Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11761–11800 · переход к 11766.
стр. 11761
ذكر ختان الملك السعيد ومن معه
قال: وفى عاشر ذى القعدة من السنة رسم السلطان بعمل سماط عظيم، ومد بالقلعة لختان الملك السعيد بن السلطان، فأكل الناس وختن الملك السعيد ثم ختن بعده ابن الأمير عز الدين الحلى، وابن الأمير شمس الدين سنقر «١» الرومى، وولد الأمير سيف الدين سكر، وولد الأمير حسام الدين بن بركة خان، وولد الملك المجاهد ابن صاحب الوصل، ثم أولاد الملك المغيث صاحب الكرك الخمسة «٢» وولد فخر الدين الحمصى، وجماعة أخر من أولاد الأمراء. وكان قد تقدم قبل ذلك بكسوة جماعة من الأيتام وأبناء الفقراء بالقاهرة ومصر، فأحضروا إلى القلعة وخنتوا. وحمل السلطان عن الأمراء والخواص كلفة التقادم «٣» .
ذكر خبر غازية الخنافة «٤»
وفى هذه السنة ظهر بخليج القاهرة قتلى، وفقد جماعة من الناس أتهم بهم معارفهم، والتبس أمرهم. ودام ذلك شهورا. ثم ظهر أن امرأة حسناء وضيئة تسمى غازية كانت تتبرج بزينة فاخرة وتطمع من يراها من الأحداث فى نفسها، ومعها امرأة عجوز، فإذا رأت أحدا قد مال إليها تعرضت له وخاطبته فى أمرها وقالت: هذه لا يمكنها أن تجتمع بأحد إلا فى منزلها خوفا على نفسها. فمنهم من يحمله الغرض على موافقتها فيتوجه معها، فإذا حصل عندها خرج إليه رجلان
стр. 11762
فيقتلانه ويأخذان «١» لباسه وما معه. وكانوا ينتقلون من مكان إلى آخر مخافة الشعور بهم، ثم سكنوا خارج باب الشعرية على الخليج، وكان بالقاهرة ماشطة مشهورة فجاءتها العجوز وقالت لها: عندنا أمرأة قد زوجناها ونحتاج إلى قماش وحلى تتجمل به بالأجرة على العادة، فأحضرى لها ما يمكنك ونحن نزيدك فى الأجرة، وواعدتها أن تأتيها ليلا ففعلت الماشطة ذلك وأتتها ومعها جارية تحمل القماش والمصاغ، فوصلتها الجارية وعادت، فلما دخلت الماشطة قتلت وأخذوا ما معها، ثم جاءت الجارية من الغد وطلبت الماشطة فأنكروها، فتوجهت الجارية إلى متولى المدينة، فجاء وهجم الدار، فوجد فيها الصبيّة والعجوز، فأخذهما وقررهما، فأفرتا على نفسيهما «٢» وعلى رجلين آخرين فحبسهما. وجاء أحد الرجلين يتفقد أمرهما فى الاعتقال فقبض عليه وعوقب قأقر ودل على رفيقه وعلى رجل «٣» طواب كان يحرق لهم من يقتلونه «٤» فى قمين الطوب. فطولع السلطان فى أمرهم، فأمر بتسمير الخمسة فسمروا تحت القلعة، وشفع بعض الأمراء فى إطلاق المرأة فأطلقت وفكت المسامير فماتت بعد أيام. وهدم عوام القاهرة الدار التى كانوا يسكنونها ويقتلون فيها. وبنيت مسجدا «٥» بمأذنة، وظهر فى الدار حفيرة فيها قتلى كثيرة.
стр. 11763
ذكر وصول رسل الملك بركة
قد ذكرنا «١» أن السلطان كان قد جهز الأمير سيف الدين كشريك والفقيه مجد الدين الروذ راورى إلى الملك بركة، وأنهما توجها فى المحرم سنة إحدى وستين وستمائة. وذكرنا عود الفقيه مجد الدين للمرض الذى أصابه، فتوجه الأمير سيف الدين ومن معه من المفل. وكان اجتماعهم بالأشكرى فى أنبه، ثم رحلوا إلى القسطنطينية فى عشرين يوما. ومنها إلى اصطنبول «٢» ، ومنها إلى دفنسيا، وهى ساحل السوادق من جهة الأشكرى، ثم ركبوا فى البحر إلى البر الآخر ومسيرة ما بين العشرة أيام إلى يومين، ثم طلعوا إلى جبل يعرف بسوداق، فالتقاهم وإلى تلك الجهة فى قرية اسمها القرم «٣» ، يسكنها عدة أجناس من الففجاق والروس واللان.
ومن الساحل إلى هذه القرية مسيرة يوم، ثم ساروا من القرم إلى برية يوما واحدا، فوجدوا بها مقدم عشرة الآلاف وهو حاكم على تلك الجهات، ثم ساروا عشرين يوما فى صحراء عامرة بالخركاهات والأغنام إلى بحر إتل، وهو بحر حلو سعته سعة نهر النيل، وفيه مراكب الروس ومنزلة الملك بركة على طول ساحله.
قال: وحملت إليهم الإقامات فى طول الطرقات. ولما قاربوا الأردو تلقاهم الوزير شرف الدين القزوينى.
стр. 11764
ثم حضروا عند الملك بركة، وكانوا قد علموا آدابه التى تعتمد معه، وهى الدخول عليه من جهة اليسار، فإذا أخذت الكتب منهم انتقلوا إلى جهة اليمين، ويكون القعود الى الركبتين. ولا يدخل أحد معه إلى حركاته بسيف ولا سكين ولا عدة، ولا يطا برجله عتبة الخركاه، ولا يقلع الإنسان عدته إلا على الجانب اليسار، ولا يترك القوس فى القربان، ولا يخليه موترا ولا يخط فى تركاشه نشابا، ولا يأكل الثلج، ولا يغسل ثوبه فى الأردو.
قال: ووجد الملك بركة فى؟؟؟ تسع خمسمائة رجل مكسوة لبادا أبيض، مستورة من داخلها بالصندات والخطاى «١» مرصعة بالجواهر واللؤلؤ، وهو جالس على تخت، وإلى جانبه الخاتون الكبرى، وعنده خمسون أو ستون أميرا «٢» على كراص الخركاه. ولما دخلوا إليه أمر وزيره بقراءة الكتاب، ثم نقلهم عن اليسار إلى اليمين، وسألهم عن النيل، وقال: «سمعت أن عظماء لابن آدم ممتدا على النيل يعبر الناس عليه؟» فقالوا: «ما رأينا هذا» قال: وأخذ قاضى القضاة الذى عنده هذا الكتاب وفسره وبعث به نسخة إلى القان. وقرىء كتاب السلطان بالتركى على من عنده، ففرحوا به. وأعادوا الرسل بجوابه، وسير معهم رسله، فكان وصولهم فى ذى القعدة من هذه السنة.
ذكر توجه السلطان إلى الاسكندرية وتقديم سيف الدين عطاء الله على عرب برقة
قال: ولما فرغ السلطان من هذا المهم توجه إلى ثغر الإسكندرية متصيدا،
стр. 11765
فعدّى فى ذى القعدة من السنة وسار إلى تروجة «١» ، ومنها إلى الحمامات، وسار إلى منزلة الكرش بالقرب من العقبة الصغرى، وضرب حلقة هناك، ووصلت المسيرة إلى قرب العقبة الصغرى، وعيّد عيد الأضحى، وصلى صلاة العيد، ونحر الأضاحى، وبلغه أن بعض العربان قد عصوا فى البرارى، فجرد إليهم جماعة، وحضر جماعة من عرب هوارة وعرب سليم فكتب عليهم الحجج بعمارة البلاد، وألا يقربوا أحدا من العربان العصاة.
وعاد السلطان إلى الإسكندرية، وصلى فى الجامع الغربى «٢» ، ولعب الكره بميدانها. وزار الشيخ الشاطبى «٣» ، ورجع إلى القاهرة فلما وصل إلى تروجة رسم بتقديم سيف الدين عطاء الله بن عزار «٤» على عرب برقة، وتحدث معه فى أمر العربان وكونهم ينتفعون من مصر بأثمان الخيول المحلوبة والأغنام، وأنهم يستنتجون الأغنام ويزرعون ولا يقومون بحق الله. فالتزم المذكور بحفظ البلاد واستخراج الزكاة من العربان. وأنعم عليه السلطان بصنجق «٥» ونقارات «٦» ، وتوجه «٧» .
стр. 11766
قال: ولما وصل السلطان من الإسكندرية وصل شحنة «١» تكريت ومعه جماعة فأحسن إليهم.
