← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11796–11835 · переход к 11801.

стр. 11796

ووصلت رسل الفرنج إلى السلطان وهو على صفد، وتحدثوا معه فى أمر بلادهم، وأجابوا إلى ما قاله من مناصفة صيدا وهدم الشقيف. ثم أغار على عكا على ما نذكره إن شاء الله، ولم ينتظم أمر الصلح. ثم حضرت رسل سيس ورسل بيروت «١» ومعهم جماعة من أسرى المسلمين، وردوا مال التجار. وفيها: توفى القاضى صدر الدين موهوب بن عمر بن إبراهيم الجزرى الشافعى «٢» وهو الذى كان ينوب عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام بمصر، وولى القضاء بعده كما قدمنا ذكر ذلك، وكان فاضلا عالما بمذهب الشافعى ومشاركا فى غيره من العلوم. وكان فى مبدأ أمره على قضاء جزيرة ابن عمر. وكان كثير المال مرزوقا فى التجارة، فاكتسب مالا جزيلا فمد صاحب الجزيرة عينه إلى أمواله وقصد أخذها، فبلغه ذلك، فأرسل أكثر أمواله إلى مصر والشام صحبة التجار ثم هرب واختفى، ووصل إلى الشام ثم إلى الديار المصرية. ولما ولى الصاحب بهاء الدين الوزارة قصد أذاه فخافه خوفا شديدا. حكى عنه أنه قال: لما خفت الصاحب بهاء الدين رأيت رسول الله ﷺ فى المنام فسألنى عن حالى فقلت: يا رسول الله، إنى خائف من الصاحب فقال لى: لا تخف منه وقل له بأمارة كذا وكذا لا تؤذنى، فإن رسول الله قد شفع فى عندك، قال: فانتبهت فرحا بمقابلة رسول الله ﷺ ، ولما صليت

стр. 11797

الصبح ركبت دابتى ووقفت للصاحب فى طريقه إلى القلعة، فسلمت، عليه وقلت له: معى رسالة، فقال: ممن هى؟ قلت: من رسول الله ﷺ ، وهو يقول لك: بأمارة كذا وكذا لا تؤذنى فإن رسول الله ﷺ ، قد شفع فى عندك، فقال: صدقت أنت، وصدق رسول الله ﷺ ، وانت اليوم فقد بقيت أتشفع بك إلى رسول الله ﷺ ، والله لا حصل لك منى سوء أبدا، فالمولى يرسم والمملوك يمتثل، ومن اطلع عليه مولانا وله حاجة «١» من مضرور أو مظلوم ترسل إلى تعرفنى حتى أقضى حاجته بنفسى، واعتذر إليه، وبقى يعظمه، ولو فسح فى أجله لولاه القضاء بعد القاضى تاج الدين ولكنه مات قبله. وكانت وفاته فى مستهل شهر رجب سنة خمس وستين وستمائة. وقيل بل كانت وفاته فجأة فى تاسع الشهر، ودفن بسفح المقطم. ومولده فى النصف من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة بالجزيرة. ولما مات ترك ما يقارب ثلاثين ألف دينار، وكان له ابنتان: إحداهما بالجزيرة، والأخرى زوجة القاضى بدر الدين ولد القاضى تقى الدين بن رزين، «٢» فورثتاه وشركهما بيت المال، وكان ﵀ كثير المروءة والإحسان الى أهل بلده ومن يقصده. ذكر وفاة قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز «٣» ونبذة من أخباره ﵀ ومن ولى قضاء الشافعية وغيره من مناصبه بعد وفاته وفى السابع والعشرين من شهر رجب الفرد سنة خمس وستين وستمائة،

стр. 11798

كانت وفاة قاضى القضاة، تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب بن القاضى الأعز أبى القاسم خلف بن رشيد الدين أبى الثناء محمود بن بدر العلامى «١» - وبنو علامة بطن من لخم- وهو المشهور بابن بنت الأعز والأعز هذا هو جده لأمه، وهو الصاحب الأعز فخر الدين أبو الفوارس مقدام بن القاضى كمال الدين أبى السعادات أحمد بن شكر، أحد وزراء السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وقد تقدم ذكره فى أخبار الدولة العادلية. ومولد القاضى تاج الدين بالقاهرة فى مستهل شهر رجب سنة أربع وستمائة. ولما مات والده الاعز خلف- رحمه الله تعالى- ترك دنيا عريضة، فيقال إنه خلف اثنى عشر ألف دينار عينا، وقيل سبعة آلاف، فانفقت والدته ابنة الصاحب الأعز جميع ذلك على نفسها ومن يلوذ بها من أهلها، ونشأ فلم يجد شيئا من ذلك، فما شافهها فيه بكلمة، وكان بارابها، واشتغل بالعلم، وولى إعادة المدرسة المعروفة بزين التجار بمصر، وولى شهادة بيت المال فى الدولة الكاملية. وكان سبب ذلك أن الشريف شمس الدين الأرموى نقيب السادة الأشراف، رحمه الله تعالى، كان يلى تدريس المدرسة المذكورة فتوجه من جهة السلطان الملك الكامل فى رسالة واستناب القاضى تاج الدين هذا فى التدريس والنظر، فأحسن الخلافة عنه وعمّر الوقف وقام بالوظيفة أحسن قيام، فلما عاد الشريف ووجد الأمر على ذلك، أنهاه إلى السلطان وشكره وأثنى عليه، فرسم السلطان الملك الكامل له بمباشرة شهادة بيت المال فباشر ذلك، وكان إذ ذلك على غاية الفاقة، وسلك طريقى الضبط والأمانه، وهذه الوظيفة هى أول مناصبه الديوانية،

стр. 11799

فاشتهر بحسن المباشرة والأحتراز، فتقدم فى الأيام الصالحية النجمية وما بعدها، وولى نظر بيت المال، ثم ولى نظر الدواوين بالديار المصرية فى أيام الملك المعظم غياث الدين تورانشاه ابن الملك الصالح، بتقليد معظمى، تاريخه لخميس بقين من ذى القعدة سنة سبع وأربعين وستمائة، نعت فيه بالحضرة السامية: القاضى، ثم كتب له منشور كريم خاتونى بأقطاع لخاصه ولأربعة أتباع. وقد رأيت أن أشرح هذا المنشور بنصه وأبين وضعه ليعلم منه كيف كان الرسم والمصطلح فى مثله، وهو أن الموقع كتب عن يمين الدرج ما مثاله: (الصالحية) بقلم أغلظ من قلم المنشور، ثم كتب البسملة بعد هذه اللفظة بقدر أصبعين وكتب تلو البسملة ما مثاله: خرج الأمر العالى المولوى السلطانى الخاتونى الصالحى الجلالى العصمى الرحيمى، زاده الله شرفا ونفاذا، أن يجرى فى إقطاع المجلس السامى، القاضى الأجل، الصدر الكبير، الرئيس الفقيه، العالم الإمام، الفاضل الأوحد، العامل المرتضى، الكامل المجتبى، المختار تاج الدين مجد الإسلام بهاء الأنام اختيار الدولة، مجتبى الملوك السلاطين، فخر الرؤساء، علم العلماء، شرف الفقهاء، رضى أمير المؤمنين عبد الوهاب بن خلف الناظر بالدواوين المعمورة، أدام الله رفعته ونعمته، ما رسم له به الآن من الإقطاع لخاصه ولأربعة أتباع معه فى السنة ما يأتى ذكره. خاصه: الثلثان من أبواب الهلالى بمدينة الفيوم. كفور سقط رشين خارجا عن بنى شريان «١» ، ومعصرة أبى دخان، ودبيس، وهى منشاة ابن مليح، كوم

стр. 11800

بنى مؤمنة، كوم الحمير، كوم مغنين «١» ، منشأة حراز، فزونة «٢» ، قبالة الجعاف «٣» . وذلك فى الإقطاع لإستقبال مغل سنة سبع وأربعين وستمائة بعد الإعتداد على غايتة بما قبضة من الجامكية لاستقبال المدة من جملة ما يعوض به، وفى الخدمة مستهل المحرم منها. أتباعه وعدتهم أربعة فى السنة: ستة عشر ألف درهم ناصرية جهة ذلك من متحصل السدس من بحيرة تنيس لإستقبال تاريخ عرضهم بالديوان المعمور بعد الخط الشريف، أعلاه الله، وثبوته حيث ثبتت مثله. كتب فى ثامن ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة، وبين السطرين الأول والثانى بخطها ما مثاله: والده خليل. ورأيت فى هذا المنشور أشياء تستغرب ويستنكر مثلها فى وقتنا هذا: وهو أن بيت العلامة الذى هو بين السطرين كتبب فيه الملكة، وفيه تحت خطها بين السطرين: خط ناظر الدواوين ومثاله: ليثبت بديوان النظر على الدواوين المعمورة إن شاء الله تعالى، وخط شاد الدواوين: امتثل الخط الشريف، وبينهما فى بيت العلامة أيضا: خط ناظر الفيوم ومثاله: ليثبت إن شاء الله تعالى بديوان نظر الفيوم. وما معه وفى سامتة السطر الثانى ما مثاله: ليثبت بالديوان المعمور مما يختص بالوجه القبلى، وأسفل منه ما مثاله: ليثبت

