← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11376–11415 · переход к 11381.

стр. 11376

السلطان بأولاده ما فعل. فأرسل إليه وطيّب قلبه، وأمره أن يمضى هو وشهاب الدين غازى لمحاصرة السّويداء، فتوجّها إليهما. ووصل السلطان إليها أيضا. ثم مضى إلى آمد، فهرب العسكر الرّومىّ منها. ووصل السلطان إلى حرّان، وفتحها عنوة فى ثالث جمادى الأولى سنة ثلاث وثلاثين. وفتح قلعة الرّها عنوة. وتسلّم السّويداء عنوة، فى جمادى الآخرة. وهدم قلعة الرّها. وأسر من كان فى هذه القلاع من الروم. وأخذ قطينا فى شهر رجب عنوة، ونزل على دنيسر «١» فأخربها، إلا الجامع. وسيّر جميع. الأمراء إلى الديار المصرية فى الجوالق، وكانوا أكثر من ثلاثة آلاف. ورتب ولده الملك الصالح بآمد. وأضاف إليه حرّان والرّها ونصيبين، والخابور «٢» ورأس عين والرّقّة، وجعله سلطانا مستقلا. وعاد إلى الديار المصرية. فوصل إلى القاهرة فى شعبان، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة.

стр. 11377

نعود إلى تتمة حوادث سنة إحدى وثلاثين وستمائة. فيها ولى الأمير جمال الدين يغمور «١» شدّ الدواوين بالديار المصرية وفيها عمّر الملك الأشرف مسجد جرّاح خارج باب الصّغير بدمشق، ورتّب فيه خطبة للجمعة، يصلى فيه سكان الشّاغور وغيرهم. وفيها قدم رسول الأنبرور ملك الفرنج بالهدايا والتّحف، وفى جملة ذلك دب أبيض، شعره مثل شعر السّبع، ينزل إلى البحر فيصيد السمك ويأكله، وطاووس أبيض، وغير ذلك. وفيها عزل قاضى القضاة عماد الدين بن الحرستانى عن قضاء الشام، ووليه قاضى القضاة شمس الدين بن سنىّ الدّولة. وفيها، توفى الأتابك: شهاب الدين طغرل الخادم، عتيق السلطان الملك الظاهر، صاحب حلب- وكان أرمنىّ الجنس، حسن السّيرة محمود الطريقة، صالحا عفيفا، زاهدا كثير الصدقة والإحسان، يقسّم الليل أثلاثا: فالثّلث الأول يجرى حكايات الصالحين وأحوال الناس ومحاسنهم، وينام الثلث الأوسط، ويحيى الثّلث الآخر قراءة وصلاة وبكاء. وكان حسن الوساطة عند الملك الظاهر

стр. 11378

ولما توفى الظاهر، قام بأمر ولده العزيز أحسن قيام. واستمال الملك الأشرف، حتى حفظ على الملك العزيز البلاد- ولما استعاد الملك الأشرف تلّ باشر «١» ، دفعها لهذا الخادم، وقال هذه تكون لصدقاتك وما يلزمك، فإنك تكره أن تتصرف فى أموال الصغير، فنقل إليها من الأموال والذخائر كلّ نفيس. وكان قد طهّر حلب من الفسق والفجور والمكوس. وكان الملك الأشرف يقول: إن كان لله تعالى فى الأرض ولىّ، فهو هذا الخادم، الذى فعل ما عجز عنه الفحول. فلما ترعرع الملك العزيز بن الملك الظاهر، فى سنة تسع وعشرين وستمائة- قال له بعض خواصّه: قد رضيت لنفسك أن تكون تحت حجر هذا الخادم! فأخذ منه تلّ باشر، ونزع يده منه. وبقى الأتابك لا ينفّذ له أمر ثم مرض وتوفى بحلب، فى ليلة الحادى عشر من المحرم، من هذه السنة. ودفن بمدرسة الحنفية خارج باب الأربعين- رحمه الله تعالى. وفيها توفى الشيخ أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن يحيى، بن مسلم الزّبيدى. سمع أبا الوقت عبد الأوّل «٢» بن عيسى، وغيره.

стр. 11379

وهو من ساكنى باب البصرة، وحضر إلى الشام وحدّث بدمشق بصحيح البخارى عن أبى الوقت غير مرّة. وهو شيخ شيوخنا. ولما وصل إلى دمشق، أكرمه الملك الأشرف، وحصل له دنيا صالحة بعد فقر وضرورة. ثم عاد إلى بغداد، فمرض قبل وصوله إليها، وتوفى بعد أن دخلها بأيام. كانت وفاته يوم الاثنين، الثالث أو الرابع والعشرين من صفر، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وسئل عن مولده، فقال: سنة ست، أو سبع، وأربعين وخمسمائة- الشّكّ منه- ودفن بمقبرة جامع المنصور. وفيها توفى ركن الدين منكرس الفلكى: مملوك فلك الدين- أخى الملك العادل لأمّه- كان من أكابر الأمراء. ولّاه العادل مصر والشام نيابة عنه. وكان صالحا ديّنا، عفيفا عادلا، كثير الصدقات. وله بقاسيون مدرسة وتربة أوقف عليها أشياء كثيرة. وكانت وفاته. بجرود «١» : قرية من قرى دمشق، وحمل منها فدفن بتربته بقاسيون- رحمه الله تعالى. وفيها توفى الأمير كريم الدين الخلاطى. وكان كثير المروءة حسن الملتقى، يتعصّب فى الخير. خدم الملك الكامل والمعظم والأشرف. وتقدّم فى زمن الملك العادل. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون- رحمه الله تعالى.

стр. 11380

وفيها توفى صلاح الدين أبو العباس: أحمد بن عبد السيد بن شعبان ابن محمد بن جابر، بن قحطان الإربلى- وهو من بيت كبير بإربل «١» . وكان حاجبا عند الملك المعظم: مظفر الدين بن زين الدين صاحب اربل. فتغير عليه واعتقله مدة. فلما أفرج عنه، خرج منها إلى الشام، واتصل بخدمة الملك المغيث: محمود بن العادل- وكان قد عرفه من إربل- فحسنت حاله عنده. فلما توفى الملك المغيث، انتقل الصّلاح إلى الديار المصرية، وخدم الملك الكامل فعظمت منزلته عنده، ووصل منه إلى ما لم يصل إليه غيره، واختصّ به فى خلواته. وجعله أميرا. وكان الصلاح ذا فضيلة تامة، ومشاركة حسنة. وله نظم حسن، ودوبيت «٢» . ثم تغيّر عليه الملك الكامل، واعتقله، فى المحرم سنة ثمانية عشر وستمائة، والسلطان بالمنصورة. فاستمر فى الاعتقال بقلعة الجبل، مضيّقا عليه، إلى شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين. فعمل الصلاح دوبيت، وأملاه على بعض المطربين، فغنّى به عند الملك الكامل. وهو: ما أمر تجنّيك على الصّبّ خفى ... أفنيت زمانى بالبكا والأسف ماذا غضب بقدر ذنبى، ولقد ... بالغت وما قصدك إلا تلفى

