← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

وما بعدها تسافر فيه المراكب صيفا وشتاء. والبحران الآن على ذلك. ولكن البحر فيما بين الروضة ومصر أكثر، وهو البحر الذى تسافر فيه السفن فى الاحتراق. نعود إلى سياقة أخبار سنة ثمان وعشرين وستمائة. وفيها بنى أسد الدين شيركوه- صاحب حمص والرّحبة- قلعة بالقرب من سلميّة «١» وسماها شميمس، وهى على تلّ عال. وفيها كان مقتل الملك الأمجد: بهرام شاه، بن فرّخشاه، بن شاهنشاه ابن أيوب- صاحب بعلبكّ. كان وكانت بعلبك بيده، منذ أعطاه إياها السلطان الملك الناصر صلاح الدين عند وفاة أبيه، فى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. فلم تزل بيده، إلى أن انتزعها الملك الأشرف منه- كما تقدم- فى السنة التى قبلها. وأعانه على ذلك صاحب حمص: أسد الدين شيركوه. وكان سبب مقتله أن بعض مماليكه سرق له حياصة «٢» ودواة- قيمة ذلك مائتا دينار- وخبّأ هما عند مملوك آخر، فلما ظهر له ذلك حبس السارق فى خزانة داره- والخزانة خلف المكان الذى يجلس فيه الملك الأمجد- وتوعّد ذلك المملوك- بقطع اليد. فلما كانت ليلة الأربعاء، ثانى عشر شوال، جلس على عادته أمام الخزانة- وعنده عباس بن أخى الشريف البهاء وهما يلعبان بالنّرد، وعنده فهيد المنجّم وبيده الاسطرلاب ليأخذ له طالع الوقت.

стр. 11342

فقال له فهيد: يا مولانا انظر إلىّ، فهذه ساعة سعيدة، لو أردت أخذ دمشق لأخذتها. فقال له: لا تكلّمنى، فقد تعيّن لى الغلب! وكان مع المملوك الذى فى الخزانة سكّين، فعالج رزّة الخزانة برفق فقلعها، وفتح الباب. فهجم على الملك الأمجد وأخذ سيفه فجذبه وضربه به. فصاح، فحلّت الضّربة كتفه، ونزل السيف إلى ثديه. ثم ضربه أخرى، فقطع يده وقطعته فى خاصرته. وهرب يصعد إلى السطح، فتبعوه. فألقى نفسه إلى الدار. فماتا جميعا. وجهّز الملك الأمجد ودفن فى تربة أبيه، التى على الميدان على الشّرف الشّمالى. وكان فاضلا شاعرا، وله ديوان شعر بأيدى الناس- رحمه الله تعالى. قال أبو المظفر: ورآه بعض أصحابه فى المنام بعد موته، فقال له: ما فعل الله بك؟ قال: كنت من ذنبى على وجل ... زال عنى ذلك الوجل أمنت نفسى بوائقها «١» ... عشت لما متّ يا رجل قال أبو المظفر: وكان الأمجد قد قتل ابنا له جميلا، كان واطأ عليه الملك العزيز عثمان «٢» ، وكتب إليه يقول: قد يسّرت باب السّرّ «٣» فسر إلينا

стр. 11343

وقت السّحر. وكان الملك العزيز بالصّبيبة «١» ، فسار منها فى أول الليل- والمسافة بعيدة- فوصل إلى بعلبك وقد طلعت الشمس ففاته الغرض. واطلع الأمجد على ما فعله ابنه فقتله. وقيل بنى عليه بيتا، فمات. وفيها توفى المهذّب الدّخوار، الطبيب «٢» : رئيس الأطباء بدمشق. وكان طبيبا حاذقا، وما كان يرى أن فى الدنيا مثله. وكان يقرأ عليه الطّب. وكانت له دار بدمشق وبستان، فوقف الدار مدرسة يقرأ فيها الطب، ووقف بستانه عليها. والمدرسة باقية بدمشق، تعرف بالدّخوارية، رأيتها فى سنة ثلاث وسبعمائة. وفيها، فى ثامن عشر شعبان، توفى الأمير شجاع الدين أبو المنصور: جلدك بن عبد الله المظّفرى التّقوى «٣» ، بالقاهرة. سمع من الحافظ السّلفى. وكان مكرّما لأهل العلم والفضلاء، مساعدا لهم بماله وجاهه. وحضر مواقف كثيرة فى قتال العدو بالساحل. وتولى ثغر دمياط والإسكندرية، وقوص، وشدّ الدواوين «٤» ، وغير ذلك. وكان يكتب فى

стр. 11344

كل بلد يتولاه ختمة. فحكى عنه أنه قال: كتبت بخطى أربعا وعشرين ختمة. وكان قد قارب ثمانين سنة- وقيل مات فى عشر التسعين. والله أعلم. واستهلت سنة تسع وعشرين وستمائة: فى هذه السنة توجه السلطان الملك الكامل إلى بلاد الشرق، بسبب فتح آمد. وسنذكر ذلك. وفيها- فى جمادى- عزل قاضى القضاة: شمس الدين بن سنىّ الدولة الخويّى، وقاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدولة- جميعا- عن قضاء القضاة بدمشق، وفوّض ذلك إلى قاضى القضاة: عماد الدين عبد الكريم، بن قاضى القضاة جمال الدين الحرستانى. وفيها توفى الأمير فخر الدين عثمان بن قزل الكاملى بحرّان، فى الثامن والعشرين من ذى الحجة، ودفن بظاهرها. ومولده بحلب فى سنة إحدى وستين وخمسمائة. وكان أحد الأمراء الأكابر فى الدولة الكاملية. وكان راغبا فى فعل الخير، مبسوط اليد بالصدقة والإسعاف، يتفقّد أرباب البيوت وغيرهم. وأنشأ المدرسة المعروفة بالقاهرة المعزّيّة، والمسجد المقابل لها، وكتّاب السبيل والرّباط بالقرافة بسفح المقطّم. وأوصى بوصيّة ذكر فيها كثيرا من أنواع البر- رحمه الله تعالى.

стр. 11345

واستهلت سنة ثلاثين وستمائة: ذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد وحصن كيفا «١» كان الاستيلاء على ذلك فى سنة ثلاثين وستمائة. وكان السلطان قد توجّه فى سنة تسع وعشرين وستمائة، واستقّل ركابه من مقرّ ملكه، بقلعة الجبل المحروسة بظاهر القاهرة المعزّيّة، فى ثامن جمادى الآخرة، واستصحب عساكر الديار المصرية. ووصل إلى دمشق واستصحب أخاه الملك الأشرف، وولده الملك الصالح نجم الدين أيوب. وكان سبب قصده هذه الجهة أن أخاه الملك الأشرف، بما حضر إلى الديار المصرية، عرّف السلطان أن الملك المسعود مودود بن الملك الصالح بن أرتق، صاحب آمد وبلادها وحصن كيفا- قد اشتغل عن مملكته باللهو والشرب والطرب، وأنها خالية من العساكر. فتجهّز إليها. ولما بلغ الملك المسعود أن السلطان قصد بلاده، بادر بإرسال وزيره شرف العلا إلى السلطان يستعطفه، ويسأل مراحمه فى إبقاء ما بيده والكفّ عن طلبه. فوصل إلى السلطان، وكان إلبا «٢» على صاحبه، وعرّف السلطان إقباله على اللهو والطرب، وأن مملكته خالية من العساكر، فأطمعه فى أخذ البلاد.