стр. 11801

بالديوان المعمور بالوجه البحرى، وإلى جانبه عن يساره ليثبت بديوان الجيوش المنصورة إن شاء الله تعالى، ثم بعد ذلك خطوط الكتاب، ولعل ناظر الفيوم الذى كتب فى هذا الموضع هو شرف الدين هبة الله الفايزى الذى ولى الوزارة فيما بعد، فإنه كان ناظر الصناعة والفيوم فى ذلك الوقت، والله أعلم. ثم ولى القاضى تاج الدين نظر بيت المال فى الأيام المعزية، بتوقيع تاريخة ثالث عشر صفر سنة إحدى وخمسين وستمائة، وقرر له فى كل شهر خمسون دينارا، وفى السنة مائتا أردب واثنى عشر أردبا نصفين، ثم ولى بعد ذلك نظر الدواوين. فهذه مناصبه قبل أن يلى القضاء والوزارة. ثم ولى قضاء القضاة بمصر والوجه القبلى فى تاسع شهر رمضان سنة أربع وخمسين وستمائة، عوضا عن القاضى بدر الدين السنجارى، وجمع له القضاء بالقاهرة والوجة البحرى فى الشهر المذكور لثمان بقين منه، وعطل القاضى بدر الدين السنجارى عن القضاء. ولما ولى القضاء شدد على العدول وأسقط كثيرا منهم، فكان يكتب؟؟؟ بأسقاط عدالة جماعة بعد جماعة من عدول السنجارى، ويشهد على نفسه بما تضمنته، فقلق الناس لذلك، ولم تطل مدة ولايته هذه، فإنه عزل فى بعض شهور سنة خمسة وخمسين وستمائة كما قدمنا ذكر ذلك، ثم فوضت إليه الوزارة بالديار المصرية كما تقدم ذكره، ثم عطل عن الوزارة والقضاء فى الأيام المظفرية- قطز- إلى أن كانت الدولة الظاهرية الركنية، ففوض السلطان الملك الظاهر له قضاء القضاة بجميع الديار المصرية فى السابع عشر من جمادى الأول سنة تسع وخمسين وستمائة، عوضا عن القاضى بدر الدين السنجارى، ثم أفردت عنه مصر والوجه القبلى فى السنة المذكورة، وفوض ذلك إلى القاضى

стр. 11802

برهان الدين الخضر السنجارى، ثم أعيد ذلك إليه فى الثامن من صفر سنة ستين وستمائة. وقد شرحنا مضمون تقاليد هذه الولايات فى مواضعها. وفوض إليه تدريس المدرسة الصالحية النجمية، بتوقيع ظاهرى تاريخه ثانى عشر جمادى الأول سنة ستين وستمائة بعد وفاة الشيخ عز الدين بن عبد السلام. ثم فوض إليه النظر العام على الأشراف والأوقاف والأحباس، ومشهد السيد الحسين ومدرسة الإمام الشافعى، والخانكاه والمشاهد بالباب الشريف وبجميع أعمال الديار المصرية بتوقيع ظاهرى تاريخه السابع من جماد الآخر سنة ستين وستمائة. وفوض إليه تدريس مدرسة الشافعى بتقليد تاريخه نصف ذى الحجة سنة إحدى وستين. ثم قسم القضاء بين أربعة حكام، فكتب له تقليد كما تقدم، تاريخه ثامن عشرين ذى القعدة سنة ثلاث وستين، وخص بالنظر فى جميع أموال الأيتام بالقاهرة ومصر والديار المصرية بمفرده والأوقاف، وقد شرحنا ذلك. واستمر كذلك إلى أن مات رحمه الله تعالى. وكان ﵀، كثير الاحتراز والتحفظ، وضبط ناموس الشرع، وإقامة الحرمة، وكف الأيدى العادية، والتطلع على جهات الأوقاف، وأخبار العدول، وغير ذلك مما هو متعلق بمنصب الشرع الشريف. ولما مات، رحمه الله تعالى، قسم قضاء الشافعية بعده، ففوض قضاء مصر والوجه القبلى للقاضى محيى الدين بن الصلاح «١» عبد الله بن قاضى القضاة شرف الدين محمد ابن عين الدولة الصفراوى «٢» . وفوض قضاء القاهرة والوجه البحرى للقاضى

стр. 11803

تقى الدين محمد بن الحسين بن رزين «١» . وولى النظر على ديوان الأحباس القاضى تاج الدين أبو الحسن على بن الشيخ أبى العباس أحمد المعروف بالقسطلانى. وولى تدريس المدرسة الصالحية القاضى صدر الدين أبو حفص عمر ولد قاضى القضاة تاج الدين المشار إليه. وولى نظر الخانقاه قاضى القضاة شمس الدين الحنبلى، وولى تدريس مدرسة الإمام الشافعى فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين. وفيها أيضا: توفى الأمير ناصر الدين الحسين بن عزيز بن أبى الفوارس القيمرى مقدم الجيش بالساحل «٢» ، وكانت وفاته فى ثالث شهر ربيع الأول بالساحل، ومولده فى سنة ستمائة بقيمر، وهو الذى بنى المدرسة الشافعية بدمشق بناحية مادنه «٣» فيروز. وكان جوادا كريما جليلا مقداما تقدم على جيوش الشام فى الأيام الصالحية والناصرية، وكان جميع الأكراد فى طاعته وخدمته. وكان أمره فى الأيام الناصريه أنفذ من أمر السلطان لانقياد الجيوش إليه. ثم حمل فى الأيام الظاهرية إلى أن أقطعه السلطان الملك الظاهر إقطاعا بالساحل، وقدمه على أمراء الساحل، فصلحت حاله، وكان مقامه بجنين، رحمه الله تعالى. ذكر وصول الشريف بدر الدين مالك بن منيف «٤» وإعطائه نصف إمرة المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وفى سنة خمس وستين وستمائة: وصل الشريف بدر الدين مالك بن منيف

стр. 11804

ابن شيحة، وكان السلطان على صفد، فشكى من الشريف عز الدين جماز، وقال: إن المدينة كانت بين أبى وبينه نصفين، وتوفى والدى وأنا صغير، فظلمنى وأخذ نصيبى، وقد جئت مستجيرا بالسلطان فى رد حقى. فكتب السلطان إلى الشريف جماز يأمره بتسليم النصف الذى كان لمنيف لولده مالك، وكتب تقليده بنصف إمرة المدينة ونصف الأوقاف، وسلم إليه نصف الأوقاف التى بمصر والشام، وتوجه. وورد جواب الشريف عز الدين جماز إلى السلطان بامتثال الرسوم، وأرسل خادمين من خدام الضريح النبوى يشهدان بذلك، فكتب السلطان إليه يشكره على ذلك. ثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل. وكان وصوله إليها فى يوم الثلاثاء رابع عشر ذى الحجة سنة خمس وستين وستمائة. ذكر تسمير من يذكر بالقاهرة وفى العشرين من ذى الحجة من السنة بعد عود السلطان إلى الديار المصرية أمر بتسمير جماعة كانوا معتقلين بخزانه البنود منهم: أقش الففجاقى أحد المماليك الصالحية، وكان قد ادعى النبوة. وأحضر فى شهر رمضان إلى دار العدل، فأمر نائب السلطنة باعتقاله. فلما حضر السلطان من الشام أنهى إليه أمره فاستحضره وسمع كلامه وأمر بتسميره. ومنهم: الناصح الواحى كان فى ابتداء أمره ضامن الواحات، ثم ترقى إلى أن ولى نظر أخميم وأسبوط وغير ذلك بالوجه القبلى. وكان يركب بالطبلخاناه، وقويت نفسه وكثرت أتباعه واتسعت أمواله. فأرسل السلطان وقبض عليه

стр. 11805

وأمر باعتقاله بخزانه البنود، فانهى إلى السلطان الآن أنه اتفق مع الملك الأشرف ابن شهاب الدين غازى ومع رجل نصرانى على أن ينقبوا خزانة البنود ويخرجوا منها ويتوجهوا إلى الواحات فيتسلطن بها الملك الأشرف ويكون الناصح وزيره والنصرانى كاتبه، فأمر السلطان بتسميرهم، فسمروا فى يوم واحد.

