← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.

стр. 11691

للخليفة توقف فى الخطبة. وفى يوم الإثنين رابع شعبان ركب السلطان إلى خيمة ضربت فى البستان الكبير والناس فى خدمته، وحملت الخلع صحبة الأمير مظفر «١» الدين وشاج الخافجى وخادم الخليفة. ودخل السلطان إلى خيمة أخرى ولبس الخلعة الخليفية، وهى عمامة سوداء مزركشة، ودرّاعة بنفسجى، وطوق، وعدة سيوف تقلد منها وحملت خلفه، ولواءان، وسهمان كبيران، وترس، وغير ذلك مما جرت العادة به. وقدم له فرس أشهب فى رقبته مشدة سوداء، وعليه كنبوش «٢» أسود. وطلب الأمراء وخلع عليهم، وعلى الصاحب بهاء الدين، وقاضى القضاة، وصاحب ديوان الإنشاء الشريف: وهو القاضى فخر الدين بن لقمان، وطلع ابن لقمان على منبر قد جلل بالأطلس الأصفر، وقرىء التقليد على كافة الناس وهو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٣» * الحمد لله الذى أضفى على الإسلام ملابس الشرف، وأظهر بهجة درره وكانت خافية بما استحكم عليها من الصدف. وشيد ما وهى من علاثه حتى أنسى ذكر ما سلف. وقبض لنصره ملوكا اتفق عليهم من اختلف. أحمده على نعمه التى تسرح الأمين منها فى الروض الأنف، وألطافه التى وقف الشكر عليها فليس عنها منصرف «٤»

стр. 11692

وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، شهادة توجب من المخاوف أمنا، وتسهل من الأمور ما كان حزنا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى جبر من الدين وهنا، وأظهر من المكارم فنونا لافتا، صلّى الله عليه وعلى آله الذين أضحت مناقبهم باقيه لا تفنى، وأصحابه الذين صحبوه فى الدنيا فاستحقوا الزيادة من الحسنى، وسلم تسليما» . «وبعد: فإن أولى الأولياء بتقديم ذكره، وأحقهم أن يصبح القلم راكعا وساجدا فى تسطير مناقبه وبره، من سعى فأضحى سعيه الحميد متقدّما، ودعا إلى طاعته فأجابه من كان منجدا ومتهما، وما بدت يد من المكرمات إلا كان لها زندا ومعصما، ولا استباح بسيفه حمى وغى إلا أضرمه نارا وأجراه دما. ولما كانت هذه المناقب الشريفة مختصة بالمقام العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى- شرفه الله وأعلاه- ذكرها الديوان العزيز النبوى «١» تنويها لشريف قدره، واعترافا بصنعه الذى تنفد العباره ولا تقوم بشكره، وكيف لا وقد أقام الدولة العباسية بعد أن أفعدتها زمانة الزمان، وأذهبت ما كان لها من محاسن وإحسان «٢» ، وعتب دهرها المسىء فأعتب، وأرضى عنها زمنها وقد كان صال عليها صولة مغضب، وأعاده لها سلما بعد أن كان عليها حربا، وصرف لها اهتمامه فرجع كل مضيق من أمرها واسعا رحبا. ومنح أمير المؤمنين عند القدوم عليه حنوا وعطفا، وأظهر من الولاء رغبة فى ثواب الله ما لا يخفى، وأبدى من الاحتفال بأمر الشريعة والبيعه أمرا لو رامه غيره لا متنع عليه، ولو تمسك

стр. 11693

بحبله متمسك لانقطع به قبل الوصول إليه، لكن الله أدخر هذه الحسنة ليثقل بها ميزان ثوابه، ويخفف بها يوم القيامه حسابه. والسعيد من خفف حسابه، فهذه منقبة أبى الله إلا أن يخلدها فى صحف صنعه، ومكرمة [قضت «١» ] لهذا البيت الشريف النبوى بجمع شمله بعد أن حصل الإياس من جمعه» . «وأمير المؤمنين يشكر الآن [لك] هذه الصنائع. ويعترف أنه لولا اهتمامك بأمره لا تسع الخرق على الرافع. وقد قلدك الديار المصرية والبلاد الشامية والديار الجزرية «٢» ، والبكرية، والحجازية، واليمنية وما يتجدد من الفتوحات فورا ونجدا، وفوض أمر جندها ورعاياها إليك حتى أصبحت بالمكارم فردا: وما جعل منها بلدا من البلاد ولا حصنا من الحصون مستثنى ولا جهة من الجهات تعد فى الأعلى ولا فى الأدنى» . فلاحظ أمور الأمة فقد أصبحت لثقلها حاملا، وخلص نفسك اليوم لك التبعات، ففى غد تكون مسئولا عنها لا سائلا. ودع الاغترار بأمر الدنيا، فما نال أحد منها طائلا، وما لحظها أحد بعين الحق إلا رآها خيالا زائلا، فالسعيد من قطع منها آماله الموصولة، وقدم لنفسه زاد التقوى فتقدمته غير التقوى مردودة لا مقبولة. وأبسط يدك بالإحسان والعدل، فقد امر الله بالعدل والإحسان. وكرر ذكره فى مواضع من القرآن، وكفر به عن المرء ذنوبا كتبت عليه آثاما، وجعل يوما واحدا منه كعبادة ستين عاما ما سلمك [أحد «٣» ] سبيل العدل واجتنيت ثماره من أفنان، ورجع الأمن بعد

стр. 11694

تداعى أركانه مشيد الأركان، وتحصن به من حوادث الزمان فكانت أيامه فى الأيام أبهى من الأعياد، وأحسن من الغرر فى أوجه الجياد، وأحلى من العقود إذا حلى بها عاطل الأجياد» . «وهذه الأقاليم المنوطة بنظرك تحتاج إلى حكام وأصحاب رأى من أرباب السيوف والأقلام، فإذا استعنت بأحد منهم فى أمرك فنقب عليه تنقيبا، واجعل عليه فى تصرفاته رقيبا، وسل عن أحواله، ففى يوم القيامة تكون عنه مسئولا وبما اجترم مطلوبا، ولا تول منهم إلا من تكون مساعيه حسنات لك لا ذنوبا. وأمرهم بالأناة فى الأمور والرفق، ومخالفة الهوى إذا ظهرت أدلة الحق، وأن يقابلوا الضعفاء فى حوائجهم بالثغر الباسم والوجه الطلق. وألا يعاملوا أحدا على الإحسان والإساءة إلا بما يستحق، وأن يكونوا لمن تحت أيديهم من الرعية إخوانا، وأن يوسعوهم برا وإحسانا، وألا يستحلوا حرماتهم إذا استحل لهم الزمان حرمانا، والمسلم أخو المسلم، وإن كان أميرا عليه أو سلطانا. فالسعيد من نسج ولاته فى الخير على منواله، واستنوا بسنته فى تصرفاته وأحواله، وتحملوا عنه ما تعجز قدرته عن حمل أثقاله» . «ومما يؤمرون به أن يمحى ما أحدث من سيىء السنن، وجدّد من المظالم التى هى على الخلائق من أعظم المحن، وأن يشترى بإبطالها المحامد، فإن المحامد رخيصة بأغلى الثمن. ومهما جنى منها من الأموال فإنها فانية «١» وإن كانت حاصله، وأجياد الخزائن وإن أصبحت بها خالية فإنما هى الحقيقة عاطلة. وهل أشقى ممن احتقب إثما، واكتسب بالمساعى الذميمة ذما، وجعل السواد الأعظم يوم القيامة له

стр. 11695

خصما، وتحمل ظلم الناس مما صدر عنه من أعماله، وقد خاب من حمل ظلما. وحقيق بالمقام الشريف السلطانى الملكى الظاهرى الركنى أن تكون ظلامات الأيام مردودة بعدله، وغزائمه نخفف عن الخلائق ثقلا لا طاقة لهم بحمله «١» ، فقد أضحى على الإحسان قادرا، وصنعت له الأيام ما لم تصنعه لمن تقدم من الملوك وإن جاء آخرا، فأحمد الله على أن وصل إلى جنابك إمام هدى، وأوجب لك مزية التعظيم وتنبيه الخلائق على ما خصك الله به من هذا الفضل العظيم. وهذه أمور ينبغى أن تلاحظ وترعى، وأن توالى عليها حمد الله، فإن الحمد يجب عليها عقلا وشرعا. وقد تبين أنك صرت فى الأمور أصلا، وصار غيرك فرعا» . ومما يجب ذكره: الجهاد الذى أضحى على الأمة فرضا، هو والعمل الذى يرجع به مسود الصحائف مبيضا. وقد وعد الله المجاهدين بالأجر العظيم، وأعد لهم عنده المقام الكريم، وخصّهم بالجنة لا لغو فيها ولا تأثيم» . «وقد تقدمت لك فى الجهاد يد بيضاء أسرعت فى سواد الحساد، وعرف منك عزمة هى أمضى «٢» مما تحت ضمائر الأغماد. واشتهرت لك مواقف فى القتال هى أبهى وأشهى إلى القلوب من الأعياد. وبك صان الله حمى الإسلام من أن يبتذل، ويعزمك حفظ على المسلمين نظام هذه الدول، وبسيفك الذى أثر فى الكافرين قروحا لا تندمل، وبك يرجى أن يرجع مقر الخلافة المعظمة إلى ما كان عليه من الأيام الأول. فأيقظ لنصرة الإسلام جفنا ما كان هاجعا، وكن فى مجاهدة أعداء الله إماما متبوعا لا تابعا. وأيد كلمة التوحيد فما تجد فى تأييدها إلا مطيعا سامعا» .

