Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11586–11625 · переход к 11591.
стр. 11586
فاستمر فى نيابة السلطنة مدة ثم كوتب بعد ذلك من ديوان الإنشاء بالمقام العالى الملكى العمادى ولم يزل كذلك، إلى أن فوّض السلطان الملك الناصر إليه سلطنة حماه، ولقبه بالملك المؤيّد. وركب بالقاهرة المحروسة بشعار السلطنة، وذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم، سنة عشرين وسبعمائة- على ما نذكره ذلك، إن شاء الله تعالى، فى أخبار الدولة الناصرية. وهو باق إلى وقتنا هذا. ويصل فى كل سنة إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية بالتقادم والتّحف، ويحصل له الإنعام السلطانى، والتشاريف، وغير ذلك.
وملوك حماه- وإن لقّبوا بألقاب الملوك، وخوطبوا وكوتبوا بما يخاطب ويكاتب به الملوك- فلا تعدّ أيامهم من جملة الدولة الأيوبية، لأنهم فى الخدمة السلطانية على رسم النّواّب. وإنما أوردنا ما ذكرناه من أخبارهم، لتعلم.
стр. 11587
وأما الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك المنصور إبراهيم، بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الأمير ناصر الدين محمد، بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه ابن شادى.. صاحب تلّ باشر والرّحبة
فقد ذكرنا أنه كان بيده حمص وتدمر والرّحبة «١» ، إلى أن استولى الملك الناصر- صاحب حلب- على حمص، فى سنة ست وأربعين وستمائة، وعوّضه عنها تلّ باشر «٢» . فلم يزل بها إلى أن استولى هولاكو على حلب- كما ذكرنا فى سنة ثمان وخمسين وستمائة- فحضر إليه، فأكرمه هولاكو، وأعاد عليه حمص، وفوّض إليه نيابة السلطنة بالشام والسواحل.
فلما هزم الملك المظفر سيف الدين قطز التتار على عين جالوت، ووصل إلى دمشق- أقرّه على حمص والرحبة وتدمر. وأقر الملك الظاهر- بعده- ذلك بيده، إلى أن توفى فى حادى عشر صفر، سنة اثنتين وستين وستمائة.
ولم يكن له عقب، فاستقرّ ما كان بيده فى يد نوّاب السلطنة، إلى وقتنا هذا. ولبعض من ذكرنا أخبارهم فى هذا الوضع، أخبار ووقائع مع الملوك، يأتى ذكرها فى أخبار ملوك الديار المصرية- على ما تقف على ذلك، إن شاء الله تعالى، فى مواضعه. وإنما ذكرناهم فى هذا الموضع، لتكون أخبارهم مجتمعة، على سبيل الاختصار.
стр. 11588
[إنتهاء الدولة الأيوبية] «١»
وكانت هذه الدولة الأيوبية بالديار المصرية- منذ ولى الملك المنصور أسد الدين شيركوه وزارة العاضد لدين الله العبيدى، ولقّبه بالملك المنصور أمير الجيوش، فى سابع عشر شهر ربيع الآخر، سنة أربع وستين وخمسمائة، إلى أن ملك السلطان الملك المعزّ عزّ الدين أيبك التّركمانى الصالحى، فى التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وستمائة- أربعا وثمانين سنة، وأربعة أشهر، واثنى عشر يوما- وإلى أن استولى هولاكو على الشام، وهرب الملك الناصر، صاحب الشام وحلب، فى النصف من صفر سنة ثمان وخمسين وستمائة، ثلاثا وتسعين سنة، وعشرة أشهر، تقريبا.
هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الدولة الأيوبية، على سبيل الاختصار. فلنذكر أخبار دولة التّرك، وهى فرع الدولة الأيوبية.
стр. 11589
ذكر أخبار دولة التّرك «١» وابتداء أمر ملوكها، وما ملكوه من الممالك والحصون والأقاليم والثغور والأعمال، وما افتتحوه، وغير ذلك من أخبارهم
كان ابتداء هذه الدولة بالديار المصرية. ثم انتشرت بالبلاد الشامية، ثم امتدت إلى الممالك الحلبية والفراتية. ثم استولت على الثّغور والقلاع والحصون الساحلية. واستنقذت حصون الدّعوة من أيدى الإسماعيلية «٢» .
وبلغت المملكة الرومية. ودانت لها الأقطار اليمانية والحجازية.
وانتمت إليها الطوائف القرمانية «٣» . ورغب فى مسالمتها الملوك.
الجنكزخانيّة. ونفذت أوامرها واتّصلت أحكامها ببلاد إفريقية وما يليها، والتّكرور «٤» وما يدانيها. ودخل فى طاعتها وعقد ذمّتها من بإقليم النّوبة، من بلاد الدّوّ «٥» ، المجاور لثغر أسوان، إلى بلاد الكرسى والعريان «٦» ، وهو آخر العمل بالقرب من مجرى نهر النيل. على ما نورد ذلك، إن شاء الله تعالى، ونوضّحه ونبيّنه ونشرحه.
стр. 11590
ولنبدأ بذكر أخبارهم، وسبب الاستيلاء عليهم.
ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم، واتصالهم بملوك الإسلام. ومن استكثر منهم، وتغالى فى اتباعهم وقدّمهم على العساكر
قد ذكرنا فى أخبار الدولة العبّاسيّة من اتصل منهم بالخلفاء، وتقدم على العساكر، وعلا قدره وطار اسمه. وذكرنا أيضا فى أخبار الدولة العبيديّة- فى أيام المستنصر بالله- ما كان من أمرهم، وقيامهم، ومحاربتهم ناصر الدولة بن حمدان- تارة، ومعه أخرى.
ثم ذكرنا أن الملك الناصر- صلاح الدين يوسف بن أيوب- كان ممن اهتمّ بتحصيلهم، وأخوه الملك العادل، ثم ابنه الملك الكامل. وكانوا إذ ذاك لا يجلبهم التّجّار إلا خفية، ولا يقدرون على تحصيلهم إلا سرقة، لأن حماهم كان مصونا من التّجاهر ببيعهم، أو التطرق إليهم.
وأما السبب الموجب للاستيلاء عليهم، وبيعهم فى الأمصار- فهو أنه لما ظهر جنكزخان التمرجى، ملك التتار، واستولى على البلاد الشرقية
стр. 11591
والشمالية، وبثّ عساكره فى البلاد، فانتهوا إلى بلاد القفجاق واللّان «١» ، وأوقعوا بهم- على ما قدّمنا ذكره، فى أخبار الدولة الجنكزخانيّة- فبيعت ذرارى التّرك والقفجاق، وجلبها التجار إلى الأمصار.
ثم رجعت عنهم هذه الطائفة الذين ندبهم جنكزخان إليهم، فى سنة ست عشرة وستمائة- وهم التتار المغرّبة «٢» - وعادوا إلى ملكهم جنكزخان.
واستقرت طوائف الأتراك بأماكنهم من البلاد الشمالية. وهم أصحاب عمود «٣» ، لا يسكنون دارا، ولا يستوطنون جدارا، بل يصيّفون فى أرض ويشتّون بأخرى. وهم قبائل كثيرة فمن قبائلهم ما أورده الأمير ركن الدين بيبرس، الدّوادارى المنصورى، نائب السلطنة الشريفة كان- أحسن الله عقباه، وقد فعل، وعامله بألطافه فيما بقى من الأجل- فى تاريخه «٤» :
قبيلة طقصبا. وتيبا. وبرج أغلى. والبرلى، وقنغر أغلى. وأنجغلى.
