Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11621–11660 · переход к 11626.
стр. 11621
ونصب شريعته سبيلا منجّيا. وطريقا إلى الرسل مؤدّيا. وشرف رتبتها وعظّمها. وأعلى قدر من رقى ذروتها وتسنّمها- صلى الله عليه- ما تعاقب شمس وقمر. وذكر مبتدأ وخبر وجرى بالكائنات مشيئة وقدر.
وعلى الأنبياء الذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار، وجعلهم من المصطفين الأخيار. وعلى آله أولى الأيدى والأبصار. وأصحابه المهاجرين والأنصار. صلاة دائمة الاستمرار. باقية على تعاقب الليل والنهار.
أما بعد، فإن الله. تعالى- جعل شريعة نبيّه صراطا متّبعا وطريقا مهيعا «١» ومحلّا مرتفعا. وأنزل بتعظيمها قرآنا، وجعلها بين الحق والباطل فرقانا. فقال مخاطبا لنبيّه- تنبيها وتعليما، وتبجيلا لقدرته وتعظيما: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ، لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما. وعظّم قدر العلماء فى آياته المحكمات، وكلماته البيّنات، فقال : يرفع الله الذين آمنوا منكم، والذين أوتوا العلم درجات.
فتعيّن بذلك على ولاة الأمور، من الاجتهاد المأثور، أن يتخيّروا لهذا المنصب الشريف، من الولاة: من هو أجلّهم علما. وأعدلهم حكما، وأنفذهم فى الحقّ سهما. وأضواهم حسّا، وأشرفهم نفسا، وأصلحهم يوما وأمسا. وأطهرهم وأورعهم. وأجداهم للإسلام وأنفعهم.
وكنا قد مثلنا كنانة «٢» العلماء بمصرنا، فعجمنا عيدانها. واختبرنا أعيانها. فوجدنا المجلس العالى: القاضى الأجلّ، الصدر الكبير، الإمام
стр. 11622
العالم العامل. الزاهد العابد، الكامل الأوحد، المجتبى المؤيد الأعز الأسعد، تاج الدين جلال الإسلام، ضياء الأنام، بهاء الملّة، شمس الشريعة سيد الحكام، قدوة العلماء: يمين الملوك والسلاطين، قاضى قضاة المسلمين، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب، بن القاضى الفقيه، الأجلّ الأعز، أبى القاسم خلف- أدام الله تأييده وبسطته، وتمكينه ورفعته- قد زادت صفاته على هذه الصفات، وأوفت عليها أتمّ الموافاة.
واختبرنا منه رجلا، لو عرضت عليه الدنيا لم يردها. ولو صوّر نفسه لم يزدها. ووقع على سيادته إجماع الحاضرين والبادين، والمسودين والسّائدين. وشهدوا بها، ونحن على ذلك من الشاهدين.
ففوّضنا إليه ما فوّضناه: من قضاء القضاة بمصر المحروسة، والأقاليم القبلية، وما معها. والأوقاف والمدارس وما جمعها- الجارية فى نظر الحكم العزيز. ثم تجدّد لنا نظر يعمّ المسلمين شانه، ومنظر يرمقهم بالمصالح إنسانه. وعلمنا أن هذه الولاية بعض استحقاقه، وأنها قليلة فى جنب نصحه للمسلمين وإشفاقه. وأن صدره الرحيب لا يضيق بأمثالها ذرعا، ولا يعجز- بحمد الله- أن يرعيها بصرا من إيالته وسمعا. إذ كان قد.
أحيى بها السّنّة السّلفيّة، وأظهر أسرار العدل الخفيّة. وزاد الحقّ بنظره وضوحا، والمعروف دنواّ والمنكر نزوحا- رأينا أن نجمع إليه قضاء القضاة بالقاهرة المعزية والوجه البحرى، وما كان يتولاه من قبله، من أوقاف البلاد ومدارسها، وربطها ومحارسها، ومنابت العلوم ومغارسها.
وقد أكملنا له بذلك قضاء القضاة بجميع الديار المصرية: أرجاء وأكنافا، ومداين وأريافا، وأوساطا وأطرافا. وجعلناه الحاكم فى أقضيتها،
стр. 11623
والمتصرف فى أعمالها ومدانيها. وأقاصى بلادها وأدانيها. وأطلقنا يده فى أحكامها، وما يراه من تولية وعزل لحكّامها. والنظر فيما كان الحكّام قبله يتولونه من الوقوف. وهو غنىّ أن يوصّى بنهى عن منكر أو أمر بمعروف. لما فيه من صفات الكمال، وشريف الخلال. ولم نستوف وصية فى عهدنا إليه ولم نستقصها، واستغنينا عن مبسوط الأقوال بملخّصها- تحقّقا أنه صاحب قياس الشريعة ونصّها.
فليحكم بما فوّضناه إليه، وبسطنا فيه يديه: من الجرح والتّعديل «١» ، والإقرار والتّبديل. والله يوفّقه فيما تولاه قائلا وفاعلا، ويرشده لمراضيه مسئولا وسائلا، ويجعل الصلاح للكافّة به شاملا. ويقرن التقوى بلسانه وقلبه، ويلبسه من السعادة ملبسا لا تتخطّى الخطوب إلى سلبه. ويجعله داعيا إلى الله على بصيرة من ربه. إن شاء الله .
«كتب لثمان بقين من شهر رمضان المعظم، من سنة أربع وخمسين وستمائة. بالإشارة العالية الصاحبية، الوزيريّة المولويّة الشّرفيّة، ضاعف الله علاها. الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وآله، وسلّم.
حسبنا الله ونعم الوكيل» .
وكتب الوزير الصاحب شرف الدين الفائزى- على كلّ من هذين التقليدين، تحت خط السلطان فى بيت العلامة، ما مثاله: «تمثيل الأمر العالى- أعلاه الله وشرّفه» .
стр. 11624
وقد نقلت ذلك من التقليدين، كما شاهدته. ولم يتعرض الموقّع فيهما إلى ذكر جامكيّة «١» ولا جراية. والله أعلم.
ولم تطل مدة هذه الولاية. فإنه صرف فى السنة التى تليها، سنة خمس وخمسين- فى ثالث شهر ربيع الأول، وقيل بعد ذلك بقليل. والله أعلم.
ذكر ما حدث بالمدينة النبوية- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- من الزلازل، والنار التى ظهرت بظاهرها
وفى سنة أربع وخمسين وستمائة، وردت كتب من المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- بخبر هذه الحادثة. من جملتها، كتاب القاضى شمس الدين سنان، بن عبد الوهاب بن نميلة الحسينى- قاضى المدينة- وإلى بعض أصحابه بدمشق، مضمونه:
«لما كانت ليلة الأربعاء. ثالث جمادى الآخرة- حدث بالمدينة فى الثّلث الأخير من الليل، زلزلة عظيمة، أشفقنا منها، ودامت بقيّة تلك الليلة. تزلزل كل يوم وليلة قدر عشر نوبات. والله، لقد زلزلت مرة، ونحن حول حجرة النبى- ﷺ حتى اضطرب لها المنبر، وسمعنا منه صوت الحديد الذى فيه! واضطربت قناديل الحرم الشريف! ودامت
стр. 11625
الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، ولها دوىّ مثل دوىّ الرعد القاصف! ثم طلع، يوم الجمعة، فى طريق الحرّة «١» فى رأس قريظة، على طريق السّوارقيّة «٢» بالمقاعد، مسيرة من الصبح إلى الظهر- نار عظيمة مثل المدينة العظيمة! وما ظهرت لنا إلا ليلة السبت. وأشفقنا منها وخفنا خوفا عظيما.
