← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11831–11870 · переход к 11836.

стр. 11831

فى رأس الأمير شمس الدين ولم يقصد ذلك، فكاد أن يسقط إلى الأرض لولا [أن] اعتنق عنق فرسه حتى سكن ما به من ألم الضربة. فجاء السلطان إليه وهو يمازحه، فقال له: «كاد هذا الصغير أن يرميك عن فرسك حتى اعتنقت رقبته.» فنظر إلى السلطان وقال: «والله إن كان اليوم ما رمانى، فغدا يرميك أنت، وهذا الصبى والله لك بئس الذخيرة» . فلما كان فى يوم الخميس رابع عشر الشهر جلس السلطان فى مجلسه واستدعى الأمراء الشهرزورية وهم عشرة منهم: الأمير بهاء الدين يعقوبا «١» ، وتوتل، وسنقران وقبض عليهم، وقبض على الملك العزيز معهم واعتقلوا، ثم أحضر الأمراء الشهرزورية وغيرهم وقررهم، فاعترفوا أنهم قصدوا قتل الملك السعيد ابنه، وقيامهم بالأمر فان أطاعهم الناس وإلا أفاموا الملك العزيز، فسألهم: «هل كان هذا الأمر عن مباطنته؟» فحلفوا أنه لم يطلع على ما عزموا عليه ولا باطنهم فيه. واستمر الملك العزيز فى الإعتقال إلى آخر أيام الملك السعيد عند ما حوصر بالقلعة فأفرج عنه وعن الأمراء الشهرزورية وغيرهم. وكان قد رزق أولادا فى اعتقاله فى الدولة الظاهرية، فلما أفرج عنه الملك السعيد أمره أن ينصرف فى حال نفسه ويتوجه إلى الأمراء إن أحب ذلك، أو يقيم بالقلعة إلى أن ينفصل الأمر. وخرج بعض من أفرج عنهم إلى الأمراء فقبضوا عليهم واعتقلوهم، فخشى الملك العزيز من ذلك فسأل أن يرجع إلى معتقله ويقيم مع أولاده فرجع إليهم، فاستمر فى الإعتقال إلى أن ملك الملك الأشرف خليل ابن السلطان الملك المنصور قلاون فأفرج عنه فى سنة تسعين وستمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 11832

ولنرجع إلى سياقة أخبار الدولة الظاهرية: وفى عاشر جمادى الآخرة من السنة توجه السلطان إلى الشام وصحبته ولده الملك السعيد «١» ، فكان دخول الملك السعيد إلى دمشق فى ثامن شهر رجب. وخرج هو والأمير بدر الدين الخزندار من جهة القطيفة. وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك ووصل إلى طرابلس، فأغار وقتل وفتح صافيتا وحصن الأكراد «٢» وحصن عكا وبلاد الإسماعيلية، وغير ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها فى تاسع شوال: دخل الشيخ خضر شيخ السلطان إلى دمشق، وجاء إلى كنيسة اليهود وأخرجهم منها وجعلها زاوية، وعمل لأصحابه بسيسة عشرة قناطير بالدمشقى، فأكلوا منها، وحضر المغابى تعمل سماعا ورقصوا على بقية البسيسة بأرجلهم، فما أفلح بعد ذلك. فاجتمع اليهود وخرجوا عن مظالم كانت بينهم ورفعوا أصواتهم بالدعاء وقالوا: «يا محمد بن عبد الله، نحن فى ذمتك وعهدك، لا دولة لنا ولا سلطان، فانتصر لنا» . فكانت حادثة السيل، وخروج الشيخ خضر من الكنيسة على صورة منكرة. ذكر حادثة السيل بدمشق «٣» وفى ثانى عشر شوال سنة تسع وستين وستمائة، وهو يوم عيد عنصرة اليهود، جاء سيل عظيم إلى دمشق فى الساعة الثامنة من النهار، وعلا على سور دمشق قدر

стр. 11833

رمح، وفى بعض المواضع أحد عشر ذراعا، ودخل من باب الفراديس بعد أن خرب جسره، وأخرب جسر بابى السلامة وتوما، ووصل إلى المدرسة الفلكية وصار فيها مقدار قامة وبسطة. واستمر ثلاث ساعات من النهار وهبط. وكان مبدأ هذا السيل أنه انعقد على جبال بعلبك غيم متكائف فسمع لرعده دوى هائل فى يوم السبت حادى عشر شوال، وكان بذلك الوادى ثلوج كثيرة، فوقع المطر على الثلوج فحلها، وسال فى يوم الأحد من جهة عين الفيجة بعد أن رمى فيها صخورا عظيمة ساقها بين يديه، واقتلع أشجار جوز عادية، وانتهى إلى دمشق وخرب عدة كثيرة من دور العقبية، وخرب حيطان الميدان وقطاير «١» البساتين، وأهلك خلقا كثيرا من الروم والعجم كانوا قد قدموا حجاجا ونزلوا بالميدان فغرقوا عن آخرهم هم وجمالهم ودوابهم، وأغرق من الحيوانات على اختلاف أجناسها مما لا يعد كثرة، وردم الأنهار بطين أصفر، واقتلع الأشجار من أصولها. ودخل السلطان بعد ذلك بأيام إلى دمشق فما وجد بها ماء ولا حماما يدور، وشرب الناس من الصهاريج والآبار. ويقال إنه هلك بهذا السيل عشرة آلاف نفس، وأخذ الطواحين بحجارتها. وحكى أن فقيرا يعرف بالخبر حضر «٢» إلى دار نائب السلطنة بدمشق قبل هذه الحادثة وقال: «عرفوا الأمير أنى أريد أعدو إلى بعلبك» . فقال له الأمير: «رح، اجر» . وضحكوا منه. فتوجه، وعاد وهو ينذر الناس بالسيل. فضحكوا منه ولم يعبأوا بكلامه. فما أحسّوا إلا والسيل قد هجم.