ودروت. وقلابا أغلى. وجرثان. وقرا تركلّى. وكتن.
قال: ولم يزالوا مستقرين فى مواطنهم، قاطنين بأماكنهم، إلى سنة ست وعشرين وستمائة. فاتفق أن شخصا من قبيلة دروت يسمى منغوش بن
стр. 11592
كتن خرج متصيّدا، فصادفه شخص من قبيلة طقصبا اسمه آق كبك- وكان بينهما منافسة قديمة- فأخذه أسيرا، ثم قتله. وأبطأ خبر منغوش عن أبيه وأهله، فأرسلوا شخصا اسمه جلنغر لكشف خبره، فعاد إليهم وأخبرهم بقتله. فجمع أبوه أهله وقبيلته وساق إلى آق كبك. فلما بلغه مسيرهم نحوه، جمع أهل قبيلته وتأهب لقتالهم. فالتقوا واقتتلوا، وكان الظفر لقبيلة دروت، وجرح آق كبك وتفرق جمعه.
فعند ذلك أرسل أخاه أنص إلى دوشى خان بن جنكزخان- وكان أوكدى «١» ، وهو الملك يومئذ بكرسى جنكزخان «٢» ، قد ندبه إلى البلاد الشمالية- مستصرخا به، وشكا إليه ما حلّ بقومه من قبيلة دروت القبجاقيّة، وأعلمه أنه إن قصدهم لم يجد دونهم من يمانع. فسار إليهم فى عساكر، وأوقع بهم، وأتى على أكثرهم قتلا وأسرا وسبيا. فاشتراهم عند ذلك التجار، ونقلوهم إلى البلاد والأمصار.
وأما أول من استكثر منهم وتغالى فيهم، وقدّمهم على العساكر، فهو الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل.
وقد ذكرنا فى أخبار الدولة الكاملية- فى سنة سبع وعشرين وستمائة- أن الملك الكامل اتصل به أن ابنه الملك الصالح ابتاع ألف مملوك، وأنه توثّب على الملك، فنقم عليه وأخرجه من الديار المصرية.
стр. 11593
فلما أفضت السلطنة إليه، استكثر منهم، وأمرهم وقدّمهم على العساكر. فكانوا فى خدمته، إلى أن مات. وملك بعده ابنه الملك المعظم تورانشاه، فعاملهم بما يكرهونه. وبذل لسانه فيهم، وتواعدهم، فحملهم ذلك على قتله، وطلب الملك لأنفسهم. وكان ما ذكرناه من إقامة شجر لدّرّ، وخلعها.
فلنذكر ملوك دولة الترك:
стр. 11594
أول من ملك من ملوك هذه الدولة: السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى
وليس بتركمانى، وإنما هى نسبة إلى أولاد التركمانى، لأنه كان عند أحدهم، ثم ملكه الملك الصالح نجم الدين أيوب. وهو تركىّ الجنس.
ملك الديار المصرية، فى يوم السبت التاسع والعشرين من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وأربعين وستمائة. وأقام معه فى السلطنة الملك الأشرف مظفر الدين موسى، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، بن الملك المسعود صلاح الدين يوسف، بن الملك الكامل، وأجلسه على كرسى السلطنة فى يوم الأربعاء- ثالث جمادى الأولى، سنة ثمان وأربعين. وركب وشقّ المدينة فى يوم الخميس- وكان عمره نحو ست سنين.
وكانت المناشير والتّواقيع والمراسم تخرج عن الملكين، وليس للأشرف معه إلا مجرد التسمية، والأمر للملك المعزّ. ولم يزل كذلك، إلى أن قتل الأمير فارس الدين أقطاى فى سنة اثنتين وخمسين- على ما نذكره.
فاستقل حينئذ بالملك. وكان الملك الأشرف فى هذه المدة قد حجب عن الناس، واسمه قائم دون شخصه.
стр. 11595
ذكر الحرب الكائنة بين الملك المعز والملك الناصر صاحب الشام، وانتصار المعز
وفى سنة ثمان وأربعين وستمائة، كانت الحرب بين السلطان الملك المعزّ وبين الملك الناصر- صاحب الشام.
وسبب ذلك أن الملك الناصر، لما استولى على دمشق فى هذه السنة- كما قدّمنا فى أخباره- أشار عليه أتابكه- شمس الدين لؤلؤ- والأمراء القيمرية، بقصد الديار المصرية. فسار من دمشق. واتصل خبره بالملك المعز، فخرج إليه بعساكر الديار المصرية. والتقيا على منزلة الكراع، بالقرب من الخشبى «١» .
واقتتل العسكران، فى يوم الخميس، العاشر من ذى القعدة من السنة.
فكانت الهزيمة على العسكر المصرى. ووصلت طائفة من العسكر المصرى إلى القاهرة. ومنهم من فرّ إلى جهة الصعيد. وثبت الملك المعز، واختار من عسكره ثلاثمائة فارس، وحمل بهم على صناجق الملك الناصر، طمعا أن يكون بجهتها فيظفر به. وكان الملك الناصر تحيّز إلى فئة، واعتزل المعركة خوفا على نفسه، واحتياطا لها. فلما عاين حملة الملك المعز، وشاهد إقدامه، انهزم، ورجع إلى الشام- كما تقدم.
стр. 11596
وساقت الأمراء العزيزيّة- مماليك والده- بأطلابهم «١» إلى خدمة الملك المعزّ، ودخلوا فى طاعته، وهم: الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى، والأمير شمس الدين أقش البرلى، والأمير شمس الدين أقش الحسامى، وأمثالهم. وكان سبب انصرافهم عن سلطانهم الملك الناصر أنه أضافهم، يوم الحرب، إلى طلب «٢» الأمير شمس الدين لؤلؤ- أتابكه- فعزّ ذلك عليهم، وفارقوا خدمة الملك الناصر.
قال: واجتمع الأمراء القيمريّة، وغيرهم، إلى شمس الدين لؤلؤ، وهنّوه بالنصر على زعمهم- وتفرقت جماعتهم فى طلب المكاسب. فلم يبق معهم من مماليكهم إلا نفر قليل. فصادفهم الملك المعزّ بمن معه من عسكره، فقاتلهم. فقتل شمس الدين لؤلؤ، وجماعة من الأمراء القيمرية، وهم: حسام الدين، وصارم الدين، القيمريّان، وسعد الدين الحميدى، ونور الدين الزّرزارى، وجماعة من أعيان مماليك الملك الناصر.
وقتل أيضا تاج الملوك، بن الملك المعظم تورانشاه.
وأسر جماعة، وهم: الملك الصالح بن العادل سيف الدين أبى بكر ابن أيوب. ثم قتله الملك المعز فى سنة تسع وأربعين، ودفنه بالقرافة. وأسر أيضا الملك المعظم تورانشاه، بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وأخوه نصرة الدين، والملك الأشرف صاحب حمص، وشهاب الدين بن حسام الدين القيمرى، وغيرهم.
стр. 11597
وأما بقية الأمراء الناصرية، فانهم ما علموا بشىء من ذلك. بل ساقوا خلف من انهزم من العسكر، إلى أن وصلوا إلى العبّاسة «١» وخيّموا بها. ثم بلغهم الخبر فرحلوا بمكاسبهم وأثقالهم. قال: ولما انتصر الملك المعز، وقتل من قتل، وأسر من أسر، ساق إلى العبّاسة ليلتحق بعساكره.