стр. 11381

فاستحسنه الملك الكامل، وسأل لمن هو؟ فقيل: للصلاح الإربلى. فأمر بالإفراج عنه. وقيل إن الشعر غير هذا، وهو: اصنع ما شئت، أنت أنت المحبوب ... ما لى ذنب، بلى- كما قلت- ذنوب هل يسمح بالوصال فى ليلتنا ... يجلو صدا القلب ويعفو، وأتوب ولما أفرج عنه، عادت مكانته عنده إلى أحسن ما كانت عليه ولما توجه الملك الكامل إلى بلاد الروم كان فى خدمته، فمرض بالعسكر بالقرب من السّويدا، فحمل إلى الرّها فمات قبل وصوله إليها، فى خامس عشرين ذى الحجة، سنة إحدى وثلاثين وستمائة. وكان مولده فى شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. ولما مات وجد بداره بدمشق خمسة عشر ألف دينار، وبداره بالقاهرة خمسة آلاف دينار. ولما عاد السلطان الملك الكامل إلى الديار المصرية، أقطع ولده صنافير «١» بالقليوبيّة خاصا له، وجعل معه أقارب والده ومماليكه- وعدتهم سبعة عشر نفرا- وذلك فى سنة اثنتين وثلاثين. وتوفى الأديب الفاضل: نجم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى محمد عبد الوهاب بن الحسن بن على، المعروف بابن وهيب القوصى، بحماه.

стр. 11382

وكان قد توجّه فى خدمة الملك المظفر- صاحب حماه- ووزر له. وكانت بينهما مودة ورعاية. ثم نقم عليه أمرا، فقتله- رحمه الله تعالى. وكان فاضلا، له اليد الطّولى فى الأدب والتّرسّل، والشّعر الرائق. وقد تقدم من كلامه ما كتب به عن متولّى الأعمال القوصية، فى معنى حريق خان المكرم، ظاهر مدينة قوص. واستهلت سنة اثنتين وثلاثين وستمائة: فى هذه السنة، توجه الأمير أسد الدين جغريل أحد مماليك السلطان الملك الكامل- إلى مكة، شرفها الله تعالى، وصحبته سبعمائة فارس فتسلمها فى شهر رمضان. وهرب منها الأمير: راجح بن قتادة، ومن كان بها من عسكر اليمن. ذكر إنشاء جامع التّوبة بالعقيبة «١» بدمشق فى هذه السنة، شرع السلطان الملك الأشرف فى هدم خان الزّنجبيلى «٢» ، الذى كان بالعقيبة بظاهر دمشق، وكان قد جمع أنواع الفساد من الخمور والفسق فقيل للسلطان إن مثل هذا لا يصلح أن يكون فى بلاد الإسلام، فهدمه وعمره جامعا، غرم عليه جملة كثيرة، وسماه الناس جامع التّوبة.

стр. 11383

قال القاضى شمس الدين بن خلّكان فى وفيات الأعيان: «وجرت فيه نكتة لطيفة أحببت ذكرها، وهى أنه كان بمدرسة ستّ الشام التى خارج البلد إمام، فعرف بالجمال السّتّى- أعرفه شيخا حسنا، ويقال إنه كان فى صباه يلعب بشىء من الملاهى، وهى التى تسمى الجعانه. ولما أسنّ حسنت طريقته، وعاشر العلماء وأهل الصلاح، حتى عدّ فى الأخيار. فولاه الملك الأشرف خطابة الجامع، لثناء الناس عليه. فلما توفى، ولى بعده العماد الواسطى الواعظ، وكان يتّهم بالشّراب. وكان صاحب دمشق يومئذ الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، فكتب إليه الجمال عبد الرحيم: المعروف بابن زوينة الرّحبى: يا مليكا أوضح الحقّ لدينا وأبانه جامع التّوبة قد قلّدنى منه أمانه قال: قل للملك الصالح- أعلى الله شانه: يا عماد الدين، يا من حمد الناس زمانه كم إلى كم أنا فى ضرّ وبؤس وإهانه لى خطيب واسطى يعشق الشّرب ديانه والذى قد كان من قبل يغنّى بالجعانه فكما نحن، وما زلنا- ولا أبرح- حانه ردّنى للنّمط الأوّل، واستبق ضمانه

стр. 11384

وفى هذه السنة، فى تاسع صفر، كانت وفاة الملك الزاهد: مجير الدين أبو سليمان، داود بن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب- صاحب قلعة البيرة «١» . وكان يحب العلماء وأهل الأدب، ويقصدونه من البلاد. وكان فاضلا أديبا شاعرا، جوادا سمحا. ومولده بالقاهرة لسبع بقين من ذى القعدة- وقيل ذى الحجة- سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة. ولما مات، توجه الملك العزيز، ابن أخيه الملك الظاهر، إلى قلعة البيرة، فملكها. وفيها توفى الأمير الأجل الطواشى: شمس الدين صواب، مقدّم عسكر الملك العادل. وكانت وفاته بحرّان، فى العشر الآخر من شهر رمضان. وكان السلطان الملك الكامل قد جعله بها، وبغيرها، من تلك البلاد- كما تقدم. وكان أميرا كبيرا فى الدّولتين: العادلية والكاملية. وكان خادما عاقلا، ديّنا شجاعا جوادا. وكان العدل والكامل يعتمدان عليه. وكان له مائة خادم، تعيّن جماعة منهم وتأمّروا بعد وفاته: منهم بدر الدين الصّوابى، وشبل الدولة: كافور الخزندار بدمشق، وشمس الدين صواب السّهيلى بالكرك، وغيرهم. وكان شمس الدين صواب العادلى-

стр. 11385

هذا- إذا حمل فى الأعداء يقول: أين أصحاب الحصى «١» . وكان له برّ وصدقة، وفيه إنصاف- رحمه الله تعالى. وفيها توفى الصاحب تاج الدين: أبو اسحاق يوسف بن الصاحب الوزير: صفى الدين أبى محمد عبد الله، بن القاضى المخلص أبى الحسن على، الشّيبى المالكى بمدينة حرّان، فى الحادى عشر من شهر رجب، ودفن بها ومولده بمصر فى شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة وكان فقيها مالكيا، درّس بمدرسة أبيه بالقاهرة. وناب عن والده فى الوزارة بالديار المصرية. وولى الوزارة بعد والده نحو شهرين. ثم صرف واستخدم فى التّوقيع. ثم ولى نظر الدواوين بالديار المصرية. ثم عزل واعتقل، ثم أفرج عنه فى سادس عشر شعبان، سنة خمس وعشرين وستمائة. ثم ولى الجزيرة وديار بكر وحرّان فى الدولة الكاملية ومات هناك- رحمه الله تعالى. وفيها توفى شرف الدين، أبو حفص وأبو القاسم: عمر بن على بن المرشد بن على، الحموىّ الأصل، المصرى الدار والمولد والوفاة: المعروف بابن الفارض، الشاعر.