ذكر الواقعة الكائنة بين المسلمين والفرنج ببلاد الأندلس- وانتصار المسلمين
كانت هذه الواقعة فى سنة اثنتين وستين وستمائة. وورد الخبر بها إلى الديار المصرية فى سنة ثلاث وستين بمقتضى كتاب ورد فى جمادى الآخرة يتضمن انتصار المسلمين على الفرنج. وأمير المسلمين وسلطانهم يومئذ أبو عبد الله بن الأحمر وكان ألفنش ملك الفرنج قد طلب منه الساحل من طريف إلى الجزيرة، ومالقة إلى المرية، وحضر بجموعة، فاجتمع المسلمون ولقوهم واقتتلوا، فانهزم الفرنج مرارا، وأخذ أخو الفنش أسيرا. ثم اجتمع الفرنج فى جموع كثيرة ونزلوا على أغرناطه «٢» فقتل المسلمون منهم مقتله عظيمة، وجمعوا من رءوسهم نحو خمسة وأربعين ألف رأس، وجعلت تلا، وأذن المسلمون فوقه. وأسر من الفرنج عشرة آلاف. وذلك فى يوم الخميس رابع عشر شهر رمضان سنة اثنتين وستين وستمائة. وانهزم ألفنش الى اشبيلية، وكان قد دفن أباه بجامعها فأخرجه من قبره، خوفا من استيلاء المسلمين عليها وحمله إلى طليطلة، واستعاد المسلمون من الفرنج اثنتين وثلاثين بلدا «٣» من جملتها اشبيلية ومرسية وشريش وغير ذلك.
стр. 11767
وفى هذه السنة كانت وفاة الأمير حسام الدين لاجين العزيزى الجوكندار «١» بدمشق، ودفن بفسح قاسيون. وقيل إنه سم، وأن مملوكه جمال الدين أيدغدى واطأ عليه. وكان شجاعا كريما متواضعا يحب الفقراء ويكرمهم ويتولى خدمتهم بنفسه، رحمه الله تعالى.
ذكر مقتل الزين الحافظى «٢»
وفى أواخر سنة اثنتين وستين وستمائة، احضر هولاكو زين الدين أبا المؤيد سليمان بن عامر العقريانى، المعروف بالحافظى، وقال له ما معناه: قد ثبت عندى خيانتك وتلاعبك بالدول، وأنك خدمت صاحب بعلبك طبيبا، فخنته، واتفقت مع غلمانه على قتله. ثم انتقلت إلى خدمة الملك الحافظ الذى عرفت به ونسبت إليه، فلم تلبث أن خنته، وباطنت الملك الناصر حتى أخرجت قلعة جعبر عن يد مخدومك، ثم انتقلت إلى خدمة الملك الناصر فخنته معى، ثم انتقلت إلىّ، فأحسنت إليك إحسانا لم يخطر ببالك أن تصل إلى بعضه منى، وقد شرعت تعاملنى بما عاملت به الملك الناصر. وعدد له ذنوبا أخر من خيانته فى الأموال التى كانت قد ندبه لاستخراجها من البلاد، وأمر بقتله هو وأهله، فقتل هو وأخوته وأولاده وأقاربه ومن يلوذ بهم، وكانوا نحو الخمسين لم ينج منهم إلا ولده مجير الدين محمد وولد أخيه اختفى بالسوق وقيل إن السلطان الملك
стр. 11768
الظاهر تسبب فى قتله، فأنه أحسن إلى أخيه عماد الدين أحمد، ورتب له راتبا كبيرا، وأمره بمكاتبة أخيه واستدعائه، وأنه إذا وصل كان له ما يقترحه، بشرط المواطأة على هولاكو وإفساد من يقدر على إفساده منهم. فلما وصلت إليه الكتب حملها إلى هولاكو وقال: إن صاحب مصر إنما يكاتبنى بمثل هذا لتقع الكتب فى يدك فتقتلنى، وقد عزمت على أن أكاتت الأمراء القائمين بدولته والأعيان، وأكيده كما كادنى. فأبى «١» هولاكو ذلك، فلم يزل يراجعه حتى أذن له. فكاتب جماعة فعلم السلطان أنها مكيدة، فكتب إليه يشكره على عرض الكتب على هولاكو، ويستصوب رأيه فى عرضها لتزول التهمة عنه، وأمر القصاد أنهم إذا وصلوا إلى شط جزيرة ابن عمر يتجردوا من ثيابهم ويتجيلوا فى إخفاء أنفسهم ليظن أنهم قصدوا السباحة فغرقوا، ففعلوا ذلك.
وجاء نواب التتار فوجدوا الثياب فأخذوها وجهزوا الكتب إلى هولاكو فقرأها.
وكان ذلك من أسباب قتله، والله تعالى أعلم.
стр. 11769
واستهلت سنة ثلاث وستين وستمائة
فى المحرم منها، وصل الأمير جمال الدين سكز بن «١» الدوادار، وكان أبوه المجاهد دوادار الخليفة ببغداد، وكانت له نعمة عظيمة، فأحسن إليه السلطان وأمره بطبلخاناه.
وفى صفر من السنة، وقف السلطان الخان بالقدس الشريف، وقرىء كتاب وقفه بحضور السلطان وقاضى القضاة تاج الدين.
ووقف اسطبلين تحت القلعة يعرف أحدهما بجوهر النوبى، وحبسهما على وجوه البر.
وفيها فى العشر الآخر من المحرم، انهى إلى السلطان أن جماعة من الأمراء والأجناد اجتعموا فى دار على أكل ططماج وجرى بينهم كلام كثير أفض إلى الغض من الدولة، فاتصل ذلك بالسلطان وعين له ثلاثة نفرا وسعوا فى الكلام فى ذلك فأمر بتسميرهم، فسمر أحدهم، وكحل الثانى، وقطعت رجل الثالث.
وأفرج عن بقيتهم، وأمر ألا يجتمع أميران فى مكان، وألا تعمل وليمة ولا ضيافة عن غير موجب، فحسمت مادة الاجتماعات.
وفى صفر ورد كتاب الأمير عز الدين أيدمر النائب بالكرك أنه رتب راتب الأسمطة والضيافة بحرم الخليل ﵊ للوافدين. وكان ذلك قد قطع من مدة طويلة.
стр. 11770
وفيها فى تاسع عشر شهر ربيع الأول قطع السلطان أيدى جماعة من نواب متولى القاهرة والخفراء وأصحاب الأرباع والمقدمين، وكانوا ثلاثة وأربعين رجلا «١» ، وكان سبب ذلك على ما حكاه الصاحب عز الدين بن شداد، ظهور شلوح ومناسر بالقاهرة وضواحيها ينهبون ويقتلون حتى تعرضوا للعربان الذين تحت القلعة، فارتفعت أصواتهم حتى سمعها السلطان وسأل عن خبرهم فأخبر بصورة الحال، فلما أصبح أتته ورقة الصباح وليس فيها ذكر هذه الحادثه، فأنكر على متولى القاهرة، فاعتذر أن نوابه لم يطالعوه بها، فأمر السلطان بقطع أيديهم فمات بعضهم وسلم البعض.
وحكى غيره، عن الأمير عز الدين أيدمر الظاهرى، أن السلطان خرج ليلة متنكرا وجعل يطوف أزقة القاهرة، وكان يفعل ذلك ويتفقد أمور الناس وأحوالهم ويسمع من ألفاظهم ما لا ينقل إليه، فمر فى بعض أزقة المدينة فوجد بعض مقدمى «٢» الوالى قد أمسك امرأة وهو يتهددها، وهى تقول له: اتق الله، والله ما أفعل هذا [إلا «٣» ] من حاجة وأنت تعلم أن عندى خمسة أيتام. فقال:
أنا ما أعرف هذا، ولا بد أفعل وأصنع. فقالت له تقدم عنى ناحية. وخلعت لباسها وناولته إياه، وقالت: والله ما أمسك سواه فأخذه وأطلقها. فعرفه السلطان ثم لم تكن له همة إلا أن جمعهم وقطع أيديهم، وشاهد فيمن قطع، ذلك المقدم بعينه.
стр. 11771
وفى هذه السنة توجه السلطان إلى الصيد بجهة العباسة، وذلك بعد عوده من ثغر الإسكندرية، فرمى البندق، وأصرع جماعة وادعوا للسلطان «١» ، ومن جملتهم الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث صاحب الكرك.