فرأى دهليز الملك الناصر وعساكره قد خيم على العبّاسة، فعرّج عن طريقها.
وسار على طريق العلاقمة «٢» إلى بلبيس فلم يجد بها من العسكر أحدا. وبلغه أن منهم من دخل إلى القاهرة، ومنهم من انهزم إلى الصعيد. فنزل على بلبيس بمن كان معه، إلى أن تحقق عود من سلم من العسكر الشامى. وعاد الملك المعز إلى قلعة الجبل، مؤيدا منصورا.
قال: ولما طلع إلى القلعة، وجد جماعة من الأمراء المعتقلين بها، لمّا بلغهم وصول المنهزمين من العسكر المصرى، ظنوا أن الهزيمة تستمر، فخطبوا للملك الناصر على منبر الجامع بالقلعة، فى يوم الجمعة حادى عشر ذى القعدة من السنة. فعظم ذلك على الملك المعز، وشنق الأمير ناصر الدين إسماعيل بن يغمور الصالحى، وأمين الدولة وزير الملك الصالح، على شراريف قلعة الجبل- وكانا من جملة المعتقلين بها- ومن أشار بالخطبة للملك الناصر. ثم أخرج جميع من دخل إلى القاهرة من العسكر الناصرية، وأعادهم إلى دمشق على دوابّ- وكانوا ثلاثة آلاف نفس- ولم يركب أحدا منهم فرسا، إلا نور الدين بن الشجاع الأكتع، وأربعة من مماليك الملك الناصر.
стр. 11598
واستهلّت سنة تسع وأربعين وستمائة:
فى هذه السنة، خرج الملك المعز بعساكر الديار المصرية، لقصد الملك الناصر، فنزل على أمّ البارد عند العبّاسة. واتصل ذلك بالملك الناصر، فجهز العسكر الشامى إلى غزّة، ليكون قبالة العسكر المصرى. وأقام العسكران فى منازلهما ستين يوما. ونزل الملك الناصر على غمّتا من الغور، وخيّم عليها. وأقام بعسكره ستة أشهر.
وفيها فى شعبان، عزل قاضى القضاة: عماد الدين أبو القاسم إبراهيم ابن هبة الله بن إسماعيل بن نبهان بن محمد، الحموى، المعروف بابن المقنشع- عن القضاء بمصر والوجه القبلى. وأضيف ذلك إلى قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى. فاجتمع له الآن قضاء القضاة بالمدينتين، والوجهين القبلى والبحرى، ولم يجتمعا له قبل ذلك.
وفيها، قصد الأمير جمّاز بن شيحة المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- وقبض على أخيه عيسى، وأقام بالمدينة.
وفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام العالم بهاء الدين على بن سلامة بن المسلم بن أحمد، بن على اللّخمى المصرى، المعروف بابن الجمّيزى.
وكان إماما فاضلا، عالما بمذهب الإمام الشافعى. وأخذ العلم عن الشيخ شهاب الدين محمد الطّوسى، وعن محمد بن يحيى، وشرف الدين بن أبى عصرون. وتفقّه بالشام، وقرأ القرآن على جماعة منهم الشاطبى
стр. 11599
والبطايحى. وسمع الحديث الكثير، ورواه. سمع شهدة «١» ببغداد.
والحافظ السّلفى بمصر. وأجيز بالفتيا فى سنة خمس وسبعين وخمسمائة. وهو سبط الفقيه أبى الفوارس الجمّيزى.
وكان دمث الأخلاق، كريم النفس، قل أن يدخل إليه أحد إلا وأطعمه وكان يخالط الملوك، ويعظّمونه. ولم يزل كذلك إلى أن حج فى سنة خمس وأربعين وستمائة. فأهدى له صاحب اليمن هدية بمكة.
فقبلها. فأعرض عنه الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وكانت وفاته بمصر فى ليلة الخميس، رابع عشر ذى الحجة. ودفن يوم الخميس بالقرافة، قريبا من روزبهان. ومولده يوم النحر سنة تسع وخمسين وخمسمائة- رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الفقيه الشيخ، الرّياضى، علم الدين قيصر: بن أبى القاسم بن عبد الغنى بن مسافر، الحنفى المصرى، المعروف بتعاسيف. كان إماما فى علوم الرياضة، وفى فنون كثيرة.
وكانت وفاته بدمشق، فى يوم الأحد ثالث عشر شهر رجب. ودفن خارج باب شرقى، ثم نقل إلى الباب الصغير. ومولده سنة أربع وسبعين
стр. 11600
وخمسمائة، بأصفون من أعمال مدينة قوص، من الصّعيد الأعلى بالديار المصرية «١» . وأصفون بلدة مشهورة هناك.
وفيها، توفى الصاحب الوزير: جمال الدين أبو الحسين يحيى، بن عيسى بن إبراهيم بن الحسين بن على بن حمزة بن إبراهيم، بن الحسين- بن مطروح.
من أهل صعيد مصر، ونشأ هناك. وأقام بمدينة قوص مدة. وتنقلت به الأحوال فى الخدم والولايات. ثم اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، فى نيابته عن أبيه السلطان الملك الكامل بالديار المصرية.
وانتقل فى خدمته عند توجهه إلى بلاد الشرق، فى سنة تسع وعشرين وستمائة. ولم يزل هناك إلى أن ملك الملك الصالح الديار المصرية، فوصل إلى خدمته، فى أوائل سنة تسع وثلاثين وستمائة. فرتّبه ناظر الخزانة.
ثم نقله إلى دمشق، لما ملكها ثانيا، من عمه الملك الصالح إسماعيل، وجعله وزيرا وأميرا. واستمر إلى أن وصل السلطان الملك الصالح إلى دمشق فى شعبان سنة ست وأربعين وستمائة، فعزله عن الوزارة وسيّره مع العسكر لحصار حمص. ثم عاد فى خدمة السلطان الى الديار المصرية، وأقام معه بالمنصورة- وقد تغيّر عليه لأسباب اتصلت به عنه- ومع ذلك فلم يزل يلازم الخدمة. إلى أن مات السلطان الملك الصالح بالمنصورة. فجاء إلى مصر، وأقام بداره إلى أن مات.
стр. 11601
وكان حسن الأخلاق. وله ديوان شعر وكانت وفاته بمصر فى ليلة الأربعاء، مستهلّ شعبان، سنة تسع وأربعين وستمائة. ودفن بسفح المقطم.
ومولده بمدينة سيوط من صعيد مصر، فى يوم الإثنين ثامن شهر رجب، سنة اثنتين وتسعون وخمسمائة- رحمه الله تعالى.
واستهلّت سنة خمسين وستمائة:
والاختلاف بين الملكين: الناصر- صاحب دمشق والشام- والمعزّ صاحب الديار المصرية- على حاله، والعساكر من الطائفتين مجرّدة، كل طائفة معتدّة للأخرى. ولم يكن فيها من الأخبار ما نذكره.
واستهلّت سنة إحدى وخمسين وستمائة: ذكر الصلح بين الملكين: المعز والناصر
قال: ولم تزل الفتنة بين الملكين: المعز والناصر قائمة، إلى أن وصل الشيخ نجم الدين البادرائى رسول الخليفة، فسعى فى الصلح بينهما.
فوقع الاتفاق: على أن يأخذ الملك المعز من الملك الناصر القدس وغزة، وجميع البلاد الساحلية- إلى حدود نابلس. واستحلف الشيخ نجم الدين الملكين على ذلك. فتم الصلح بينهما وانتظم.
