب ماردين إلى ذلك.
فرحل الملك الأشرف عنها، وحمل صاحب ماردين إلى الملك الظاهر عشرين ألف دينار، لتوسطه فى الصلح.
стр. 11212
وحكى أن السبب فى حصار ماردين أن شاعرا، يقال له الكمال، قال:
متى تقبل الرايات من أرض جلّق «١» ... وتنتزع الشهباء من كفّ أرتق «٢» !
فبلغ هذا البيت أرتق صاحب ماردين، فاعتقل هذا الشاعر. فاتصل خبره بالملك العادل، فندب هذا الجيش إليها. والله أعلم.
وفى هذه السنة- فى أواخرها- حصل الشروع فى عمارة سور قلعة دمشق. فابتدىء ببرج الزاوية القبلى منها، المجاور لباب النصر.
وفيها ماجت النجوم شرقا وغربا، وتطايرت كالجراد المنتشر، يمينا وشمالا. ولم ينقل ذلك إلا فى مبعث النبى ﷺ ، وفى سنة إحدى وأربعين ومائتين. ويقال إن هذه السنة كانت أكثر انتشارا. والله أعلم.
واستهلت سنة ستمائة
فى هذه السنة وصلت مراكب الفرنج من ساحل عكا إلى فوّه «٣» ، فنهبوها وغنموا كثيرا من أطرافها. وأقاموا عليها خمسة أيام. وخرج بعض عساكر مصر فقاتلتهم.
стр. 11213
وفيها كانت وفاة الحافظ: عبد الغنى بن عبد الواحد بن على، ابن سرور بن رافع بن حسن بن جعفر، المقدسى الحنبلى، الجمّاعيلى. ولد بجمّاعيل «١» - وهى قرية من أعمال نابلس، فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
وفيها، فى العاشر من جمادى الأولى، كانت وفاة القاضى السعيد أبو القاسم: هبة الله بن أبى الرّدّاد «٢» - متولى المقياس بجزيرة مصر- وكان خطيب الجامع.
واستهلت سنة إحدى وستمائة:
فى هذه السنة رخصت أسعار الديار المصرية. وبلغ سعر القمح ستة أرادب بدينار.
وفيها قدم الملك العادل من الشام فى ثالث جمادى الآخرة وتوجه إلى الإسكندرية، وحصّل منها أموالا جمّة.
стр. 11214
وفيها، أخرج الملك الكامل أولاد الخليفة العاضد لدين «١» الله، وهم: داود والمظفّر، إلى الإيوان بالقصر، وقيدهم، وأخذ جميع ما كان عندهم من الأقمشة والأوانى وغير ذلك.
وفيها ابتدأ الصاحب صفى الدين بن شكر بمصادرة أصحاب الدواوين، ومستخدمى الدولة والمتعينين، وأهانهم، لما كان فى باطنه منهم.
وفيها توفى القاضى كمال الدين أبو السعادات: أحمد بن القاضى جلال الدين أبى المعالى شكر، بن محمود بن يعقوب اللّخمى. وكان ناظر الدواوين فى الأيام الناصرية والعزيزية. وكانت وفاته بثغر الإسكندرية. وهو الذى نوّه بذكر الصاحب صفى الدين ورباه، وصفىّ الدين ربيبه. كان جلال الدين شكر والمخلص أبو الحسن- والد الصاحب صفى الدين- إخوة لأم.
واستهلت سنة اثنتين وستمائة:
فى هذه السنة هدمت قنطرة الباب الشرقى بدمشق، وبلط بحجارتها صحن الجامع، وفرغ منها فى شهر رمضان سنة أربع وستمائة، وفيها فى شوال غير قبّة النّسر بجامع دمشق، عدة أضلاع من شماليها. والله أعلم.
стр. 11215
واستهلت سنة ثلاث وستمائة:
ذكر قصد العادل بلاد الفرنج
فى هذه السنة فى جمادى الأولى، وقيل فى شعبان، خرج الملك العادل بعساكره وقصد عكا. فصالحه أهلها. فعاد إلى دمشق.
وخرج الفرنج من طرابلس، وأغاروا على حمص. فخرج الملك العادل من دمشق، ونزل على بحيرة قدس «١» بظاهر حمص، وحضرت إليه عساكر البلاد. فأقام إلى آخر شهر رمضان. وتوجه يوم العيد إلى حصن الأكراد «٢» ، وقاتل أشد قتال، وفتح برجا بالقرب من الحصن، وأخذ منه خمسمائة رجل وسلاحا. ثم سار إلى القليعات «٣» ، فأخذها بعد حصار.
وتقدم إلى طرابلس، وقاتل قتالا شديدا، وأقطع ثمارها. ثم أنس من عسكره فشلا، فعاد إلى حمص. فأنشذ إليه صاحب طرابلس وطلب الصلح، وأرسل مالا وأسرى.
وفيها توفى الطواشى جمال الدين إقبال، الخادم الصّلاحى، من خدام
стр. 11216
الملك الناصر صلاح الدين يوسف. وكانت وفاته بالبيت المقدس، بعد أن وقف داريه بدمشق مدرستين: إحداهما على الطائفة الشافعية، والأخرى على طائفة الحنفية، ووقف عليهما أوقافا: جعل ثلثيها للشافعية وثلثها للحنفية. وذلك فى رابع عشر ذى القعدة.
