Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11236–11275 · переход к 11241.
стр. 11236
وسبق أسامة إليها، وأمسك عليه الطرق. وأما أسامة فإنه تقطعت عنه مماليكه ومن كان معه، وبقى وحده، وبه مرض النّقرس. ووصل إلى الدّاروم «١» فعرفه بعض الصيادين، فأعطاه أسامة ألف دينار، وقال: خذ هذه وأوصلنى إلى الشام. فأخذه وجاء إلى رفاقه فعرفوه، وتوجهوا به على طريق الخليل، ليتوجهوا به إلى عجلون. فوصلوا به إلى القدس، فى يوم الأحد سادس من شهر رجب. ونزل بصهيون- وهى ضيعة بالقدس.
وعلم به الملك المعظم، فأرسل إليه بثياب وطعام، ولاطفه، وقال له أنت شيخ كبير ما يصلح لك الحصون، فسلّم الىّ كوكب وعجلون. وقال أنا أحلف لك على مالك وملكك وجميع أسبابك، وتعيش بيننا مثل الوالد.
فامتنع من ذلك، وسب المعظم أقبح سب. فلما يئس منه، بعث به إلى الكرك «٢» واعتقله بها واستولى على قلاعه وأمواله وذخائره. فكان قيمة ما أخذ له ألف ألف دينار.
وأما السلطان الملك العادل فانه كان توجه فى العشرين من جمادى الأولى إلى ثغر دمياط، وتوجه منه إلى ثغر الاسكندرية، ثم عاد وتوجه إلى الشام، فى ثانى شوال من هذه السنة. وحاصر كوكب أشد حصار، واستولى عليها. وأخذ منها أموالا عظيمة وهدمها وعفّى أثرها. وذلك فى العشر الأوسط من ذى القعدة
стр. 11237
ذكر وفاة الملك الأوحد صاحب خلاط واستيلاء أخيه الملك الأشرف عليها
وفى هذه السنة، كانت وفاة الملك الأوحد نجم الدين أيوب، بن السلطان الملك العادل، وهو صاحب خلاط. وكانت وفاته بملازكرد «١» فى ثامن شهر ربيع الأول، ودفن بها.
وكان قد استزار أخاه الملك الأشرف من حرّان، فأقام عنده أياما.
واشتد مرضه، فقصد الأشرف الرجوع إلى حرّان لئلا يتخيّل «٢» منه الأوحد. فقال له الأوحد: يا أخى كم تلح؟ والله، إنى ميت، وأنت تأخذ البلاد! ثم مات. فدفنه الملك الأشرف. وجاء إلى خلاط، واستولى عليها، وعلى ما بها من الأموال.
فتوجه الملك العادل إليه، وقد غضب لكونه «٣» فعل بغير أمره. فلما وصل إليها، اعتذر الملك الأشرف أنه إنما فعل ذلك خوفا أن يسبقه غيره من ملوك الأطراف إليها، فقبل عذره، واستمر به فيها «٤» . وأنعم السلطان على ولده الملك المظفر شهاب الدين غازى بميّافارقين وأعمالها.
стр. 11238
واستهلت سنة عشر وستمائة:
ذكر قيام أهل مصر على الملك الكامل، ورجمه
وفى جمادى الأولى سنة عشر وستمائة، شغب العوامّ بمصر على الملك الكامل ورجموه، وسبب ذلك أن أبا شاكر النصرانى الطبيب كان الملك الكامل يميل إليه، وكان إلى جانب الكنيسة المعلّقة بمصر مسجد قد عفى أثره، فقصد العوام تجديده. فامتنع الكامل من إجابتهم إلى ذلك، بسبب أبى شاكر. فثار العوام، وقالوا لا بد من عمارته. فركب الملك الكامل من القلعة، وجاء إلى الكنيسة المعلّقة «١» ، وكشف المكان بنفسه. فلما شاهده، قال: ما كان هذا مسجدا قط. فاستغاث العوام، وشغبوا ورموه بالحجارة، فهرب منهم إلى القلعة.
وفيها توجه الملك الظافر الخضر، بن السلطان الناصر: صلاح الدين يوسف بن أيوب، من حلب لقصد الحج. فنزل بالقابون «٢» فى يوم الأحد رابع شوال، ثم انتقل إلى مسجد القدم «٣» فى خامس الشهر. وكان الملك المعظم بحوران، فوصل إلى دمشق، وأدخله إليها وعمل له ضيافة. ثم توجه
стр. 11239
إلى الحجاز، صحبة الركب الشامى، فلما وصل إلى المدينة زار رسول الله ﷺ . وأحرم بالحج من ذى الحليفة «١» ، فلما انتهى إلى بدر وجد عسكر الملك الكامل قد سبقه من مصر إلى بدر، خوفا منه أن يتوجه إلى اليمن. فقالوا له: ترجع. فعلم مرادهم. فقال إنه قد بقى بينى وبين مكة مسافة يسيرة، وانى قد أحرمت. وو الله ما قصدى اليمن ولا أقصد غير الحج، فقيدونى، واحتاطوا بى، حتى أقضى المناسك وأعود. فلم يوافقوه على ذلك، وأعادوه إلى الشام فصنع كما صنع النبى ﷺ حين صده المشركون عن البيت: قصّر وذبح ما تيسر، وعاد إلى الشام.
وفيها توفى الأمير فارس الدين ميمون القصرى بحلب فى رابع عشر من شهر رمضان. وكان من أكابر الأمراء الناصرية. وكانت أعزاز «٢» اقطاعه.
وخلف أموالا جمّة. وهذه النسبة إلى القصر الذى بالقاهرة، كان تربّى «٣» فيه- ﵀.
стр. 11240
واستهلت سنة إحدى عشرة وستمائة:
ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن
وفى هذه السنة جهز الملك الكامل ابنه الملك المسعود، صلاح الدين أتسز- وهو أقسيس «١» - إلى الحجاز، ويتوجه من هناك إلى اليمن.
وكان سبب إرساله إلى اليمن أن الناصر أيوب، بن سيف الإسلام بن أيوب، قد توفى، واستولى على اليمن سليمان بن شاهنشاه، بن تقى الدين عمر، بن شاهنشاه بن أيوب- باتفاق من أجنادها- وتزوج بأم الناصر.
ووصل الخبر إلى الملك الكامل بذلك، فجهز ابنه الملك المسعود. فرحل من بركة الجبّ «٢» فى يوم الاثنين، سابع عشر من شهر رمضان، ومعه ألف فارس، ومن الجانداريّة «٣» والرّماة خمسمائة و [كان] ذلك بعد أن سيره إلى خدمة السلطان الملك العادل بدمشق، ولقبه بالملك المسعود، وأعاده إلى القاهرة.
