← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11726–11765 · переход к 11731.

стр. 11726

الحنفى، والشيخ شرف الدين عمر السبكى المالكى، والشيخ شمس الدين الحنبلى. وفيها: اشتد الغلاء بالشام «١» ، وأبيعت غرارة القمح بأربعمائة وخمسين درهما، والشعير بمائتين وخمسين، وأبيع القمح بحماة عن كل مكوك أربعمائة درهم، ثم غلت سائر الأصناف، ومات خلق كثير من الجوع. وفيها: فى ذى الحجة ظهر بالقاهرة عند الركن المخلق معبد وفيه حجر مكتوب عليه هذا مسجد موسى بن عمران ﵇، فجددت عمارته. وهو إلى الآن يعرف بمعبد موسى. ذكر وفاة شيخ الإسلام عز الدين أبى محمد ابن عبد العزيز بن عبد السلام بن أبى القاسم ابن الحسن بن أبى محمد السلمى الدمشقى الشافعى وشىء من أخياره «٢» كانت وفاته، رحمه الله تعالى، بالمدرسة الصالحية النجمية بالقاهرة المعزية، فى يوم السبت فبيل العصر التاسع من جمادى الأول سنة ستين وستمائة، ودفن يوم الأحد قبل الظهر بسفح المقطم. ومولده تقريبا فى سنة سبع أو ثمان وسبعين وخمسمائة، وولى من المناصب الدينية بدمشق: تدريس زاوية الغزالى، وخطابة الجامع الأموى. وولى بالديار المصرية: القضاء بمصر والوجه القبلى، وخطابة جامع عمرو بن العاص، وتدريس المدرسة الصالحية بالقاهرة، والنظر فى عمارة

стр. 11727

المساجد بالقاهرة ومصر. وكان، رحمه الله تعالى، أحد أئمة المسلمين، إليه انتهت الفتيا فى زمانه، وصنف التصانيف المشهورة، منها: الإمام فى أدلة الأحكام، وقواعد الفقه الكبرى، والوسطى، والصغرى، والغابة فى اختصار النهاية، وجمع بين الحاوى والنهاية، واختصر الشامل لابن الصباغ، واختصر الكشاف، واختصر تفسير ابن عباس والماوردى، وفسر سورة البقرة فى مجلدة «١» ، وفسر من سورة يس إلى سورة الناس، واختصر صحيح مسلم فى مجلدين، وعمل عليهما حواشى مفيدة، واختصر الرعاية، وصنف فى الزهد شجرة المعارف، وغير ذلك من التصانيف المفيدة. وكان، ﵀، كثير الزهد والإيثار، لا يعتنى بالملابس، ولا يكترث بها، ولا تأخذه فى الله لومة لائم ولا يخشى سطوة ملك، لم يزل يصدع الملوك بمر الحق، ويفتى بحكم الله وسنة رسوله ﷺ ، وإن خالف ذلك آراء الملوك واعتقادهم، وكرهوه منه، ونهوه عنه فلا يرجع عما علمه، ويطلب المناظرة عليه. واتفقت له وقائع مع الملوك راموا فيها قتله، فحماه الله تعالى منهم، وهى وقائع تدل على صلابة دينه، وحسن يقينه، وتمسكه من السبب الأقوم بمتينه. منها: واقعته مع الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك العادل صاحب دمشق فى مسألة الكلام. وكان الملك الأشرف قد صحب جماعة من مبتدعة الحنابلة من صغره ممن يقول بالحرف والصوت، فاستمالوه إلى مذهبهم وقرروه عنده حتى أمتزج بلحمه ودمه، واعتقد كفر من يعتقد خلافه وأنه مباح الدم. وكان فى ابتداء سلطنته يميل إلى الشيخ عز الدين لما يبلغه عنه، وقصد حضوره إليه، والشيخ بأبى ذلك ويمنع منه ولا يجيب إليه. فألقى

стр. 11728

إلى السلطان من صحبه من الحنابلة أن الشيخ مخالف لرأيه مباين لمذهبه، وأنه يقدح فيمن يعتقده ويذمه ويسبه، فأتهمهم السلطان فى ذلك، وطلب منهم تحقيقه عنده، فاجتمعوا وكتبوا فتيا فى مسألة الكلام وأرسلوها إلى الشيخ، وكان قد اتصل به خبر مكيدتهم، فلما أتته كتب عليها بما يعتقده من تعظيم الله تعالى وتنزيهه وتوحيده، وأنه حى مريد سميع بصير عليم، قدير متكلم قديم أزلى ليس بحرف ولا صوت ولا يتصور فى كلامه أن ينقلب مدادا فى الألواح والأوراق، بل الكتابة من أفعال العباد، ولا يتصور فى أفعالهم أن تكون قديمة، ويجب احترامها لدلالتها على ذاته، كما يجب احترامها لدلالتها على صفاته. وأطال فى الفتيا وبسط الكلام واستدل، ونفى عن الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وأكابر أصحابه خلاف ذلك، وأخرج الفتيا من يده وقد تحقق ما يؤول أمرها إليه، فعرضت على السلطان، ومن عرضها لا يشك أن فيها سفك دم الشيخ. فلما وقف عليها استشاط غضبا وقال: صح عندى ما قالوه عنه، وتكلم فى حقه بأشنع الكلام، وكفره، وكان ذلك فى شهر رمضان، وقد اجتمع على سماطه القضاة والعلماء، فما استطاع أحد منهم أن يرد عليه لما عنده من الحرج. فقال بعضهم: السلطان أولى بالعفو والصفح لا سيما فى مثل هذا الشهر، وموّه آخرون بكلام يوهم صحة فذهب خصمه، ثم انفصلوا من المجلس. فنهض فى ذلك الشيخ جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب المالكى، رحمه الله تعالى، وهو عالم مذهبه فى زمانه. واجتمع بالقضاة والأعيان الذين حضروا المجلس، ووبخهم ولامهم وشدد عليهم النكير كونهم ما ذكروا الحق وكونهم سألوا العفو والصفح، وقال: هذا يوهم الذنب، ولم يزل إلى أن أخذ

стр. 11729

خطوطهم بموافقة الشيخ. فعند ذلك التمس الشيخ من السلطان أن يعقد مجلسا للشافعية والحنابلة ويحضره المالكية والحنفية وغيرهم من علماء المسلمين. وقال: الذى يعتقد فى السلطان أنه إذا ظهر له الحق يرجع إليه، وأنه يعاقب من موه الباطل عليه، وهو أولى الناس بموافقة والده السلطان الملك العادل، تغمده الله برحمته، فأنه كان قد عزر جماعة من أعيان الحنابلة المبتدعة تعزيرا بليغا رادها وبدع «١» بهم وأهانهم. فأجابه السلطان بخطه ما مثاله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* «وصل إلىّ ما التمسه الفقيه ابن عبد السلام، أصلحه الله، من عقد مجلس وجمع المفتيين والفقهاء. وقد وقفنا على خطه وما أفتى به، وعلمنا من عقيدته ما أغنى عن الإجتماع به. ونحن فنتبع ما عليه الخلفاء الراشدون الذين [قال] ﷺ ، فى حقهم. «عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى» . وعقائد الأئمة الأربعة فيها كفاية لكل مسلم يغلب هواه ويتبع الحق ويتخلص من البدع، اللهم إلا أن كنت تدعى الاجتهاد فعليك أن تثبت، ليكون الجواب على قدر الدعوى لتكون صاحب مذهب خامس. وأما ما ذكرته عن الذى جرى فى أيام والدى، تغمده الله برضوانه، فذلك الحال أنا أعلم به منك. وما كان له سبب إلا فتح باب السلامه، لا لأمر دينى وجرم جره سفهاه قوم فحل بغير جانيه العذاب. ومع هذا فقد ورد فى الحديث

стр. 11730

الفتنة نائمة، لعن الله مثيرها، ومن تعرض إلى إثارتها قابلناه بما يخلصنا من الله، وما يعضد كتاب الله وسنة رسوله» . فلما وصلت هذه الرقعة إلى الشيخ قرأها، وقال للرسول: إذهب فقد وصلت. فقال: تقدمت الأوامر المطاعة السلطانية باحضار جوابها، فكتب الشيخ ما مثاله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) «١» أما بعد حمد الله الذى جلت قدرته وعلت كلمته وعمت رحمته وسبقت نعمته، فإن الله تعالى قال لأحب خلقه إليه وأكرمهم لديه: (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) «٢» وقد أنزل الله تعالى كتبه وأرسل رسله بنصائح خلقه. فالسعيد من قبل نصائحه وحفظ وصاياه. وكان فيما أوصى به خلقه أن قال: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ) «٣» وهو أولى من قبلت نصيحته وحفظت وصيته. وأما طلب المجلس وجمع العلماء فما حملنى عليه إلا النصح للسلطان وعامة المسلمين. وقد سئل رسول الله ﷺ عن الدين فقال: «الدين النصيحه» ؛ قيل لمن؟ يا رسول الله: قال: «لله ولكتابه ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم» ، فنصح الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ولكتابه بالعمل بمواجبه، وللائمة بارشادهم