واستهلت سنة أربع وستمائة:
ذكر انتقال السلطنة من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل
وأول من سكن قلعة الجبل من الملوك الملك الكامل ناصر الدين محمد، بن السلطان الملك العادل. وذلك فى سنة أربع وستمائة- وهو إذ ذاك ينوب عن والده بالديار المصرية.
وأول من بدأ بعمارتها الملك الناصر صلاح الدين يوسف. فعمر بها برجا، وهو المطل على مشهد السيدة نفيسة. ثم كملت فى أيام الملك العادل.
ونقل أولاد العاضد من القصر إلى قلعة الجبل، وبنى لهم بها مكان اعتقلوا فيه. فكانوا فيه إلى سنة إحدى وسبعين وستمائة. وتوفى الأمير داود فى هذه السنة.
ذكر ورود رسل الخليفة الناصر لدين الله بالخلع للملك العادل وأولاده ووزيره
كان السلطان الملك العادل قد جهز القاضى نجم الدين خليل الحنفى- قاضى عسكر الشام- رسولا إلى الخليفة الناصر لدين الله، فوصل إلى بغداد
стр. 11217
فى هذه السنة فجهز الخليفة إلى السلطان رسولين، وهما: الشيخ شهاب الدين السّهروردى «١» ونور الدين سنقر الرّكنى الخليفتى. وأصحبهما الخلع للسلطان، ولولديه: الأشرف والمعظم، ولوزيره صفى الدين بن شكر، ولأستاذ داره شمس الدين إلدكز العادلى.
وكانت خلعة السلطان جبة أطلس وسيعة الكم بطراز ذهب، وعمامة سوداء بطراز ذهب، وطوق ذهب مجوهر، وسيف جميع؟؟؟
ملبس بالذهب، وحصان أشهب بمركب ذهب، وقصبة ذهب عليها علم أسود، مكتوب عليه بالبياض.
فتلقاها السلطان الملك العادل إلى الغسولة «٢» بجميع عساكره، وعاد.
ولبسوا الخلع من القصر إلى القلعة بدمشق. وحمل الأمير بدر الدين دلدرم التقليد على رأسه بين يدى السلطان، ودخلوا جميعهم من باب الحديد وقت أذان الظهر. وقرأ الوزير التقليد قائما، بمحضر من القضاة وبياض البلد، بإيوان القلعة، والسلطان وأولاده وسائر من حضر قياما إلى أن تكاملت قراءته.
وتضمن التقليد تفويض البلاد إلى السلطان، وهى ديار مصر والساحل ودمشق، وبلاد الشرق وخلاط. وحضرت رسل الملوك: الظاهر صاحب
стр. 11218
حلب، والمنصور صاحب حماة، وصاحب حمص، ومع كل منهم ألف دينار، ينثرها على السلطان. فرسم السلطان بتوفير ذلك لرسول الخليفة.
وسار الشيخ شهاب الدين ورفيقه إلى القاهرة، بخلعة الملك الكامل.
فتلقاهما الملك الكامل، وزينت القاهرة ومصر لدخول الرسل. ولبس الكامل الخلعة الخليفية.
ثم عاد الشيخ شهاب الدين السّهروردى ورفيقه إلى بغداد. وأصحبهما السلطان أستاذ داره شمس الدين، وصحبته التحف والألطاف. فوصل إلى بغداد فى سنة خمس وستمائة. فتلقى بالموكب. ونقم الخليفة على الشيخ شهاب الدين السهروردى كونه مد يده إلى الأموال وقبلها، وحضر دعوات الأمراء بالشام، منهم الأمير عز الدين سامه وغيره. وكان قبل ذلك قد اشتهر بالزهد. فاعتذر أنه إنما قبل الأموال ليفرقها فى الفقراء فلم يقبل عذره. ومنع من الوعظ، وأخذ منه الرّبط التى كانت بيده. وفرق الشيخ ما كان قد حصل له من الأموال- وكانت جملة طائلة- فاغتنى بها جماعة من الفقراء.
وقبل الخليفة ما كان مع شمس الدين إلّدكز من الهدايا، وشرّفه وأعاده إلى مرسله.
ذكر استيلاء الملك الأوحد بن السلطان الملك العادل على خلاط «١»
وفى سنة أربع وستمائة، استولى الملك الأوحد: نجم الدين أيوب، بن الملك العادل على مدينة خلاط، بمكاتبة أهلها.
стр. 11219
وكان سبب ذلك أن الهزار دينارى قتل صاحبها ابن بكتمر- وكان شابا لم يبلغ عشرين سنة- وقيل انه غرّقه فى بحر خلاط. وكانت أخته بنت بكتمر زوجة صاحب أرزن الروم «١» ، فقالت: لا أرضى إلا بقتل قاتل أخى. فسار صاحب أرزن إلى خلاط فخرج إليه الهزار دينارى وتبارزا، فقتله صاحب أرزن الروم. وعاد إلى أرزن. وبقيت خلاط بغير ملك.
وكان الملك الأوحد- صاحب ميّافارقين «٢» - يكاتبه أعيان خلاط.
فجاء إليهم واستولى على المدينة. واشترط عليه مقدموها شروطا، وكانوا جبابرة، فقبل الشروط. ثم أبادهم- قتلا وتغريقا- وبدد شملهم.
ومن عجيب ما اتفق أن الملك العادل، سيف الدين، كان له عدة أولاد، ليس فيهم أقبح صورة من الملك الأوحد هذا، فإنه كان قصيرا ألثغ زرىّ المنظر.