стр. 11241
فتوجه إلى مكة- شرفها الله تعالى، فلما قضى مناسك الحج توجه إلى بلاد اليمن. فكان وصوله إلى زبيد فى يوم السبت مستهل المحرم، سنة ثنتى عشرة وستمائة. فملكها من غير قتال، وتسلم ثمانية حصون من تهامة. وندب قطعة من العسكر لحصار تعزّ «١» - وكان سليمان قد تحصن بها- ففتح الحصن فى ثالث صفر، ودخله العسكر المسعودى، ومسك سليمان واعتقل. ثم جهزه إلى الديار المصرية هو زوجته.
وكانت صنعاء فى يد عبد الله بن حمزة- المدعى الخلافة- فجرد الملك المسعود إليه عسكرا، فوصل العسكر إلى صنعاء فى مستهل جمادى الأولى.
فهرب عبد الله لما سمع بقرب العسكر، وجعل لا يخرج من مدينة إلا بعد تخريب أسوارها، وتعفية ما يستطيع من أثرها، وهدم منار المساجد، ولحق بالجبال وتعلق بها. وملك الملك المسعود البلاد. وكان جبّارا فاتكا، فيقال إنه قتل باليمن ثمانمائة شريف، وخلقا كثيرا من الأكابر.
وفيها استولى الملك المعظّم- شرف الدين عيسى- على قلعة صرخد «٢» ، وأخذها من ابن قراجا، وعوضه عنها مالا وإقطاعا، وأعطاها لمملوكه، أستاذ داره عز الدين أيبك المعظمى. فبقيت فى يده إلى أن أخرجه منها الملك الصالح نجم الدين أيوب، فى سنة أربع وأربعين وستمائة.
стр. 11242
وفيها أحدثت المعاملة بالقراطيس السّود العادلية بدمشق، كما يتعامل الناس بالورق بالديار المصرية. فبقيت زمانا، ثم بطل ضربها وتناقصت من أيدى الناس، إلى أن توفى الملك العادل.
وفيها توجه الملك المعظم شرف الدين عيسى، بن الملك العادل، من دمشق إلى الحجاز. وجدد فى الطريق البرك والمصانع والمناهل، وأحسن إلى الناس، وتصدق، وحجّ قارنا- وكان حنفىّ المذهب- وعاد إلى الشّام.
وفيها اهتم السلطان- الملك العادل- بعمل الميدان الذى بسوق الخيل، بظاهر القاهرة، والفساقى المجاورة لها.
وفيها، فى ثالث شهر ربيع الأول، فوض تدريس الحنفية، بالمدرسة النّورية بدمشق، للشيخ جمال الدين محمد بن الحصيرى «١» العجمى.
وحضر الملك المعظم درسه مع الفقهاء.
واستهلت سنة ثنتى عشرة وستمائة:
فى هذه السنة، وصل الملك المعظم شرف الدين عيسى من الحجاز، وصحبته الأمير السيد الشريف: سالم بن قاسم «٢» ، أمير المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. وكان قد شكى من قتادة: أمير مكة، فوعده بالمساعدة عليه. فلما وصل الآن معه، اجتمع بالسلطان الملك
стр. 11243
العادل- وكان بخربة اللّصوص «١» - وقدّم الشريف إلى السلطان ما أحضره- على سبيل الهدية- من تحف الحجاز، وعشرين فرسا من خيل الحجاز، فأكرمه السلطان. واستخدم معه جماعة من أمراء التركمان والرجال، فتوجه بهم فى ثالث عشر شعبان.
واتفقت وفاته قبل وصوله إلى المدينة، فقام ولد أخيه الأمير جمّاز بن شيحه بالأمر بعد عمه، واجتمع أهله على طاعته. فمضى من كان مع عمه لقصد قتادة أمير مكة. فجمع قتادة «٢» عسكره وأصحابه والتقوا بوادى الصّفراء «٣» . وكان الظفر لجمّاز ومن معه، واستولوا على عسكر قتاده، قتلا ونهبا وأسرا. وانهزم قتادة إلى الينبع «٤» وتحصن بقلعته، فتبعوه وحصروه.
стр. 11244
ثم عاد من كان مع الأمير سالم من التركمان وغيرهم، صحبة الناهض ابن الجرخى، وفى صحبتهم كثير مما غنموه، من أموال قتادة ومن النساء والصبيان. وظهر منهم جماعة من الأشراف، فسلموا إلى أكابر أشراف دمشق، ليكفلوهم ويشركوهم فى وقف الأشراف وفى هذه السنة حصل الشروع فى عمارة المدرسة العادلية «١»
بدمشق وحضر السلطان الملك العادل لترتيب وضعها.
وفيها فى سابع من شهر ربيع الأول، عزل قاضى القضاة: زكى الدين أبو العباس الطاهر، بن محيى الدين، [عن] الحكم بدمشق وأعمالها. وولى من الغد الشيخ جمال الدين الحرستانى «٢» ، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة وشهور.
وفيها أبطل السلطان الملك العادل ضمان الخمر والقيان بدمشق، فى رابع عشرين جمادى الآخرة. وبقى الأمر على ذلك، إلى أن توفى الملك العادل فى سنة خمس عشرة وستمائة.
стр. 11245
وفيها وصل رسول الخليفة من بغداد، وهو الشيخ شهاب الدين السّهروردى «١» ونزل بجوسق «٢» العادل. وتوجه إلى السلطان فلحقه بالقدس الشريف، فأدى الرسالة وعاد، فى خامس عشر شوال.
وفيها- فى منتصف شعبان، توفى الشيخ الصالح العارف: أبو الحسن على بن حميد، المعروف بابن الصّبّاغ قدس الله روحه. وكانت وفاته بقنا- من الأعمال القوصيّة من الصعيد الأعلى. ودفن بجانبها عند قبر شيخه:
الشيخ السيد القطب عبد الرحيم «٣» . وضريحهما من المزارات المشهورة- نفع الله تعالى بهما.
стр. 11246
واستهلت سنة ثلاث عشرة وستمائة:
فى هذه السنة كانت الحادثة بين أهل الشّاغور «١» والعقيبة «٢» بدمشق. وحملت كل طائفة منهم السلاح، واقتتلوا. فركب العسكر للفصل بينهم «٣» . وحضر الملك المعظم من جوسق الرئيس لتسكين الفتنة- وكان مقيما به. وقبض على جماعة من مقدمى الحارات واعتقلوا، بسبب ذلك.
ذكر القبض على الصاحب الأعز
وفى يوم الاثنين، سابع عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة وستمائة. قبض الملك العادل على وزيره الصاحب فخر الدين الأعز، وضربه وقيده، وحمله إلى قلعة بصرى «٤» فاعتقله بها.
وكان لذلك أسباب: منها أنه صرف ما غرم على القبة بالشافعى من مال الديوان- وكان وتقرر صرفه من مال الديوان الكاملى. ومنها أنه كشف على الأموال التى أنفقت فى تجهيز الملك المسعود إلى اليمن، وكانت جملة عظيمة، فأنكر عليه ذلك، وفعل به ما فعل.