стр. 11834

وفى هذه السنة: عزل قاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان عن قضاء دمشق، وخرج منها فى ذى القعدة. وكانت مدة ولايته عشر سنين سواء. وقلد القضاء بعده بالشام قاضى القضاة، عز الدين أبو المفاخر محمد بن عبد القادر المعروف بابن الصايغ. وكان تقليده قد كتب والسلطان على طرابلس، وتأخر إلى أن حضر السلطان إلى دمشق، وكان وصول السلطان إلى دمشق فى يوم الأربعاء خامس عشر شوال «١» . ذكر سفر الشوانى الإسلامية إلى قبرس وكسرها وأسر من كان بها وخلاصهم وفى شوال سنة تسع وستين وستمائة: كتب السلطان من الشام إلى الديار المصرية بتسفير «٢» الشوانى لقصد قبرس، فأشار ابن حسون برأى كان بئس الرأى، وهو أنه قال: «لو دهنت الشوانى سوادا تشبها بشوانى الفرنج، وعملت لها أعلام بصلبان حتى إذا دخلت إلى بلاد الفرنج يعتقدونها لهم، فتغتنم الغرة منهم» فاتبع رأيه. وتطاير الناس بذلك، وسافرت الشوانى فانكسرت بالقرب من قبرس. فورد كتاب صاحب قبرس إلى السلطان وفيه تقريع: «إن الشوانى كسرها الريح وأخذتها، وهى أحد عشر شينيا، وأسرت من فيها» . فكتب السلطان إلى الديار المصرية وهو بالشام بإنشاء عشرين شينيا، وإحضار خمس شوانى كانت بقوص. وأجاب [السلطان] صاحب قبرس «٣» بتقريع وتوبيخ،

стр. 11835

ويعلمه أنه فتح القرين، فى كلام كثير تركنا ايراده اختصارا. وبقى القواد فى الأسر هم والرماة. ففادى بهم الفرنج أسرى، وبقى الإحتياط على الرؤساء وهم ستة نفر، منهم ريس الإسكندرية، وريس دمياط، وأبو العباس المغربى وغيرهم. واستمروا فى الأسر إلى سنة ثلاث وسبعين وستمائة. وقصد السلطان ابتياعهم وسير الأمير فخر الدين المقرى الحاجب إلى صور بسبب ذلك، فتغالى الفرنج فيهم. وكانوا قد نقلوا إلى عكا وحصل الإحتراز عليهم، وجعلوا فى حبس حصين. فرسم السلطان للأمير سيف الدين بن خطلبا- أحد النواب بصفد- بسرقتهم، فأرغب الموكلين بهم بالمال حتى دخلوا إليهم بمبارد ومناشير، وسرقوا من جب القلعة، وخرجوا فى مركب. وكانت خيل مهيأة، فركبوا ووصلوا إلى القاهرة ولم يدربهم أحد بعكا. ثم قامت فتنة بعكا بسببهم. ذكر عود السلطان إلى قلعته ووصول رسل اليمن، واهتمامه بأمر الشوانى، وما أنعم به من الخلع والخيول على الأمراء والأجناد قال: وسار السلطان إلى الديار المصرية فدخل قلعة الجبل فى ثانى عشر ذى الحجة سنة تسع وستين، وعند وصوله جهز الأمير شمس الدين آقسنقر استاد الدار بالعساكر إلى الشام، فخرجوا فى الشهر المذكور. ووصلت هدية صاحب اليمن فى الشهر [المذكور] وفيها التحف الثمينة وفيل ودب أسود. ووالى السلطان للنزول إلى مصر بنفسه والأمراء فى خدمته لمباشرة عمل الشوانى.

стр. 11836

وفى الشهر المذكور خلع وفرق بالميدان على ألف وسبعمائة نفر من الأمراء والحلقة أتمان خيل، وفرق ألفا وثمانمائة وخمسين رأسا، وذلك فى ثانى عشرين الشهر. ثم أعاد العطاء فى الثالث والعشرين منه حتى فرغ الناس وعمهم بالعطاء، ولازم صناعة الإنشاء عدة أيام بسبب الشوانى. ذكر القبض على من يذكر من الأمراء «١» وفى هذه السنة فى خامس عشر ذى الحجة أمر السلطان بالقبض على جماعة من الأمراء، منهم الأمير علم الدين سنجر الحلبى الكبير، والأمير جمال الدين أقش المحمدى، والأمير جمال الدين أيدغدى الحاجبى الناصرى، والأمير عز الدين إيغان الركنى سم الموت، والأمير شمس الدين سنقر المساح، والأمير سيف الدين بيغان «٢» الركنى، والأمير علم الدين سنجر طردح «٣» الآمدى وغيرهم، وحبسوا فى قلعة الجبل. وسبب ذلك أن السلطان بلغه عنهم وهو بالشقيف أنهم قد عزموا على القبض عليه، فأسرها فى نفسه إلى أن وصل إلى القاهرة وقبض عليهم واعتقلهم، ثم أفرج بعد ذلك عن بعضهم. وفيها: فى سابع عشر ذى الحجة تقدم أمر السلطان بإراقة الخمور «٤» فى سائر بلاده، والوعيد لمن يعصرها بعد ذلك بالقتل والنهب. فأهريقت بأعمال بالديار المصرية

стр. 11837

وأبطل ضمانها، وكان فى كل يوم بالديار المصرية خاصة يزيد على ألف دينار. وكتب بذلك توقيع قرىء على الناس بالقاهرة ومصر. وفى هذه السنة: أمر السلطان بإنشاء جامع بمنشاة المهرانى، وهى التى على نهر النيل، والخليج الحاكمى فارق بينهما وبين مصر، فعمّر. وفيها: توفى قاضى القضاة الشيخ شرف الدين أبو حفص عمر بن عبد الله بن صالح بن عيسى السبكى المالكى قاضى قضاة المالكية بالديار المصرية «١» . وكانت وفاته بالقاهرة فى ليلة الأحد الخامس والعشرين من ذى القعدة سنة تسع وستين وستمائة. ودفن من الغد بمقابر باب النصر. ومولده بالصالحية من الأعمال القليوبية فى ذى الحجة سنة خمس وثمانين وخمسمائة. وكان رحمه الله تعالى عالما، وكان قد ولى الحسبة بالقاهرة مدة وعقود الأنكحة، ثم ولى نيابة الحكم بالقاهرة عن قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز. ثم فوض إليه القضاء أحد الأربعة كما تقدم ذكر ذلك، رحمه الله تعالى. وولى بعده قضاء المالكية القاضى نفيس الدين أبو البركات محمد بن القاضى المخلص هبة الله بن القاضى كمال الدين أبى السعادات أحمد بن شكر. وفيها: أيضا توفى القاضى شمس الدين أبو إسحق إبراهيم بن المسلم بن هبة الله ابن البارزى قاضى حماة الشافعى، ﵀، وولى قضاة حماة فى سنة اثنتين وخمسين وستمائة، و؟؟؟ إلى أن توفى الآن. وفيها: كانت وفاة الملك الأمجد تقى الدين أبى الفضائل عباس بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. وهو آخر من مات من أولاد الملك