стр. 11696

«ولا تخل الثغور من اهتمام بأمرها تبتسم له الثغور، واحتفال يبدل ما دجى من ظلماتها بالنور، واجعل أمرها على الأمور مقدما، وسد منها ما غادره العدو متداعيا متهدما. فهذه حصون يحصل منها [الانتفاع «١» ] وبها تحصم الأطماع، وهى على العدو داعية افتراق لا اجتماع» . «وأولاها بالاهتمام ما كان البحر له مجاورا، والعدو إليه ملتفتا ناظرا، لا سيما ثغور الديار المصرية، فإن العدو وصل إليها رابحا، ورجع خاسرا، واستأصلهم الله فيما مضى حتى ما أقال منهم عائرا» . «وكذلك الأصطول الذى ترى خيله كالأهلة وركائبه بغير سائق مستقلة، وهو أخو الجيش السليمانى، فإن ذلك غدت له الرياح حاملة وهذا تكفلت يحمله المياه السائلة. وإذا لحظها الظرف سائرة فى البحر كانت كالاعلام، وإذا شبهها قال هذه ليال تقلع فى أيام» . «وقد سنى الله لك من السعادة كل مطلب، وأتاك من أصالة الرأى الذى يريك المغيب، وبسط بعد القبض منك الأمل، ونشط من السعاده ما كان قد كسل، وهداك إلى مناهج الحق وما زلت مهتديا إليها، وألهمك المراشد فلا تحتاج إلى تنبيه عليها، والله تعالى يؤيدك بأسباب نصره، ويوزعك شكر نعمه. فإن النعم تستتم بشكره، بمنه وكرمه» . ثم ركب السلطان وشق المدينة بعد أن زينت، وحمل التقليد الأمير جمال الدين النجيبى استاد الدار العالية، والصاحب الوزير بهاء الدين فى بعض الطريق «٢»

стр. 11697

وبسط أكثر الطريق للسلطان بالثياب الفاخرة، [و «١» ] مشى عليها بفرسه، ووصل إلى القلعه. وشرع السلطان فى الستخدام للخليفة: فكتب للأمير سابق الدين بوزبا أتابك العسكر بألف فارس، وللأمير ناصر الدين محمد بن صيرم الخازندار بمائنى فارس، وللأمير الشريف نجم الدين استاد الدار بخمسمائة فارس. وأمر جماعة من العربان، وحملت إليهم الطلبخاناة والصناجق، وأنفق فيهم الأموال لعدة شهور. واشترى السلطان مائة مملوك «٢» جمدارية وسلاح دارية للخليفة، وأعطى لكل واحد منهم ثلاثة أرؤس خيلا وجملا لعدته، ولم يبق أحد ممن تدعو الحاجة إليه من صاحب ديوان وكاتب إنشاء وديوان وأئمه ومؤذنين وغلمان وحكماء وجرائية إلا استخدموا. ولما تكامل ذلك كله تقدم السلطان بتجهيز العساكر. وفى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رمضان من السنة ركب السلطان هو والخليفة فى السادسة من النهار، ونزل كل منهما فى دهليزه، واستمرت النفقه فى أجناد الخليفة. وفى يوم العيد ركب الخليفة والسلطان تحت الجتر، وصليا العيد، وفى هذه الليلة حضر الخليفة إلى خيمة السلطان وألبسه الفتوة بحضور «٣» من يعتبر حضوره فى ذلك.

стр. 11698

وفى يوم السبت سادس شوال رحلا متوجهين إلى الشام، فلما وصلا إلى الكسوة خرج عسكر الشام للقائهما، ودخلا دمشق فى يوم الإثنين سابع ذى القعدة. ونزل السلطان بالقلعة، ونزل الخليفة فى تربة الملك الناصر بجبل الصالحية «١» . وجرد الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى، والأمير شمس الدين سنقر الرومى إلى جهة حلب، وأمرهم السلطان بالمسير إلى الفرات، وأنه متى ورد عليهم كتاب الخليفة يطلب أحدا منهم إلى العراق يتوجه إلى خدمته لوقته. وركب السلطان وودع الخليفة، وسير إليه الملوك الذين ذكرناهم. ثم ورد كتاب الخليفة يذكر أنه وصل إلى حديثة وعانا، وولى فيها «٢» ثم كان ما ذكرنا من خروج طائفة من التتار وقتال الخليفة لهم واستشهاده، رحمه الله تعالى، على ما قدمناه فى أخباره، فى أخبار خلفاء الدولة العباسية. وحسب ما أنفق فى مهم الخليفة والملوك فكان ألف ألف دينار عينا وفى هذه السنة قبل مسير السلطان إلى الشام، كتب منشور الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا «٣» بالإمرة على جميع العربان، وأطلق السلطان للعريان الغلال من بلد حلب، وذلك قبل خروج السلطان إلى الشام.

стр. 11699

هذا ما كان من الأخبار بالديار المصرية، فلنذكر ما اتفق بالشام من حين ابتداء سلطنة السلطان الملك الظاهر إلى أن استقرت قواعد ملكه. ذكر استيلاء الأمير علم الدين سنجر الحلبى على دمشق وسلطنته بها، وأخذها منه، وتقرير نواب السلطان بها قد ذكرنا أن السلطان الملك المظفر سيف الدين قطز كان قد فوض نيابة السلطنة بدمشق للأمير علم الدين سنجر الحلبى «١» ، فلما اتصل به خبر قتل الملك المظفر وثب على السلطنة بدمشق وحلف العساكر الشامية لنفسه، ولقب نفسه بالملك المجاهد، وركب بشعار السلطنة، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الظاهر كتب إليه يقبح فعله ويسترجعه عنه، فعادت أجوبته بالمغالطة. فأرسل إليه السلطان الأمير جمال الدين أقن المحمدى يستميله «٢» ويرده عن تعاطى ما لايتم له، وسير إليه صحبته مائة ألف وعشرين ألف درهم وحوائص وخلعا وملابس بألفى دينار عينا. فلما وصل ذلك إليه جلس الأمير علم الدين الحلبى مجلسا عاما للناس وأشهدهم على نفسه أنه قد نزل عن الأمر الذى كان قد استحلف الناس عليه، وأنه من جملة النواب الظاهرية. ثم رجع عن ذلك وركب بشعار السلطنة على ما كان عليه أولا، فركب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار وخرج إلى ظاهر دمشق، ونادى باسم السلطان الملك الظاهر ومعه جماعة فساق بهم إلى جهة السواد، فندب الحلبى جماعة لقتالهم، فانهزم أصحاب الحلبى، ثم رأى انحراف الناس عنه واتفاقهم عليه،

стр. 11700

ففارق دمشق وتوجه إلى قلعة بعلبك. ودخل الأمير علاء الدين البندقدار دمشق، وحلف الناس للسلطان الملك الظاهر وجهز إلى بعلبك من أحضر الحلبى تحت الأحتياط. وكتب بذلك إلى السلطان، فجدد السلطان المناشير للأمراء والجند، وقرر الحديث فى الأموال ونيابة القلعة للأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى، ورسم باحضار الحلبى، فلما وصل إليه اعتقله بقلعة الجبل، ثم أطلقه بعد ذلك وخلع عليه، واستمر فى الخدمة إلى أن جهزه إلى نيابة حلب. هذا ما اتفق بدمشق. ذكر ما اتفق بحلب فى أمر النيابة كان السلطان الملك المظفر قد استناب بالمملكة الحلبية الملك المظفر علاء الدين ابن صاحب الموصل، ولقبه بالملك السعيد على ما ذكرناه، فتوجه إلى حلب، وحصلت منه أمور أنكرها عليه الأمراء، وكان الملك المظفر قطز قد أقطع جماعة من الأمراء العزيزية والناصرية بالبلاد الجبلية، فلما اتصل بهم قتل الملك المظفر اجتمعوا وقبضوا على الملك السعيد ونهبوا وطاقة، وكان قد برز إلى الباب المعروف بباب الله «١» للقاء التتار، واستولوا على خزائنه فلم يجدوا فيها مالا طائلا، فتهددوه بالعذاب إن لم يقر لهم بالمال، فأخرج لهم من تحت الأشجار مالا كان قد دفنه، تقدير خمسين ألف دينار مصرية، ففرقت فى الأمراء واعتقلوا الملك السعيد بالشغر «٢» ، ثم أفرجوا عنه بعد ذلك، وقدموا عليهم الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزى، فكتب السلطان إليه تقليد بنيابة المملكة الحلبية.