стр. 11247
وعرضت الوزارة على القاضى الأشرف: أحمد بن القاضى الفاضل عبد الرحيم، فتوقف عنها. ثم خوطب فقال: كان والدى فى الأيام الناصرية لا يكتب فى الدولة. فأجيب إلى ذلك، واستقرت القاعدة أنه يتحدث فى الأموال بلسانه، دون قلمه. ورتب القاضى عماد الدين بن جبريل صاحب ديوان الدولة، ورتب شمس الدين أبو القاسم بن التبنى وزير الصّحبة.
وفيها فى شهر المحرم، صرف قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحمن، ابن عبد العلى بن على السّكّرى «١» - عن القضاء بالديار المصرية.
وكان سبب ذلك أن السلطان عقد مجلسا بحضوره بسبب وقف المدرسة- التى أوقفها إبراهيم بن شروه «٢» ، وولى القطب، قاضى قوص، النظر عليها- فلم يمض القاضى عماد الدين الوقف. فقال السلطان: هذه القضية أنا أعرفها وأشهد بها. فامتنع من إثباتها. فغضب السلطان، وأشهد على نفسه بعزله فى المجلس. ثم صرف عن الخطابة بالجامع الحاكمى، وولاها الشيخ بهاء الدين بن الجمّيزى «٣» لأربع بقين من شهر ربيع الآخر من السنة.
стр. 11248
ولما عزله السلطان عن القضاء، استشار شيخ الشيوخ: صدر الدين أبا الحسن بن حمّويه «١» ، فيمن يوليه القضاء. فأشار أن يقسم العمل شطرين: قبليّا وبحريّا، وأن يولى ابن عين الدولة القاهرة والوجه البحرى، وابن الخرّاط مصر والوجه القبلى. فعمل برأيه.
وفوض السلطان قضاء القاهرة والوجه البحرى للقاضى شرف الدين بن عين الدولة، فى يوم السبت ثانى صفر منها- وقيل فى المحرم- وفوض قضاء مصر والوجه القبلى للقاضى تاج الدين: أبى محمد عبد السلام بن على بن الخراط- وكان قاضى دمياط- وذلك فى يوم الاثنين سابع عشر صفر- وقيل فى يوم الاثنين ثالث عشر المحرم.
هذا هو السبب الظاهر [للناس «٢» فى عزل القاضى عماد الدين بن السكرى] وأما السبب الباطن- وهو مما أخبرنى به والدى رحمه الله تعالى عن جده زكى الدين عبد الدايم، وغيره- أن الفقيه الشيخ الصالح الشهيد الناطق: رضى الدين: عبد الرحمن العقيلى، المعروف بالنّويرى (وهى نسبة انتقال، وانما هو قدم من بلاد المغرب مع أبيه وسكنا النّويرة، واستطونها
стр. 11249
الشيخ عبد الرحمن وخدمه أهلها، وكانوا يفتخرون بالانتساب إلى خدمته، واختص بخدمته جد والدى زكى الدين عبد الدايم، فكان أخص الناس به، وأعلاهم منزلة عنده) كان مع ما هو عليه من العبادة والصلاح المشهور، ينوب عن القاضى عماد الدين فى الحكم بالنّويرة، وما معها. فاتفق أن رجلين «١» تداعيا فى بقرة، فكتب أحدهما محضرا أن البقرة ملكه وشهد فيه جماعة من الشهود، وأدوا شهادتهم بذلك عند الفقيه، ولم يبق إلا تسليمها لصاحب المحضر.
فتأمل الفقيه البقرة، ونظر إليها. وسأله الذى شهد له الحكم بما ثبت عنده، وتسليمها إليه. فقال: كيف أسلمها إليك، وهى تقول أنها لخصمك، وتخبرنى أن المحضر زور- أو ما هذا معناه؟!. وسلمها لخصمه.
فاعترف الخصم الذى أثبت بصحة ما أخبر به الشيخ الفقيه رضى الدين عن البقرة، وأظهر التوبة والإنابة. فلما اتصلت هذه الواقعة بالقاضى عماد الدين، كتب إلى الشيخ رضى الدين يقول: كان ينبغى أن تعمل فى هذه القضية بظاهر الشرع، وتسلم البقرة لمن أثبت. وعزله عن نيابته.
فلما اتصل العزل به، قال لمن حضر عنده: اشهدوا علىّ أنى قد عزلته، وعزلت ذريته من بعده. فعزل فى تلك الساعة. ولم يعد إلى القضاء بعدها، ولاولى القضاء بعده أحد من ذريته. وأعرف أن القاضى عماد
стр. 11250
الدين، ولد ولده فوه له بالقضاء غير مرة، [وعيّن] «١» وربما فصّلت له خلعة الولاية، ورسم بكتابة تقليده، ثم يعدل عنه إلى غيره، ولا يتم أمره.
ومات- رحمه الله تعالى- ولم يل القضاء. ولم يبق من ذريته فى وقتنا هذا من فيه أهلية لذلك. وهذه الحكاية التى ذكرتها لا أشك فيها ولا أرتاب، وهى مشهورة يعرفها كثير من الناس.
وفى سنة ثلاث عشرة وستمائة- فى العشرين من جمادى الآخرة- توفى الملك الظاهر: غياث الدين غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، صاحب حلب- رحمه الله تعالى بحلب.
وكان مولده بالقاهرة، فى منتصف شهر رمضان، سنة ثمان وستين وخمسمائة. وملك بعده ولده: الملك العزيز غياث الدين محمد. وكان صغير السن، يقال كان عمره ثلاث سنين، فقامت ضيفة «٢» خاتون- ابنة الملك العادل- بتدبير الدولة. ونصبت شهاب الدين طغرل الخادم فى أتابكيّة «٣» الدولة.
стр. 11251
ذكر مصادرة الصاحب صفى الدين بن شكر ونفيه من الديار المصرية
كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل، لما قدم من الشام، ظن الصاحب صفى الدين أنه يعيده إلى الوزارة. فصار يركب فى المواكب، ويستعرض للقاء السلطان. ثم فتح بابه وصار الناس يدخلون إليه، والأعز وغيره يذكرون ذلك للملك الكامل. فاتفق أن الملك الكامل مرّ بدار الصاحب فوجد الخيل على بابه، فقال لمن معه من الأمراء: ما هذا إلا أحمق! يفتح بابه ويأمر الناس أن يدخلوا إليه ويمد السّماط، والسلطان غير راض عنه. فبلغ العادل ما قاله الكامل. فقال فى مجلسه: ما يكفى ابن شكر أنه أخذ مالى، حتى أطّرح جانبى بفتح بابه.