стр. 11602
وأفرج الملك المعز عن الملك المعظم صلاح الدين يوسف بن أيوب، والملك الأشرف صاحب حمص، وأولاد الملك الصالح عماد الدين إسماعيل، وغيرهم. من الأمراء الذين كانوا قد أسروا فى المصافّ، الكائن فى سنة ثمان وأربعين وستمائة، وذلك فى المحرم من هذه السنة.
وفى هذه السنة، لثلاث خلون من شعبان، قتل أبو سعد: الحسن بن على بن قتادة- صاحب مكة- شرّفها الله تعالى.
واستهلّت سنة اثنتين وخمسين وستمائة:
ذكر خبر عربان الصعيد، وتوجه الأمير فارس الدين أقطاى إليهم وإبادتهم
كان من خبر العربان بالصعيد، أنه لما اشتغل الملك الصالح نجم الدين أيوب وعساكره بقتال الفرنج بالمنصورة، وحصل ما قدّمنا ذكره: من وفاته، ومقتل ولده الملك المعظّم، واشتغال الملك المعز بحرب الملك الناصر، وتجريد الجيوش إلى جهتة، وعدم الالتفات إلى غير ذلك- تمكن العربان بهذه الأسباب من البلاد، وكثر شرّهم، وزاد طغيانهم وبغيهم.
وحصل لأهل البلاد منهم، من أنواع الأذى ونهب الأموال والتعرض إلى الحريم، وأمثال ذلك، ما لا حصل من الفرنج أكثر منه.
стр. 11603
واجتمعوا على الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفرى «١» وأطاعوه ظاهرا، وانقادوا له. إلا أنه لا يستطيع دفعهم عن كل ما يقصدونه من أذى. وأخذ أموالهم، وكثرت جموعهم معه، حتى زادوا على اثنى عشر ألف فارس، وستين ألف راجل، بالسلاح والعدد.
فلما تم الصلح بين الملكين، وتفرغ وجه السلطان الملك المعز من جهة الشام، صرف فكرته إلى جهتهم، وانتدب لحربهم الأمير فارس الدين أقطاى. واستشار الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى فى عدّة العسكر الذى يقوم بحربهم، فأشار بانتخاب ألفى فارس من العسكر، والتزم أنه يفرّق بهذه العدة جموعهم، ويبيدهم بها.
فانتخب الأمير فارس الدين هذه العدّة من العسكر، وتوجه بهم- وصحبته الأمير عز الدين المذكور- وتوجه إلى جهة الصعيد، وقصد العربان. وكانوا قد اجتمعوا بمكان يسمى الصّلعا «٢» بمنشاة إخميم، فى البر الغربى- وهى أرض وسيعة، تسع عدّتهم. فساق الأمير فارس الدين ومن معه من العسكر، من جهة الحاجز بالبر الغربى، سوقا عظيما، ما سمع الناس بمثله، وانتهى إليهم فى ثلاث علايق- وهذه المسافة لا يستطيع البريد أن يصل إليها فى مثال هذه المدة، إلا إن أجهد نفسه.
стр. 11604
وطلع عليهم فى صبح اليوم الرابع، ودهمهم بغتة بهذا المكان. فلما شاهد كثرتهم، كاد يقف عن ملاقاتهم، وأنكر على الأمير عز الدين، وقال: لقد غششتنا، فإن هذه العدّة التى معنا لا تقوم بهذه الجموع الكثيرة.
فقوّى نفسه، وقال: أنا أعرف هؤلاء، وهذه بلاد ولايتى. وحمل عليهم، ورمتهم العسكر بالنّشّاب، فما كان السّهم يقع إلا فى أحدهم. فما كان بأسرع من أن انهزموا أقبح هزيمة، وأخذهم السيف. وتفرقت تلك الجموع، واختفوا، وغيّروا لباسهم. وقتل منهم فى المعركة والطّلب خلق كثير.
ولما عاين الشريف حصن الدين انهزام أصحابه، بادر بالهزيمة.
وحمل معه ألف دينار، واستصحب حظيّة له، وتوجه إلى الوجه القبلى. ثم قبض عليه بعد ذلك- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. وعاد الأمير فارس الدين إلى القاهرة بعسكره، ومعه جماعة من العربان، من جملتهم: ابن عم الشريف حصن الدين بن ثعلب، فشنق تحت قلعة الجبل. ثم قتل الأمير فارس الدين أقطاى، فى هذه السنة.
ذكر خبر الأمير فارس الدين أقطاى، وما كان من أمره إلى أن قتل
كان الأمير فارس الدين أقطاى، الجمدار «١» الصالحى، قد استفحل أمره فى الدولة المعزّيّة بالديار المصرية، وقويت شوكته فى سنة إحدى وخمسين وستمائة.
стр. 11605
وانضم إليه الأمراء البحريّة واعتضد بهم. وتطاول، إلى أن خطب ابنة الملك المظفّر صاحب حماه. وكان الرسول فى ذلك الصاحب فخر الدين محمد، بن الصاحب بهاء الدين على- قبل وزارة والده- فأجيب إلى ذلك.
وعقد النكاح، وحملت إليه، فوصلت إلى دمشق. وقتل، قبل وصولها إليه. ولما تزوج بها زادت نفسه قوة، وعظّمه الأمراء، وخفّضوا من جانب الملك المعز، وألان الملك المعزّ جانبه له، ولهم.
واستمر الأمر على ذلك إلى سنة اثنتين وخمسين وستمائة. فامتدت أطماعه إلى صلب ثغر الإسكندرية، إقطاعا، فلم يمكن الملك المعز مخالفته، لقوة شوكته. وتطاول البحريّة، واشتطوا فى طلب الإقطاعات والزيادات.
واتصل بالملك المعز أنهم يدبّرون عليه، وأنهم قد عزموا على الوثوب، فبادر عند ذلك بالتدبير والاحتياط.
ولما كان فى يوم الإثنين- حادى عشر شعبان، من هذه السنة، استدعاه السلطان على العادة، وكمن له عدّة من مماليكه، بقاعة الأعمدّة.
وقرر معهم أنه إذا عبر إليه يغتالوه. فحضر فى نفر يسير، ثقة منه واسترسالا، واطّراحا لجانب السلطان، وأنه لا يجسر أن يقدم عليه، ولم يشعر به خوشد اشيّته «١» . فلما قرب، منع مماليكه من الدخول معه، ووثب عليه المماليك المعزّية فقتلوه
стр. 11606
وحكى عن عز الدين أيبك الفارسى- أحد مماليكه- فى خبر مقتله، قال: كان قد ركب إلى قلعة الجبل فى يوم مقتله، واجتمع بالسلطان، وطلب منه أن ينعم على بعض البحرية بمال. فاعتذر الملك المعز أن الخزائن قد خلت من الأموال، وقال له: توجّه بنا إلى الخزانة لنشاهدها، ونتحقق حالتها. فتوجها جميعا إلى الخزانة من جهة الدّور. وإنما فعل المعز ذلك، لأن الوصول إلى الخزانة من جهة الدور حرج «١» المسلك، ويمرّ المارّ على بعض قاعات الحريم، فلا يمكن استصحاب الكثير من المماليك. وكان الملك المعز قد كمن فى عطفة من عطفات الدهاليز مملوكه الأمير سيف الدين قطز- ومعه عشرة من المماليك المعزّيّة، من ذوى القوة والإقدام. فلما وصلوا إلى ذلك المكان، تأخر السلطان: واسترسل الأمير فارس الدين على ما هو عليه، وتقدم إلى المكان. فوثبوا عليه، وقتلوه. قال: وأمر الملك المعز بغلق قلعة الجبل، فغلقت.