стр. 11386

له ديوان شعر مشهور. وكانت وفاته بالجامع الأزهر بالقاهرة المعزّيّة، فى يوم الثلاثاء الثانى من جمادى الأولى، ودفن من الغد بسفح المقطم. ومولده بالقاهرة فى الرابع والعشرين من ذى القعدة، سنة ست وسبعين وخمسمائة. واستهلت سنة ثلاث وثلاثين وستمائة: فى هذه السنة، حصل بمصر وباء عظيم، مات فيه خلق كثير. واستمر ثلاثة أشهر. وفيها، فى المحرم، وصل الملك الناصر داود، صاحب الكرك، إلى بغداد. واجتاز فى طريقه بالحلّة «١» ، وبها الأمير شرف الدين، بن الأمير جمال الدين قشتمر، زعيم الحلّة ومقدّم الجيوش، فتلقاه وأكرمه، وأقام له الإقامات الوافرة. وعمل له دعوة عظيمة اشتملت على أنواع من المآكل. قال ابن الساعى فى تاريخه: بلغت النفقة على تلك الدعوة اثنى عشر «٢» ألف دينار. ثم قصد بغداد، فوصل إليها فى يوم الاثنين سادس عشر المحرم، فبرز لتلقّيه الموكب، وفيه جميع الحجاب والدعاة، وفى صدره قطب الدين: أبو عبد الله بن الأقساسى،- نقيب الطالبيّين- وعن يمينه وشماله خادمان من

стр. 11387

خدم الديوان العزيز «١» . وحين وافى باب النّوبى «٢» نزل وقبّل العتبة. وحضر دار الوزارة، فأكرم وخلع عليه قباء «٣» أطلس، وشربوش «٤» ، وأعطى فرسا بمركب ذهب. وأسكن محلّة المقتدى، بالدار المنسوبة إلى أبى تميم الموسوى، وأقيمت له الإقامات الوافرة من المخزن المعمور «٥» فى كل يوم. وأنهى للديوان العزيز ما اعتمده معه عمّاه من إخراجه من دمشق- وهى مملكة أبيه- ونقله إلى الكرك. وأقام ببغداد إلى خامس عشرين شعبان. ثم أحضر إلى دار الوزارة، وخلع عليه قباء أطلس أسود، وفرجيّه «٦» مموّج، وعمامة قصب كحلية مذهّبة. وأنعم عليه بفرس عربى بمركب ذهب، وكنبوش «٧» ومشدّة إبريسم «٨» . وأعطى العلم والجفتاوات «٩» والكراع «١٠» . والخيام والمفارش

стр. 11388

والآلات، وخمسة وعشرين ألف دينار، وعدّة من الخيل وجوز من الثياب الفاخرة. وشرّف من معه من أصحابه وأتباعه ومماليكه. وأذن له فى التوجه إلى بلده- وذلك بعد الصلح بينه وبين عميه: الكامل والأشرف. وخرج من بغداد فى ثالث شهر رمضان- وصحبته الأمير: سعد الدين حسن بن على- إلى الملك الكامل، يأمره عن الديوان العزيز بإجابة سؤاله. ذكر ذلك ابن الساعى فى تاريخه. وفيها، توفى الحافظ: أبو الخطاب عمر بن الحسن بن محمد بن دحية الأندلسى البلنسى «١» ، المعروف بذى النّسبين. طلب الحديث فى أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقى علماءها ومشايخها. ثم رحل الى بر العدوة «٢» ودخل مراكش واجتمع بفضلائها. ثم ارتحل إلى إفريقية، ومنها إلى الديار المصرية، ثم إلى الشام والشرق والعراق. ودخل إلى عراق العجم وخراسان، وما والاها، ومازندران «٣» ، فى طلب الحديث والاهتمام بائمته، والأخذ عنهم. وهو فى ذلك يؤخذ عنه، ويستفاد منه.

стр. 11389

وقدم مدينة إربل، فى سنة أربع وستمائة، عند توجهه إلى خراسان. واجتمع بصاحبها: الملك المعظم بن زين الدين. وكان المعظم عظيم الاحتفال بمولد النبى ﷺ ، فألف له كتابا سماه: التّنوير فى مولد السّراج المنير، وقرأه عليه فأعطاه ألف دينار. وله عدة تصانيف. ولما عاد إلى الديار المصرية، ولّاه الملك الكامل دار الحديث الكاملية «١» بالقاهرة. ثم عزله منها قبل وفاته، وولى أخاه محيى الدين أبا عمرو. وتوفى أبو عمرو بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء ثالث عشر جمادى الأولى، سنة أربع وثلاثين وستمائة. وكان حافظا للغة العرب. وكانت وفاة أبى الخطاب بالقاهرة فى الرابع عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، ودفن بسفح المقطم. ومولده فى مستهل ذى القعدة سنة ست وأربعين وخمسمائة. وفيها، فى سلخ شهر ربيع الآخر- توفى الأمير أبو التّقى صالح بن الأمير المكرم أبى الطاهر «٢» إسماعيل بن أحمد بن الحسن بن اللّمطي، بمنية بنى

стр. 11390

خصيب «١» من صعيد مصر. وصلّى عليه على ساحل البحر، وحمل فى مركب وأحدر إلى مصر، فوصل بعد صلاة العصر مستهل جمادى الأولى، ودفن بسفح المقطم، بتربة كان أنشأها لنفسه قبل وفاته بيسير- وقد قارب الستين. سمع ببغداد جماعة كبيرة وبنيسابور وبمرو وهراه وهمدان ودنيسر ودمشق. وجال فى البلاد كثيرا، ودخل ما وراء النهر. ولم يحصّل من مسموعاته إلا اليسير- رحمه الله تعالى. وفيها فى شهر ربيع الأول، توفى الأمير فخر الدين أياز البانياسى بخرتبرت من ديار الجزيرة. وحمل إلى القاهرة، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرافة الصغرى، وأنشأ بجانبها حوض سبيل. وكان قد ولى مصر مدة، وله غزوات وتقدّم فى الدولتين العادلية والكاملية. وكان مشهورا فى شبيبته بالقوة. وكان محبا لأهل الخير متفقدا لهم- رحمه الله تعالى. وفيها، توفى خطيب مصر الشيخ الفقيه: أبو الطاهر محمد بن الحسين ابن عبد الرحمن الجابرى- من ولد جابر بن عبد الله الأنصارى- رضى الله عنه. وهو المشهور بالمحلّى، وهو من أصحاب الشيخين: الشاطبى والقرشى.

стр. 11391

واستهلّت سنة أربع وثلاثين وستمائة: ذكر وقوع الوحشة بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف كان وقوع الوحشة بين الملكين الأخوين فى هذه السنة. وسبب ذلك أن الملك الأشرف طلب من أخيه الملك الكامل الرّقّة، وقال إن الشّرق قد صار للسلطان، وأنا فى كل يوم فى خدمته، فتكون هذه برسم عليق دوابّى. وجعل الفلك المسيرى واسطة بينه وبين السلطان. فكتب الفلك إلى الملك الكامل بذلك، فأجابه الملك الكامل بكتاب أغلظ له فيه. وكان الملك الكامل، لما عاد من بلاد الشرق فى سنة ثلاث وثلاثين، بلغه اتفاق الملوك عليه، فعجّل السير إلى الديار المصرية. فكتب إليه الملك الأشرف يقول: إنك أخذت منى الشرق. وقد افتقرت لهذه البواكير، ودمشق بستان ليس لى فيها شىء. فبعث إليه عشرة آلاف دينار، فردّها عليه، وقال: أنا أدفع هذه لأميرين. فغضب الملك الكامل، وقال: الملك الأشرف يكفيه عن الملك عشرته للمغانى وتعلّمه لصناعتهم! فاتصل ذلك بالملك الأشرف، فتنمّر له وقال: والله لأعرّفنّه قدره. وراسل الملوك: بحلب وحماه وبلاد الشرق، وصاحب الروم، وقال: قد عرفتم بخل الكامل وطمعه فى البلاد.