стр. 11731

إلى أحكامه والوقوف عند أوامره ونواهيه، ولعامة المسلمين بدلالتهم على ما يقربهم إليه ويؤلفهم لديه. وقد أديت ما علىّ فى ذلك. والفتيا التى وقعت فى هذه القضية يوافق عليها علماء المسلمين من الشافعية والمالكية والحنفية والفضلاء من الحنابلة، وما يخالف فى ذلك إلا رعاع لا يعبا الله بهم، وهو الحق الذى لا يجوز دفعه، والصواب الذى لا يمكن رفعه. ولو حضر العلماء مجلس السلطان لعلم صحة ما أقول، والسلطان أقدر الناس على تحقيق ذلك. وقد كتب الجماعة خطوطهم بمثل ما قلته، وإنما سكت من سكت فى أول الأمر لما رأوا من غضب السلطان. ولولا ما شاهدوه من غضب السلطان لما أفتوا أولا إلا بما رجعوا إليه آخرا. ومع ذلك فيكتب ما ذكرته فى هذه الفتيا وما ذكره الغير، ويبعث إلى بلاد الإسلام ليكتب فيها من يجب الرجوع إليه ويعتمد فى الفتيا عليه. ونحن نحضر كتب العلماء المعتبرين ليقف عليها السلطان. وبلغنى أنهم ألقوا إلى سمع السلطان أن الأشعرى يستهين بالمصحف. ولا خلاف بين الأشعرية وجميع علماء المسلمين أن تعظيم المصحف واجب. وعندنا أن من استهان بالمصحف أو بشىء منه فقد كفر، وانفسخ نكاحه، وصار ماله فيئا للمسلمين، وتضرب عنقه، ولا يغسل، ولا يكفن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن فى مقابر المسلمين، بل يترك بالقاع طعمة للسباع. ومذهبنا أن كلام الله قديم أزلى قائم بذاته، لا يشبه كلام الخلق، كما لا تشبه ذاته ذات الخلق ولا يتصور فى شىء من صفاته أن يفارق ذاته، إذ لو فارقته لصار ناقصا، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهو مع ذلك

стр. 11732

مكتوب فى المصاحف محفوظ فى الصدور مقروء بالألسنة، وصفة الله القديمة ليست بمداد الكاتبين ولا ألفاظ اللافظين. ومن اعتقد ذلك فقد فارق الدين وخرج عن عقائد المسلمين بل لا يعتقد ذلك إلا جاهل غبى، وربنا المستعان على ما تصفون. وليس رد البدع وايطالها من باب إثاره الفتن. فإن الله أمر العلماء بذلك، وأمرهم ببيان ما علموه. ومن امتثل أمر الله ونصر دين الله لا يجوز أن يلعنه رسول الله. وأما ما ذكر من أمر الاجتهاد والمذهب الخامس: فأصول الدين ليس فيها مذاهب فإن الأصل واحد، والخلاف فى الفروع. ومثل هذا الكلام مما اعتمدتم فيه قول من لا يجوز أن يعتمد قوله. والله أعلم بمن يعرف دينه ويقف عند حدوده. وبعد ذلك فأنا نزعم أنا من جملة حزب الله وأنصار دينه وجنده، وكل جندى لا يخاطر بنفسه فليس بجندى. وأما ما ذكر من أمر باب السلامة، فنحن تكلمنا فيه بما ظهر لنا من أن السلطان الملك العادل، تغمده الله برحمته، إنما فعل ذلك إعزازا للدين ونصرة للحق. ونحن نحكم بالظاهر والله يتولى السراير، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم» . وكتب الشيخ هذا الجواب مسترسلا بحضرة رسول السلطان، ودفعه إليه. فلما قرأه السلطان اشتد غضبه، وأرسل اليه أستاد داره غرس الدين خليلا برسالة،

стр. 11733

وكان غرس الدين يحب الشيخ ويعتقده، فحضر إليه وجلس بين يديه، وتلطف به واستأذنه فى أداء الرسالة، فقال: أدها كما قيلت لك. فقال: يقول لك السلطان: «إنا قد شرطنا عليك ثلاثة شروط، أحدها: ألا تفتى، والثانى: ألا تجتمع بأحد، والثالث: أن تلزم بيتك» . فقال له: إن هذه الشروط من نعم الله الجزيلة علىّ، المستوجبه للشكر لله تعالى على الدوام. أما الفتيا: فإنى والله كنت متبرما بها وأكرهها. وأعتقد أن المفتى على شفير جهنم. ولولا أنى كنت أراها متعينة علىّ لما أفنيت. والآن فقد سقط عنى الوجوب وتخلصت ذمتى ولله الحمد والمنة. وأما ترك اجتماعى بالناس ولزومى لبيتى: فهذا من سعادتى لتفرغى لعبادة الله تعالى. والسعيد من لزم بيته وبكى على خطيئته واشتغل بطاعة الله تعالى. وهذا تسليك من الحق، وهدية من الله تعالى إلىّ أجراها على يد السلطان وهو غضبان وأنا بها فرحان. والله لو كان عندى خلعة تصلح لك على هذه الرسالة المتضمنة لهذه البشارة لخلعتها «١» عليك ونحن على الفتوح، خذ هذه السجادة صل عليها فقبلها الحاجب وقبلّها، وانصرف إلى السلطان وقص عليه ما قاله الشيخ. فقال لمن حضره: قولوا لى ما أفعل به، هذا رجل يرى العقوبة نعمة، أتركوه، بيننا وبينه الله. وبقى على ذلك ثلاثة أيام الى أن ركب الشيخ العلامة جمال الدين الحصيرى شيخ الحنفية حماره وتوجه إلى القلعة، وكان معظما عند السلطان وقد جمع العلم والعمل، فلما بلغ السلطان وصوله إلى القلعة أرسل خواصه يتلقونه، وأمرهم أن يدخلوا إلى داره على حماره ففعل. ولما رآه السلطان وثب إليه وتلقاه،

стр. 11734

وأنزله عن حماره وأجلسه على تكرمته واستبشر به. وكان ذلك عند غروب الشمس. فلما أذن المؤذن وصلوا المغرب قدم السلطان إليه شرابا وناوله إياه بيده. فقال: ما جئت إلى طعامك ولا إلى شرابك. فقال: يرسم الشيخ ونحن نمتثل أمره. فقال: أى شىء بينك وبين ابن عبد السلام؟ هذا رجل لو كان فى الهند أو فى أقصى الدنيا كان ينبغى للسلطان أن يسعى فى حلوله فى بلاده لتتم بركته عليه وعلى بلاده ويفتخر به على سائر الملوك. قال: عندى خطه باعتقاده فى فتيا، وخطه أيضا فى رقعة جواب، رقعة سيرتها إليه. فيقف الشيخ عليهما ويكون الحكم بينى وبينه. ثم أحضر الورقتين، فقرأهما الشيخ وقال: هذا اعتقاد المسلمين وشعار الصالحين ونفس المؤمنين، وكل ما فيهما صحيح، ومن خالف ما فيهما وذهب إلى ما قاله الخصم من إثبات الحرف والصوت فهو حمار. فقال السلطان: نحن نستغفر الله مما جرى، ونستدرك الفارط فى حقه، والله لأجعلنه أغنى العلماء. وأرسل إليه واسترضاه، وطلب محاللته ومخاللته. وتقدم السلطان إلى الفريقين بالإمساك عن الكلام فى مسأله الكلام وألا يفتى أحد فيها بشىء سدا لباب الخصام. ثم وصل السلطان الملك الكامل إلى دمشق. وكانت الواقعة قد اتصلت به، فرام الاجتماع بالشيخ فاعتذر إليه، فطلب أن يكتب له صورة الواقعة مستقصاة، فأمر ولده الشيخ شرف الدين أن يكتب ذلك من أوله إلى آخره ففعل. وأرسله إلى الملك الكامل فقرأه وكتمه. ثم سأل أخاه الملك الأشرف عن الواقعة. فقال: منعت الطائفتين من الكلام فى المسألة، وانقطع بذلك الخصام. فقال له السلطان