وتوجه السلطان من العباسية إلى قلعة الجبل فأقام ليلة واحدة، وجهز العساكر، ثم توجه هو بعدها إلى الشام وصرع بشرا «٢» بالقرب من رأس الماء، وذلك فى ثالث شهر ربيع الأول. وكان سبب توجهه ما بلغه من محاصرة التتار البيرة وكان فى هذه السفرة من الغزوات والفتوحات ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فى موضعه.
وفى هذه السنة رسم السلطان بتبطيل المزر «٣» بالديار المصرية وأن تخرب البيوت التى يعمل فيها وتكسر مواعينه ويسقط من الديوان ارتفاعه، ورسم بتعويض المقطعين عنه. وكتب بذلك إلى الأمير عز الدين الحلى فأبطلها.
ولما فتح السلطان فى هذه السفرة ما نذكره من بلاد الفرنج عاد إلى مقر ملكه، وكان رحيله من أرسوف فى يوم الثلاثاء ثالث وعشرين شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة، ودخوله إلى القاهرة فى يوم الخميس حادى عشر شعبان من السنة، وشق المدينة والأسارى بين يديه، وعم الناس بالخلع والإنعام،
стр. 11772
من الأمراء والوزراء والمقدمين والمفاردة والخواص حتى البرد «١» دارية وجميع الحاشية، وتصدق بجملة عظيمة من الدراهم والغلال على الفقراء، وفرق كساوى بالجوامع.
ذكر خبر الحريق بالقاهرة ومصر واتهام أهل الذمة وما قرره عليهم من الأموال بسببه «٢»
وفى هذه السنة فى جمادى الآخرة، وقعت نار بحارة الباطلية بالقاهرة، فأوقب ثلاثا «٣» وستين دارا جامعة. ثم كثر الحريق بعد ذلك بمصر حتى احترق من رباعها المشهورة ربع فرح، وكان وقفا على الأشراف بالمدينة، وأكثر ربع العادل وغير ذلك. وكانت توجد لفايف من المشاق والكبريت والأصناف النفطية على الأسطحه. وشاع الخبر أن النصارى يفعلون ذلك لأجل ما فعله السلطان ببلاد الفرنج من إحراق الكنائس. فجمع السلطان عند عوده من الشام النصارى واليهود، وأنكر عليهم هذه الأمور التى تفسخ عهودهم، وأمر بتحريقهم. فجمع منهم عالم كثير تحت القلعة وأحضرت الأحطاب والحلفا.
فسأل أهل الذمة مراحم السلطان، فقرر عليهم حمل خمسمائة ألف دينار إلى بيت مال المسلمين، والتزم بتوزيعها واستخراجها بطرك النصارى، والتزموا أنهم لا يعودون إلى شىء مما كانوا يعتمدونه من المنكرات، ولا يخرجون عن الذمة وشرطها وحمل المال المقرر شيئا بعد شىء.
стр. 11773
وفى هذه السنة، اعتقل السلطان الأمير نور الدين زامل بن على «١» ، وكان قد حصل منه إساءات وفتن مرة بعد أخرى. وقبض السلطان عليه ثم أطلقه وأصلح بينه وبين الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا، والأمير أحمد بن حجى، والأمير هارون، وحلفهم، وأعاد إقطاع زامل إليه وإمرته. فلما توجه لم يتأن إلى أن يصل البلاد بل ساق من أوائل الرمل [وهجم على بيوت عيسى «٢» ] وأفسد، وأمسك قصاد السلطان ومملوك الأتابك المتوجه إلى شيراز، وأخذ منهم الكتب، وتقرب بها إلى هولاكو، وتوجه إليه وأطمعه فى البلاد فأعطاه إقطاعا فى العراق. وتوجه [زامل] إلى الحجاز فنهب وقتل وانتهك حرمة الأشراف، وحضر إلى أوائل الشام «٣» . وكان السلطان قد أعطى إقطاعه وإمرته لأخيه أبى بكر، فراسل زامل السلطان فى طلب العفو، فتقرر حضوره فى وقت معلوم وأنه متى تأخر عنه ليس له عهد ولا أيمان، فتأخر عن المدة المعينة ثم وصل فاعتقله السلطان.
وفيها: حضر إلى السلطان نعجة قد ولدت خروفا على صورة الفيل له خرطوم طويل وأنياب وإلية خروف.
وفيها: جهز السلطان الأخشاب والحديد والرصاص والآلات والصناع «٤» ، فكانوا ثلاثة وخمسين رجلا لإتمام عمارة الحرم الشريف النبوى. وأنفق فيهم الأموال وجهز معهم المئونة، وندب لذلك الطواشى شهاب الدين محسن الصالحى «٥» ،
стр. 11774
ورضى الدين أبا بكر، والأمير شهاب الدين غازى بن فضل اليغمورى مشدا، ومحيى الدين أحمد بن أبى الحسين بن تمام طبيبا إلى البيمارستان الذى بالمدينة، ومعه أدوية وأشربة ومعاجين ومراهم وسكر لأجل من يعتريه من الجماعة مرض.
وكان خروجهم من القاهرة فى سابع عشر شهر رجب. ووصلوا إلى المدينة فى ثانى شوال. واستمر العمل فى العمارة إلى سنة سبع وستين وستمائة. وكان السلطان يمدهم بما يحتاجون إليه من النفقات والآلات.
وفيها: توجه السلطان إلى بحر أشموم، وغرق عدة مراكب لإصلاحه، وتولى الحفر بنفسه، وشاهد الناس على كتفه قفة مملوءة نرابا. فلم يبق أحد من الأمراء وغيرهم إلا بادر وفعل مثل ذلك. فتنجز ذلك فى ثمانية أيام، وذلك فى شوال من السنة.
وفى حادى عشرين الشهر رسم السلطان بإبطال حراسة النهار، وكانت جملة مستكثرة وكتبت التواقيع بإبطالها.
وفى الشهر قرىء مكتوب بجامع أشموم بمسامحة الأعمال «١» الدقهلية والمرتاحية بأربعة وعشرين ألف درهم عن رسوم الولاية والمال المستخرج برسم النقيدى «٢» .
وفيه توجه شجاع الدين بن الداية الحاجب رسولا إلى الملك بركة «٣» ، فى كف غارات الملك بركة عن بلاد الأشكرى حسب سؤاله فى ذلك، وسير معه ثلاث
стр. 11775
عمر أعتمر بها بمكة الملك بركة. وسير معه قمقمان من ماء زمزم، ودهن بلسان وغير ذلك.
وفى ذى القعدة وصل الأمير جمال الدين النجيبى نائب السلطنة بالشام فتحدث السلطان «١» معه فى مهمات، وكتب على يده تذكرة «٢» ، وعاد فى ذى الحجة.
ذكر تفويض القضاة لأربعة حكام «٣»
وفى ذى القعدة سنة ثلاث وستين وستمائة فوض السلطان القضاء بالقاهرة والديار المصرية لأربعة قضاة، لكل مذهب قاض. وسبب ذلك أن الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى كان يكره قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ويغض منه عند السلطان لتثبته فى أحكامه وتأنيه «٤» واحترازه، فاتفق أن السلطان جلس بدار العدل فقدمت له قصة من بيت الملك الناصر تتضمن أنهم ابتاعوا دارا من القاضى بدر الدين السنجارى وأن ورثته بعد وفاته ادعوا أنها وقفت قبل ذلك، فأخذ الأمير جمال الدين أيدغدى ينتقص المتعممين فقال السلطان للقاضى تاج الدين: «هكذا تكون القضاة؟» . فأجابه بالآية: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى *
«٥» . قال: «فكيف العمل فى هذا؟» . قال: «إذا ثبت الوقف يستعاد
стр. 11776
الثمن من الورثة من مال مورثهم» . فقال السلطان: «فإن عجزوا عن الثمن؟» قال: «الوقف باق على أصله» . فامتعض السلطان لذلك. فلم يتم الكلام حتى تقدم رسول صاحب المدينة النبوية وقال: «حملت كتاب السلطان إلى قاضى القضاة أن يسلم إلى المال الذى تحت يده من الوقف؛ لأنفقه فى فقراء أهل المدينة، فلم يفعل» . فسأل السلطان القاضى عن ذلك. فقال: «صدق هذا الرجل، أنا لا أعرفه، ولا أسلم المال إلا لمن أعرفه وأثق بدينه وأمانته، فإن تسلمه السلطان أحضرته بين يديه» . فقال السلطان: «تخرجه من عنقك وتجعله فى عنقى، لا تسلم المال إلا لمن تختاره وترضاء» . وتقدم بعض الأمراء فى المجلس وشكى من القاضى تاج الدين فى قضية آخرى هى شهادة «١» لم يثبتها لبعض أولاد خوشد اشيته فقال القاضى: «لم تأتنى بينة» «٢» . فقال الأمير: حضرت البينة فلم تسمعها. فسأله السلطان عن امتناعه من سماع البينة. قال: «لا حاجة إلى ذكر الجواب» .