стр. 11838

العادل، وكان محترما عند الملوك الأيوبية، معظما عند السلطان الملك الظاهر، لا يرتفع عليه أحد فى المجلس ولا الموكب. وكان ﵀ دمت الأخلاق سمحا كريما عاقلا حازما. وكانت وفاته بدمشق فى يوم الجمعة ثانى عشرين جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون، وليس له عقب. وفيها: توفى القاضى كمال الدين أبو السعادات أحمد بن الوزير فخر الدين الأعز أبى الحمايل مقدام بن القاضى كمال الدين أبى السعادات أحمد بن شكر. كان أحد الأكابر المشهورين بالديار المصرية متأهل للوزارة وغيرها. وهو خال قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز، رحمهما الله تعالى، وكانت وفاته بالقاهرة فى السادس والعشرين من شهر رمضان. ودفن من الغد من يوم وفاته بسفح المقطم، وكان يومئذ ناظر بيت المال، رحمه الله تعالى. وفيها: توفى الأمير علم الدين سنجر الصيرفى «١» وكان من أعيان الأمراء بالديار المصرية، فلما تمكن السلطان الملك الظاهر أخرجه إلى الشام وأقطعه إقطاعا جيدا وزاده عدة قرى ببعلبك، فتوجه إليها، فمات فى يوم الأربعاء سادس صفر وهو فى عشر الستين رحمه الله تعالى. وفيها: توفى الشيخ العارف قطب الدين أبو محمد عبد الحق بن إبراهيم بن محمد ابن نصر بن محمد بن سبعين المرسى الزقوطى «٢» ، أحد المشايخ المشهورين بسعة العلم، وله تصانيف عدة وجماعة كثيرة ينسبون إليه، وأقام بمكة سنين كثيرة إلى أن

стр. 11839

توفى بها فى الثامن والعشرين من شوال من هذه السنة، ومولده فى سنة أربع عشرة وستمائة. والزقوطى نسبة إلى حصن من عمل مرسية يسمى زقوطة، رحمه الله تعالى. وفيها: توفى العدل الرئيس زين القضاء أبو المكارم عبد الوهاب بن القاضى الرئيس فخر القضاء أبى الفضائل أحمد بن المرتضى أبى عبد الله محمد بن الجليس أبى المعالى عبد العزيز بن الحسين بن عبد الله بن الحباب التميمى السعدى الأغلبى، سمع وحدّث، وهو من بيت الرياسة والعدالة والفضل بالديار المصرية منذ سكنوها، وهم من ذرية زيادة الله بن الأغلب آخر ملوك بنى الأغلب بأفريقية. وكانت وفاته بمصر فى التاسع والعشرين من جمادى الأول من السنة. ومولده فى غرة المحرم سنة تسع وثمانين وخمسمائة. وفيها: توفى الطواشى الأمير شجاع الدين مرشد الخادم المظفرى عتيق صاحب حماة ومقدم جيشها، وكان من الشجعان الأبطال، وكان إذا حمل فى جيش العدو يقول: أين أصحاب الخصى. وكان السلطان الملك الظاهر يعتمد عليه لأمانته وشجاعته. وكان يتصرف فى المملكة الحموية تصرف ملوكها للوثوق به.

стр. 11840

واستهلت سنة سبعين وستمائة ذكر توجه السلطان إلى الكرك ثم إلى الشام وعزل الأمير جمال الدين النجيبى عن نيابة دمشق وتولية الأمير عز الدين أيدمر نائب الكرك نيابة السلطنة بالشام واستنابة الأمير علاء الدين أيدكن أستاد الدار بالكرك وفى سنة سبعين وستمائة: بلغ السلطان أن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وغيره من العربان تغيرت نياتهم وعزموا على الإنضمام إلى التتار. فعلم أنه إن استدعاهم لا يحضرون وينكشف الحال، وإن قصد الشام تسحبوا، فنزل إلى الميدان فى سابع المحرم وفرق على خواصه أربعمائة ألف درهم، واثنى عشر ألف دينار عينا، وستين حياصة ذهبا، وأمر بتجهيز العساكر إلى عكا بعد الربيع. وتوجه السلطان من قلعته بعد المغرب من ليلة تسفر عن سابع وعشرين المحرم فى جماعة يسيرة من خواصه، وخرج من الزعقة «١» فى البرية إلى الكرك وأخفى مقصده، فوصل فى سادس صفر، وطلع إلى قلعة الكرك، وكتب تقليد الأمير عز الدين أيدمر نائب الكرك بنيابة الشام، ولم يعلمه بذلك [حتى تسلم أيدكين نيابة الكرك] بل أفهمه أنه يستنيبه بحصن الأكراد، وتوجه إلى دمشق فوصل إليها فى ثالث عشر الشهر وسير للأمير جمال الدين النجيبى [نائب دمشق] تشريفا وأمره أن