стр. 11346

فسار إليها، ونازلها فى يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذى الحجة ونصب عليها المجانيق. وأنذر صاحبها الملك المسعود ووعده بالإقطاعات الكبيرة، فلم يصغ إلى ذلك. ثم شاهد الغلبة، فخرج إلى السلطان وفى عنقه منديل. فوكّل به، وتسلّم آمد فى مستهل المحرم، سنة ثلاثين وستمائة. واستولى على أمواله وذخائره، وطلب منه تسليم القلاع فسلّمها بجملتها. ودخل الملك الكامل إلى آمد. فترجّل فى خدمته جميع الملوك الأيوبية، وسائر ملوك الشرق- إلا صاحب الروم السلطان: علاء الدين كيقباذ السّلجقى، وصاحب الجزيرة «١» الملك المعظّم: محمد بن سنجر شاه، فإنهما أرادا أن يترجّلا فلم يمكّنهما الملك الكامل من ذلك، ودخلا راكبين لركوب السلطان، ونزلوا جميعا فى القلعة. وبقى حصن كيفا بيد نائبه، لم يسلّمه. فكتب الملك المسعود إلى نائبه أن يسلمه، فامتنع من ذلك. فبعث السلطان الملك الكامل أخاه الملك الأشرف إلى الحصن، ومعه الملك المسعود، فتوجه به وعاقبه تحت الحصن، وكان يبغضه، فأصر النائب على الامتناع من تسليمه. وكان بينهما إشارة، فلما آلمته العقوبة جاء إلى تحت الحصن، وقبض على شعر نفسه وقطعه بمقصّ، فعند ذلك سلّم النائب الحصن- وكانت هذه إشارة بينهما. وكان تسليم الحصن فى صفر من السنة.

стр. 11347

وكان الملك المسعود، لما حاصر السلطان آمد، قد كتب إلى نائبه بحصن كيفا يقول له: من مرّ عليك من أهل الجزيرة فاعتقله، لأن صاحب الجزيرة كان قد توجه إلى خدمة السلطان الملك الكامل. وكان المتولى يرصد القفول إذا مرّت بالحصن، فمن كان منهم من أهل الجزيرة قبض عليه واعتقله. واجتمع فى حبسه خلق كثير منهم. فلما فتح الحصن أفرج السلطان عنهم. وأنعم الملك الكامل على ولده، الملك الصالح نجم الدين أيوب، بحصن كيفا وأعماله- وكان، منذ أخرجه من الديار المصرية، بغير ولاية. وجعل شهاب الدين غازى- بن شمس الملوك- نائب السلطنة بآمد. ومعين الدين بن الشيخ الوزير، والطّواشى شمس الدين صواب العادلى متولى تدبير تلك الممالك. قال أبو المظفر: قال لى الملك الأشرف: وجدنا فى قصر الملك المسعود خمسمائة حرّة من بنات الناس للفراش. وعاد السلطان إلى الديار المصرية فى سنة ثلاثين وستمائة، واستصحب أكابر أهل آمد وأعيانها، صحبته، إلى الديار المصرية- وكان منهم بدر الدين، وموفق الدين، وابن أخيهما شمس الدين، وجماعة كبيرة. فأما هؤلاء الثلاثة فإنهم باشروا وترقوا فى المناصب بالديار المصرية، والشام. ومن عداهم من أهل آمد نالتهم فاقة شديدة وضرورة، حتى استعطوا بالأوراق. وأما الملك المسعود فإن السلطان أنعم عليه بالإقطاعات بالديار المصرية.

стр. 11348

ذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى بغداد، وعوده هو ورسول الخليفة بالتقليد «١» فى هذه السنة توجّه القاضى الأشرف: بهاء الدين أبو العباس، أحمد ابن القاضى محيى الدين عبد الرحيم البيسانى- رسولا من جهة السلطان الملك الكامل إلى الدّيوان العزيز. فعاد فى صحبة رسول الخليفة «٢» ، وهو الشيخ جمال الدين أبو محمد يوسف بن الجوزى، ومعهما جماعة من الأجناد. وأعطى ابن الجوزى محفّة تمييزا له. ونفّذ معهما تقليد، من إنشاء الوزير أبى الأزهر: أحمد بن النّاقد «٣» ، بخطّ العدل ناصر بن رشيد الحربوى «٤» . وفى أعلاه بخط الوزير ما مثاله: للآراء المقدسة- زادها الله تعالى جلالا وتعظيما- مزيد فى شرفها فى تتويجه. والعلامة المستنصرية عليه، تحت البسملة: «الله القاهر فوق عباده» .

стр. 11349

ونسخة التقليد بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذى أطمأنّت القلوب بذكره، ووجب على الخلائق جزيل حمده وشكره، ووسعت كلّ شىء رحمته، وظهرت فى كلّ أمر حكمته. ودلّ على وحدانيته بعجائب ما أحكمه صنعا وتدبيرا، وخلق كلّ شىء فقدّره تقديرا- ممدّ الشاكرين بنعمائه التى لا تحصى عددا. وعالم الغيب الذى لا يظهر على غيبه أحدا. لا معقّب لحكمه فى الإبرام والنّقض، ولا يئوده حفظ السموات والأرض. تعالى أن يحيط به الضّمير، وجلّ أن يبلغ وصفه البيان والتفسير، ليس كمثله شىء وهو السميع البصير. وأحمد الله الذى أرسل محمدا- ﷺ بالحق، بشيرا ونذيرا. وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا. وابتعثه هاديا للخلق، وأوضح به مناهج الرّشد وسبل الحق. واصطفاه من أشرف الأنساب وأعزّ القبائل. واجتباه لإيضاح البراهين والدلائل، وجعله لديه أعظم الشّفعاء وأقرب الوسائل. فقذف- صلى الله عليه- بالحقّ على الباطل. وحمل الناس بشريعته الهادية على المحجّة» البيضاء والسّنن العادل، حتى استقام إعوجاج كل زائغ، ورجع إلى الحق كلّ حائد عنه ومائل. وسجد لله كلّ شىء يتفيّا ظلاله عن اليمين والشمائل. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الكرام

стр. 11350

الأفاضل، صلاة مستمّرة بالغدوات والأصائل- خصوصا على عمّه وصنو «١» أبيه: العباس بن عبد المطلب، الذى اشتهرت مناقبه فى المجامع والمحافل. ودرّت ببركة الاستسقاء به أخلاف «٢» السّحب الهواطل، وفاز من تنصيص الرسول- ﷺ على عقبه. فى الخلافة المعظّمة، بما لم يفز به أحد من الأوائل. والحمد الله الذى حاز شريف مواريث النبوة والإمامة، ووفّر جزيل الأقسام من الفضل والكرامة، لعبده وخليفته، ووارث نبيه ومحيى شريعته: الذى أحلّه الله من معارج «٣» الشرف والجلال فى أرفع ذروة، وأعلقه من حسن التوفيق الإلهى بأمتن عصمة وأوثق عروة، واستخرجه من أشرف نجار «٤» وعنصر، واختصه بأزكى منحة وأعظم مفخر، ونصبه للمؤمنين علما، واختاره للمسلمين إماما وحكما، وناط به أمر دينه الحنيف، وجعله قائما بالعدل والإنصاف بين القوىّ والضعيف: إمام المسلمين، وخليفة رب العالمين: أبى جعفر المنصور، المستنصر بالله، أمير المؤمنين، ابن الإمام السعيد التقىّ أبى نصر محمد: الظاهر بأمر الله، [ابن الإمام السعيد الوفىّ أبى العباس أحمد: الناصر لدين الله] «٥» ، ابن الإمام السعيد الزكى: أبى محمد الحسن المستضىء بأمر الله، أمير المؤمنين-