стр. 11735

الملك الكامل: ليست هذه سياسة حسنة، تساوى بين أهل الحق والباطل، وتمنع أهل الحق من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتأمرهم أن يكتموا ما أنزل الله إليهم. كان الطريق أن تمكن أهل السنة أن يلحنوا بحججهم وأن يظهروا دين الله، إلى غير ذلك من الكلام. وتحقق الملك الأشرف صحة ما قاله الشيخ وصرح بخجله منه، وصار يترضاه، ويعمل بفتاويه، ويأمر أن يقرأ عليه تصانيفه الصغار مثل: الملحة فى اعتقاد أهل الحق، ومقاصد الصلاة، وكرر قراءتها عليه فى يوم ثلاث مرات. واستمر الحال على ذلك إلى أن مرض الملك الأشرف مرضة موته «١» وأرسل أكبر أصحابه إلى الشيخ وقال: قل للشيخ محبك موسى بن العادل أبى بكر يسلم عليك ويسألك أن تعوده وتدعو له وتوصيه بما ينتفع به غدا عند الله تعالى. فأبلغه الرسول الرسالة، فتوجه إلى السلطان فسر برؤيته، وقال له: اجعلنى فى حل، وادع لى، وأوصنى، وأنصحنى: ففعل الشيخ ذلك، وتحدث معه فى أشياء منها: إبطال المنكرات بدمشق. فأمر بأبطالها، وتولى الشيخ إزالة بعضها بنفسه، وأطلق السلطان له ألف دينار عينا، فردها عليه: هذه اجتماعه لله تعالى، لا أكدرها بشىء من الدنيا. ثم مات الملك الأشرف إثر ذلك. ولما حضر الملك الكامل إلى دمشق وانتزعها من أخيه الصالح إسماعيل كما تقدم، حضر الشيخ إلى مجلس السلطان فأكرمه، وفوض إليه تدريس زاوية الغزالى بجامع دمشق ثم فوض إليه قضاء القضاة بعد ذلك بدمشق. فاشترط شروطا كثيرة ولم يله. وقيل إنه تولاه مدة يسيره وعزل نفسه.

стр. 11736

ثم كانت واقعة مع الملك الصالح عماد الدين إسماعيل [بن العادل «١» ] صاحب دمشق [عند ما أذن للفرنج فى دخول دمشق وشراء السلاح ... فأفتى الشيخ عز الدين ابن عبد السلام بتحريم بيع السلاح للفرنج ... وكان الصالح غائبا عن دمشق فورد كتابه بعزل ابن عبد السلام. وولى خطابة] «٢» دمشق، بعد عز الدين بن عبد السلام، علم الدين داود بن عمر بن يوسف بن خطيب بيت الآبار. فلما سلم الملك الصالح صفد والشقيف وغير ذلك للفرنج وصالحهم، كما تقدم، امتنع [الشيخ ابن عبد السلام] من الدعاء له على المنبر الجامع بدمشق فكان من خبر عزله واعتقاله وخروجه من الشام ووصوله إلى الديار المصرية وولايته الخطابة بجامع عمرو بن العاص بمصر، والقضاء بمصر والوجه القبلى، وعزله نفسه مرة بعد أخرى، وغير ذلك من أحواله ما قدمناه فى أخبار الدولة الصالحيه النجمية. ولم يزل الشيخ، رحمه الله تعالى، معظما عند الملك الصالح وغيره من الملوك بعده بالديار المصرية يرجعون إلى رأيه ويعتمدون على فتاويه، ويقف الأكابر عند أوامره إلى أن ملك السلطان الملك الظاهر فزاد فى تعظيمه وإكرامه وبره، واستشاره فى ابتداء دولته فيما بفعله مما فيه صلاح دولته، فقال له: إن الدولة لا تقوم إلا بأمرين؛ أحدهما: قيام الشرع الشريف. والثانى: تحصيل الأموال من وجوهها، ولا أرى لمنصب القضاء مثل تاج الدين عبد الوهاب، يريد ابن بنت الأعز، وللوزارة مثل بهاء الدين على. فرجع السلطان إلى رأيه وتمسك بقوله، وفوض المنصبين لهما، فقام كل منهما فى منصبه أحسن قيام. وحمدت عاقبة هذه الولاية، وشكر سداد هذا الرأى.

стр. 11737

ولما توفى الشيخ، رحمه الله تعالى، تألم السلطان لفقده، وشيع جنازته أمراء الدولة وأكابرها، وحملوا نعشه إلى أن وضع فى قبره، رحمه الله تعالى. وهذا الذى أوردته من أخبار الشيخ فى مسألة الكلام نقلته من خط ولده الشيخ شرف الدين محمد، رحمه الله تعالى. وفضائله ومناقبه، رحمه الله تعالى، كثيرة. وقد أتينا منها بما يدل على مجموعها. وفيها: أيضا توفى الصاحب كمال الدين «١» عمر، ابن قاضى القضاء نجم الدين أبى الحسن أحمد بن هبة الله «٢» بن أحمد بن يحيى بن زهير بن هارون بن موسى ابن عيسى بن عبد الله بن محمد بن أبى جراده الحنفى المعروف بابن العديم الحلبى، كان فاضلا أديبا شاعرا كاتبا رئيسا مؤرخا، وكانت وفاته بمصر فى العشرين من جمادى الأولى سنة ستين وستمائة، ودفن بسفح المقطم، ومولده بحلب فى العشر الأول من ذى الحجة سنة ثمان وثمانين وخمسمائة.

стр. 11738

واستهلت سنة إحدى وستين وستمائة ذكر البيعة للإمام الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد العباسى «١» كان وصوله إلى الديار المصرية فى سنة ستين وستمائة فتلقاه السلطان وأكرمه وخدمه، وأنزله بقلعة الجبل، وأدر عليه النفقات، ثم بايعه فى يوم الخميس الثانى من المحرم سنة إحدى وستين وستمائة على ما قدمنا ذكره فى أخبار الدولة العباسية. ذكر القبض على الملك المغيث صاحب الكرك واعتقاله «٢» كان القبض على الملك المغيث فتح الدين عمر صاحب الكرك فى يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأول سنة إحدى وستين وستمائة. وذلك أن السلطان توجه من قلعة الجبل المحروسه لقصد الشام فى سابع شهر ربيع الآخر من السنة، وخيم بظاهر القاهرة إلى أن تجهز الناس، ورحل فى حادى عشر الشهر فوصل إلى غزة المحروسة فوجد والدة الملك المغيث بها، فأحسن إليها وأنعم عليها، وأعطاها شيئا كثيرا، وحصل الحديث معها فى حضور ولدها [إلى السلطان] «٣» ، وتقررت الأمور سرا ولم يعلم أحد بما تقرر، وأعاد عليها العطاء والإنعام وعلى كل

стр. 11739

من حضر معها، وتوجهت وصحبتها الأمير شرف الدين الجاكى المهندار، برسم تجهيز الإقامات للملك المغيث إذا حضر من الكرك. ونظر السلطان فى أمر أمراء التركمان وخلع عليهم. وأحضر أمراء العابد وجرم وثعلبة وضمنهم اليلاد، وألزمهم بالعداد «١» وشرط عليهم إقامة خيل البريد فى المراكز. ثم سار من غزة ونرل الطور، فى ثانى عشر جمادى الأول. وسير الملك الأشرف صاحب حمص إلى السلطان يلتمس الإذن له فى الحضور إلى الخدمة فأذن له، فحضر فى نصف الشهر فتلقاه السلطان وأحسن إليه. وصارت رسل الملك المغيث تتوالى إلى السلطان وهو ينعم عليهم. وخرج [إليه] «٢» الملك المغيث من الكرك وأقام مدة فى الطريق. وأظهر السلطان من الإحتفال بأمره شيئا كثيرا وخدعه أعظم خديعة. ولما وصل الملك المغيث إلى بيسان ركب السلطان لتلقيه فالتقاه وساق الملك المغيث إلى جانبه، فلما وصل إلى باب الدهليز ترجل ودخل إلى الخيمة فأدخل إلى خركاه واحتيط عليه وعلى أصحابه. وكان السلطان قد استدعى قبل ذلك قاضى القضاة بدمشق والعلماء وأظهر أن ذلك لمبايعته، ولم يطلع أحد على غير ذلك. فلما وقعت الحوطة على الملك المغيث أحضر السلطان الملوك والأمراء وقاضى القضاة والشهود والأجناد ورسل الفرنج وأخرج كتبا من جهة العدو المخذول إليه. وقال الأتابك لمن حضر: «السلطان يسلم عليهم ويقول ما أخدت الملك المغيث إلا بهذا السبب» . وقرئت الكتب. وانصرف