وركب مماليكه وحاشيته- وكانوا نحو سبعمائة فارس- وجماعة من البحرية، وقصدوا قلعة الجبل، وظنوا أنه قد قبض عليه، ليطلقوه. فلما صاروا تحت القلعة، أمر السلطان بإلقاء رأسه إليهم، من أعلى السور فعلموا
стр. 11607
فوات الأمر فيه، فتفرقوا. وكانت هذه الواقعة شبيهة بواقعة عمرو بن سعيد الأشدق مع عبد الملك بن مروان «١» . وتفرّق شمل البحريّة لمقتله، وانتشر نظامهم. وكان من خبره ما نذكره.
ولما قتل الأمير فارس الدين أقطاى، وهرب البحرية ومماليكه، ركب السلطان الملك المعزّ بشعار السّلطنة بالقاهرة. وذلك فى يوم الأحد، سابع عشرين شعبان المذكور. وجهّز الملك الأشرف، الذى كان قد شركه معه فى الملك إلى دمشق- فى هذا الشهر. واستقلّ بالسلطنة. وانفرد بالأمر، بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى.
ومن المؤرخين من جعل هذا التاريخ ابتداء سلطنة الملك المعز، وجعله فيما مضى أتابكا للملك الأشرف مظفر الدين موسى. إلا أن الأمر منذ خلعت شجر الدر نفسها، كان للملك المعز، مع تمكّن الأمير فارس الدين أقطاى من الدولة وتحكّمه.
وفى هذه السنة، أقطع الأمير جمال الدين أيد غدى العزيزى دمياط- زيادة على إقطاعه- وكان متحصّلها يومئذ ثلاثين ألف دينار.
стр. 11608
وفيها، عزل قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى، عن تدريس المدرسة الصالحية، بالقاهرة المعزّيّة. وفوض ذلك لشيخ الاسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام. وتوجه قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى الى الحجاز الشريف، من جهة البحر، وعاد فى البر.
وفى هذه السنة، وصلت الأخبار من مكة- شرفها الله تعالى- أن النار ظهرت من بعض جبال عدن، وأن شررها يطير فى الليل ويقع فى البحر، ويصعد منها دخان عظيم فى النهار. فظن الناس أنها النار التى أخبر رسول الله ﷺ أنها تظهر فى آخر الزمان، وهى من أشراط «١» الساعة.
فتاب الناس، وأقلعوا عما كانوا عليه من الظلم والفساد، وشرعوا فى أفعال الخير والصّدقات.
ذكر أخبار الأمراء البحرية، وما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى
قد رأينا أن نذكر أخبار الأمراء البحريّة فى هذا الموضع- متتابعة- من حين هربهم، ولانقطعها بالسنين، لتكون أخبارهم سياقة يتلو بعضها بعضا.
كان من خبرهم، أنه لما شاع الخبر بمقتل الأمير فارس الدين أقطاى، واتصل ذلك بالأمراء خوشداشيّته- وفيهم الأمير ركن الدين البندقدارى،
стр. 11609
والأمير سيف الدين قلاوون الألفى، والأمير شمس الدين سنقر الأشفر.
والأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى، والأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، والأمير سيف الدين سكر، والأمير عز الدين أزدمر السّيفى، والأمير سيف الدين سنقر الرّومى، والأمير سيف الدين بلبان المستعربى، والأمير سيف الدين برامق، وغيرهم من الأمراء، ومن انضم إليهم من خوشداشيهم- خرجوا من القاهرة ليلا، وأحرقوا باب القراّطين، وتوجهوا إلى الشام.
واعتقل السلطان- الملك المعزّ- من بقى منهم بالقاهرة.
وتوجه الذين خرجوا من القاهرة حتى نزلوا غزّة، وكاتبوا السلطان الملك الناصر صاحب الشام، وسألوه أن يأذن لهم فى الوصول إليه، فأجابهم إلى ذلك. ووصلوا إليه، فأنعم عليهم بالأموال والخلع، وأقطعهم الإقطاعات. وأقاموا عنده يحرّضونه على قصد الديار المصرية، فما وثق بهم. وكان الملك المعز قد كتب إليه وخيّله منهم، وأوهمه: فطلب الملك الناصر من الملك المعز القدس وجميع البلاد الساحلية- التى كان قد أخذها منه عند وقوع الصلح- بحكم أنها كانت جارية فى إقطاع البحرية، وأنهم انتقلوا إلى مملكته، واستقروا فى خدمته، فأعادها الملك المعزّ إليه. فأمّر الملك الناصر كل من له إقطاع فى هذه البلاد على إقطاعه، وكتب مناشير بذلك. وأقاموا فى خدمته إلى سنة خمس وخمسين وستمائة.
ثم فارقوه، لما رأوه من ضعف رأيه، وتوجهوا إلى نابلس. وقصدوا الملك المغيث صاحب الكرك، فوصلوا إلى خدمته- فى عاشر شوال- فقبلهم وأكرمهم فالتمسوا منه المساعدة على قصد الديار المصرية، وأوهموه أن الأمراء بالديار المصرية كانبوهم، وراسلوهم فى ذلك. فجمع الملك
стр. 11610
المغيث من قدر عليه، وسار بهم وبسائر البحرية- وذلك فى سلطنة الملك المنصور نور الدين، بن الملك المعز. فخرج إليهم الأمير سيف الدين قطز المعزّى بالعساكر المصرية، والتقوا واقتتلوا- فى يوم السبت الخامس والعشرين، من ذى القعدة، سنة خمس وخمسين وستمائة. فانكسر الملك المغيث، ومن معه من البحرية. واستولى العسكر المصرى على أثقالهم.
وقتل: الأمير عز الدين الرّومى الصالحى، وسيف الدين الكافورى، وبدر الدين إيغان الأشرفى. وأسر الأمير سيف الدين قلاوون الألفى، والأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى.
ولما أسر الأمير سيف الدين قلاوون، ضمنه الأمير سيف الدين قيزان المعزّى أستاذ الدار السلطانية، فما تعرض إليه أحد. وأقام بالقاهرة برهة يسيرة. ثم تسحب واختفى بالحسينيّة، عند الأمير سيف الدين قطليجا الرومى. وقصد اللحاق بخوشداشيّته، فزوّده وجهّزه، فتوجه إلى الكرك.
ثم فارق البحريّة الملك المغيث، وتوجهوا نحو الغور «١» . فصادفهم الأمراء الشّهرزوريّة «٢» ، عندما جفلوا من بلاد الشّرق. فاجتمع البحرية بهم، وتزوج الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى- وهو الملك الظاهر- منهم. فبلغ الملك الناصر ذلك، فجهز جيشا لقتالهم، فالتقوا بالغور،
стр. 11611
واقتتلوا. فانهزم العسكر الناصرى. فغضب الملك الناصر لذلك، وخرج بنفسه إليهم. فعلموا عجزهم عن مقابلته، فتوجهوا إلى الملك المغيث بالكرك، وتوجه الشّهرزوريّة إلى الديار المصرية.