стр. 11351

صلوات الله عليهم أجمعين، وعلى آبائه الطاهرين، الأئمة المهديّين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون. ولقوا الله تعالى وهو عنهم راض، وهم عنه راضون. وبعد: فبحسب ما أفاضه الله تعالى على أمير المؤمنين- صلوات الله عليه وسلامه- من خلافته فى الأرض، وفوّضه إلى نظره المقدّس فى الأمور من الإبرام والنقض، واستخلصه له من حياطة بلاده وعباده، ووكله إلى شريف نظره ومقدّس اجتهاده- لا يزال صلوات الله عليه- يكلأ العباد «١» بعين الرّعاية، ويسلك بهم فى المصالح العامة والخاصة مذاهب الرّشد وسبل الهداية، وينشر عليهم جناحى عدله وإحسانه، وينعم لهم النظر فى ارتياد «٢» الأمناء الصّلحاء، من خلصاء أكفائه وأعوانه- متخيّرا للاسترعاء من استحمد إليه بمشكور المساعى وتعرّف إليه فى سياسة الرعايا بجميل الأسباب والدّواعى، وسلك فى مفروض الطاعة الواجبة على الخلائق قصد السبيل. وعلم منه حسن الاضطلاع فى مصالح المسلمين بالعبء الثقيل. والله يؤيّد آراء أمير المؤمنين- صلوات الله عليه- بالتأييد والتسديد. ويمدّه أبدا من أقسام التوفيق الإلهى بالموفور والمزيد، ويقرن عزائمه الشريفة باليمن والنجاح ويسنّى له فيما يأتى ويذر أسباب الخير والصلاح. وما توفيق أمير المؤمنين إلا بالله- عليه يتوكّل وإليه ينيب.

стр. 11352

ولما وفّق الله تعالى نصير الدين: محمد «١» ، بن سيف الدين أبى بكر، بن أيوب- من الطاعة المشهورة، والخدم المشكورة، والخطوة فى جهاد أعداء الدين بالمساعى الصالحة، والفوز من المراضى الشريفة الإمامية- أجلّها الله تعالى- بالمغانم الجزيلة والصّفقة الرابحة- لما وصل فيه سالف شريف الاختصاص بآنفه. وشفع تالده «٢» فى تحصيل مأثور الاستخلاص بطارفه «٣» . واستوجب بسلوكه فى الطاعة المفروضة مزيد الإكرام والتفضيل، وضرع فى الإنعام عليه بمنشور شريف إمامى يسلك فى اتّباعه هداه. والعمل بمراشده سواء الصراط وقصد السبيل- اقتضت الآراء الشريفة المقدسة- زادها الله تعالى جلالا متألّق الأنوار، وقدسا يتساوى فى تعظيمه من هو مستخف بالليل وسارب بالنهار- الإيعاز بإجابته إلى ما وجّه أمله إلى الإنافة «٤» فيه به إليه. والجذب بضبعه «٥» إلى ذروة الاجتباء الذى تظهر أشعّة أنواره الباهرة عليه. فقلّده- على خيرة الله تعالى- الزّعامة والصّلاة، وأعمال الحرب، والمعاون «٦» والأحداث «٧» ، والخراج والضّياع، والصّدقات والجوالى «٨» ، وسائر وجوه الجبايات، والفرض والعطاء «٩» والنفقة فى

стр. 11353

الأولياء، والمظالم والحسبة فى «١» بلاده، وما يفتتحه ويستولى عليه من بلاد الفرنج الملاعين، وبلاد من تبرز إليه الأوامر الشريفة بقصده، من المارقين عن الإجماع المنعقد بين المسلمين، ومن يتعدّى حدود الله تعالى، بمخالفة من جعلت الأعمال الصالحات بولائه المفروض على الخلائق مقبولة، وطاعته- ضاعف الله جلاله- بطاعته وطاعة رسول الله ﷺ موصولة، حيث قال- عزّ من قائل: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم. واعتمد- صلوات الله عليه وسلامه- فى ذلك على حسن نظره، ومدد رعايته. وألقى مقاليد التفويض فيه إلى وفور اجتهاده، وكمال سياسته. وخصّه من هذا الإنعام الجزيل بما يبقى له على تعاقب الدهر واستمراره، ويخلّد له على ممرّ الزمان حسن ذكره وجزيل فخاره. وحباه بتقليد يوطّد له قواعد الممالك، ويفتح بإقليده «٢» رتاج «٣» الأبواب والمسالك، ويفيد قاعدته فى بلاده زيادة تقرير وتمهيد، ويطير به صيته فى كل قريب وبعيد.

стр. 11354

ووسمه بالملك الأجلّ: السيد الكامل، المجاهد المرابط، نصير الدين، ركن الإسلام، جمال الأنام، جلال الدولة فخر الملة. عزّ الأمة. سند الخلافة. تاج الملوك والسلاطين.، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، إلب غازى بك، محمد، بن أبى بكر بن أيوب، معين أمير المؤمنين- رعاية لسوابق خدمه، وخدم آبائه وأسلافه، وإبانة عن وفور احتبائه «١» ، وكمال ازدلافه «٢» . وإنافة به «٣» من ذروة القرب إلى محلّ كريم، وإختصاصا له بالإحسان الذى لا تلقّاه إلا من هو- كما قال الله تعالى- ذو حظّ عظيم- وثوقا بصحة ديانته التى يسلك فيها سواء سبيله، وإستنامة إلى أمانته فى الخدمة التى ينصح فيها لله تعالى ولرسوله. وركونا إلى [كون] الإنعام عليه موضوعا بحمد الله تعالى فى أحسن موضع، واقعا به لديه فى خير مستقرّ ومستودع. وأمير المؤمنين- صلوات الله عليه- لا زالت الخيرة موصولة بآرائه، والتأييد الإلهى مقرونا بإنفاذه وإمضائه- يستمدّ من الله حسن الإعانة فى اصطفائه، الذى اقتضاه نظره الشريف واعتماده، وأدى إليه إرتياده المقدّس الإمامى واجتهاده. وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل-. أمره بتقوى الله تعالى، التى هى الجنّة الواقية، والنّعمة الباقية، والملجأ المنيع والعماد الرفيع، والذّخيرة النافعة فى السّر والنّجوى، والجذوة

стр. 11355

المقتبسة من قوله سبحانه: وتزوّدوا فإنّ خير الزّاد التّقوى. وأن يدّرع شعارها فى جميع الأقوال والأفعال، ويهتدى بأنوارها فى مشكلات الأمور والأحوال. وأن يعمل بها سرّا وجهرا، ويشرح للقيام بحدودها الواجهة صدرا. قال الله تعالى: ومن يتّق الله يكفّر عنه سيئاته ويعظم له أجرا. وأمره بتلاوة كتاب الله متدبّرا غوامض عجائبه، سالكا سبيل الرّشاد والهداية فى العمل به. وأن يجعله مثالا يتّبعه ويقتفيه، ودليلا يهتدى بمراشده الواضحة فى أوامره ونواهيه. فإنه الثّقل الأعظم، وسبب الله المحكم، والدليل الذى يهدى للّتى هى أقوم. ضرب الله تعالى فيه لعباده جوامع الأمثال، وبيّن لهم بهداه الرّشد والضلال. وفرّق بدلائله الواضحة وبراهينه الصادعة بين الحرام والحلال. فقال- عزّ من قائل-: هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتّقين. وقال تعالى: كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدّبروا آياته وليتذكر أولو الألباب. وأمره بالمحافظة على مفروض الصّلوات، والدخول فيها على أكمل هيئة من قوانين الخشوع والإخبات. وأن يكون نظره فى موضع نجواه من الأرض، وأن يمثّل لنفسه فى ذلك موقفه بين يدى الله تعالى يوم العرض. قال الله تعالى: قد أفلح المؤمنون الذين هم فى صلاتهم خاشعون. وقال سبحانه: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. وأن لا يشتغل بشاغل عن أداء فروضها الواجبة، ولا يلهو بسبب عن اقامة سننها الراتبة، فانها عماد الدّين الذى سمت أعاليه، ومهاد الشّرع الذى رست قواعده ومبانيه. قال الله تعالى: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وقوموا لله قانتين. وقال سبحانه: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