стр. 11841

أن يتوجه إلى الديار المصرية، وولى الأمير عز الدين ايدمر الظاهرى نيابة السلطنة بالشام. وركب السلطان فى ليلة سادس عشر صفر وتوجه إلى حماة ونزل بظاهرها بالجوسق، ونزل صاحب حماة فى خيمة أسوة الناس، ورتب استاد داره وأمير جانداره وحواشيه فى خدمة السلطان لأنه كان جريدة. فكان أول ما شرع فيه أمر العربان. وكان سبب نفورهم أشياء من جملتها أخذ أولادهم رهائن. ولما وصل إلى حماة وجد عثمان بن مانع وعمرو بن مخلول وجماعة من أكابر العربان بغتة فأكرمهم، وما أظهر لهم شيئا، وكتب إلى الأمير شرف الدين عيسى ابن مهنا يطلب منه فرس فلان، والفرس الفلانى تسكينا له، وكان عيسى قد كتب إلى السلطان قبل خروجه من الديار المصرية يستأذن فى الحضور خديعة، فخدعه السلطان ورسم أن لا يحضر حتى يطلب. فكتب إليه الآن: «إنك كنت طلبت الحضور، ونحن الآن بحماة، فإن أردت الحضور فاحضر» . فحضر فسأله السلطان عما نقل عنه العربان، فاعترف به، فرعى له حق الصدق. وأحسن إليه وإلى أمراء العربان، وأطلق رهائنهم، وأطلق لعيسى نصف خبزه الذى كان أخذه منه فى سنة ثمان وستين من سلمية وغيرها، وهو مائة ألف وثلاثون ألف درهم، وأطلق له من حلب ألف مكوك غلة إنعاما، وأطلق لغيره من العربان من خمسمائة مكوك إلى ما دونها. وفى مستهل شهر ربيع الأول، ركب السلطان من حماة بعد العشاء الآخرة ولم يعلم بقصده، وسار على طريق حلب، ثم عرج فأصبح بظاهر حمص، وتوجه إلى حصنى الأكراد وعكار فكشفهما «١» ، وتوجه إلى دمشق.

стр. 11842

وورد الخبر أن جماعة من التتار أغاروا على عين تاب، وتوجهوا إلى عمق حارم «١» فى نصف شهر ربيع الأول، فكتب [السلطان] إلى الديار المصرية بتجريد الأمير بدر الدين بيسرى بثلاثة آلاف فارس، وتوجه بذلك صارم الدين المشرقى، وخرج من دمشق الثالثة من نهار الأحد ثامن عشر شهر ربيع الأول، ودخل القاهرة الثالثة من ليلة الأربعاء حادى عشرينه، فخرج الأمير بدر الدين بيسرى والعسكر بكرة نهار الأربعاء المذكور. ووصل الأمير شمس الدين أستاد الدار بالعسكر المجرد وكانوا على جينين وهم خمسمائة فارس. وكان التتار قد أغاروا على حارم والمروج وقتلوا جماعة، وتأخر ابن مجلى والعسكر الحلبى إلى حماة، وجفل أهل دمشق، وبلغت قيمة الجمل ألف درهم، وأجرته إلى مصر مائتى درهم. ووصل الأمير بدر الدين بيسرى والعسكر إلى دمشق فى رابع شهر ربيع الآخر، وتوجه السلطان بالعسكر إلى حلب، وجرد الأمير شمس الدين أستاد الدار وجماعة معه إلى مرعشن، وجرد الأمير الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى والأمير شرف الدين عيسى بن مهنا إلى حران والرها، فتوجها ووصلا إلى حران، فاتصل الخبر بمن فيها من نواب التتار فخرجوا فالتقاهم الأمير شرف الدين عيسى وطاردهم وطاردوه، ثم وصل العسكر فخرج عليهم كمينه، فلما رأوه نزلوا عن خيولهم، وقبلوا الأرض، وألقوا سلاحهم، فقبضوا عن آخرهم، فكانوا ستين رجلا. ثم سار الأمير علاء الدين طيبرس إلى حران، فلما أشرف عليها أغلق من فيها أبوابها وتركوا بابا واحدا، فخرج منه الشيخ محاسن أحد أصحاب الشيخ

стр. 11843

حياة ومعه جماعة كثيرة، وذلك فى يوم الثلاثاء سادس عشر شهر ربيع الآخر، وأخرج لهم طعاما قليلا لأجل البركة، فتلقاه الأمير علاء الدين وترجل له. فلما اجتمع به أخرج له الشيخ مفاتيح حران وقال له: «هذا بلد السلطان فتسلمه» . فقال له: «طيب قلوب الجماعة ويكونون «١» على ما هم عليه إلى أن يصل السلطان» . وعصى برج باب يزيد وفيه شحنة التتار فطلبه فامتنع، وقال: «اذا جاء السلطان خرجت إليه» ؛ فعاد الأمير علاء الدين طيبرس ولم يدخل حران، وعبر الفرات سباحة. وبعد توجهه فارق أكابر أهل حران البلد ووصلوا إلى دمشق مثل: أمين الدين بن شقير، وخطيبها الشيخ شهاب الدين بن تيمية، وأولاد بشر، وابن علوان وغيرهم. وأقام جماعة كثيرة من أهل حران بحلب وحماة وحمص وتفرقوا فى البلاد، وبقى جماعة بحران. فلما كان فى الخامس والعشرين من شهر رمضان من السنة، وصل جماعة من التتار إلى حران،؟؟؟ أسوارها وأكثر أسوافها ودورها ونقضوا جامعها وأخذوا أخشاب سقوفه، واستصحبوا معهم من بقى فيها، فخربت وأخليت و؟؟؟ إلى الآن. وكانت من المدن الجليلة. ذكر عود السلطان من حلب ورجوعه إلى الديار المصرية وعوده إلى الشام «٢» وفى آخر شهر ربيع الآخر بلغ السلطان أن الفرنج أغاروا على قاقون، وقتل

стр. 11844

الأمير حسام الدين استاد الدار، وجرح الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق وجرح [بجكا العلائى] والى قاقون. فرحل السلطان من حلب، ودخل دمشق وبين يديه التتار الذين أسروا من حران. وأما الفرنج فإنهم لما قصدهم العسكر المجرد بقاقون تأخروا عنها، ووصل الأمير جمال الدين أقش الشمسى بعسكر عين جالوت، فولوا مدبرين، ولحقهم العسكر واسترجع منهم تركمانا، وقتل من رجالتهم وعرقب من خيولهم [خمسمائة رأس] . وخرج السلطان من دمشق فى ثالث جمادى الأول وصحبته العساكر بنية الغارة على الفرنج، وقصد عكا فتوالت الأمطار وهو على مرج برغوث «١» حتى كاد الناس يهلكون. فانثنى عزمه عن الإغارة. ورد العسكر الشامى وصار إلى الديار المصرية. فوصل إلى قلعة الجبل فى الثالث والعشرين من جمادى الأول وأقام بقلعته أياما. ثم توجه إلى الجيزية للتنزه فى يوم الأربعاء ثالث جمادى الآخرة فى جماعة من أمرائه وخواصه، فحضر إليه مطالبيه، وأخبروه أن بناحية بوصير السدر من الجيزية مغارة بها مطلب. فتوجه إليها وأمر بحفرها. فجمع متولى الجيزية جماعة، فحفروا وأعمقوا، فأخرجوا قطاطا ميتة، وكلاب صيد، وطيورا وغير ذلك من الحيوانات، وهى ملفوفة فى خرق، فإذا حلت اللفائف عنها وأصابها الهواء صارت ترابا تذروه الرياح، ولم يوجد فيها خلاف ذلك. وعاد السلطان من الجيزية فى يوم الثلاثاء العشرين من الشهر.