стр. 11740

الملك الأشرف ومن حضر. وقال للقاضى وجماعة العلماء: ما طلبتكم إلا بهذا السبب. وكتب مكتوب بصورة الحال، وكتب فيه القاضى والجماعة. ثم جهز الملك الأشرف وركب السلطان لوداعه. وفى اليوم الذى قبض فيه على الملك المغيث جلس السلطان بعد انقضاء المجلس وأمر بالكتب إلى الكرك: بعد من فيها بالإحسان، ويحذرهم عاقبة مخالفته. وسير الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير عز الدين أيدمر الظاهرى أستاد الدار العالية إلى جهة الكرك وجهز الخلع والأموال ليلحقهما بها «١» ، وجهز الملك المغيث عشية النهار إلى الديار المصرية صحبة من أختاره لذلك، وأطلق أهله وحاشيته، وسير حريمه إلى مصر وأطلق لهم الرواتب. وكان من خبر وفاة الملك المغيث ما قدمناه فى أخباره، ﵀. وفى هذه المنزلة «٢» وصلت رسل دار الدعوة ومعهم الهدايا ووصل ولذا «٣» الصاحبين مقدمى الدعوة، فأحسن السلطان إليهما وتوجها. وفيها: أغار السلطان على عكا، وكان من أخبار الفرنج ما نذكر إن شاء الله تعالى فى غزوات السلطان وفتوحاته. ولما رجع السلطان من الغارة توجه إلى نحو الكرك، وكان رحيله من منزلة الطور فى يوم الاثنين ثالث عشر جمادى الآخرة من السنة. وجرد صحبته جماعة من العسكر وطائفة أخرى صحبة الأمير علاء الدين أمير جاندار إلى الصالحية.

стр. 11741

ووصل السلطان إلى القدس الشريف فى يوم الجمعة، فزار تلك الأماكن الشريفة وعاين ما يحتاج إليه من العمارة، وكتب إلى دمشق يتجهيز جميع ما يحتاج إليه من الأصناف والصناع. ثم صلى الجمعة، وتصدق وكتب بحماية الأوقاف، وتوجه نحو الكرك. ذكر أخذ الكرك «١» وفى يوم الخميس ثالث وعشرين جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وستمائة نزل السلطان على الكرك وصحبته العساكر، وأحضرت السلاليم الخشب من الصلت وغيرها. وكان السلطان قد استصحب من الديار المصرية جماعة من الحجارين والبنائين والنجارين والصناع على أنه يبتى الطور، وأحضر جماعة من دمشق وغيرها وسيروا إلى عين جالوت، وأشاع أن ذلك لبناء جامع، ولم يكن ذلك إلا لأجل الكرك. وعزم على الطلوع إليها بنفسه. فخاف أهل الكرك، ونزل أولاد الملك المغيث، وقاضى المدينة، وخطيبها وجماعة من أهلها، ومعهم مفاتيح الحصن والمدينة، وطلبوا العوض فحلف السلطان على ما طلبوا وأرضاهم بالعطاء، وسير الأمير عز الدين أيدمر أستاد الدار، والصاحب فخر الدين «٢» لتسلم الحصن. قطلعا فى ليلة الجمعة وقت المغرب وتسلماه. ودعى للسلطان فى بكرة الجمعة على أسوارها، ونصبت الصناجق السلطانية على أبراجها. وأصبح السلطان وطلع إلى الحصن فى الثالثة من نهار الجمعة وجلس فى القاعة الناصرية ورتب أحوال الحصن واهتم بأمره، وعين للقلعة خاصا. وأعطى أولاد الملك المغيث جميع

стр. 11742

ما حواه الحصن من مال وقماش وأثاث، وكذلك سائر غلمانهم وجميع الأمراء والمغادره والأجناد، ولم يتعرض لأحد منهم فى «١» شىء، ونزلوا جميعهم فى ذلك النهار، وصلى السلطان بها الجمعة وخطب له. ونزل وقت المغرب. وفى يوم الأحد، سير إلى الملك العزيز ولد الملك المغيث الخلع والقماش، وكذلك [إلى] «٢» الطواشى بهاء الدين صندل والأمير شهاب الدين بن صعلوك أتابكه. وكتب السلطان إلى الشام بحمل الغلال والذخائر والأصناف إليها. وطلع إليها يوم الاثنين وكتب المناشير لعربانها ومن بها. وكانت تزيد على ثلاثمائة منشور فى وقت واحد، وعلم عليها، وثبتت، وسلمت لأصحابها بعد تحليفهم بين يدى السلطان، كل هذا فى بعض يوم. وجرد السلطان بها جماعة من البحرية والظاهرية، واستناب الأمير عز الدين أيدمر أستاد الدار بالكرك، وأضاف إليه النظر على الشوبك وأعمالها. وحلف مقدمى المدينة وحلف نصارها على الإنجيل. وحمل ما كان معه إلى الحصن من الزرد خاناه والأغنام والشعير وغير ذلك من سائر الأصناف والأقمشة وسبعين ألف دينار عينا، ومائة ألف وخمسين ألف درهم، وأعطى الأمير عز الدين أستاد الدار ثلاثين ألف درهم وجملة من القماش. وتوجه السلطان إلى القاهرة فى يوم الأربعاء [تاسع عشر جمادى الآخرة] «٣» فكان دخوله إليها فى سابع عشر رجب، وزينت المدينة أحسن زينة. وشق

стр. 11743

السلطان المدينة، وخلع على الأمراء والمقدمين والمغادرة وجميع حاشيته وغلمانه وأمر ولد الملك المغيث الأكبر: مائة فارس. ذكر القبض على الأمراء وهم: الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى والأمير شمس الدين أقش البرلى والأمير عز الدين الدمياطى، وما نقل من الأسباب الموجبة لذلك وفى شهر رجب الفرد سنة إحدى وستين وستمائة، قبض السلطان على الأمراء المذكورين واعتقلهم. وسبب ذلك أن السلطان كان قد أحسن إليهم إحسانا عظيما. وكان مما اعتمده مع الأمير سيف الدين بلبان الرشيدى أنه فوض إليه أمر المملكة، وأنفذ كلمته، وأطلق له فى كل جمعة خوانين من عنده يمدان بجميع ما يحتاج إليه حتى ماء الورد، إلى غير ذلك. ورتب له فى كل شهر كلّوتتين زركشا بمائة دينار عينا، وكلبنداتها، كل كلبند بأربعين دينارا. كل ذلك زيادة على الإقطاعات العظيمة والمرتبات الكثيرة، وعلى الإنعام، حتى جامكيات «١» البزدارية والفهادين وعليق خيلهم. واشتغل الرشيدى بالشرب واللهو. وأما الأمير عز الدين الدمياطى «٢» فإن السلطان أعطاه وزاده، ومن جملة ما كان بيده نصف مدينة غزة زيادة، وكتب له توقيعا أنه إذا سافر فى جميع المملكة لا يمنع شيئا يطلبه فى الشام من غزة إلى الفرات.

стр. 11744

وأما الأمير شمس الدين البرلى فقد تقدم ما عامله به عند وصوله واستمر ذلك إلى آخر وقت. ثم بلغ السلطان أن الرشيدى قد فسدت نيته فجعل عليه عيونا تحفط جميع ما يجرى منه، فكان مما أنكر السلطان عليه أن الأمير أسد الدين أستاد دار الملك المغيث أخبر السلطان أن كتاب الرشيدى وصل إلى الملك المغيث يقول له لا تحضر، فإن السلطان يريد أن يمسكك. وكان جواب السلطان: «إن كان الملك المغيث قد حلف للرشيدى فلا يحضر، وإن كان حلف لى فيحضر» . ولم يظهر للرشيدى شيئا من ذلك. ولما سير السلطان الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى إلى الكرك كتب إلى السلطان يقول: «إننى أمسكت كتابا من الرشيدى بالكرك يقول: «لا تسلموها» ، ويحسن لهم التوقف عن التسليم ويعرض عليهم الاتفاق معه على أن يحضر هو ويتسلمها منهم ويحفظها لهم، فكتم السلطان ذلك وأمر الأمير بدر الدين بيسرى بالأحتراز والتحفظ. ولما توجه السلطان إلى الكرك جعل على الرشيدى عيونا، فبلغ السلطان أنه لما نزل الكفرين ونمرين قصد الركوب فى أصحابه ومماليكه «١» ويسبق إلى الكرك فيدخلها هجما. فركب السلطان إليه ونزل عنده ولاطفه ومازحه، ففاته مادبره، وحفظ السلطان عليه الطرقات، ثم نزل السلطان بركة زيزاء، فبلغه أن الرشيدى قد عزم على الركوب إلى الكرك، فخدعه السلطان بأن أرسل إليه أحد خواصه يبشره بتسليم الكرك. فلما سمع الرشيدى ذلك وقف عن فعله وخلع على المبشر. فلما رجع السلطان من الكرك وتزل غزة قام ليسبغ الوضوء على العادة، وتفرقت الخاصكية للوضوء