стр. 11356

وأمره أن يسعى إلى صلوات الجمع والأعياد. ويقوم فى ذلك بما فرض الله تعالى عليه وعلى العباد. وأن يتوجه إلى المساجد والجوامع متواضعا، ويبرز إلى المصلّيات الضاحية فى الأعياد خاشعا. وأن يحافظ فى تشييد قواعد الإسلام على الواجب والمندوب. ويعظّم باعتماد ذلك شعائر الله التى هى من تقوى القلوب. وأن يشمل بوافر اهتمامه واعتنائه، وكمال نظره وإرعائه، بيوت الله التى هى محالّ البركات ومواطن العبادات، والمساجد التى تأكّد فى تعظيمها وإجلالها حكمه والبيوت التى أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وأن يرتّب لها من الخدم من يتبتّل «١» لإزالة أدناسها. ويتصدّى لإذكاء مصابيحها فى الظلام وإيناسها. ويقوم لها بما تحتاج إليه من أسباب الصلاح والعمارات. ويحضر إليها ما يليق من الفرش والكسوات. وأمره باتّباع سنّة النبى- ﷺ التى أوضح جددها «٢» وثقّف- ﵇ أودها «٣» . وأن يعتمد فيها على الأسانيد التى نقلها الثّقات. والأحاديث التى صحّت بالطّرق السليمة والروايات. وأن يقتدى بما جاءت به من مكارم الأخلاق، التى ندب- ﷺ إلى التمسك بسببها، ورغّب أمته فى الأخذ بها والعمل بأدبها. قال الله تعالى: «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا» . وقال : «مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ» .

стр. 11357

وأمره بمجالسة أهل العلم والدين، وأولى الإخلاص فى طاعة الله تعالى واليقين. والاستشارة بهم فى عوارض الشك والالتباس. والعمل بآرائهم فى التمثيل والقياس. فإن فى الاستشارة بهم عين الهداية، وأمنا من الضّلال والغواية. وبها يلقح عقم الأفهام والألباب، ويقتدح زناد الرّشد والصواب. قال الله تعالى فى الإرشاد إلى فضلها، والأمر فى التمسك بحبلها: «وشاورهم فى الأمر» . وأمره بمراعاة أحوال الجند والعسكر فى ثغوره، وأن يشملهم بحسن نظره وجميل تدبيره. مستصلحا نيّاتهم بإدامة التلطف والتعهد، مستوضحا أحوالهم بمواصلة التّفحّص عنها والتّفقّد. وأن يسوسهم سياسة تبعثهم على سلوك المنهج السليم. وتهديهم فى انتظامها واتّساقها إلى الصراط المستقيم. وتحملهم على القيام بشرائط الخدم، والتّلزّم بها بأقوى الأسباب وأمتن العصم. ويدعوهم إلى مصلحة التواصل والئتلاف. ويصدهم عن موجبات التخاذل والاختلاف. وأن يعتمد فيهم شرائط الحزم فى الإعطاء والمنع. وما تقتضيه مصلحة أحوالهم من أسباب الخفض والرّفع. وأن يثيب المحسن منهم على إحسانه، ويسبل على المسىء- ما وسعه العفو واحتمل الأمر- صفحه وامتنانه. وأن يأخذ برأى ذوى التجارب منهم والحنكة، ويجتنى بمشاورتهم فى الأمر ثمر الشّركة. إذ فى ذلك أمن من خطأ الإفراد، وتزحزح عن مقام الزّيغ والاستبداد.

стр. 11358

وأمره بالتّبتّل «١» لما يليه من البلاد ويتّصل بنواحيه من ثغور أولى الشرك والعناد. وأن يصرف مجامع الالتفات إليها. ويخصّها بوفور الإهتمام بها والتطلع عليها. وأن يشمل ما ببلاده من الحصون والمعاقل بالإحكام والإتقان، وينتهى فى أسباب مصالحها إلى غاية الوسع ونهاية الإمكان، وأن يشحنها بالميرة «٢» الكثيرة والذخائر، ويمدها من الأسلحة والآلات بالعدد المستصلح الوافر، وأن يتخير لحراستها من يختاره من الأمناء التّقاة. ويسدها بمن ينتخبه من الشجعان الكماة «٣» . وأن يتأكد عليهم فى أسباب الحيطة والاستظهار، ويوقظهم للاحتراس من غوائل الغفلة والاغترار. وأن يكون المشار إليهم ممن تربّوا فى ممارسة الحروب على مكافحة الشدائد وتدربوا فى نصب الحبائل للمشركين والأخذ عليهم بالمراصد وأن يعتمد هذا القبيل بمواصلة المدد وكثرة العدد، والتوسعة فى النفقة والعطاء. والعمل معهم بما يقتضيه حالهم وتفاوتهم فى التقصير والغناء. إذ فى ذلك حسم لمادّة الأطماع فى بلاد الإسلام، ورد لكيد المعاندين من عبدة الأصنام. فمعلوم أن هذا الغرض أولى ما وجّهت إليه العنايات وصرفت، وأحقّ ما قصرت عليه الهمم ووقفت. فإن الله تعالى جعله من أهم الفروض التى ألزم فيها القيام بحقه، وأكبر الواجبات التى كتب العمل بها على خلقه. فقال هاديا فى ذلك إلى سبيل الرشاد، ومحرضا لعباده على

стр. 11359

قيامهم له بفروض الجهاد: «ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة «١» فى سبيل الله ولا يطأون موطئا يغيظ الكفّار، ولا ينالون من عدوّ نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين. ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا- إلا كتب لهم، ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون» . وقال تعالى: «وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ» * «٢» . وقال النبى ﷺ : من نزل منزلا يخيف فيه المشركين ويخيفونه، كان له كأجر ساجد لا يرفع رأسه إلى يوم القيامة، وأجر قائم لا يقعد إلى يوم القيامة، وأجر صائم لا يفطر. وقال ﵇: غدوة فى سبيل الله أو روحة خير مما طلعت عليه الشمس. هذا قوله- ﷺ فى حق من سمع هذه المقالة فوقف لديها. فكيف بمن كان كما قال ﵇: ألا أخبركم بخير الناس: ممسك بعنان فرسه فى سبيل الله، كلّما سمع هيعة «٣» طار إليها. وأمره باقتفاء أوامر الله تعالى فى رعاياه، والاهتداء إلى رعاية العدل والإنصاف والإحسان بمراشده الواضحة ووصاياه، وأن يسلك فى السياسة بهم سبل الصلاح، ويشملهم بلين الكنف وخفض الجناح. ويمدّ ظلّ رعايته على مسلمهم ومعاهدهم، ويزحزح الأقذاء والشّوائب عن مناهلهم فى العدل ومواردهم. وينظر فى مصالحهم نظرا يساوى بين الضعيف والقوى، ويقوم بأودهم قياما يهتدى به ويهديهم فيه إلى الصّراط السّوىّ.