وطلعت إلى الأمير وكلّمته، فقلت له: قد أحاط بنا العذاب، ارجع إلى الله تعالى. فأعتق مماليكه، وردّ على جماعة أموالهم. فلما فعل هذا، قلت له: اهبط الساعة معنا إلى النبى ﷺ . فهبط، وبتنا ليلة السبت، والناس جميعا والنسوان وأولادهم، وما بقى أحد، لا فى النخيل ولا فى المدينة- إلا عند النبى ﷺ .
وأشفقنا منها، وظهر لها لسان- حتى رؤيت من مكة، ومن الفلاة جميعها. ثم سال منها نهر من نار، وأخذ فى وادى أحيلين «٣» ، وسدّ الطريق. ثم طلع إلى بحرة الحاج، وهو نهر نار يجرى- وفوقه جمر تسير إلى أن قطعت الوادى- وادى الشّظاة «٤» . وما عاد يجىء فى الوادى سيل قط،
стр. 11626
لأنها حرّة، تجى قامتين وثلاثا علوّها. وتمت تسير، إلى أن سدّت بعض طرق الحاج، وبعض البحرة، بحرة الحاج. وجاء فى الوادى إلينا منها قتير «١» وخفنا أنه يجيئنا. واجتمع الناس، ودخلوا على النبى ﷺ ، وياتوا عنده جميعهم ليلة الجمعة. فطفىء قتيرها الذى يلينا، بقدرة الله سبحانه.
وهى الى الآن وما نقصت، الّا ترى مثل الجمال حجارة من نار. لها دوىّ، ما يدعنا نرقد ولا نأكل ولا نشرب. وما أقدر أصف لك عظمها، وما فيها من الأهوال. وأبصرها أهل التّنعيم «٢» ، وندبوا قاضيهم ابن أسعد.
وجاء وعدّى اليها، وما قدر يصفها من عظمها. قال: وكتبت الكتاب، يوم خامس رجب، وهى على حالها، والناس منها خائفون. والشمس والقمر، من يوم طلعت، ما يطلعان إلا كاسفين. نسأل الله العافية.
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة: بان عندنا بدمشق أثر الكسوف من ضعف نورها على الحيطان. وكنا حيارى من ذلك، لا ندرى ما هو؟ إلى أن اتضح، وجاء هذا الخبر عن هذه النار.
стр. 11627
وجاء كتاب آخر من بعض بنى القاشانى بالمدينة، يذكر فيه خبر هذه الحادثة، نحو ما تقدم، ويقول:
«ومن قبل ذلك بيومين، سمع الناس صوتا مثل صوت الرعد- ساعة بعد ساعة- وما فى السماء غيم، حتى يظنّ أنه منه. ثم زلزلت الأرض فى يوم الأربعاء المذكور آنفا، فرجفت بنا رجفة لها صوت كدوى الرعد. ففزع الناس إلى المسجد، وضجّوا بالستغفار والصلاة. ودامت ترجف بالناس، ساعة بعد ساعة، من ليلة الأربعاء إلى صبح يوم الجمعة. فارتجت الأرض رجة قوية، إلى أن اضطرب بنا المسجد، وسمع لسقف المسجد صرير عظيم! وسكتت الزلزلة بعد صبح يوم الجمعة، إلى قبل الظهر.
ثم ظهرت نار من الحرّة تتفجر من الأرض، فارتاع الناس لها روعة عظيمة. ثم ظهر لها دخان عظيم فى السماء، ينعقد، حتى بقى كالسحاب الأبيض، يتصل إلى قبيل مغيب الشمس من يوم الجمعة. ثم ظهر للنار ألسن تصعد إلى السماء حمر، وعظمت حتى غطّت حمرة النار السماء كلّها. وبقى الناس فى مثل ضوء القمر. وأيقن الناس بالهلاك والعذاب. وذكر من توبة الناس، وفعل الأمير بالمدينة وعتقه مماليكه، ووضعه المكوس، نحو ما تقدم.
قال: وبقيت النار تلتهب التهابا، وهى كالجبل العظيم، ولها حسّ كالرعد. فدامت كذلك. فدامت كذلك أياما. ثم سالت فى وادى أحيلين «١» ، فتحدرت فى الوادى إلى الشّظاة، حتى لحق سيلانها بالبحرة
стр. 11628
بحرة الحاج، والحجارة معها تتحدر وتسير، حتى كادت تقارب حرّة العريض. ثم سكنت ووقفت أياما. ثم عاد يخرج من النار حجارة أمامها وخلفها، حتى بنت جبلين أمامها وخلفها، وما بقى يخرج منها من بين الجبلين لسان لها أياما. ثم انها عظمت الآن، وسناها إلى الآن، وهى تتّقد كأعظم ما يكون. ولها صوت عظيم من آخر الليل إلى صحوة فى كل يوم. ولها عجائب ما أقدر أصفها، ولا أشرحها لك على الكمال. وإنما هذا منها طرف. قال: وكتبت هذا الكتاب، ولها شهر وهى فى مكانها، ما تتقدم ولا تتأخر.
وقال بعض أهل المدينة فى ذلك شعرا، وهو:
يا كاشف الضّرّ: صفحا عن جرائمنا ... لقد أحاطت بنا يا ربّ بأساء
نشكو إليك خطوبا لا نطيق لها ... حملا، ونحن بها، حقاّ أحقّاء
زلازلا تخشع الصّمّ الصّلاب لها ... وكيف يقوى على الزلزال شمّاء
أقام سبعا يرجّ الأرض، فانصدعت ... عن منظر، منه عين الشمس عشواء
بحر من النار، تجرى فوقه سفن ... من الهضاب، لها فى الأرض إرساء
كأنما فوقه الأجبال، طافية ... موج علاه لفرط الهيج غثّاء «١»
يرى لها شرر كالقصر طائشة ... كأنّها ديمة تنصبّ هطلاء
تنشقّ منها قلوب الصّخر، إن زفرت ... رعبا، ويرعد مثل السّعف رضواء
منها تكاثف فى الجوّ الدّخان إلى ... أن عادت الشمس منه وهى دهماء
стр. 11629
قد أثّرت سفعة فى البدر لفحتها ... قليلة التّمّ بعد النور ليلاء
تحدّث النّيرات السّبع ألسنها ... بما يلاقى بها تحت الثّرى الماء
وقد أحاط لظاها بالبروج، إلى ... أن كاد يلحقها بالأرض إهواء
فيالها آية «١» من معجزات رسول ... الله يعقلها القوم الألبّاء
فباسمك الأعظم المكنون إن عظمت ... منا الذّنوب، وساء القلب أسواء «٢»
فاسمح وهب وتفضّل وامح واعف وجد ... واصفح «٣» ، فكل لفرط الجهل خطّاء
فقوم يونس لما آمنوا أمنوا ... كشف العذاب، وعمّ القوم نعماء
ونحن أمة هذا المصطفى، ولنا ... منه إلى عفوك المرجوّ دعّاء
هذا الرسول الذى لولاه ما سلكت ... محجّة فى سبيل الله بيضاء
فارحم وصلّ على المختار، ما خطبت ... على علا منبر الأوراق ورقاء
ذكر خبر احتراق مسجد المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
وفى هذه السنة- فى ليلة الجمعة أول شهر رمضان- احترق مسجد المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام.