стр. 11806

واستهلت سنة ست وستين وستمائة ذكر أخذ الزكاة من عرب الحجاز «١» كان السلطان قد اهتم بأمر الزكاة من سائر الجهات حتى المغرب والحجاز، وأذعن عريان بلاد برقة لذلك وقاموا بالزكاة. وفى صفر سنة ست وستين وستمائة: وصل الأمير ناصر الدين بن محيى الدين الجزرى الحاجب من المدينة النبوية، وكان قد توجه لا ستخراج الزكاة والعشر، فأحضر صحبته مائة وثمانين جملا وعشرة آلاف درهم فاستقلها السلطان وأمر بردها عليه، ثم وصل بنو صخر، وبنو لام، وبنو عنزة وغيرهم من عريان الحجاز، والتزموا بزكاة الغنم والإبل، وتوجه معهم مشدون لاستخراج ذلك، هذا والسلطان على صفد لعمارتها. ذكر ظهور الماء بالقدس الشريف «٢» وفى سنة ست وستين وستمائة: ورد كتاب قاضى القدس أن الماء انتزح من بئر السقاية وعظمت مشقة الناس، فنزل رجل إلى البئر وشاهد قناة مسدودة من زمن بخت نصر الذى هدم البيت المقدس، فأحضر الأمير علاء الدين الحاج الركنى [نائب القدس «٣» ] بنايين وكشف القناة السليمانية، ومشوا فيها تحت

стр. 11807

الأرض إلى الجبل الذى تحت الصخرة المقدسة فوجدوا بابا مقنطرا ففتحوه، فخرجت عين ماء كادت تغرقهم. وكان خروج الماء فى ذى الحجة سنة خمس وستين. ووردت كتاب الأمير الحاج علاء الدين الركنى أنه نقص ماء السقاية الذى ظهر ونزح، ودخل الصناع إليه فوجدوا سدا، فنقب فيه الحجارون مقدار عشرين يوما ووجد سقف مقلفط به مائة وعشرون ذراعا بذراع العمل، فخرج الماء وملأ القناة. وفى هذه السنة: وصلت هدية صاحب اليمن «١» ورسله، وأحضر فيها من الخيل المسومة عشرون فرسا بالبركسطوانات «٢» الأطلس المزركشة وفيلة وحمارة وحش عتابية اللون، وغير ذلك من المسك والعنبر والعود والصينى «٣» وغيره، فقبلت هديته، وجهزت له هدية وصنجق وخلعة وشعار السلطنة وجوشن وكبش «٤» وغيره من آلة الحرب، وسير إليه طيور جوارح. وكوتب «٥» بالمقام العالى المولوى السلطانى، وكاتبه السلطان بالمملوك. وتوجه بالهدية فخر الدين المقرى «٦» ووصل صحبة أحد رسوليه- وهو ابن الماكسانى التاجر- بها، وذكر أن «٧» والده صاحب اليمن

стр. 11808

سير به للمجاهدين ولوجوه البر، فأودع ثمنه بالخزانة. ولما توجه السلطان إلى الغزاة أنفق منه جملة فى إقامة مجانيق أفردها لها، وأفتك ببقيته جماعة من أسارى المسلمين. ذكر خبر الحبيس النصرانى ومقتله هذا الحبيس من نصارى مصر، وكان فى ابتداء أمره من كتاب صناعة الإنشاء، ثم ترهب وانقطع فى جبل حلوان. فيقال إنه وجد فى مغارة منه مالا للحاكم العبيدى كان قد وضعه هناك، فتصدق هذا الحبيس على الفقراء من سائر الملل. واتصل بالسلطان خبزه فطلبه، وطلب منه المال، فقال: «أما أنى أعطيك من يدى إلى يدك فلا يتصور، ولكنه يصل إليك من جهة من تصادره ولا يقدر على ما تطلبه منه، فأساعده بمال يحمله إليك» وشفع فيه، فأطلقه السلطان. ولما كانت واقعة النصارى المتقدمة، كان يحضر عند مشد المستخرج، ومن عجز عن أداء ما قرر عليه ساعده به وأداه عنه، نصرانيا كان أو يهوديا. وكان يدخل إلى الحبوس ويطلق منها من عليه دين ويقوم بما عليه. وكان يعطى ما ينافر العقول. وتوجه إلى الصعيد، ودفع عن أهل الذمة أكثر ما قرر عليهم، وتوجه إلى الإسكندرية، وعامل أهلها بما هالهم من بذل الأموال. فوصلت فتاوى الفقهاء إلى السلطان بقتله، وعللوا ذلك: «خوف الفتنة» . فوافق ذلك رأى السلطان فأحضره فى سنة ست وستين وستمائة، وطلب منه المال وأن يعرفه من أبن أصله، وكيف حصل له، فلم يعرفه وجعل يغالطه ويدافعه، إلى أن أيس السلطان منه فعذبه حتى مات. وأخرج من القلعة ورمى

стр. 11809

بظاهرها على باب القرافة. وذكر أن مبلغ ما وصل إلى بيت المال وما واسى به من مدة سنين: ستمائة ألف دينار عينا، مما أحصى بقلم الصيارفة الذين كان يجعل الأموال عندهم ويكتب إليهم أوراقه بما يعطيه. وذلك غير ما كان يعطيه سرا من يده. ذكر بناء القرية الظاهرية قرب العباسة وفى سنة ست وستين وستمائة: مر السلطان على وادى السدير قرب العباسة فأعجبه. فأختار منه مكانا بنى به قرية سماها الظاهرية، وعمر بها جامعا. وفيها: توجه السلطان إلى الشام. وكان ما نذكره إن شاء الله تعالى من الفتوحات. ذكر إيقاع الحوطة السلطانية على الأملاك والبساتين وما تقرر على أربابها من المال وفى سنة ست وستين وستمائة: لما كان السلطان نازلا على الشفيف أمر بإيقاع الحوطة على البساتين والقرى والضياع التى بأيدى أهل دمشق ملكا وحبسا. وقال: «نحن فتحنا هذه البلاد بالسيف، وانتزعناها من أيدى التتار» . وكان قد تحدث بذلك فى السنة الخالية. وعقد مجلس حضره السلطان والقضاة والفقهاء، فقال قاضى القضاة شمس الدين بن عطاء الحنبلى: «هذا لا يحل ولا يجوز لأحد أن يتحدث فيه» وقام مغضبا، فتوقف السلطان ثم تقدم الآن بإيقاع الحوطة على البساتين فاتقق وقوع صقعة باردة على البساتين فأحرقت أكثر أشجارها، فظن أهل

стр. 11810

دمشق أن هذه الحادثة تبعث السلطان على الإفراج عنها فلم يفعل، ولما وصل إلى دمشق وعزم على العود إلى الديار المصرية عقد مجلسا بدار العدل حضره القضاة والفقهاء وأهل البلد، وأجرى ذكر البساتين وأخرج فتاوى الفقهاء من الحنفية باستحقاقها، فتوسط الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين عند السلطان على أن يقرر على أصحاب البساتين ألف ألف درهم، فامتنعوا من ذلك. وقالوا: «لا طاقة لنا بها معجلة» ، وسألوا أن يقسطها، فامتنع السلطان، وتمادى الحال إلى أن خرج من دمشق، ولما وصل إلى منزلة اللجون عاوده الصاحب فخر الدين والأتابك والأمراء، فاستقر الحال أن يعجلوا منها أربعمائة ألف درهم ويعقد لهم بما قبضه نواب السلطان من المغل، ويقسط ما بقى، فى كل سنة مائتى ألف درهم، وكتب بذلك توقيع وقرىء على المنبر بدمشق. ذكر وصول الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من بلاد التتار والصلح مع التكفور هيتوم صاحب سيس كان السلطان قد جهز العساكر إلى سيس، وأسروا ليفون بن هيتوم ولد صاحب سيس على ما نذكره، إن شاء الله تعالى، فترددت الرسل منه إلى السلطان يعرض عليه كل ما تقرر عليه من مال وقلاع. فاقترح السلطان عليه أمورا، منها أن يحضر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من بلاد التتار، وأن يرد القلاع التى أخذها من المملكة الحلبية، فسأل مهلة سنة إلى أن توجه إلى الأردو، وكشف خبره وأجيب إلى إطلاقه. ثم ورد كتاب صاحب سيس بذكر أنه حصله. وورد كتاب الأمير شمس الدين المذكور بعلائم وأماير. فتوقف