стр. 11745

والتهيؤ لصلاة الجماعة. وقام السلطان يتركع قبل الأذان، وإذا بالرشيدى قد أقبل فى مقدار ثلاثمائة فارس مستعدة من مماليكه والدمياطى والبرلى، فلما قضى السلطان صلاته شد سيفه، وقال للأمير شمس الدين سنقر الرومى: ما الذى رأيت؟ فقال: «جماعة ما جاءوا فى خير» . ثم حضر الأمير سيف الدين قلاون الألفى وركب فرسا جيدا ووقف، واجتمعت الخاصكية. وركب السلطان، وأتى الرشيدى فوقف بالقرب من السلطان فى مكان ما جرت عادته بالوقوف فيه، فحضر الأمير عز الدين إيغان الركنى فقال للرشيدى: «أراك فى هذا المكان، ما هذا مكانك يا سيف الدين» ومازحه ومازال به حتى ساق من ذلك المكان، وساق الدمياطى والبرلى وتفرقوا. وكان الدمياطى قد جرت منه قضية أخرى وهى أن السلطان لما ملك الكرك وأنزل أولاد الملك المغيث أعطاهم السلطان خلعا وأقمشة وإنعاما كثيرا وأنزلهم فى المنظرة التى فى الوادى تحت الكرك بقرب منزلة السلطان: سير الدمياطى ضوّاء «١» وجماعة يمشون حولهم بغير أمر السلطان ثم حضر فى الليل إليهم جماعة من مماليكه بالسيوف متلثمين فكسروا الصناديق وأخذوا القماش الذى كان السلطان أنعم عليهم به ظنا منهم أن تقوم فتنة وشوشة فى العسكر ولا يعلم أنهم مماليك الدمياطى، فكشف الله ذلك، وظهر القماش عند خواص مماليكه، واطلع السلطان على ذلك، وتحدث الأمير شجاع الدين المهندار مع الدمياطى فما أنصف من مماليكه، وقال: «أنا أغرم عنهم» ، وأحضر بعض القماش، وقرر أن تقوم بدارهم عن بقية ذلك. هذا والسلطان لا يتكلم بكلمة بل كتم ذلك إلى أن استقر بقلعة الجبل فلما أصبح طلب الرشيدى

стр. 11746

فأعتقله، وطلع الأمراء إلى الخدمة فى اليوم الثانى، فأمسك الدمياطى والبرلى وأحسن إلى مماليكهم وخواصهم وأقرهم على أخبازهم، ولم يغير على أحد منهم ولا تعرض على بيوت الأمراء. ذكر وصول [رسل «١» ] الملك بركة قال: ولما وصل السلطان إلى غزة عند عوده من الكرك، وصل إليه البريد من الأمير عز الدين الحلى نائب السلطنة بالديار المصرية، يذكر أن رسل الملك بركة وصلوا إلى ثغر الإسكندرية، وهم الأمير جلال الدين بن القاضى، والشيخ نور الدين على ومعهما جماعة، وبخبر بوصول رسل الملك الأشكرى، ورسل مقدم الجنوية، ورسل السلطان عز الدين صاحب الروم. فكتب بالإحسان إلى جميعهم. ولما استقر السلطان بقلعة الجبل أحضرهم واجتمع بهم بحضور الأمراء وغيرهم، وقرئت الكتب ومضمونها، السلام والشكر وطلب الإنجاد على هولاكو والإعلام بما هو عليه من مخالفة يسق «٢» جنكرخان، وأن جميع ما فعله من إتلاف النفوس بطريق العدوان منه، وأننى قد قمت أنا وأخوتى الأربعة بحربه من سائر الجهات لإقامة منار الإسلام، والتمس إنفاذ جماعة من العسكر إلى جهة الفرات لإمساك الطريق على هولاكو، ويوصى على السلطان عز الدين صاحب الروم ويستمد مساعدته. فأنعم السلطان على الرسل إنعماما عظيما، ورسم بتجهيز الهدية إلى الملك بركة.

стр. 11747

قال القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر: وكان فى جملة الهدية ختمة شريفة ذكر أنها خط عثمان بن عفان رضى الله عنه، ونمزلقات «١» ، وسجادات وذكر أشياء كثيرة من جملتها زرافة، وسافرت الرسل فى سابع عشر شهر رمضان سنة إحدى وستين وستمائة. ذكر توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية «٢» وفى سادس شوال سنة إحدى وستين وستمائة، توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية، وذلك بعد أن توجه نحو الصيد وتصيد. وكان دخوله إلى الثغر فى يوم الأربعاء مستهل ذى القعدة، ودخل من باب رشيد. ورسم بمكتوب برد مال السهمين، وصلة أرزاق الفقراء، ووضع المظالم، ثم لعب الكرة، وخلع على الأمراء ووصلهم بالأموال والأقمشة. وركب لزيارة الشيخ القبارى «٣» والشاطبى وجلس بدار العدل فى يوم الخميس تاسع الشهر وبسط المعدلة وأمر بتطهير الثغر من الخواطى الفرنجيات. ثم رجع السلطان فى حادى عشر الشهر. وفى آخر ذى القعدة من السنة نزل السلطان إلى القاهرة، وعاد الأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير علاء الدين أيدغدى الركنى والأمير حسام الدين بركة خان.

стр. 11748

وفى ليلة الأربعاء الخامس من ذى الحجة توفى الأمير حسام الدين المذكور، فحضر السلطان جنارته ومشى فيها. ذكر وصول التتار المستأمنين «١» وفى سابع ذى القعدة من السنة، وردت الكتب من البيرة وحلب أن جماعة من التتار مستأمنه واردة إلى الباب العزيز، يزبدون على ألف وثلاثمائة فارس من المغل والبهادرية. فكتب السلطان بالإحسان إليهم وتجهيز الإقامات لهم. وفى يوم الخميس السادس والعشرين من ذى الحجة كان وصولهم، فركب السلطان وتلقاهم، فنزلوا عندما رأوا السلطان، وقبلوا الأرض. وكان السلطان قد رسم بعمارة مساكن لهم فعمرت باللوق فنزلوها، وأحسن إليهم. ثم وردت الكتب بقدوم جماعة أخرى كثيرة منهم، فاحتقل بهم وركب لتلقيهم. ثم ورد جماعة أخرى فاعتمد معهم من الإحسان نظير أولئك. وكان الواصل إلى الخدمة فى هذه الثلاث مرار من أكابر أمرائهم من يذكر. وهم: كرمون أغا، وهو الذى فتح بلاد الترك جميعها، وامتغا أغا «٢» ونوكا أغا «٣» ، وجبراك «٤» أغا، وقنان أغا، وطيشور، وناصغبة «٥» ونبتو، وصحبتى «٦» وجوجلان،

стр. 11749

واجقرقا، وأرقدق «١» وصلاعنة «٢» وميقتدم «٣» ، واجتمعوا بمن كان قد وصل قبلهم وهم: صراغان أغا ومن كان قد وصل معه. ثم عرض السلطان عليهم الإسلام فأسلموا على يديه. وفى هذه السنة أمر السلطان بعمل جامع خام «٤» يضرب على يمنة الخيمة السلطانية، وعمل له محاريب وعدة أبواب ومقصورة برسم السلطان. وفيها: أمر السلطان بعمارة دار العدل تحت قلعة الجبل، وتجديد بنائها. وفيها: وصلت رسل اليمن بتقادم ومعهم هدايا لخواص الأمراء، فأمر السلطان بإنفادها إلى من عينت له وأذن لهم فى قبولها. وفيها: عرض السلطان العساكر، وكان يجلس لذلك فى كل خميس واثنين. وفيها: جهز السلطان عرب خفاجة، وسير الخلع إلى كبراء العراق، وكتب إلى صاحب شيراز وغيره بالاغراء بهولاكو. وفيها: توفى الأمير فخر الدين «٥» أبو الهيجا بن عيسى بن خشترين الأزكشى الكردى أحد الأمراء بدمشق، وكان شجاعا أبلى فى وقعه عين جالوت بلاء حسنا، رحمه الله تعالى.