стр. 11360

قال الله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» . وأمره باعتماد أسباب الاستظهار والأمنة، واستقصاء الطاقة المستطاعة والقدرة الممكنة، فى المساعدة على قضاء تفث «١» حجّاج بيت الله الحرام وزوّار نبيّه- عليه أفضل الصلاة والسلام. وأن يمدّهم بالإعانة فى ذلك على تحقيق الرجاء وبلوغ المرام، ويحرسهم من التّخطّف والأذى فى حالتى الظّعن والمقام. فإن الحجّ أحد أركان الدين المشيّدة وفروضه الواجبة المؤكّدة. قال الله تعالى: ولله على الناس حجّ البيت. وأمره بتقوية أيدى العاملين بحكم الشرع فى الرّعايا، وتنفيذ ما يصدر عنهم من الأحكام والقضايا، والعمل بأقوالهم فيما يثبت لذوى الاستحقاق، والشّدّ على أيديهم فيما يرونه من المنع والإطلاق. وأنه متى تأخر أحد الخصمين عن إجابة داعى الحكم، أو تقاعس فى ذلك لما يلزم من الأداء والغرم- جذبه بعنان القسر إلى مجلس الشّرع، واضطره بقوة الإنصاف إلى الأداء بعد المنع. وأن يتوخّى عمّال الوقوف التى تقرّب المتقرّبون بها، واستمسكوا فى ظل ثواب الله بمتين سببها. وأن يمدهم بجميل المعاونة والمساعدة وحسن الموازرة والمعاضدة، فى الأسباب التى تؤذن بالعمار والاستنماء، وتعود عليها بالمصلحة والاستخلاص والاستيفاء. قال الله تعالى: وتعاونوا على البرّ والتقوى.

стр. 11361

وأمره أن يتخيّر من أولى الكفاية والنزاهة من يستخلصه للخدم والأعمال، والقيام بالواجب من أداء الأمانة والحراسة والتّتمير، لبيت المال وأن يكونوا من ذوى الاضطلاع بشرايط الخدم المعيّنة وأمورها، والمهتدين إلى مسالك صلاحها وتدبيرها. وأن يتقدّم إليهم بأخذ الحقوق من وجوهها المتيقّنة، وجبايتها فى أوقاتها المعيّنة. إذ ذاك من لوازم مصالح الجند ووفور الاستظهار، وموجبات قوّة الشّوكة بكثير الأعوان والأنصار، وأسباب الحيطة التى يحمى بها البلاد والأمصار. ويأمرهم بالجرى فى الطّسوق «١» والشّروط على النّمط المعتاد، والقيام فى مصالح الأعمال أقدام الجدّ والاجتهاد. وإلى العاملين على الصّدقات بأخذ الزّكوات على مشروع السّنن المهيع «٢» ، وقصد الصّراط المتّبع، من غير عدول فى ذلك عن المنهاج الشرعى، أو تساهل فى تبديل حكمها المفروض وقانونها المرعى فإذا أخذت من أربابها الذين يطّهّرون ويزكّون بها سعى فى العمل فى صرفها إلى مستحقّيها بحكم الشريعة النبوية وموجبها. وإلى جباة الجزية من أهل الذّمّة بالمطالبة بأدائها فى أول السّنة، واستيفائها منهم على حسب أحوالهم بحكم العادة فى الثّروة والمسكنة. إجراء فى ذلك على حكم الاستمرار والانتظام، ومحافظة على عظيم شعائر الإسلام. وأمره أن يتطّلع على أحوال كل من يستعمله فى أمر من الأمور، ويصرّفه فى مصلحة من مصالح الجمهور، تطلّعا يقتضى الوقوف على حقائق أماناتهم،

стр. 11362

ويوجب تهديتهم فى حركاتهم وسكناتهم، ذهابا مع النّصح لله تعالى فى بريّته، وعملا بقول النبى ﷺ : كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيّته. وأمره أن يستصلح من ذوى الاضطلاع والغناء، من يرتّب للفرض والعطاء، والنّفقة فى الأولياء وأن يكونوا من المشهورين بالحزم والبصيرة، والموسومين فى المناصحة بإخلاص الطّويّة وإصفاء السّريرة، حالين من الأمانة والصّون بما يزين. ناكبين عن مظانّ الشّبه والطمع الذى بصم ويشين. وأن يأمرهم باتّباع عادات أمثالهم فى ضبط أسماء الرجال، وتحلية الأشخاص والأشكال واعتبار شيات «١» الخيول وإثبات أعدادها، وتحريض الجند على تخيّرها واقتناء جيادها. وبذل الجهد فى قيامهم من الكراع «٢» والبرك «٣» والسّلاح بما يلزمهم، والعمل بقول الله تعالى: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ، تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ، وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ» . فإذا نطقت جرائد «٤» الجند المذكورين بما أثبت لديهم، وحقّق الاعتبار والعيان قيامهم بما وجب عليهم، أطلقت لهم المعايش والأرزاق بحسب إقراراتهم، وأوصلت إليهم بمقتضى واجباتهم واستحقاقاتهم. فإن هذه الحال أصل حراسة البلاد والعباد، وقوام الأمر فيما أوجبه الله تعالى من أمر الاستعداد

стр. 11363

بفرض الجهاد. قال الله تعالى: «وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا، وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» . وأمره بتفويض أمر الحسبة إلى من يكون بأمرها مضطلعا، وللسنة النبوية فى إقامة حدودها متّبعا. فيعتمد فى الكشف عن أحوال العامّة فى تصرفاتها الواجب. ويسلك فى التطلع على معاملاتهم السّبيل الواضح والسّنن اللاحب «١» . ويأتيهم فى الأسواق لاعتبار المكاييل والموازين، ويعتمد فى مؤاخذة المطفّفين «٢» وتأديبهم بما تقتضيه شريعة الدين. ويحذّرهم فى تعدّى حدود الإنصاف شدّة نكاله، ويقابل المستحقّ للمؤاخذة بما يرتدع به الجمع الكثير من أمثاله. قال الله تعالى: «أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ. وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ. وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ» . وقال سبحانه: «وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ. أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ» . فليتولّ الملك الأجلّ، السيد الكامل المجاهد المرابط، نصير الدين ركن الإسلام أثير الإمام، جمال الأنام، جلال الدولة، فخر الملة عزّ الأمة، سند الخلافة، تاج الملوك والسلاطين، قامع الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، أمير المجاهدين: ألب غازى بك، معين أمير المؤمنين- ما قلّده عبد الله وخليفته فى أرضه، القائم له بحقّه الواجب

стр. 11364

وفرضه: أبو جعفر المنصور «المستنصر بالله» أمير المؤمنين- بقلب مطمئن بالإيمان، ونصح لله تعالى ولخليفته- صلوات الله عليه- فى السر والإعلان وليشرح بما فوّض إليه من هذه الأمور صدرا، وليقم بالواجب عليه من شكر هذا الإنعام الجزيل سرّا وجهرا. وليعمل بهذه الوصايا الشريفة الإمامية، وليقتف آثار مراشدها المقدّسة النبوية. وليظهر من أثر الجدّ فى هذا الأمر والإجتهاد، وتحقيق الظن الجميل فيه والإرشاد- ما يكون دليلا على تأيد الرأى الأشرف المقدس- أجلّه الله تعالى- فى اصطناعه واستكفائه، وإصابة مواقع النّجح والرّشد فى التفويض إلى حسن قيامه وكمال غنائه وليقدر النّعمة عليه فى هذه الحال حقّ قدرها. وليمتر- «١» بأداء الواجب عليه من جزيل الشكر- غزير درّها، وليطالع مع الأوقات بما يشكل عليه من الأمور الغوامض. ولينه إلى العلوم الشريفة المقدسة- أجلّها الله تعالى- ما يلتبس عليه من الشكوك والعوارض. ليرد عليه من الأمثلة ما يوضّح له وجه الصّواب فى الأمور، ويمدّ من المراشد الشريفة التى هى شفاء لما فى الصدور، بما يكون وروده عليه. وتتابعه إليه، نورا على نور- إن شاء الله تعالى. وكتب فى شهر رجب من سنة ثلاثين وستمائة «٢» . والحمد رب العالمين. وصلواته على سيدنا محمد النبى الأمّى، وآله الطاهرين. وفى هذه السنة، فتحت دار الحديث الأشرفية «٣» المجاورة لقلعة دمشق المحروسة، ليلة النصف من شعبان. وأملى بها الشيخ الإمام العلامة: تقى