стр. 11845

ذكر إيقاع الحوطة على القاضى شمس الدين الحنبلى واعتقاله «١» وفى سنة سبعين وستمائة: أمر السلطان بإيقاع الحوطة على منزل قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين إبراهيم المقدسى الحنبلى. وسبب ذلك أن تقى الدين شبيب الحرانى كان أخوه ينوب عن قاضى القضاة المشار إليه بالمحلة فعزله، فغضب أخوه المذكور لذلك، وكتب رقعة إلى السلطان يقول: «إن القاضى شمس الدين عنده ودائع للتجار من أهل بغداد وحران والشام وغيرهم جملة كثيرة، وقد مات بعض أهلها واستولى عليها» . فاستدعاه السلطان وسأله عن ذلك فأنكره وجحد، فطلب منه اليمين فحلف وتأول يمينه. فعند ذلك أمر السلطان بهجم داره، فهجمت ووجد فيها كثير مما ادعاه شبيب، بعضه قد مات أربابه، فأخذت زكاة ما وجد مدة ستين. وسلم ما بقى لأصحابه. فغضب السلطان عند ذلك على قاضى القضاة، وأمر باعتقاله، وتوجه السلطان إلى الشام وهو فى الإعتقال، فتسلط شبيب عليه حينئذ وادعى أنه حشوى وأنه يقدح فى الدولة. وكتب بذلك محضرا، فأمر الأمير بدر الدين الخزندار نائب السلطنة بعقد مجلس، فعقد له يوم الاثنين حادى عشر شعبان من السنة واستدعى من شهد فى المحضر، فنكل بعضهم عن الشهادة فأطلقوا، وشهد الباقون، فأخرق بهم وجرسوا. ثم تبين للأمير بدر الدين الخزندار تحامل شبيب لما ظهر له من إساءته على القاضى شمس الدين والقدح فيه، فأمر باعتقاله

стр. 11846

والحوطة على موجوده. وأعاد القاضى إلى الإعتقال فاستمر به إلى أن أفرج عنه فى النصف من شعبان سنة اثنتين وسبعين وستمائة، [ولم يول السلطان بعده قضاء الحنابلة أحدا] «١» ذكر توجه السلطان إلى الصيد ثم إلى الشام «٢» قال: ولما عاد السلطان من الجيزية، أقام بقلعة الجبل إلى شهر رجب من هذه السنة، وخرج متصيدا إلى جهة الصالحية، فبلغه حركة التتار فرجع إلى القلعة وتجهز. وخرج إلى الشام فى ثالث شعبان من السنة، ونزل بمرج قيسارية وحصلت الهدنة مع الفرنج «٣» . ونزل السلطان بمنزلة الروحاء وعيّد بها عيد الفطر، ورحل منها فى ثانى شوال إلى خربة اللصوص، ثم توجه إلى دمشق. ووردت رسل التتار، وهم رسل صمغار مقدم عسكر التتار بالروم، ورسل البرواناه، فحضروا بين يدى السلطان وسمع مشافهتهم، وتضمن الكتاب الذى على أيديهم الرغبة فى الصلح وطلب رسل من السلطان. فجهز إليهم الأمير مبارز الدين الطورى أمير طير، والأمير فخر الدين المقرى الحاجب، فتوجها هما

стр. 11847

والرسل فى نصف شوال سنة سبعين، واجتمعا بصمغار، بين سيواس والجسر، فأكرمهم وأوصلوه ما كان معهم من الهدية، وهى: قسى تسعة، دبابيس تسعة. واعتذروا عن قلتها كونهم حضروا على خيل البريد. وفى اليوم الثانى اجتمعا بالبرواناه واعطياه قماشا فاخرا كان السلطان قد سيره إليه خفية، وسير معهما هدية لأبغا بن هولاكو، وهى جوشن ريش قنفد، وخوذه كذلك، وسيف، وقوس، ودركاش «١» ، وتسع فردات نشابا، وتوجهوا صحبة البرواناه إلى الأردو، وأوصلوا إلى أبغا هديته. وقال له الأمير مبارز الدين الطورى: «السلطان يسلم عليك ويقول: إن رسل منكوتمر وردوا إليه مرارا، أن السلطان يركب من جهته. ويركب الملك منكوتمر من جهته، وأين وصلت خيل سلطاننا كان له، وأين وصلت خيل منكوتمر كان له» فانزعج أبغا انزعاجا عظيما، وقام وركب وخرجت الرسل إلى خيامهم، ثم طلب أمراءه للشورة «٢» ، وبعد ذلك خلع على الرسل وأذن لهم فى السفر فعادوا. وأما السلطان فإنه أقام بدمشق حتى ضحى بها، وأحسن إلى صاحب حماة، وأمر بجلوسه معه بطراحة ومسند وكرسى فى رأس السياط مسامتا للسلطان. ثم توجه بعد ذلك إلى حصنى الأكراد وعكار «٣» وشاهد العمارة بهما، وعمل بيده، وخلع على من بحصن الأكراد من الأمراء وأرباب الوظائف. وعاد فتصيّد فى الطريق وخلع مقدار خمسمائة تشريف على من أحضر صيدا، ورجع إلى دمشق فدخلها فى خامس المحرم سنة إحدى وسبعين.