стр. 11630
ابتدأ حريقه من زاويته الغربية، من الشمال. وكان سبب ذلك أن أحد القومة دخل إلى الخزانة، ومعه نار، فعلقت فى آلات ثمّ، واتصلت بالسقف بسرعة، ثم دبّت فى السقوف، فأعجلت الناس عن قطعها. فما كان إلا ساعة، حتى احترقت سقوف المسجد أجمع، [ووقعت «١» بعض أساطينه وذاب رصاصها- وذلك قبل أن نام الناس. واحترق سقف الحجرة الشريفة] .
قلت: وفى وقوع هذه النار معجزة لنبينا- ﷺ ، فإن الخلفاء والملوك بعده- ﷺ زادوا فى عمارة المسجد بأنواع من العمارة، وتفنّنوا فى النقوش والإتقان، وهو- ﷺ كره ذلك، وقال- فى مرضه الذى انتقل فيه إلى جوار ربه: «لعن الله اليهود والنصارى، اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . وقالت عائشة- رضى الله عنها- ولولا ذلك لأبرز قبره- ﷺ . فجاءت هذه النار، فأكلت ما كرهه ﷺ .
стр. 11631
واستهلّت سنة خمس وخمسين وستمائة:
ذكر مقتل السلطان الملك المعز وشىء من أخباره، ومقتل شجر الدر الصالحية
كان مقتله- رحمه الله تعالى- فى يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وستمائة.
وسبب ذلك أن شجر الدّرّ- سرّيّة «١» الملك الصالح زوجته- اتصل بها أنه سيّر يخطب ابنة صاحب الموصل فتنكرت لذلك. وكان هو أيضا قد تغيّر عليها، بسبب امتنانها عليه، وأنها هى التى ملّكته الديار المصرية، وسلمت إليه الخزائن. وعزم المعزّ على قتلها، فلم يخفها ذلك. فبادرت بالتدبير عليه، واتفقت هى ومحسن الجوجرى الخادم، ونصر العزيزى، على قتله.
فلما كان فى هذا التاريخ، طلع الملك المعزّ من الميدان إلى قلعة الجبل عقيب اللعب بالكرة- فأمر بإصلاح الحمّام، وعبر إليها. فدخل عليه محسن الجوجرى، وغلام له شديد القوة، فقتلوه فى الحمّام!
стр. 11632
وشاع الخبر بقتله، فى بكرة نهار الأربعاء، فسمّر محسن الجوجرى الخادم وغلامه على باب قلعة الجبل. وأما نصر العزيزى فإنه هرب إلى الشام. وأحضرت شجر الدر إلى أم نور الدين بن الملك المعز، فما زالت تضربها- هى وجواريها وخدمها- إلى أن ماتت. وألقيت من أعلى السور الى الخندق. وبقيت أياما عريانة ملقاة فى الخندق. ثم حملت ودفنت فى تربتها المجاورة لمشهد السيدة نفيسة.
وكانت شجر الدر هذه سرّيّة الملك الصالح نجم الدين أيوب، وهى والدة خليل ابنه. وكانت قد ملكت الديار المصرية، وخطب لها وخرجت تواقيعها ومناشيرها، بالأرزاق والمباشرات والإقطاعات- وقد تقدم ذكر شىء منها. ولما ملك السلطان الملك المعز وتزوجها، ما زالت تخاطب بالسلطنة، وتخرج تواقيعها بالاطلاقات وإبطال الحوادث وكف المظالم، فتنفذ كنفوذ التواقيع السلطانية.
وقد شاهدت منها توقيعا على ظهر قصة، مترجمها على بن هاشم، مضمونها: «يقبّل الأرض بالمقام العالى السلطانى الخاتونى، عصمة الدين، بسط الله ظلها فى مشارق الأرض ومغاربها- وينهى أن له خدمة على مولانا الشهيد- قدّس الله روحه- وله مليك اقتناه فى أيامه، ولم يسقّع «١» عليه قط.
وفى هذه الأيام التمسوه، وسأل إجراءه على عادته، من غير حادث.
стр. 11633
وخرج التوقيع فى ظهرها، ومثال العلامة عليه: والدة خليل الصالحية: «المرسوم، بالأوامر العالية المولوية السلطانية- زادها الله شرفا وعلوا- أن يجرى الأمير الأجل الأخص الأمجد الأعز: نور الدين مترجمها- أدام الله توفيقه- على عادته. ولا يطلب بسبب تصقيع «١» ولا غيره، وليعف من ذلك- رعاية لحق خدمته على الدولة الشريفة، ولقدم هجرته وانقطاعه إلى الله تعالى. فليعتمد ذلك بعد الخط الشريف أعلاه وثبوته- إن شاء الله تعالى. كتب فى ثانى عشرين جمادى الآخرة، سنة ثلاث وخمسين وستمائة- برسالة الطواشى شرف الدين مختص الجمدار- أيّده الله تعالى.
وكتب عليه بالامتثال. ونفّذ حكمه وعمل بمقتضاه. وإنما شرحنا هذا التوقيع، ليعلم أن تواقيعها كانت جارية بلفظ السلطنة، فى الدولة المعزّيّة.
وكانت مدة سلطنة الملك المعز ست سنين وأحد عشر شهرا، إلا أربعة أيام. وكان ملكا حازما شجاعا، سئوسا حسن التدبير- إلا أنه كان سفّاكا للدماء. قتل جماعة من خوشداشيّته بغير ذنب، ليقيم ناموس ملكه.
ووزر له الصاحب الأسعد: شرف الدين هبة الله بن صاعد الفائزى.
وتمكّن منه تمكنا عظيما. وقدّمه على العساكر وصرّفه فى الأموال.
стр. 11634
وكان الوزير المذكور من قبط مصر. خدم الملك الفائز أخا الملك الكامل كاتبا، ثم تقدم وترقى وتنقل فى المراتب، إلى أن وزر. وتحول فى الدولة وابتاع المماليك لنفسه. وتعالى فى أثمانهم، فكان يبتاع المملوك بألف دينار عينا. واجتمع له نحو من سبعين مملوكا، يركبون فى خدمته وينزلون.
وكان يقول فى وزارته: كنت كاتب المصايد بقنطرة سيوط، بدرهم وثلث فى كل يوم، ثم ترقيت إلى هذه الغاية.
وكان ظالم النفس، أحدث فى وزارته حوادث كثيرة ومكوسا.
واستناب القاضى زين الدين بن الزّبير، لفضيلته وكفايته ومعرفته باللغة التركية. وكان يحفظ له نظام المجلس.
ولما قتل الملك المعزّ ملك بعده ولده الملك المنصور.
ذكر أخبار السلطان الملك المنصور نور الدين: على بن السلطان الملك المعز وهو الثانى من ملوك دولة الترك بالديار المصرية
ملك الديار المصرية بعد مقتل أبيه- رحمه الله تعالى- فى يوم الخميس السادس والعشرين من شهر ربيع الأول، سنة خمس وخمسين وستمائة.
وذلك باتّفاق من الأمراء المعزّيّة- مماليك والده- فحلفوا له، واستحلفوا
стр. 11635
جميع العساكر. وجعلوا الأمير فارس الدين أقطاى، المستعرب الصالحى-.
خوشداش «١» والده- أتابكه، بحكم صغر سنّ الملك المنصور. ثم استقرت الأتابكية- بعد ذلك- للأمير سيف الدين قطز، المعزّى- مملوك والده.
ووزر له الصاحب شرف الدين الفائزى، أياما قلائل، ثم قتل.
وذلك أن الأمير سيف الدين قطز عزله عن الوزارة، وأمر بالحوطة على أمواله وأسبابه وذخائره. وكان مثريا، وله ودائع كثيرة، فتتبّعت واستخرجت ممن كانت تحت يده. واعتقل، فسأل أن يعطى مالا، فداء عن نفسه.