стр. 11365

الدين بن الصّلاح الشافعى «١» . ووقف عليها الملك الأشرف أوقافا جليلة. ذكر ركوب الملك العادل بشعار السّلطنة وفى الساعة التاسعة من يوم الثلاثاء، ثامن عشر شهر رمضان، من هذه السنة- سلطن السلطان الملك الكامل ولده الملك العادل سيف الدين أبا بكر، وركّبه فى هذه الساعة بشعار السّلطنة. وشقّ القاهرة، وفى خدمته جميع الأمراء والقضاة وأصحاب الدواوين والأماثل وغيرهم. وفيها- فى صفر- تسلم راجح بن قتادة مكة- شرّفها الله تعالى- وكان قد قصدها فى سنة تسع وعشرين، وصحبته عسكر صاحب اليمن: الملك المنصور عمر بن علىّ بن رسول. وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ بمكة، ففارقها. وفيها كانت وفاة الملك العزيز: فخر الدين عثمان بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وهو شقيق الملك المعظم. وكان صاحب بانياس وتبنين وهونين والحصون. وهو الذى بنى قلعة الصّبيبة وكان عاقلا قليل الكلام، مطيعا لأخيه الملك المعظم، وإنما أخرجه عن موالاة ولده- الملك الناصر داود- أنه كان قصد بعلبك فى سنة خمس وعشرين وستمائة، بمواطئة من ابن الملك الأمجد صاحبها- كما تقدم- فلما

стр. 11366

فاته وقت الميعاد، الذى اتفقا عليه، نزل على بعلبك، وأخذ فى حصارها. فأرسل الملك الأمجد إلى الملك الناصر يقول له: أنت تعلم ما كان بينى وبين والدك الملك المعظم من المودة، وأننى كنت صديق من صادقه وعدوّ من عاداه، فرحّل عنى الملك العزيز. فأنفذ الملك الناصر داود الغرس خليلا إلى الملك العزيز، وأمره بالرحيل. وقال له: متى لم يرحل، ارم خيمته على رأسه! فرحل العزيز إلى بانياس وأوجبت هذه الحادثة غضبه، إلى أن التحق بالملك الكامل، وجاء معه إلى دمشق- كما تقدم. وكانت وفاة الملك العزيز فى يوم الاثنين، عاشر شهر رمضان، سنة ثلاثين وستمائة، ببستانه فى النّاعمة، ببيت لهيا «١» من غوطة دمشق. ودفن بقاسيون فى تربة الملك المعظّم، عند والدته- رحمه الله تعالى. وفيها، فى يوم الاثنين، سابع عشرين شهر ربيع الأول، توفى بالقاهرة الشيخ جلال الدين أبو العزائم: همّام بن راجى الله سرايا، بن أبى الفتوح ناصر. بن داود الشافعى: إمام جامع الصالح، بظاهر باب زويلة «٢» رحل إلى بغداد واشتغل بها مدة، وسمع الحديث، واشتغل بالأدب بمصر على ابن برّى «٣» ولقى جماعة من الأدباء، وصنّف كتبا كثيرة فى

стр. 11367

الأصول والفروع والخلاف، مختصرة ومطولة. وله شعر. ومولده بونا من صعيد مصر، فى ذى القعدة أو ذى الحجّة سنة تسع وخمسين وخمسمائة. ﵀. ولما مات، ولى الإمامة بالجامع الصالحى بعده ولده: نور الدين على. وفيها كانت وفاة الشيخ شهاب الدين أبى حفص: عمر بن محمد بن عبد الله السّهروردى. وهو ينتسب إلى أبى بكر الصّدّيق- رضى الله عنه- فيما قيل. وذكر ابن خلّكان أن وفاته كانت فى مستهلّ ذى الحجة، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. ومولده بسهرورد، فى سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وقد تقدم ذكر ترّدده فى الرّسالة، من جهة الخليفة إلى الملك العادل، وغيره. وكان رجلا صالحا عابدا، زاهدا ورعا. وصنّف كتابا للصوفية، سماه عوارف المعارف. حكى أنه جلس يوما ببغداد على منبر وعظه، فذكر أحوال القوم، وأنشد: ما فى الصّحاب أخو وجد نطارحه ... حديث نجد، ولا صبّ نجاريه وجعل يردّد البيت ويطرب! فصاح به شاب من طرف المجلس- عليه قباء وكلّوتة «١» - وقال: يا شيخ، كم تشطح وتنتقص القوم! والله إن

стр. 11368

فيهم من لا يرضى أن يجاريك، ولا يصل فهمك إلى ما تقول! هلا أنشدت: ما فى الصحاب، وقد سارت حمولهم ... إلا محب له فى الركب محبوب كأنما يوسف فى كل راحلة ... والحىّ فى كل بيت منه يعقوب فصاح الشيخ، ونزل عن المنبر وقصد الشاب، ليعتذر إليه. فلم يجده. ووجد فى موضعه حفرة فيها دم، مما فحص برجله عند إنشاد الشيخ البيت!. وفيها توفى الشيخ الفاضل: عز الدين أبو الحسن على، بن أبى الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم، بن عبد الواحد الشّيبانى- المعروف بابن الأثير الجزرى «١» . وكانت وفاته فى هذه السنة من شعبان. ومولده فى رابع جمادى الأولى سنة خمس وخمسين وخمسمائة، بجزيرة ابن عمر «٢» . وكان رجلا فاضلا، صنّف فى التاريخ كتاب «الكامل» من أول الزمان إلى آخر سنة ثمان وعشرين وستمائة. وهو من أجود التواريخ التى رأيناها. واختصر كتاب «الأنساب» لأبى سعيد عبد الكريم بن السّمعانى،

стр. 11369

واستدرك عليه فى مواضع. ونبّه على أغاليط، وزاد أشياء. وهو كتاب مفيد فى ثلاث مجلّدات وأصله فى ثمانية، وهو عزيز الوجود. وفضائله وآدابه مشهورة- رحمه الله تعالى. وفيها كانت وفاة شرف الدين أبى المحاسن: محمد بن نصر بن مكارم، ابن الحسن بن على بن محمد، بن غالب الأنصارى، المعروف بابن عنين- الكوفى الأصل، الدّمشقى المولد. وقيل بل هو من زرع من إقليم حوران. نشأ فى دمشق، وسافر عنها، وطوّف البلاد شرقا وغربا. ودخل بلاد الجزيرة والروم والعراق وبغداد وخراسان وما وراء النهر، وبلاد الهند واليمن والحجاز ومصر. ومدح ملوك هذه الأماكن وأعيانها. وكان ظريفا حسن الأخلاق جميل العشرة. غزير المادّة فى الشّعر، مولعا فى الهجاء وثلب أعراض الناس- خصوصا الأكابر. وله قصيدة طويلة جمع فيها خلقا كثيرا من رؤساء الشام وأهل دمشق، سماها: «مقراض الأعراض» ، يقال إنها خمسمائة بيت. وكان السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد نفاه من دمشق، بسبب وقوعه فى الناس. ولما نفى كتب من الهند إلى دمشق: فعلام أبعدتم أخاثقة ... لم يجترم ذنبا ولا سرقا انفوا المؤذّن من بلادكم ... إن كان ينفى كلّ من صدقا

