← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.

стр. 11656

وهممنا بالقيام، فأمرنا بالجلوس، فجلسنا. وما ترك عنده إلا من يثق به من خواصّه. وقال للمنجّم: اضرب الرمل. ففعل. وحدّثه بأشياء كثيرة، مما كان فى نفسه. وكان آخر ما قال له: اضرب وانظر من يملك بعد أستاذى، ومن يكسر التتار؟ فضرب، وحسب حسابا طويلا، وبقى يفكر ويعدّ أصابعه. وقال: قد طلع معى خمس حروف بغير نقط، وأبوه أيضا خمس حروف بغير نقط. وأنت اسمك ثلاث حروف، وابن السلطان كذلك. فقال له: لم لا تقول: محمود بن ممدود؟ فقال المنجم: لا يقع غير هذا الاسم. فقال قطز: أنا محمود بن ممدود. وأنا أكسر التتار، وآخذ بثأر خالى خوارزم شاه. ثم استكتمنا هذا الأمر. وأنعم على المنجم بثلاثمائة درهم، وصرفه. وحكى عن المولى المرحوم تاج الدين أحمد بن الأثير- رحمه الله تعالى- ما معناه: أن الملك صلاح الدين يوسف صاحب الشام- رحمه الله تعالى- لما كان على برزة «١» ، فى أواخر سنة سبع وخمسين وستمائة- وصل إليه قصّاد «٢» من الديار المصرية، بكتب، تتضمن أن قطز قد تسلطن وملك الديار المصرية، وقبض على الملك المنصور بن أستاذه الملك المعز. قال القاضى تاج الدين: فطلبنى السلطان- ﵀ فقرأت عليه الكتب.

стр. 11657

فقال لى: خذ هذه الكتب، وتوجه إلى الأمير ناصر الدين القيمرى، والأمير جمال الدين بن يغمور، وأوقف كلّا منهما عليها. قال: فأخذتها وخرجت من عنده. فلما بعدت عن الدّهليز، لقينى حسام الدين البركة خانى «١» ، فسلم على، وقال، جاءكم بريد أو قصّاد من الديار المصرية فورّيت «٢» ، وقلت: ما عندى علم بشىء من هذا. قال: قطز يتسلطن، ويملك الديار المصرية، ويكسر التتار. قال القاضى تاج الدين: فعجبت من كلامه، وقلت له: ايش هذا القول؟ من أين لك هذا؟ قال: والله، هذا قطز هو خوشداشى «٣» . كنت أنا واياه عند الهيجاوى من أمراء مصر، ونحن صبيان وكان عليه قمل كثير، فكنت أسرّح رأسه- على أننى كلما أخذت عنه قملة، آخذ منه فلسا أو صفعة. فلما كان بعض الأيام أخذت عنه قملا كثيرا، وشرعت أصفعه، ثم قلت فى غضون ذلك: والله ما أشتهى إلا أن الله يرزقنى إمرة خمسين فارسا، فقال لى: طيّب قلبك، أنا أعطيك إمرة خمسين فارسا. فصفعته، وقلت: والك «٤» ، أنت تعطينى إمرة؟! قال نعم! فصفعته! فقال لى: والك، ايش يلزم لك إلا إمرة بخمسين فارس، أنا والله، أعطيك. قلت: والك، كيف تعطينى؟.

стр. 11658

قال: أملك الديار المصرية: قلت: تملك الديار المصرية؟! قال: نعم، رأيت النبى- ﷺ فى المنام، وقال لى: أنت تملك الديار المصرية، وتكسر التتار. وقول النبى ﷺ لا شك فيه. فسكت. وكنت أعرف منه الصّدق فى حديثه وعدم الكذب. وتنقّلت به الأحوال، وارتفع شأنه. إلى أن صار هو المحتكم فى الدولة. وما أشك أنه يملك الديار المصرية- مستقبلا- ويكسر التتار- كما أخبره النبى ﷺ فى المنام. قال القاضى تاج الدين: فلما قال لى هذا القول، قلت له: والله قد وردت الأخبار أنه تسلطن فى الديار المصرية. قال لى: والله، وهو يكسر التتار. فما مضى إلا مدة يسيرة، حتى خرج وكسر التتار. قال المولى تاج الدين- ﵀ فرأيت الأمير حسام الدين البركة خانى، الحاكى لى- بعد ذلك- بالديار المصرية، بعد كسرة التتار. فسلّم على وقال لى: تذكر ما قلت فى الوقت الفلانى؟ قلت: نعم. قال: والله، حالما عاد الملك الناصر «١» من قطيا «٢» ، ودخلت أنا إلى الديار المصرية، أعطانى إمرة خمسين فارسا، كما قال- ﵀ لا زايد على ذلك. وقد ذكر هذه الحكاية الشيخ قطب الدين اليونينى «٣» فى تاريخه، وقال أيضا:

стр. 11659

وحكى لى الأمير عز الدين بن أبى الهيجا ما معناه: أن الأمير سيف الدين بلقاق حدثه، أن الأمير بدر الدين بكتوت الأتابكى حكى له، قال: كنت أنا والملك المظفر قطز، والملك الظاهر ركن الدين بيبرس- رحمهم الله تعالى- فى حال الصّبا، كثيرا ما نكون مجتمعين فى ركوبنا وغير ذلك. فاتفق أن رأينا منجّما فى بعض الطرق بالديار المصرية. فقال له الملك المظفر: أبصر نجمى. فضرب بالرمل وحسب، وقال له: أنت تملك هذه البلاد، وتكسر التتار! فشرعنا نهزأ به. ثم قال له الملك الظاهر: فأبصر نجمى. فضرب بالرمل وحسب، وقال: وأنت تملك الديار المصرية وغيرها. فتزايد استهزاؤنا به! ثم قالا لى: لا بد أن يبصر نجمك. فقلت له أبصر لى. فضرب وحسب، وقال لى: وأنت تحصل لك إمرة بمائة فارس، يعطيك هذا- وأشار إلى الملك الظاهر. فاتفق أن الأمر وقع كما قال. وهذا من عجيب الاتفاق. قال الشيخ قطب الدين اليونينى- نفع الله به-: وكان السلطان الملك المظفّر بطلا شجاعا، ولم يكن يوصف بشح ولا كرم، بل كان متوسطا. وهو أول من أجترأ على التتار، وكسرهم، بعد خوارزم شاه، كسرة عظيمة، جبر بها الإسلام.