فقال الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى للقاضى نحن نترك مذهب الشافعى لك ويولى السلطان من كل مذهب قاضيا «٣» ، فرجع السلطان إلى قوله، وفوض النظر فى الأحكام والقضايا إلى حكام أربعة «٤» وهم: قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب المشار إليه، قاضى الشافعية. والشيخ شرف الدين أبو حفص عمر بن عبد الله ابن صالح بن عيسى السبكى، قاضى المالكية، والقاضى صدر الدين سليمان قاضى الحنفية والشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين إبراهيم المقدسى،
стр. 11777
قاضى الحنابلة. وجعل لهم السلطان أن يولوا فى الأعمال نوابا عنهم. وخص قاضى القضاة، تاج الدين الشافعى، بالنظر فى أموال الأيتام والأوقاف بمفرده بالديار المصرية، بتقليد سلطانى نسخته بعد البسملة، ومثال العلامة السلطانية بين السطرين المستعلى بالله.
«الحمد لله مجرد سيف الحق لمن اعتدى، وموسع مجاله لمن راح إليه وأغتدى، وموضح طريقه لمن اقتاد به واقتدى، ومزين سمائه بنجوم تستمد الأنوار من شمس الهدى، الذى أعذب لشرعة الشريعة المحمدية ينبوعا، وأقامها أصلا مد بثمار الرشد فروعا. نحمده على نعمة التى ألزمتنا التشييد [فى] «١» مبانى الإنصاف شروعا» .
«ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة نعمر بها من القلوب والأفواه ربوعا. ونصلى على سيدنا محمد الذى بعثه الله إلى العالم جميعا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، صلاة يناجى القائل بها بصيرا سميعا» .
«وبعد: فإن أحق من استوعبت كليات المحامد له بالتبعيض، وطافت الممادح من كعبة العلم بركن منه طواف المفرض لا طواف المفيض وخلد له إرضاء الأحكام وإمضاء النفويض، وريش جناحه وإن لم بك بالمهيض، وفسح مجاله وإن كان الطويل العريض، ورفع قدره على الأقدار، وتقسمت من سحائبه الأنواء، ومن أشعته الأنوار، ووغزر مدّه فجرت منه فى رياض الرشد الأنهار، وغدا تخشع لتقواه القلوب، وتنصب لفتواه الأسماع وترنو لمحياه الإبصار، من أوفد من إرشاده للامة وللائمة لطفا فلطفا، وأوقد من علمه جذوة لا تخبو، ومن عدله قبسا بالهوى لا يطفأ، وفات النظراء والنظار فلا يرسل أحد
стр. 11778
معه طرفا، ولا يمد إليه حياء منه طرفا، وقد جاز واحتوى من العلوم على ما تفرق فى غيره وغدا «١» خير دليل إلى الحق، فلا يقتدى فى المشكلات إلا برأى اجتهاده، ولا يهتدى فى المذاهب إلا بسيره، وأصبح لفلك الشريعة المحمدية قطبا، ولجثمانها قلبا ولسوارها قلبا، وأضحى لدليلها برهانا، ولإنسانها عينا، ولعينها إنسانا، فكم أرضى بعدله وفضله بنى الأيام عن الأيام، وكم أغضى مع قدرته على الانتقام، وكم أمضى حكما لا انفصال لعروته ولا انفصام، وكم أفضى بالجور إلى ماله وبالعدل إلى الأيتام، فلو استعداه الليل على النهار لأنصفه من تعديه، ولم يداجه لكونه يستر عليه تعبده فى دياجيه، فهو الحاكم بالحق ولو على نفسه، والمسترد الحقوق الذاهبة حتى لغده من يومه وليومه من أمسه.
«ولما كان المجلس السامى القضائى الإمامى، العالمى العاملى، الأشرف الزاهدى الأثيرى الماجدى الذخيرى الأفضلى الجلالى التاجى، حجة الإسلام، شرف الأنام، مجد الأمة، فخر الأئمة، صدر الشريعة مقتدى الفرق، رئيس الأصحاب، لسان الحق، ذخر الملوك والسلاطين، ولى أمير المؤمنين، قاضى القضاة، عبد الوهاب بن القاضى الأجل الأوحد الأعز أبى القاسم خلف، حرس الله جلاله، ممن هو فى أحسن هذه السمات يتصور، وله أنوار بركات تعدّ ونجوم السماء بها تتكثر، وقد تجوهر بالعلوم فأصبح التاج المجوهر، وله مزايا السؤدد التى لا يشك فيها ولا يرتاب، وسجايا الديانة التى إذا دخل غيره إليها من باب واحد دخل هو إليها من عدة أبواب، وهو شجرة الأحكام ومصعد كلم الحكام، ومطلع أنجم شرائع الإسلام، ومهبط وحى التقدمات والارتسام وعكاظ قضايا الحلام والحرام» .
стр. 11779
«خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الملكى الظاهرى الركنى، لا زال ماضيا وبالسداد قاضيا: بتجديد هذا التقليد الشريف له بقضاء القضاة بالديار المصرية فليحكم جميعها بما أراه الله من مذهب الإمام المطلبى محمد بن إدريس الشافعى، رضى الله عنه، وأموالى اليتامى على اختلاف أجناسها هى ودائع الأموات، وذخائر كل ممنوع من التصرفات، وقد أوصى الله بها، واوسع المتعدى عليها إنكارا وتحذيرا، وخوف من أكلها ظلما، فقال جل وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً
» «١» .
وقد رأينا أن نخصص المجلس السامى بالنظر فى جميع أمورها واذ قد غدت ذخر كل منقطع فنجعله من ذخرها، فلينظر «٢» فى جميع أموال الأيتام على اختلاف أجناسها بالقاهرة ومصر المحروستين والديار المصرية بمفرده وبمن يستنيبه عنه، وليحطها بنظره، ويضبطها بحسن تأثيره وأثره، وكذلك ما يختص بمذهبه من الجوامع والمناصب والمساجد والربط والتصديرات والأوقاف، ينظر فى جميعها ويولى فى أصولها وفروعها، والأوقاف العامة من الصدقات وغيرها، ينظر فيها بنفسه وبنوابه، حافظا لأمورها وملاحظا لتدبيرها، ومجتهدا فى صلاحها وتثميرها، وليستصحب من ذلك ما هو ملى باستصحابه. وليستمر على إقامة منار الحق الذى هو موثق عراء ومؤكد أسبابه، عالما بأن كل إنارة أضأتها من قبسه وأن استضأنا بها فى دياجى المنى، وكل ثمرة من مغترسه وإن مددنا إليها يد الاجتنا، وكل جدول هو من بحره وإن بسطت إليه راحة الاغتراف وكل منهج هو من جادته وإن ثنيت البه أعنة الاستطلاع للافادة والاستكشاف
стр. 11780
وهو بحمد الله المجتهد المصيب، والمادة للعناصر وإن كان يصيبه منها أوفر تصيب، والصادق الذى ينبىء بالحق إذا وامرته «١» المراسيم، ولا ينبؤك مثل خبير، ووصاياه منها يسترشد، فلا يفاوض فيها، ومنه تتعلم فلا نكرر عليه ما يستفاد منه من معانيها، والله تعالى يسد بأحكامه الذريعة، ويحمى به حمى الشريعة إن شاء الله تعالى، وكتب فى ثامن وعشرين ذى القعدة سنة ثلاث وستمائة بالاشارة العالية المولوية الأتابكية الفارسية وأعزها الله، الحمد الله وحده وصلاته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه» .
ولما فوض السلطان القضاء بالديار المصرية لحكام أربعة، فعل مثل ذلك بدمشق «٢» ، وجهز التقاليد إلى الحكام الذين وقع الاختيار عليهم، وهم: القاضى شمس الدين أحمد بن محمد بن خلكان الشافعى، على عادته، والشيخ زين الدين عبد السلام الزواوى المالكى قاضى المالكية، والقاضى شمس الدين عبد الله ابن محمد بن عطاء الأذرعى الحنفى قاضى الحنيفة، والشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبى عمر الحنبلى قاضى الحنابلة، ووصلت تقاليدهم بذلك فى سادس جمادى الأول سنة أربع وستين وستمائة، فامتنع المالكى والحنبلى من قبول الولاية والدخول فى باب القضاء، فطولع السلطان بذلك، فورد جوابه بالزامهما، وأنهما إن استقرا على الامتناع وصمما عليه يعزلا عما بأيديهما من المناصب ويخرجا من بلاد السلطان، فقيلا الولاية، وامتنعا من قبول المعلوم المقرر للقضاة وقالا:
«نحن فى كفاية عن قبول المعلوم» .