стр. 11848

وفى سنة سبعين وستمائة: كانت وفاة الملك الأمجد أبى الحسن بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب «١» ، رحمهم الله تعالى، بدمشق فجأة فى يوم الاثنين سادس عشر جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون وله من العمر ما ينيف على خمسين سنة تقريبا. وكان من الفضلاء، وله مشاركة فى العلوم ومعرفة بالأدب، وتنقلت به الأحوال فى عمره، وصحب الفقراء والمشايخ، وانتفع بهم وأخذ عنهم. وكان كثير البرّ لمن يصحبه من المشايخ. وكانت همته عالية ونفسه ملوكية، وله صبر على المكاره. وكان جميع أهل بيته يعظمونه ويعترفون له بالتقدمة، حتى هم أبيه الملك الأمجد تقى الدين الذى قدمنا ذكر وفاته. وكان حسن الخط والترسل، وكان واسطة عقد هذا البيت. فإن أمه ابنة الملك الأمجد مجد الدين حسن بن السلطان الملك العادل الكبير، تسمى باسم جده. وإلى جده لأمه المذكور ابن الملك العادل ينسب الغور الأمجدى وهو الخميلة، والنويعمة «٢» ، ودامية، والحمام، وورثة أولاد الملك الناصر عن أمهم. وتزوج الملك الأمجد هذا ابن الملك الناصر داود، ابنة الملك العزيز غياث الدين بن الملك الظاهر أخت الملك الناصر صاحب الشام وأولدها ولدا سماه صلاح الدين محمود. وفيها: توفى الصدر الكبير وجيه الدين أبو عبد الله محمد بن على بن سويد بن معالى بن محمد بن أبى بكر الربعى التغلبى التكريتى التاجر «٣» المشهور بسعة المال والثروة

стр. 11849

والجاه ونفوذ الكلمة، [بلغ] مالم يبلغه أحد من أمثاله. وكانت كتبه تنفذ عند سائر الملوك، حتى عند ملوك الفرنج بالساحل. وكانت النجابون تأتيه من بغداد إلى دمشق فى مهمات تتعلق بالخلافة. وكانت متاجره لا يتعرض إليها. وكان خصيصا بالملك الناصر صاحب الشام لا يخرج عن إشارته ورأيه. وانبسطت يده فى دولته. وكان عنده فضة كثيرة، مراود وجسرا «١» ، فاستأذن الملك الناصر على ضربها دراهم فأذن له، وجعل دار الضرب بدمشق بيده، فضرب منها شيئا كثيرا، وكانت مغشوشة، فخسر الناس فيها أموالهم. ولما ملك هولاكو البلاد وصل إليه فرسان من جهتة يتضمن تأمينه على نفسه وماله فما وثق به. وفارق دمشق إلى الديار المصرية. وغرم جملة مقارب ألف ألف درهم بسبب الدراهم المغشوشة وغيرها. ثم تمكن فى الدولة الظاهرية تمكنا كبيرا، ووكله السلطان الملك الظاهر، وجعله وصيّه على أولاده من بعده وناظر أوقافه، وخوطب فى مكاتباته بالمجلس السامى المولوى. وكان مع تمكنه من الملك الناصر لا يكتب له عنه إلا الصدر الأجل. وكان سبب تمكنه من السلطان الملك الظاهر ما حكاه شمس الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر الجزرى فى تاريخه عن والده، رحمه الله تعالى، قال: كنت عند وجيه الدين فى داره فى أيام الملك الناصر، وقد جاء إليه الملك الظاهر وهو يومئذ فى خدمة الملك الناصر من أمرائه، وشكى إليه ضعف إقطاعه، وأنه قد ركبه دين كثير، وليس عنده كسوة لصغاره، وسأله أن يتحدث له مع الملك الناصر، وكان قد وصل إلى وجيه الدين فى تلك الساعة من عكا جوخ سقلاط وغيره، فأعطاه منه كفاية

стр. 11850

عشرة أقبية، وخرق كتان فرنجى مائتى دراع، وخمس تقاطيع سكندرى، وتفصيلتين حرير، وألف درهم. وقال له: «ياخوند «١» مهما كان لك من حاجة أو خدمة أطلب ذلك منى، ولا حاجة بقول السلطان» . قال: والله لقد رأيت الملك الظاهر وقد أهوى إلى أقدام وجيه الدين ليقبلها، فرعى له السلطان الملك الظاهر حق هذا الإحسان. وملك وجيه الدين المذكور عدة من ضياع دمشق وأملاكها. وكان مع ذلك كله فيما حكى عنه شحيحا على طعامه، لكنه كان يتكرم بماله. وكانت وفاته بدمشق فى ليلة الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة سبعين وستمائة. ومولده بتكريت فى ذى القعده سنة تسع وستمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 11851

واستهلت سنة إحدى وسبعين وستمائة ذكر توجه السلطان إلى الديار المصرية على خيل البريد وعوده إلى الشام قال: لما عاد السلطان من كشف الحصون فى خامس المحرم من هذه السنة، استشار خواص الأمراء فى أن التتار تواترت الأخبار بحركتهم، وأنهم متى قصدوا البلاد والعساكر والخزائن غير حاضرة صعب الأمر، وعرفهم أنه بتوجه إلى الديار المصرية على البريد. وركب ليلة السادس من المحرم بعد عشاء الآخرة، وصحبته الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير جمال الدين أقش الرومى، وجبرك «١» السلاح دار، وجرمك الناصرى، وسنقر الألفى السلاح دار، وعلم الدين شقير مقدّم البريدية. فدخل قلعته يوم السبت ثالث عشر المحرم، ولم يشعر الناس إلا وهو داخل من باب القلعة، فدخل وتوجه إلى الميدان ولعب الكرة، وكتب إلى الأمراء المقيمين بالشام أنه سطرها من البيرة، وسير علائم بخطه ليكتب عليها أجوبة البريد من دمشق إلى الأطراف. وكان الأمير سيف الدين الدوادار بقلعة دمشق لتجهيز الكتب والبريد. وفى يوم الثنين توجه إلى مصر وركب فى البحر ولعبت الشوانى. وفى ليلة الأربعاء سابع عشرين المحرم جهز العسكر المجرد إلى الشام،