فخرج مع والده وإخوته إلى الصيد. فأرسل والده بازيّا على طائر، فسقط البازى على رأس الأوحد، فضحك السلطان والده، وقال: قد صاد بازيّنا اليوم بومة! فانكسر خاطر الأوحد لذلك، وتألم وأسرّها فى نفسه. فلما قدر الله تعالى له بفتح خلاط، وخطب له بشاه أرمن على قاعدة ملوك خلاط، كتب إلى أبيه الملك العادل، يبشره بالفتح، ويقول له: إن البومة- التى صادها بازى مولانا السلطان فى اليوم الفلانى- قد اصطادت مدينة خلاط، وصارت شاه أرمن! وكان بين الواقعتين عشر سنين.
стр. 11220
وفى هذه السنة، فى شهر رجب، وضعت الساعات بالمئذنة الشمالية بجامع دمشق. وفيها حصل الشروع فى عمارة البرج الذى يقابل المدرسة القيمازيّة «١» من قلعة دمشق. وفيها حدثت زلازل ورياح شديدة ببلاد خلاط.، وخسف بمكان الملك الأوحد بن الملك العادل قد نزل به ثم رحل عنه، قبل الخسف بليلة.
وفيها كانت وفاة الأمير داود، بن الخليفة العاضد لدين الله، فى محبسه بقلعة الجبل. وكان دعاة الإسماعيلية يقولون إن العاضد نصّ عليه بالإمامة، وأنه صاحب الأمر بعده. وكان عظيما عند العامّة. فلما توفى انقطعت دعوة الإسماعيلية «٢» وزال أمرهم.
وأشهر العادل وفاته، فعظم موته على من هو يتوالى فيهم. فاستأذن الناس الملك الكامل فى النياحة عليه وندبه، فأذن لهم. فبرز النساء حاسرات، والرجال فى ثياب الصوف والشعر، وأخذوا فى ندبه والبكاء عليه. واشتهر من كان مستترا من الإسماعيلية. فلما اجتمعوا وكملوا، أرسل الملك الكامل جماعة من عسكره، فنهبوا ذلك الجمع، وقبض على المعروفين منهم، وملأ بهم الحبوس، واستصفى أموال ذوى اليسار منهم، وهرب جماعة آخرون. وزال أمر الإسماعيلية من الديار المصرية. ولم يتجاهر بعد ذلك أحد بمذهبهم.
стр. 11221
واستهلت سنة خمسة وستمائة:
فى هذه السنة فى يوم الجمعة، خامس شهر رمضان، ولى قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن، بن عبد العلى، بن على، السّكّرى- القضاء بالديار المصرية.
وذلك أن الملك العادل كان قد خرج إلى الشام فى شعبان، فلما وصل إلى العبّاسة «١» ، بلغه وفاة قاضى القضاة: صدر الدين عبد الملك بن درباس. وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء، الخامس من شهر رجب، من هذه السنة. ومولده فى أواخر سنة ست عشرة، أو أوائل سنة سبع عشرة وخمسمائة. ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى.
ولما اتصلت وفاته بالسلطان، استدعى الفقيه عماد الدين، فسار إلى العبّاسة. فولاه الحكم، وعاد «٢» إلى القاهرة. فدخلها فى يوم الاثنين، ثامن الشهر. ولما وصل إلى مسجد التّبن، دخل إليه- ومسجد التبن بظاهر القاهرة- ولبس الطّرحة وألقى الطّيلسان «٣» . وكانت العادة جارية أن لا يتطرح إلا من علم فضله واشتهر.
وفيها كانت وفاة الملك الأمجد: مجد الدين حسن، بن السلطان الملك
стр. 11222
العادل سيف الدين أبى بكر محمد، بالقدس- وهو شقيق الملك المعظم والملك العزيز- رحمهم الله تعالى.
واستهلت سنة ست وستمائة:
فى هذه السنة- وقيل فى سنة سبع- نزلت الكرج «١» على خلاط، وبها الملك الأوحد، بن الملك العادل. وملك الكرج اسمه إيرانى «٢» .
واتفق فى أمر هذا الحصار واقعة غريبة، ذكرها الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه: «حوادث الزمان» عمّن حكى لوالده، قال:
كنت فى خلاط، وقد أشرف الكرج على فتحها، ولم يبق إلا دخولهم إليها. فبلغ الملك الأوحد أن منجم ايرانى قد حكم لصاحبه أنه متى زحف يوم السبت أول النهار، دخل خلاط، وجلس على تخت الملك، ولا يبيت ليلة الأحد إلا فى قلعتها. فأحضر الملك الأوحد منجمه، وذكر له ما بلغه، فقال له: لا تخف، فإن خلاط لا تخرج عن ملكك، وأنت مستظهر على الكرج.
стр. 11223
واتفق أن إيرانى شرب الخمر، وركب فى جيوشه وقصد باب أرجيش «١» ، وحمل ليدخل البلد قبل أخيه، فكبا به فرسه فى حفيرة، فسقط إلى الأرض. واتفق خروج جماعة من القيمريّة «٢» من ذلك الباب، ليدفعوا الكرج من البلد، فرأوا إرانى قد سقط، فحملوا على أصحابه وكشفوهم عنه، وأسروه. ودخلوا باب المدينة، وقد تجهز الملك الأوحد للهزيمة، فجلس فى القلعة أمام تخت المملكة على كرسى. وكان بقلعة خلاط تخت عظيم، لا يجلس عليه الملك إلا فى يوم ملكه، ثم لا يعود يجلس عليه.