стр. 11660

قال: ومما حكى لى عنه: أنه قتل فى يوم المصافّ «١» جواده بعين جالوت، ولم يصادف فى تلك الساعة أحد من أوشاقيّته «٢» ، الذين معهم جنائبه، فبقى راجلا. ورآه بعض الأمراء الشجعان، فترجل عن حصانه وقدمه له ليركبه. فامتنع، وقال له ما معناه: ما كنت لآخذ حصانك فى هذا الوقت، وأمنع المسلمين الانتفاع بك، وأعرضك للقتل. وحلف عليه أن يركب فرسه. فامتثل أمره، وركب. ووافاه الأوشاقيّة بالجنائب «٣» ، فركب جنيبا. فلامه بعض خواصّه على ذلك، وقال: لو صادفك- والعياذ بالله- بعض المغل، وأنت على الأرض راجلا، كنت رحت، وراح الإسلام! فقال:- أما أنا فكنت أروح إلى الجنة- إن شاء الله تعالى. وأما الإسلام، فما كان الله ليضيعه. فقد مات الملك الصالح، وقتل ولده الملك المعظم، والأمير فخر الدين بن الشيخ- مقدّم العساكر- ونصر الله الإسلام، بعد اليأس من نصره- يشير إلى نوبة المنصورة «٤»

стр. 11661

قال: ولما قدم إلى دمشق بعد الكسرة «١» ، أجرى الناس كافّة، على ما كانوا عليه إلى آخر الأيام الناصرية، فى رواتبهم ومقرّراتهم وإطلاقاتهم. ولم يتعرض إلى مال أحد، ولا إلى ملكه. ثم توجّه «٢» ، بعد تقرير قواعد الشام. فرزقه الله الشهادة، فقتل مظلوما. رحمه الله تعالى

стр. 11662

انتهى الجزء التاسع والعشرون من كتاب «نهاية الأرب» للنويرى الحمد لله

стр. 11663

فهرس موضوعات الجزء التاسع والعشرون من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب للنويري الصفحة تمهيد ٥ ذكر أخبار السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وسلطنته ٩ ذكر الغلاء الكائن بالديار المصرية فى الدولة العادلية وهو الغلاء المشهور ١٢ ذكر وفاة القاضى الفاضل وشىء من أخباره ١٣ ذكر الخلف الواقع بين الأمراء الصلاحية والسلطان الملك العادل ١٩ ذكر اتفاق الملوك الأيّوبية وما استقر لكل منهم من الممالك ٢٦ ذكر خبر الزلزلة الحادثة بالديار المصرية والبلاد الشامية وغيرها ٢٨ ذكر عمارة المسجد الجامع بقاسيون ٣٢ ذكر وفاة الملك المعز صاحب اليمن وقيام أخيه نجم الدين أيوب ٣٢ ذكر حصار ماردين وما حصل من الاتفاق ٣٦ ذكر قصد العادل بلاد الفرنج ٤٠ ذكر انتقال السلطنة من دار الوزارة بالقاهرة إلى قلعة الجبل ٤١ ذكر ورود رسل الخليفة الناصر لدين الله بالخلع للملك العادل وأولاده ووزيره ٤١

стр. 11664

الصفحة ذكر استيلاء الملك الأوحد بن السلطان الملك العادل على خلاط ٤٣ ذكر حصار الملك العادل سنجار ورجوعه عنها وأخذ نصيبين والخابور ٤٩ ذكر بناء القبة على ضريح الإمام الشافعى- رحمه الله تعالى- وعمارة السوق ٥٣ ذكر عزل الصاحب صفى الدين عبد الله بن على بن شكر وولاية الصاحب الأعز بن شكر ٥٥ ذكر حادثة الأمير عز الدين أسامة واعتقاله والاستيلاء على قلاعه ٥٩ ذكر وفاة الملك الأوحد صاحب خلاط واستيلاء أخيه الملك الأشرف عليها ٦٢ ذكر قيام أهل مصر على الملك الكامل ورجمه ٦٣ ذكر استيلاء الملك المسعود بن الملك الكامل على اليمن ٦٥ ذكر القبض على الصاحب الأعز ٧١ ذكر مصادرة الصاحب صفى الدين بن شكر ونفيه من الديار المصرية ٧٦ ذكر مسير السلطان إلى الشام ٧٨ ذكر قصد الفرنج جزين وقتلهم ٨٠ ذكر تخريب حصن الطور ٨١ ذكر وفاة السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر: محمد بن أيوب وشىء من أخباره ٨٢ ذكر تسمية أولاد السلطان الملك العادل وما استقر لهم من الممالك والإقطاع ٨٤ ذكر أخبار السلطان الملك الكامل ناصر الدين بن السلطان الملك العادل سيف الدين، أبى بكر محمد بن أيوب ٨٧ ذكر نزول الفرنج على ثغر دمياط ٨٧ ذكر حوادث وقعت فى مدة حصار ثغر دمياط ٨٨ ذكر وصول الملك المعظم عيسى- صاحب دمشق- وإخراج عماد الدين بن المشطوب وما اتفق له بعد خروجه ٩٠ ذكر وصول الصاحب صفى الدين بن شكر ووزارته ٩٢ ذكر خراب القدس ٩٣ ذكر استيلاء الفرنج على دمياط ٩٤ ذكر عود الملك المعظم شرف الدين عيسى إلى الشام وما اعتمده ٩٥ ذكر وفاة ست الشام ابنة أيوب وإيقافها أملاكها، وتفرقة أموالها، وما فعله الملك

стр. 11665

المعظم مع قاضى الشام: بسبب ذلك ٩٦ ذكر وصول ملوك الشرق إلى السلطان الملك الكامل وانهزام الفرنج واستعادة ثغر دمياط، وتقرير الهدنة ١١٣ ذكر رجوع السلطان إلى القاهرة وإخراج الأمراء إلى الشام ١١٨ ذكر توجه الملك المسعود بن الملك الكامل من اليمن إلى الحجاز. وما عتمده ١٢١ ذكر ملك الملك المسعود بن السلطان الملك الكامل مكة ١٢٥ ذكر عصيان الملك المظفر شهاب الدين غازى على أخيه الملك الأشرف وقتاله. وانتصار الملك الأشرف ١٢٦ ذكر وصول الملك المسعود من اليمن ١٢٨ ذكر ابتداء المعاملة بالفلوس بالديار المصرية ١٣١ ذكر وصول رسول الخليفة إلى الملوك أولاد السلطان الملك العادل، وطلب الصلح بينهم والاتفاق ١٣٥ ذكر هدم مدينة تنّيس ١٣٩ ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الكامل وبين أخيه المعظم ١٤٠ ذكر وفاة الملك المعظم عيسى، وشىء من أخباره وسيرته، وقيام ولده الملك الناصر داود ١٤٣ ذكر تسليم البيت المقدس وما جاوره للفرنج ١٤٩ ذكر توجه السلطان إلى دمشق وحصارها، وأخذها من ابن أخيه: الملك الناصر داود، واستقرار الملك الناصر بالكرك وما معها ١٥٣ ذكر تسليم دمشق للملك الأشرف ١٥٥ ذكر أخذ مدينة حماه وتسليمها للملك المظفر ١٥٦ ذكر وفاة الملك المسعود، صاحب اليمن ١٥٧ ذكر استيلاء الملك الأشرف على بعلبك ١٦٢ ذكر استيلاء السلطان الملك الكامل على آمد وحصن كيفا ١٧٠ ذكر توجه رسول السلطان الملك الكامل إلى بغداد، وعوده هو ورسول الخليفة بالتقليد ١٧٣ ذكر ركوب الملك العادل بشعار السلطنة ١٩٠ ذكر مسير السلطان الملك الكامل إلى بلاد الروم ١٩٨