стр. 11781
ذكر القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأقرع
وفى ذى الحجة سنة ثلاث وستين وستمائة، قبض السلطان على الأمير شمس الدين سنقر الأقرع. وسبب ذلك أن رسول الملك بركة أحضر معه رجلا ادعى أنه الملك الأشرف بن الملك المظفر شهاب الدين غازى، فطلب السلطان من يشهد له بصحة ذلك، فشهد له المذكور، فبحث السلطان عن أمره، فوجد الأمير شمس الدين المشار إليه بعث اليه واستدعاه من عند الملك بركة لغرض كان فى نفسه، فقبض السلطان عليه واعتقله، واعتقل من شهد له بخزانة البنود.
ذكر القبض على الأمير شمس الدين سنقر الرومى «١» وذنوبه السالفة
وفى رابع وعشرين ذى الحجة من السنة، أمسك السلطان الأمير شمس الدين سنقر الرومى. وسبب ذلك؛ أنه كان له مملوك جميل الصورة، فبلغه أن السلطان ربما تعرض إليه يفعل، فغضب لذلك، وشفع السلطان عنده فيه فلم يقبل شفاعته، وضربه وحمى سفودا من الحديد وجعله فى دبره فمات، فطلبه السلطان من وقته واعتقله. وأما ذنوبه السالفة فإنه كان جمدار الملك الصالح، وكان مؤاخى الملك الظاهر لما كانا فى الخدمة الصالحية وبينهما صداقة، ولما كان من أمر البحرية ما قدمناه كانا جميعا وكان الملك الظاهر يتفقده بالمال والقماش، ولما قتل الملك المظفر لم يكن شمس الدين حاضرا، وأعطاه السلطان الإقطاعات العظيمة فصار يخلو بجماعة بعد جماعة ويفرق عليهم المال الذى ينعم
стр. 11782
به السلطان عليه، فاتصل ذلك بالسلطان فأرسل إليه يحذره مع خوشداشيته، فلم يفد ذلك شيئا، وبقى ذلك فى خاطر السلطان، فلما قتل الآن مملوكه وقبض عليه أرسل يقول: «اشتهى أعرف ذنبى» ، فسير السلطان إليه من عدد ذنوبه، فتحسر وقال: «آه، لو كنت حاضرا قتل الملك المظفر حتى أعاند السلطان فى الذى جرى» ، وكان قد تكلم بهذا الكلام وشافه السلطان به فى حال إحسانه إليه، واستمر فى الاعتقال إلى أن توفى، وكانت وفاته فى يوم الأحد عاشر جمادى الأول سنة ست وسبعين وستمائة.
ذكر وفاة قاضى القضاة بدر الدين السنجارى وشىء من أخباره «١»
وفى هذه السنة فى يوم السبت رابع عشر شهر رجب: كانت وفاة قاضى القضاة بدر الدين أبى المحاسن يوسف بن الحسن بن على بن الخضر السنجارى الشافعى، رحمه الله تعالى، فجأة، وكان قد أكل بطيخا أصفر وسلنجنينيا «٢» عقب خروجه من الحمام. ودفن فى يوم الأحد بمدرسته بالقرافة بجوار تربة الإمام الشافعى، وصلى عليه قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز. ومولده بسواد إربل فى رابع عشر شهر ربيع الأول سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وكان قاضيا بسنجار، وكان له على السلطان الملك الصالح من الخدمة بسنجار ما قدمنا ذكره، فلما ملك الملك
стр. 11783
الصالح دمشق كما تقدم، ولاه قضاء بعلبك وأعمالها وقرر له معلوما كثيرا، وكان قد وصل فى صحبته، ولما ملك الديار المصرية حضر إليه فأكرمه، وفوض إليه القضاء بمصر والوجه القبلى، ثم بالقاهرة والوجه البحرى كما تقدم ذكر ذلك، وولى الوزارة كما تقدم أيضا فى أيام الملك المنسور نور الدين بن الملك المعز، وكان، رحمه الله تعالى، مكينا عند السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وكان الأمير فخر الدين بن الشيخ بكرهه، فكتب إلى السلطان الملك الصالح يذكر عنه أنه يأخذ من نوابه الأموال، ومن يعدله من الشهود، وأشباه ذلك، فأجابه السلطان فى طرة كتابه: «يا أخى فخر الدين: للقاضى بدر الدين على حقوق عظيمة لا أقوم بشكرها، والذى وليناه قليل فى حقه، وما قمت له بما يجب على من مكافأته» ، فلم يعاوده الأمير فخر الدين فى أمره، وبقيت هذه الورقة عنده فى جملة أوراقه، فلما قتل وخلف بنتا صغيرة، احتاط ديوان الأيتام على موجوده فوجدوا هذه الورقة فحملوها إلى القاضى بدر الدين، فأوقف الناس عليها، وكان رحمه الله تعالى، كريما كثير الاحتمال، كثير المروءة، حسن العشرة، يقبل الاعتذار، ولا يكافىء على السيئة بمثلها، بل يحسن لمن ظهرت اساءته، ويبره بماله ويستميله باحسانه، إلا أنه شهر عنه فى ولاية القضاء قبول هدايا النواب، حتى قيل إنه ربما كان قرر على كل منهم ما لا يحمله فى كل مدة فى مقابلة ولايته على قدر الولاية، وكذلك أيضا من يقصد إنشاء عدالته حتى كثر المعدلون فى أيامه، ووصل إلى العدالة من ليس من أهلها، ولما ولى قاضى القضاة تاج الدين أسقط كثيرا من عدوله، ولقد جاء بعد ذلك زماننا وأدركت بقايا عدوله فكانوا أميز العدول وأجلّ الناس، ومنهم من لى قضاء القضاة وبلغ، رحمه الله تعالى، خمسة وثمانين سنة وثلاثة أشهر، رحمه الله تعالى.
стр. 11784
وفى هذه السنة فى يوم الاثنتين مستهل شعبان توفى الأمير جمال الدين موسى ابن شرف الدين يغمور بن جلدك بلمان «١» بن يغمور استاد دار السلطان الملك الظاهر، وهو الذى كان ينوب عن الملك الصالح نجم الدين أيوب بدمشق، وكان عالى المنزلة عند الملوك الأيوبية ومن بعدهم، ودفن بسفح المقطم، وكان مولده بالقرية اليغمورية بقرب سمهود من الأعمال القوصية «٢» فى جمادى الآخر سنة تسع وتسعين وخمسمائة، وهو ياروقى الأصل،: وكان عفيفا كريما سمحا جوادا، كيسا لطيفا، متواضعا حسن العشرة والسيره، كثير البر والصدقة، رحمه الله تعالى.
وفى ذى القعدة سنة ثلاث وستين وستمائة أيضا: أمر السلطان بشنق الشريف حصن الدين بن ثعلب الجعفرى «٣» بالإسكندرية، فشنق خارج باب البحر، وكان السلطان قد اعتقله بها، وسبب شنقه أن الشريف السرسناى أحد عدول الثغر كان يتردد إليه فى معتقله لتأنيسه وقضاء حوائجه، فاتصل بالسلطان أنه أعمل الحيلة فى هروبه، وكان الشريف قد حضر إلى مصر لقضاء حوائج حصن الدين فأحضره السلطان وسأله عن ذلك، فأنكره، فأراه الخطوط الواردة من الإسكندرية بالشهادة عليه بذلك، وأمر بشنقه فشنق تحت قلعة الجبل. وسير السلطان عز الدين أيبك الأغا حصارى «٤» إلى الإسكندرية فشنق الشريف حصن الدين.
стр. 11785
واستهلت سنة أربع وستين وستمائة
فى هذه السنة توجه الملك السلطان الظاهر إلى الشام فى مستهل شعبان «١» ، واستناب بقلعة الجبل الأمير عز الدين أيدمر الحلى، وجعله فى خدمة ولده الملك السعيد هو والصاحب بهاء الدين، وتوجه، وكان فى سفرته هذه من فتوح صفد والغارات على بلاد الفرنج ما نذكره، إن شاء الله تعالى.