فلما أحضر ملك الكرج إليه، تلقاه وأكرمه، وأجلسه على تخت الملك وجلس بين يديه على كرسى، وقال له: البلاد لك. فكتب إيرانى إلى أخيه، وإلى الكرج، بالانصراف عن البلد، فرحلوا.
وتحالف الملك الأوحد وملك الكرج على الموافقة والمعاضدة. وتزوج الملك الأوحد ابنة إيرانى، وجهزه إلى مدينته تفليس، بعد أن استأذن والده على ذلك، فأذن له. ويقال كان إطلاقه فى ثانى عشر جمادى الأولى، سنة سبع وستمائة. والله أعلم. وزفّت البنت إلى الملك الأوحد بعد ذلك، وهى على دينها، وبنى لها بيعة بقلعة خلاط. وأطلق الكرج القلاع التى كانت أخذت- وهى إحدى وعشرون قلعة- ومائة ألف دينار. ووافق قول كل من المنجمين: جلس الكرجى على تخت الملك، وبات بالقلعة، وانتصر الأوحد.
стр. 11224
وفيها جهز الملك العادل جمال الدين المصرى «١» رسولا إلى الخليفة.
فأدى، وأعيد. وصحبه من الديوان العزيز ابن الضحاك وأقباش «٢» الناصرى. فاجتمعوا بالسلطان الملك العادل على رأس العين.
ذكر حصار الملك العادل سنجار ورجوعه عنها وأخذ نصيبين والخابور
وفى سنة ست وستمائة، سار الملك العادل إلى سنجار «٣» - وصاحبها، يوم ذاك، قطب الدين بن عماد الدين زنكى.
فلما خيم بظاهرها، أخرج صاحبها نساءه وخدمه، يسألن العادل إبقاء المدينة عليه. فلما حصلن عنده، أمر باعتقالهن. وأرسل إلى قطب الدين، يقول: انه لا يطلقهن إلا بعد تسليم البلد. فاضطر إلى موافقته. وتقررت الحال بينهما: أن يعوض قطب الدين الرّقّة وسروج وضياع فى بلاد حرّان.
فأطلق العادل النسوة، وأرسل أعلامه إلى البلد، فلما دخلن البلد، ودخلت الأعلام العادلية، أمر قطب الدين بغلق الأبواب وتكسير الأعلام.
وأرسل إلى العادل، يقول: غدرة بغدرة، والبادى أظلم.
стр. 11225
فحاصرها العادل، وقطع أشجارها وهدم جواسقها. فانتصر صاحب الموصل لصاحب سنجار، خوفا على بلاده. وراسل مظفر الدين صاحب إربل، وكان بينهما وحشة. وكان من جملة رسالة صاحب الموصل له: أن الأحقاد تذهبها الشدائد. فراسل مظفر الدين العادل، يشفع عنده فى صاحب سنجار. فرد رسوله أقبح رد. فمضى إلى صاحب الموصل، واتفق معه، وراسلا صاحب الجزيرة.
وأرسل مظفر الدين إلى صاحب سنجار، يشير عليه بمراسلة الخليفة.
فأرسل إليه، فمضى الرسول إلى بغداد. فأرسل الخليفة إلى العادل، يشفع عنده فى صاحب سنجار. فلم يجب العادل لذلك. فغضب رسول الخليفة، وعاد إلى الموصل، وقال لمن بها من الملوك: قد أذن لكم أمير المؤمنين فى قتال العادل.
فكتبوا إلى الملك الظاهر صاحب حلب، وأغروه بعمه. فأرسل أخاه الملك المؤيد: نجم الدين مسعود إلى عمه، يشفع فى صاحب سنجار. فرده أقبح رد. فبرز الظاهر من حلب، فى ثامن شعبان، لقصد العادل. فتفرقت عساكره، والتحق بعضها بالعادل.
ثم رأى أهل سنجار أن من خرج منهم غضبه عسكر العادل، وفسقوا بمن خرج من النساء، فقاتلوا قتال الحريم. فاضطر العادل إلى الصلح مع صاحب سنجار. فتقرر أن يسلموا إلى العادل: نصيبين والخابور، ويحملوا إليه مالا. ففعل، وفارق سنجار.
وفيها كانت وفاة الملك المؤيّد: نجم الدين مسعود بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب، برأس عين، عند منصرفه من عند عمه الملك
стр. 11226
العادل، برسالة أخيه بسبب سنجار. وكان قد نام فى بيت مع ثلاثة نفر، وعندهم منقل فيه نار، والبيت بغير منفذ، فانعكس البخار فأخذ على أنفاسهم، فماتوا جميعا فحمل المؤيد فى محفة إلى حلب، فدفن بها وفيها توفى الشيخ الإمام العلامة: فخر الدين أبو عبد الله، محمد بن عمر بن الحسين بن على بن محمد، التّيمى البكرى الطّبرستانى الأصل، الرّازى- المعروف بابن خطيب الرّىّ، الفقيه الشافعى، صاحب التصانيف المشهورة «١» . وكانت وفاته بهراه «٢» فى يوم الاثنين- وهو يوم عيد الفطر- سنة ست وستمائة. ومولده فى خامس عشر شهر رمضان، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
وفيها كانت وفاة القاضى الأسعد: أبى المكارم أسعد بن الخطير أبى سعيد، مهذّب بن مينا بن زكريا بن أبى قدامة، بن أبى مليح ممّاتى، المصرى الكاتب الشاعر.