стр. 11666

الصفحة ذكر إنشاء جامع التوبة بالعقيبة بدمشق ٢٠٧ ذكر وقوع الوحشة بين السلطان الملك الكامل وأخيه الملك الأشرف ٢١٦ ذكر وفاة الملك العزيز صاحب حلب وقيام ولده الملك الناصر ٢١٧ ذكر وفاة الملك الأشرف وشىء من أخباره وقيام أخيه الملك الصالح إسماعيل وإخراجه من الملك ٢١٨ ذكر ملك الملك الصالح عماد الدين إسماعيل- بن الملك العادل- دمشق، ووصول الملك الكامل إليها وحصار دمشق وأخذها وتعويض الصالح عنها ٢٢٣ ذكر وفاة السلطان الملك الكامل ٢٢٧ ذكر ما اتفق بدمشق بعد وفاة السلطان الملك الكامل فى هذه السنة ٢٢٨ ذكر ما وقع بين الملكين: الناصر والجواد، وهرب الناصر إلى الكرك ٢٣٠ ذكر أخبار الملك الصالح نجم الدين أيوب ببلاد الشرق فى هذه السنة ٢٣٢ ذكر أخبار السلطان الملك العادل ٢٣٤ ذكر ما وقع فى هذه السنة من الحوادث- خلاف ما تقدم- ٢٣٦ ذكر القبض على الصاحب صفى الدين مرزوق ومصادرته واعتقاله ٢٣٨ ذكر خروج دمشق عن الملك العادل وتسليمها لأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب ٢٣٩ ذكر أخبار الملك الجواد، وما كان من أمره بعد تسليم دمشق ٢٤٣ ذكر مخالفة الأتراك على السلطان الملك العادل، وتوجههم إلى أخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق ٢٤٩ ذكر وصول الملك الناصر داود- صاحب الكرك- إلى السلطان الملك العادل ٢٥٠ ذكر عود السلطان الملك العادل من بلبيس إلى قلعة الجبل ٢٥٢ ذكر قتال الفرنج وفتح القدس ٢٥٣ ذكر وفاة الملك المجاهد صاحب حمص ٢٥٤ ذكر وصول رسل الخليفة إلى السلطان الملك العادل بالتّشاريف ٢٥٥ ذكر القبض على السلطان الملك العادل وخلعه ٢٥٦ ذكر أخبار السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب بن السلطان الملك الكامل- وما كان من أمره بعد وفاة أبيه إلى أن ملك الديار المصرية ٢٥٧ ذكر استيلاء الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين

стр. 11667

أبى بكر محمد بن أيوب- على دمشق ٢٦٠ ذكر القبض على الملك الصالح نجم الدين أيوب واعتقاله بقلعة الكرك ٢٦٣ ذكر إطلاق الملك الصالح من الاعتقال بالكرك، وما كان من أمره إلى أن ملك الديار المصرية ٢٦٥ ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية وهو السلطان الثامن من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية ٢٦٧ ذكر عود الملك الناصر داود إلى الكرك ٢٦٨ ذكر عدة حوادث وقعت فى سنة سبع وثلاثين وستمائة خلاف ما قدمناه ٢٧١ ذكر مسير الملك الصالح إسماعيل صاحب دمشق منها لقصد الديار المصرية، وقتاله الملك الناصر صاحب الكرك وعوده إلى دمشق ٢٧٧ ذكر تسليم صفد وغيرها للفرنج وما فعله الشيخ عز الدين بن عبد السلام- بسبب ذلك- وما اتفق له مع الملك الصّالح ٢٧٨ ذكر صرف قاضى القضاة شرف الدين بن عين الدولة عن القضاء بمصر والوجه القبلى، وتفويض ذلك لقاضى القضاة بدر الدين السّنجارى ٢٨٢ ذكر وفاة قاضى القضاة شرف الدين بن عين الدولة، وشىء من أخباره ٢٨٢ ذكر وصول شيخ الإسلام عبد العزيز بن عبد السلام- إلى الديار المصرية، وما اتفق له بعد خروجه من الشام إلى أن وصل، وتفويض القضاء بمصر والخطابة بها- وغير ذلك- إليه، وما فعله، وعزله نفسه ٢٩٤ ذكر الاتفاق والاختلاف بين الملكين الصالحين: نجم الدين أيوب صاحب مصر، وعماد الدين إسماعيل صاحب دمشق ٣٠٢ ذكر الواقعة الكائنة بين عسكر مصر- ومن معه من الخوارزمية- وبين عسكر الشام- ومن شايعهم من الفرنج- وانهزام الفرنج وعسكر الشام، على غزه ٣٠٥ ذكر وفاة الملك المظفر تقى الدين محمود صاحب حماه وملك ولده المنصور ٣٠٨ ذكر استيلاء الملك الصالح نجم الدين أيوب على دمشق وأخذها من عمه الملك الصالح إسماعيل، وعود الصالح إسماعيل إلى بعلبك وما معها ٣١٠ ذكر وفاة الأمير الصاحب معين الدين ٣١٤ ذكر محاصرة الملك الصالح إسماعيل صاحب بعلبك دمشق، وما حصل بها من الغلاء

стр. 11668

بسبب الحصار ٣١٤ ذكر وقعة الخوارزمية وقتل مقدمهم، واستيلاء الملك الصالح على بعلبك وأعمالها، وصرخد ٣١٩ ذكر استيلاء جيش السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب على بعلبك، وخروج الملك الصالح إسماعيل عنها ٣٢٢ ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حمص، وقيام ولده الملك الأشرف ٣٢٣ ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب إلى الشام وما استولى عليه فى هذه السفرة، وما قرره، وعوده ٣٢٣ ذكر القبض على الأمير عز الدين أيبك المعظمى، ووفاته ٣٢٧ ذكر توجه السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب من الديار المصرية إلى دمشق وما اعتمده ٣٢٨ ذكر وفاة الملك المظفر شهاب الدين غازى وقيام ولده الملك الكامل ٣٢٩ ذكر استيلاء الفرنج على ثغر دمياط ٣٣٤ ذكر استيلاء السلطان على قلعة الكرك وبلادها ٣٣٥ ذكر وفاة الملك السلطان الصالح نجم الدين أيوب ٣٣٦ ذكر خبر الأمير فخر الدين أبى الفضل يوسف بن الشيخ- وقتله ٣٣٨ ذكر أخبار السلطان الملك المعظم غياث الدين تورانشاه وهو التاسع من ملوك الدولة الأيوبية بالديار المصرية ٣٤٠ ذكر عدة حوادث كانت فى سنة سبع وأربعين وستمائة، غير ما تقدم ٣٥٤ ذكر هزيمة الفرنج وأسر ملكهم ريدا فرنس ٣٥٥ ذكر مقتل السلطان الملك المعظم ٣٥٩ ذكر ملك شجر الدر: والدة خليل، سرية الملك الصالح نجم الدين أيوب ٣٦٢ ذكر استعادة ثغر دمياط من الفرنج وإطلاق ريدا فرنس ٣٦٣ ذكر خلع شجر الدر نفسها من الملك وانقراض الدولة الأيوبية من الديار المصرية ٣٦٣ الأيوبيون فى غير الديار المصرية ٣٦٤ ذكر استيلاء الملك الناصر على دمشق ٣٦٦ ذكر توجه رسول السلطان الملك الناصر يوسف إلى الديوان العزيز ببغداد. وما جهزه