حكى عن الصاحب بهاء الدين السّنجارى أنه قال: دخلت عليه فى محبسه، فسألنى أن أتحدث فى إطلاقه- على أن يحمل فى كل يوم ألف دينار. قال: فقلت له: كيف تقدر على هذا؟ فقال: أقدر عليه إلى تمام سنة. وإلى انقضاء سنة يفرج الله! ولما بذل هذا المال، امتنعت والدة الملك المنصور من ذلك، ولم ترض إلا بقتله. لأنها كانت مجفوّة من السلطان الملك المعزّ، وكان قد اتّخذ سرارى «٢» وجعلهنّ عند الوزير شرف الدين، فنقمت ذلك عليه، وأمرت بقتله. فقتل صبرا.
стр. 11636
ذكر أخبار الوزراء، ومن ولى وزارة الملك المنصور إلى أن استقر فى الوزارة قاضى القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز
لما صرف الصاحب شرف الدين الفائزى، فوّضت الوزارة بعده للفقيه: نور الدين بن على بن رضوان القرافى مؤدّب الملك المنصور هذا، وخلع عليه خلع الوزراء. فامتنع أن [يخطّ] بقلمه، أو يكتب على توقيع أو منشور، واستمر كذلك عشرين يوما، واستعفى. فأرسل إليه قاضى القضاة بدر الدين السّنجارى، يلتمس منه أن يتحدث له فى الوزارة، ويعده أنه لا يخرج عن أمره. فقال للسلطان، ولوالدته- وكانت لا تحتجب عنه، فيما قيل- للأتابك: أنا لا أصلح لهذا المنصب، ولا أنفع ولا أنتفع به.
وأشار بالقاضى بدر الدين.
فعند ذلك فوّض للفقيه نور الدين هذا نظر الأحباس والأوقاف، والشافعى والخانقاه والتّرب، وغير ذلك من الأوقاف وفوّضت الوزارة لقاضى القضاة: بدر الدين السّنجارى، فوليها ثلاثة أشهر وأياما، ثم عزل.
وفوّضت الوزارة بعده لقاضى القضاة: تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعزّ- وكان قد صرف عن القضاء قبل ذلك، وأعيد قاضى القضاء بدر الدين. وكانت وزارته فى العاشر من شهر رمضان، سنة خمس وخمسين وستمائة.
стр. 11637
ونسخة التّقليد- على ما نقلته عنه- ومثال العلامة السلطانية بعد البسملة:
«الحمد لله وبه توفيقى. الحمد لله الذى أوضح بعد الغىّ سبيل الرّشد.
وتدارك من المجد ما أخلق من أبراده «١» الجدد. وثقّف «٢» قناة الملك حتى لا يرى فيها عوج ولا أود «٣» . واستغنى فى تدبير سلطانه العظيم عن وزير به يعتضد.
أحمده على نعم سهّلت صعبا. وسقت على ظمأ باردا عذبا. ورجع بها ما ضاق من الأمور واسعا رحبا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذى أضحى به معهد الإيمان معهودا. ونظام المكرمات منضودا. وعلى آله وأصحابه، الذين كان سعيهم فى الإسلام محمودا، وأنوار مناقبهم متوقّدة لا تعرف خمودا.
وبعد، فلما كان المجلس السامى، الصاحب الأجلّ، الصدر الكبير، الإمام العالم، الوزير الكامل، المجتبى المختار، تاج الدين، بهاء الإسلام، مجد الأنام، شرف الوزراء زين الفضلاء، رئيس الأصحاب، صفوة الملوك والسلاطين، مفتى الفرق، خالصة أمير المؤمنين: عبد الوهاب
стр. 11638
ابن القاضى الأعز خلف- أدام الله سعادته، وقرن بالتأييد بدأه وإعادته- ممن سلكت به التّجربة حزنا وسهلا «١» ، وراض جامح الأمور ناشئا وكهلا، وتمّت كلمات تفضيله بفضائله صدقا وعدلا، وجدّدت له مساعيه الحميدة ملابس ثناء لا تبلى. وأجلى من أبكار معانيه بدورا لا تعرف أفولا ولا كسوفا، واستلّ من آرائه شعلا، فلو طبعت لكانت سيوفا. واتّسق نظام بلاغته، فكأنه نظام فريد. واستعيدت ألفاظه فما أخلقها العود على المستعيد.
وحلّى بدرر مساعيه جيدا من الملك عاطلا، وعاد ربع المكارم بمناقبه عامرا آهلا.
رسم بالأمر العالى المولوى السلطانى، الملكى المنصورى النّورى- شرّفه الله وأعلاه، وأنفذه وأمضاه- أن يفوّض إليه أمر الوزارة، لما علم فيه من السّودد الذى اقتاد به صعب المكارم والمفاخر، التى حاز منها ما لم يحزه الأوائل، وإن جاء فى الزّمن الآخر. والفضائل التى فاز منها بقصب السّبق، والأحكام التى تحلّى فيها بدرّ الأناة والرّفق. والسياسة التى سلك بها نهج السبيل إلى الحق. والمعالى التى أبدى فى كسبها ما أبداه، من ثغره الضاحك ووجهه الطّلق. والنزاهة التى أهّلته لأشرف المناصب، وقضت له بسلامة العواقب، والصنايع التى غذت معارفه عند مناكرة النوائب، والمكارم التى لحّت فى العلوّ، فكأنها تحاول أخذ ثأر من الكواكب
стр. 11639
ولقد أمعنّا النظر فى إرتياده. وانتقدناه من بين الناس، فلم نأل جهدا فى انتقاده. وخطب لهذه الرّتبة الرفيعة لما أوراه فى المكرمات من زناده.
وأهّل لهذا المنصب الشريف الذى يدع الآباء والأبناء من حسّاده.
فليتولّ ما ولّيناه من أمر الوزارة، فهو لها من الأكفاء. وما اصطفيناه إلا هو جدير بهذا الاصطفاء. ولمثل هذه الرتبة يتخيّر الأكارم من الرجال.
وإذا تناسبت الأشياء، ظهر عليها نضرة وجمال. فليرهف لتدبيره عزمه الماضى الضّرائب. وليستر بمحاسن سعيه ما يبدو له من المعايب. وليهتم بأمر الأموال، فان الأغراض منها مستفادة. وليولّ من الأمناء من يستحق منا الحسنى وزيادة.
ولينعم النّظر فى عمارة البلاد. واستعمال العدل الذى به تدرّ أرزاق العباد. وبنوره يهدى إلى سبيل المراشد كلّ هاد. وعنده يوجد تصديق ظنون الرّوّاد والورّاد. وليكن لأحوال ولاة الأمور متفقّدا، وللنظر فى أحوالهم مجدّدا. وليضرب عليهم بالأرصاد مغيبا ومشهدا. وليصفح عن من لم يكن منهم للزّلّة متعمدا. فما نؤثر إلا أن يكون الإحسان للناس شاملا، والبرّ إليهم متواصلا. وما تحسن السّير إلا إذا تحلّت بالمناقب والمفاخر. وتضمنت محاسنها بطون الأوراق وصدور الدّفاتر.
وليتناول من الجامكيّة والجراية «١» ، لاستقبال المباشرة فى الشهر، من العين مائة دينار من الجوالى «٢» بالصّرف الحاضر. ومن الغلّات، من
стр. 11640
الأهراء المباركة بمصر المحروسة، خمسين إردبا قمحا وشعيرا- ثلثين وثلث.
ومن الراتب- الشاهد به الديوان المعمور لمن تقدّمه- النصف» .