стр. 11701

ذكر وصول طائفة من التتار إلى البلاد الإسلامية وما فعلوه بحلب وتقدمهم إلى حمص وقتالهم وانهزامهم وما كان من خبر عودهم وفى سنة تسع وخمسين وستمائة بلغ التتار أن الأمراء العزيزية والناصرية قد وقع بينهم اختلاف، فتجمعوا من كل جهة وعبروا الفرات، ولما بلغ الملك السعيد خبرهم وأنهم وصلوا إلى جهة البيرة جرد إليهم جماعة قليلة من العسكر الحلبى، وقدم عليهم سابق الدين أمير مجلس الناصرى، فنهاه الأمراء العزيزية والناصرية عن ذلك، واستقلوا العسكر المجرد، فلم يرجع إلى قولهم، وصمم على إرساله، فسار سابق الدين ومن معه حتى قاربوا البيرة، فصدمهم التتار، فهرب سابق الدين منهم ودخل البيرة، بعد أن قتل أكثر من معه. فكان ذلك من أكبر الأسباب التى أوجبت القبض على الملك السعيد، ثم توجه التتار إلى جهة حلب، فاندفع الأمير حسام الدين الجوكندار والعسكر الحلبى بين أيديهم إلى جهة حماة، ووصل التتار إلى حلب فى أواخر سنة ثمان وخمسين وستمائة وملكوها، وأخرجوا أهلها إلى قرنبيا، واسمها قديما مقر الأنبياء، فسماها العامة قرنبيا، فلما اجتمعوا بها بذل التتار فيهم السيف فقتلوا أكثرهم. وتقدم التتار إلى جهة حماة، ففارقها العسكر الحلبى وصاحبها الملك المنصور إلى حمص، واجتمعوا هم والملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حمص، واتفقوا على قتال التتار، وانضم إليهم الأمير زامل بن على أمير العربان. ووصل التتار إلى حمص، والتقوا واقتتلوا فى يوم

стр. 11702

الجمعة خامس المحرم من السنة «١» فانهزم التتار أقبح هزيمة، وقتل أبطالهم وشجعانهم، فاستشهد فيهم بقول الشاعر: فإن كان أعجبكم عامكم ... فعودوا إلى حمص فى قابل فإن الحسام الصقيل «٢» الذى ... قتلتم به فى يد القاتل وقد شاهد جماعة كثيرة فى هذه الواقعة طيورا كثيرة بيضاء تحوم حال القتال. حكى عن الأمير بدر الدين محمد القيمرى قال: «والله، لقد رأيت بعينى طيورا بيضا وهى تضرب بأجنحتها فى وجوه التتار» . وقد ذكر ذلك جماعة كثيرة حتى بلغ حد التواتر، فما كان بأسرع من انهزام التتار. قال المؤرخ: ثم اجتمع من سلم من التتار ونزلوا بسلمية، وعادوا إلى حماة، ورحلوا عنها إلى أفامية، وكان قد وصل إلى أفامية الأمير سيف الدين الديبلى «٣» الأشرفى ومعه جماعة فأقام بقلعتها وبقى بغير على التتار، فرحلوا عن أفامية وعادوا إلى حلب، فأخرجوا من بها من الرجال والنساء ولم يبق إلا من ضعف عن الحركة واختفى خوفا على نفسه، ثم نادوا فيهم: من كان من أهل حلب فليعتزل. فلم يعلم الناس ما يراد بهم، فظن الغرباء النجاة لأهل حلب، وظن أهل حلب نجاة الغرباء،

стр. 11703

فاعتزل بعض كل من الطائفتين مع الأخرى بحسب ما أدّى كل منهم اجتهاده، فلما تميز الفريقان أخذ التتار الغرباء وتوجهوا بهم إلى بابلى «١» فضربوا أعناقهم، وفيهم جماعة من أهل حلب وأقارب الملك الناصر، ثم أعادوا من بقى من أهل حلب إليها، وسلموا كل طائفة إلى رجل من الأكابر، ثم أحاطوا بالبلد ولم يمكنوا أحدا يدخل إليه ولا يخرج منه. ثم فارق التتار حلب فى أوائل جمادى الأول سنة تسع وخمسين وستمائة وكان سبب رحيلهم عنها أن السلطان الملك الظاهر جرد فى العشر الأول من شهر ربيع الأول الأمير فخر الدين الطنبا الحمصى والأمير حسام الدين لاجين الجو كان دار «٢» والأمير حسام الدين العين تابى «٣» فى عسكر لدفع التتار عن حلب. فلما وصلوا إلى غزة أرسل فرنج عكا إلى التتار بخبرهم فرجعوا وفارقوا حلب. ولما رحل التتار عن حلب تغلب عليها جماعة من أحداثها لخلوها من العسكر، منهم نجم الدين أبو عبد الله بن المنذر، وعلى بن الأنصارى، وأبو الفتح، ويوسف بن معالى، فقتلوا ونهبوا، وبلغوا أغراضهم ممن كان فى قلوبهم منهم ضغائن» فلما قاربوا الأمير فخر الدين الحمصى والأمير حسام الدين تابى، ومن معهما هرب هؤلاء عن حلب. ولما ذخلها الأمير فخر الدين الحمصى صادر

стр. 11704

أهلها وعذبهم واستخرج منهم ألف ألف درهم وستمائة ألف درهم بيروتية، وأقام بها إلى أن وصل الأمير شمس الدين أقش البرلى، ففارقها. ذكر الغلاء الكائن بحلب قال الشيخ شمس الدين بن الجزرى فى تاريخه: وفى سنة تسع وخمسين وستمائة بعد أن توجه «١» التتار من البلاد الإسلامية غلت الأسعار بحلب، وقلت الأقوات فبلغ رطل اللحم سبعة عشر درهما، ورطل السمك ثلاثين، ورطل اللبن خمسة عشر، ورطل الشيرج سبعين، ورطل الخل ثلاثين، ورطل الأرز عشرين، ورطل الحب رمان ثلاثين، ورطل السكر خمسين، والحلوى كذلك، ورطل العسل ثلاثين، ورطل الشراب ستين، والجدى الرضيع بأربعين درهما، والدجاجة بخمسة دراهم، والبيضة بدرهم ونصف «٢» ، والبصلة بنصف درهم، وباقة البقل بدرهم، والبطيخة بأربعين درهما، والتفاحة بخمسة دراهم، ولم يذكر سعر الخبز والقمح، ولعل ذلك لعدمه. قال: وكانت المكاسب كثيرة والدرهم متيسر الحصول. ذكر اختلاف العزيزية والناصرية، ومفارقة الأمير شمس الدين أقش البرلى البلاد، وتولية الحلبى نيابة حلب وعزله، وعود البرلى إليها وخروجه منها، ونيابة البندقدار وعود البرلى إليها ثانية وخروجه وفى سنة تسع وخمسين وستمائة، بعد وقعة التتار، اختلف الأمراء العزيزية

стр. 11705

والناصرية، وحضروا إلى الساحل، فأعطى السلطان بعضهم الإقطاعات، وحضر الباقون إلى الديار المصرية، وكان الأمير شمس الدين أقش البرلى مقطعا مدينة نابلس من الأيام المظفرية، فزاده السلطان بيسان وجعل لمملوكه قجقار عدة نواحى وتوجه إلى دمشق. ثم أمر السلطان بإمساك الأمير بهاء الدين بغدى الأشرفى فغضب البرلى لذلك، واجتمع معه العزيزية والناصرية، ونزلوا بالمرج وتوجهو إلى حلب. وكان السلطان قد استناب الأمير علم الدين الحلبى بحلب قبل حدوث هذه الواقعة، وأمّر جماعة وقرر لهم وظائف وهم: الأمير شرف الدين قيران «١» الفخرى وجعله استاذ الدار، والأمير بدر الدين جماق وجعله أمير جاندار، والأمير علاء الدين ايدكين الشهابى وجعله شاد الدواوين. فتوجه الأمير علم الدين ووصل إلى حلب فى يوم السبت ثالث شعبان من السنة ووصلت مطالعته إلى السلطان يذكر عبوره إلى حلب، وأن جماعة من العزيزية والناصرية حضروا إليه يطلبون الأمانات. ولما وصل الحلبى إلى حلب جرد جماعه من العسكر خلف البرلى ومن معه من العزيزية والناصرية، فعطف عليهم العزيزية والناصرية فهزموهم، فعزل السلطان الحلبى لذلك. وقيل إنه إنما عزله لأسباب أخر اتفقت أوجبت عزله. ولما عزل الحلبى فارق حلب وعاد إلى دمشق، فخلت مدينة حلب، فحضر الأمير شمس الدين البرلى إليها وأقام بها، وسير الأمير بدر الدين أيدمر الحلى رسولا منه إلى السلطان يبذل له الطاعة، فأبى السلطان إلا حضوره إلى الخدمة. وأقام البرلى بحلب إلى أن وصل السلطان إلى دمشق فى سنة تسع وخمسين، فجرد العساكر إليها ففارقها البرلى وتوجه إلى الفرات، وعاد العسكر