стр. 11370

ولما مات الملك الناصر صلاح الدين، وملك الملك العادل دمشق، سار متوجها إلى الشام. وكتب إلى الملك العادل قصيدته الرّائيّة، واستأذنه فى الدخول إلى دمشق. ووصفها وصف ما قاسى فى الغربة، ولما فرغ من وصف دمشق وأنهارها وبساتينها ومستنزهاتها، قال فى قصيدته: فارقتها لا عن رضى، وهجرتها ... لا عن قلى، ورحلت لا متخيّرا أسعى لرزق فى البلاد مشتّت ... ومن العجائب أن يكون مقتّرا وأصون وجه مدائحى متقنّعا ... وأكفّ ذيل مطامعى متستّرا جاء منها فى شكوى الغربة، وما قاساه منها: أشكو إليك نوى، تمادى عمرها ... حتى حسبت اليوم منها أشهرا لا عيشتى تصفو ولا رسم الهوى ... يعفو، ولا جفنى يصافحه الكرى أضحى عن الأخوى المريع محلّا «١» ... وأبيت عن ورد النّمير «٢» منفرّا ومن العجائب أن تفيّأ ظلّكم ... كلّ الورى، ونبذت وحدى بالعرا فلما وقف العادل على هذه القصيدة، أذن له فى الدخول إلى دمشق، فدخلها.

стр. 11371

وقال: هجوت الأكابر فى جلّق «١» ... ورعت الوضيع بسبّ الرّفيع وأخرجت منها، ولكننى ... رجعت على رغم أنف الجميع وكانت وفاته فى عشية يوم الأثنين، العشرين من شهر ربيع الأول، سنة ثلاثين وستمائة. ومولده فى يوم الاثنين، تاسع شعبان، سنة تسع وأربعين وخمسمائة- حكاه ابن خلّكان وابن السّاعى. وقال أبو المظفّر فى مرآة الزمان: إن وفاته كانت فى سنة ثلاث وثلاثين. قال: وكان خبيث اللسان هجّاء. فاسقا متهتّكا. قال: ولما عاد إلى دمشق، استوزره الملك المعظم. وكانت مجالسه معمورة بقبائحه. قال: وحضر مجلس الإمام فخر الدين الرّازى بن خطيب الرّىّ، وهو يعظ، فجاءت حمامة وخلفها جارح، فألقت نفسها على الإمام فخر الدين، فغطّاها بكمّه. فقال ابن عنين، بديها: يا ابن الكرام، المطعمين إذا شتوا ... فى كل مسغبة «٢» وثلج خاسف العاصمين إذا النفوس تطايرت ... بين المخارم والوتين «٣» الرّاعف

стр. 11372

من أنبا الورقاء «١» أنّ بحلّكم ... حرما، وأنّك ملجأ للخائف وفدت عليك، وقد تدانى حتفها ... فحبوتها ببقائها المستانف ولو انّها تحيى بمال، لانثنت ... من راحتيك بنائل متضاعف جاءت سليمان الزّمان بشكرها ... والموت يلمع من جناحى خاطف قرم «٢» لواه الفوت حتى ظلّه ... بإزائه يجرى بقلب خائف قال: فرمى عليه الإمام فخر الدين جميع ما كان عليه، وفعل الحاضرون كذلك. فبلغ قيمة ذلك أربعة آلاف دينار! وكتب معه كتابا إلى الملك الناصر، وكتابا إلى الملك العادل، يشفع فيه. فقبل الملك شفاعته. ولما عاد هجا العادل، فقال: إن سلطاننا الذى نرتجيه ... واسع المال ضيّق الإنفاق هو سيف كما يقال، ولكن ... قاطع للرسوم والأرزاق وهجا أيضا أولاد شيخ الشيوخ الأربعة، فقال: أولاد شيخ الشيوخ قالوا ... ألقابنا كلّها محال لا فخر فينا ولا عماد ... ولا معين، ولا كمال وأهاجيه فى الأكابر والأعيان كثيرة- سامحه الله تعالى وإيانا:

стр. 11373

واستهلت سنة إحدى وثلاثين وستمائة: ذكر مسير السلطان الملك الكامل إلى بلاد الروم وفى هذه السنة، وصل الملك الأشرف، صاحب دمشق، إلى السلطان بالديار المصرية، وحرّضه على قصد بلاد الروم. فخرج بالعساكر من القاهرة فى ليلة السبت، لخمس خلون من شعبان، واستناب بالديار المصرية ولده الملك العادل: سيف الدين أبا بكر. وسار حتى وصل إلى دمشق، وجمع سائر الملوك. وسار من دمشق، فنزل بظاهر البيرة «١» . واجتمعت الملوك، فكانوا ثلاثة عشر ملكا: كلهم من بنى أيوب. وعرض العساكر أطلابا، فكبرت نفسه وتعاظم. ثم دخل بهم الدّربندات «٢» ، وأشرف على أرض الروم، وما شكّ فى أخذها. فاجتمع الملوك إلى الملك الأشرف، قالوا: متى فتح الملك الكامل بلاد الروم، استولى على ممالكنا، وعوّضنا عنها من بلاد الروم. فاتفقوا على خذلانه، ومكاتبة صاحب الروم: علاء الدين كيقباد، بن كيخسرو

стр. 11374

السّلجقى، فكاتبوه. فوقعت الكتب إلى الملك الكامل، فرحل عن الدّربندات لوقته، وعاد إلى السّويداء «١» وخيّم بها. وكان عند نزوله على الدّربندات، أرسل الملك المظفّر صاحب حماه، والطّواشى شمس الدين صواب، وجماعة من الأمراء، إلى خرت برت «٢» . وكان بها عسكر كثيف من عساكر الروم، فكسروهم، وأسروا بعض الأمراء الكاملية، وطلع الملك المظفر، والطواشى صواب، والبانياسى وجماعة من الأمراء، إلى القلعة، فأقاموا بها سبعة عشر يوما، وطلبوا الأمان من صاحب الروم. فأمّنهم على تسليم القلعة، ولا يأخذوا منها شيئا. ففعلوا ذلك، ونزلوا إليه. فخلع عليهم وأعادهم إلى الملك الكامل. ولم يسلم من خيلهم فى هذه الوقعة إلّا سبعة أو ثمانية: كلّ أمير على فرس. فسيّر السلطان الملك الكامل إليهم الخيول، فركبوها ووصلوا إلى السلطان إلى السّويدا، فأحسن إليهم. ثم عاد إلى الديار المصرية، وقد حصلت الوحشة بينه وبين سائر الملوك. وكان وصوله فى جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين.