стр. 11669

صحبته من الهدايا والتقادم وما أورده الرسول فى الديوان العزيز من كلامه ٣٧٠ الحرب بين الملك الناصر والملك المعز ٣٧٧ ذكر اتصال السلطان الملك الناصر بابنة السلطان علاء الدين كيقباذ ٣٧٩ ذكر سياقة أخبار الملك الناصر ومراسلته هولاكو. وغير ذلك من أحواله ٣٨١ ذكر أخبار دولة الترك ٤١٤ ذكر أخبار الأتراك وابتداء أمرهم وكيف كان سبب الاستيلاء عليهم. واتصالهم بملوك الاسلام. وما استكثر منهم. وتغالى فى اتباعهم وقدمهم على العساكر ٤١٥ السلطان الملك المعز عز الدين أيبك التركمانى الصالحى ٤١٩ ذكر الحرب الكائنة بين الملك المحز والملك الناصر صاحب الشام. وانتصار المعز ٤٢٠ ذكر الصلح بين الملكين: المعز والناصر ٤٢٦ ذكر خبر عربان الصعيد. وتوجه الأمير فارس الدين أقطاى إليهم وإبادتهم ٤٢٧ ذكر خبر الأمير فارس الدين أقطاى. وما كان من أمره إلى أن قتل ٤٢٩ ذكر أخبار الأمراء البحرية، وما اتفق لهم بعد مقتل الأمير فارس الدين أقطاى ٤٣٣ ذكر مخالفة الأمير عز الدين أيبك الأفرم وخروجه عن الطاعة. وتجريد العسكر إليه وإلى من وافقه، وانتقاض أمره ٤٣٩ ذكر تفويض قضاء القضاة بالديار المصرية للقاضى: تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف ٤٤١ ذكر ما حدث بالمدينة النبوية من الزلازل. والنار التى ظهرت بظاهرها ٤٤٩ ذكر خبر احتراق مسجد المدينة النبوية ٤٥٤ ذكر مقتل السلطان الملك المعز وشىء من أخباره. ومقتل شجر الدر الصالحية ٤٥٦ ذكر أخبار السلطان الملك المنصور نور الدين: على بن السلطان الملك المعز وهو الثانى من ملوك دولة الترك بالديار المصرية ٤٥٩ ذكر أخبار الوزراء، ومن ولى وزارة الملك المنصور ٤٦١ ذكر القبض على الملك المنصور، وعلى أخيه قاآن، واعتقالهما ٤٦٨ ذكر أخبار السلطان الملك المظفر سيف الدين قطر المعزى وهو الثالث من ملوك دولة الترك بالديار المصرية ٤٦٩

стр. 11670

الصفحة ذكر وصول البحرية والشهر زورية إلى خدمة السلطان الملك المظفر ٤٧١ ذكر خبر المصاف الكائن بين السلطان الملك المظفر ومن معه من الجيوش الإسلامية. وبين جيش التتار على عين جالوت. وانهزام التتار وقتل مقدمهم كتيغانوين. وما يتصل بذلك من الأخبار ٤٧٢ ذكر مسير السلطان الملك المظفر إلى دمشق ووصوله إليها. وملكه الممالك الشامية. وما قرره من ترتيب الملوك والنواب. وغير ذلك مما اتفق بدمشق ٤٧٥ ذكر مقتل السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز. ونبذة من أخباره ٤٧٧

стр. 11671

الجزء الثلاثون مركز تحقيق الترات نهاية الأرب فى فنون الأرب تأليف شهاب الدّين احمد بن عبد الوهاب النويرى ٦٧٧- ٧٣٣ هـ الجزء الثلاثون تحقيق* مراجعة د- محمد عبد الهادى شعيرة* د- محمد مصطفى زيادة ١٤١٠ هـ- ١٩٩٠ م

стр. 11672

أشرف على الطبع والتصحيح أحمد صلاح زكريا الباحث الأول بمركز تحقيق التراث

стр. 11673

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم هذا هو الجزء الثلاثون من نهاية الأرب فى فنون الأرب لشهاب الدين النويرى، وهو يقابل الجزء الثامن والعشرين بتقسيم المؤلف. ويبدأ هذا الجزء بذكر أخبار السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى (سنة ثمان وخمسين وستمائة) وينتهى بذكر وصول السلطان الملك السعيد ناصر الدين الى قلعة الجبل، وما كان من أمره إلى أن انخلع من السلطنة، وتولية أخيه السلطان الملك العادل بدر الدين سلامش من بعده، إلى أن تم خلعه (سنة ثمان وسبعين وستمائة) . وقد اعتمد المحقق والمراجع- رحمهما الله- فى تحقيق هذا الجزء على نسختين: الأولى: نسخة أيا صوفيا وهى نسخة مصورة محفوظة بدار الكتب تحت رقم ٥٥١ معارف عامة وقد رمز لها بالحرف (ا) واعتبرت أصلا. الثانية: نسخة كوبريللى وهى نسخة مصورة محفوظة بدار الكتب تحت رقم ٥٤٩ معارف عامة وقد رمز لها بالحرف (س) . نسأل الله التوفيق والسداد. مركز تحقيق التراث

стр. 11674

[تتمة الفن الخامس في التاريخ] [تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية] [تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية] [تتمة ذكر اخبار دولة الترك] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* وبه توفيقى ذكر أخبار السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى وهو الرابع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية المحروسة ، [سنة ثمان وخمسين وستمائة] وهو تركى الجنس من قبيلة البرلى، ملك الديار المصرية والبلاد الشامية فى يوم السبت المبارك الخامس عشر من ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وستمائة، وكان ذلك بمنزلة القصير «١» من منازل الرمل، فى اليوم الذى قتل فيه السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز المعزى. وذلك أنه لما قتل الملك المظفر ساق الأمراء إلى الدهليز ونزلوا به، وجلسوا كلهم دون طراحة السلطنة، وتشاوروا فيمن يملكونه «٢» عليهم، فوقع اختيارهم عليه. ويقال إن الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب الصالحى الأتابك قال فى ذلك المجلس: «ينبغى ألا يلى السلطنة إلا من خاطر بنفسه فى قتل السلطان وأقدم على هذا الأمر العظيم» فقال الملك الظاهر: «أنا قتلته» ووثب وجلس

стр. 11675

على طراحة السلطنة، فبايعه الأمير فارس الدين المذكور، وحلف له، ثم الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، ثم الأمراء على طبقاتهم. ثم قال له الأمير فارس الدين الأتابك: «ان السلطنة لا تسم لك إلا بدخولك إلى قلعة الجبل» ، فركب لوقته، وركب معه الأمير فارس الدين الأتابك، والأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير بدر الدين بيسرى «١» الشمسى، ومماليكه وخواصه. وتوجه [بيبرس] إلى قلعة الجبل، ورتب فى مسيره إليها أرباب الوظائف: فرتب الأمير جمال الدين أفش «٢» النجيبى الصالحى استاد دارا «٣» ، والأمير عز الدين أيبك الأقرم الصالحى أمير جاندار، والأمير حسام الدين لاجين الدرفيل، والأمير سيف الدين بلبان الرومى فى الدوادارية، والأمير بهاء الدين أمير آخور على عادته. ولفيه فى طريقه الأمير عز الدين إيدمر الحلى، وكان ينوب عن الملك المظفر بقلعة الجبل، وقد خرج لتلقيه، فأعلمه الملك الظاهر بما اتفق، وعرض عليه أن يحلف، ثم تقدم [إيدمر] إلى القلعة واجتمع بمن بها، ووعدهم عن السلطان المواعيد الجميله فأجابوه، ولم يزل على باب القلعة إلى أن وصل السلطان إليها، فدخلها ليلا وتسلمها. ويقال إنه لما ملك [بييرس] تلقب بالملك القاهر ووصل إلى قلعة الجبل ولقبه ذلك، فأشار الصاحب زين الدين بن الزبير بتغيير هذا اللقب، وقال إنه ما لقب به أحد فأفلح: لقب به القاهر بن المعتضد فلم تطل أيامه وخلع وسمل.