стр. 11852

وتوجه هو إلى الشام فى ليلة التاسع والعشرين من الشهر هو ومن كان معه من الأمراء. ووصل إلى دمشق فى ثالث صفر، ودخل قلعتها ليلا. وحضر إليه رسل أبغا وكان مضمون مشافهتهم طلب الاتفاق. ثم توجه السلطان إلى قلعة البيرة عند ما نازلها التتار. وكان من انهزامهم ما نذكره إن شاء الله تعالى فى الغزوات والفتوحات. ثم عاد السلطان إلى الديار المصرية فدخل قلعته فى الخامس والعشرين من جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعين وستمائة. وفى السابع والعشرين من الشهر: أفرج عن الأمير عز الدين الدمياطى «١» وأنزله بدار الوزارة ورتب له الرواتب، وكان فى الإعتقال من شهر رجب سنة إحدى وستين وستمائة. وفى شهر رجب: خلع السلطان على الأمراء والوزراء والقضاة «٢» والمقدمين، وعم بذلك المسافرين والمقيمين. وفى هذه السنة: نجزت عمارة قبة الصخرة الشريفة «٣» ، وذلك فى يوم عرفة، وكان السلطان قد توجه إليها وجميع الصناع لعمارتها كما قدمناه. ذكر اعتقال الشيخ خضر «٤» والأسباب التى أوجبت ذلك وفى يوم الاثنين ثانى عشر شوال سنة إحدى وسبعين: أحضر الشيخ خضر

стр. 11853

ابن أبى بكر بن موسى العدوى المهرانى شيخ السلطان إلى قلعة الجبل، وأحضر جماعة خانقوه على أشياء كثيرة منها اللواط والزنا وغيره، فتقدم أمر السلطان باعتقاله. وكان سبب ذلك أنه تعاطى أمورا منكرة وأفحش، ثم شرع يغض من الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائب السلطنة، والصاحب بهاء الدين، وانتقل إلى حد المهاجرة لهما بالقول بحضرة السلطان، وهو أن السلطان أطلق له شيئا فتوقف الأمير بدر الدين فى إمضائه، فقال له بين يدى السلطان: «كأنك تشفق على السلطان وعلى أولاده، كما فعل قطز بأولاد الملك المعز» . فخشى عاقبة ذلك. فاتفق هو والصاحب بهاء الدين على التدبير عليه وإطلاع السلطان على ما خفى عنه من حقيقة حاله، ووافقهما على ذلك الأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بالشام، ورتبه، وذلك أنه طلب إسماعيل ومظفر نائبه بدمشق وآخر من أتباعه اسمه محمد بن بطيخ وتهددهم أولا، ثم وعدهم أنهم متى اعترفوا على شيخهم بما يعتمده أحسن إليهم وجعل لهم الرواتب. فذكروا عنه أشياء كثيرة وأشهدوا على أنفسهم بذلك. فكاتب السلطان فى أمره، فأمر بإرسالهم على خيل البريد فأرسلوا. ولما حضروا بين يدى السلطان سمع كلامهم. ثم أحضره وقال له: «هؤلاء نوابك بالشام، ما تقول فيهم؟» فذكر من خبرهم وصدقهم وأنه رضى بما يقولونه فيه. فذكروا عنه من القبائح والمنكرات وارتكاب المحرمات شيئا كثيرا، وخانقوه على ذلك. فأطلقهم السلطان وأمر بإيقاع الحوطة على موجوده. وحكى الشيخ قطب الدين اليونينى فى تاريخه: أنه لما حضر أولئك لمخانقته كان ذلك بحضور الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب الأتابك، والأمير سيف الدين قلاون، والأمير بدر الدين بيسرى، والأمير سيف الدين قشتمر

стр. 11854

العجمى، فخانقه أصحابه على كل عظيمة لا تصدر من مسلم. فقال: «ما أعرف ما تقولون. ومع هذا، أنا ما قلت إنى رجل صالح، أنتم قلتم هذا. فإن كان الذى تقولون صحيح فأنتم كذبتم» . فقام السلطان وقال للأمراء: «قوموا بنا لئلا نحترق بمجاورته» . فقاموا وانتقلوا إلى طرف الإيوان. فاستشار السلطان الأمراء فى أمره، فقال له الأتابك: «هذا مطلع على أسرار الدولة وبواطن أحوالها وما ينبغى إبقاؤه، ووافقه من حضر من الأمراء على هذا الرأى، وقالوا: ببعض ما قيل عنه يباح دمه. ففهم ما هم فيه، فقال للسلطان: «اسمع ما أقول لك، أنا أجلى قريب من أجلك، وما بينى وبينك إلا مدة أيام يسيرة، من مات منا لحقه الآخر عن قريب» . فلما سمع السلطان كلامه وجم، وقال للأمراء: «ما تشيرون فى هذا» ؟ فسكتوا. فقال السلطان: «أرى أن يحبس فى مكان لا يصل إليه أحد ولا يسمع كلامه، فيكون كمن قبر وهو حى» . ثم أمر به فحبس فى مكان منفرد بقلعة الجبل، ولم يدخل إليه إلا من يثق السلطان به غاية الوثوق. وكان يرسل إليه الأطعمة الفاخرة والفواكه والملابس، واستمر فى الإعتقال إلى أن توفى فى سنة ست وسبعين وستمائة قبل وفاة السلطان بأحد وعشرين يوما. وسنذكر إن شاء الله تعالى، مبدأ أمره وسياقة أخباره عند ذكر وفاته. وفيها: هرب الأمير عمرو بن مخلول من آل فضل من قلعة عجلون هو وحامد رفيقه. وكان السلطان قد اعتقلهما فى برج من أبراج القلعة، فحفر حفيرة ملاصقة للسور ووقدوا النار حتى تكلس حجر السور، فنقباه وخرجا منه، وقد كانت أعدت لهما خيل سوابق فركباها وتوجها إلى بلاد التتار، ثم ندما على ما فعلاه، فكتبا إلى السلطان يسألان مراحمه، فحلف أنه لا يرضى عنهما إلا أن