ذكر عمارة جسر دامية «٢»
وفى جمادى الأول سنة أربع وستين وستمائة، رسم السلطان ببناء جسر على نهر الأردن، وهو النهر الذى يشق غور الشام، ويسمونه الشريعة. وهذا الجسر هو بقرب دامية، فيما بينها وبين فراوى. واتفق فيه أعجوبة لم يسمع بمثلها: وذلك أن السلطان ندب الأمير جمال الدين بن نهار المهندار لعمارته، ورسم أن يكون خمس قناطر، واجتمع الولاة لذلك ومنهم: الأمير بدر الدين محمد بن رحال متولى نابلس وحصلوا الأصناف وجمعوا الصناع، وعمروه على ما رسم به السلطان. فلما تكاملت عمارته وتفرق ذلك الجمع اضطرب بعض أركان الجسر، فقلق السلطان لذلك وأنكر عليهم وأعادهم لإصلاح ذلك. فتعذر عليهم لزيادة الماء وقوة جريانه، فأقاموا كذلك أياما وقد تيقنوا العجز عنه.
فلما كان فى الليلة المسفرة عن السابع عشر من شهر ربيع الأولى سنة ست وستين
стр. 11786
انقطع ماء الشريعة حتى لم يبق بها شىء منه، فتبادروا وأشعلوا النيران الكثيرة والمشاعل واغتنموا هذه الحادثة وأصلحوا الأركان وقووها، وأصلحوا منها ما لا كان يمكن عمله. وركبوا من يكشف خبر هذه الحادثة، فساقوا الخيل فوجدوا كتارا «١» مرتفعا كان يشرف على الشريعة من الجانب الغربى، والكتار شىء يشبه الجبل وليس بحبل لأن الماء يحله بسرعة كالطين، قد سقط فى الشريعة فسدها، وانسكر الماء وتحامل على جهة الغور مما وراء السكر، قعادوا بالخبر، وانقطع الماء من نصف الليل إلى الرابعة من النهار، ثم تحامل الماء وكسر ذلك الكتار، وجاء طول رمح فلم يؤثر فى ذلك البناء لإتقانه، وحمل الماء ما كان هناك من آلات العمارة. وهذه الحادثة من عجائب الاتفاق. وهذا الجسر باق إلى وقتنا هذا.
وفى جمادى الأولى أيضا تكاملت عمارة الدار الجديدة «٢» المرسوم بعمارتها عند باب السر المطل على سوق الخيل. وعمل بها دعوة للأمراء.
وفى هذه السنة اهتم السلطان بحفر خليج الإسكندرية، وندب الأمير علم الدين المسرورى لذلك. ثم توجه السلطان بنفسه وباشر الحفر وأزيلت الرملة التى كانت على الساحل بين النقيدى وفم الخليج، ثم عدى إلى برأبيار، وغرق المراكب هناك وبنى عليها بالحجارة، ثم رجع إلى القاهرة.
وفى شهر رمضان من السنة وصل إلى دمشق ولد الخليفة المستعصم بالله المسمى بالمبارك «٣» الذى كان عند هولاكو، وصحبته جماعة من أمراء العربان.
стр. 11787
فأنزله الأمير جمال الدين النجيبى فى أعز مكان. فلما وصل السلطان إلى دمشق سير إليه جمال الدين بن الدوادار والطواشى مختار، فما عرفاه. وظهر أنه بخلاف ما ادعاه، فسير إلى مصر تحت الاحتياط.
وفى ذى القعدة وصل شخص آخر أسود ادعى أنه من أولاد الخلفاء، فسير إلى مصر أيضا.
ذكر الوثوب على الأمير عز الدين الحلى «١» وضربه بالسكين وسلامته وقتل الأمير صارم الدين المسعودى
قال: لما كان فى يوم الاثنين منتصف ذى الحجة سنة أربع وستين وستمائة جلس الأمير عز الدين الحلى بدار العدل، ومعه الصاحب بهاء الدين والقضاة، وإذا بإنسان يخترق الصفوف- وبيده قصة-، فوقف قدامه، وكان بيده سكين بين أثوابه، فضرب بها حلق الأمير عز الدين. فأمسكها بيده فجرحت يده، ثم رفسه برجله ونام على ظهره وقصد أن يضربه مرة أخرى أو يضرب الصاحب.
فلما رفع يده جاءت السكين فى فؤاد الأمير صارم الدين قايماز المسعودى فمات لساعته. وكان فخر الدين متولى الجيزة حاضرا فأمسكه ورماه. فوقع على قاضى القضاة، وضرب بالسيوف فمات. وعرف الضارب أنه من الجانداريه.
وكانت به شعبة من الجنون. ولما وصل الخبر بسلامة الحلى إلى السلطان وهو راجع من أفامية أعطى مملوك الحلى ألف دينار عينا، وأعطى رفيقه ثلاثة آلاف درهم، وأحسن إلى ورثة المسعودى.
стр. 11788
وفى هذه السنة فتحت صفد على ما نذكره، إن شاء الله تعالى. ورجع السلطان منها إلى دمشق، وأنعم على أمرائها وقضاتها وأرباب المناصب بالتشاريف.
ونظر السلطان فى أمر الجامع الأموى ومنع من مبيت الفقراء «١» به.
وفيها: أبطل السلطان ضمان الحشيشة وأمر بتأديب أهلها «٢» .
وفيها: فى ثالث ذى القعدة توفى الأمير كرمون أغا بدمشق بعد منصرفه من فتح صفد «٣» فشهد السلطان جنازته، ودفن برأس ميدان الحصا عند قباب التركمان.
وفيها: فى ليلة عرفة، كانت وفاة الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى «٤» وكان قد جرح على صفد وبقى مدة والألم يتزايد به إلى أن مات، رحمه الله تعالى.
وكان من أكابر الأمراء، وسمع الحديث، وحدّث، وكان مشهورا بالشجاعة والكرم والديانة وسعة الصدر وكثرة الصدقة، وكان قد رتب على نفسه صلة للفقراء من أرباب البيوت والزوايا فى كل سنة تزيد على مائة ألف درهم وألوف أراد ب غلة، هذا غير صدقاته. وكان مقتصدا فى ملبسه يلبس الثياب القطن من الهندى والبعلبكى وغيره مما يباح ولا يكره لبسه. وكان من السلطان بالمنزلة العلية لا يخرج عن رأيه ومشورته سيما فى الأمور الدينية وأحوال
стр. 11789
القضاة. ومما يدل على ذلك: ما تقدم «١» من إشارته بتولية الحكم لأربعة قضاة.
فرجع السلطان فى ذلك إلى رأيه، وفعله لوقته. وكان ﵀ من حسنات الزمان، وقد ختم له بالشهادة، فإنه مات من ألم تلك الجراحة. ودفن فى مقبرة الملك النساصر بسفح قاسيون، ﵀.
стр. 11790
واستهلت سنة خمس وستين وستمائة ذكر عود السلطان إلى الديار المصرية وبناء الجامع الظاهرى «١»
كان خروج السلطان من دمشق فى يوم الاثنين ثانى المحرم سنة خمس وستين وستمائة. فلما وصل إلى منزلة الفوّار فارق العسكر وتوجه إلى الكرك. ولما وصل إلى بركة زيزاء تقنطر عن فرسه، وذلك فى يوم الأحد ثامن المحرم، فتأخر هناك أياما، ونزل إليه الأمير عز الدين نائبه بالكرك فأعطاه ألف دينار، وخلع عليه وسير الخلع إلى من بالكرك. ثم توجه فى محفة حملها الأمراء والخواص على أكتافهم إلى غزة. ووصل إلى بلبيس فى ثالث عشر صفر فتلقاه ولده الملك السعيد والأمير عز الدين الحلى، وزينت المدينة لمقدمه.
وفى أول شهر ربيع الأول ركب السلطان فرسه وضربت البشائر لذلك، ونزل بباب النصر وأقام هناك إلى خامس الشهر، ثم توجه إلى بركة الجب لرمى البندق.
وفى شهر ربيع الآخر، سير السلطان الأتابك والصاحب فخر الدين ولد الصاحب لكشف مكان يعمل به جامعا بالحسينية. فاتفقا على مناخ الجمال السلطانية. فقال السلطان: «أولى ما جعلت ميدانى الذى هو نزهتى جامعا «٢» » .
وركب فى ثامن شهر ربيع الآخر وصحبته الوزير والقضاة ونزل إلى ميدان قراقوش،
стр. 11791
ورتب أمور بنائه جامعا، وأن يكون بقية الميدان وقفا عليه، ورجع ودخل مدرسته بالقاهرة.