وعيّن جهات الراتب، فقال: «الخبز من المخابز، واللحم مع التّوابل والخضر المثمّنة، وما هو مقرّر على دار الوكالة مشاهرة، من عرصتى الفاكهة بالقاهرة ومصر والرّباع، وغير ذلك. والعليق المقرر على الاسطبلات من الأهراء أيضا. وإن تعذّر حصول الغلّة المقدّم ذكرها، والعليق المذكور، يثمّن بالسعر الحاضر، وتكون جهته من جهة الجامكية.
فليستعن بهذا المقرّر على كلف أوقاته. وليصرفه فى وجوه نفقاته، بعد العلامة الشريفة أعلاه، وثبوته بحيث يثبت مثله، إن شاء الله تعالى.
وكتب فى العاشر من شهر رمضان المبارك، سنة خمس وخمسين وستمائة، بالإشارة العالية المولويّة الأتابكيّة الفارسية- أدام الله علوّها.
الحمد لله وحده. وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله، وسلامه» .
وكتب هذا التقليد فى ورق بغدادى فى قطع الرّبع. وعادة تقاليد الوزراء- فى وقتنا هذا- تعظّم أربابها فى النّعوت والكتابة، أكثر من هذا.
وفى هذه السنة- وقيل فى السنة الآتية- كانت الوقعة بين العساكر المصرية والملك المغيث والبحرية، وانتصر العسكر المصرى، وانهزم الملك المغيث والبحرية. وقد تقدم ذكر ذلك فى أخبار البحرية، فلا فائدة فى إعادته.
стр. 11641
واستهلّت سنة ست وخمسين وستمائة:
فى هذه السنة، كانت وفاة بهاء الدين أبو الفضل زهير، بن محمد بن على بن يحيى بن الحسن، بن جعفر بن منصور بن عاصم المهلّبى «١» الكاتب.
كان من فضلاء عصره. وكان قد خدم الملك الصالح نجم الدين أيوب، لمّا كان ينوب عن والده الملك الكامل. وتوجه فى خدمته إلى الشّرق، ولازمه إلى أن قبض على الملك الصالح واعتقل بالكرك. فأقام بنابلس محافظة لمخدومه، إلى أن خلص، فعاد إلى خدمته. وحضر فى صحبته إلى الديار المصرية، وتمكن منه واطّلع على سره.
وكانت وفاته قبيل المغرب من يوم الأحد، رابع عشر ذى القعدة.
ودفن من الغد، بعد صلاة الظهر، بتربته بالقرافة الصغرى، بالقرب من تربة الإمام الشافعى. ومولده بمكة- شرّفها الله تعالى- فى يوم الأربعاء، خامس ذى الحجة، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة.
وفيها، توفّى الإمام الحافظ زكى الدين أبو محمد عبد العظيم، بن عبد القوى بن عبد الله بن سلام، بن سعد بن سعيد المنذرى.
стр. 11642
وكانت وفاته بالقاهرة، فى يوم السبت، أول الساعة العاشرة، ثالث أو رابع ذى القعدة، سنة وخمسين وستمائة. وصلّى عليه فى يوم الأحد- بعد الظهر- بالمدرسة الكاملية بالقاهرة المعزّيّة. ثم صلى عليه تحت القلعة.
وصلى عليه عند قبره قبل العصر. ودفن بسفح المقطم. وكان مولده بفسطاط مصر، فى غرّة شعبان، سنة إحدى وثمانين وخمسمائة. وانتهت إليه رياسة الحديث فى زمانه- رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الشيخ الفقيه الإمام: أبو إسحاق إبراهيم، بن يحيى بن أبى المجد، الأسيوطى الشافعى.
وكانت وفاته بالقاهرة المعزّيّة، فى عشية اليوم السابع من ذى القعدة، من هذه السنة، ودفن بسفح المقطّم. ومولده فى سنة سبعين وخمسمائة- تقريبا. وكان أحد المشايخ المشهورين بمعرفة مذهب الشافعى.
وكان كثير الإيثار مع الإقتار، والإفضال مع الإقلال، كريم الأخلاق.
رحمه الله تعالى.
واستهلّت سنة سبع وخمسين وستمائة:
فى هذه السنة- ثانى عشر جمادى الآخرة- جبى التّسقيع «١» بالقاهرة.
стр. 11643
وفيها، فى شعبان- أمسك شخص يعرف بالكورانى، فضرب ضربا شديدا، وحبس على بدع رؤيت منه وسمعت عنه. ثم جدّد إسلامه وتاب، على يد شيخ الإسلام: عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، وأطلق من الحبس. وكان مقامه بالجبل الأحمر.
ذكر القبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، واعتقالهما
كان القبض على السلطان الملك المنصور، بن السلطان الملك المعزّ، فى يوم الجمعة- السابع والعشرين من ذى القعدة- سنة سبع وخمسين وستمائة.
وسبب ذلك أنه تشاغل باللهو واللعب، والمسابقة بالحمير الفره، بين يديه، وأمثال ذلك. وكانت أمه تدبّر المملكة تدبير النساء. فأطمعت الأمير سيف الدين قطز المعزّى نفسه بالملك. واتفق خروج خوشداشيّته إلى الصيد، فانتهز الفرصة، وقبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، وعلى والدته. واعتقلهما فى برج السّلسلة «١» بثغر دمياط، ثم سفّر إلى القسطنطينية فى الأيام الظاهرية الرّكنية. فكانت مدة سلطنته سنتين، وثمانية أشهر، ويومين.
стр. 11644
ذكر أخبار السلطان الملك المظفّر سيف الدين قطز المعزّى. وهو الثالث من ملوك دولة الترك بالديار المصرية
ملك الديار المصرية فى يوم السبت، لليلتين بقيتا من ذى القعدة، سنة سبع وخمسين وستمائة- بعد أن قبض على الملك المنصور، بن مولاه الملك المعزّ.
قال: ولما ملك، حضر خوشداشيّته من الصيد، وتنكروا له، وامتعضوا من ملكه. فقبض عليهم واعتقلهم، وأعجلهم عن التدبير.
وهم: الأمير علم الدين سنجر الغتمى، والأمير شرف الدين قيزان «١» المعزّى، وعز الدين أيبك النّجيبى الصغير، وشمس الدين قرا سنقر المعزّى. واعتقل أيضا شمس الدين الدود: خال الملك المنصور بن المعزّ، والطّواشى حسام الدين بلال المغيثى اللّالا.
واستحلف الأمراء والعساكر، وأظهر الحزم. واستوزر الصاحب زين الدين بن الزبير. وعزل الأمير حسام الدين بن باذ عن وظيفة شاد الدواوين.
وولى الأمير نور الدين بن السديد. واستمرّ بالأمير فارس الدين أقطاى المستعرب على الأتابكة، وفوض إليه أمر العساكر.
стр. 11645
واحتفل بامر الجند، واستعد للجهاد، وأرسل إلى الملك الناصر صاحب الشام، وطلب منه الاتفاق واجتماع الكلمة. والمظافرة على العدو، وأن يكونا يدا واحدة على حرب التتار. فحلف له على ذلك. ثم كان من أمر الملك الناصر، واضطراب أمره، وزوال ملكه، واستيلاء التتار على حلب ودمشق وغيرها- ما قدمناه.
وملك التتار الشام بأسره. وجرّد هولاكو كتبغا نوين فى جيش كثيف، اختاره من المغل، وبعثه إلى الشام. وكان من أمره، وأمر جيوش الشام، وتحلّلهم بلاد الشام، ووصولهم إلى نابلس، وقتل من قدمنا ذكره بها- ما شرحنا ذلك فى أخبار الملك الناصر. فلا فائدة فى إعادته.