كان يتولى نظر الدّواوين بالديار المصرية. وكان نصرانيا فأسلم فى ابتداء الدولة الناصرية الصلاحية، هو وجماعته. وله مصنفات عديدة: نظم سيرة الملك الناصر صلاح الدين، ونظم كتاب كليلة ودمنة. وله ديوان شعر.
وباشر ديوان الجيش الصّلاحى، ثم ولى نظر الدواوين. وخاف الصاحب صفى الدين بن شكر فهرب إلى حلب، والتحق بالملك الظاهر صاحبها.
стр. 11227
وكانت وفاته بحلب فى سلخ جمادى الأولى سنة ست وستمائة، وعمره اثنتان وستون سنة. ودفن بالمقبرة المعروفة بالمقام، على جانب الطريق بالقرب من مشهد الشيخ الهروى. وممّاتى لقب أبى المليح جده الأعلى. وسبب تلقيبه بهذا اللقب أنه وقع بمصر غلاء عظيم، وكان كثير الصدقة والإطعام، خصوصا لأطفال المسلمين، وكان الأطفال إذ رأوه نادوه: ممّاتى، فغلب عليه. حكى ذلك ابن خلّكان عن الحافظ زكىّ الدين عبد العظيم- رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة سبع وستمائة:
فى هذه السنة- فى يوم الاثنين الثانى والعشرين من شعبان- قدم الملك العادل إلى القاهرة، وصحبته الصاحب صفى الدين عبد الله بن شكر. ثم توجه إلى الطّور «١» لعمارته.
وفى هذه السنة، فى سابع شوال، حصل الشروع فى عمارة مصلّى ظاهر دمشق، وهى المجاورة لمسجد النارنج، فعمرت لصلاة العيدين، ثم عمل بالمصلى رواقات فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، وعملت حيطانه ورتب فيه خطيب لإقامة صلاة الجمعة فى سابع عشر من شهر رمضان. وفيها، فى حادى عشر من شهر شوال جددت أبواب جامع دمشق من جهة باب البريد، وعملت بالنحاس الأصفر وركبت. وفى سادس عشر من شوال حصل الشروع فى إصلاح الفوارة بجيرون «٢» . وعمل الشّاذروان والبركة
стр. 11228
بساحتها، واتخذ فيها مسجد بإمام راتب. وأول من رتب فيه- بأمر الصاحب صفى الدين بن شكر- الشيخ نفيس الدين المصرى، كان يلقب بوق الجامع لقوة صوته، وكان حسن الصوت.
وفيها فى سابع عشر من ذى القعدة، وصلت مراكب الفرنج إلى ثغر دمياط، على غرّة من أهله. فنهبوا أطراف الثغر، وأسروا جماعة من المسلمين.
واستهلت سنة ثمان وستمائة:
والسلطان الملك العادل، وابنه الملك المعظم، نازلان بالمخيّم على الطور «١» ، ومعهما العساكر، لعمارة حصنه. وهما مجتهدان فى إدارته حوشا.
ذكر بناء القبة على ضريح الإمام الشافعى- رحمه الله تعالى- وعمارة السوق
كان ابتداء عمارة هذه القبّة فى سنة ثمان وستمائة وكانت أرض هذا المكان مقبرة عتيقة. فاتفق أن الملك الناصر صلاح الدين يوسف أنشأ المدرسة المجاورة للضريح. فلما كان فى هذه السنة، فى خامس عشر من صفر، توفيت والدة الملك الكامل، وكان الملك الكامل، قبل وفاتها بأيام، ركب وطوّف القرافة على مكان يبنيه عليها، ويجعل فيه سوقا. فوقع الاختيار على دفنها بالضريح. فلما توفيت، دفنها وعمر عليها هذه القبة الموجودة الآن.
стр. 11229
وغرم عليها أموالا جليلة المقدار، أجرى إليها الماء الحلو من بركة الحبش «١» وانتقل البناء من القرافة الكبرى إلى هذا الموضع. ثم تغالى الناس بعد ذلك فى العمائر بالقرافة وزخرفوها، حتى صارت على ماهى عليه الآن.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الأمير فخر الدين أبى المنصور، أياز جهاركس، الناصرى الصلاحى، بدمشق فى صفر، ودفن بقاسيون.
وكان الملك العادل قد أقطعه بانياس وتبنين والشّقيف وهونين «٢» وتلك البلاد، لأجل انحرافه عن الملك الأفضل، ابن أخيه الملك الناصر. ولما مات جهاركس، أقر السلطان ما كان بيده على ابنيه. وقام بالأمر والتدبير الأمير صارم الدين خطلبا التّبنينى أحسن قيام، وسد تلك الثغور. واشترى صارم الدين ضيعة بوادى بردى «٣» تسمى الكفر، ووقفها على تربة جهاركس، وعمر له قبة.
وفيها توفى الأمير صارم الدين برغش العادلى، بدمشق، فى ثالث وعشرين صفر، ودفن بقاسيون غربى بالجامع المظّفرى.
стр. 11230
واستهلت سنة تسع وستمائة:
ذكر عزل الصاحب صفى الدين عبد الله بن على بن شكر وولاية الصاحب الأعز بن شكر
وفى يوم الاثنين، لسبع مضين من شهر ربيع الأول، سنة تسع وستمائة، صرف الصاحب صفى الدين من الوزارة والزم داره.