стр. 11392

فحلفوا كلهم واتفقوا، وسيروا رسلهم إلى الملك الكامل يقولون: انهم معه صلحا، ما أقام بالديار المصرية ولم يخرج إلى الشام لفتح شىء من البلاد. ذكر وفاة الملك العزيز صاحب حلب وقيام ولده الملك الناصر وفى سنة أربع وثلاثين وستمائة، كانت وفاة الملك العزيز غياث الدين محمد، بن الملك الظاهر غازى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب- صاحب حلب، بها. ومولده فى ذى الحجة سنة تسع أو عشر وستمائة. وملك بعده ولده الملك الناصر صلاح الدن يوسف. وكان عمره يوم ذاك ست سنين. فقام بتدبير المملكة والدة أبيه، وهى ابنة الملك العادل. وجعلت الأمير شمس الدين لؤلؤ أتابكه. ثم زوّجه السلطان الملك الكامل ابنته عاشورا شقيقة الملك العادل، فى تاسع عشر ذى الحجة من السنة.

стр. 11393

واستهلّت سنة خمس وثلاثين وستمائة: ذكر وفاة الملك الأشرف وشىء من أخباره وقيام أخيه الملك الصالح إسماعيل وإخراجه من الملك فى يوم الخميس رابع المحرم، سنة خمس وثلاثين وستمائة، توفى الملك الأشرف: مظفر الدين موسى، بن الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد ابن أيوب- صاحب دمشق- بها. ودفن بقلعتها، ثم نقل إلى تربته بالكلّاسه «١» ، بجوار الجامع الأموى. ومولده بالقاهرة- وقيل بقلعة الكرك- فى سنة ست وسبعين وخمسمائة. وقيل إنه قبل أخيه الملك المعظم بليلة واحدة. وكان- رحمه الله تعالى- عفيفا عن المحارم، ما خلا بامرأة قط إلا أن تكون زوجته أو جاريته. وحكى أبو المظفر يوسف بن قزوغلى سبط ابن الجوزى عنه، فى كتابه: «مرآة الزمان» ، من الأوصاف الجميلة، والمروءة الغريرة، والكفّ عن المحارم، والعفة عنها مع التمكن منها، ما يرجى له به الخير عند الله تعالى. وكان مما حكاه عنه قال: جلست يوما عنده فى منظرة بقلعة خلاط، يعتب على أخيه الملك المعظم فى قضية بلغته عنه، ثم قال: والله ما مددت عينى إلى حريم أحد: لا ذكر ولا أنثى.

стр. 11394

ولقد كنت يوما قاعدا فى هذه الطّيّارة، فدخل الخادم فقال: على الباب امرأة عجوز، تذكر أنها من عند بنت شاه أرمن- صاحب خلاط. فأذنت لها، فدخلت، ومعها ورقة من عند بنت صاحب خلاط، تذكر أن الحاجب «علىّ» «١» قد أخذ ضيعتها وقصد هلاكها، وما تتجاسر أن تظهر، خوفا منه. فكتبت على الورقة بإطلاق القرية، ونهيت الحاجب عنها. فقالت العجوز: هى تسأل الحضور بين يديك، فعندها سرّ ما يمكن ذكره إلا للسلطان! فأذنت لها. فتوجّهت وعادت بعد ساعة، ومعها امرأة ما رأيت فى الدنيا أحسن من قدّها، ولا أظرف من شكلها، كأن الشمس تحت نقابها! فخدمت ووقفت. فقمت لها وقلت: وأنت فى هذا البلد، وما علمت بك؟! فسفرت عن وجهها فأضاءت منه المنظرة! فقلت: غطّ وجهك، وأخبرينى بحالك. فقالت: أنا بنت شاه أرمن، صاحب هذه البلاد. مات أبى، واستولى بكتمر على الممالك، وتغيرت الدّول، وكانت لى ضيعة أعيش منها، أخذها الحاجب «علىّ» وما أعيش إلا من عمل النّقش، وأنا ساكنة فى دار بالأجرة! قال: فبكيت، وأمرت الخادم أن يكتب لها توقيعا بالضّيعة وبالوصيّة، وأمرت لها بقماش من الخزانة، وأمرت لها بدار تصلح لسكنها، وقلت باسم الله، امضى فى حفظ الله ودعته.

стр. 11395

فقالت العجوز: يا خوند «١» ، ما جاءت إلى خدمتك إلا حتى تحظى بك الليلة! قال: فلما سمعت كلامها، وقّع الله فى قلبى تغيّر الزمان، وأن يملك خلاط غيرى، وتحتاج بنتى إلى أن تقعد مثل هذه القعدة بين يديه: فقلت: يا عجوز، معاذ الله! والله ما هو من شيمتى، ولا خلوت بغير محارمى، فخذيها وانصرفى، وهى العزيزة الكريمة! ومهما كان لها من الحوائج تنفّذ إلى هذا الخادم. فقامت، وهى تبكى، وتقول- بالأرمنية: صان الله عاقبتك، كما صنتنى. قال: فلما خرجت، أفتتنى نفسى، وقالت: ففى الحلال مندوحة عن الحرام، تزوّجها. فقلت: يا نفسا خبيثة، فأين الحيا والكرم والمرؤة! والله لا فعلته أبدا. ومما حكاه أبو المظفر- أيضا- قال: كنت عنده بخلاط، فقدم النظّام بن أبى الحديد، ومعه نعل النبى ﷺ . فأخبرته بقدومه، فأذن بحضوره. فلما جاء، ومعه النعل، قام ونزل من الإيوان، وأخذ النعل فقبّله، ووضعه على عينيه، وبكى! وخلع على النظّام وأعطاه نفقة، وأجرى عليه جراية، وقال يكون فى الصّحبة نتبرك به. ثم عزم على أخذ قطعة من النعل تكون عنده. قال بعد ذلك: فلما عزمت على ذلك بتّ مفكرا، وقلت: إن فعلت هذا فعل غيرى مثله، فيتسلسل الحال ويؤدى إلى استئصاله. فرجعت عن هذا الخاطر. وتركته لله، وقلت: من ترك شيئا لله عوّضه الله خيرا منه. ثم أقام النظّام عندى شهورا ومرض، وأوصى لى بالنعل، ومات وأخذته بأسره.

стр. 11396

ولما اشترى دار قايماز النّجمى، وجعلها دار حديث، ترك النعل فيها، ونقل إليها الكتب الثمينة، وأوقف عليها الأوقاف. وعمر غيرها من الأماكن الشريفة: منها مسجد أبى الدّرداء بقلعة دمشق- بناه وزخرفه- وكان غالب إقامته به. والمسجد الذى عند باب النصر، وجامع العقيبة ومسجدا خارج باب الصغير ومسجد القصب خارج باب السلامة، وجامع بيت الآبار. ووقف على ذلك الأوقاف الكثيرة. وزاد وقف دار الحديث النّوريّة. هذا وتربته بالكّلّاسة بدمشق، وتربة والدته بالقرافة بمصر. وبنى أيضا ببلاد الشرق وخلاط خانات السبيل. وكان- رحمه الله تعالى- حسن الظن بالفقراء، يحسن إليهم ويزورهم ويتفقدهم بالمال والأطعمة. وكان فى ليالى شهر رمضان لا يغلق باب قلعة دمشق، ويرسل فى الليل جفان الحلو إلى الجامع والزوايا والرّبط، ما قرب منه وما بعد. وكان ابتداء مرضه فى شهر رجب، سنة أربع وثلاثين وستمائة، مرضين مختلفين فى الأعالى والأسافل. وكان الحرائحى يخرج العظام من رأسه، وهو يسبّح الله ويحمده ثم اشتد به الذّرب، فلما يئس من نفسه قال لوزيره- جمال الدين بن جرير-: فى أى شى تكفننى؟ فقال: حاشاك! فقال دعنى من هذا، فما بقى فى قوّة يحملنى أكثر من نهار غد، وتوارونى. فقال فى الخزانة تصافى. فقال: حاش لله أن أكفن من هذه الخزانة.