وفى سنة سبع وخمسين وستمائة.
توفى الأمير منيف بن شيحة، صاحب المدينة النبوية. وقام بعده بالمدينة أخوه: جمّاز بن شيحه.
وفيها، توفى الشيخ الفاضل الصّدر الكبير فتح الدين أبو العباس:
أحمد بن الشيخ جمال الدين أبى عمرو عثمان، بن أبى الحوافر- رئيس الأطباء بالديار المصرية.
وكانت وفاته فى ليلة الخميس، رابع عشر رمضان، ودفن بالقرافة.
وولى رياسة الأطباء بعده ابن أخيه: الصّدر شهاب الدين أحمد، بن محيى الدين رشيد بن جمال الدين عثمان، بن أبى الحوافر.
стр. 11646
واستهلّت سنة ثمان وخمسين وستمائة:
ذكر وصول البحرية والشهرزورية إلى خدمة السلطان الملك المظفر
فى هذه السنة، فارق الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى- ومن معه من الأمراء البحريّة- السلطان الملك الناصر صاحب الشام، لما رأوه من ضعف رأيه، وتخاذله عن ملاقاة عدوه. وتوجهوا إلى غزّة. واجتمعوا هم والأمراء الشّهرزوريّة.
وأرسل الأمير ركن الدين بيبرس- المذكور- الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى إلى السلطان الملك المظفّر، يستأذنه فى الحضور إلى خدمته- هو ومن معه- ويلتمس إيمانه لهم. فأجاب الملك المظفر إلى ما طلب. فتوجه من غزّة بمن معه. وكان وصولهم إلى القاهرة فى يوم السبت، الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول.
فركب الملك المظفر للقائهم، وأنزل الأمير ركن الدين بدار الوزارة.
وأقطعة قصبة قليوب، لخاصّه. فأشار الأمير ركن الدين عليه بحرب التتار.
وقوّى عزائمه على ذلك.
стр. 11647
ذكر خبر المصافّ «١» الكائن بين السلطان الملك المظفّر ومن معه من الجيوش الإسلامية، وبين جيش التتار على عين جالوت «٢» . وانهزام التتار وقتل مقدمهم كتبغا نوين، وما يتصل بذلك من الأخبار
لما ملك التتار الممالك الشامية، وزالت دولة الملك الناصر صلاح الدين يوسف من الشام- كما قدمنا ذكر ذلك- راسل كتبغا نوين، مقدّم جيش التتار، السلطان الملك المظفّر، وأرسل إليه، يطالبه ببذل الطاعة، وتعبئة الضّيافة. فقتل الملك المظفّر رسله، إلا صبيّا واحدا، فإنه استبقاه، وضمه إلى جملة مماليكه.
واستعدّ للجهاد، وخرج بعساكر الديار المصرية، ومن انضم إليه من جيوش الشام- الذين فارقوا الملك الناصر- ومن حضر إليه من الأمراء البحريّة، والأمراء الشّهرزوريّة، وغيرهم.
стр. 11648
وراسل الملك الأشرف مظفر الدين موسى، صاحب حمص- وكان قد عاد من جهة هولاكو من حلب- وفوّض إليه نيابة السلطنة بالشام أجمع، وحلب، وغير ذلك، والملك السعيد بن الملك العزيز عثمان بن الملك العادل- وكان قد أخذ من هولاكو فرمانا بالصّبيبة وبانياس «١» .
وسألهما المظافرة والمعاونة على حرب العدوّ، وأن تكون الكلمة واحدة.
فتوجه رسوله، واجتمع بالملك السعيد. فسبّه وسبّ من أرسله، وقال: من هو الذى يوافق هذا الصبى، أو يدخل فى طاعته أو ينضم إليه؟! ونحو هذا من الكلام. ففارقه وتوجه إلى الملك الأشرف. فخلا الملك الأشرف بالرسول، وقبّل الأرض بين يديه تعظيما لمرسله. وأجلسه مكانه على مرتبته وجلس بين يديه، وسمع رسالته. وقال له: قبّل الأرض بين يدى مولانا السلطان الملك المظفّر، وأبلغه عنى أننى فى طاعته وموافقته، وامتثال أمره. والحمد لله الذى أقامه لنصرة هذا الدين. ووعد أنه، إن حضر المصافّ مع التتار، انهزم بهم، إلى غير ذلك. وأعطى الرسول ذهبا جيّدا، واعتذر إليه.
فعاد الرسول، وأبلغ الملك المظفر عن كل من الملكين ما قال له.
فعامل كلا منهما، عند ظفره، بما نذكره.
стр. 11649
قال: وجمع السلطان الملك المظفر الأمراء بالصالحيّة «١» ، واستشارهم: أين يكون لقاء العدو؟ فأشاروا أن يكون بالصالحيّة.
وصمّموا على ذلك. فوافقهم على رأيهم ظاهرا. وركب فى صبيحة ليلة المشورة من منزلة الصالحية. وحرّك الكوسات «٢» ودخل الرّمل. فانجرت العساكر خلفه، ولم يتخلف منهم أحد عنه. وسار بعساكره وجموعه، حتى انتهى إلى عين جالوت- من أرض كنعان «٣» ، بالقرب من بيسان، مدينة غور الشام.
وأقبل كتبغا نوين بجيوش التتار، ومن انضم إليه. والتقوا واقتتلوا- وذلك فى يوم الجمعة، الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة ثمان وخمسين وستمائة. وثبت الملك المظفّر أحسن ثبات. حكى بعض من حضر هذه الواقعة قال: كنت خلف السلطان الملك المظفّر، لما التحم القتال ووقعت الصّدمة الأولى، فاضطر جناح عسكر السلطان، وتتعتع طرف منه.
فلما رأى الملك المظفر ذلك، رمى خوذته عن رأسه، وصاح: وا إسلاماه! وحمل، فأعطاه الله تعالى النصر. وكانت الدائرة على التتار، وأخذهم السيف والإسار. وقتل كتبغا نوين، فيمن قتل. وانهزم من سلم من التتار، لا يلوون على شىء. وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى ممن شهد هذه الوقعة، وأبلى يومئذ بلاء حسنا.
стр. 11650
وكان ممن أسر من التتار، فى هذه الوقعة: كتبغا المنصورى- وهو يومئذ شاب- وهو الذى ملك الديار المصرية- بعد ذلك- فى سنة أربع وتسعين وستمائة، ولقب بالعادل. ووقع فى ذلك حكاية غريبة، نذكرها- ان شاء الله تعالى- عند ذكرنا لسلطنة الملك العادل كتبغا.
قال: ولما تمت الهزيمة على التتار، جاء الملك السعيد- بن الملك العزيز- إلى السلطان الملك المظفر، مستأمنا. وكان شهد الوقعة مع التتار.
فترجّل عن فرسه، وتقدم إلى السلطان ليقبّل يده. فضربه برجله على فمه، فأدماه. وجاء أحد سلاح دارية «١» السلطان، فضرب عنقه! وفعل ذلك به، مؤاخذة له على جوابه، الذى ذكره لرسول السلطان.
ذكر مسير السلطان الملك المظفر إلى دمشق ووصوله إليها، وملكه الممالك الشامية، وما قرره من ترتيب الملوك والنواب، وغير ذلك مما اتفق بدمشق
قال المؤرخ: ولما تم النصر، تقدم السلطان الملك المظفر، طالبا جهة دمشق. واتصل [الخبر] بالزين الحافظى ونواب التتار بدمشق، ومن كان قد وصل- صحبة الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث، صاحب
стр. 11651
الكرك- من جهة هولاكو من توريز «١» ، ليكون شحنة «٢» بالكرك، وكانوا بدمشق. فخرجوا هاربين إلى هولاكو.