وفى هذه السنة أمر السلطان بإنشاء القناطر على بحر أبى الرجا «١» فأنشئت، وتولى عمارتها الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار فحصل الرفق بها للمسافرين وكانوا يجدون شدة وإزدحاما بسبب المعادى.
وفى سابع وعشرين شهر ربيع الآخر وصل الملك المنصور صاحب حماة «٢» ، وكان السلطان قد توجه إلى العباسية فتلقاه إلى رأس الماء وسير له ولمن معه التشاريف، وعاد السلطان إلى قلعته. وطلب صاحب حماة التفرج فى الإسكندرية فسير إليها وسير فى خدمته الأمير شمس الدين سنقرجاه الظاهرى، فوصل إليها وعظم تعظيما كثيرا، ثم عاد، وتوجه فى خدمة السلطان إلى غزة ثم توجه إلى مملكته.
وفى جمادى الآخرة وصلت رسل صاحب «٣» الدعوة وصحبتهم جملة من الذهب وقالوا: هذا المال الذى كنا نحمله قطيعة للفرنج قد حملناه لبيت مال المسلمين، وكان السلطان قد شرط ذلك عليهم عند وصول رسلهم وسؤالهم الصلح وشرطه على بيت الاسبتار فى جملة ما اشترط عليهم.
стр. 11792
ذكر إقامة الجمعة بالجامع الأزهر بالقاهرة المحروسة وشى من أخباره «١»
وفى يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة خمس وستين وستمائة أقيمت صلاة الجمعة بالجامع الأزهر. وسبب ذلك أن الأمير عز الدين الحلى خاطب السلطان فى أمره وتبرع بجملة من ماله فى عمارته، وانتزع أشياء من أوقافه كانت مغصوبة فى أيدى جماعة، وشرع فى عمارته، فعمر ما وهى من أركانه وجدرانه وبيضه وبلطه، وأصلح سقوفه وفرشه. واستجد به مقصورة حسنة، وعمل الأمير بدر الدين بيليك الخازندار الظاهرى فيه مقصورة كبيرة ورتب فيها مدرسا وجماعة من الفقهاء الشافعية، ورتب فيها محدثا يسمع الحديث النبوى والرقائق «٢» ، وسبعا لقراءة القرآن. ووقف على ذلك أوقافا، وولى خطابته زين الدين أدريس ابن صالح بن وهيب المصرى القليوبى، فاستمر به إلى أن توفى. وكانت وفاته فى ليلة السبت رابع عشرين شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثمانين وستمائة، ومولده سنة ثمان عشرة «٣» وستمائة.
وهذا الجامع هو أول مسجد جامع وضع للناس بالقاهرة المعزية، وفرغ من بنائه وأقيمت فيه الجمعة فى شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة. فلما ولى العزيز بن المعز جدد به أشياء وعمر به عدة أماكن. ويقال إن به طلسم لا يسكنه بسببه عصفور ولا يفرخ فيه. وفى سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة سأل الوزير
стр. 11793
أبو الفرج يعقوب بن كلس الخليفة أن يأذن له فى صلة رزق جماعة من الفقهاء، فأذن له. فأطلق لكل منهم كفايته واشترى لهم دارا إلى جانب الجامع، فإذا كان يوم الجمعة حضروا إلى الجامع وذكروا فيه دروس فقه وكان أبو يعقوب قاضى الخندق، وكانوا نيفا وثلاثين فقيها لأن دولة العبيد بين ما كان يستقل فيها بفقيه، ولما عمر الحاكم الجامع نقل الخطبة إليه.
ذكر إنشاء القصر الأبلق بالميدان بظاهر دمشق «١»
وفى سنة خمس وستين وستمائة، أمر السلطان الملك الظاهر بإنشاء القصر الأبلق بالميدان الأخضر بظاهر دمشق، فعمر على ما هو عليه الآن. واتفق فى عمارته واقعة غريبة، حكى بعض من كان يباشر عمارته، قال: لما انتهت عمارة القنطرة التى بالإيوان ولم يبق من ختمها إلا وضع حجر واحد أسود، فرفع بالحبال بعد أن نحت وجهز ليوضع فى مكانه وتشد به القنطرة، فانقطع الحبل وسقط الحجر إلى أرض الإيوان فانكسر، فتألم المهندس لذلك، ثم دخل إلى مرحاض القصر العتيق لقضاء الحاجه، [فرأى «٢» ] فى أحد كراسيه حجرا أسود منحوتا، فقاسه فوجده قدر الحجر الذى انكسر سواء، فاستأذن المهندس، الأمير جمال الدين النجيبى على قلعه ووضعه فى رأس القنطرة، فأذن فى ذلك، فقلع من كرسى المرحاض وجعل فى رأس القنطرة بالإيوان فختمت به. وجاء كأنه عمل لها، ووضع الحجر الذى انكسر مكانه. وهذا من عجيب الإتفاق، وقد وقع نظير هذه الواقعة فى أساس سور بغداد وعتبة جامع غزنة، وتقدم ذكر ذلك.
стр. 11794
ذكر توجه السلطان إلى الشام وعمارة قلعة صفد «١»
وفى العشرين من جمادى الآخرة توجه السلطان إلى الشام فى جماعة من أمرائه وأراح بقية العسكر. ولما وصل إلى غزة وردت إليه رسل الفرنج «٢» بهدية وجماعة من أسرى المسلمين. وتوجه السلطان إلى صفد بقصد عمارتها فرتب أمورها.
وتوجه إلى دمشق مسرعا عند ما بلغه أن التتار عزموا على قصد الرحبة، فأقام بها خمسة أيام واهتم بأمر الرحية «٣» وعاد الى صفد فى رابع وعشرين شهر رجب، فقسم الخندق على الأمراء، وأخذ نصيبا وافرا لنفسه ومماليكه وحاشيته، وعمل السلطان بنفسه وبيده، فلم يتوفر أحد من العمل. ولما كملت عمارة قلعة صفد رسم السلطان أن يكتب على أسوارها:
وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ
«٤» أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ، أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
«٥» أمر بتجديد هذه القلعة المحروسة وتحصينها وتكملة عمارتها وتحسينها، من خلصها من أيدى الفرنج الملاعين، وردها إلى أيدى المسلمين، ونقلها من مسكن إخوة الداوية إلى سكن إخوة المؤمنين، فأعادها للايمان كما بدأها أول مرة، وجعلها للكفار خسارة
стр. 11795
وحسرة، ولم يزل بنفسه يجتهد ويجاهد حتى عوض عن الكنائس بالجوامع والبيع بالمساجد، وبدل الكفر بالإيمان، والناقوس بالأذان، والإنجيل بالقرآن ووقف بنفسه التى هى أعز النفوس حتى حمل تراب خنادقها وحجارتها منه ومن خواصه على الرءوس، سلطان الإسلام والمسلمين ومسترد صوال الدين، مبيد التتار، فاتح القلاع والحصون والأمصار، وارث الملك، سلطان العرب والعجم والترك، إسكندر الزمان، صاحب القرآن أبو الفتح بيبرس قسيم أمير المؤمنين، خلد الله سلطانه، فمن صارت إليه هذه القلعة من ملوك الإسلام، ومن سكنها من المجاهدين المثاغرين على الدوام فليجعل لهذا السلطان فاتحها ومجددها نصيبا من أجره، ولا يخله «١» من الرحمة فى سره وجهره فى طول عمره، فإنه جعلها دار يمن وأمان، بعد أن كانت دار كفر وطغيان، وصار يقال عمر الله سرحها، بعد أن كان يقال عجل الله فتحها، والعاقبة للمؤمنين إلى يوم الدين «٢» .»
ولما كملت العمارة طلع السلطان إلى القلعة فرأى بالبرج صنما كبيرا كان الفرنج يقولون إن القلعة فى خفارته ويسمونه أبا جرج، فأمر بقلعه وتكسيره، وعمر مكانه محرابا.
ورسم بتجديد عمارة حرم الخليل، وكتب بذلك إلى دمشق، وتوجه الأمير جمال الدين بن نهار لذلك، فجدد الأخشاب والمقاصير والأبواب، ودهن ما يحتاج منها إلى الدهان، وجددت الضرائح المقدسة.
стр. 11796
ووصلت رسل الفرنج إلى السلطان وهو على صفد، وتحدثوا معه فى أمر بلادهم، وأجابوا إلى ما قاله من مناصفة صيدا وهدم الشقيف. ثم أغار على عكا على ما نذكره إن شاء الله، ولم ينتظم أمر الصلح.
ثم حضرت رسل سيس ورسل بيروت «١» ومعهم جماعة من أسرى المسلمين، وردوا مال التجار.