فاتصل ذلك بالصاحب، فركب إلى القلعة، وأراد الاجتماع بالملك الكامل- وكان الملك الكامل على الشراب. فسير إليه، وقال ما حاجتك؟
فإن لنا الآن شغلا! فقال: القصد أن يستخدمنى السلطان، أو يتركنى أخرج من بلاده. وسأل أن يكون الكامل سفيره عند أبيه الملك العادل. فعزّ كلامه عليه، وقال للرسول قل له: هذا ما لا أدخل فيه.
فعاد خجلا، ومضى إلى دار والدة الملك المعز مجير الدّين يعقوب، بن السلطان الملك العادل، وتعلق بذيل ستر الباب. ووافق أن العادل كان عندها فى ذلك الوقت. فعظم ذلك عليه. لكونه قصد زوجته، وأراد قتله، ثم سكن، وأرسل إلى الملك الكامل يقول: إن ابن شكر أخذ منى وأنا على سنجار ستمائة ألف دينار، فطالبه بها.
стр. 11252
فأحضره الملك الكامل فى مجلس شرابه، ووبخه، وأمر بأخذ أملاكه وحسبها له، بستمائة ألف دينار. ثم حضر جماعة بعد ذلك إلى الملك الكامل، فقالوا: هذا كان فى ابتداء أمره قطّانا، فمن أين له هذا المال؟ فقال ابن التبنى: أنا صانعته عن نفسى بمائتى ألف دينار، وصانعه شهاب الدين بن الفاضل بثلاثمائة ألف دينار. فنقل المجلس إلى الملك العادل، وذكر له من أخذ منه المصانعات، فأمر بنفيه.
فاستمهل إلى أن يبيع موجوده، فأذن له. فشرع فى بيع موجوده إلى أن كمل ثم أرسل إليه السلطان يقول: أخرج من بلادى إلى بلد، لا تقام لى فيه خطبة. فخرج من القاهرة فى يوم الخميس، لخمس بقين من جمادى الآخرة من السنة. فلما وصل إلى بلبيس أمر السلطان الملك العادل بتعويقه، وأخذ منه مالا ووكل به أياما ببلبيس ثم أطلقه فتوجه إلى آمد «١» .
وفيها صادر السلطان الملك العادل حسام الدين يونس، متولّى الإسكندرية، على ثلاثمائة ألف دينار.
وفيها فى سابع شوال، توجه العادل إلى ثغر الإسكندرية. وذلك أنه اجتمع بها من تجار الفرنج نحو ثلاثة آلاف رجل، فخاف أهل الثغر جانبهم.
стр. 11253
فخرج السلطان بعساكره إلى الثّغر، وبه ملكان «١» من ملوك الفرنج.
فأحضرهما، فذكرا أن التجار صمموا على الوثوب بأهل الثغر وقتلهم، وأخذه. فقبض حينئذ على تجار الفرنج واستصفى أموالهم، واعتقلهم، واعتقل الملكين. وعاد إلى القاهرة، فى سابع ذى الحجة من السنة.
واستهلت سنة أربع عشرة وستمائة:
ذكر مسير السلطان إلى الشام
وفى يوم الأحد، التاسع من شهر ربيع الآخر، من هذه السنة- توجه السلطان الملك العادل إلى الشام، لما بلغه قصد الفرنج بلاد الشام.
وكان رحيله من البركة «٢» يوم السبت لثمان بقين من الشهر، وتوجه إلى البيت المقدس. وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، فى كتاب «الروضتين فى أخبار الدولتين» أنه توجه إلى قلعة الكرك بذخائره وأمواله، وأقام بها مدة، وترك الأموال والذخائر بها.
وقال غيره: إنه بقى بالقدس إلى أن وصلت أمداد الفرنج فى البحر، من روميه الكبرى ومن الغرب الشمالى- وكان المقدم عليهم صاحب روميه- فنزلوا على عكا. وسار الملك العادل على أنه يسبقهم إلى الماء بخربة اللّصوص «٣» ، فسبقوه إليها. فلما قاربهم، حيّد عنهم إلى جهة دمشق. فأغاروا
стр. 11254
على بيسان فنهبوها وما حولها، وعادوا إلى مرج عكّا بالسبى والغنائم.
وجهزوا آلات الحصار، وقصدوا الطّور «١» - وكان العادل قد بناه فى سنة تسع وستمائة- فحاصروه سبعة عشر يوما. فقتل بعض ملوكهم بسهم، ففارقوا الحصن. واستشهد على حصار الطور من أبطال المسلمين: الأمير بدر الدين محمد بن أبى القاسم، وسيف الدين بن المرزبان- وكان من الصالحين الأجواد.
وكتب الملك المعظم إلى الخليفة كتابا أوله:
قل للخليفة- لا زالت عزائمه ... لها على الكفر إبراق وإرعاد
إن الفرنج بأرض القدس قد نزلت ... لا تغفلنّ، فأرض القدس بغداد
وفى نسخة:
إن الفرنج بحصن الطّور قد نزلوا ... لا تغفلنّ، فحصن الطّور بغداد
стр. 11255
ذكر قصد الفرنج جزين «١» وقتلهم
قال: ولما انفصل الفرنج، قصد ابن أخت الهنكر «٢» جبل صيدا وقال: لا بدّ لى من أهل هذا الجبل. فنهاه صاحب صيدا، وقال إن أهله رماة، وبلده وعر. فلم يقبل قوله. وصعد فى خمسمائة من أبطال الفرنج إلى مدين- وهى ضيعة الميادنة «٣» بالقرب من مشغرا «٤» - فأخلاها أهلها.
ونزلها الفرنج وترجّلوا عن خيولهم للراحة. فتحدرت عليهم الميادنة من الجبال، فأخذوا خيولهم وقتلوا عامتهم. وأسروا ابن أخت الهنكر. وهرب من بقى منهم نحو صيدا.
وكان معهم رجل «٥» يقال له الجاموس، كانوا أسروه من المسلمين، فقال لهم أنا أعرف إلى صيدا طريقا سهلا أوصلكم إليها. فقالوا: إن فعلت أغنيناك. فسلك بهم أودية وعرة، والمسلمون خلفهم يقتلون ويأسرون،
стр. 11256
ففهموا أن الجاموس قصد ذلك، فقتلوه. ولم يفلت منهم إلى صيدا غير ثلاثة، وكانوا خمسمائة. وجاءوا بالأسرى إلى دمشق، وكان يوما مشهودا.
وفى هذه السنة، احترق مسجد الحسين بالقاهرة.
وفيها، توفى قاضى القضاة جمال الدين أبو القاسم: عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل، الأنصارى الحرستانى «١» وكانت وفاته بدمشق فى رابع ذى الحجة، ودفن بقاسيون. ومولده فى سنة عشرين وخمسمائة.
وأعيد القاضى زكىّ الدين إلى القضاء، بعد وفاته.