واتّفق للأمير ركن الدين البندقدارى مع الملك المغيث حكاية عجيبة. وهو أنه كان فى يده نتوء فى اللحم شبه خرزة، فجلس فى بعض الأيام بين يدى الملك المغيث- وقد أتى بلوز أخضر وعسل، فجعل يفرك اللّوز على العسل- فنظر الملك المغيث إلى النتوء الذى فى يده، فقال:
ما هذا يا ركن؟ قال: هذه خرزة الملك! فتغير وجه الملك المغيث، وعلم جرأته. وقصد قتله، ثم تركه. أخبرنى بذلك المولى شرف الدين أبو الروح، عيسى بن الملك المغيث، عمن حضر هذه الواقعة وسمع ذلك من لفظهما.
قال المؤرخ: ولما بلغ الملك الناصر عود البحرية إلى خدمة الملك المغيث، كتب إليه يطلب منه تسليمهم، ويهدده إن لم يفعل. فدافع عنهم.
فسار الملك الناصر بنفسه، ونزل ببركة زيزا «١» ، وعزم منازلة الكرك- إن أصر الملك المغيث على الامتناع من تسليمهم إليه.
وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى قد تخيّل «٢» من الملك المغيث، للحكاية التى قدمناها. فأرسل إلى السلطان الملك الناصر الأمير بهاء الدين أمير أخور ليلا «٣» ، يطلب منه الإذن فى حضوره إلى خدمته، ومفارقة
стр. 11612
الملك المغيث، وأن يستحلفه له ولجماعة معه أن لا يغدر بهم، وأن يكون السفير فى ذلك الأمير عماد الدين بن المجير. فأجاب الملك الناصر إلى ذلك.
فبعث إليه الأمير ركن الدين الشيخ يحيى، برسالة، مضمونها: أن يحلف له ولعشرين من أصحابه، وأن يقطعه خبز مائة فارس، وشرط أن تكون قصبة نابلس وجينين «١» وزرعين «٢» مما يقطعه له. فأجاب إلى نابلس لا غير، وحلف له.
فقدم الأمير ركن الدين إلى الملك الناصر، فى العشر الأول من شهر رجب- وصحبته الجماعة الذين حلف لهم، وهم: الأمير بدر الدين بيسرى الشّمسى، والأمير سيف الدين أتامش المسعودى، والأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى، وجمال الدين أقش الرّومى، وسيف الدين بلبان الدّاودار، وعلاء الدين كشتغدى الشّمسى، وحسام الدين لاجين الدّوادار، المعروف بالدّرفيل، وعلاء الدين أيدغمش الحكيمى، وعلاء الدين كستغدى المشرفى، وعز الدين أيبك الشيخ، وركن الدين بيبرس خاص ترك الصغير، وسيف الدين بلبان المهرانى، وعلم الدين سنجر الأسعدى، وعلم الدين سنجر الهمامى، وشمس الدين أباز الناصرى، وشمس الدين طمان، وعز الدين أيبك العلائى، وحسام الدين لاجين
стр. 11613
الشّقيرى، وسيف الدين بلبان الأقسيسى، وعلم الدين سلطان الألدكزى- فأكرمهم الملك الناصر، ووفى لهم، وخلع عليهم وأحسن إليهم، وأقطعهم.
ثم أمسك الملك المغيث من بقى عنده من البحرية، وسيّرهم إلى الملك الناصر، وهم: الأمير سيف الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين سكز، والأمير سيف الدين برامق- فأرسلهم الملك الناصر إلى قلعة حلب، واعتقلهم بها. حتى استولى هولاكو على حلب، فأفرج عنهم وأضافهم إلى عسكره.
وبقى الأمير ركن الدين البندقدارى، والأمير سيف الدين قلاوون، وغيرهما، ممن لم يمسك من خوشداشيّتهما، فى خدمة الملك الناصر، إلى أثناء سنة ثمان وخمسين وستمائة. ففارقوه، لما ملك التتار حلب، وعلموا عجزه عن ملاقاتهم، ففارقوه وتوجهوا إلى غزّة.
وكان للبحرية فى بعض هذه المدة أحوال يطول شرحها، حتى أعوزهم القوت فى بعض الأوقات. ثم اجتمعوا بعد مفارقة الملك الناصر، وتوجهوا إلى خدمة الملك المظفر سيف الدين قطز، وشهدوا معه حرب التتار- على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فى موضعه.
فلنرجع إلى سياقة أخبار الملك المعز.
стр. 11614
واستهلّت سنة ثلاث وخمسين وستمائة:
ذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم وخروجه عن الطاعة، وتجريد العسكر إليه وإلى من وافقه، وانتقاض أمره
كان الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى أقام فى البلاد، بعد أن هزم الأمير فارس الدين أقطاى الصالحى العرب- كما تقدم- وتأخر هو لتمهيد البلاد.
فلما قتل الأمير فارس الدين أقطاى، تظاهر بالعصيان، واستولى على الأعمال القوصيّة- بموافقة متولّيها الأمير ركن الدين الصّيرمى. واستولى أيضا على الأعمال الإخميميّة والأسيوطيّة، وقطع الحمول عن بيت المال بقلعة الجبل من هذه الأعمال، واقتطع الأموال لنفسه. ووافقه الشريف حصن الدين بن ثعلب.
فندب السلطان العساكر لذلك، وقدّم عليها الصاحب شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزى. فتوجه إلى جهة الصعيد، وظفر بالشريف حصن الدين بن ثعلب. فأحضره إلى السلطان، فاعتقله بقلعة الجبل، ثم نقله إلى ثغر الإسكندرية، واعتقله هناك. فلم يزل فى الاعتقال، إلى أن شنقه السلطان الملك الظاهر ركن الدين- على ما نذكره
стр. 11615
وأما الأمير عز الدين الأفرم، فإنه [] «١» وأما الأمير ركن الدين الصّيرمى- متولّى الأعمال القوصية- فإنه كان قد ظن أنه يستبدّ بالأمر، ويستولى على البلاد ويستمر له ذلك، وتخيّل ذلك بذهنه. فلما انتقض عليه هذا الأمر، تحيّل فى الهرب، وتوجه إلى دمشق. والتحق بخدمة السلطان الملك الناصر.
وكان وصوله إلى دمشق فى جمادى الآخرة، سنة أربع وخمسين وستمائة- بعد أن نهبت أمواله، وقتلت رجاله. ولما وصل، أنزل بالمدرسة العزيزيّة «٢» على الشّرف الأعلى، فقال للفقهاء: اعذرونى، فأنتم اخلوا لى الجوسق الذى على الميدان، وما أنتقل إليه إلا بطالع. وأحضر المنجمّ، وأخذ له الطالع، وانتقل إلى الجوسق. فاستقل الناس عقله.! فإنه وصل من النهب والهرب، والشّتات وقتل الرجال، وهو يتمسك بالطوالع وأقوال المنجّمين.
стр. 11616
واستهلّت سنة أربع وخمسين وستمائة:
ذكر تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضى: تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف
فى هذه السنة، فوّض السلطان- الملك المعز- قضاء القضاة بمصر والوجه القبلى، لقاضى القضاة: تاج الدين عبد الوهاب، بن القاضى الأعزّ خلف، بن محمود بن بدر العلامى «١» - وهو المعروف بابن بنت الأعزّ.
وكتب له تقليد شريف معزّى، تاريخه تاسع شهر رمضان. وكان ذلك جاريا «٢» فى ولاية قاضى القضاة: بدر الدين يوسف السّنجارى.