стр. 11676

ولقب به القاهر صاحب الموصل فسم. فنقل السلطان لقبه إلى الملك الظاهر والله أعلم. قال المؤرخ «١» وكانت القاهرة ومصر قد زينتا لقدوم الملك المظفر، والناس فى سرور لمقدمه إثر هذا النصر العظيم «٢» ، فلم يرعهم إلا ومناد ينادى: «معشر الناس، رحمكم الله، ترحموا على الملك المظفر، وادعوا لسلطانكم الملك الظاهر ركن الدين» فوجم الناس لذلك، وتألموا خوفا من شدة البحريه وما كانوا «٣» يعتمدونه من الظلم والسلطنة فى غيرهم، فكيف وقد صارت فيهم. فعاملهم السلطان بما سرهم به، وهو أن الملك المظفر كان قد جدد على الناس حوادث «٤» فى سنة ثمان وخمسين وستمائة: منها تصقيع الأملاك وتقويمها وأخذ زكاتها، وأخذ ثلث الترك الأهلية، ومضاعفه الزكاة، رجباية الدينار من كل إنسان، ومبلغ ذلك ستمائة ألف دينار. فأبطل السلطان [بيبرس] ذلك، وكتب به توقيعا قرىء على المنابر، فطابت قلوب الناس. قال: ولما أصبح السلطان [بيبرس] فى يوم الأحد جلس بالإيوان بقلعة الجبل وحلف العساكر لنفسه، واستناب مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار «٥»

стр. 11677

وأقر الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب فى الأتابكية. وكاتب الملوك والنواب والأمراء بالممالك الشامية يخبرهم بما جدده الله تعالى له من أمر السلطنة، ويطلب منهم بذل الطاعة والموافقة.

стр. 11678

واستهلت سنة تسع وخمسين وستمائة فى هذه [السنة] كان السلطان فى ابتداء سلطنته أخبار متشعبة متباينة: منها ما هو فى حضرته بمقر ملكه بالديار المصرية؛ ومنها ما هو بدمشق، ومنها ما هو بحلب، وكل ذلك فى هذه السنة، وبعضه فى أواخر سنة ثمان وخمسين. وقد رأينا أن نبدأ من ذلك بما كان فى مقر مملكته فى بعض هذه السنة خاصة، ثم نذكر ما كان بدمشق وحلب من الحوادث والوقائع إلى أن استقرت قواعد سلطنته وتأكدت أسباب دولته، ثم نذكر ما يشمل المملكة عموما، ثم نذكر بعد ذلك ما اتفق [له] من الأحوال، وما رتبه من الأمور، وما أمر به من العمائر والأوقاف وغير ذلك بمصر والشام، ونذكر الأخبار والوقائع على حكم السنين نقدم ما قدمه التاريخ ونؤخر ما أخره. لا نستثنى مما نورده من أخبار دولته إلا الغزوات والفتوحات: فانا نذكرها مفردة، ونختم بها أخبار دولته، فإنها من الفتوحات الجليلة والغزوات المشهورة فأحببنا إيرادها فى موضع واحد، لئلا تنقطع بغيرها من أخباره، على ما نقف على ذلك إن شاء الله تعالى. فأما ما كان من الأخبار والحوادث فى مقر ملكه بالديار المصرية فمن ذلك ركوب السلطان من قلعة الجبل فى يوم الأثنين سابع صفر من السنة بشعار السلطنة، وساق خارج المدينة إلى باب النصر ودخل منه، وشق القاهرة وخرج من باب زويلة إلى قلعة الجبل، والأمراء وأعيان الدولة مشاة فى خدمته.

стр. 11679

ومنه تفويض وزارة الدولة إلى الصاحب بهاء الدين. ذكر تفويض الوزارة إلى الصاحب الوزير بهاء الدين على بن القاضى سديد الدين أبى عبد الله محمد بن سليم المعروف بابن حنا فى هذه السنة، فوض السلطان إليه وزارة دولته، وخلع عليه، وركب فى خدمته الأعيان والأكابر، والأمير سيف الدين بلبان الرومى الداودار، وجماعة من الأمراء، وذلك فى يوم الأثنين ثامن شهر ربيع الأول وقبيل ثانية، وتمكن [الصاحب بهاء الدين] من السلطان ودولته تمكنا عظيما. وحكى لى بعض الأكابر الثقات [أن] الصاحب بهاء الدين رأى فى منامه قبل وزارته أنه ذبح السلطان الملك الظاهر، فقصّ ذلك على من يثق به ممن له معرفة بالتعبير، فقال له: «تتمكن منه تمكن الدابح من المدبوح» . وكان منه فى أقرب منزلة وأعز مكانة. ذكر القبض على جماعة من الامراء المعزّية وفى شهر ربيع الأول أيضا، قبض السلطان على جماعة من الأمراء المعزية وسبب ذلك أنه حضر إلى السلطان أحد أجناد الأمير عز الدين الصيقلى «١» وأنهى أن مخدومه فرق جملة من الذهب على جماعة، وقرر معهم الوثوب على السلطان وقتله، وكذلك الأمير علم الدين الغتمى، والأمير سيف الدين بهادر المعزى،

стр. 11680

والأمير شجاع الدين بكتوت وغيرهم. فقبض عليهم، ثم قبض على الأمير بهاء الدين بغدى «١» الأشرفى، فى شهر ربيع الآخر، واعتقله فلم يزل فى اعتقاله حتى مات. ذكر تفويض قضاء القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز وفى هذه السنة فوض السلطان الملك الظاهر قضاء القضاة بالديار المصرية لقاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب بن القاضى الأعز خلف بن بنت الأعز «٢» ، وعزل قاضى القضاة بدر الدين السنجارى «٣» ، وعوق عشرة أيام، ثم أفرج عنه وعطل عن الحكم. ونسخة التقليد السلطانى: «لقاضى القضاة تاج الدين» ومثال العلامة الظاهرية عليه بعد البسملة: «المستعلى بالله» . «الحمد لله الذى أنار مطالع الهدى، وصان ما ابتذل من الأمور التى ما أهملت سدى، وألبس الشريعة المطهرة ثويا من الشرف مجددا، وأعلى منارها بمن أضاءت مساعيه، فلو سرى بها الركب لا هتدى» .

стр. 11681

«أحمد على نعم توالى هطل غمامها، ومنن أضحت متناسقة عفود نظامها» . «والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذى عزت به أمور الإسلام بعد اهتضامها، وعلى آله وأصحابه الذين أضحت بهم عرى الدين الحنيف وثيقة بعد انفصامها. وبعد، فلما كان المجلس السامى، القاضى الأجل، الصدر الكبير، الإمام العالم، الفقيه الفاضل، المختار المرتضى، الصاحب تاج الدين، عز الإسلام، مجد الأنام، شمس الشريعة، مفتى الفرق، رئيس الأصحاب، ذخر الملوك والسلاطين، قاضى القضاة عبد الوهاب بن خلف، أدام الله سعادته ونعمته، ممن أحرز فى الفضايل قصب سبقه، ووصل سح «١» غمامه فى العلوم الشرعية ببرقه واجتنى ثمارها الدانية القطوف، واجتلى أقمار معانيها التى لا تتوارى عنه بالسجوف «٢» وسلك سهيلا من العفاف أضحى به وحيدا منفردا، ومارس أمور الشريعة فثقف منها أودا، وأعمل فكرته الصافية فحلل منها عقدا، وأنعم نظره فيها فأوضح له من الضلال رشدا. رسم بالأمر العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى، زاد الله فى علائه، وضاعف مواد نفاذه ومضائه «٣» أن يفوض إليه الحكم العزيز بجميع الديار المصرية المحروسة، لما علم فيه من فضل مازالت ثماره تجتنى، ومساع حميدة