وفيها: توفى القاضى صدر الدين موهوب بن عمر بن إبراهيم الجزرى الشافعى «٢» وهو الذى كان ينوب عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بمصر، وولى القضاء بعده كما قدمنا ذكر ذلك، وكان فاضلا عالما بمذهب الشافعى ومشاركا فى غيره من العلوم. وكان فى مبدأ أمره على قضاء جزيرة ابن عمر. وكان كثير المال مرزوقا فى التجارة، فاكتسب مالا جزيلا فمد صاحب الجزيرة عينه إلى أمواله وقصد أخذها، فبلغه ذلك، فأرسل أكثر أمواله إلى مصر والشام صحبة التجار ثم هرب واختفى، ووصل إلى الشام ثم إلى الديار المصرية. ولما ولى الصاحب بهاء الدين الوزارة قصد أذاه فخافه خوفا شديدا.
حكى عنه أنه قال: لما خفت الصاحب بهاء الدين رأيت رسول الله ﷺ فى المنام فسألنى عن حالى فقلت: يا رسول الله، إنى خائف من الصاحب فقال لى: لا تخف منه وقل له بأمارة كذا وكذا لا تؤذنى، فإن رسول الله قد شفع فى عندك، قال: فانتبهت فرحا بمقابلة رسول الله ﷺ ، ولما صليت
стр. 11797
الصبح ركبت دابتى ووقفت للصاحب فى طريقه إلى القلعة، فسلمت، عليه وقلت له: معى رسالة، فقال: ممن هى؟ قلت: من رسول الله ﷺ ، وهو يقول لك: بأمارة كذا وكذا لا تؤذنى فإن رسول الله ﷺ ، قد شفع فى عندك، فقال: صدقت أنت، وصدق رسول الله ﷺ ، وانت اليوم فقد بقيت أتشفع بك إلى رسول الله ﷺ ، والله لا حصل لك منى سوء أبدا، فالمولى يرسم والمملوك يمتثل، ومن اطلع عليه مولانا وله حاجة «١» من مضرور أو مظلوم ترسل إلى تعرفنى حتى أقضى حاجته بنفسى، واعتذر إليه، وبقى يعظمه، ولو فسح فى أجله لولاه القضاء بعد القاضى تاج الدين ولكنه مات قبله. وكانت وفاته فى مستهل شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة. وقيل بل كانت وفاته فجأة فى تاسع الشهر، ودفن بسفح المقطم. ومولده فى النصف من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة بالجزيرة. ولما مات ترك ما يقارب ثلاثين ألف دينار، وكان له ابنتان: إحداهما بالجزيرة، والأخرى زوجة القاضى بدر الدين ولد القاضى تقى الدين بن رزين، «٢» فورثتاه وشركهما بيت المال، وكان ﵀ كثير المروءة والإحسان الى أهل بلده ومن يقصده.
ذكر وفاة قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز «٣» ونبذة من أخباره ﵀ ومن ولى قضاء الشافعية وغيره من مناصبه بعد وفاته
وفى السابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس وستين وستمائة،
стр. 11798
كانت وفاة قاضى القضاة، تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب بن القاضى الأعز أبى القاسم خلف بن رشيد الدين أبى الثناء محمود بن بدر العلامى «١» - وبنو علامة بطن من لخم- وهو المشهور بابن بنت الأعز والأعز هذا هو جده لأمه، وهو الصاحب الأعز فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضى كمال الدين أبى السعادات أحمد بن شكر، أحد وزراء السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وقد تقدم ذكره فى أخبار الدولة العادلية. ومولد القاضى تاج الدين بالقاهرة فى مستهل شهر رجب سنة أربع وستمائة. ولما مات والده الاعز خلف- رحمه الله تعالى- ترك دنيا عريضة، فيقال إنه خلف اثنى عشر ألف دينار عينا، وقيل سبعة آلاف، فانفقت والدته ابنة الصاحب الأعز جميع ذلك على نفسها ومن يلوذ بها من أهلها، ونشأ فلم يجد شيئا من ذلك، فما شافهها فيه بكلمة، وكان بارابها، واشتغل بالعلم، وولى إعادة المدرسة المعروفة بزين التجار بمصر، وولى شهادة بيت المال فى الدولة الكاملية. وكان سبب ذلك أن الشريف شمس الدين الأرموى نقيب السادة الأشراف، رحمه الله تعالى، كان يلى تدريس المدرسة المذكورة فتوجه من جهة السلطان الملك الكامل فى رسالة واستناب القاضى تاج الدين هذا فى التدريس والنظر، فأحسن الخلافة عنه وعمّر الوقف وقام بالوظيفة أحسن قيام، فلما عاد الشريف ووجد الأمر على ذلك، أنهاه إلى السلطان وشكره وأثنى عليه، فرسم السلطان الملك الكامل له بمباشرة شهادة بيت المال فباشر ذلك، وكان إذ ذلك على غاية الفاقة، وسلك طريقى الضبط والأمانه، وهذه الوظيفة هى أول مناصبه الديوانية،
стр. 11799
فاشتهر بحسن المباشرة والأحتراز، فتقدم فى الأيام الصالحية النجمية وما بعدها، وولى نظر بيت المال، ثم ولى نظر الدواوين بالديار المصرية فى أيام الملك المعظم غياث الدين تورانشاه ابن الملك الصالح، بتقليد معظمى، تاريخه لخميس بقين من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة، نعت فيه بالحضرة السامية:
القاضى، ثم كتب له منشور كريم خاتونى بأقطاع لخاصه ولأربعة أتباع. وقد رأيت أن أشرح هذا المنشور بنصه وأبين وضعه ليعلم منه كيف كان الرسم والمصطلح فى مثله، وهو أن الموقع كتب عن يمين الدرج ما مثاله: (الصالحية) بقلم أغلظ من قلم المنشور، ثم كتب البسملة بعد هذه اللفظة بقدر أصبعين وكتب تلو البسملة ما مثاله: خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الخاتونى الصالحى الجلالى العصمى الرحيمى، زاده الله شرفا ونفاذا، أن يجرى فى إقطاع المجلس السامى، القاضى الأجل، الصدر الكبير، الرئيس الفقيه، العالم الإمام، الفاضل الأوحد، العامل المرتضى، الكامل المجتبى، المختار تاج الدين مجد الإسلام بهاء الأنام اختيار الدولة، مجتبى الملوك السلاطين، فخر الرؤساء، علم العلماء، شرف الفقهاء، رضى أمير المؤمنين عبد الوهاب بن خلف الناظر بالدواوين المعمورة، أدام الله رفعته ونعمته، ما رسم له به الآن من الإقطاع لخاصه ولأربعة أتباع معه فى السنة ما يأتى ذكره.
خاصه: الثلثان من أبواب الهلالى بمدينة الفيوم. كفور سقط رشين خارجا عن بنى شريان «١» ، ومعصرة أبى دخان، ودبيس، وهى منشاة ابن مليح، كوم
стр. 11800
بنى مؤمنة، كوم الحمير، كوم مغنين «١» ، منشأة حراز، فزونة «٢» ، قبالة الجعاف «٣» .
وذلك فى الإقطاع لإستقبال مغل سنة سبع وأربعين وستمائة بعد الإعتداد على غايتة بما قبضة من الجامكية لاستقبال المدة من جملة ما يعوض به، وفى الخدمة مستهل المحرم منها.
أتباعه وعدتهم أربعة فى السنة: ستة عشر ألف درهم ناصرية جهة ذلك من متحصل السدس من بحيرة تنيس لإستقبال تاريخ عرضهم بالديوان المعمور بعد الخط الشريف، أعلاه الله، وثبوته حيث ثبتت مثله.
كتب فى ثامن ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة، وبين السطرين الأول والثانى بخطها ما مثاله: والده خليل.
ورأيت فى هذا المنشور أشياء تستغرب ويستنكر مثلها فى وقتنا هذا:
وهو أن بيت العلامة الذى هو بين السطرين كتبب فيه الملكة، وفيه تحت خطها بين السطرين: خط ناظر الدواوين ومثاله: ليثبت بديوان النظر على الدواوين المعمورة إن شاء الله تعالى، وخط شاد الدواوين: امتثل الخط الشريف، وبينهما فى بيت العلامة أيضا: خط ناظر الفيوم ومثاله: ليثبت إن شاء الله تعالى بديوان نظر الفيوم. وما معه وفى سامتة السطر الثانى ما مثاله:
ليثبت بالديوان المعمور مما يختص بالوجه القبلى، وأسفل منه ما مثاله: ليثبت
следующие страницы →