стр. 11750

وفيها: توفى الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس بن الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب. وكانت وفاته بنابلس فى خامس عشر ذى الحجة سنة إحدى وستين وستمائة، ومولده بدار الوزارة بالقاهرة فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وهو الذى كان قد ملك الديار المصرية فى أيام الملك المعز عز الدين أيبك كما تقدم. فلما ملك السلطان الملك الظاهر أمرّه بالشام، وخلف، ﵀، ولدا اسمه ناصر الدين محمد، ونعته بالملك الكامل.

стр. 11751

واستهلت سنة اثنتين وستين وستمائة ذكر تفويض أمر جيش حماة إلى الطواشى شجاع الدين مرشد الحموى وفى أول هذه السنة طلب السلطان الطواشى المذكور «١» وتحدث فى أشتغال «٢» صاحب حماه مخدومه بالملاذ واللهو، وقال: «كتب إليه أو نبتهه من هذه الغفلة، وسيرت إليه شرف الدين عبد العزيز شيخ الشيوخ فى ذلك فما أفاد، وقد اعتمدت عليك فى مصلحة هذا البلد، لما فيك من الديانة والخير والشجاعة» ، والزمه بتكملة الجيش والزام الجند باقامة البرك والعدة الكاملة. فالتزم بهذه الأمور. وكتب تقليده بذلك وتوجه. ذكر عمارة المدرسة الظاهرية وترتيب الدروس «٣» كان الشروع فى عمارة المدرسة الظاهرية التى هى بالقاهرة المحروسة بين القصرين فى ابتداء الدولة فى ثامن شهر ربيع الآخر سنة ستين وتنجر بابها ودهليزها وأبوابها وكتاب السبيل فى أواخر شعبان من السنة المذكور. ولم يشرع فى بنائها حتى رتب أمور أوقافها. وكان المتولى عمارتها الأمير جمال الدين ابن يغمور، ورسم له السلطان ألا يستعمل أحدا فيها بغير أجرة. وكان اجتماع

стр. 11752

أهل العلم بها فى يوم الأحد الخامس من صفر سنة اثنتين وستين وستمائة. وفوض السلطان تدريس الحنفية للصدر مجد الدين بن الصاحب كمال الدين بن العديم، وتدريس الشافعية للقاضى تقى الدين بن رزين. وصدر الافراء للفقيه كمال الدين المحلى، والتصدر لإفادة الحديث النبوى للشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطى شيخنا. وذكرت الدروس بها فى هذا اليوم، وحضر السلطان، ومدت الأسمطة وأنشد الشعراء وخلع عليهم. وفى صفر من سنة، خرج السلطان متصيدا إلى جهة الغربية وتوجه إلى ثغر دمياط وزار البرزخ ومر فى عوده ببلاد أشموم «١» ، وتصيد بمنزلة ابن حسون، وأخذ على بلاد الشرقية. ذكر وفاة الملك الأشرف مظفر الدين موسى صاحب حمص والرحبة «٢» وفى يوم الجمعة حادى عشر صفر من هذه السنة، توفى الملك الأشرف مظفر الدين موسى بن الملك المنصور إبراهيم بن الملك المجاهد شيركوه بن الأمير ناصر الدين محمد بن أسد الدين شيركوه بن شادى [بن مروان] رحمه الله تعالى. ولم يكن له ولد ولا أخ ولا ولى عهد، فسير السلطان إلى نوابه بتسليمها. فوصل البريد فى سابع عشرين صفر بأن بدر الدين بيليك العلائى أحد الأمراء قد تسلما، وحلف الناس بهما للسلطان.

стр. 11753

وفى هذا التاريخ ورد كتاب الأمير جمال الدين النجيبى النائب بدمشق يذكر أنه ولى حران للأمير جمال الدين الجاكى، والرقة لأمير آخر. وفى هذا الشهر: سأل الفرنج نواب السلطان أنهم بأذنون لهم فى زراعة البلاد وتقويتها من أموالهم وهى جملة كثيرة من الغلال، فتقررت الهدنة معهم إلى أيام الحصاد. وفى هذه السنة. ثمن القرط الذى قضمته الخيول السلطانية وجمال المناخات فكان ثمنه خمسين ألف دينار «١» . وفيها: استدعى السلطان الأمير علاء الدين الشهابى النائب «٢» بحلب وأمره أن يستنيب عنه الأمير نور الدين بن محلى «٣» ففعل ذلك. ولما وصل الملك إلى الأبواب السلطانية عزله السلطان عن نيابة حلب، وأقر الأمير نور الدين بن محلى فى نيابة حلب فأحسن السيرة، وعمر البلاد وأعاد الفلاحين «٤» ، وأفرد الخاص على ما كان عليه فى الأيام الناصرية.

стр. 11754

ذكر جلوس السلطان بدار العدل وما رتبه عند غلو الأسعار «١» قال: وفى شهر ربيع الآخر من السنة غلت الأسعار [بمصر] وبلغ ثمن الأردب إلى قريب المائة درهم نقرة. فرسم السلطان بالتسعير طلبا للرفق. فاشتد الحال وعدم الخبز. فأمر السلطان أن ينادى باجتماع الفقراء تحت القلعة، ونزل إلى دار العدل فى يوم الخميس سابع الشهر، فأول ما تكلم فيه إبطال التسعير. ورسم أن يباع من الأهراء فى كل يوم خمسمائة أردب بما يقدره الله من ويبتين فما دونها تباع على الضعفاء والأرامل. ونزل الحجاب تحت القلعة وكتبت أسماء للفقراء، وسير إلى كل جهة حاجبا لكتابة الأسماء فى القاهرة ومصر وحواضرها، ولما تكامل حصر العالم أخذ السلطان ألوفا، وأعطى لنواب ولده الملك السعيد كذلك، وأعطى لكل أمير جماعة على قدر عدته، وفرق على الأجناد ومفاردة الحلقة والمقدمين والبحرية، وعزل التركمان والأكراد البلدين، ورسم أن يعطى لكل فقير مئونته مدة ثلاثة شهور، ويسلم نواب الأمراء والأكابر والتجار الفقراء. ثم قال السلطان: «هؤلاء الفقراء جمعناهم فى هذا اليوم وقد انقضى نصف النهار فليعط كل منهم نصف درهم يتقوت به خبزا، ومن غد يتقرر الحال» . فانفق فيهم جملة كثيرة بهذا القدر خاصة. وأخذ الصاحب جماعة العميان والأتابك [جماعة] «٢» التركمان، ولم يبق أحد من الخواص والحواشى وأرباب المناصب وغيرهم إلا أخذ جماعة. فانحطت الأسعار لذلك وكثر الخبز.

стр. 11755

وفى ثالث شهر ربيع الآخر من السنة رسم السلطان بمسامحة بنات الأمير حسام الدين الجوكندار العزيزى «١» بما وجب للديوان فى تركة أبيهن، أربعمائة ألف درهم نقرة. وفى هذه السنة، قصد متملك الأرمن حلب المحروسة مرة بعد أخرى، فلم يظفر بشىء، وخاب سعيه على ما نشرحه إن شاء الله فى غزوات السلطان وفتوحاته «٢» . وفيها: رسم السلطان بحفر خليج الإسكندرية «٣» ، وكانت قد استدت فوهته، وندب لذلك الأمير عز الدين أمير جاندار فأهتم بذلك وحفر المكان المعروف بالنقيدى، وأمر ببناء مسجد هناك ليكون تذكرة باقية. وجهز الأمير جمال الدين موسى بن يغمور أستاد الدار العالية وأمره بالاهتمام بأمر جزيرة بنى نصر لما بلغه قلة ريها، فاحتفل بها كل الأحتفال. وفيها: فى جمادى الأول، تقدم أمر السلطان إلى الأمير سيف الدين بلبان الزينى أمير علم بالتوجه إلى الشام للاهتمام بأمر القلاع والبلاد وعرض عساكر حماة وحلب ورجال الثغور، والنظر فى المهمات الخاصة والعامة، والزام الأمراء بتكملة العدد والعدة «٤» وازاحة الأعذار وأخذ الأهبة للجهاد، وكتب على يده إلى دمشق بحمل خزانة كبيرة إلى البيرة برسم نفقاتها، فتوجه لذلك.