واستهلت سنة خمس عشرة وستمائة:
ذكر تخريب حصن الطّور «٢»
فى هذه السنة استدعى السلطان الملك العادل ولده الملك المعظم، وقال له: إنك قد بنيت هذا الطّور، وهو يكون سبب خراب الشام، وقد سلّم الله تعالى من كان فيه من أبطال المسلمين، والسلاح والذخائر. وأرى من المصلحة خرابه، ليتوفر من فيه من المسلمين والعدد على حفظ دمياط، وأنا أعوضك عنه. وكانت دمياط قد حوصرت- على ما نذكره. فتوقف الملك المعظم، وبقى أياما لا يدخل على أبيه العادل. فبعث إليه وأرضاه بمال، ووعده ببلاد بالديار المصرية. فأجاب، وبعث فنقل ما كان فيه من العدد والذخائر إلى القدس وعجلون والكرك، ودمشق، وهدمه.
стр. 11257
ذكر وفاة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر: محمد بن أيوب وشىء من أخباره
كانت وفاته- رحمه الله تعالى- فى يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة، سنة خمس عشرة وستمائة، بعالقين «١» .
وذلك أنه لما عرج عن الفرنج وقصد دمشق، أقام بظاهرها مدة وهو مريض. فلما بلغه أخذ برج السّلسلة بثغر دمياط، ضرب بيده على صدره، وانزعج، وحصل له من الغم ما أفضى به إلى الوفاة- رحمه الله تعالى.
ومات، وله ست وسبعون سنة تقريبا. وذلك أنه سئل عن مولده، فقال:
ولدت سنة فتوح الرّها. وذلك فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقيل كان مولده ببعلبك، لما كان والده فى خدمة الملك العادل: نور الدين الشهيد.
ومدة ملكه تسع عشرة سنة «٢» ، وأربعين يوما. ولما مات لم يشعر بوفاته غير كريم الدين الخلاطى. وكان ولده الملك المعظم عيسى بنابلس.
وكان قد التقى مع الفرنج على القيمون «٣» فى هذا الشهر، فانتصر عليهم،
стр. 11258
وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر من الدّاويّة «١» مائة فارس، وأدخلهم القدس منكّسة أعلامهم. وأقام بنابلس. فكتب إليه على جناح طائر يعلمه بالخبر، فجاء يوم السبت إلى عالقين. فاحتاط على الخزائن، وصبّر أباه العادل وكتم موته، وجعله فى محفّة «٢» ، وعنده خادم يروح عليه، ورفع طرف سجاف المحفّة وأظهر أنه مريض. ودخلوا به إلى دمشق فى يوم الأحد، والناس يشيرون إلى من بالمحفّة بالخدمة والسلام، والخادم يومىء إلى جهة السلطان، كأنه يخبره بمن يسلم عليه، ودخلوا به إلى قلعة دمشق.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، وشمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزى، فى تاريخهما: ومن العجائب أنهم طلبوا له كفنا فلم يقدروا عليه، فأخذوا عمامة النّجيب الفقيه ابن فارس فكفنوه بها، وأخرجوا قطنا من مخدّة فلفوه به، ولم يقدروا على ما يحفرون به، فسرق كريم فأسا من الخندق فحفروا له به. ودفن بقلعة دمشق، إلى أن بنى له القبة المجاورة لمدرسته، فنقل إليها فى سنة تسع عشرة وستمائة. وحصل لابنه الملك المعظم وهم، فلما دفن السّلطان قام قائما، وشقّ ثيابه ولطم على رأسه ووجهه.
стр. 11259
واشتهرت وفاته بعد دفنه. وعمل عزاؤه ثلاثة أيام، وصلى عليه فى غالب مدن الإسلام. ونودى ببغداد: من أراد الصلاة على الملك العادل الغازى، المجاهد فى سبيل الله، فليحضر إلى جامع القصر. فحضر الناس وصلّوا عليه صلاة الغائب. ولم يتأخر غير الخليفة. وتقدموا إلى خطباء الجوامع بأسرهم، فصلوا عليه بعد صلاة الجمعة.
وكان- ﵀ قد امتد ملكه واتسعت ممالكه. وكان ثبتا حازما، حسن التدبير صفوحا، يدبّر الملك والممالك على الوجه المرضى، متمسكا بأوامر الشرع الشريف ونواهيه، منفذا للأحكام الشرعية، عادلا مجاهدا عفيفا، كثير الصّدقة، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر. طهّر جميع ممالكه من الخمور والفواحش بأسرها، وأسقط كثيرا من المكوس والمظالم. وكان الذى يتحصّل من هذه الجهات بدمشق خاصة مائة ألف دينار، فأبطل ذلك.
وشدّد فى أمر الخمر، ومنع من دخوله إلى دمشق- رحمه الله تعالى.
ذكر تسمية أولاد السلطان الملك العادل وما استقر لهم من الممالك والإقطاع
كان له رحمه الله تعالى من الأولاد الذكور سبعة عشر، وهم:
الملك الكامل، ناصر الدين محمد، ملك الديار المصرية. والملك المعظم: شرف الدين عيسى، صاحب دمشق والبيت المقدس، والكرك «١»
стр. 11260
والشّوبك «١» ، والسواحل. والملك الأشرف: مظفر الدين موسى، صاحب خلاط وما والاها وحرّان والرّها، وما مع ذلك.
والملك المظفر شهاب الدين غازى، صاحب ميّافارقين وما والاها والملك المظفّر شهاب الدين الحافظ أرسلان صاحب قلعة جعبر «٢» وأعمالها.
والملك العزيز: عثمان له بانياس وتبنين وأعمال ذلك، وعدة أماكن من بلد دمشق، مثل نوى «٣» وغيرها. والملك الصالح: عماد الدين اسماعيل، له قلعة بصرى وأعمالها، والسواد جميعه- وهو والعزيز فى خدمة أخيهما الملك المعظم.
والملك الفائز: إبراهيم، كان السلطان قد أقطعه الأعمال القوصية والملك المفضل: قطب الدين، أقطعه السلطان أيضا الأعمال الفيّومية، فأقر الملك الكامل ذلك بأيديهما. والملك المعز: مجير الدين يعقوب. والملك الأمجد: تقى الدين أبو الفضائل عباس- عند أخيهما الملك الأشرف صاحب خلاط. وله أيضا غير هؤلاء: الملك القاهر: إسحاق، وخليل- وهو أصغرهم.
стр. 11261
ومات له من الأولاد- فى حياته- أربعة، وهم: شمس الدين مودود، والد الملك الجواد يونس. والملك الأوحد: نجم الدين أيوب، الذى افتتح خلاط، كما تقدم. والملك المغيث: محمود. والملك الأمجد حسن- وهو شقيق الملك المعظم، والملك العزيز.
وكان له عدة بنات، أجلهن ضيفة خاتون، والدة الملك العزيز، ابن الملك الظاهر صاحب حلب.