وكان النصارى بدمشق، فى أيام التتار، قد استطالوا على المسلمين، ومدوا أيديهم، وبسطوا ألسنتهم فيهم. فلما اتصل خبر النصر بالمسلمين، ثار جماعة من العوام، وحرقوا كنيسة مريم، وخربوا بعضها. فأقاموا كذلك من يوم الجمعة إلى يوم الثلاثاء. إلى أن وصل الأمير جمال الدين أقش المحمّدى، بكتاب السلطان الملك المظفر، ودخل دمشق. ونزل دار السعادة، وسكّن الناس وطمّنهم.
ثم وصل السلطان فى يوم الأربعاء، سلخ شهر رمضان. ونزل على الجسورة «٣» ، وخيّم بها. وعيّد عيد الفطر، ثم دخل إلى دمشق، فى ثانى شوال، وملك البلاد.
ورتّب النوّاب فى المماليك الشامية: ففوّض نيابة دمشق إلى الأمير- علم الدين سنجر الحلبى- الصالحى. وجعل معه الأمير فخر الدين:
أبا الهيجا بن خشترين. وأقر الملك الأشرف مظفر الدين موسى على مملكته، بحمص والرّحبة وتدمر. وبعث الملك المظفر بن الملك الرحيم- بدر الدين
стр. 11652
لؤلؤ- إلى حلب نائبا بها، ونعته بالملك السعيد- لمشاركة النّعت. وأقر الملك المنصور بن الملك المظفر على مملكته بحماه. وأقطع البلاد الشامية والحلبية.
وأصلح ما اضطرب من الأمور. وعاد لقصد الديار المصرية، فقتل- قبل وصوله إليها.
ذكر مقتل السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز، ونبذة من أخباره
كان مقتله- رحمه الله تعالى- فى يوم السبت، الخامس عشر من ذى القعدة، سنة ثمان وخمسين وستمائة- وقيل فى سابع عشر الشهر.
وذلك أنه لما قرّر أمور الشام، ورتب الملوك والنواب والممالك، عاد من دمشق لقصد الديار المصرية، فى سادس عشر شوال. فلما وصل إلى منزلة القصير من منازل الرّمل «١» ، ركب إلى الصيد. وكان الأمير بدر الدين أنص الأصفهانى، وجماعة معه، تظافروا هم والأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى، على اغتياله. فقصدوه- وهو فى الصيد- وقتلوه غيلة!
стр. 11653
وحكى فى كيفية قتله: أنه كان قد تغير خاطره على الأمير ركن الدين بيبرس البندقدارى. فلما تقدّم الأمراء إليه، سأله الأمير بدر الدين أنص الرضا عن الأمير ركن الدين. فقال: قد رضيت عنه. فترجل الأمير ركن الدين ليقبّل يده. فلما تناولها قبض عليها، وجذبه عن سرجه، وبدره أولئك الأمراء بالضرب، فقتلوه- رحمه الله تعالى.
ويقال: إن الأمراء الذين اتفقوا على قتله [هم] : الأمير سيف الدين بلبان الرّشيدى، والأمير سيف الدين بهادر المعزّى- خوشداشه «١» - والأمير بدر الدين بكتوت الجو كان دار «٢» المعزّى، والأمير سيف الدين بيغان الرّكنى، والأمير سيف الدين بلبان الهارونى، ومن ذكرنا.
وكان الملك الظاهر يدّعى أنه هو الذى قتله بيده. وقال جماعة: إنه لم يباشر قتله، وإنما كان يدّعى ذلك، افتخارا. وقد نقل أن الملك الظاهر لما قبض على يده، ضربه الأمير بدر الدين بكتوت الجو كان دار على عاتقه بالسيف، فأبانه. وألقاه الأمير بدر الدين أنص عن فرسه. ثم رماه الأمير سيف الدين بهادر المعزّى بسهم، أتى على روحه- رحمه الله تعالى. فكأنه المعنى بقول الشاعر:
وما كان إلا السيف، لاقى ضريبة «٣» ... فقطّعه، ثم انثنى فتقطّعا
стр. 11654
وكانت مدة ملكه أحد عشر شهرا، وسبعة عشر يوما.
وأما غير ذلك من أحواله- رحمه الله تعالى-: فقد حكى أنه كان من أولاد الملوك الخوارزميّة. وأنه محمود بن ممدود، ابن أخت السلطان خوارزم شاه. وإنما أبيع، لما استولى التتار على البلاد، وملكوا ملك الخوارزميّة. وقتلوا الرجال وأسروا النساء والصبيان، وكان هو ممن أسر وأبيع. وقد كان هو يصرّح بذلك- فيما حكى عنه- ويستكتم من يحكيه له.
وقد نقل الشيخ شمس الدين: محمد بن إبراهيم بن أبى بكر بن إبراهيم ابن عبد العزيز، بن أبى الفوارس الجزرى، ثم الدّمشقى- فى تاريخه:
«حوادث الزمان وأنبائه» أن والده أخبره أن الحاج على الفرّاش أخبره، قال:
لما كان قطز فى رقّ ابن الزّعيم «١» بدمشق- وكان سكنه بالقصّاعين «٢» - غضب عليه فى بعض الأيام فلطم وجهه، ولعبة ولعن والديه وجدّه. قال: فبكى قطز بكاء شديدا، وجعل ينتحب طول نهاره، وامتنع من الأكل. وركب أستاذه بعد صلاة الظهر إلى الخدمة، فقال لى:
استرضه وأطعمه، واعتبه على بكائه.
стр. 11655
قال الفرّاش: فجئت إليه وجعلت ألومه على بكائه من لطمة واحدة، فكيف لو ضربت ألف عصاة أو دبّوس، أو جرحت بسيف؟! فقال: والله ما بكائى وغيظى من أجل لطمة، وإنما كونه لعن أبى وأمى وجدى. فقلت له: ومن أبوك وجدك وأمك؟ فقال: والله أبى خير من أبيه، وأمى خير من أمه، وجدى خير من جده. فقلت له: أنت مملوك تركى، كافر بن كافرين.
فقال: والله، ما أنا إلا مسلم، ابن مسلمين: أنا محمود بن ممدود، ابن أخت خوارزم شاه، من أولاد الملوك. قال: فسكتّ عنه وطايبته.
وتقلّبت به الأحوال، إلى أن ملك الديار المصرية والشام. ولما ملك دمشق أحسن إلى الحاج على الفراش المذكور، وأعطاه خمسمائة دينار، ورتب له راتبا جيّدا.
قال الشيخ شمس الدين: وقد حكى لى ولوالدى، هذه الحكاية عنه. هذا معنى كلامه ولفظه.
ومما يؤيّد هذه الحكاية أيضا- ويشهد لها- ما حكاه الشيخ شمس الدين- المذكور- عن والده، قال: حكى لى الحاج أبو بكر بن الدّريهم الإسعردى، والحاج زكى الدين إبراهيم الجزرى- المعروف بالجبيلى، أستاذ الفارس أقطاى- قالا:
كنا عند الأمير سيف الدين قطز فى أول دولة أستاذه: الملك المعزّ، وقد حضر عنده منجّم ورد من بلاد المغرب- وهو موصوف بالحذق فى علم الرّمل والفلك. فأمر قطز أكثر من عنده من حاشيته بالانصراف، فانصرفوا.