стр. 11756

وفى العشر الأوسط من جمادى الاخره حصل الظفر بجاسوسين للتتار، وكانت أخبارهما وحلّاهما وصلت إلى السلطان من جهة القصاد والناصحين بالأردو «١» ، وكذلك من كل جهة يصلان إليها، إلى أن ركبا من عكا فى البحر، فلما وصلا إلى ثغر دمياط مسكا وأحضرا إلى بين يدى السلطان فذكر لهما الأماير، فأقرّا، ووجد معهما فرمانين للأتابك من هولاكو، وهو يرغبه ويستميله. فطلب السلطان الأتابك وأراه ذلك، ولم يصدق ذلك فيه، ومزق ذلك وحرقه، واستدل بذلك على ضعف هولاكو. وفى هذه السنة تنجّز البرج الذى أمر السلطان بعمله فى قارا «٢» ، وشرع فى بناء برج أكبر منه لحفظ الطرقات وصون الرعية من عوادى الفرنج المجاورين. وفى جمادى الأول من السنة شرع النواب بالشام فى بناء شقيف تيرون. وفى الشهر أنعم السلطان على عسكر الساحل الذين هم صحبة الأمير ناصر الدين القيمرى بمائتى ألف درهم فرقت عليه. ذكر جلوسه بدار العدل وما قرره من مشاركة أمناء الحكم للأوصياء «٣» وفى مستهل شهر رجب سنة اثنتين وستين وستمائة، جلس السلطان بدار العدل، فتقدم رجل من الأجناد ومعه صغير، فقال: «أنا وصىّ هذا الصغير»

стр. 11757

وشكا من قضية تتعلق به. فقال السلطان لقاضى القضاة: «أعلم أن الأجناد يموت الواحد منهم فيستولى خوشداشيته على موجوده ويجعل اليتيم أوشاقية، ويموت اليتيم فيستولى الوصى على الموجود، أو يكبر اليتيم ولا يجد شيئا ولا يقوم له حجة على موجوده. وقد يموت الوصى فينغمس مال اليتيم فى ماله، وأنا أرى ألا ينفرد أحد من الأوصياء بوصية، وأن يكون نظر الشرع شاملا، وأموال اليتامى مضبوطة، وأمناء الحكم يحاققون على المصروف وطلب نواب الأمراء ونقباء العساكر وأمرهم بذلك. واستمرت الحال عليه إلى وقتنا هذا. ذكر وصول جماعة من عسكر شيراز «١» وفى جمادى الآخر، بلغ السلطان أن جماعة من عسكر شيراز وصلوا لقصد الخدمة الشريفة، فأمر بالإحسان إليهم. ووصلوا فى ثالث شهر رجب ومقدمهم بكلك ورفقته وهم: سيف الدين اقبار جمدار «٢» السلطان جلال الدين خوارزمشاه والأمراء الأتابكية غلمان أتابك سعد منهم: سنقر جاه وغيره من الأتابكية. ووصل صحبتهم حسام الدين بن ملاح أمير العراق وجماعة من أمراء خفاجة، فتلقاهم السلطان وأحسن إليهم، وأمرّ الأمير سيف الدين بكلك وأعطاه طبلخاناه، وكذلك أمراء خفاجة، والأمير مظهر الدين وشاح بن سهرى «٣» ، وأطلق لحسين ابن ملاح قرية فى الشام، وجهزهم إلى بلادهم.

стр. 11758

وفى شهر رمضان وصل رسول من الملك «١» شارل أخى الملك افرنسيس وهو صاحب مرشيلية، وصحبته عدة من السناقر الشهب والأمتعة. ومضمون كتابه المحبة والمشابعة. ووصل كتاب استاد داره يقول: إن مخدومه أمره أن يكون أمر السلطان نافذا فى بلاده، وأن يكون نائب السلطنة كما هو نائبه. وفى يوم الجمعة خامس عشر شهر رمضان: قرىء مكتوب بجامع مصر بأبطال ما قرره على ولاية مصر من الرسوم وهى مائه ألف درهم وأربعة آلاف درهم [نقرة «٢» ] . وفى هذا الشهر أحضرت فلوس من جهة قوص وجدت مدفونة فأخذ منها فلس: فإذا عليه صورة ملك واقف، وفى يده اليمنى ميزان، وفى اليسرى سيف، ومن الوجه الآخر رأس مصور بآذان كبيرة، ويداير الفلس سطور، فقرأها راهب يونانى: فكان تاريخه إلى وقت قراءته ألفين وثلاثمائة سنة. وفيه مكتوب: أنا غلياث الملك، ميزان العدل، والكرم فى يمينى لمن اطاع، والسيف فى يسارى لمن عصى، وعلى الآخر: أنا غلياث الملك، أذنى مفتوحة لسماع كلمة المظلوم، وعينى مفتوحة أنظر بها مصالح ملكى. ذكر سلطنة الملك السعيد «٣» وفى يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة اثنتين وستين وستمائة، حصل الاتفاق على سلطنة الملك السعيد، فأركبه السلطان بشعار السلطنة، ومشى بنفسه فى

стр. 11759

ركابه وحمل الغاشية. ثم أخذها الأمراء وحملوها وعليهم الخلع الفاخرة، ورجع السلطان. ولم يزل الملوك والأمراء فى خدمته إلى باب النصر، ودخلوا القاهرة رجالة يحملون الغاشية، وقد زينت المدينة أحسن زينة. وشقى الملك السعيد القاهرة وأتابكه عز الدين الحلى راكب إلى جانبه. وبسط الأمراء الثياب الأطلس والعتابى وغيرها تحت حوافر فرسه. ولم يزل إلى أن عاد إلى القلعة «١» . وكانت [الثياب «٢» ] بجملة عظيمة تفرقها المماليك السلطانية وأرباب المنافع. وكتب له تقليد شريف أنشأه المولى محيى الدين بن عبد الله بن عبد الظاهر، وقرىء بحضور الأمراء وقاضى القضاة والعلماء فى سابع عشر الشهر. وفى العشر الأول من ذى القعدة من السنة، عرض السلطان الجيش «٣» ، وكان قبل ذلك رسم بتكملة العدة والتأهب للغزاة فجلس فى هذا اليوم على الصفة التى بجانب دار العدل عند طلوع الشمس، وساق كل أمير فى طلبه، وعليهم لامة الحرب، وجروا الجنائب عليها عدة الحرب دون غيرها من التشامير والمراوات المتخذة للزينة. وعبرت العساكر خمسة خمسة. فلما طال الأمر عبروا عشرة عشرة، وهلك الناس من الزحام. وإنما قصد السلطان عرض العسكر فى يوم واحد حتى لا يقال إن أحدا استعار من أحد شيئا. وكان الناس يدخلون من باب القرافة ويخرجون من جهة الجبل إلى صوب باب النصر إلى الدهليز المضروب هناك. ولما قرب وقت المغرب ركب السلطان وساق فى وسط العساكر فى جماعة يسيرة من سلاح داريته وخواصه، ونزل إلى الدهليز، ورتب

стр. 11760

المنازل، ورجع إلى قلعته وقت المغرب. ثم اهتم الناس بعد ذلك باللعب بالقبق، ولبسوا خيولهم التشاهير والبراجم «١» البحرية والمراوات والأهلة الذهب والفضة والأطلس وغير ذلك. وساق السلطان إلى ميدان العيد «٢» وبين يديه جنائيه العظيمة وهى مزينة. حكى القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية قال: قال لى القاضى فتح الدين بن سناء الملك وهو صاحب ديوان الخزائن قبل هذا الوقت بمدة سنة: إن الذى دخل فى المراوات من البنود الأطلس الأصفر قيمته عشرة آلاف دينار، وما تجدد بعد ذلك لا يحصى. قال: وشرط السلطان لكل أمير يصيب القبق فرسا من خيوله بما عليه من التشاهير، ولكل مفردى أو مملوك أو جندى خلعة تليق بمثله. ودخل الناس بالرماح بكرة النهار، ثم شفع السلطان ذلك برمى النشاب. وحضر رسل الملك بركة فى ذلك الوقت ووقفوا مع السلطان وشاهدوا ذلك واستعظموه، وأقام العسكر كذلك أياما. وفى تاسع عشر ذى القعدة خلع السلطان على الملوك والأمراء والبحرية والحجاب والمفاردة وأرباب المناصب من الوزراء والقضاة وأرباب البيوت «٣» . وحضر الناس بالخلع والتشاريف ولعبوا بقية ذلك النهار. فقالت رسل الملك بركة للسلطان: «هذه عساكر مصر والشام؟» . فقال: «بل عساكر المدينة خاصه، غير الذين فى الثغور، والمجردين والذين «٤» فى إفطاعهم» فعجبوا من ذلك.