стр. 11397

وقال: لعماد الدين بن موسك أحضر لى الوديعة. فقام، وعاد وعلى رأسه مئزر صوف أبيض تلوح منه الأنوار، ففتحه وإذا فيه خرق الفقراء وطواقى الأولياء، وفيه إزار عتيق ما يساوى خمسة قراطيس. فقال يكون هذا على جسدى أتقى به حرّ الوطيس، فان صاحبه كان من الأبدال وكان حبشيّا، أقام بحبل الرّها يزرع قطعة زعفران يتقوت بها، وكنت أصعد إليه وأزوره، وأعرض عليه المال فلا يقبله، فسألته شيئا من أثره أجعله فى كفنى، فأعطانى هذا الإزار، وقال قد أحرمت فيه عشرين حجّة. وكان آخر كلامه: لا إله إلا الله. ثم مات فى التاريخ المذكور. قال أبو المظفر: ولما أحسّ بوفاته فى آخر سنة أربع وثلاثين، قلت له: استعد للقاء الله فما يضيرك، قال: لا والله بل ينفعنى. ففرّق البلاد، وأعتق مائتى مملوك وجارية. ووقف دار فرّخشاه، التى يقال لها دار السعادة، وبستان النّيرب «١» على ابنته. وأوصى لها بجميع الجواهر. قال أبو المظفر: وحكى لى الفقيه محمد اليونانى «٢» ، قال: حكى لى فقير صالح من جبل لبنان.، قال: لما مات الأشرف رايته فى المنام وعليه ثياب خضر، وهو يطير بين السماء والأرض، مع جماعة من الأولياء. فقلت له يا موسى، إيش تعمل مع هؤلاء، وانت كنت تفعل فى الدنيا وتصنع؟ فالتفت إلى وتبسم، وقال: الجسد الذى كان يفعل تلك الأفاعيل تركناه عندكم، والروح التى كانت تحب هؤلاء قد صارت معهم- رحمه الله تعالى.

стр. 11398

ذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- ابن الملك العادل- دمشق، ووصول الملك الكامل إليها وحصار دمشق وأخذها وتعويض الصالح عنها لما مات الملك الأشرف: مظفر الدين موسى- رحمه الله تعالى- ملك دمشق بعده- بوصية منه- أخوه الملك الصالح: عماد الدين إسماعيل، الملقب بأبى الخيش! وإنما لقّب بذلك، لأنه- فيما حكى عنه- كان يملأ خيشة تبنا ويبيّتها فى الماء، ثم يطعنها برمحه فيرفعها عليه. فلقب بذلك. ولما انفصلت أيام عزاء الملك الأشرف، ركب الملك الصالح إسماعيل بشعار السلطنة، وترجّل الناس فى ركابه، وأسد الدين شيركوه صاحب حمص إلى جانبه، وحمل الأمير عز الدين أيبك- صاحب صرخد- الغاشية «١» بين يديه. ثم عاد كل منهما إلى مملكته، واستقر هو بدمشق. وصادر جماعة من أهلها، اتهمهم بمكاتبة الملك الكامل: منهم العلم تعاسيف «٢» وأولاد مزهر وابن عريف البدرى، واستصفى أموالهم. وأفرج

стр. 11399

عن الشيخ على الحريرى من الاعتقال بقلعة عزّتا- وكان الملك الأشرف قد اعتقله بها فى سنة ثمان وعشرين وستمائة- فأفرج عنه الآن، ومنعه من الدخول إلى دمشق. وأما الملك الكامل فإنه لما بلغه وفاة أخيه الملك الأشرف، سر بذلك سرورا عظيما، لما كان قد وقع بينهما من الوحشة التى تأكدت أسبابها- وقد تقدم ذكرها. فتجهز بعساكر الديار المصرية وتوجه من قلعة الجبل، لقصد دمشق، فى ثالث عشرين صفر. ولما اتصل خبره بالملك الصالح حصّن دمشق، وقسم الأبراج على الأمراء، وغلّق أبواب المدينة. وجاء الأمير عز الدين أيبك من صرخد، وأمر بفتح الأبواب ففتحت. ووصل الملك الكامل بعساكره، ونزل عند مسجد القدم. ونزل الملك الناصر داود بالمزّة «١» ، ونزل مجير الدين وتقىّ الدين ابنا الملك العادل بالقابون «٢» ، وهم فى طاعة الملك الكامل. وأحدقت العساكر بدمشق،

стр. 11400

وقطع الملك الكامل عنها المياه. وردّ ماء بردى «١» إلى ثورا «٢» . وشدد الحصار، فغلت الأسعار. وسد الصالح أبواب دمشق، إلا بابى الفرج والنصر. وتقدم الملك الناصر داود إلى باب توما، وعمل النّقوب فيه. ولم يبق إلا فتح البلد. فأرسل الملك الكامل إليه فخر الدين بن الشيخ، فرده عنها، ورحّله إلى أرض برزه. «٣» وأحرق الصالح إسماعيل قصر حجّاج والشّاغور، وأخرب ظاهر دمشق خرابا لم يعهد مثله. واحترق جماعة من سكان هذه الجهات فى دورهم، ومن سلم منهم لم يبق له ما يرجع إليه إلا الكدية وسؤال الناس. وحكى أن الصالح- أو ابنه- وقف على العقيبة «٤» ، وقال للزّرّاقين «٥» أحرقوها، فضربوها بالناس. وكان لرجل من سكانها عشر بنات، فقال لهن: اخرجن، فقلن لا والله، النار ولا العار، ما نفتضح بين الناس! فاحترقت الدار وهم فيها، فاحترقوا. وجرى من الخراب بظاهر دمشق ما لم يحر مثله قبل ذلك.

стр. 11401

ثم راسل الملك الصالح أخاه الملك الكامل يقول: بلغنى أنك تعطى دمشق للملك الناصر داود وأنت أحق بها، وان أنت لم تعطنى ما أريد، وإلا ضربت قوارير النّفط فى أربع جوانب دمشق وأحرقتها، وأحرقت قلعتها، وأخرّبها خرابا لا تعمر بعده أبدا. فعلم الملك الكامل من جرأته أنه يفعل، فأعطاه ما طلب. ودخل بينهما الشيخ محيى الدين بن الجوزى- رسول الخليفة- وكان بدمشق- فوقع الاتفاق والصلح على أن الملك الكامل أقرّ بيد أخيه الملك الصالح بصرى «١» والسّواد «٢» ، وأعطاه بعلبك وأعمالها. ولو طلب أكبر من ذلك أعطاه، خوفا من أن يحرق دمشق. وتسلم الملك الكامل دمشق، ودخلها فى عاشر جمادى الأولى- وقيل فى أواخر الشهر المذكور. وأفرج عن الفلك المسيرى، وكان الملك الأشرف قد اعتقله فى حبس الحيّات. ولما دخل الملك الكامل إلى دار رضوان بقلعة دمشق، رأى قبر أخيه الأشرف فرفسه برجله وسبّه، وقال انقلوه الساعة. فنقلوه إلى الكلّاسة. ولما ملك الملك الكامل دمشق، عزم على قصد حمص، لاتفاق صاحبها الملك المجاهد شيركوه، فيما مضى، مع الأشرف. فصالحه الملك المجاهد على أن يحمل إلى خزانته ألف درهم، ودخل عليه بالنساء، فأجاب الملك إلى ذلك. ومات الكامل قبل حمل المال.