ولما مات السلطان الملك العادل، أقر ولده- الملك المعظم- أحوال دمشق، على ما هى عليه فى أيام والده، بقية جمادى الآخرة. فلما استهل شهر رجب، أعاد المكوس وأطلق الخمور والمنكرات، وما كان والده السلطان قد أبطله. فقيل له فى ذلك، فاعتذر بقلة الأموال وقتال الفرنج.
ثم سار إلى بانياس، وراسل الأمير صارم الدين التبّينى فى تسليم الحصون التى بيده، فأجاب إلى ذلك، وسلمها، فأخرب الملك المعظم بانياس وتبنين. وأعطى ما كان بيد أولاد الأمير فخر الدين جهاركس لأخيه الملك العزيز عثمان، وزوّجه ابنة «١» جهاركس. ونزل الأمير صارم الدين وولده وأصحابه من الحصون، فأكرمهم الملك المعظم وأحسن إليهم، وأظهر أنه ما أخرب بانياس وتبنين، إلا خوفا من استيلاء الفرنج عليها.
стр. 11262
ذكر أخبار السلطان الملك [الكامل] » ناصر الدين ابن السلطان الملك العادل سيف الدين، أبى بكر محمد بن أيوب
وهو السادس من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية.
ملك الديار المصرية بعد وفاة والده الملك العادل، فى جمادى الآخرة سنة خمس عشرة وستمائة. وكان قبل ذلك ينوب عن والده بها كما تقدم.
ونحن نذكر أخبار الملك الكامل، وما اتفق من الحوادث والوقائع فى أيامه، بالديار المصرية: فى كل سنة نبدأ بذلك، ثم نذكر فى بقية السنة أخبار ملوك الشام من إخوته وغيرهم، ومن توفى فيها من المشهورين، ونأتى بالسنة التى بعدها، على ما تقف عليه- إن شاء الله.
ذكر نزول الفرنج على ثغر دمياط
كان نزول الفرنج على ثغر دمياط فى يوم الثلاثاء، لثلاث خلون من شهر ربيع الأول، سنة خمس عشرة وستمائة- وذلك قبل وفاة الملك العادل، وهو اذ ذاك بمرج الصّفّر «٢» .
ونزلوا بالبر الغربى «٣» . فخرج إليهم الملك الكامل بعساكره، وكتب إلى السلطان بالخبر. فأرسل إليه عساكر الديار المصرية التى كانت فى صحبته. وأقام الملك الكامل بثغر دمياط بظاهرها، واتصل القتال بين الفريقين.
стр. 11263
فلما كان فى جمادى الأولى، ملك الفرنج برح السّلسلة- وهو بين دمياط والبر الغربى، فى وسط بحر النيل- وذلك أنهم عملوا برجا من الخشب على بطسة «١» كبيرة، وأسندوه إلى البرج. وحصل القتال بين المسلمين المقيمين به وبين الفرنج، إلى أن ملكوه فى يوم السبت، ثامن الشهر.
ثم كانت وقعة كبيرة بين المسلمين والفرنج. فلما كان فى شهر رمضان، عمل الفرنج مرمّة عظيمة «٢» ، وزحفوا بها فى بطسة، وقصدوا سور دمياط.
فأحرقها المسلمون. وغرق للفرنج «٣» فى هذا الشهر مراكب كثيرة، فى البحر الملح.
ذكر حوادث وقعت فى مدة حصار ثغر دمياط
كان مما اتفق فى مدة الحصار جباية التبرع من التجار، من أرباب الأموال وذلك فى ذى القعدة، سنة خمس عشرة.
стр. 11264
وفى يوم الثلاثاء، سابع عشر من الشهر، رحل السلطان الملك الكامل عن ثغر دمياط، وتأخر إلى أشموم «١» .
وسبب ذلك أن الملك الفائز كان عند أخيه الملك الكامل بثغر دمياط، وكان الأمير عماد الدين بن المشطوب يكره الملك الكامل، فأراد القبض عليه، وإقامة الملك الفائز. فاتصل ذلك بالكامل، فارتحل عن دمياط ليلا، وترك خيامه وخزائنه. فشعر المسلمون برحيله، فارتحلوا بأجمعهم، وتركوا أثقالهم وأموالهم. وأصبح الفرنج فلم يروا أحدا فى البر الشرقى. فظنوا أن ذلك مكيدة، فارتابوا. ثم حققوا الأمر، فلما اتضح لهم عدّوا بجملتهم، وكبسوا المنزلة «٢» ونهبوا ما كان بها، واحتاطوا بدمياط برا وبحرا.
وكان السلطان قصد أن يتوجه إلى مصر، لخوفه من ابن المشطوب.
فأشار عليه بعض الأمراء بالإقامة على المنصورة، فاستقر بها. وثارت الفتن بالديار من العربان، فكانوا على المسلمين أشد من الفرنج.
стр. 11265
ذكر وصول الملك المعظم عيسى- صاحب دمشق وإخراج عماد الدين بن المشطوب وما اتفق له بعد خروجه
كان وصول الملك المعظّم شرف الدين عيسى إلى المنصورة فى يوم الخميس، لليلة بقيت من ذى القعدة، من السنة. فاشتد به عضد أخيه الملك الكامل.
ولما وصل، شكى له ما يحذره من أمر عماد الدين بن المشطوب «١» .
فركب الملك المعظم وجاء إلى خيمة عماد الدين. فلما أخبر بذلك، قال لغلمانه قولوا له هو نائم! فذكروا ذلك للملك المعظم، فقال: ننتظره إلى أن يستيقظ، وثنى رجله إلى عنق فرسه. فلما طال ذلك على عماد الدين، خشى عاقبة هذا الأمر. فخرج إليه وهو بغير خفّ، وقبّل يده. فقال له المعظم:
ليركب الأمير، حتى يحصل الاتفاق معه على نصب المجانيق على أطراف البحر.
стр. 11266
فلما ركب، سايره الملك المعظم وشغله بالحديث حتى أحاط به عسكر المعظم. ثم نظر إليه نظرة مغضب، وقال له: لما مات السلطان الملك العادل كان من أولاده من اسمه: عماد الدين بن المشطوب؟! قال: الله الله، يا مولانا! فأمر بإنزاله عن فرسه فأنزل. وحمل على بغلة إلى أشموم.
ولما أمر الملك المعظم بسفره، اعتذر أن لا نفقة معه، وسأل الرجوع إلى خيمته ليلبس خفّه، ويأخذ نفقة. فأعطاه الملك المعظم خمسمائة دينار، وقال له: جميع ما تخلّف من أموالك وأثقالك ودوابك يصل إليك. ثم رجع المعظم إلى خيمة ابن المشطوب، فجهز إليه خيله وأثقاله وغلمانه، وجميع ما يتعلق به، فلحقوه إلى الشام.