فاستقر القاضى بدر الدين- قاضى القضاة- بالقاهرة والوجه البحرى.
ثم فوّض ذلك، فى بقية هذا الشهر، لقاضى القضاة تاج الدين- المشار إليه- بتقليد تاريخه لثمان بقين من شهر رمضان من السنة. فكمل له بهذه الولاية قضاء القضاة بالمدينتين، والعملين القبلى والبحرى، وسائر أعمال الديار المصرية. وعزل قاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى عن القضاء.
стр. 11617
وقد شاهدت تقليدى قاضى القضاة تاج الدين. ونسخة التقليد الأول- بعد البسملة، ومثال العلامة المعزية:- «حسبى الله. الحمد لله مقيم منار الشريعة الهادية، وناشر أعلامها.
ورافع محلّها على الشرائع ومعلى مقامها. وهادى الخليقة إلى اتباع أقضيتها وأحكامها. وناصر دينه باتّساقها وانتظامها. ومشيد أركانها بصالحى أئمّتها وحكامها، وجاعلهم أئمة يهدون بأمره فى نقض الأمور وإبرامها. وصلّى الله على سيدنا محمد، خاتم الرسل وإمامها. ومنير الملّة بعد إظلامها. وعلى آله وأصحابه، نجوم سماء المعارف وبدور تمامها- صلاة لا تنقطع مادة دوامها، ولا يأتى النّفاد على لياليها وأيامها.
أما بعد. فإنا لما فوّض الله إلينا من أمور بريّته، واستحفظنا إياه من تدبير خليقته، وآتانا بقدرته من اليد الباسطة، وجعلنا بينه وبين عقد خلقه الواسطة، ومنحناه من السلطان والتّمكين، وخصّنا به من الفضل المبين- لا نزال من حسن التدبير فى تصعيد وتصويب، ومن مصالح الإسلام فى تمهيد وترتيب، ومن الرأى الأصيل فى خبب وتقريب «١» ، عالمين بأن الله تعالى يسأل كلّ راع عما استرعاه، وكلّ ساع عما سعاه، ويحاسبه عليه يوم رجعاه، ويجد عمله مكتوبا مسطّرا، وتجد كلّ نفس ما عملت من خير محضرا- وكان أولى الأمور بالنظر، وأحقّها أن يصان صفوها عن الكدر،
стр. 11618
منصب الشريعة، الذى هو ملاك الدين وقوامه، وانتظام الإسلام والتئامه، والطريق التى فرض الله اتباعها على خلقه، والسبيل التى من فارقها فقد خلع ربقة «١» الإسلام من عنقه-.
ارتدنا لهذا المنصب الشريف من يرعاه ويصونه، وتجرى على يده حياطته وتحصينه. ونظرنا فيمن يقع عليه سهم الاختيار، ويظهر جوهره الابتلاء والاختبار. فكان المجلس السامى القاضى الأجلّ، الإمام الصدر، الفقيه الكبير العالم العامل الفاضل، الأعزّ المرتضى، الورع الكامل المجتبى، الأشرف السعيد، تاج الدين جلال الإسلام، مفتى الأنام، شمس الشريعة، صدر العلماء، قاضى القضاة، سيد الحكام، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب بن القاضى الأجل، الفقيه العالم الأعز، أبى القاسم خلف- أدام الله تأييده وتمكينه، ورفعته وتمهيده، وقرن بالنّجح قصوده- طلبتنا المنشودة، وإرادتنا المقصودة. لما جمع الله فيه من الخلال الفاخرة، والديانة الجامعة لخير الدنيا والآخرة، والعلم الذى أمسى به للهداة علما، وعلى أئمة وقته مقدّما. وأصبح كل مانع إليه مسلّما. وراح بقداح الفضائل فائزا، ولكنوز العلوم الشريفة حائزا. فهو فقيه مصره، لا،
стр. 11619
بل فقيه عصره. وبكّار «١» زمانه علما وورعا، وسوّار «٢» وقته تقمّصا بالتقوى وتدرّعا.
قدّمنا خيرة الله تعالى، وولّيناه قضاء القضاة وحكم الحكام، بمصر المحروسة، وجميع الوجه القبلى: من البرّين الشرقى والغربى، إلى منتهى ثغر عيذاب «٣» ، وما يجاوره- من حدود مملكتنا، وبلاد دعوتنا، وجميع ما فى هذه الولاية من المدارس وأوقافها، وكلّ ما كان فى نظر القاضى الفقيه شرف الدين بن عين الدولة- ﵀ من ذلك، وما استجدّ بعده، واستقرّ فى نظر الحكام. وفوّضنا إليه ذلك التفويض التام. وبسطنا يده فى الولاية والعزل. وحكّمناه فى العقد والحلّ. فليستخر الله فى تقلّد ما قلّدناه، وقبول ما فوّضناه إليه ورددناه. وليحكم بين الناس بما أراد الله. فإن قبول ذلك يجب عليه وجوبا، لما يتحقق أن الله يجريه فى أحكامه، ويقدّره فى أيامه، من حياطة الدين ومصالح المسلمين.
стр. 11620
وإذا احتاج الحكّام وولاة الأمور إلى وصايا يطال فيها ويطنب، ويبالغ فى توكيدها ويسهب- وجدناه غنيّا عن ذلك، بما سنّاه الله له ويسّره، وخلقه من كماله وقدّره، ومثله لا يوصّى، ولا يستوعب له القول ولا يستقصى. والله تعالى يرقّيه إلى درجات الكرامة، ويجعل فيما فوّض صلاح الخاصّة والعامّة والاعتماد فيه على العلامة الشريفة، السلطانية الملكية المعزّيّة- زاد الله علاها وشرفها، إن شاء الله . كتب فى التاسع من شهر رمضان، سنة أربع وخمسين وستمائة. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيّبين الطّاهرين، وسلم تسليما كثيرا. وحسبنا الله ونعم الوكيل» .
ونسخة التقليد الثانى:
«الحمد لله، كافل المزيد لمن شكره، ورافع الدرجات لمن أطاعه فيما نهاه وأمره، وهادى أمّة الحق إلى السبيل الذى يسّره، وشرعه الذى ارتضاه لدينه وتخيّره. وجاعل العلماء ورثة أنبيائه، فيما أباحه من الأحكام وحظّره.
أحمده حمدا لا يحصى عدده. وأشكره شكرا يتجدّد كلما طال أمده. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، شهادة تستنفد الإمكان. ويشهد بالإخلاص فيها الملكان-. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذى اصطفاه وانتخبه. وفرض اتباعه على خلقه وأوجبه. وبعثه رسولا فى الأميّين. وأرسله رحمة للعالمين.
стр. 11621
ونصب شريعته سبيلا منجّيا. وطريقا إلى الرسل مؤدّيا. وشرف رتبتها وعظّمها. وأعلى قدر من رقى ذروتها وتسنّمها- صلى الله عليه- ما تعاقب شمس وقمر. وذكر مبتدأ وخبر وجرى بالكائنات مشيئة وقدر.
وعلى الأنبياء الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار، وجعلهم من المصطفين الأخيار. وعلى آله أولى الأيدى والأبصار. وأصحابه المهاجرين والأنصار. صلاة دائمة الاستمرار. باقية على تعاقب الليل والنهار.