стр. 11682

ما برح بها إلى الخلائق محسنا، ودين متين يشيد من أمور الآخرة ما بنا، وسؤدد مازال فيه وفى بيته مستوطنا، وأوصانى جميلة خصته بنباهة أضحى بها متقدما [وآراء مسددة أضاءت من سبل] الرشاد ما كان مظلما، ونزاهة مازالت له خلقا لا تخلقا، وعفاف ما برح منه مثريا لا معلقا. فليباشر هذا المنصب الذى أضحى ظل شرفه وارفا، وكعبة حرمه التى يتوجه إليها من كان باديا أو عاكفا، عاملا فيه بالتقوى التى يحافظ عليها مسرا ومعلنا، ويتمسك بأسبابها إذا صد عنها غيره وانثنى، فهى المعقل الذى لا يستباح له حمى، والمقام الذى يجد الخائف أمنه فيه محققا لا غيبا مرجّما «١» ، والعصمة التى تنجى من العطب، والمركب الذى تجد به الأنفس راحتها الكبرى بعد التعب. وليول من القضاة من يحيى من الحق سننا، ويميت من الباطل بدعا، ويكون رجاؤه بالاخرة متصلا، ومن الدنيا منقطعا، ليرجع به سبيل الحق بعد ضيقه متسعا، وشمل الباطل بعزيمته مفترقا لا مجتمعا. وليتفقد أمر العدول الذين أضحوا على الحقيقة عدولا عن المنهج القويم، راغبين عن المحامد بما يأتوته من كل وصف ذميم. ولا يترك منهم إلا شاهدا كان عن المعايب غائبا أو متورها، لا يعتمد من الأمور إلا ما كان واجبا، لتسلم عدالته من وصمه التجريح، وتظهر مساعيه التى تذلل له من العلا كل جموح. وأموال الأيتام والأوقاف فلا يباشرها إلا من كان لمباشرتها أهلا، ومن تتحقق أنه يكون عليها قفلا. فطالما ابتذلت أيدى الخونة منها مصونا، وجعلت

стр. 11683

العين منها أثرا حين مدت إليها عيونا. ولا تخلها من نظر يحفظ منها مضاعا ويحسم عنها أطماعا، ويخصها بمزية الزيادة بعد النقصان، ويكتب لها من مخاوف الخونة كتاب أمان. فقد قلدناك هذه الأحكام التى ترجو بك الخلاص من تبعاتها، ورعينا بك حق الرعية، فلا تخل أمورهم من مراعاتها، وامضى عزيمتك فى إقامة منار الشريعة بعد القمود، واعل همتك فى نظم ما تبدد له من العقود. واجتهد فى أمره الاجتهاد الذى يرفل منه فى ضافى البرود، ومتع الخلائق بأيام بيض من أحكامك غير سود، ففيك من السؤدد ما ينقاد به المفاخر، ومن الأوصاف الجميلة ما تتميز به على الأوائل وأن جئت فى الزمن الآخر. وقد قررنا لك من الجامكية والجراية نظير ما كان مقررا لمن تقدمك، وهو فى كل شهر أربعون دينارا صرف أربعين وستمائة وسنة وستون درهما ناصرية وثلثان وخمسة وعشرون أردبا غلة نصفين. فليوصل ذلك إليه على تمامه وكماله عند وجوبه واستحقاقه، بعد العلامة الشريفة أعلاء إن شاء الله تعالى. وكتب فى السابع عشر من جمادى الأولى سنة تسع وخمسين وستمائة. الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه، وآله وصحبه الظاهرين وسلامه. وعين جهة الجامكية على الجوالى بالديار المصرية، والغلة على الأهراء المباركة بمصر المحروسة. واستمر [الصاحب تاج الدين] فى القضاء بجميع الديار المصرية إلى شوال من السنة، فاقتطع منه قضاء مصر والوجه القبلى، وفوض ذلك إلى القاضى برهان

стр. 11684

الدين الخضر بن الحسن بن على بن الخضر السنجارى «١» فى ثالث شوال، ثم عزل [برهان الدين الخضر] وأعيد قاضى القضاة تاج الدين بتقليد سلطانى تاريخه الثامن من صفر سنة ستين وستمائة. وقد شاهدت هذا التقليد ووقفت عليه. ذكر ما اعتمده السلطان فى ابتداء سلطنته ورتبه من المصالح وقرره من القربات والأوقاف والعماير كان مما ابتدأ به، رحمه الله تعالى وعفا عنه وأنابه، عمارة الحرم الشريف النبوى وسنذكره. ثم وصلت الكتب فى سنة تسع وخمسين أن القبة التى بالصخرة الشريفة ببيت المقدس قد تداعت، فكتب إلى دمشق بتجهيز الصناع إليها وما يحتاج إليه من الآلات، ونجزت العمارة بها فى سنة ستين. وكانت عدة ضياع من أوقاف الخليل قد دخلت فى الإقطاعات، فأمر [السلطان] بارتجاعها، وعوض الأمراء عنها، وأعادها إلى الأوقاف، وأوقف قرية أذنا «٢» على الخليل ﵇. ذكر بناء قلعة الجزيرة «٣» كان السلطان الملك المعز قد أمر بهدمها، وأباح ما بها من الرخام والأصناف

стр. 11685

التى غرم عليها السلطان الملك الصالح الأموال العظيمة، فرسم السلطان [بيبرس] بعمارتها، وندب لذلك الأمير جمال الدين بن يغمور، فشرع فى إصلاح ما استهدم من قاعاتها، ورتب فيها الجاندارية، وأعادها إلى ما كانت عليه من الحرمة. وفرق السلطان الأبراج: فرسم أن يكون برج الزاوية للأمير سيف الدين قلاون «١» الألفى، وثانيه للأمير عز الدين الحلى «٢» ، والبرج الثالث للأمير عز الدين إيغان «٣» ، وبرج الزاوية الغربى للأمير بدر الدين بيسرى الشمسى. وفرق بقية الأبراج على الأمراء، ورسم أن تكون بيوتاتهم واسطبلاتهم بها، وسلم إليهم المفاتيح. ورسم بعمارة القناطر بجسر شبر منت بالجيزية وأكثر ما كانت الجيزية تشرق عنه. فبنيت القناطر فى هذا الجسر تلتقى صدمه الماء الأولى وتفتح لتصريف المياه أولا فأولا (كذا) . ورسم بعمارة مشهد النصر «٤» بعين جالوت، وكتب بذلك إلى نواب الشام. وحث على عمارة الأسوار بثغر الاسكندرية وحفر خنادقها، ورتب جملة من الأموال فى كل شهر تصرف فى نفقة العماير وبنى مرقبا لثغر رشيد لكشف مراكب الفرنج. ورسم بردم فم بحر دمياط، وتوغيره بالقراتيص، وتضييقه ليمنع السفن الكبيرة من الدخول فيه.