стр. 11761

ذكر ختان الملك السعيد ومن معه قال: وفى عاشر ذى القعدة من السنة رسم السلطان بعمل سماط عظيم، ومد بالقلعة لختان الملك السعيد بن السلطان، فأكل الناس وختن الملك السعيد ثم ختن بعده ابن الأمير عز الدين الحلى، وابن الأمير شمس الدين سنقر «١» الرومى، وولد الأمير سيف الدين سكر، وولد الأمير حسام الدين بن بركة خان، وولد الملك المجاهد ابن صاحب الوصل، ثم أولاد الملك المغيث صاحب الكرك الخمسة «٢» وولد فخر الدين الحمصى، وجماعة أخر من أولاد الأمراء. وكان قد تقدم قبل ذلك بكسوة جماعة من الأيتام وأبناء الفقراء بالقاهرة ومصر، فأحضروا إلى القلعة وخنتوا. وحمل السلطان عن الأمراء والخواص كلفة التقادم «٣» . ذكر خبر غازية الخنافة «٤» وفى هذه السنة ظهر بخليج القاهرة قتلى، وفقد جماعة من الناس أتهم بهم معارفهم، والتبس أمرهم. ودام ذلك شهورا. ثم ظهر أن امرأة حسناء وضيئة تسمى غازية كانت تتبرج بزينة فاخرة وتطمع من يراها من الأحداث فى نفسها، ومعها امرأة عجوز، فإذا رأت أحدا قد مال إليها تعرضت له وخاطبته فى أمرها وقالت: هذه لا يمكنها أن تجتمع بأحد إلا فى منزلها خوفا على نفسها. فمنهم من يحمله الغرض على موافقتها فيتوجه معها، فإذا حصل عندها خرج إليه رجلان

стр. 11762

فيقتلانه ويأخذان «١» لباسه وما معه. وكانوا ينتقلون من مكان إلى آخر مخافة الشعور بهم، ثم سكنوا خارج باب الشعرية على الخليج، وكان بالقاهرة ماشطة مشهورة فجاءتها العجوز وقالت لها: عندنا أمرأة قد زوجناها ونحتاج إلى قماش وحلى تتجمل به بالأجرة على العادة، فأحضرى لها ما يمكنك ونحن نزيدك فى الأجرة، وواعدتها أن تأتيها ليلا ففعلت الماشطة ذلك وأتتها ومعها جارية تحمل القماش والمصاغ، فوصلتها الجارية وعادت، فلما دخلت الماشطة قتلت وأخذوا ما معها، ثم جاءت الجارية من الغد وطلبت الماشطة فأنكروها، فتوجهت الجارية إلى متولى المدينة، فجاء وهجم الدار، فوجد فيها الصبيّة والعجوز، فأخذهما وقررهما، فأفرتا على نفسيهما «٢» وعلى رجلين آخرين فحبسهما. وجاء أحد الرجلين يتفقد أمرهما فى الاعتقال فقبض عليه وعوقب قأقر ودل على رفيقه وعلى رجل «٣» طواب كان يحرق لهم من يقتلونه «٤» فى قمين الطوب. فطولع السلطان فى أمرهم، فأمر بتسمير الخمسة فسمروا تحت القلعة، وشفع بعض الأمراء فى إطلاق المرأة فأطلقت وفكت المسامير فماتت بعد أيام. وهدم عوام القاهرة الدار التى كانوا يسكنونها ويقتلون فيها. وبنيت مسجدا «٥» بمأذنة، وظهر فى الدار حفيرة فيها قتلى كثيرة.

стр. 11763

ذكر وصول رسل الملك بركة قد ذكرنا «١» أن السلطان كان قد جهز الأمير سيف الدين كشريك والفقيه مجد الدين الروذ راورى إلى الملك بركة، وأنهما توجها فى المحرم سنة إحدى وستين وستمائة. وذكرنا عود الفقيه مجد الدين للمرض الذى أصابه، فتوجه الأمير سيف الدين ومن معه من المفل. وكان اجتماعهم بالأشكرى فى أنبه، ثم رحلوا إلى القسطنطينية فى عشرين يوما. ومنها إلى اصطنبول «٢» ، ومنها إلى دفنسيا، وهى ساحل السوادق من جهة الأشكرى، ثم ركبوا فى البحر إلى البر الآخر ومسيرة ما بين العشرة أيام إلى يومين، ثم طلعوا إلى جبل يعرف بسوداق، فالتقاهم وإلى تلك الجهة فى قرية اسمها القرم «٣» ، يسكنها عدة أجناس من الففجاق والروس واللان. ومن الساحل إلى هذه القرية مسيرة يوم، ثم ساروا من القرم إلى برية يوما واحدا، فوجدوا بها مقدم عشرة الآلاف وهو حاكم على تلك الجهات، ثم ساروا عشرين يوما فى صحراء عامرة بالخركاهات والأغنام إلى بحر إتل، وهو بحر حلو سعته سعة نهر النيل، وفيه مراكب الروس ومنزلة الملك بركة على طول ساحله. قال: وحملت إليهم الإقامات فى طول الطرقات. ولما قاربوا الأردو تلقاهم الوزير شرف الدين القزوينى.

стр. 11764

ثم حضروا عند الملك بركة، وكانوا قد علموا آدابه التى تعتمد معه، وهى الدخول عليه من جهة اليسار، فإذا أخذت الكتب منهم انتقلوا إلى جهة اليمين، ويكون القعود الى الركبتين. ولا يدخل أحد معه إلى حركاته بسيف ولا سكين ولا عدة، ولا يطا برجله عتبة الخركاه، ولا يقلع الإنسان عدته إلا على الجانب اليسار، ولا يترك القوس فى القربان، ولا يخليه موترا ولا يخط فى تركاشه نشابا، ولا يأكل الثلج، ولا يغسل ثوبه فى الأردو. قال: ووجد الملك بركة فى؟؟؟ تسع خمسمائة رجل مكسوة لبادا أبيض، مستورة من داخلها بالصندات والخطاى «١» مرصعة بالجواهر واللؤلؤ، وهو جالس على تخت، وإلى جانبه الخاتون الكبرى، وعنده خمسون أو ستون أميرا «٢» على كراص الخركاه. ولما دخلوا إليه أمر وزيره بقراءة الكتاب، ثم نقلهم عن اليسار إلى اليمين، وسألهم عن النيل، وقال: «سمعت أن عظماء لابن آدم ممتدا على النيل يعبر الناس عليه؟» فقالوا: «ما رأينا هذا» قال: وأخذ قاضى القضاة الذى عنده هذا الكتاب وفسره وبعث به نسخة إلى القان. وقرىء كتاب السلطان بالتركى على من عنده، ففرحوا به. وأعادوا الرسل بجوابه، وسير معهم رسله، فكان وصولهم فى ذى القعدة من هذه السنة. ذكر توجه السلطان إلى الاسكندرية وتقديم سيف الدين عطاء الله على عرب برقة قال: ولما فرغ السلطان من هذا المهم توجه إلى ثغر الإسكندرية متصيدا،

стр. 11765

فعدّى فى ذى القعدة من السنة وسار إلى تروجة «١» ، ومنها إلى الحمامات، وسار إلى منزلة الكرش بالقرب من العقبة الصغرى، وضرب حلقة هناك، ووصلت المسيرة إلى قرب العقبة الصغرى، وعيّد عيد الأضحى، وصلى صلاة العيد، ونحر الأضاحى، وبلغه أن بعض العربان قد عصوا فى البرارى، فجرد إليهم جماعة، وحضر جماعة من عرب هوارة وعرب سليم فكتب عليهم الحجج بعمارة البلاد، وألا يقربوا أحدا من العربان العصاة. وعاد السلطان إلى الإسكندرية، وصلى فى الجامع الغربى «٢» ، ولعب الكره بميدانها. وزار الشيخ الشاطبى «٣» ، ورجع إلى القاهرة فلما وصل إلى تروجة رسم بتقديم سيف الدين عطاء الله بن عزار «٤» على عرب برقة، وتحدث معه فى أمر العربان وكونهم ينتفعون من مصر بأثمان الخيول المحلوبة والأغنام، وأنهم يستنتجون الأغنام ويزرعون ولا يقومون بحق الله. فالتزم المذكور بحفظ البلاد واستخراج الزكاة من العربان. وأنعم عليه السلطان بصنجق «٥» ونقارات «٦» ، وتوجه «٧» .
следующие страницы →