стр. 11706

وأغار على بلاد أنطاكية «١» ، وكان فى العسكر صاحب حمص وصاحب حماة، فأخذت الينا وأحرقت المراكب، وأخذت الحواصل، وعادت العساكر إلى القاهرة فى يوم الخميس تاسع وعشرين شهر رمضان سنة ستين وستمائة وصحبتهم ما يزيد على مائتين وخمسين أسيرا «٢» . ثم استناب السلطان بحلب الأمير علاء الدين ايدكين البندقدار «٣» ، فتوجه إليها وأقام بها. ثم خشى عاقبة عود الأمير شمس الدين اقش البرلى، ففارق حلب وعاد وأقام بحماة واعتذر أنه إنما فارق حلب لشدة الغلاء وعدم الأقوات. وكان الأمير شمس الدين البرلى قد أرسل إلى السلطان الأمير علم الدين جكم بكتبه يسأله الصفح، فلما فارق البندقدار حلب عاد البرلى إليها وكتب إلى السلطان يعتذر من رجوعه إلى حلب، وأنه مارجع إلا طائعا، وأن الأمير علاء الدين انفصل عن حلب اختيارا منه، ولو أقام لما قصده أحد، وتوالت كتبه بالاعتذار واستأذن فى توجهه إلى الموصل، والسلطان يغلظ له تارة ويلين أخرى. ثم جرد السلطان عسكرا صحبه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر نجدة لصاحب الموصل، وانفق فيهم الأموال. فلما اتصل الخبر بالأمير شمس الدين البرلى توجه إلى سنجار والنقى التتار وقاتلهم قتالا شديدا. وكان معه نحو ألف فارس وهم فى جموع كثيرة فلم تساعده المقادير، وذلك أنه سقط عن فرسه فأنكسرت رجله، فركبه أحد مماليكه وساق يوما كاملا ولم يعلم من معه أن رجله كسرت، ثم كان من أمره ما نذكره، إن شاء الله تعالى.

стр. 11707

هذا ما اتفق بالشام وحلب. ذكر ما اتفق للسلطان بالشام فى مدة مقامه بدمشق وما وقع فى سفرته هذه خلاف ما قدمنا ذكره من أمر الخليفة من ذلك أنه لما وصل إلى دمشق وصل إلى خدمته الملك المنصور صاحب حماة، والملك الأشرف صاحب حمص والرحبة، فتلقاهما وأكرمهما وأنعم عليهما بخيل النوبة والعصائب وشعار السلطنة، وركب كل منهما بمفرده والأمراء مترجلون فى خدمته، وكتب لهما التقاليد، وزاد الملك الأشرف تل باشر والملك المنصور بلاد الإسماعيلية، وتوجها إلى بلادهما. ومن ذلك أن أمراء العريان حضروا إلى خدمة السلطان فأنعم عليهم ووصل أرزاقهم، وسلم إليهم خفر البلاد، وألزمهم حفظها إلى حدود العراق «١» . ومن ذلك أنه فوض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى، وكان قبل ذلك بنيابة قلعة دمشق، والأموال «٢» . ذكر ركوب السلطان إلى الميدان بدمشق ولعبه بالكره ومن كان فى خدمته من الملوك قال المولوى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية: ولعب السلطان فى ميدان دمشق، فرأيت فى خدمته جماعة من الملوك وهم: الملك الصالح صاحب الموصل [و] «٣» الملك المجاهد صاحب الجزيرة، [و] الملك المظفر

стр. 11708

صاحب سنجار، [و] الملك علاء الملك. [و] الملك الأشرف صاحب حمص، [و] الملك الزاهر أسد الدين، [و] الملك المنصور صاحب حماة [و] الملك الأمجد تقى الدين بن الملك العادل سيف أبى بكر بن أيوب «١» ، [و] الملك المنصور [و] الملك السعيد، [و] الملك المسعود، وأولاد الملك الصالح عماد الدين اسماعيل (و) الملك الأمجد وأخوته أولاد الملك الناصر داود، (و) الملك الأشرف ابن ولد أقسيس [و] الملك القاهر بن الملك المعظم، وجماعة كثيرة منهم. قال: وهذا ما لا رآه ملك آخر. ذكر الصلح مع ملوك الفرنج لما توجه السلطان إلى الشام سير سير جوان ديكين، كنديافا، يبذل الطاعة. ولما وصل السلطان إلى العوجا سأل الأمان للحضور إلى الدهليز، فتوجه الأتابك إليه وأحضره إلى السلطان. فأكرمه وكتب له منشورا ببلاده ورده إلى بلده. قال: ثم وردت رسل ملوك الفرنج يهنون السلطان بالسلامة ومعهم الإقامات الكثيرة. فلما وصل السلطان إلى دمشق حضر رسول من عكا يسأل أمانا للرسل المتوجهين من ساير البيوت. فكتب إلى متولى بانياس بتمكينهم «٢» ، فحضر أكابر الفرنج والتمسوا الصلح، فتوقف السلطان واشترط شروطا كثيرة فتوقفوا،

стр. 11709

فأهانهم وزجرهم. وكان العسكر قد توجه للإغارة على بلاد الفرنج من جهة بعلبك، فسألوا فى رجوعه وتقرير الصلح على ما كان الأمر عليه إلى آخر الأيام الناصرية وإطلاق الأسرى، من حين انفصال الأيام المذكورة إلى وقت هذه الهدنة. وتوجهت الرسل معهم لأخذ العهود عليهم «١» . وكذلك تقررت الهدنة لصاحب بافا ومتملك بيروت على حكم الأيام الناصرية، وأمنت السبل وكثرت الأجلاب. وشرع السلطان فى جمع الأسارى وسيرهم إلى مدينة نابلس حفظا للعهود، والفرنج يكاسرون «٢» فى أمر الأسارى. فلما طال ذلك رسم السلطان بنقل الأسارى إلى دمشق واستعمالهم فى العمائر وبقى الحال موقوفا «٣» . ذكر الغارة على العرب والفرنج قال: ولما وصل السلطان إلى الشام جرد الأمير جمال الدين المحمدى، وجرد معه جماعة من العسكر المنصور، ورسم لهم بالإغارة على بلد الفرنج، فتوجهوا ونهبوا وكسبوا، وعادوا ساطين «٤» . وجرد جماعة من البحرية وكتم خبرهم. وكان السلطان بلغه أن جماعة من عرب زبيد قد كثر فسادهم وأنهم مخالطون الفرنج وموافقوهم فى الباطن ويدلونهم على عورات المسلمين، فساق البحرية إليهم وانتهبوا أموالهم وقتلوا منهم وذبحوا جماعة كثيرة، وكفى الله الإسلام شرهم «٥» .

стр. 11710

وفى هذه السنة والسفرة، عزل السلطان القاضى نجم الدين بن قاضى القضاة صدر الدين بن سنى الدولة عن القضاة بدمشق، وفوضه للقاضى شمس الدين أحمد ابن بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن خلكان البرمكى من العريش إلى سلمية، وفوض إليه النظر فى جميع الأوقاف بالشام، منها الجامع والبيمارستان والمدارس وغير ذلك، وفوض إليه تدريس سبع مدارس وهى: العادلية، والعذراوية، والناصرية، والفلكية، والركنية، والإقبالية، والبهنسية. وكان تدريس هذه المدارس بيد القاضى نجم الدين المعزول، ووكل بالقاضى نجم الدين «١» وأمره أن يتوجه إلى الديار المصرية. وكان مذموم السيرة فى ولايته. ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة جملة من معانيه. ذكر عود السلطان إلى الديار المصرية قال: ولما استقرت هذه الأمور عاد السلطان إلى الديار المصرية، وكان وصوله فى يوم السبت سابع عشر ذى الحجة سنة تسع وخمسين وستمائة. ذكر أخذ الشويك كان السلطان قد جهز الأمير بدر الدين الأيدمرى وصحبته جماعة من العسكر، وما أعلم أحدا ممن جرد بالجهة التى يتوجهون إليها، فتوجه إلى الشويك وبذل المال والخلع فسلمت إليه. ووصل الخبر بتسليمها فى سادس عشرين ذى الحجة من السنة. وولى نيابتها الأمير سيف الدين بلبان المحتصبى «٢» ، واستخدم بها النقباء