أما بعد، فإن الله. تعالى- جعل شريعة نبيّه صراطا متّبعا وطريقا مهيعا «١» ومحلّا مرتفعا. وأنزل بتعظيمها قرآنا، وجعلها بين الحق والباطل فرقانا. فقال مخاطبا لنبيّه- تنبيها وتعليما، وتبجيلا لقدرته وتعظيما: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ، لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. وعظّم قدر العلماء فى آياته المحكمات، وكلماته البيّنات، فقال : يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات.
فتعيّن بذلك على ولاة الأمور، من الاجتهاد المأثور، أن يتخيّروا لهذا المنصب الشريف، من الولاة: من هو أجلّهم علما. وأعدلهم حكما، وأنفذهم فى الحقّ سهما. وأضواهم حسّا، وأشرفهم نفسا، وأصلحهم يوما وأمسا. وأطهرهم وأورعهم. وأجداهم للإسلام وأنفعهم.
وكنا قد مثلنا كنانة «٢» العلماء بمصرنا، فعجمنا عيدانها. واختبرنا أعيانها. فوجدنا المجلس العالى: القاضى الأجلّ، الصدر الكبير، الإمام
стр. 11622
العالم العامل. الزاهد العابد، الكامل الأوحد، المجتبى المؤيد الأعز الأسعد، تاج الدين جلال الإسلام، ضياء الأنام، بهاء الملّة، شمس الشريعة سيد الحكام، قدوة العلماء: يمين الملوك والسلاطين، قاضى قضاة المسلمين، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب، بن القاضى الفقيه، الأجلّ الأعز، أبى القاسم خلف- أدام الله تأييده وبسطته، وتمكينه ورفعته- قد زادت صفاته على هذه الصفات، وأوفت عليها أتمّ الموافاة.
واختبرنا منه رجلا، لو عرضت عليه الدنيا لم يردها. ولو صوّر نفسه لم يزدها. ووقع على سيادته إجماع الحاضرين والبادين، والمسودين والسّائدين. وشهدوا بها، ونحن على ذلك من الشاهدين.
ففوّضنا إليه ما فوّضناه: من قضاء القضاة بمصر المحروسة، والأقاليم القبلية، وما معها. والأوقاف والمدارس وما جمعها- الجارية فى نظر الحكم العزيز. ثم تجدّد لنا نظر يعمّ المسلمين شانه، ومنظر يرمقهم بالمصالح إنسانه. وعلمنا أن هذه الولاية بعض استحقاقه، وأنها قليلة فى جنب نصحه للمسلمين وإشفاقه. وأن صدره الرحيب لا يضيق بأمثالها ذرعا، ولا يعجز- بحمد الله- أن يرعيها بصرا من إيالته وسمعا. إذ كان قد.
أحيى بها السّنّة السّلفيّة، وأظهر أسرار العدل الخفيّة. وزاد الحقّ بنظره وضوحا، والمعروف دنواّ والمنكر نزوحا- رأينا أن نجمع إليه قضاء القضاة بالقاهرة المعزية والوجه البحرى، وما كان يتولاه من قبله، من أوقاف البلاد ومدارسها، وربطها ومحارسها، ومنابت العلوم ومغارسها.
وقد أكملنا له بذلك قضاء القضاة بجميع الديار المصرية: أرجاء وأكنافا، ومداين وأريافا، وأوساطا وأطرافا. وجعلناه الحاكم فى أقضيتها،
стр. 11623
والمتصرف فى أعمالها ومدانيها. وأقاصى بلادها وأدانيها. وأطلقنا يده فى أحكامها، وما يراه من تولية وعزل لحكّامها. والنظر فيما كان الحكّام قبله يتولونه من الوقوف. وهو غنىّ أن يوصّى بنهى عن منكر أو أمر بمعروف. لما فيه من صفات الكمال، وشريف الخلال. ولم نستوف وصية فى عهدنا إليه ولم نستقصها، واستغنينا عن مبسوط الأقوال بملخّصها- تحقّقا أنه صاحب قياس الشريعة ونصّها.
فليحكم بما فوّضناه إليه، وبسطنا فيه يديه: من الجرح والتّعديل «١» ، والإقرار والتّبديل. والله يوفّقه فيما تولاه قائلا وفاعلا، ويرشده لمراضيه مسئولا وسائلا، ويجعل الصلاح للكافّة به شاملا. ويقرن التقوى بلسانه وقلبه، ويلبسه من السعادة ملبسا لا تتخطّى الخطوب إلى سلبه. ويجعله داعيا إلى الله على بصيرة من ربه. إن شاء الله .
«كتب لثمان بقين من شهر رمضان المعظم، من سنة أربع وخمسين وستمائة. بالإشارة العالية الصاحبية، الوزيريّة المولويّة الشّرفيّة، ضاعف الله علاها. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله، وسلّم.
حسبنا الله ونعم الوكيل» .
وكتب الوزير الصاحب شرف الدين الفائزى- على كلّ من هذين التقليدين، تحت خط السلطان فى بيت العلامة، ما مثاله: «تمثيل الأمر العالى- أعلاه الله وشرّفه» .
стр. 11624
وقد نقلت ذلك من التقليدين، كما شاهدته. ولم يتعرض الموقّع فيهما إلى ذكر جامكيّة «١» ولا جراية. والله أعلم.
ولم تطل مدة هذه الولاية. فإنه صرف فى السنة التى تليها، سنة خمس وخمسين- فى ثالث شهر ربيع الأول، وقيل بعد ذلك بقليل. والله أعلم.
ذكر ما حدث بالمدينة النبوية- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- من الزلازل، والنار التى ظهرت بظاهرها
وفى سنة أربع وخمسين وستمائة، وردت كتب من المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- بخبر هذه الحادثة. من جملتها، كتاب القاضى شمس الدين سنان، بن عبد الوهاب بن نميلة الحسينى- قاضى المدينة- وإلى بعض أصحابه بدمشق، مضمونه:
«لما كانت ليلة الأربعاء. ثالث جمادى الآخرة- حدث بالمدينة فى الثّلث الأخير من الليل، زلزلة عظيمة، أشفقنا منها، ودامت بقيّة تلك الليلة. تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات. والله، لقد زلزلت مرة، ونحن حول حجرة النبى- ﷺ حتى اضطرب لها المنبر، وسمعنا منه صوت الحديد الذى فيه! واضطربت قناديل الحرم الشريف! ودامت
стр. 11625
الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوىّ مثل دوىّ الرعد القاصف! ثم طلع، يوم الجمعة، فى طريق الحرّة «١» فى رأس قريظة، على طريق السّوارقيّة «٢» بالمقاعد، مسيرة من الصبح إلى الظهر- نار عظيمة مثل المدينة العظيمة! وما ظهرت لنا إلا ليلة السبت. وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما.
وطلعت إلى الأمير وكلّمته، فقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله تعالى. فأعتق مماليكه، وردّ على جماعة أموالهم. فلما فعل هذا، قلت له: اهبط الساعة معنا إلى النبى ﷺ . فهبط، وبتنا ليلة السبت، والناس جميعا والنسوان وأولادهم، وما بقى أحد، لا فى النخيل ولا فى المدينة- إلا عند النبى ﷺ .
وأشفقنا منها، وظهر لها لسان- حتى رؤيت من مكة، ومن الفلاة جميعها. ثم سال منها نهر من نار، وأخذ فى وادى أحيلين «٣» ، وسدّ الطريق. ثم طلع إلى بحرة الحاج، وهو نهر نار يجرى- وفوقه جمر تسير إلى أن قطعت الوادى- وادى الشّظاة «٤» . وما عاد يجىء فى الوادى سيل قط،
следующие страницы →