стр. 11375

ولما رجع، جهّز صاحب الروم جيشا كثيفا إلى حرّان والرّها وآمد، والسّويدا وقطينا «١» ، فاستولى على ذلك، ورتّب فيهم من يحفظهم. وكانت هذه الجهات تحت يد شهاب الدين غازى- أخى السلطان- والملك الصالح نجم الدين أيوب: ولده. فلما اتصل ذلك بالملك الكامل، تجهز بعساكره وخرج من القاهرة، فى ثالث عشرين ذى القعدة من السنة: وكان قد أوصى ولده الملك الصالح نجم الدين وأخاه شهاب الدين غازى- أن صاحب الروم إذا قصد البلاد يتركونها، ويحضرون، وقال له: إذا أخذ البلاد استعدتها منه، وإذا أخذكم لا أقدر على استعادتكم منه. فلما وصل عسكر صاحب الروم إلى البلاد، تركاها، وسارا بعسكرهما إلى سلميّه. ولما قدم السلطان إلى دمشق، كان بها ولدا «٢» ولده الملك الصالح، وهما: جلال الدين، وتورانشاه، فخرجا يسلّمان على جدّهما، فانتهرهما، فخرجا من عنده. واتصل ذلك بأبيهما، فعلم أن الغضب انما هو عليه، لا على ولديه. فأرسل إليهما وأخذهما من دمشق، ولم يشعر بذلك جدّهما. وسار عن سلميّه، ومعه شهاب الدين غازى، فوصل إلى حصن كيفا، ووصل شهاب الدين إلى ميّافارقين. فعظم ذلك على السلطان، وذكر ما فعله الصالح لبعض الأمراء. فتلطف فى الاعتذار عنه، وقال: الملك الصالح معذور، لأ السلطان سلّم له البلاد وجعله تحت الحجر. ثم فعل

стр. 11376

السلطان بأولاده ما فعل. فأرسل إليه وطيّب قلبه، وأمره أن يمضى هو وشهاب الدين غازى لمحاصرة السّويداء، فتوجّها إليهما. ووصل السلطان إليها أيضا. ثم مضى إلى آمد، فهرب العسكر الرّومىّ منها. ووصل السلطان إلى حرّان، وفتحها عنوة فى ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين. وفتح قلعة الرّها عنوة. وتسلّم السّويداء عنوة، فى جمادى الآخرة. وهدم قلعة الرّها. وأسر من كان فى هذه القلاع من الروم. وأخذ قطينا فى شهر رجب عنوة، ونزل على دنيسر «١» فأخربها، إلا الجامع. وسيّر جميع. الأمراء إلى الديار المصرية فى الجوالق، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف. ورتب ولده الملك الصالح بآمد. وأضاف إليه حرّان والرّها ونصيبين، والخابور «٢» ورأس عين والرّقّة، وجعله سلطانا مستقلا. وعاد إلى الديار المصرية. فوصل إلى القاهرة فى شعبان، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.

стр. 11377

نعود إلى تتمة حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة. فيها ولى الأمير جمال الدين يغمور «١» شدّ الدواوين بالديار المصرية وفيها عمّر الملك الأشرف مسجد جرّاح خارج باب الصّغير بدمشق، ورتّب فيه خطبة للجمعة، يصلى فيه سكان الشّاغور وغيرهم. وفيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج بالهدايا والتّحف، وفى جملة ذلك دب أبيض، شعره مثل شعر السّبع، ينزل إلى البحر فيصيد السمك ويأكله، وطاووس أبيض، وغير ذلك. وفيها عزل قاضى القضاة عماد الدين بن الحرستانى عن قضاء الشام، ووليه قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدّولة. وفيها، توفى الأتابك: شهاب الدين طغرل الخادم، عتيق السلطان الملك الظاهر، صاحب حلب- وكان أرمنىّ الجنس، حسن السّيرة محمود الطريقة، صالحا عفيفا، زاهدا كثير الصدقة والإحسان، يقسّم الليل أثلاثا: فالثّلث الأول يجرى حكايات الصالحين وأحوال الناس ومحاسنهم، وينام الثلث الأوسط، ويحيى الثّلث الآخر قراءة وصلاة وبكاء. وكان حسن الوساطة عند الملك الظاهر

стр. 11378

ولما توفى الظاهر، قام بأمر ولده العزيز أحسن قيام. واستمال الملك الأشرف، حتى حفظ على الملك العزيز البلاد- ولما استعاد الملك الأشرف تلّ باشر «١» ، دفعها لهذا الخادم، وقال هذه تكون لصدقاتك وما يلزمك، فإنك تكره أن تتصرف فى أموال الصغير، فنقل إليها من الأموال والذخائر كلّ نفيس. وكان قد طهّر حلب من الفسق والفجور والمكوس. وكان الملك الأشرف يقول: إن كان لله تعالى فى الأرض ولىّ، فهو هذا الخادم، الذى فعل ما عجز عنه الفحول. فلما ترعرع الملك العزيز بن الملك الظاهر، فى سنة تسع وعشرين وستمائة- قال له بعض خواصّه: قد رضيت لنفسك أن تكون تحت حجر هذا الخادم! فأخذ منه تلّ باشر، ونزع يده منه. وبقى الأتابك لا ينفّذ له أمر ثم مرض وتوفى بحلب، فى ليلة الحادى عشر من المحرم، من هذه السنة. ودفن بمدرسة الحنفية خارج باب الأربعين- رحمه الله تعالى. وفيها توفى الشيخ أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن يحيى، بن مسلم الزّبيدى. سمع أبا الوقت عبد الأوّل «٢» بن عيسى، وغيره.

стр. 11379

وهو من ساكنى باب البصرة، وحضر إلى الشام وحدّث بدمشق بصحيح البخارى عن أبى الوقت غير مرّة. وهو شيخ شيوخنا. ولما وصل إلى دمشق، أكرمه الملك الأشرف، وحصل له دنيا صالحة بعد فقر وضرورة. ثم عاد إلى بغداد، فمرض قبل وصوله إليها، وتوفى بعد أن دخلها بأيام. كانت وفاته يوم الاثنين، الثالث أو الرابع والعشرين من صفر، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وسئل عن مولده، فقال: سنة ست، أو سبع، وأربعين وخمسمائة- الشّكّ منه- ودفن بمقبرة جامع المنصور. وفيها توفى ركن الدين منكرس الفلكى: مملوك فلك الدين- أخى الملك العادل لأمّه- كان من أكابر الأمراء. ولّاه العادل مصر والشام نيابة عنه. وكان صالحا ديّنا، عفيفا عادلا، كثير الصدقات. وله بقاسيون مدرسة وتربة أوقف عليها أشياء كثيرة. وكانت وفاته. بجرود «١» : قرية من قرى دمشق، وحمل منها فدفن بتربته بقاسيون- رحمه الله تعالى. وفيها توفى الأمير كريم الدين الخلاطى. وكان كثير المروءة حسن الملتقى، يتعصّب فى الخير. خدم الملك الكامل والمعظم والأشرف. وتقدّم فى زمن الملك العادل. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون- رحمه الله تعالى.

стр. 11380

وفيها توفى صلاح الدين أبو العباس: أحمد بن عبد السيد بن شعبان ابن محمد بن جابر، بن قحطان الإربلى- وهو من بيت كبير بإربل «١» . وكان حاجبا عند الملك المعظم: مظفر الدين بن زين الدين صاحب اربل. فتغير عليه واعتقله مدة. فلما أفرج عنه، خرج منها إلى الشام، واتصل بخدمة الملك المغيث: محمود بن العادل- وكان قد عرفه من إربل- فحسنت حاله عنده. فلما توفى الملك المغيث، انتقل الصّلاح إلى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختصّ به فى خلواته. وجعله أميرا. وكان الصلاح ذا فضيلة تامة، ومشاركة حسنة. وله نظم حسن، ودوبيت «٢» . ثم تغيّر عليه الملك الكامل، واعتقله، فى المحرم سنة ثمانية عشر وستمائة، والسلطان بالمنصورة. فاستمر فى الاعتقال بقلعة الجبل، مضيّقا عليه، إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين. فعمل الصلاح دوبيت، وأملاه على بعض المطربين، فغنّى به عند الملك الكامل. وهو: ما أمر تجنّيك على الصّبّ خفى ... أفنيت زمانى بالبكا والأسف ماذا غضب بقدر ذنبى، ولقد ... بالغت وما قصدك إلا تلفى
следующие страницы →