стр. 11811

صاحب سيس فى الإجابة إلى رد بعض القلاع، فرد السلطان رسله وكتب إليه: «إنك إذا كنت قسوت على ولدك وولى عهدك، أنا أقسو على صديق ما بينه وبينى نسب، ويكون الرجوع منك لا منى. ونحن خلف كتابنا. ومهما شئت افعل بسنقر الأشقر» . فلما وصل إليه هذا الكتاب والسلطان إذ ذاك على أنطاكية خاف ويذل ما رسم به السلطان، وتقرر الصلح على تسليم قلعة بهسنا والدربساك ومزريان ورعبان والروب وشيح الحديد «١» ؛ وجميع ما كان أخذه من بلاد الإسلام، وردها بحواصلها كما تسلمها، وإطلاق الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وأن يطلق السلطان له ولده وولد أخيه وغلمانهما. وأنه يحضر رهينة باسال أخ الملك، ويسير ريمون أخ زوجة الملك ليفون، ويبقى باسيل المأسور بن كندا صطبل هو وهؤلاء رهائن على تسليم القلاع. وكتبت الهدنة بذلك فى شهر رمضان بأنطاكية. وأرسل السلطان الأمير بدر الدين بجكا «٢» الرومى على خيل البريد إلى قلعة الجبل، فأحضر ليفون وتوجه به إلى أبيه على خيل البريد فى حادى عشر شوال. ثم توجه الأمير سيف الدين بلبان الرومى الداودار إلى سيس لتقرير فصول رسم بها السلطان. ولما وصل ليفون إلى أبيه أطلق الأمير شمس الدين سنقر الأشقر. وكان السلطان يتصيد بجرود بالقرب من بلاد حمص مما يلى دمشق، فلما بلغ السلطان قربه، ركب مختفيا والتقاه وأحضره معه إلى الدهليز وباتا جميعا. ولما أصبح واجتمع الناس للخدمة خرج إليهم السلطان والأمير شمس الدين فى خدمته، فبهت الناس لرؤيته. وأنعم عليه السلطان بالأموال والخلع والحوائص والخيل

стр. 11812

والبغال والجمال والمماليك وجميع ما يحتاجه الأمراء. ولما حضر إلى الديار المصرية أمّره، وبنيت له دار بقلعة الجبل. وأما القلاع المذكورة فتسلمها نواب السلطان، وأطلقت الرهائن. ولما ترتبت هذه المصالح وفتحت هذه الفتوحات العظيمة التى نذكرها، رجع السلطان من أنطاكية ووصل إلى شيزر، وتوجه منها فى البرية إلى حمص للصيد. ووصل السلطان إلى دار النائب بحمص فى ثلاثة نفر وهم: الأمير بدر الدين بيسرى «١» ، والأمير بدر الدين الخزندار، والأمير حسام الدين الدوادار. ثم دخل دمشق فى سادس عشرين شهر رمضان والأسرى بين يديه، وخرج منها فى ثامن عشر ذى القعدة، وعيد فى أم البارد [وهى السعيدية «٢» ] ورحل إلى قلعته فى حادى عشر ذى الحجة وحمل عن الناس كلفة الزينة. وفيها: توفى الصاحب عز الدين عبد العزيز بن منصور بن محمد بن محمد ابن محمد بن وداعة الحلبى «٣» . وقيل إنه كان فى ابتداء أمره خطيبا بجبلة، ثم اتصل بالملك الناصر وصار من خواصه، فولاه شد الدواوين بدمشق، وكان يعتمد عليه. فلما ملك السلطان الظاهر ولاه وزارة الشام، فوقع بينه وبين الأمير علاء الدين طيبرس نائب السلطنة مفاوضة اقتضت حضوره إلى الديار المصرية، ثم أعيد إلى الوزارة بالشام عند ما فوض السلطان نيابة السلطنة بدمشق للأمير جمال الدين النجيبى كما تقدم، فوقع بينه وبينه [خلاف] أيضا، فكان يهينه، فكتب إلى السلطان يذكر أن الأموال قد انكسرت، وأن الشام يحتاج إلى مشد تركى شديد

стр. 11813

المهابة مبسوط اليد وتكون أمور الاموال والولايات والعزل راجعة إليه، وقصد بذلك رفع يد الأمير جمال الدين النجيبى عن الأموال، وظن أن المشد يكون بحكمه ولا يتصرف إلا عن أمره. فرتب السلطان فى المشد الأمير علاء الدين كشتغدى «١» الشقيرى وبسط يده حسب ما اقترح ابن وداعة، فلم يلبث أن وقع بينهما [خلاف] وكان يهينه بأنواع [الإهانات] ويسبه، فيشكو ذلك إلى النجيبى فلا يلبى دعوته، ويقول له: «أنت طلبت مشدا تركيا، وقد جاء ما طلبت» . ثم كاتب الشقيرى فى حقه، فورد الجواب بمصادرته، فصادره وضربه بالمقارع وعصره وعلقه، فكان كالباحث عن حتفه بظلفه، وباع موجوده وأماكن كان قد وقفها وحمل ثمن ذلك، ثم طلب إلى الباب السلطانى فتوجه، وحدث نفسه بالعود إلى منصبه، فأدركته منيته، فمات فى ذى الحجة من السنة، ودفن فى مستهل المحرم سنة سبع.

стр. 11814

واستهلت سنة سبع وستين وستمائة فى هذه السنة فى أولها، جهز السلطان من كان عنده من رسل الملوك فتوجهوا إلى مرسليهم ذكر تجديد الحلف للملك السعيد وفى يوم الخميس تاسع صفر سنة سبع وستين وستمائة: جلس السلطان فى مرتبته، وجلس الأمير فارس الدين الأتابك والأمير عز الدين الحلى بين يديه، والصاحب بهاء الدين، وكاتب الإنشاء. وكان قبل ذلك يتحدث مع الأمراء فى أمر ولد الملك السعيد وتفويض الأمور إليه فأجابوا بالسمع والطاعة. وحلف الأمراء فى هذا اليوم وسائر العساكر المنصورة. وفى ثالث عشر الشهر ركب الملك السعيد فى الموكب كما يركب والده، وجلس فى الإيوان، وقرئت عليه القصص. وفى العشرين من الشهر قرىء تقليده بتفويض السلطنة إليه. وهو من إنشاء المولى فخر الدين بن لقمان «١» وخطه. ونسخته بعد البسملة والعلامة السلطانية الظاهرية: «الحمد لله الذى أجزل العطاء والمواهب، وضاعف النعماء التى يفيض شعابها، وأمواه العيون نواضب، وضاعف عزا لا يعز معه مقصد، ولا يتعذر معه المطالب، وحلى عطل الأيام بالمحاسن التى تستر بها ما ظهر من المعايب. أحمده على نعمه التى

стр. 11815

تجلى بنورها ظلم الغياهب، والأنطاف التى نظمت من المجد عقدة المتناسق ودره «١» المتناسب» . «وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تبلغ بها يوم الإشهاد قاصيه المنى، وتجعل كل صعب هينا. وأشهد أن محمدا عبده الذى صدع بالحق معلنا، ورسوله الذى أظهر الإسلام وما تباحد عزمه ولا انثنى، صلّى الله عليه وعلى آله الذين شيدوا من المعالى البنا، وأصحابه الذين أحسنوا والله يحب من من كان محسنا» . «وبعد: فإنا لما أتانا الله تعالى من السلطان الذى ملك به من العز ما جمح، والقدرة التى قربت «٢» من الآمال ما نزح، والمهابة التى ملأت عيون الأعداء بالذل لا الوطف، والعزايم التى أذكرت من مواقف المهاجرين والأنصار ما سلف، والهمم التى نهضنا بها لفتح معاقل الكفار، والجهاد الذى كانت أثارنا فيه من أحسن الآثار، والغزوات التى كان معروفها منكرا، والوقائع التى نصر الله فيها حزب الإيمان فأضحى الدهر ينشر حديثه متعطرا، وشد أزرنا بولدنا الملك السعيد الأجل الكبير العالم العادل ناصر الدين بركه خاقان، امتع الله الإسلام ببقائه، وأقر عيون المجد بنصر لوائه، وتوسمنا فيه مخايل السعادة بادية الغرر، وظهرت فيه أدلة النجابة، والأدلة إذا ظهرت لا تستتر، وبدت فيه مساع أوجبت له مزبة التكريم، وعم فيها فضله فتعين أن يخص بالتعظيم، ولاحت منه إشارات يعرب عن الرشد، وتدل أنه فى تدبيره حسن القصد، وسما نور هلاله فاتفقت

стр. 11816

النفوس أن يكون بدرا كاملا، ووثقت الآمال أن يرجع حاليا كل ما كان عاطلا، رأينا أن نفوض إليه حكم كل ما أمضى الله فيه حكمنا من البلاد، وتحققنا أن رائد نظرنا فى أمره يصدق فيما اختار من الارتياد. وقلدناه أمر الديار المصرية والبلاد الشامية والقلاع والحصون، وهى: الديار المصرية، البلاد الشامية، البلاد الحلبيه، البلاد الحموية، البلاد الحمصيه. فهذا الملك إليه ممتد الرواق، ودو نظامه يتزين بحسن الإتساق «١» ، ونواحيه مع اتساعها محروسة بهممه، فكأنه خصر «٢» اشتمل عليه النطاق، ونعم الله محروسه معه بالشكر، مفيده عنده بالإطلاق، والدين الحنيفى من عزمه عالى المنار، والنفوس واثقة «٣» أن تكون بناصره دائمة الانتصار، وأخبار نصره تحفظها الليالى مما تكرره ألسن السمار، ومهابته تسرى إلى قلوب الأعداء فتحول منها الأفكار، والدولة الزاهرة به محاطة «٤» الأرجاء، وسحائب إحسانه متدفق الأنواء، وآثار نعمة الله فيها ظاهرة، والله يحب أن يرى على عبده أثر النعماء. والشريعة المطهرة بتأييده نافذة الأحكام، وأمورها مرعية بهممه التى أضحت المعالى أنها لا تنام. وأطلقنا تصرفه وحكمه فى الخزائن والأموال، وتعيين الإقطاعات فى الغيبه منا والحضور. وأمرنا أن لا يرد أمره فى جميع ما يقتضيه رأيه الشريف من الأمور. فبيديه الحل والعقد، وإلى أبوابه ينتهى القصد. فقد أضحى بحمد الله حلية للمجد، والأيام تزهو به كما تزهو الدرر بواسطة العقد، وإليه فى الأمور النقض والإبرام. وعليه المعتمد فى فصل