стр. 11711

والجاندارية، وأفرد لخاص القلعة ما كان لها إلى آخر أيام الصالحية النجمية. وفى هذه السنة، كانت وفاة الصاحب صفى الدين أبى إسحق إبراهيم ابن عبد الله بن هبة الله بن أحمد بن مرزوق العسقلانى، وكان قد وزر للملك الأشرف ابن الملك العادل بدمشق مدة، ثم عزل بجمال الدين بن جرير، وكان تاجرا مشهورا بالثروة وكثرة الأموال. وكان ابتداء أمره كما حكى عنه أنه حكاه عن نفسه قال: أرسلنى والدى إلى القاهرة من مصر لأبتاع له قمحا، وكان له طاحون بمصر، فتوجهت إلى دار بعض الأمراء فاشتريت ألف أردب بخمسة آلاف درهم، وتسلمتها، وبت فى تلك الليلة بالقاهرة، وأصبحت فتحسن سعرها فبعتها بسبعة آلاف، فأوفيت الثمن، وأخذت ما بقى، وصرفت به مائة وثلاثين دينارا. وأتيت والدى فسألنى عن القمح، فقلت: بعته، فقال: ولم لا أتيت به؟ فقلت له: إنك لم ترسل معى الثمن، حتى ولم تعطنى دابة أركبها، وعندك عشرين دابة، ماهان عليك أن أركب منها دابة «١» . وكنت قد مشيت من مصر إلى القاهرة فحقدت ذلك عليه. قال: ثم اتجرت فى ذلك المال الذى ربحته من ثمن القمح فبارك الله لى فيه حتى جمعت منه ستمائة ألف دينار عينا، غير ما اشتريت من العقار والأثاث والخدم والدواب والمسفر وغيره. وكانت وفاته بمصر ودفن بسفح المقطم. ومولده فى شهر رجب سنة سبع وسبعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى. وفيها توفى الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خماردكين «٢» ، وهو صاحب صهيون، وجده عتيق الأمير مجاهد الدين صاحب صرخد.

стр. 11712

وكانت وفاته فى ثانى عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وستمائة بقلعة صهيون ودفن بها، وولى بعده ولده سيف الدين محمد. وكان هو قد ولى صهيون بعد وفاة والده ناصر الدين منكورس فى سنة ست وعشرين وستمائة. وخلف الأمير مظفر الدين من الأموال ما لا يحصى كثرة. حكى الشيخ شمس الدين ابن الجزرى فى تاريخه قال: حكى لى الصاحب مجد الدين اسماعيل بن كسيرات الموصلى قال: كان مظفر الدين صاحب صهيون يجلس فى كل يوم فى باب القلعة ويأخذ قطعا من الشمع ويختم عليها بخاتمه، فمن كان له دعوى على خصمه أو محاكمة جاء إليه وأحضر معه شيئا من المأكول فيضعه فى الدركاه بين يدى الأمير مظفر الدين، ويأخذ قطعة من ذلك الشمع المختوم ويتوجه إلى خصمه ويقول هذا ختم السلطان، فيأخذ الخصم معه شيئا أيضا ويحضر إلى بين يديه فيحكم بينهما بنفسه. قال: فسألته عن مقدار ما يحضره الواحد منهم. قال: يأتى كل واحد بحسبه من الرأس الغنم إلى خمس بيضات. ومات وقد ناف على تسعين سنة، ﵀. وفيها توفى الحافظ أبو عبد الله محمد بن عبد الملك بن عيسى بن درياس الماردانى «١» الشافعى، وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم السبت سادس شوال، ودفن من يومه بسفح المقطم. ومولده فى ليلة الثلاثاء ثانى عشرين شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وخمسمية، رحمه الله تعالى.

стр. 11713

واستهلت سنة ستين وستمائة فى هذه السنة، فى ثالث عشرين المحرم، أعرس الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهرى نائب السلطنة الشريفة على ابنة الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل كان، وكان عقد النكاح قد عقد فى ثالث عشر شوال سنة تسع وخمسين وستمائة، وذلك أن السلطان كان قد استدعى الملوك إخوتها فى اليوم المذكور وعرفهم مكانة الأمير بدر الدين منه، وأن محله محل الولد، وخطب أختهم له، فأجابوا إلى ذلك، وعقد النكاح. وملكه السلطان فى ذلك اليوم بانياس وقلعتها بالبيع الشرعى. ثم كان البناء بها فى هذه السنة. وعمل العرس بالميدان الأسود. واحتفل السلطان به احتفالا عظيما، وفوض إليه بعد أيام قلائل النظر فى أمر الجيش: يقطع الإقطاعات ويزيد وينقص، وفوض إليه أمر الرعايا وكشف ظلاماتهم وغير ذلك. وفيها، حصل الصلح بين السلطان والملك المغيث صاحب الكرك «١» ، وكان ولده الملك العزيز فى الاعتقال من الأيام المظفرية. فإن والده كان قد سيره إلى هولاكو كما ذكرنا فاتفق عوده إلى دمشق عند دخول الملك المظفر إليها، فأمر بإرساله إلى قلعه الجبل واعتقاله بها. فأطلقه السلطان الآن، وأقطعه دبنان «٢» بمنشور، وحلف السلطان لأبيه. ثم بعد ذلك سير السلطان له صنجقا وشعار السلطنة، فقبل عقب الصنجق وركب بشعار السلطنة.

стр. 11714

وفيها، انتصب السلطان لعرض العساكر بنفسه وحلّف الناس لولده الملك السعيد ناصر الدين بركة خاقان، فحلفوا له، وسيرت نسخ الأيمان إلى القلاع والممالك «١» والناس بأجمعهم. ذكر وصول الأمير شمس الدين سلار البغدادى وشىء من أخباره «٢» وفى نصف شهر رجب سنة ستين وستمائة وصل الأمير شمس الدين سلار البغدادى من العراق إلى الديار المصرية، وكان رجلا تركيا من قبيلة دروت «٣» وهو من مماليك الخليفة الظاهر بأمر الله أبى نصر محمد بن الناصر لدين الله، ولاه واسط والكوفة والحلة. فأقام بها فى الأيام الظاهرية والمستنصرية والمستعصمية. فلما استولى هولاكو على بغداد وقتل الخليفة، اجتمع سلار هذا وصاحب شستر ومن انضم إليهما، وقاتلوا التتار فلم يكن لهم بهم طاقة لكثرة التتار، فتوجه إلى برية الحجاز، فأقام بها نحوا من سنة أشهر، ثم راسله هولاكو وكتب له فرمانا بإفراره على ما كان عليه فى الأيام المستعصمية، فحضر إليه فأقره، فلما أفضت السلطنة بالديار المصرية إلى السلطان الملك الظاهر كاتبه السلطان، وطلب منه الوصول إليه مرة بعد أخرى، فتقرر حضوره إليه، وتأخر ذلك إلى أن يتحيل لنفسه ويجمع أمواله، فاتفق أن السلطان تحدث مع قليج البغدادى فى بعض الأيام فقال له السلطان: خوشداشك سلار يصل إلينا؟ فقال: هذا لا يتصور

стр. 11715

وقوعه، لأن سلار من الملوك بالعراق، فكيف يفارق ما هو فيه ويحضر إلى هذه البلاد؟ فقال السلطان: متى لم يحضر برضاه أحضرته بغير رضاه. وبعث قاصدا يكتب إليه على أنها أجوبة كتبه، وبعث قاصدا آخر وقال له: إذا قربت من الأردو فاقتل هذا القاصد واتركه وما معه، ففعل ذلك. ولما قتل القاصد وجده القراؤل، فأحضره إلى هولاكو فقرىء ما معه من الكتب فوجدت أجوبة سلار. وكان بمقام هولاكو جماعة من أولاد مماليك الخليفة أخذهم لنفسه وجعلهم خواصا عنده، فسيروا إلى سلار فى الوقت يعلمونه الخبر، فعلم أنها مكيدة، ورسم هولاكو بطلبه إلى الأردو، فوصل إليه الخبر قبل ورود مرسوم هولاكو بطلبه. وكان حال وصول الخبر إليه يتصيد، فعلم أنه متى وصلى إلى هولاكو قتله، فساق لوقته إلى أن وصل إلى الديار المصرية. وترك جميع أمواله وذخائره وأهله وأولاده. ولما وصل أكرمه السلطان وعامله بإحسان كثير، وأنزله بالكبش، وأمره طبلخاناه، وأقطعه منية بنى خصيب. فقال للسلطان: لقد ضيع السلطان على المسلمين أموالا عظيمة، فإنك لو تركتنى حتى أحضر بما جمعته من الأموال والذخائر انتفع بيت المال به، فإنى جمعت خراج سنتين. فقال له السلطان: إنما كان قصدى حضورك، ولم أقصد الأموال. ولا تجلس بين يدى. السلطان لا يرفع أحدا عليه «١» . ثم جرده السلطان فى مقابلة الفرنج بساحل عكا، فكتب إلى السلطان يسأله أن يقيم بالشام فأقطعه نصف [مدينة] نابلس «٢» ، وأقام ستة أشهر ثم أعاده [السلطان] إلى الديار المصرية.