ونحن الآن نذكر فى هذا الموضع سبب اتصاله بخدمة السلطان العادل، وموجب انفصاله.
كان قد اتصل بالخدمة العادلية فى أواخر الأيام الناصرية. فلما مات ابن النّحّال النصرانى- كاتب الملك العادل- تقدم صفى الدين، فرآه شهما مقداما فقدمه، وتمكن من دولته. فلما كانت حادثة الأفضل، ورجوعه عن دمشق بعد حصارها، وخرج العادل فى طلبه اجتاز بالبيت المقدس، ومعه صفى الدين، فتحلف معه أنه إن قدّر الله تعالى له بملك الديار المصرية، يمكنه من المصريين، وحلفه على ذلك فحلف له.
فلما ملك العادل الديار المصرية، لم يتمكن صفى الدين من مصادرات المصريين، لأمرين: أحدهما ما حل بالناس من الغلاء المشهور، والثانى ملازمة العادل ببلاد الشام. فلم يزل كذلك إلى سنة اثنتين وستمائة عند قدوم العادل من الشام، فأمسك الصاحب جماعة من رؤساء المصريين، وأصحاب الدواوين والمستخدمين وغيرهم، وعاقبهم أشد عقوبة ونكّل بهم، وفعل بهم ما أوجب حقد الناس عليه. وكثر بطشه بالناس، وأقام لنفسه حرمة عظيمة زادت على حرمة السلطان وعظم أمره، حتى كان أولاد
стр. 11231
الملك العادل يأتون إلى داره فيجلسون على بابه، حتى يؤذن لهم، فثقل ذلك على أمراء الدولة وخاطبوا السلطان فى أمره، وهو لا يسمع فيه كلام متكلّم.
فلما كان فى سنة ست وستمائة- والسلطان على سنجار- اتفق أن الصاحب تحدّث معه فى شىء، لم يوافق رأى السلطان، فتوقف عن إجابته. فقام الصاحب من مجلس السلطان، وقد غضب، وجرح جرحا مفرطا فى المجلس، حتى خجل العادل ممن حضره، ووجدوا للكلام مجالا فتكلموا فيه. وكان العادل من أثبت الناس، وأحلمهم وأقلهم بطشا، وصفىّ الدين بخلاف ذلك. فبقيت هذه الحادثة فى نفس السلطان كامنة.
وكان القاضى الأعز بن شكر فى هذه السفرة نائب الوزارة بالديار المصرية، وهو ناظر الدواوين بها فى خدمة الملك الكامل، فحصل بينهما مودة.
فحسده من كان ينوب عن الصاحب فى الوزارة قبله. وكانوا يكاتبون «١» الصاحب ويقولون له إنّ الأعز قد توثب عليك، واتصل بالكامل وتمكن منه.
فلما كان فى ذى الحجة، سنة سبع وستمائة، اجتمع بنو شكر عند الصاحب على طعامه. فأشار أن توضع زبديّة «٢» طعام مخصوص بين يدى الموفق- وهو أحد من كان ينوب عن الوزارة- فقال أحد الحاضرين: يده طويلة! - يريد أنها تطول لمكان الزبدية. فقال آخر: طوّلها الذى صرفه من نيابة الوزارة- يعرض به أنه كان يتبرطل! فضحك الأعز ضحكا مفرطا،
стр. 11232
بمعنى أنه أمين، ليس فيه ما يقال كما قيل فى غيره! فغضب الصاحب لذلك وانتهره، لإساءته فى مجلسه بالضحك.
فأسرع الأعز فى القيام إلى داره. فلما قام، قال بعض من حضر للصاحب: لا تأمنه من سوء يكيدك به. وأغروه به، فأمر باحضاره. فلما جاءه الرسول، علم أنه إن وقع فى يده لا يأمنه على نفسه. فتسّور من مكان فى داره، وطلع إلى القلعة، واحتمى بالكامل. فلما سمع الصاحب بذلك طلبه من الكامل، فدافعه به. فغضب واجتمع بالملك العادل، وقال: ان الأعز لزمه حساب، وقد أحماه الكامل علينا. وكرر عليه القول. فتحدث العادل مع ابنه الكامل فى ذلك، فقال: يصلح بينهما. وقصد الكامل بذلك مدافعة الأيام، ليقع سفر العادل إلى الشام معه، فيسكن ما عند الصاحب منه، فلم يزده ذلك إلا حنقا.
فلما كان فى آخر ذى الحجة- سنة ثمان وستمائة- ركب الكامل إلى دار الوزارة، وحضر مجلس الوزير، والأعز معه، وأصلح بينهما. فاصطلحا ظاهرا، والبواطن بخلاف ذلك. وقصد الصاحب أن الأعز إذا انصرف إلى داره، قبض عليه، فلم يفارق الأعز الخدمة الكاملية بالقلعة. فازداد الصاحب حنقا عليه، وتحدث مع العادل أن يعزله عن نظر الدواوين.
فتوقف السلطان فى ذلك.