стр. 11817

الأحكام. وإليه ترجع الولاية والعزل، وهو الفرع الذى زكا، ولا يزكو الفرع إلا إذا كان طيب الأصل. ومن شيمته الأقتداء بنا فى بسط الإحسان والعدل وإحياء سنتنا مما يضفيه على الأولياء من ملابس الفضل، واقتقاء آثارنا فى غزو بلاد الكفار، والمجاهدة التى تطول بها أيدى الكماة بالسيوف القصار، وإلى الله نرغب أن يوفقه لمراضيه، ويلهمه رشده فيما يستقبل من أموره، ويمضيه ويؤيده بالنصر الذى تروى أحاديثه وتتلى، ويمده بتوفيقه الذى يرشده من الضلال ناشئا وكهلا، ويساعده بالتأييد الذى يستجد له ذكرا خالدا لا يبلى، والظفر الذى تستحلى أحاديثه إذا أعيدت، وإن كان الحديث المستعاد لا يستحلى. ونسأل كل واقف على هذا التقليد أو من يسمع به من الأمراء والنواب والعساكر المنصورة- أيدهم الله تعالى- امتثال أمره، والقيام بما يجب عليه من طاعته فى سره وجهره، والنهوض فى خدمة ركابه، والإجتهاد فى تسهيل ما يصعب من طلابه، والمسير عند سيره تحت علمه، والإلتجاء فى السراء والضراء إلى حرمه، والوفود إلى جنابه المنيع المريع، فهو بحمد الله كعبة تحج إليها الآمال، وحرم يخفف ما على الأعناق من أعباء الخدم الثقال. والإعتماد على الخط الشريف أعلاه، وكتب فى عاشر صفر سنة سبع وستين وستمائة» . وقرىء هذا التقليد بالإيوان بحضور الأمراء وأعيان الدولة واستمر جلوس الملك السعيد وركويه. وفى ثانى عشر جمادى الآخرة، توجه السلطان إلى الشام واستصحب أكابر الأمراء وجماعة من العسكر المنصور. وفى غرة شهر رجب شرع السلطان فى النفقة فى الأمراء الذين صحبته، ونزل أرسوف لكثرة مراعيها.

стр. 11818

ووصل إليه رسل أبغابن هولاكو، فقرىء على السلطان كتابه، ومعناه الرغبة فى الصلح، وأعاد الرسل بالجواب، وكاتب أبغا نظير ما كاتبه به. ذكر توجه السلطان على خيل البريد إلى الديار متنكرا وعوده إلى مخيمه بخربة اللصوص ولم يعلم من به بتوجهه قال القاضى عبد الله بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية عن هذه الوقعة حسبها أملاه السلطان من لفظه: لما خرج السلطان من دمشق، بعد تجهيز رسل أبغا، ودع الأمراء كلهم وتوجهوا إلى الديار المصرية، ولم يبق معه من الأمراء الأكابر غير الأتابك، والمحمدى، والأيدمرى، وابن اطلس خان، وأقش الرومى، توجه إلى القلاع، فابتدأ بالصبيبة ومنها إلى الشقيف وصفد، وبلغه وفاة الأمير عز الدين الحلى، فكتب إلى الأمير شمس الدين آقسنقر استاد الدار بالحضور بالأثقال والعساكر إلى خربة اللصوص والعسكر قد خيم بها. وخطر له التوجه إلى الديار المصرية، فكتب إلى النواب بالشام بمكاتبة الملك السعيد والإعتماد على أجوبته، ورتب أنه كلما جاء بريد يقرأ عليه ويخرج علائم على دروج بيض تكتب عليها أجوبة البريد، واستقرت هذه القاعدة مدة. وفى رابع عشر شعبان أظهر تشويشا، وأحضر الحكماء إلى الخيمة، وحصل احتفال ظاهر بهذا الأمر، وأصبح الأمراء فدخلوا وشاهدوا مجتمعا فى صورة متألم، وكتب إلى دمشق باستدعاء الأشربة. وتقدم إلى الأمير بدر الدين الأيدمرى وسيف الدين بكتوك جرمك الناصرى، بأنهما يتوجهان إلى حلب على خيل البريد، وودعاه وصحبتهما بريدى،

стр. 11819

وتوجها فى ليلة السبت سادس عشر شعبان، وأوصاهم أنهم إذا ركبوا يحيدون إلى خلف الدهليز ليتحدث معهم مشافهة. وجهز آقسنقر الساقى فى البريد إلى الديار المصرية وأعطاه تركاشة «١» ، وأمره بالوقوف خلف خيمة الجمدارية خلف الدهليز. ولبس السلطان جوخة مقطعة وتعمم بشاش دخانى عتيق، وأراد أن يخرج ولا يعلم به الحرس، فأخذ قماش نوم لأحد المماليك، وطلب خادما من خواصه وقال له: ها أنا خارج بهذا القماش فامش أمامى، فإن سألك أحد فقل: هذا بعض البابية «٢» معه قماش أحد الصبيان حصل له مرض وما يقدر يحضر إلى الخدمة هذه الليلة، وهذا غلامه خارج إليه بقماشه. فخرج بهذه الحيلة، وتوجه إلى الجهة التى واعد آقسنقر إليها. وكان قد سير بهاء الدين أمير آخور ومعه أربعة أرؤس من الخيل، وأمره أن يقف بها فى مكان، فتوجه إليه، وأخذ آقسنقر الخيل، وسير بهاء الدين أمير آخور إلى التل فأحضر الأيدمرى ورفقته، وساق بهم السلطان وهم لا يعرفونه فلما اختلطوا قال للأيدمرى: «تعرفنى؟» قال: «أى والله» ، وأراد النزول لتقبيل الأرض فمنعه. وقال: لجرمك «تعرفنى» ، فقال: «إيش هذا يا خوند» ؟ فقال له: «لا تتكلم» وكان معهم علم الدين شقير مقدم البريدية فصاروا خمسة، معهم أربعة جنائب من خيل السلطان الخاص.

стр. 11820

وساقوا إلى جهة مصر، فوصلوا إلى القصير «١» المعينى نصف الليل، فدخل السلطان ليأخذ فرس الوالى، فقام إليه يهاوشه بأربعين خمسين راجلا، وقال له: «هذه الضيعة ملك السلطان ما يقدر أحد يأخذ منها فرسا، فإن رحتم وإلا قاتلناكم» . فتركوه وتوجهوا إلى بيسان فأتوا دار الوالى وقالوا: «نريد خيلا للبريد» . فقال: «انزلوا خذوا» ، فنزلوا، وقعد السلطان عند رجلى الوالى وهو نايم. ثم قال للأيدمرى «الخلائق على بابى وأنا على باب هذا الوالى لا يلتفت إلى، ولكن الدنيا نوب» . وطلب من الوالى كوزا فقال: «ما عندنا كوز، إن كنت عطشان اخرج واشرب» فأحضر له الأيدمرى كوزا شرب منه. وركبوا فصابحوا جينين، فوجدوا خيل البريد بها عرجا معقرة، فركب السلطان منها فرسا ما كاد يثبت عليه من رائحة عقوره. ولما وصلوا العريش قام السلطان والأمير سيف الدين جرمك ونقيا الشعير. فقال السلطان للأيدمرى: «أين السلطنة، واستاد الدار، وأمير جاندار، وأين الخلق الوقوف فى الخدمة؟ هكذا تخرج الملوك من ملكهم، وما يدوم إلا الله » . ووصلوا إلى قلعة الجبل ليلة الثلاثاء الثلث الأول، فأوقفهم الحراس حتى شاوروا الوالى. ونزل السلطان فى باب الأسطبل وطلب أمير آخور، وكان قد رتب مع زمام «٢» الأدر أنه لا يبيت إلا خلف باب السر، فدق السلطان باب السر، وذكر علايم لزمام الأدر، ففتح الباب، وأحضر السلطان رفقته إلى باب السر، وأقام هو وهم يومى الثلاثاء والأربعاء وليلة الخميس لا يعلم بهم أحد إلا زمام الأدر،