стр. 11656
وهممنا بالقيام، فأمرنا بالجلوس، فجلسنا. وما ترك عنده إلا من يثق به من خواصّه. وقال للمنجّم: اضرب الرمل. ففعل. وحدّثه بأشياء كثيرة، مما كان فى نفسه.
وكان آخر ما قال له: اضرب وانظر من يملك بعد أستاذى، ومن يكسر التتار؟ فضرب، وحسب حسابا طويلا، وبقى يفكر ويعدّ أصابعه.
وقال: قد طلع معى خمس حروف بغير نقط، وأبوه أيضا خمس حروف بغير نقط. وأنت اسمك ثلاث حروف، وابن السلطان كذلك. فقال له: لم لا تقول: محمود بن ممدود؟ فقال المنجم: لا يقع غير هذا الاسم. فقال قطز: أنا محمود بن ممدود. وأنا أكسر التتار، وآخذ بثأر خالى خوارزم شاه.
ثم استكتمنا هذا الأمر. وأنعم على المنجم بثلاثمائة درهم، وصرفه.
وحكى عن المولى المرحوم تاج الدين أحمد بن الأثير- رحمه الله تعالى- ما معناه:
أن الملك صلاح الدين يوسف صاحب الشام- رحمه الله تعالى- لما كان على برزة «١» ، فى أواخر سنة سبع وخمسين وستمائة- وصل إليه قصّاد «٢» من الديار المصرية، بكتب، تتضمن أن قطز قد تسلطن وملك الديار المصرية، وقبض على الملك المنصور بن أستاذه الملك المعز. قال القاضى تاج الدين: فطلبنى السلطان- ﵀ فقرأت عليه الكتب.
стр. 11657
فقال لى: خذ هذه الكتب، وتوجه إلى الأمير ناصر الدين القيمرى، والأمير جمال الدين بن يغمور، وأوقف كلّا منهما عليها. قال: فأخذتها وخرجت من عنده. فلما بعدت عن الدّهليز، لقينى حسام الدين البركة خانى «١» ، فسلم على، وقال، جاءكم بريد أو قصّاد من الديار المصرية فورّيت «٢» ، وقلت: ما عندى علم بشىء من هذا. قال: قطز يتسلطن، ويملك الديار المصرية، ويكسر التتار. قال القاضى تاج الدين: فعجبت من كلامه، وقلت له: ايش هذا القول؟ من أين لك هذا؟
قال: والله، هذا قطز هو خوشداشى «٣» . كنت أنا واياه عند الهيجاوى من أمراء مصر، ونحن صبيان وكان عليه قمل كثير، فكنت أسرّح رأسه- على أننى كلما أخذت عنه قملة، آخذ منه فلسا أو صفعة. فلما كان بعض الأيام أخذت عنه قملا كثيرا، وشرعت أصفعه، ثم قلت فى غضون ذلك: والله ما أشتهى إلا أن الله يرزقنى إمرة خمسين فارسا، فقال لى: طيّب قلبك، أنا أعطيك إمرة خمسين فارسا. فصفعته، وقلت:
والك «٤» ، أنت تعطينى إمرة؟! قال نعم! فصفعته! فقال لى: والك، ايش يلزم لك إلا إمرة بخمسين فارس، أنا والله، أعطيك. قلت: والك، كيف تعطينى؟.
стр. 11658
قال: أملك الديار المصرية: قلت: تملك الديار المصرية؟! قال: نعم، رأيت النبى- ﷺ فى المنام، وقال لى: أنت تملك الديار المصرية، وتكسر التتار. وقول النبى ﷺ لا شك فيه. فسكت. وكنت أعرف منه الصّدق فى حديثه وعدم الكذب.
وتنقّلت به الأحوال، وارتفع شأنه. إلى أن صار هو المحتكم فى الدولة. وما أشك أنه يملك الديار المصرية- مستقبلا- ويكسر التتار- كما أخبره النبى ﷺ فى المنام.
قال القاضى تاج الدين: فلما قال لى هذا القول، قلت له: والله قد وردت الأخبار أنه تسلطن فى الديار المصرية. قال لى: والله، وهو يكسر التتار. فما مضى إلا مدة يسيرة، حتى خرج وكسر التتار.
قال المولى تاج الدين- ﵀ فرأيت الأمير حسام الدين البركة خانى، الحاكى لى- بعد ذلك- بالديار المصرية، بعد كسرة التتار. فسلّم على وقال لى: تذكر ما قلت فى الوقت الفلانى؟ قلت: نعم. قال: والله، حالما عاد الملك الناصر «١» من قطيا «٢» ، ودخلت أنا إلى الديار المصرية، أعطانى إمرة خمسين فارسا، كما قال- ﵀ لا زايد على ذلك.
وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ قطب الدين اليونينى «٣» فى تاريخه، وقال أيضا:
стр. 11659
وحكى لى الأمير عز الدين بن أبى الهيجا ما معناه: أن الأمير سيف الدين بلقاق حدثه، أن الأمير بدر الدين بكتوت الأتابكى حكى له، قال:
كنت أنا والملك المظفر قطز، والملك الظاهر ركن الدين بيبرس- رحمهم الله تعالى- فى حال الصّبا، كثيرا ما نكون مجتمعين فى ركوبنا وغير ذلك. فاتفق أن رأينا منجّما فى بعض الطرق بالديار المصرية. فقال له الملك المظفر: أبصر نجمى. فضرب بالرمل وحسب، وقال له: أنت تملك هذه البلاد، وتكسر التتار! فشرعنا نهزأ به. ثم قال له الملك الظاهر: فأبصر نجمى. فضرب بالرمل وحسب، وقال: وأنت تملك الديار المصرية وغيرها. فتزايد استهزاؤنا به! ثم قالا لى: لا بد أن يبصر نجمك. فقلت له أبصر لى. فضرب وحسب، وقال لى: وأنت تحصل لك إمرة بمائة فارس، يعطيك هذا- وأشار إلى الملك الظاهر. فاتفق أن الأمر وقع كما قال. وهذا من عجيب الاتفاق.
قال الشيخ قطب الدين اليونينى- نفع الله به-:
وكان السلطان الملك المظفّر بطلا شجاعا، ولم يكن يوصف بشح ولا كرم، بل كان متوسطا. وهو أول من أجترأ على التتار، وكسرهم، بعد خوارزم شاه، كسرة عظيمة، جبر بها الإسلام.
стр. 11660
قال: ومما حكى لى عنه: أنه قتل فى يوم المصافّ «١» جواده بعين جالوت، ولم يصادف فى تلك الساعة أحد من أوشاقيّته «٢» ، الذين معهم جنائبه، فبقى راجلا. ورآه بعض الأمراء الشجعان، فترجل عن حصانه وقدمه له ليركبه. فامتنع، وقال له ما معناه: ما كنت لآخذ حصانك فى هذا الوقت، وأمنع المسلمين الانتفاع بك، وأعرضك للقتل. وحلف عليه أن يركب فرسه. فامتثل أمره، وركب. ووافاه الأوشاقيّة بالجنائب «٣» ، فركب جنيبا.
فلامه بعض خواصّه على ذلك، وقال: لو صادفك- والعياذ بالله- بعض المغل، وأنت على الأرض راجلا، كنت رحت، وراح الإسلام! فقال:- أما أنا فكنت أروح إلى الجنة- إن شاء الله تعالى. وأما الإسلام، فما كان الله ليضيعه. فقد مات الملك الصالح، وقتل ولده الملك المعظم، والأمير فخر الدين بن الشيخ- مقدّم العساكر- ونصر الله الإسلام، بعد اليأس من نصره- يشير إلى نوبة المنصورة «٤»
следующие страницы →