стр. 11686

ورسم بحفر بحر أشموم طناح، وندب لذلك الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى فتوجه لذلك وحفر ما يجب حفره، وغرق المراكب قبلى فم البحر من الجانب الغربى حتى ترد الماء إليه. واهتم بعمارة الشوانى وأعادها إلى ما كانت عليه من الأيام الكاملية والصالحية. وأمر بعمارة شوانى الثغرين وأحضرها إلى ساحل مصر، وكانت تزيد على أربعين قطعه، وعدة كثيرة من الحراريق والطرائد والسلالير «١» . وركب الخليفة والسلطان فى يوم الأحد تاسع عشر شهر رجب سنة تسع وخمسين وستمائة من القلعة إلى ساحل مصر، وركبا «٢» فى الحراريق، وتفرجا، وطلعا إلى قلعة الجزيرة وجلسا بمقعد البانياسى، ولعبت الشوانى، ثم عادا إلى القلعة. ورسم بعمارة القلاع المنصورة بالبلاد الشامية وهى: قلعة دمشق، والصلت وعجلون، وصرخد، وبصرى، وبعلبك، والصبية، وشيزر، وشميس «٣» ، وكان التتار قد خربوا أسوارها فرسم بإعادة ما استهدم وإصلاح ما تشعث. ورسم بعمارة مدرسته التى بالقاهرة، وسيأتى ذكرها، إن شاء الله تعالى. هذا ما قرره من المصالح العامة ورتبه من المهمات فى ابتداء سلطنته، فلنذكر خلاف ذلك من المتجددات.

стр. 11687

ذكر وصول من يذكر من الملوك إلى خدمة السلطان وما قرره لكل منهم وما عاملهم به من الإحسان وفى سنة تسع وخمسين وستمائة، وردت كتب النواب بدمشق يذكرون وصول الملك الصالح صاحب الموصل «١» بأهله وغلمانه وأولاده، فكتب السلطان إلى النواب بدمشق بالمبالغة فى خدمته وترتيب الإقامات له ولمن معه فى الطرقات من دمشق إلى القاهرة، فوصل فى شعبان من السنة، فتلقاه السلطان وأنزله فى أدر أخليت له. ثم ورد بعده بأيام الخبر بوصول أخيه الملك المجاهد صاحب الجزيرة «٢» فاعتمد السلطان معه نظير ما اعتمده فى حق أخيه. وكان الملك المظفر «٣» أخوهما قد اعتقله الأمراء بحلب على ما نذكره، فأفرج السلطان عنه وأحضره إلى الديار المصرية، وذلك قبل وصولهما إليه، فلما وصل أخواه استأذن فى تلقيهما، فأذن له السلطان فى ذلك. وأنعم السلطان عليهم بالأموال والخيول والخلع والحوائص لهم ولأصحابهم وعين جماعة من البحرية برسم خدمتهم والتصرف فى مهماتهم، ثم رسم السلطان

стр. 11688

بكتابة تقاليدهم ببلادهم. وكان الخليفة قد فوض ذلك إلى السلطان بتقليد على ما نذكره إن شاء الله تعالى. فكتب تقليد الملك الصالح ركن الدين إسماعيل بالموصل وولاياتها: بالوصا، والجزيرة [و] مدينة البوازيج «١» ، والزيادة: عقر «٢» [و] شوش، ودارا وأعمالها، والقلاع العمادية، [و] كنكور وبلدها. وكتب تقليد الملك المجاهد سيف الدين إسحق ببلاد الجزيرة وأعمالها وزيادة حمرين. وكتب تقليد الملك المظفر: سنجار وأعمالها. وكتب لعلاء الملك ولد الملك الصالح تقليد بقلعة الهيثم. ولما توجه السلطان إلى الشام وخيم بظاهر القاهرة سيرت هذه التقاليد إليهم ومعها أحمال الكوسات والصناجق والأموال. وأعفوا من الحضور والخدمة عليها، وساروا فى خدمة السلطان إلى الشام فسلطنهم. وذلك أنه أحضرهم مجلسه وجهز لهم خيل النوبة والعصائب «٣» والجمدارية «٤» ،

стр. 11689

ولبسوا الخلع وقبلوا الأرض وخرجوا بشعار السلطنة، والأتابك فى خدمتهم، وتوجهوا صحبة الخليفة على ما نذكره. فاتفق انفصالهم منه فى أثناء الطريق لأسباب جرت، وتوجه كل منهم إلى مملكته: فأما الملك الصالح فتوجه إلى الموصل وأقام بها، فاتفق اجتماع التتار عليها وحصارها. وأما أخواه فإنهما خافا مهاجمة العدو فعادا إلى الشام، واستأذنا فى الحضور، فأذن لهما السلطان فحضرا، وسألا السلطان إنجاد أخيهما فجرد الأمير شمس الدين سنقر الرومى وجماعة من البحرية والحلقة. فتوجهوا فى رابع جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، وكتب [السلطان] إلى دمشق بخروج عسكرها صحبة الأمير علاء الدين طيبرس «١» ورحل العسكر المصرى والشامى من دمشق فى عاشر جمادى الآخرة. ذكر وصول الخليفة المستعصم بالله إلى الديار المصرية ومبايعته وتجهيزه بالعساكر إلى بلاد الشرق وما كان من أمره إلى ان قتل قال المؤرخ: وفى العشر الآخر من جمادى الآخر «٢» سنة تسع وخمسين وستمائة ورد كتاب علاء الدين طيبرس، والأمير علاء الدين البندقدار «٣» مضمونه أنه وصل

стр. 11690

إلى جهة دمشق فى أول الغوطة رجل ادعى أنه أحمد بن الإمام الظاهر بن الإمام الناصر ومعه جماعة من عرب خفاجة فى قريب من خمسين فارسا، وأن الأمير سيف الدين قليج البغدادى عرف أمراء العرب المذكورين وقال: «بهؤلاء يحصل القصد من العراق» فكتب السلطان بخدمته وتعظيم حرمته وأن يسير صحبته حجاب. فكان وصوله إلى القاهرة فى يوم الخميس التاسع من شهر رجب من السنة، فخرج السلطان للقائه وساير أهل المدينتين، وكان يوما مشهودا، وشق القاهرة وهو لابس شعار بنى العباس، وطلع إلى القلعة راكبا، ونزل فى المكان الذى أخلى له. وفى يوم الإثنين ثالث عشر أحضر السلطان الفقهاء والأئمة والعلماء والأمراء والصوفية والتجار وغيرهم بقاعة العمد، وحضر الخليفة وأثبت نسبه على ما قدمنا ذكره فى أخبار الدولة العباسية. ولما ثبت النسب بايعه السلطان على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد فى سبيل الله، وأخذ الأموال بحقها وصرفها فى مستحقها، ثم قلد الخليفة السلطان الملك الظاهر البلاد الإسلاميه وما سيفتحه الله من أيدى الكفار. وكتب بذلك تقليد شريف عن الخليفة للسلطان، وبايع الناس الخليفة على اختلاف طبقاتهم. وكتب السلطان إلى سائر الأعمال بأخذ البيعة له وأن يخطب باسمه على المنابر وتنقش السكة باسمه. ولما كان فى يوم الجمعة سابع عشر شهر رجب خطب الخليفة بالناس فى جامع القلعة «١» ، واهتم السلطان بذلك ونثرت جمل من الذهب والفضة. وحصل