стр. 11716

وكان السلطان قبل وصول سلار البغدادى قد اعتقل الأمير سيف الدين قليج لأمر صدر منه، فأطلقه السلطان بغير شفاعه، وأحسن إليه وأعاده إلى الإمرة ولعب معه الكرة. ذكر عود رسل السلطان من جهة الأنيرور «١» وفى شعبان سنة ستين وستمائة، وصل الأمير سيف الدين الكرزى «٢» ، والقاضى أصيل الدين خواجا إمام، وكان السلطان بعثهما إلى الأنيرور، وذكرا أن الأنيرور أهتم بأمرهما اهتماما عظيما، وأنه أحضرهما ساعة وصولهما وعرضت عليه الهدية، وكان فى جملتها زرافة فأعجبته إعجابا عظيما، وشاهد التتار الذين سيروا إليه [ذلك] «٣» ، وذكرا أنه جهز رسولا وهدية تحضر فيها بعد. وكان فى جملة رسله إلى السلطان نفران من البحرية «٤» ، فلما وصلا، أمر السلطان بتأديبهما لما بلغه من سوء اعتمادهما، وسيرهما إلى قلعة الجزيرة يعملان فيها. ذكر عود رسل السلطان من جهة صاحب الروم ووصول رسله إلى السلطان، وما قرره السلطان من بلاده . وفى هذا الشهر، وصل الأمير شرف الدين الجاكى، والشريف عماد الدين الهاشمى. وكان السلطان قد سيرهما إلى السلطان عز الدين كيكاوس بن كيخسرو

стр. 11717

صاحب الروم ووصل صحبتهما الأمير ناصر الدين نصر الله بن كوح «١» رسلان أمير حاجب، والصدر صدر الدين الخلاطى «٢» رسولان منه، ومعهما كتابه إلى السلطان يذكر أنه نزل للسلطان عن نصف بلاده، وسيّر درجا فيها علائم بما يقطع من البلاد لمن يختاره السلطان ويؤمره [وسأل أن] «٣» يكتب له من جهته منشورا قرين منشور صاحب الروم. فلما وصل الرسل إلى السلطان أكرمهم وجهز جيشا نجدة لصاحب الروم. وأمر بكتب المناشير، وعين الأمير ناصر الدين أغلمش السلاح دار الصالحى لتقدمة الجيش، وعين له ثلاثمائة فارس، وأقطعه فى الروم، وكتب للامير ناصر الدين الرسول المذكور منشورا بثلاثمائة فارس وأقطعه آمد وأعمالها، وتقرر سفره صحبة العسكر، وأن يتوجه صدر الدين رفيقه فى البحر صحبة رسل السلطان. ووقع الإهتمام فى كتب المناشير وتجريد الأمراء من الشام وحلب. وفى شهر رجب من السنه، وصل الأمير عماد الدين ولد الأمير مظفر الدين صاحب صهيون رسولا من جهة أخيه الأمير سيف الدين، وصحبته الهدايا الحسنة. فأحسن السلطان إليه وكتب له منشورا فى بلاد حلب بثلاثين فارسا، وكتب له منشورا آخر فى بلاد الرومية بمائة طواش. وفى هذه المده ورد كتاب صاحب الروم يذكر أن العدو لما بلغهم اتفاقه مع السلطان ولوا هاربين، وأنه سير إلى قونيه يحاصرها ليأخذ من بها من أصحاب أخيه.

стр. 11718

وفى هذا التاريخ، وصلت كتب الأمير علاء الدين الخزندار مقدم العسكر المتوجه إلى الصعيد بسبب العربان عند ما قتلوا الأمير عز الدين الهواش متولى الأعمال القوصية يذكر تبديد شملهم وأبادتهم وأنه أراح المسلمين من فسادهم. وفى شعبان منها توالى وصول جماعة ممن كان صحبه الأمير شمس الدين أقش البرلى من العزيزية والناصرية، فأحسن السلطان إليهم، ولم يؤاخذهم بما كان منهم. ذكر عود رسل السلطان من جهة الأشكرى وخبر مسجد القسطنطينية وفى هذه السنة، وصل الأمير فارس الدين أقش «١» المسعودى الذى كان توجه رسولا إلى الأشكرى، وكان الأشكرى قد سير رسولا إلى السلطان يلتمس بطركا للنصاوى الملكيين «٢» فعين لذلك الرشيد الكحال، وسيّر إليه صحبة الأمير فارس الدين المذكور، فأكرمه الأشكرى وأكرم من صحبه من الأساقفة، وصادف وصولهم إلى الأشكرى فتح القسطنطينية، فركب يوما ليفرج فارس الدين المذكور فيها وفى عمارتها. فمر بمكان وقال: هذا جامع، وقد أبقيته ليكون ثوابه للسلطان. فلما سمع السلطان هذا الخبر استبشر به وفرح فرحا عظيما. وأمر لوقته بتجهيز الحصر العبدانى «٣» والقناديل المذهبة والستور المرموقه والسجادات والمباخر والعنبر والعود والمسك وماء الورد.

стр. 11719

وهذا المسجد كانت عمارته فى سنة ست وتسعين للهجرة. وكان قد وقع الصلح مع الروم على أن يبنى بها مسجد جامع «١» فبنى. ولما طالت المدة جعلوه حدسا. وقيل: إن الصلح كان قد تقرر على أن يبنى مسجد قدر جلد بعير، وتقررت العهود على ذلك فعمد المسلمون إلى جلد بعير فقدوه سيورا ومدوها. فأنكر ذلك فقال المسلمون: هذا جلد بعير، لم نزد عليه شيئا، وعليه وقع الاتفاق. فسكتوا وقيل: إن بانيه مسلمة بن عبد الملك فى أيام أخيه الوليد. والله أعلم. ذكر حضور الأمير شمس الدين أقش البرلى العزيزى إلى الديار المصرية «٢» قد ذكرنا من أخباره وتردده إلى حلب وقتاله التتار فى سنة تسع وخمسين وستمائة ما قدمناه. قال المؤرخ: ولم يزل السلطان يكاتبه ويرغبه ويعطيه العهود والمواثيق على الوفاء، وسير إليه الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى فى رسالة، وشافهه باليمين، فقال له الأمير شمس الدين: «قد جاءتنى رسالة هولاكو يطلبنى إليه، وحلف لى. وهذه رسالة السلطان ويمينه، وأنا، والله «أعلم أن هولاكو يفى، وأن السلطان لا يفى» . وكان أولاده وأهله بالقاهرة فترجح عنده الحضور فحضر، ولما وصل إلى دمشق كتب السلطان إلى النواب بخدمته وترتيب الإقامات له فى جميع الطرقات والمنازل إلى أن يصل إلى القاهرة، وكان متمرضا من

стр. 11720

جراحة فى رجله فجهز إليه الأدوية واهتم بأمره اهتماما عظيما، وكان وصوله إلى القاهرة فى ثانى ذى الحجة سنة ستين وستمائة، فركب السلطان لتلقيه وحمل إليه من الأموال والأقمشة والخلع والخيول وآلات البيوتات ما لا يكون مثله إلا لملك. ولم يترك شيئا مما يحتاجه الأمراء إلا سيره إليه. وكتب له منشورا بستين فارسا، وأعطاه طبلخاناه، وأمر من صحبه من الأمراء. وأعطى كل واحد منهم يحسب حاله. قال: ولما استقر أرسل إلى السلطان يسأله زيادة فى الشام «١» أو فى نابلس أو بلاد الصلت أو بعلبك أو حران، وينزل عن البيرة، ويقول: إن قدرته تعجز عن حفظها، فشكره السلطان ولم يقبل البيرة منه. وقال: «أنا أرجو لك الزيادة» وصار السلطان يقربه فيسايره إذا ركب، ويستشيره إذا جلس، ويساهمه فى كل شىء حتى فيما يكون بين يديه من الطرف، ولازمه حتى لم يفارقه صيد ولا غيره، ثم جدد السؤال فى قبول البيرة، فقبلها السلطان منه وأعطاه الرها وغيرها، وأمر مماليكه. وسافر فى صحبة السلطان إلى الطور ثم قبض عليه لاسباب نذكرها، إن شاء الله تعالى. ذكر القبض على علاء الدين طيبرس الوزيرى نائب السلطنة بالشام «٢» وفى سنة ستين وستمائة، بلغ السلطان عن الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى النائب بدمشق أمور أنكرها عليه، فسير الأمير عز الدين الدمياطى، والأمير علاء الدين أيدغدى الحاج الركنى فتوجها من الديار المصرية فى شوال،