стр. 11821

وهو ينظر إلى الأمراء وغيرهم فى سوق الخيل. فلما قدّم الفرس للملك السعيد يوم الخميس قدم أمير آخور للسلطان فرسا. ولما خرج الملك السعيد ما أحس إلا والسلطان قد خرج إليه، فخاف، فلما عرفه قبل الأرض، وركب السلطان وخرج والوقت مغلس، فأنكر الأمراء ذلك ووضعوا أيديهم على قبضات سيوفهم وطلّعوا «١» فى وجه السلطان فلما حققوه قبلوا الأرض. وساق السلطان إلى ميدان العيد، وعاد إلى القلعة، فقضى أشغال الناس، ولعب الكرة يوم السبت. وتوجه يوم الأحد إلى مصر لرمى الشوانى، وركب فى الحراريق. وسافر ليلة الأثنين على البريد. ولما قربوا من الدهليز المنصور رد الأيدمرى وجرمك إلى خيامهم، وأخذ السلطان جراب البريد على يده وفى كفه فوطة، وتوجه راجلا ودخل من جهة الحراس، فمانعه حارس وأمسك الحارس أطواقه ونتشه، فانجذب منه ودخل من باب الدهليز. وركب عصر يوم الجمعة، وحضر الأمراء إلى الخدمة، فأظهر أنه كان متغلث المزاج، وضربت البشائر بالعافية، ولم يدر بهذه الأمور إلا الأتابك وأستاد الدار وخواص الجمدارية. وفى هذه السنة فى تاسع جمادى الآخرة رسم السلطان بأبطال الخواطى «٢» من القاهرة ومصر والديار المصرية، وأمر بحبسهن وتزويجهن. وفيها أيضا وردت الأخبار أن زلزلة حدثت ببلاد سيس «٣» أخرجت قلاعها مثل سرفند كار، وحجر شعلان، وقتل بسببها جماعة حتى سال النهر دما.

стр. 11822

ذكر وفاة الأمير عز الدين أيدمر الحلى [الصالحى نائب السلطنة «١» ] لما خرج السلطان لسماع رسالة الملك أبغا خرج الأمير عز الدين المذكور فى خدمته، فلما استقر السلطان طلب دستورا وتوجه إلى دمشق لملاحظة أملاكه، فلما دخل السلطان إلى دمشق أطلق له شيئا كثيرا، وزار السلطان فقيرا بجبل الصالحية ومعه الأمير عز الدين، فقام عز الدين ليجدد الوضوء، فقال الشيخ للسلطان: «هذا يموت فى هذه الأيام ولا يخرج من دمشق» ، وكان إذ ذاك كالأسد قوة، فمرض فى اليوم الثانى، وتوفى فى أوائل شعبان سنة سبع وستين. وحضر ولده «٢» إلى الدهليز بخربة اللصوص فأحسن السلطان إليه وسيره إلى القاهرة. ولما وصل السلطان إلى القاهرة أمره بأربعين فارسا. وفيها: توفى الأمير أسد الدين سليمان بن الأمير عماد الدين داود بن عز الدين موسك «٣» الدوادى الهذبانى، من بيت الإمرة وله اختصاص كبير بالملوك والتقدم عندهم. وحدّه الأمير عز الدين من أكابر الأمراء الصالحية، وترك أسد الدين هذه الخدم وتزهد ولازم مجالس العلماء، ولبس الخشن من الثياب، وكانت له نعمة عظيمة ورثها من أبيه فأذهبها، ولم بيق له سوى ربع أملاكه، فكانت تقوم بكفايته إلى أن توفى فى يوم الثلاثاء مستهل جمادى الأول بدمشق، ودفن بقاسيون، وله شعر حسن، رحمه الله تعالى.

стр. 11823

ذكر توجه السلطان الملك الظاهر إلى الحجاز الشريف «١» قال: لما قوى عزم السلطان على الحجاز الشريف كتم ذلك، وأنفق ونقى من جيشه، وجرد جماعة صحبة الأمير جمال الدين أقش الرومى السلاح دار، وهم المتوجهون صحبة السلطان، وجرد العساكر التى بقيت صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر أستاد الدار إلى دمشق. فنزلوا بظاهرها. وتوجه السلطان إلى الكرك فى صورة أنه يتصيد، فوصل إلى الكرك فى مستهل ذى القعدة، وكان رسم بتجهيز جميع ما يحتاج إليه برسم الحجاز هناك. فسير الثقل فى رابع ذى القعدة، وتوجه السلطان فى السادس من الشهر إلى الشوبك، وتوجه منه فى حادى عشر الشهر، ووصل إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، فى الخامس والعشرين منه، فزار ورحل فى السابع والعشرين. فقدم مكة، شرفها الله تعالى، فى خامس ذى الحجة، فتصدق بصدقات وافرة وكساوى كثيرة، وبقى كأحد الناس بغير حاجب، ثم غسل الكعبة، وبقى فى وسط البيت، ومن رمى له إحرامه غسله له بما ينصب من الماء فى الكعبة ويرميه إلى صاحبه، ثم جلس على باب الكعبة وأخذ بأيدى الناس ليطلع بهم إلى الكعبة. وتعلق أحد العوام به، فلم يصل إلى يده لازدحام الناس عليه، فتعلق بإحرامه وكاد يرميه إلى الأرض وهو مستبشر بهذا الأمر، وعلق كسوة البيت الشريف ورفعها بيده على أركان البيت الشريف هو وخواصه. وسبل «٢» البيت الشريف

стр. 11824

لسائر الناس، وتردد إلى الصالحين. وكان قاضى القضاة صدر الدين سليمان معه فى طول الطريق يستفتيه. وكتب إلى صاحب اليمن كتابا ينكر «١» عليه أمورا وكتب فيه: «سطرتها من مكة وقد أخذت طريقها فى سبع عشرة خطوة «٢» » يريد بالخطوة المنزلة. وقضى السلطان فرض الحج ومناسكه كما يحب، وحلق، ونحر، وأحسن إلى أميرى مكة، شرفها الله تعالى: الأمير نجم الدين أبى نمى، والأمير إدريس بن قتادة، وإلى صاحب ينبع و [أمير] خليص، وزعماء الحجاز كلهم. وطلب أميرا مكة نائبا من السلطان، فرتب شمس الدين مروان. وزاد أميرى مكة جملة من الغلال فى كل سنة بسبب تسبيل البيت الشريف، وزاد أمراء الحجاز، إلا جما ومالك أميرى المدينة، فإنهما انتزحا من بين يديه. وخرج السلطان من مكة، شرفها الله تعالى، فى ثالث عشر ذى الحجة، ووصل إلى المدينة فى العشرين منه، وخرج فى بكرة النهار الثانى، ووصل إلى الكرك فى يوم الخميس سلخ ذى الحجة.

стр. 11825

واستهلت سنة ثمان وستين وستمائة واستهلت سنة ثمان وستين وستمائة والسلطان الملك الظاهر بقلعة الكرك، فأقام بها حتى صلى الجمعة، وركب من الكرك بعد الصلاة مستهل المحرم فى مائة فارس جريدة، وعلى يد كل واحد من أصحابه جنيب، وساق إلى دمشق. فلما قاريها والناس لا يعلمون شيئا من حاله ولا يجسر أحد يتكلم، سير أحد خواصه فى البريد بكتب البشاير بسلامته وقضاء حجة إلى دمشق. فأحضر الأمير جمال الدين النجيبى الأمراء وغيرهم ليقرأ عليهم كتاب البشرى، فبينما هم فى ذلك وقد بلغهم أن السلطان فى الميدان. فتوجه إليه الأمير جمال الدين النجيبى فوجد السلطان قد نزل بالميدان بمفرده ووهب فرسه لإنسان من منادية سوق الخيل عرفه وقبل الأرض بين يديه، وحضر الأمراء إلى الخدمة وأكلوا شيئا، وتوجهوا ليستريح السلطان، فقام وركب فى جماعته اليسيرة وتوجه إلى حلب، فعادوا إلى الخدمة فلم يجدوا أحدا. ودخل السلطان حلب والأمراء فى الموكب فساق إليهم فما عرفه أحد، وبقى ساعة ثم عرفه الصرورى «١» ، فنزل الأمراء وقبلوا الأرض، ونزل بدار السلطنة بحلب، وشاهد قلعتها، وعاد منها، فوصل إلى دمشق فى ثالث عشر المحرم، ولعب الكرة وركب فى ليلته وتوجه إلى القدس والخليل ﵊ فزار تلك الأماكن المقدسة وتصدق. وكان