стр. 11402

ذكر وفاة السلطان الملك الكامل كانت وفاته فى يوم الأربعاء، وقيل ليلة الأربعاء- الحادى والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وثلاثين وستمائة، بقلعة دمشق بقاعة الفضّه. ومولده بالقاهرة فى ذى الحجة، سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وكان أسنّ أولاد الملك العادل. وكانت مدة عمره تسعا وخمسين سنة وسبعة أشهر- تقريبا. ومدة ملكه- بعد وفاة والده الملك العادل عشرين سنة، وشهرين وستة عشر يوما. وملك دمشق واحدا «١» وسبعين يوما. ومنذ خطب له بولاية العهد، ثمانيا وثلاثين سنة وتسعة أشهر، وستة عشر يوما. ودفن بالقلعة. ثم نقل إلى تربته بجوار الجامع الأموى بدمشق. وكان مدة مرضه نيفا وعشرين يوما، بالإسهال والسّعال ونزلة فى حلقه، ونقرس فى رجله. وأظهروا موته يوم الجمعة. ولم يظهروا الحزن عليه بدمشق. حكى عن خادمه الذى كان يعلّله فى مرضه، قال: طلب منى الملك الكامل الطّشت «٢» لسقيا، فأحضرته له. وكان الناصر داود على الباب يطلب الإذن. فقلت له: داود على الباب. فقال: ينتظر موتى! وانزعج. فخرجت إليه، وقلت له: ليس هذا وقت عبورك، فإن السلطان منزعج. فتوجه إلى دار أسامة «٣» - وكان قد نزل بها. ودخلت إلى السلطان، فوجدته قد قضى، والطّشت بين يديه، وهو مكبوب على المخدة.

стр. 11403

وكان ملكا حازما، ضابطا لأموره. متطلعا لجمع المال، يباشر الحمول التى تصل إليه بنفسه ويكتبها بخطه فى دفتر له، ويحاقق المستخدمين فيما يطلع عليه. وجمع مالا عظيما، حتى يقال إنه خلف ألف إردب ذهب. وهذا ما لم يسمع بمثله. وأراه- والله أعلم- من التغالى. وكان يجلس فى مجلس خاص فى كل ليلة جمعة، يجتمع فيه الفقهاء والأدباء والشعراء وغيرهم. وله فى بقية الجمعة ليال، يختلى فيها مع ندمائه على الشراب وسماع القيان «١» . وكان حسن الاعتقاد فى السّنّة. وكان جهورىّ الصوت، وله هيبة عظيمة فى قلوب الرّعايا والخواصّ. وعمّر قاعة بقلعة الجبل، يجلس فيها مع الفقهاء والصالحين فى شهر رمضان، سماها قاعة رمضان. وهى الآن من جملة الخزائن السلطانية. ذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل فى هذه السنة لما توفى الملك الكامل اجتمع الأمراء، وهم: سيف الدين على بن قليج، وعز الدين أيبك، وركن الدين الهيجاوى، وعماد الدين، وفخر الدين: ابنا شيخ الشّيوخ «٢» ، وتشاوروا فى أمر دمشق، وانفصلوا

стр. 11404

عن غير شىء. وكان الملك الناصر داود بدار أسامة، فأتاه الرّكن الهيجاوى ليلا، وبيّن له وجه الصواب. وأرسل إليه أيبك المعظّمى يقول له: أخرج المال، وفرّقه فى مماليك أبيك والعوامّ، فهم معك، وتملك البلد، ويبقى هؤلاء بالقلعة محصورين. فلم يتّفق ذلك. ثم اجتمع هؤلاء الأمراء بالقلعة فى يوم الجمعة، وذكروا الملك الناصر داود، والملك الجواد مظفر الدين: يونس بن مودود بن الملك العادل. وكان فخر الدين بن الشيخ يميل إلى الملك الناصر، وعماد الدين يكرهه فأشار عماد الدين بالملك الجواد، ووافقه الأمراء، وقالوا لفخر الدين بن الشيخ: ما تقول فيه؟ فقد اتفق الأمراء عليه. فقال: المصلحة أن نولّى بعض الخدام نائبا عن الملك العادل: ابن أستاذنا الملك الكامل، فمتى شاء عزله [وإن رضى أبقاه، ولا تولوا من بيت الملك فيتعذر عزله] «١» ويستقل بالملك. وبلغ ذلك الملك الجواد فجاء إليه، وتحدث معه، وذكر له سالف صحبة ومودة، وترفق له ووعده أن يعطيه إقطاع مائة وخمسين فارسا، وعشرة آلاف دينار. فقال: والله لا وافقت إلا على ما فيه مصلحة لابن أستاذى. فلما يئس منه، فرّق ضياع الشام على الأمراء وخلع عليهم، وأعطاهم ما فى الخزائن- وكان بها تسعمائة ألف دينار. وتوجه فخر الدين بن الشيخ إلى الديار المصرية، ومعه جماعة من الأمراء، بعد أن تردّد إلى الملك الناصر مرارا، وهو بالقابون.

стр. 11405

واستقر أمر الملك الجواد فى يوم الجمعة. وأرسل الأمراء الأمير ركن الدين الهيجاوى إلى الملك الناصر داود- وهو فى دار أسامة- فأمره بالخروج إلى مملكته بالكرك. فقام وركب، وقد اجتمع الناس من باب داره إلى القلعة. وهم لا يشكّون أنه يطلع إلى القلعة. فتوجه. وخرج من باب الفرج، وصاحت العامّة واستغاثوا. محبة له ورغبة فيه. وتوجه إلى القابون. وأما الملك الجواد فانه فرّق الأموال وخلع الخلع. فيقال إنه خلع خمسة آلاف خلعة، غير الأموال. وأبطل الخمور والمكوس، ونفى الخواطى «١» . وأقام الملك الناصر بالقابون أياما، وعزموا على القبض عليه، فرحل، وبات بقصر عفرا. وركب خلفه أيبك الأشرفى ليمسكه. فبعث إليه عماد الدين بن موسك فى السّر فعرفه. فسار فى الليل إلى عجلون «٢» وعاد أيبك إلى دمشق. ذكر ما وقع بين الملكين: الناصر والجواد وهرب الناصر إلى الكرك قال: ولما توجه الملك الناصر إلى عجلون، سار منها إلى غزّة. واستولى على الساحل بموافقة عسكره، ومقدمهم. الأمير مجد الدين عمر- أخو الفقيه عيسى الهكّارى «٣» - ووصلت غاراته إلى الورّادة «٤» وخرّب برج الحمام