وتمادى الأمر، إلى آخر صفر. فامتنع الصاحب من الكتابة على المناشير والتّواقيع، وحلف أنه لا يباشر والأعزّ يكتب معه أيدا. فتعطلت أحوال الناس، وشكوا ذلك إلى السلطان. فأرسل إلى الصاحب بروضه،
стр. 11233
ويقول: لا بد أن أمكّنك من الأعز، وهو لا يزداد إلا غضبا وإساءة فى الجواب. فإذا عاد رسول السلطان إليه، لا يمكنه مخاطبته بما قاله الصاحب، ويغالط فى الجواب. فأرسل السلطان بعض الأمراء إلى الصاحب برسالة، ومعه أحد مماليكه، وقال له احفظ ما يقوله الصاحب، وأعده علىّ. فكان من جملة قول الصاحب: والله لا كتبت والأعز يكتب معى أبدا. فعند ذلك، خرج السلطان على ابنه الكامل وانتهره، وأغلظ فى القول، وقال: يسلّم الأعز إلى الصاحب فى هذه الساعة!.
فلما عاد الكامل إلى القلعة، تلقاه الأعز على عادته. فقال: قد أمر السلطان بتسليمك للصاحب، وخرج علىّ بسببك، وعجزت عن حمايتك.
فقال له الأعز: يا مولانا، والله عداوتى للصاحب بسببك! وهو أنه كاتبنى فى حقك أنه لا بد أن يعمل على صرفك من مملكة الديار المصرية، وأن يجعل عوضا عنك الأشرف موسى. وهذه كتبه إلىّ. فلما وقف الكامل على الكتب كان من جملة ما تضمنته: «وأما هذا المجنون- يشير إلى الكامل- فلا بد من صرفه، وإحضار الأشرف إلى الدّيار المصرية» . وتضمنت من سبه وشتمه كثيرا.
فعاد الكامل للعادل، والكتب معه، وجاء فى غير الوقت المعتاد.
فقال له العادل: ما جاء بك الآن؟ فقال: هذا الصاحب يريد أن يوقع بين السلطان وأولاده، وبين الإخوة. هذه كتبه للأعز، وعداوته بسببها. فلما وقف العادل عليها، عظم عليه سبه لابنه- وكان العادل يدارى جميع أولاده، خوفا أن يقوم أحدهم عليه، فتنخرق حرمته- فقال نعزله، ولا يسلّم إليه الأعز. ويكتب الأعز وحده.
стр. 11234
فخرج الكامل لوقته، واستدعى الأعز فخر الدين أبا الفوارس مقدام، بن القاضى جمال الدين أحمد بن شكر. وأمر أمير جانداره «١» بجمع الدواوين وتسليمهم للأعز. فسلمهم إليه. وجلس الصاحب الأعز، وتحدث فى الوزارة لوقته. وقام الصاحب صفى الدين من مجلس الوزراة ولازم داره. ثم كان من خبر مصادرته، وإخراجه من الديار المصرية ما نذكره- إن شاء الله تعالى.
ذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة واعتقاله والاستيلاء على قلاعه
كان الأمير عز الدين أسامة الجبلى من أكابر الأمراء، وصهر الملك العادل. وهو الذى بنى الجسر الذى على نهر الأردن، المعروف بجسر أسامة.
وقيل أنه هو الذى بنى قلعة عجلون «٢» . وكانت داره بدمشق، التى هى الآن
стр. 11235
المدرسة البادرائيّة «١» بدمشق.
فاتهمه السلطان بمباطنة الملك الظاهر صاحب حلب، واستوحش هو أيضا من السلطان الملك العادل وأولاده، فقصد الانحياز إلى قلاعه- وكان له عجلون وقلعة كوكب «٢» . واتفق أن السلطان توجه فى هذه السنة إلى ثغر دمياط، وصحبته أولاده الملك الكامل والملك المعظم والملك الفائز، فاغتنم عز الدين أسامة غيبتهم، وركب من القاهرة فى يوم الاثنين سلخ جمادى الآخرة، وخرج وأظهر أنه يريد الصيد.
فلما مر ببلبيس، بطق «٣» متوليها إلى السلطان يخبره. فقال الملك العادل: من ساق خلفه فله أمواله وقلاعه. فانتدب الملك المعظم لذلك.
وركب من ثغر دمياط ليلة الثلاثاء، غرة شهر رجب. وساق فى ثمانية ممن يعتمد عليهم، وعلى يده حصان جنيب «٤» فوصل إلى غزة صبح الجمعة،
стр. 11236
وسبق أسامة إليها، وأمسك عليه الطرق. وأما أسامة فإنه تقطعت عنه مماليكه ومن كان معه، وبقى وحده، وبه مرض النّقرس. ووصل إلى الدّاروم «١» فعرفه بعض الصيادين، فأعطاه أسامة ألف دينار، وقال: خذ هذه وأوصلنى إلى الشام. فأخذه وجاء إلى رفاقه فعرفوه، وتوجهوا به على طريق الخليل، ليتوجهوا به إلى عجلون. فوصلوا به إلى القدس، فى يوم الأحد سادس من شهر رجب. ونزل بصهيون- وهى ضيعة بالقدس.
وعلم به الملك المعظم، فأرسل إليه بثياب وطعام، ولاطفه، وقال له أنت شيخ كبير ما يصلح لك الحصون، فسلّم الىّ كوكب وعجلون. وقال أنا أحلف لك على مالك وملكك وجميع أسبابك، وتعيش بيننا مثل الوالد.
فامتنع من ذلك، وسب المعظم أقبح سب. فلما يئس منه، بعث به إلى الكرك «٢» واعتقله بها واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره. فكان قيمة ما أخذ له ألف ألف دينار.