стр. 11691

للخليفة توقف فى الخطبة. وفى يوم الإثنين رابع شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضربت فى البستان الكبير والناس فى خدمته، وحملت الخلع صحبة الأمير مظفر «١» الدين وشاج الخافجى وخادم الخليفة. ودخل السلطان إلى خيمة أخرى ولبس الخلعة الخليفية، وهى عمامة سوداء مزركشة، ودرّاعة بنفسجى، وطوق، وعدة سيوف تقلد منها وحملت خلفه، ولواءان، وسهمان كبيران، وترس، وغير ذلك مما جرت العادة به. وقدم له فرس أشهب فى رقبته مشدة سوداء، وعليه كنبوش «٢» أسود. وطلب الأمراء وخلع عليهم، وعلى الصاحب بهاء الدين، وقاضى القضاة، وصاحب ديوان الإنشاء الشريف: وهو القاضى فخر الدين بن لقمان، وطلع ابن لقمان على منبر قد جلل بالأطلس الأصفر، وقرىء التقليد على كافة الناس وهو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٣» * الحمد لله الذى أضفى على الإسلام ملابس الشرف، وأظهر بهجة درره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصدف. وشيد ما وهى من علاثه حتى أنسى ذكر ما سلف. وقبض لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف. أحمده على نعمه التى تسرح الأمين منها فى الروض الأنف، وألطافه التى وقف الشكر عليها فليس عنها منصرف «٤»

стр. 11692

وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، شهادة توجب من المخاوف أمنا، وتسهل من الأمور ما كان حزنا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى جبر من الدين وهنا، وأظهر من المكارم فنونا لافتا، صلّى الله عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقيه لا تفنى، وأصحابه الذين صحبوه فى الدنيا فاستحقوا الزيادة من الحسنى، وسلم تسليما» . «وبعد: فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا فى تسطير مناقبه وبره، من سعى فأضحى سعيه الحميد متقدّما، ودعا إلى طاعته فأجابه من كان منجدا ومتهما، وما بدت يد من المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرمه نارا وأجراه دما. ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى- شرفه الله وأعلاه- ذكرها الديوان العزيز النبوى «١» تنويها لشريف قدره، واعترافا بصنعه الذى تنفد العباره ولا تقوم بشكره، وكيف لا وقد أقام الدولة العباسية بعد أن أفعدتها زمانة الزمان، وأذهبت ما كان لها من محاسن وإحسان «٢» ، وعتب دهرها المسىء فأعتب، وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها صولة مغضب، وأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، وصرف لها اهتمامه فرجع كل مضيق من أمرها واسعا رحبا. ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوا وعطفا، وأظهر من الولاء رغبة فى ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاحتفال بأمر الشريعة والبيعه أمرا لو رامه غيره لا متنع عليه، ولو تمسك

стр. 11693

بحبله متمسك لانقطع به قبل الوصول إليه، لكن الله أدخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه، ويخفف بها يوم القيامه حسابه. والسعيد من خفف حسابه، فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها فى صحف صنعه، ومكرمة [قضت «١» ] لهذا البيت الشريف النبوى بجمع شمله بعد أن حصل الإياس من جمعه» . «وأمير المؤمنين يشكر الآن [لك] هذه الصنائع. ويعترف أنه لولا اهتمامك بأمره لا تسع الخرق على الرافع. وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية والديار الجزرية «٢» ، والبكرية، والحجازية، واليمنية وما يتجدد من الفتوحات فورا ونجدا، وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حتى أصبحت بالمكارم فردا: وما جعل منها بلدا من البلاد ولا حصنا من الحصون مستثنى ولا جهة من الجهات تعد فى الأعلى ولا فى الأدنى» . فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لثقلها حاملا، وخلص نفسك اليوم لك التبعات، ففى غد تكون مسئولا عنها لا سائلا. ودع الاغترار بأمر الدنيا، فما نال أحد منها طائلا، وما لحظها أحد بعين الحق إلا رآها خيالا زائلا، فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى فتقدمته غير التقوى مردودة لا مقبولة. وأبسط يدك بالإحسان والعدل، فقد امر الله بالعدل والإحسان. وكرر ذكره فى مواضع من القرآن، وكفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليه آثاما، وجعل يوما واحدا منه كعبادة ستين عاما ما سلمك [أحد «٣» ] سبيل العدل واجتنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمن بعد

стр. 11694

تداعى أركانه مشيد الأركان، وتحصن به من حوادث الزمان فكانت أيامه فى الأيام أبهى من الأعياد، وأحسن من الغرر فى أوجه الجياد، وأحلى من العقود إذا حلى بها عاطل الأجياد» . «وهذه الأقاليم المنوطة بنظرك تحتاج إلى حكام وأصحاب رأى من أرباب السيوف والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم فى أمرك فنقب عليه تنقيبا، واجعل عليه فى تصرفاته رقيبا، وسل عن أحواله، ففى يوم القيامة تكون عنه مسئولا وبما اجترم مطلوبا، ولا تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا. وأمرهم بالأناة فى الأمور والرفق، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، وأن يقابلوا الضعفاء فى حوائجهم بالثغر الباسم والوجه الطلق. وألا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا، وأن يوسعوهم برا وإحسانا، وألا يستحلوا حرماتهم إذا استحل لهم الزمان حرمانا، والمسلم أخو المسلم، وإن كان أميرا عليه أو سلطانا. فالسعيد من نسج ولاته فى الخير على منواله، واستنوا بسنته فى تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله» . «ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيىء السنن، وجدّد من المظالم التى هى على الخلائق من أعظم المحن، وأن يشترى بإبطالها المحامد، فإن المحامد رخيصة بأغلى الثمن. ومهما جنى منها من الأموال فإنها فانية «١» وإن كانت حاصله، وأجياد الخزائن وإن أصبحت بها خالية فإنما هى الحقيقة عاطلة. وهل أشقى ممن احتقب إثما، واكتسب بالمساعى الذميمة ذما، وجعل السواد الأعظم يوم القيامة له

стр. 11695

خصما، وتحمل ظلم الناس مما صدر عنه من أعماله، وقد خاب من حمل ظلما. وحقيق بالمقام الشريف السلطانى الملكى الظاهرى الركنى أن تكون ظلامات الأيام مردودة بعدله، وغزائمه نخفف عن الخلائق ثقلا لا طاقة لهم بحمله «١» ، فقد أضحى على الإحسان قادرا، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم من الملوك وإن جاء آخرا، فأحمد الله على أن وصل إلى جنابك إمام هدى، وأوجب لك مزية التعظيم وتنبيه الخلائق على ما خصك الله به من هذا الفضل العظيم. وهذه أمور ينبغى أن تلاحظ وترعى، وأن توالى عليها حمد الله، فإن الحمد يجب عليها عقلا وشرعا. وقد تبين أنك صرت فى الأمور أصلا، وصار غيرك فرعا» . ومما يجب ذكره: الجهاد الذى أضحى على الأمة فرضا، هو والعمل الذى يرجع به مسود الصحائف مبيضا. وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصّهم بالجنة لا لغو فيها ولا تأثيم» . «وقد تقدمت لك فى الجهاد يد بيضاء أسرعت فى سواد الحساد، وعرف منك عزمة هى أمضى «٢» مما تحت ضمائر الأغماد. واشتهرت لك مواقف فى القتال هى أبهى وأشهى إلى القلوب من الأعياد. وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، ويعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول، وبسيفك الذى أثر فى الكافرين قروحا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقر الخلافة المعظمة إلى ما كان عليه من الأيام الأول. فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان هاجعا، وكن فى مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا. وأيد كلمة التوحيد فما تجد فى تأييدها إلا مطيعا سامعا» .
следующие страницы →