стр. 11406

بها. فخرج إليه الملك الجواد فى عسكر مصر والشام، وأمر الأمراء الأشرفية بمكاتبة الناصر وإطماعه فى الملك، ففعلوا ذلك. فاغتر بكتبهم واطمأن إليهم، وركب من غزة فى سبعمائة فارس، وقصد نابلس باثقاله وخزائنه وأمواله- وكانت على سبعمائة جمل- وضرب دهليزه على سبسطيه «١» ، وترك عساكره مقطّعة خلفه. والملك الجواد على جينين «٢» فركب بعسكره وأحاط به. فركب الناصر فى نفر يسير، وساق نحو نابلس، واستمرت به الهزيمة إلى قلعة الكرك لا يلوى على شىء. واستولى الملك الجواد على خزائنه وذخائره، وخيوله وخيامه وأثقاله- وكان فيها ما لا يحصى قيمته. وكانت هذه الواقعة فى رابع عشرين ذى الحجة من السنة. قال أبو المظفر: وبلغنى أن عماد الدين بن الشيخ وقع بسفط صغير، فيه اثنا عشر قطعة من الجوهر، وفصوص ليس لها قيمة، فدخل على الجواد وطلبه منه، فأعطاه إياه. قال: وهذه الأموال- التى كانت على جمال الملك الناصر- هى التى جهّز بها الملك المعظم ابنته دار مرشد، لما زوجها بالسلطان: جلال الدين خوارزم شاه- أخذها الناصر منها ظنا منه أنه يعوضها إذا فتح البلاد، فكان الأمر بخلاف ما ظنّ.

стр. 11407

وكان نصحاؤه أشاروا عليه- وهو بغزّة أنه يبعث بالأموال والأثقال إلى الكرك، على عقبة الزّوبرة «١» ، ويجمع عسكره ويتوجه إليهم جريدة «٢» . فاغتر بمكاتبة الأشرفيّة. وجهز الملك الجواد الطلعات والصّناجق «٣» إلى الديار المصرية، فوصلت فى سادس وعشرين الشهر. وعاد إلى دمشق بالظفر والغنيمة. هذا ما كان بدمشق، فلنذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب، ببلاد الشرق. ذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب ببلاد الشرق فى هذه السنة كان الملك الصالح نجم الدين قد استخدم الخورازميّة، الذين سلموا من أصحاب السلطان جلال الدين خوارزم شاه «٤» ، فى سنة أربع وثلاثين

стр. 11408

وستمائة. وكانوا- قبل ذلك- خدموا صاحب الروم السلطان: علاء الدين. كيقباذ، ففارقوه. واستخدمهم الملك الصالح، واستعان بهم، فخالفوا عليه فى سنة خمس وثلاثين. وأرادوا القبض عليه- وكان على الفرات- فهرب إلى سنجار، وكان قد ملكها واستولى عليها بعد وفاة عمه الملك الأشرف. وترك خزانته وأثقاله، فنبهوا ذلك بجملته. ولما صار بسنجار، وعلم الملك الرحيم: بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل- مخالفة الخوارزميّة، قصده وحصره بسنجار، فى ذى القعدة. فأرسل الملك الصالح إليه يسأله الصلح. فقال: لابد من حمله إلى بغداد فى قفص! وكان بدر الدين لؤلؤ وملوك الشرق يكرهون مجاورة الملك الصالح، وينسبونه إلى الكبر والظلم. فبعث الملك الصالح القاضى بدر الدين- أبا المحاسن يوسف- قاضى سنجار إلى الخوارزميّة، فتحيّل فى الخروج من سنجار، بأن حلق لحيته وتدلّى من السّور بحبل، وتوجه إليهم. وشرط لهم كل ما أرادوا. فساقوا جرايد «١» من حرّان، وكبسوا بدر الدين لؤلؤ وعسكر الموصل بسنجار. فهرب منهم على فرس، وترك خزائنه وأثقاله وخيوله. فنهبت الخوارزمية جميع ذلك، واقتسموه. فصلحت به أحوالهم واستغنوا. هذا ما كان من أخبار دمشق والشام، وأخبار الملك الصالح بالشرك بعد وفاة والده: الملك الكامل، فى سنة خمس وثلاثين. فلنذكر أخبار الملك العادل.

стр. 11409

ذكر أخبار السلطان الملك العادل هو سيف الدين: أبو بكر، بن السلطان الملك الكامل: ناصر الدين أبى المعالى محمد، بن السلطان الملك العادل: سيف الدين أبى بكر محمد، ابن أيوب. وهو السابع من ملوك الدولة الأيوبية، بالديار المصرية. استقر فى الملك بعد وفاة والده: السلطان الملك الكامل. وذلك أنه لما مات والده بدمشق، كان هو ينوب عنه بالديار المصرية. فاجتمع الأمراء الذين كانوا بدمشق، فى خدمة السلطان الملك الكامل، الأمير سيف الدين على بن قليج، والأمير عماد الدين، وفخر الدين: ابنا الشيخ، وغيرهم من أكابر الأمراء، فى قاعة المسرّة بقلعة دمشق، وحلفوا للملك العادل هذا، واستحلفوا له جميع العساكر المصرية والشامية. وذلك فى يوم الخميس الثانى والعشرين من شهر رجب، سنة خمس وثلاثين وستمائة. ورتّبوا الملك الجواد: مظفر الدين يونس بن مودود- ابن عمه- فى نيابة السلطنة بدمشق، كما تقدم. وطالعوا السلطان الملك العادل بالخبر. فخطب للملك العادل بالديار المصرية، فى سابع شعبان من السنة، وأعلن بوفاة الملك الكامل. فقال القاضى برهان الدين بن الفقيه نصر:

стр. 11410

قل للذى خاف من مصر، وقد أمنت ... ماذا تألّمه منها وخيفته إن كان قد مات عن مصر محمّدها ... فقد أقيم أبو بكر خليفته «١» قال: ولما استقر فى الملك، وضع المكوس «٢» ، وزاد الأجناد «٣» ، ووسّع على الناس فى أرزاقهم. ورضى ما قرره الأمراء من استنابة الملك الجواد بدمشق، وأرسل إليه الخلع والصّنجق. فركب بذلك فى يوم الأحد تاسع عشرين شهر رمضان من السنة. ووصلت العساكر المصرية التى كانت مع الملك الكامل بالشام- وكان ابتداء وصولهم فى ثانى عشر شعبان، وكملوا فى مستهل شهر رمضان من السنة- وتأخر منهم من جرّد مع الملك الجواد. فأكرمهم الملك العادل وخلع عليهم، وزاد فى أرزاقهم. ثم عاد من تأخر منهم إلى الديار المصرية، بعد هرب الملك الناصر داود من سبسطية- كما تقدم. وكان وصولهم فى ثامن المحرم سنة ست وثلاثين وستمائة. وفى سابع عشرين شوال، من سنة خمس وثلاثين، وصل الشيخ محيى الدين يوسف بن أبى الفرج الجوزى، برسالة الخليفة بالتّعزية للملك العادل بأبيه، والتهنئة له بالملك. واستحلفه للخليفة. فى ثانى ذى القعدة منها.