ووصل ابن المشطوب إلى دمشق، ثم إلى حماه وأقام بها. فبعث إليه الملك الأشرف منشورا، بأرجيش «١» ببلاد خلاط، وزيادة. وبعث إليه بالخلع. فتوجه إلى خدمته، فأكرمه وأحسن إليه. فصار يركب بالشّبّابة «٢» ، ويمشى مشى الملوك.
ثم خرج عن طاعة الملك الأشرف، فى سنة سبع عشرة. وعاث فى أرض سنجار، وساعده صاحب ماردين. فسار إليه الملك الأشرف، ونزل على دنيسر «٣» . وجاء الملك الصالح، فأصلح بين الأشرف صاحب
стр. 11267
ماردين. ودخل ابن المشطوب إلى تل أعفر «١» . فسار إليه فارس الدين بن صيره من نصيبين، وبدر الدين لؤلؤ من الموصل، وحصراه بها. فاستنزله الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ بالأمان، وحمله معه إلى الموصل، ثم قيده وبعث به إلى الملك الأشرف. فاعتقله بالجب فمات بالجوع والقمل. وكانت وفاته فى سنة تسع عشرة وستمائة. على ما نذكره.
ذكر وصول الصاحب صفى الدين بن شكر ووزارته
وفى مستهل ذى الحجة، سنة خمس عشرة وستمائة، قدم الصاحب صفى الدين بن شكر من آمد، وكان السلطان قد استدعاه. فلما قدم، ركب إليه وتلقاه وأكرمه وذكر له السلطان ما يحتاج إليه من الأموال والكلف، فالتزم له بتحصيل ذلك. وشرع فى مصادرات أرباب الأموال والتجار والأكابر. وقرر التبرع على الأملاك، وأحدث حوادث كثيرة. وجبى الأموال، حتى من الساسة والصوانع والمغانى ومعلمى المكاتب، وغيرهم.
واستهلت سنة ست عشرة وستمائة:
فى مستهل المحرم منها، أمر السلطان بخروج أهل مصر والقاهرة، لقتال الفرنج. فخرج الناس. وأقام الصاحب بالقاهرة إلى سابع عشرين من شهر
стр. 11268
رمضان، سنة ست عشرة. فاستدعاه السلطان واستوزره، وصرفه.
واحتجب الملك الكامل من الناس بعد ذلك. وكان قبل ذلك يركب بنفسه، ويستحث العوام على جهاد الفرنج.
ذكر خراب القدس
كان ابتداء الخراب بالقدس فى بكرة يوم الأحد سابع المحرم، سنة ست عشرة وستمائة.
وسبب ذلك أن الملك المعظم لما توجه إلى أخيه الملك العادل، بلغه أن طائفة من الفرنج قد عزموا على قصد القدس. فاتفق مع جماعة من الأمراء على إخرابه. وقال: قد خلا الشام من العساكر، فلو أخذه الفرنج حكموا على دمشق وبلاد الشام. فأمر بإخرابه. وكان بالقدس الملك العزيز عثمان، وعز الدين أيبك أستاذ الدار.
ووقع فى البلد ضجة عظيمة. وخرج الناس أجمع، حتى البنات المخدّرات والعجائز والشيوخ وغيرهم، إلى الصخرة والأقصى، فقطعوا شعورهم ومزقوا ثيابهم. وخرجوا على وجوههم وتركوا أموالهم. وامتلأت بهم الطرقات، فمنهم من توجه إلى الديار المصرية، ومنهم من توجه إلى الكرك، وبعضهم إلى دمشق. وصار البنات المخدرات يمزقن ثيابهن، ويلففنها على أرجلهن، من الحفا. ومات خلق كثير من الجوع والعطش. ونهب ما كان لهم بالقدس، حتى بيع القنطار الزيت بالقدس بعشرة دراهم، ورطل النحاس بنصف درهم.
стр. 11269
وأكثر الشعراء القول فى ذلك، فقال بعض أهل العلم- يشير إلى الملك المعظم- من أبيات:
فى رجب حلّل الحميّا ... وأخرب القدس فى المحرّم!
ذكر استيلاء الفرنج على دمياط
كان استيلاء الفرنج على ثغر دمياط فى يوم الثلاثاء، لخمس بقين من شعبان سنة ست عشرة- وقيل لثلاث بقين منه.
وذلك أنهم كانوا قد أحاطوا بها برا وبحرا، ومنعوا الميرة عن أهلها، حتى هلكوا من الجوع، ومات أكثرهم. وعدمت الأقوات، وغلت الأسعار حتى بيع السكر بزنته ذهبا، والدجاجة بثلاثين دينارا، والبيضة بدينار، وبيعت بقرة بألف وستمائة دينار، واشترط البائع أن يكون له بطنها ورأسها، فباع ذلك بمائة دينار وأربعة عشر دينارا مصرية- على ما حكاه ابن جلب راغب فى تاريخه.
قال: فلما اشتد بهم ذلك، بذل لهم الفرنج الأمان على أنهم يخرجون منها ويتسلمها الفرنج، فأجابوه إلى ذلك، وخرج الناس منها. وبقى من عجز عن الحركة، فأسرهم الفرنج، وحملوا فى المراكب إلى عكا. فكانت مدة الحصار على ثغر دمياط ستة عشر شهرا، واثنين وعشرين يوما. وكان السلطان إذا أراد أن يرسل إلى دمياط أرسل العوامين، فيحملون الكتب ويغطسون فى الماء، ويطلعون من تحت سور دمياط. فلما أحسن الفرنج بذلك، عملوا شباكا وخطاطيف من دمياط إلى البر الغربى، وثبتوا ذلك فى
стр. 11270
المراكب. فصار العوّام إذا غطس فى الماء وقع فى الشباك أو الخطاطيف، فيأخذونه فلا يكاد يفوتهم عوّام، ويقتلون من يجدونه. فامتنع الدخول إليها.
ولما استولى الفرنج على ثغر دمياط، أشار السلطان الملك الكامل على أخيه الملك المعظم بالعود إلى الشام، وغزو الفرج من تلك الجهة، واستجلاب العساكر من بلاد الشرق.
ذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام وما اعتمده
قال الشيخ أبو المظفر: يوسف، سبط بن الجوزى فى تاريخه:
لما استولى الفرنج على ثغر دمياط، كتب إلىّ الملك المعظم كتابا بخطه، يخبرنى بما جرى على أهل دمياط من الكفر، ويقول: إنى كشفت ضياع الشام فوجدتها ألفى ضيعة: ألف وستمائة أملاك لأهلها، وأربعمائة سلطانية «١» . وكم مقدار ما تقوم هذه الأربعمائة من العساكر؟ وأريد أن يخرج الدماشقة، ليذبوا عن أملاكهم- الأصاغر منهم والأكابر- ويكون لقاؤنا وهم فى صحبتك إلى نابلس، فى وقت سمّاه.