стр. 11826

العسكر «١» المصرى قد سبقه صحبة الأمير شمس الدين آقسنقر استاد الدار إلى تل العجول. هذا كله وما غير عباءته التى عليه، وذلك كله فى عشرين يوما. وركب من تل العجول ووصل إلى قلعة الجيل فى ثالث صفر. ثم توجه إلى ثغر الإسكندرية فى ثانى عشر صفر ودخل الثغر فى الحادى والعشرين من الشهر. وكان الصاحب بهاء الدين قد سبقه إلى الثغر وجهز الأموال والتعابى من الأقمشة، فخلع على الأمراء وأنعم عليهم بالتعابى والنفقات. ولعب الكرة بالإسكندرية. وخرج منها إلى الحمامات، ونزل بالليونة «٢» ، وابتاعها من وكيل بيت المال. وبلغه حركة التتار فعاد إلى قلعته، فوصل إليها فى ثامن ربيع الأول سنة ثمان وستين وستمائة. ذكر توجه السلطان إلى الشام جريدة «٣» قال: ولما بلغ السلطان حركة التتار. وأنهم تواعدوا مع فرنج الساحل، وأن التتار أغاروا على الساجور بقرب حلب، وعلى جهة أخرى وأخذوا مواش العربان، فأراح العسكر وجرد الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار بجماعة من

стр. 11827

العسكر ليقيموا فى أوائل البلاد الشامية. وركب فى جماعة يسيرة من قلعته، وذلك فى ليلة الاثنين حادى عشرين شهر ربيع الأول ووصل إلى غزة، وتوالت الأمطار، فوصل إلى دمشق فى سابع شهر ربيع الآخر، ووردت إليه الأخبار برجوع التتار لما بلغهم خروجه، فأغار على عكا، واستولى على بلاد الإسماعيلية على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وأقام السلطان بالشام بقية سنة ثمان وستين وستمائة. وفى هذه السنة نصب الدرابزين على الحجرة الشريفة النبوية. وذلك أن السلطان لما توجه إلى الحجاز رأى الضريح النبوى والزوار تقف إلى جانب الحائط، فرأى أن يعمل درابزبنا ليكون حرما حول الحجرة، فأمر بعمله، فعمل وكمل، وسير إلى المدينة فى سنة ثمان وستين صحبة الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلى، فنصب. وفيها: كانت وفاة قاضى القضاة محيى الدين أبى الفضل يحيى بن قاضى القضاة محيى الدين أبى المعالى محمد بن قاضى القضاة زكى الدين أبى الحسن على ابن قاضى القضاة مجد الدين أبى المعالى محمد بن قاضى القضاة زكى الدين أبى الفضل يحيى بن على بن عبد العزيز العثمانى «١» . وكانت وفاته بفسطاط مصر فى رابع عشر شهر رجب سنة ثمان وستين. ودفن بالقرافة. ومولده بدمشق فى ليلة الجمعة الخامس والعشرين من شعبان سنة ست وتسعين وخمسمائة، ورياسته وأصالته أشهر من أن يأتى عليها. وفيها: توفى الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين على، وزير الصحبة، ضحى يوم الاثنين الحادى والعشرين من شعبان ودفن بكرة نهار الثلاثاء

стр. 11828

بتربتهم بالقرافة. ومولده فى اثنين وعشرين وستمائة بفسطاط مصر، وفوضت وزارة الصحبة بعده لولده الصاحب تاج الدين محمد. وفيها: توفى الصاحب الوزير زين الدين أبو يوسف يعقوب بن عبد الرفيع ابن زيد الزبيرى، المعروف بابن الزبير نسبة إلى الزبير بن العوام الأسدى رضى الله عنه. وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء رابع عشر شهر ربيع الآخر. ومولده سنة ست وثمانين وخمسمائة. وكان عالما فاضلا رئيسا يتكلم باللغة التركية. وزر للملك المظفر فظفر، ثم وزر بعده للسلطان الملك الظاهر أياما، ثم عزله، فلزم داره إلى أن مات، رحمه الله تعالى، وكان له شعر حسن رقيق. وفيها: توفى الشيخ الإمام الخطيب أصيل الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم ابن عمر بن على العوفى الأسعردى المولد. قدم دمشق فى الدولة الصالحية وولى الخطابة بها. ثم عزل بالشيخ عز الدين بن عبد السلام، وعاد ثم عزل بالقاضى عماد الدين بن الحرستانى. وانتقل إلى الديار المصرية صحبة الملك المظفر فى سفرته التى قتل فيها. وتولى خطابة الجامع الصالحى خارج بابى زويلة. وتولى نيابة الحكم بالشارع الأعظم نيابة عن قاضى القضاة بدر الدين السنجارى. واستمر على الخطابة والحكم إلى أن توفى فى يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة سنة ثمان وستين فى بيت الخطابة قبل صلاة الجمعة، وجاء ريس المؤذنين كما جرت العادة فوجده ساجدا وعليه ثياب الخطابة وقد قضى نحبه، فأحضر ولده فى تلك الساعة وأعلم بموت والده، فطلع المنبر وخطب وصلى بالناس. ودفن الخطيب فى بكرة يوم السبت بسفح المقطم بقرافة سارية. وكان لطيفا حسن العبادة والصوت. وله تصانيف ونظم ونثر، رحمه الله تعالى.

стр. 11829

واستهلت سنة تسع وستين وستمائة فى هذه السنة، توجّه السلطان إلى عسقلان فى سابع صفر فهدمها «١» وعفى آثار عمارتها ورمى حجارتها فى ميناها، وعاد فوصل إلى قلعته فى ثامن شهر ربيع الأول. وفيها: هلك الملك المجير هيتوم بن قنسطنطين صاحب سيس «٢» ، ووردت مطالعة ولده ليفون فى سابع عشرين شهر ربيع الأول مضمومها: أنه لما كان فى خامس عشرين تشرين الأول ترهب والده وانتقل إلى الدير وخرج عن أمور الدنيا. فلما كان فى نهار الثلاثاء ثامن عشرين تشرين الأول وهو حادى وعشرين ربيع الأول مات وقت مغيب الشمس، وسأل شموله بالمراحم السلطانية فى ضمه إلى جناح الرحمة. فكتب بتعزيته بأبيه وتهنئته بما صار إليه من الملك، وإطابة قلبه. ذكر القبض على الملك العزيز فخر الدين عثمان بن الملك المغيث صاحب الكرك والأمراء الشهرزورية «٣» قد ذكرنا أن السلطان لما تسلم الكرك من المشار إليه بعض القبض على والده أمّره بمائة فارس. واستمر المذكور فى الخدمة الشريفة ولازم السلطان

стр. 11830

فى أسفاره وغزواته. وكان يلعب معه بالكرة، ويحضر معه فى أوقات الصيد وغير ذلك من مشاهده العامة. وظهرت منه شهامة، وأحسن رماية النشاب وأخذ نفسه فى ذلك بمأخذ الفرسان الشجعان. ولما كان السلطان على هدم عسقلان أفرد له جانبا يهدمه، فمر السلطان عليه فى بعض الأيام وهو قائم يستعمل الرجالة ويحثهم على الهدم ويجتهد فيما هو فيه. فبينما السلطان ينظر إليه ويتأمله إذا انهدم ما تحته من البناء فوثب من مكانه وألقى نفسه إلى الأرض ووثب أخرى فسلم والسلطان ينظر إليه. فعجب السلطان من اهتمامه مع حداثة سنه. ثم عاد إلى ما كان عليه من الهدم ولم يتأثر لذلك. وبينما السلطان فى أواخر هدم عسقلان ورد عليه كتاب نائبه الأمير بدر الدين الخزندار يستحثه على العود إلى قلعة الجبل، ويعلمه أنه لا يأمن وثوب الأمراء الشهرزورية، وأن قدرته تضعف عن مقاومتهم فى غيبة السلطان. وحال ورود كتابه أمر الناس بالرحيل ورجع لوقته إلى الديار المصرية. ولما رجع رمى الملك العزيز بقرة وحش بيده فى أثناء الطريق وحملها إلى السلطان والأمير شمس الدين سنقر الأشقر وغيره من الأمراء عنده. فقال السلطان للأمير شمس الدين المذكور: انظر إلى هذا الصغير وما هو عليه، والله ما يقصر!. فقال له سنقر الأشقر: لقد ربيت حية صغيرة بين ثيابك تنتفغ بها إذا كبرت. وكان سنقر الأشقر يكرهه لقبض أبيه عليه وتسليمه للملك الناصر واعتقاله كما تقدم، فأراد مكافأته فى ولده. ولما وصل السلطان إلى قلعة الجبل فى ثامن شهر ربيع الأول، كما تقدم، نزل إلى الميدان فى يوم الثلاثاء الثانى عشر من الشهر ولعب بالكرة، ودخل الملك العزيز على عادته إلى الميدان ولعب بالكرة، فجاء الأمير شمس الدين سنقر الأشقر ليأخذ الكرة منه، والملك العزيز مجتهد فى ضربها، ورفع جوكانه ليضربها فوقع