стр. 11411

ذكر ما وقع فى هذه السنة من الحوادث- خلاف ما تقدم - فى هذه السنة، فى ليلة الإثنين سادس جمادى الآخرة، أمر السلطان الملك الكامل أن لا يصلّى بالمسجد الجامع بدمشق صلاة المغرب إلا خلف إمام واحد: وهو خطيب الجامع الشافعى. وأبطل من عداه من الأئمة المالكية والحنفية والحنابلة، فى صلاة المغرب خاصة، لانحصارها فى وقت واحد، واشتباه الحال على المأمومين وفيها قصد الملك المنصور: عمر بن على بن رسول- متملك اليمن- مكة. فلما بلغ الأمير أسد الدين جغريل الخبر، خرج من مكة بمن معه من العسكر إلى الديار المصرية، فى سابع شهر رجب، ووصلوا إلى القاهرة متفرقين، فى العشر الأوسط من شعبان. ودخل صاحب اليمن مكة فى تاسع شهر رجب. وفيها ولى الشريف: شمس الدين الأرموى «١» الشافعى- قاضى العسكر- نقابة الأشراف بالديار المصرية- وذلك فى يوم الأربعاء سلخ ذى القعدة. وقرىء تقليده بجامع مصر، وحضر قراءته الأمير جمال الدين بن يغمور، وفلك الدين المسيرى، وابن النجيلى.

стр. 11412

وفيها فى شعبان، ولى الشيخ كمال الدين: عمر بن أحمد بن عبد الله ابن طلحة النّصيبى «١» - الخطابة، بعد وفاة عمه الدّولعى «٢» - وكانت وفاته فى رابع عشر جمادى الأولى، ودفن بالمدرسة التى أنشأها بجيرون «٣» . وكان له أخ جاهل فولى الخطابة، ثم عزل. فوليها الشيخ كمال الدين. وفيها كانت وفاة قاضى القضاة: شمس الدين أبو البركات- يحيى بن هبة الله- بن الحسن، المعروف بابن سنىّ الدولة، فى يوم الأحد سادس ذى القعدة، ودفن بقاسيون. وكان فقيها إماما فاضلا عفيفا- رحمه الله تعالى. وولى القضاء بعده قاضى القضاه: شمس الدين أحمد بن الخليل الخويّى فى ذى القعدة، استقلالا وعدّل جماعة كبيرة من أهل دمشق وهو أول قاض رتّب مراكز الشهود بدمشق وكان قبل ذلك مورقون يورقون المكتوب، ويتوجه أربابه إلى بيوت العدول فيشهّدونهم. وفيها توفى الأمير صارم الدين خطلبا التّبنينى، فى يوم الاثنين ثالث شعبان، ودفن بتربته التى أنشأها بقاسيون. وكان ديّنا صالحا عاقلا. أقام فى الثّغور مدة سنين، يجاهد العدوّ. وكان كثير الصدقة دائم المعروف، طاهر اللسان، رحمه الله تعالى.

стр. 11413

واستهلّت سنة ست وثلاثين وستمائة: ذكر القبض على الصاحب صفى الدين مرزوق ومصادرته واعتقاله فى هذه السنة- فى أولها- قبض الملك الجواد على الصاحب صفى الدين بن مرزوق، وصادره، وأخذ منه أربعمائة ألف دينار. وكان سبب ذلك أنه كان بينه وبين الملك المجاهد- أسد الدين صاحب حمص- عداوة مستحكمة، لما استوزره الملك الأشرف. وكان الملك الجواد لا يخرج عن رأى الملك المجاهد، فحسّن الملك المجاهد للملك الجواد القبض عليه. وكان ابن مرزوق قد استشعر ذلك، فعمد إلى تابوت وضع فيه جواهر ولآلىء، وأظهر أن إحدى سراريه قد ماتت وهى عزيزة عنده. وأنه يريد دفنها فى داره المجاورة للمدرسة النّوريّة، بالقرب من الخوّاصين- وهى التى تعرف الآن بالنّجيبيّة الشافعية- وعمل فى القبّة أزجا، ثم أخرج التابوت على أعناق غلمانه وخدامه إلى الجامع، وحضر الناس للصلاة على الميّتة، بزعمهم، وعمل العزاء وتردّد القرّاء إلى التربة أياما. ثم قبض على مرزوق بعد أيام قلائل، وأخذ جميع موجوده، وحبس بقلعة دمشق. فاتفق أن خادمه الكبير ضرب خادما صغيرا، فجاء الخادم، وسأل الاجتماع بالملك الجواد. واجتمع به وأخبره بالواقعة. فأرسل القاضى والشهود وأمير جاندار وأستاذ الدار، فتوجهوا وفتحوا التربة، وأحضروا التابوت بحاله. وكشف بين يدى الجواد وصاحب حمص، فوجد فيه من

стр. 11414

الجواهر ما قوّم بمائتى ألف دينار وستين ألف دينار «١» . وكانوا- قبل ذلك بأيام- قد طولب ابن مرزوق بمال يحمله، فحلف برأس الملك الجواد أنه لا يملك شيئا. فلما وجد هذا التابوت، سلّمه الجواد للملك المجاهد. فاعتقله بقلعة حمص. فأقام سنين لا يرى الضّوء. وقيل أنه حبس اثنتى عشرة سنة. وأظهر أسد الدين موته، وكتب بينه وبينه مبارأة «٢» . ذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب كان سبب ذلك أن السلطان الملك العادل- لما حضر الأمير عماد الدين عمر بن شيخ الشيوخ من الشام إلى الديار المصرية- أنكر عليه، ولامه وتهدده (لكونه) «٣» سلم دمشق للملك الجواد. فقال: أنا أتوجه إلى دمشق وأنزل بالقلعة، وأبعث الملك الجواد إلى السلطان. وان امتنع، أقمت نائبا عن السلطان عوضه. وتوجه من القاهرة فى شهر ربيع الأول، وقرر أن يقطع الملك الجواد ثغر الإسكندرية. ولما عزم على المسير، أشار عليه أخوه فخر الدين أن لا يتوجه إلى دمشق، وقال أخاف عليك من ابن ممدود- يعنى الجواد.

стр. 11415

فقال أنا ملّكته دمشق، ولا يخالفنى فقال: أنت فارقته وهو أمير، وتعود إليه وقد صار سلطانا، فتطلب منه تسليم دمشق، وتعوضه الإسكندرية، ويقيم عندكم، فكيف يطيب له هذا؟ أو تسمح نفسه بمفارقة الملك؟ فأما إذا أبيت إلا التوجه، فانزل على طبريّة وكاتبه. فإن أجاب، وإلا تقيم مكانك وتكتب إلى الملك العادل. فلم يرجع إلى رأيه، وتوجه إلى دمشق. وخرج الجواد إليه، وتلقاه بالمصلّى، وأنزله بالقلعة فى قاعة المسرّة. وأرسل إليه الملك الجواد الخلع والأموال والأقمشة والخيل، ففرق عماد الدين الخلع على أصحاب. وجاء الملك المجاهد أسد الدين- صاحب حمص- إلى دمشق. قال: ولما قال الأمير عماد الدين للملك الجواد أن يتوجه إلى الديار المصرية، ويأخذ ثغر الإسكندرية- غضب، ورسم عليه فى الدار «١» ، ومنعه من الركوب. ثم جاء إليه وقال: إذا أخذتم دمشق منى، وأعطيتمونى الإسكندرية، لا بد لك من نائب بدمشق، فاجعلونى ذلك النائب. ومتى لم تفعلوا هذا، فقد كاتبت الملك الصالح نجم الدين أيوب، فأسلّم إليه دمشق، وأتعوض عنها سنجار. فقال له ابن الشيخ: إذا فعلت هذا، اصطلح السلطان الملك العادل والملك الصالح، ولا تحصل أنت على شىء ألبتّة
следующие страницы →