стр. 11271
قال: فجلست فى جامع دمشق، وقرأت كتابه عليهم، فأجابوا بالسمع والطاعة فلما حلّ ركابه بالساحل وقع التقاعد من الأماثل، فأوجب ذلك أخذ الثّمن والخمس من أموالهم، مؤاخذة لهم. قال: وخرجت أنا إليه بالساحل وهو نازل على قيساريّة «١» ، فأقام بها حتى فتحها عنوة، وفتح غيرها. وعاد إلى دمشق.
ذكر وفاة ست الشام ابنة أيوب وايقافها أملاكها، وتفرقة أموالها، وما فعله الملك المعظم مع قاضى الشام، بسبب ذلك
وفى هذه السنة فى ذى القعدة، كانت وفاة ست الشام بنت أيوب:
أخت السلطان الملك الناصر صلاح الدين، والملك العادل. وهى شقيقة الملك المعظم: شمس الدولة تورانشاه، وسيف الاسلام «٢» : ابنى أيوب.
وكانت سيدة الخواتين. وهى التى ينسب إليها المدرستان، بدمشق وظاهرها، أحداهما قبلىّ البيمارستان النّورى، والأخرى ظاهر دمشق بالعوينة. وتعرف أيضا بالحسامية، نسبة إلى ابنها حسام الدين بن
стр. 11272
لاجين «١» - وكانت دفنته بها. ودفنت هى معه فى قبره. وهو القبر الذى يلى الباب القبو من القبور الثلاثة. والقبلىّ قبر تورانشاه بن أيوب، والأوسط قبر ابن عمها: ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادى- وكان قد تزوجها بعد لاجين.
وكانت- رحمها الله- كثيرة الصدقة والبر. وكانت تصنع الأشربة والأدوية والمعاجين والعقاقير، فى كل سنة بألوف دنانير، وتفرقها على الناس. وكانت ست الشام، وأختها ربيعة خاتون، محرما على نيف وثلاثين ملكا وسلطانا.
وكان الملك المعظم يتهمها أن عندها من الجواهر ما لا يحصى قيمته.
وأن ذلك اتصل إليها مما كان بالقصور بالقاهرة. وكان كثير الإحسان إليها والبر بها، ويمنعها من الخروج من دمشق. ويظهر أن ذلك برأيها. ويرجو وفاتها عنده، ليستولى على أموالها وأملاكها، فاتفقت وفاتها وهو بالصيد.
ولما مرضت، جاء وكيلها ابن الشيرجى إلى قاضى القضاة: زكى الدين، وطلبه إليها بدارها. فأخذ معه أربعين عدلا من أعيان دمشق، فشهدوا عليها أنها أوقفت أملاكها على مدرستها، ووجوه البر وأنواع القربات، وجعلت دارها مدرسة ووقفت عليها وقوفا، وأبرأت جواريها وخدمها ووكلاءها. وماتت بعد ذلك. وأسندت وصيتها إلى القاضى. فعاد
стр. 11273
السلطان من الصيد، فوجد الأمر قد مضى على ذلك. فتألم لوقوعه، وأنكر على القاضى، وقال: يحضر إلى دار عمتى من غير إذنى، ويسمع كلامها، هو والشهود!.
ثم اتفق بعد ذلك أن القاضى طلب جابى أوقاف المدرسة العزيزيّة «١» - وهو سالم بن عبد الرازق، خطيب عقربا «٢» - أخو المؤيد العقربانى- وطلب منه حسابها، فأغلظ له فى القول. فأمر القاضى بضربه، فضرب بين يديه، كما تفعل الولاة.
فوجد الملك المعظم سبيلا إلى إظهار ما عنده، فأرسل إلى القاضى بقجة، وهو فى مجلس حكمه، وفى مجلسه الجمال المصرى وكيل بيت المال، وجماعة كثيرة من العدول والمتحاكمين، فجاءه الرسول، وقال للقاضى: السلطان يسلم عليك ويقول لك: الخليفة- سلم الله عليه- إذا أراد أن يشرف أحدا من أصحابه خلع عليه من ملابيسه، ونحن نسلك طريقه! وقد أرسل إليك من ملابيسه، وأمرأن تلبسها فى مجلسك هذا،
стр. 11274
وأنت تحكم بين الناس. وكان الملك المعظم أكثر ما يلبس قباء «١» أبيض، وكلّوتة صفراء «٢» . وفتح الرسول البقجة. فلما نظر القاضى إلى ما فيها وجم!.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: فأخبرنى الرسول الذى أحضر هذه الخلعة والرسالة بذلك، قال: وكان السلطان قد أمرنى أن ألبسه إياها بيدى، إن امتنع أو توقف. فأشرت عليه بلبسها، وأعدت عليه الرسالة.
فأخذ القباء ووضعه على كتفه، ووضع عمامته بالأرض ولبس الكلّوتة الصفراء على رأسه، ثم قام ودخل بيته إثر هذه الحادثة، ورمى كبده ومات. ويقال أن ذلك كان فى يوم الأربعاء، سابع عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وستمائة.
وفوّض السلطان قضاء الشام بعده للجمال المصرى «٣» وكيل بيت المال، وذلك فى شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة.
قال أبو المظفر سبط ابن الجوزى: وكانت حركة قبيحة وواقعة شنيعة، لم يجر فى الإسلام أقبح منها. وكانت من غلطات الملك المعظم. قال ولقد قلت له: ما فعلت إلا بصاحب الشرع، ولقد وجبت عليك دية القاضى.
فقال: هو أحوجنى إلى هذا. ولقد ندمت.
стр. 11275
واتفق أن الملك المعظم بعث إلى شرف الدين بن عنين الشاعر «١» - حين تزهّد- خمرا ونردا، وقال: سبّح بهذا- إشارة إلى أن زهده ليس حقيقة! فكتب إليه ابن عنين:
يا أيها الملك المعظم، سنّة ... أحدثتها، تبقى على الآباد
تجرى الملوك على طريقك بعدها ... : خلع القضاة وتحفة الزّهّاد
وفى هذه السنة، توفى الشيخ جلال الدين أبو محمد: عبد الله بن نجم ابن شاس بن نزار، بن عشائر بن عبد الله بن محمد بن شاس، الجذامى السّعدى: الفقيه المالكى. وكان عالم مذهب مالك فى زمانه. وصنّف فى مذهب مالك كتابا نفيسا، سماه: «الجواهر الثمينة فى علم صاحب المدينة» . فانتفع به المالكية انتفاعا كثيرا. وكان مدرّسا بمدرسة المالكية بمصر، المجاورة للجامع. ثم توجه إلى ثغر دمياط بنيّة الجهاد، فتوفى هناك فى جمادى الآخرة، أو رجب، سنة ست عشرة وستمائة- رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى بالقاهرة القاضى: جمال الدين أبو الحسن على، ابن القاضى شرف الدين أبو المعالى شكر، بن القاضى كمال الدين أبو السّعادات: أحمد بن شكر، الشافعى- رحمه الله تعالى.
следующие страницы →