وأما السلطان الملك العادل فانه كان توجه فى العشرين من جمادى الأولى إلى ثغر دمياط، وتوجه منه إلى ثغر الاسكندرية، ثم عاد وتوجه إلى الشام، فى ثانى شوال من هذه السنة. وحاصر كوكب أشد حصار، واستولى عليها. وأخذ منها أموالا عظيمة وهدمها وعفّى أثرها. وذلك فى العشر الأوسط من ذى القعدة
стр. 11237
ذكر وفاة الملك الأوحد صاحب خلاط واستيلاء أخيه الملك الأشرف عليها
وفى هذه السنة، كانت وفاة الملك الأوحد نجم الدين أيوب، بن السلطان الملك العادل، وهو صاحب خلاط. وكانت وفاته بملازكرد «١» فى ثامن شهر ربيع الأول، ودفن بها.
وكان قد استزار أخاه الملك الأشرف من حرّان، فأقام عنده أياما.
واشتد مرضه، فقصد الأشرف الرجوع إلى حرّان لئلا يتخيّل «٢» منه الأوحد. فقال له الأوحد: يا أخى كم تلح؟ والله، إنى ميت، وأنت تأخذ البلاد! ثم مات. فدفنه الملك الأشرف. وجاء إلى خلاط، واستولى عليها، وعلى ما بها من الأموال.
فتوجه الملك العادل إليه، وقد غضب لكونه «٣» فعل بغير أمره. فلما وصل إليها، اعتذر الملك الأشرف أنه إنما فعل ذلك خوفا أن يسبقه غيره من ملوك الأطراف إليها، فقبل عذره، واستمر به فيها «٤» . وأنعم السلطان على ولده الملك المظفر شهاب الدين غازى بميّافارقين وأعمالها.
стр. 11238
واستهلت سنة عشر وستمائة:
ذكر قيام أهل مصر على الملك الكامل، ورجمه
وفى جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، شغب العوامّ بمصر على الملك الكامل ورجموه، وسبب ذلك أن أبا شاكر النصرانى الطبيب كان الملك الكامل يميل إليه، وكان إلى جانب الكنيسة المعلّقة بمصر مسجد قد عفى أثره، فقصد العوام تجديده. فامتنع الكامل من إجابتهم إلى ذلك، بسبب أبى شاكر. فثار العوام، وقالوا لا بد من عمارته. فركب الملك الكامل من القلعة، وجاء إلى الكنيسة المعلّقة «١» ، وكشف المكان بنفسه. فلما شاهده، قال: ما كان هذا مسجدا قط. فاستغاث العوام، وشغبوا ورموه بالحجارة، فهرب منهم إلى القلعة.
وفيها توجه الملك الظافر الخضر، بن السلطان الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب، من حلب لقصد الحج. فنزل بالقابون «٢» فى يوم الأحد رابع شوال، ثم انتقل إلى مسجد القدم «٣» فى خامس الشهر. وكان الملك المعظم بحوران، فوصل إلى دمشق، وأدخله إليها وعمل له ضيافة. ثم توجه
стр. 11239
إلى الحجاز، صحبة الركب الشامى، فلما وصل إلى المدينة زار رسول الله ﷺ . وأحرم بالحج من ذى الحليفة «١» ، فلما انتهى إلى بدر وجد عسكر الملك الكامل قد سبقه من مصر إلى بدر، خوفا منه أن يتوجه إلى اليمن. فقالوا له: ترجع. فعلم مرادهم. فقال إنه قد بقى بينى وبين مكة مسافة يسيرة، وانى قد أحرمت. وو الله ما قصدى اليمن ولا أقصد غير الحج، فقيدونى، واحتاطوا بى، حتى أقضى المناسك وأعود. فلم يوافقوه على ذلك، وأعادوه إلى الشام فصنع كما صنع النبى ﷺ حين صده المشركون عن البيت: قصّر وذبح ما تيسر، وعاد إلى الشام.
وفيها توفى الأمير فارس الدين ميمون القصرى بحلب فى رابع عشر من شهر رمضان. وكان من أكابر الأمراء الناصرية. وكانت أعزاز «٢» اقطاعه.
وخلف أموالا جمّة. وهذه النسبة إلى القصر الذى بالقاهرة، كان تربّى «٣» فيه- ﵀.
стр. 11240
واستهلت سنة إحدى عشرة وستمائة:
ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن
وفى هذه السنة جهز الملك الكامل ابنه الملك المسعود، صلاح الدين أتسز- وهو أقسيس «١» - إلى الحجاز، ويتوجه من هناك إلى اليمن.
وكان سبب إرساله إلى اليمن أن الناصر أيوب، بن سيف الإسلام بن أيوب، قد توفى، واستولى على اليمن سليمان بن شاهنشاه، بن تقى الدين عمر، بن شاهنشاه بن أيوب- باتفاق من أجنادها- وتزوج بأم الناصر.
ووصل الخبر إلى الملك الكامل بذلك، فجهز ابنه الملك المسعود. فرحل من بركة الجبّ «٢» فى يوم الاثنين، سابع عشر من شهر رمضان، ومعه ألف فارس، ومن الجانداريّة «٣» والرّماة خمسمائة و [كان] ذلك بعد أن سيره إلى خدمة السلطان الملك العادل بدمشق، ولقبه بالملك المسعود، وأعاده إلى القاهرة.
следующие страницы →