стр. 11721

ودخلا إلى دمشق فى ثالث ذى القعدة. فلما خرج اليهما ليتلقاهما ووصل إلى الأمير عز الدين الدمياطى أهوى ليكارشه على ما جرت العادة به فى السلام، فقبض الدمياطى بيده على عضد طيبرس وبيده الأخرى على سيفه، وأنزل عن فرسه وركبوه بغلا، وقيد وأرسل إلى السلطان ووقعت الحوطة على أمواله وحواصله بدمشق، وكان قد سير جملة منها مع العرب، وكان طيبرس قد أساء السيرة فى أهل دمشق، وضيق عليهم، وتسلم الأمير علاء الدين الركنى دمشق ينظر فيها إلى حين حضور نائب مستقل. ومن عجيب ما وقع فى القبض عليه ما حكاه شمس الدين الجزرى فى تاريخه عن الرشيد فرج الله كاتب البيرتات بدمشق، قال: لما وصل الأمراء الذين قبضوا على طيبرس إلى الكسوة طلبنى وقال: جهز سماطا جيدا لهؤلاء الأمراء، وأحضره أنت بنفسك واحترز عليه، فأنا لا أحضره. قلت: لأى سبب يتأخر مولانا عنه؟ فأسر إلى وقال: إن هؤلاء جاءوا ليقبضوا على قبل دخولهم إلى دمشق. فقلت: يكفيك الله، وبكيت. فقال: هذا أمر لا بد منه، فأبصر أنت كيف تكون. فخرجت من عنده، وجهزت السماط كما رسم، وكان من قبض ما تقدم قال الرشيد: فدخلت يوما على الأمير علاء الدين الركنى وهو يحكم بدمشق، فسألنى عن أشياء تتعلق بالديوان والسماط إلى أن ذكر الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى وأثنى عليه خيرا، فوجدت مجالا للكلام، فذكرت له هذه الحكاية. فقال لى: أنا أحكى لك أعجب من هذا: بينا أنا فى دارى بالقاهرة فى وقت القابلة وإذا برسل السلطان تستدعينى إليه، فما شككت حين طلبنى فى غير الوقت المعتاد أنه يقبض على. فأوصيت استادارى بما يعتمده، وودعت أهلى، وركبت إلى القلعة، فوافيت الأمير عز الدين الدمياطى وقد طلب كما طلبت، فتحققنا

стр. 11722

جميعا إننا تمسك، ثم دخلنا على السلطان فوجدناه فى خلوة، فلما أقبلنا عليه نهض قائما، وأكرمنا فقبلنا الأرض بين يديه وزال عنها ما كان نجده، ثم أمرنا بالقرب منه، فتقدمنا حتى التصقت ركبنا بركبتيه، ثم أخرج من جيبه ختمة واستحلفنا أننا لا نذيع له سرا، وأن نفعل ما يأمرنا به، فحلفنا، فلما تمت اليمين قال: تتوجها الساعة إلى دمشق وتستصحبا معكما العسكر المقيم بغزة، وتمسكوا «١» علاء الدين طيبرس نائب الشام، وتكون أنت مكانه، وإن سمعت هذا الحديث من أحد من خلق الله تعالى قبل أن تفعلاه شنقتكما. فخرجنا من عنده فلما صرنا تحت القلعة إذا بحرفوش يقول لآخر: هؤلاء رايحين إلى دمشق يقبضوا على طيبرس نائب السلطنة بها، فأصفر عند ذلك لونى ولون الدمياطى، وحلفنا جميعا لا نصل إلى بيوتنا، وقال كل منا لاستاد داره أن يلحقه بهجين وجنيب إلى البئر البيضاء «٢» وسقنا من وقتنا إليها. فلحقنا غلمائنا وما نحناج إليه بعد العصر، واستمر بنا السير حتى نفذنا أمر السلطان. وهذا شىء أجراه الله تعالى على ألسنة عوام مصر، لا ينطقون بشىء فى غالب الأوقات إلا ويكون كذلك. ذكر وصول جماعة من التتار إلى خدمة السلطان «٣» قال المؤرخ: كان السلطان قد جهز كشافة من الأمراء وهم، جمال الدين أفش الرومى الصلاح دار من الخواص ومعه الخيول الجياد، ثم جهز الأمير علاء الدين أقسنقر الناصرى، وكتب إلى الشام بأردافهم، وأرسل أمراه

стр. 11723

العربان فساقوا إلى حدود العراق. وكانت الأخبار من جهة القصاد قد وردت أن هولاكو جمع جمعا كبيرا ولم يعلم قصده، فاحترز السلطان وسير هذه الكشافة. فأمسكوا من وسط التتار جماعة، واستطلعوا منهم الأخبار، وكانوا مسلمين، فأطلقهم الأمير علاء الدين. ولما توالت الأخبار بحركة هولاكو عمل السلطان بالحزم، وتقدم إلى أهل دمشق بالحضور بأهاليهم لتخف ظهورهم وترخص الأسعار فحضر منهم جماعة كثيرة. وكتب إلى التواب بحلب بحريق الأعشاب، وسير جماعة إلى بلاد آمد ومواضع الأعشاب فأحرقوا من المروج مسيرة عشرة أيام، وكذلك أعشاب بلاد خلاط «١» حتى صارت كلها رمادا. ثم ورد كتاب الأمير الحاج علاء الدين أقسنقر الناصرى أن الكشافة وجدوا جماعة كثيرة من التتار مستأمنين وافدين إلى باب السلطان، وأنهم من أصحاب الملك بركة، وكانوا نجدة عند هولاكو، فلما وقع بينهما كتب الملك بركة إليهم بالحضور إليه وإن عجزوا عن ذلك ينحازوا «٢» إلى عسكر الديار المصرية وأنهم يذكرون أن العداوة قد استحكمت بين الملكين هولاكو وبركة، وأن ولد هولاكو قتل فى المصاف، وأنهم فوق مائتى فارس، فكتب السلطان إلى نواب الشام بإكرامهم وترتيب الإقامات لهم فى الطرقات وحمل الخلع إليهم وإلى نسائهم، وأحسن إلى مقدميهم الأربعة، فوصلوا يوم الخميس رابع عشرين ذى الحجة سنة ستين، وخرج السلطان للقائهم يوم السبت السادس والعشرين من الشهر. وكان السلطان قد رسم بعمارة أدر ومساكن لهم بقرب اللوق، فسكنوها، وحملت إليهم الخلع وسيقت الخيول، وفرقت فيهم

стр. 11724

الأموال، ولعبوا الكرة مع السلطان، وأمر أكابرهم بمائة فارس فما دونها، ونزل بقبتهم فى جملة بحربته ومماليكه، وأفردت لهم جهات يستخرج منها مرتبهم. وأسلموا وحسن إسلامهم. وبلغ التتار ما قال هؤلاء من الإحسان وما شملهم من الأنعام فتوافدوا جماعة بعد جماعة، والسلطان يعتمد مع كل من يحضر منهم مثل ما اعتمد مع من قبلهم. ذكر إنفاذ الرسل إلى الملك بركة «١» قال: ولما وصلت جماعة التتار إلى السلطان، واستطلع منهم الحال وعرف أحوال الملك بركة ومقامه والطريق إليه جهز إليه رسله وهم: الأمير سيف الدين كشربك «٢» وهو رجل تركى كان جمدار السلطان خوارزمشاه يعرف البلاد واللغات، والفقيه مجد الدين الروذ راورى، وسير صحبتهم نفرين «٣» من التتار الذين وصلوا إليه من أصحاب الملك بركة. وكتب على أيدى الرسل كتابا بستميله ويحثه على الجهاد، ويصف العساكر الإسلامية وكثرتهم وعدة أجناسهم من الترك وعشاير الأكراد وقبائل العربان ومن أطاعها من الملوك الإسلامية والفرنجية، ومن خالفها، ومن وافقها، ومن هاداها «٤» وهادنها، وأن جميعها فى طاعته وسامعة لإشارته إلى غير

стр. 11725

ذلك من الأغراء بهولاكو وتهوين أمره وتقبيح الغفلة عنه، وأعلمه بوصول من وصل من التتار وادعائهم أنهم من أصحابه، وأن الإحسان إليهم إنما هو من أجله. وكان الخليفة الحاكم بأمر الله قد حضر وبويع بحضور الرسل وكتب نسبته وأذهبت وأشهد على ثبوت نسبه، وسير ذلك إلى الملك بركة. وزود الملك الظاهر الرسل لمدة شهور، وتوجهوا فى المحرم سنة إحدى وستين. ووصلوا إلى بلاد الأشكرى فأحسن إليهم وصادف وصولهم وصول رسل الملك بركة إلى الأشكرى، فسيرهم صحبتهم ورجع الفقيه مجد الدين لمرض حصل له، وتوجه الرسل صحبة رسل الملك بركة: الأمير جلال الدين والشيخ نور الدين على، ووصلت كتب الأشكرى أن رسل السلطان توجهوا سالمين. ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير جمال الدين النجيبى الصالحى «١» قال: ولما تسلم الأمير علاء الدين الركنى مدينة دمشق على ما قدمناه اختار السلطان الأمير جمال الدين أقش النجيبى الصالحى لنيابة السلطنة بدمشق، وجهز معه الصاحب عز الدين عبد العزيز بن وداعة وزير الشام. وكان قد حصل بينه وبين الأمير علاء الدين طيبرس مفاوضات أوجبت حضوره إلى الباب السلطانى صحبة الركاب الشريف فرسم بعوده على وظيفته «٢» . وفى هذه السنة فى ذى القعدة، خرج أمر السلطان لقاضى القضاة تاج الدين «٣» أن يستنيب نوابا من المذاهب الثلاثة، فاستناب القاضى صدر الدين سليمان