стр. 11831

فى رأس الأمير شمس الدين ولم يقصد ذلك، فكاد أن يسقط إلى الأرض لولا [أن] اعتنق عنق فرسه حتى سكن ما به من ألم الضربة. فجاء السلطان إليه وهو يمازحه، فقال له: «كاد هذا الصغير أن يرميك عن فرسك حتى اعتنقت رقبته.» فنظر إلى السلطان وقال: «والله إن كان اليوم ما رمانى، فغدا يرميك أنت، وهذا الصبى والله لك بئس الذخيرة» . فلما كان فى يوم الخميس رابع عشر الشهر جلس السلطان فى مجلسه واستدعى الأمراء الشهرزورية وهم عشرة منهم: الأمير بهاء الدين يعقوبا «١» ، وتوتل، وسنقران وقبض عليهم، وقبض على الملك العزيز معهم واعتقلوا، ثم أحضر الأمراء الشهرزورية وغيرهم وقررهم، فاعترفوا أنهم قصدوا قتل الملك السعيد ابنه، وقيامهم بالأمر فان أطاعهم الناس وإلا أفاموا الملك العزيز، فسألهم: «هل كان هذا الأمر عن مباطنته؟» فحلفوا أنه لم يطلع على ما عزموا عليه ولا باطنهم فيه. واستمر الملك العزيز فى الإعتقال إلى آخر أيام الملك السعيد عند ما حوصر بالقلعة فأفرج عنه وعن الأمراء الشهرزورية وغيرهم. وكان قد رزق أولادا فى اعتقاله فى الدولة الظاهرية، فلما أفرج عنه الملك السعيد أمره أن ينصرف فى حال نفسه ويتوجه إلى الأمراء إن أحب ذلك، أو يقيم بالقلعة إلى أن ينفصل الأمر. وخرج بعض من أفرج عنهم إلى الأمراء فقبضوا عليهم واعتقلوهم، فخشى الملك العزيز من ذلك فسأل أن يرجع إلى معتقله ويقيم مع أولاده فرجع إليهم، فاستمر فى الإعتقال إلى أن ملك الملك الأشرف خليل ابن السلطان الملك المنصور قلاون فأفرج عنه فى سنة تسعين وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 11832

ولنرجع إلى سياقة أخبار الدولة الظاهرية: وفى عاشر جمادى الآخرة من السنة توجه السلطان إلى الشام وصحبته ولده الملك السعيد «١» ، فكان دخول الملك السعيد إلى دمشق فى ثامن شهر رجب. وخرج هو والأمير بدر الدين الخزندار من جهة القطيفة. وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك ووصل إلى طرابلس، فأغار وقتل وفتح صافيتا وحصن الأكراد «٢» وحصن عكا وبلاد الإسماعيلية، وغير ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها فى تاسع شوال: دخل الشيخ خضر شيخ السلطان إلى دمشق، وجاء إلى كنيسة اليهود وأخرجهم منها وجعلها زاوية، وعمل لأصحابه بسيسة عشرة قناطير بالدمشقى، فأكلوا منها، وحضر المغابى تعمل سماعا ورقصوا على بقية البسيسة بأرجلهم، فما أفلح بعد ذلك. فاجتمع اليهود وخرجوا عن مظالم كانت بينهم ورفعوا أصواتهم بالدعاء وقالوا: «يا محمد بن عبد الله، نحن فى ذمتك وعهدك، لا دولة لنا ولا سلطان، فانتصر لنا» . فكانت حادثة السيل، وخروج الشيخ خضر من الكنيسة على صورة منكرة. ذكر حادثة السيل بدمشق «٣» وفى ثانى عشر شوال سنة تسع وستين وستمائة، وهو يوم عيد عنصرة اليهود، جاء سيل عظيم إلى دمشق فى الساعة الثامنة من النهار، وعلا على سور دمشق قدر

стр. 11833

رمح، وفى بعض المواضع أحد عشر ذراعا، ودخل من باب الفراديس بعد أن خرب جسره، وأخرب جسر بابى السلامة وتوما، ووصل إلى المدرسة الفلكية وصار فيها مقدار قامة وبسطة. واستمر ثلاث ساعات من النهار وهبط. وكان مبدأ هذا السيل أنه انعقد على جبال بعلبك غيم متكائف فسمع لرعده دوى هائل فى يوم السبت حادى عشر شوال، وكان بذلك الوادى ثلوج كثيرة، فوقع المطر على الثلوج فحلها، وسال فى يوم الأحد من جهة عين الفيجة بعد أن رمى فيها صخورا عظيمة ساقها بين يديه، واقتلع أشجار جوز عادية، وانتهى إلى دمشق وخرب عدة كثيرة من دور العقبية، وخرب حيطان الميدان وقطاير «١» البساتين، وأهلك خلقا كثيرا من الروم والعجم كانوا قد قدموا حجاجا ونزلوا بالميدان فغرقوا عن آخرهم هم وجمالهم ودوابهم، وأغرق من الحيوانات على اختلاف أجناسها مما لا يعد كثرة، وردم الأنهار بطين أصفر، واقتلع الأشجار من أصولها. ودخل السلطان بعد ذلك بأيام إلى دمشق فما وجد بها ماء ولا حماما يدور، وشرب الناس من الصهاريج والآبار. ويقال إنه هلك بهذا السيل عشرة آلاف نفس، وأخذ الطواحين بحجارتها. وحكى أن فقيرا يعرف بالخبر حضر «٢» إلى دار نائب السلطنة بدمشق قبل هذه الحادثة وقال: «عرفوا الأمير أنى أريد أعدو إلى بعلبك» . فقال له الأمير: «رح، اجر» . وضحكوا منه. فتوجه، وعاد وهو ينذر الناس بالسيل. فضحكوا منه ولم يعبأوا بكلامه. فما أحسّوا إلا والسيل قد هجم.

стр. 11834

وفى هذه السنة: عزل قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان عن قضاء دمشق، وخرج منها فى ذى القعدة. وكانت مدة ولايته عشر سنين سواء. وقلد القضاء بعده بالشام قاضى القضاة، عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر المعروف بابن الصايغ. وكان تقليده قد كتب والسلطان على طرابلس، وتأخر إلى أن حضر السلطان إلى دمشق، وكان وصول السلطان إلى دمشق فى يوم الأربعاء خامس عشر شوال «١» . ذكر سفر الشوانى الإسلامية إلى قبرس وكسرها وأسر من كان بها وخلاصهم وفى شوال سنة تسع وستين وستمائة: كتب السلطان من الشام إلى الديار المصرية بتسفير «٢» الشوانى لقصد قبرس، فأشار ابن حسون برأى كان بئس الرأى، وهو أنه قال: «لو دهنت الشوانى سوادا تشبها بشوانى الفرنج، وعملت لها أعلام بصلبان حتى إذا دخلت إلى بلاد الفرنج يعتقدونها لهم، فتغتنم الغرة منهم» فاتبع رأيه. وتطاير الناس بذلك، وسافرت الشوانى فانكسرت بالقرب من قبرس. فورد كتاب صاحب قبرس إلى السلطان وفيه تقريع: «إن الشوانى كسرها الريح وأخذتها، وهى أحد عشر شينيا، وأسرت من فيها» . فكتب السلطان إلى الديار المصرية وهو بالشام بإنشاء عشرين شينيا، وإحضار خمس شوانى كانت بقوص. وأجاب [السلطان] صاحب قبرس «٣» بتقريع وتوبيخ،

стр. 11835

ويعلمه أنه فتح القرين، فى كلام كثير تركنا ايراده اختصارا. وبقى القواد فى الأسر هم والرماة. ففادى بهم الفرنج أسرى، وبقى الإحتياط على الرؤساء وهم ستة نفر، منهم ريس الإسكندرية، وريس دمياط، وأبو العباس المغربى وغيرهم. واستمروا فى الأسر إلى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وقصد السلطان ابتياعهم وسير الأمير فخر الدين المقرى الحاجب إلى صور بسبب ذلك، فتغالى الفرنج فيهم. وكانوا قد نقلوا إلى عكا وحصل الإحتراز عليهم، وجعلوا فى حبس حصين. فرسم السلطان للأمير سيف الدين بن خطلبا- أحد النواب بصفد- بسرقتهم، فأرغب الموكلين بهم بالمال حتى دخلوا إليهم بمبارد ومناشير، وسرقوا من جب القلعة، وخرجوا فى مركب. وكانت خيل مهيأة، فركبوا ووصلوا إلى القاهرة ولم يدربهم أحد بعكا. ثم قامت فتنة بعكا بسببهم. ذكر عود السلطان إلى قلعته ووصول رسل اليمن، واهتمامه بأمر الشوانى، وما أنعم به من الخلع والخيول على الأمراء والأجناد قال: وسار السلطان إلى الديار المصرية فدخل قلعة الجبل فى ثانى عشر ذى الحجة سنة تسع وستين، وعند وصوله جهز الأمير شمس الدين آقسنقر استاد الدار بالعساكر إلى الشام، فخرجوا فى الشهر المذكور. ووصلت هدية صاحب اليمن فى الشهر [المذكور] وفيها التحف الثمينة وفيل ودب أسود. ووالى السلطان للنزول إلى مصر بنفسه والأمراء فى خدمته لمباشرة عمل الشوانى.
следующие страницы →