стр. 11726

الحنفى، والشيخ شرف الدين عمر السبكى المالكى، والشيخ شمس الدين الحنبلى. وفيها: اشتد الغلاء بالشام «١» ، وأبيعت غرارة القمح بأربعمائة وخمسين درهما، والشعير بمائتين وخمسين، وأبيع القمح بحماة عن كل مكوك أربعمائة درهم، ثم غلت سائر الأصناف، ومات خلق كثير من الجوع. وفيها: فى ذى الحجة ظهر بالقاهرة عند الركن المخلق معبد وفيه حجر مكتوب عليه هذا مسجد موسى بن عمران ﵇، فجددت عمارته. وهو إلى الآن يعرف بمعبد موسى. ذكر وفاة شيخ الإسلام عز الدين أبى محمد ابن عبد العزيز بن عبد السلام بن أبى القاسم ابن الحسن بن أبى محمد السلمى الدمشقى الشافعى وشىء من أخياره «٢» كانت وفاته، رحمه الله تعالى، بالمدرسة الصالحية النجمية بالقاهرة المعزية، فى يوم السبت فبيل العصر التاسع من جمادى الأول سنة ستين وستمائة، ودفن يوم الأحد قبل الظهر بسفح المقطم. ومولده تقريبا فى سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وولى من المناصب الدينية بدمشق: تدريس زاوية الغزالى، وخطابة الجامع الأموى. وولى بالديار المصرية: القضاء بمصر والوجه القبلى، وخطابة جامع عمرو بن العاص، وتدريس المدرسة الصالحية بالقاهرة، والنظر فى عمارة

стр. 11727

المساجد بالقاهرة ومصر. وكان، رحمه الله تعالى، أحد أئمة المسلمين، إليه انتهت الفتيا فى زمانه، وصنف التصانيف المشهورة، منها: الإمام فى أدلة الأحكام، وقواعد الفقه الكبرى، والوسطى، والصغرى، والغابة فى اختصار النهاية، وجمع بين الحاوى والنهاية، واختصر الشامل لابن الصباغ، واختصر الكشاف، واختصر تفسير ابن عباس والماوردى، وفسر سورة البقرة فى مجلدة «١» ، وفسر من سورة يس إلى سورة الناس، واختصر صحيح مسلم فى مجلدين، وعمل عليهما حواشى مفيدة، واختصر الرعاية، وصنف فى الزهد شجرة المعارف، وغير ذلك من التصانيف المفيدة. وكان، ﵀، كثير الزهد والإيثار، لا يعتنى بالملابس، ولا يكترث بها، ولا تأخذه فى الله لومة لائم ولا يخشى سطوة ملك، لم يزل يصدع الملوك بمر الحق، ويفتى بحكم الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن خالف ذلك آراء الملوك واعتقادهم، وكرهوه منه، ونهوه عنه فلا يرجع عما علمه، ويطلب المناظرة عليه. واتفقت له وقائع مع الملوك راموا فيها قتله، فحماه الله تعالى منهم، وهى وقائع تدل على صلابة دينه، وحسن يقينه، وتمسكه من السبب الأقوم بمتينه. منها: واقعته مع الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل صاحب دمشق فى مسألة الكلام. وكان الملك الأشرف قد صحب جماعة من مبتدعة الحنابلة من صغره ممن يقول بالحرف والصوت، فاستمالوه إلى مذهبهم وقرروه عنده حتى أمتزج بلحمه ودمه، واعتقد كفر من يعتقد خلافه وأنه مباح الدم. وكان فى ابتداء سلطنته يميل إلى الشيخ عز الدين لما يبلغه عنه، وقصد حضوره إليه، والشيخ بأبى ذلك ويمنع منه ولا يجيب إليه. فألقى

стр. 11728

إلى السلطان من صحبه من الحنابلة أن الشيخ مخالف لرأيه مباين لمذهبه، وأنه يقدح فيمن يعتقده ويذمه ويسبه، فأتهمهم السلطان فى ذلك، وطلب منهم تحقيقه عنده، فاجتمعوا وكتبوا فتيا فى مسألة الكلام وأرسلوها إلى الشيخ، وكان قد اتصل به خبر مكيدتهم، فلما أتته كتب عليها بما يعتقده من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتوحيده، وأنه حى مريد سميع بصير عليم، قدير متكلم قديم أزلى ليس بحرف ولا صوت ولا يتصور فى كلامه أن ينقلب مدادا فى الألواح والأوراق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور فى أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على ذاته، كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته. وأطال فى الفتيا وبسط الكلام واستدل، ونفى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وأكابر أصحابه خلاف ذلك، وأخرج الفتيا من يده وقد تحقق ما يؤول أمرها إليه، فعرضت على السلطان، ومن عرضها لا يشك أن فيها سفك دم الشيخ. فلما وقف عليها استشاط غضبا وقال: صح عندى ما قالوه عنه، وتكلم فى حقه بأشنع الكلام، وكفره، وكان ذلك فى شهر رمضان، وقد اجتمع على سماطه القضاة والعلماء، فما استطاع أحد منهم أن يرد عليه لما عنده من الحرج. فقال بعضهم: السلطان أولى بالعفو والصفح لا سيما فى مثل هذا الشهر، وموّه آخرون بكلام يوهم صحة فذهب خصمه، ثم انفصلوا من المجلس. فنهض فى ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكى، رحمه الله تعالى، وهو عالم مذهبه فى زمانه. واجتمع بالقضاة والأعيان الذين حضروا المجلس، ووبخهم ولامهم وشدد عليهم النكير كونهم ما ذكروا الحق وكونهم سألوا العفو والصفح، وقال: هذا يوهم الذنب، ولم يزل إلى أن أخذ

стр. 11729

خطوطهم بموافقة الشيخ. فعند ذلك التمس الشيخ من السلطان أن يعقد مجلسا للشافعية والحنابلة ويحضره المالكية والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين. وقال: الذى يعتقد فى السلطان أنه إذا ظهر له الحق يرجع إليه، وأنه يعاقب من موه الباطل عليه، وهو أولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل، تغمده الله برحمته، فأنه كان قد عزر جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة تعزيرا بليغا رادها وبدع «١» بهم وأهانهم. فأجابه السلطان بخطه ما مثاله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* «وصل إلىّ ما التمسه الفقيه ابن عبد السلام، أصلحه الله، من عقد مجلس وجمع المفتيين والفقهاء. وقد وقفنا على خطه وما أفتى به، وعلمنا من عقيدته ما أغنى عن الإجتماع به. ونحن فنتبع ما عليه الخلفاء الراشدون الذين [قال] ﷺ ، فى حقهم. «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى» . وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكل مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويتخلص من البدع، اللهم إلا أن كنت تدعى الاجتهاد فعليك أن تثبت، ليكون الجواب على قدر الدعوى لتكون صاحب مذهب خامس. وأما ما ذكرته عن الذى جرى فى أيام والدى، تغمده الله برضوانه، فذلك الحال أنا أعلم به منك. وما كان له سبب إلا فتح باب السلامه، لا لأمر دينى وجرم جره سفهاه قوم فحل بغير جانيه العذاب. ومع هذا فقد ورد فى الحديث

стр. 11730

الفتنة نائمة، لعن الله مثيرها، ومن تعرض إلى إثارتها قابلناه بما يخلصنا من الله، وما يعضد كتاب الله وسنة رسوله» . فلما وصلت هذه الرقعة إلى الشيخ قرأها، وقال للرسول: إذهب فقد وصلت. فقال: تقدمت الأوامر المطاعة السلطانية باحضار جوابها، فكتب الشيخ ما مثاله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) «١» أما بعد حمد الله الذى جلت قدرته وعلت كلمته وعمت رحمته وسبقت نعمته، فإن الله تعالى قال لأحب خلقه إليه وأكرمهم لديه: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) «٢» وقد أنزل الله تعالى كتبه وأرسل رسله بنصائح خلقه. فالسعيد من قبل نصائحه وحفظ وصاياه. وكان فيما أوصى به خلقه أن قال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) «٣» وهو أولى من قبلت نصيحته وحفظت وصيته. وأما طلب المجلس وجمع العلماء فما حملنى عليه إلا النصح للسلطان وعامة المسلمين. وقد سئل رسول الله ﷺ عن الدين فقال: «الدين النصيحه» ؛ قيل لمن؟ يا رسول الله: قال: «لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم» ، فنصح الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه بالعمل بمواجبه، وللائمة بارشادهم
следующие страницы →