стр. 11855

يعودا الى قلعة عجلون ويضعا أرجلهما فى القيود على ما كانا عليه، ففعلا ذلك. وكان عودهما من بلاد التتار فى ذى الحجة سنة اثنين وسبعين وستمائة. ولما رجعا إلى الطاعة وفعلا ما أمر السلطان به عفا عنهما وأطلقهما وأحسن إليهما. وفى هذه السنة فى رابع عشرين ذى الحجة: توفى الملك المغيث فتح الدين عمر ابن الملك الفائز إبراهيم بن الملك السلطان العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، رحمهم الله تعالى، فى معتقله بجب خزانة البنود، ودفن بتربتهم بالقرافة بجوار الإمام الشافعى. ومولده فى صفر سنة ست وستمائه، رحمه الله تعالى «١» . وفيها: كانت وفاة الأمير سيف الدين محمد بن الأمير مظفر الدين عثمان ابن الأمير ناصر الدين منكورس بن بدر الدين خمردكين «٢» صاحب صهيون وبرزية فى شهر ربيع الأول. وكانت وفاته بصهيون وقد ناف على ستين سنة، ودفن بتربة والده. وتسلم صهيون وبرزية بعده ولده الأمير سابق الدين سليمان، ثم أخذهما السلطان منه فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: كانت وفاة الحافظ الخطيب فخر الدين أبى محمد وأبى الفرج عبد القاهر ابن الشيخ علاء الدين عبد الغنى بن محمد بن تيمية الحرانى. وكانت وفاته بدمشق فى ثانى عشر شوال من هذه السنة. ودفن بمقابر الصوفية. ومولده فى سنة ثنتى عشرة وستمائة، سمع الحديث من جده ومن ابن اللتى، وخطب بجامع حران وكان فاضلا دينيا، وهو من بيت معروف بالعلم والفضيلة، رحمه الله تعالى «٣» .

стр. 11856

واستهلت سنة اثنتين وسبعين وستمائة ذكر الطلسم الذى وجد بباب القصر بالقاهرة قال المولى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر، رحمه الله تعالى، فى السيرة الظاهرية: لما كان يوم عاشوراء من هذه السنة وجد ما سنذكره «١» ، وذلك أنه كان قد رسم بنقض علو أحد أبواب «٢» القصر المسمى بباب البحر قبالة دار الحديث الكاملية، لأجل نقل عمد منه لبعض العمائر السلطانية، فظهر صندوق فى حائط مبنى عليه، وللوقت أحضرت الشهود وجماعة كثيرة وفتح الصندوق. فوجد فيه صورة من نحاس أصفر مفرغ على كرسى شكل الهرم، ارتفاعه قدر شبر له أربعة أرجل تحمل الكرسى، والصنم جالس عليه متوركا، وله يدان مرفوعتان ارتفاعا جيدا، يحمل صفيحة يكون دورها قريب الثلاثة أشبار، وفى هذه الصفيحة أشكال بايتة «٣» ، الأوسط صورة رأس بغير جسد، وعليه دوائر مكتوب عليها كتابة بالقبطى بالقلفطريّات «٤» ، وإلى جانبها فى الصفيحة شكل له قرنان يشبه شكل السنبلة، وإلى الجانب الآخر شكل على رأسه صليب، وآخر فى يده عكاز وعلى رأسه صليب وتحت أرجلهما أشكال طيور. وفوق رءوس الأشكال كتابة كثيرة أكثر من

стр. 11857

نصف الصفيحة. وعلى الأشكال كتابة. ووجد مع هذا الصنم فى الصندوق لوح من الواح الصبيان التى يكتبون فيها فى المكاتب مدهون وجهه الواحد «١» أبيض، ووجهه الآخر أحمر، وفيه كتابة قد تكشّط أكثرها من طول المدة وقد بلى اللوح وما يقيت الكتابة تلتئم ولا الخط يفهم. قال: والوجه الأبيض مكتوب بقلم الصفيحة القبطىّ. وذكر ما ظهر من الكتابة على الوجه الأحمر وهى ثلاثة عشر سطرا، ذكر ألفاظا غير ملتئمة، إلا أن المفهوم منها على غير التئامة: «الإسكندر ذو الملك يزجر» . وذكر ما ظهر فى كل سطر، وأخلى لما تكشط منه مما لا فائدة فى ذكره، والذى شرحه من السطر الثانى عشر ما صورته: «شد أيضا كل امار «٢» أشد به» . قال: وقيل إن هذا اللوح بخط الحاكم خليفة مصر. وأعجب ما فيه اسم السلطان وهو بيبرس. قال: ولما شاهد السلطان ذلك أمر بقراءته، فعرض على قراء الأقلام، فقرىء، وهو بالقلم الفبطى، ومضمونه طلسم عمل للظاهر بن الحاكم، وفيه أسماء ملائكة وعزائم ورقىّ وأسماء روحانية وصور ملائكة، وأكثره حرس للديار المصرية وثغورها وصرف الأعداء وكفهم عن طروقهم إليها، وابتهال إلى الله بأقسام كثيرة بحماية الديار المصرية، وصونها من الأعداء، وحفظها من كل طارق ومن جميع الأجناس. قال: وتضمن هذا الطلسم كتابه بالقلفطريات «٣» وأوفاق وصور وخواص لا يعلمها إلا الله تعالى. وحمل هذا الطلسم إلى السلطان فبقى فى ذخائره.

стр. 11858

قال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر: رأيت فى كتاب عتيق رث «١» سماه مصنفه: وصية الإمام العزيز والد الإمام الحاكم لولده المذكور، وقد ذكر فيه الطلسمات التى على أبواب القصر. وقال: إن أول الكواكب الحمل، وهو قلب المريخ، وشرف الشمس، وله القوة على جميع سلطان الفلك، لأنه صاحب السيف، وله الأمر والحرب والسلطان والقوة، والمستولى لقوة روحانيته على مدينتنا عند ما بنيناها. وقد أقمنا طلسما لساعته ويومه لقهر الأعداء وذل المنافقين، فى مكان أحكمناه على شرافة عليه «٢» والحصن الجامع لقصره مجاور لأول باب بنيناه. هذا نص ما فى الكتاب، والله أعلم. ذكر توجه السلطان إلى الشام «٣» وفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة: وردت الأخبار بحركة أبغا بن هولاكو ملك التتار، فخرج السلطان فى ليلة السادس والعشرين من المحرم، وصحبته جماعة من أمرائه الخواص، منهم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، والأمير سيف الدين أوتامش «٤» السعدى. فلما وصل إلى عسقلان بلغه أن أبغا وصل إلى بغداد وقد خرج إلى الزاب متصيدا، فكتب إلى القاهرة يستدعى العساكر. فخرج منها يوم السبت حادى عشر صفر أربعة آلاف فارس [مع] مقدميهم: الأمير علاء الدين طيبرس الوزير، والأمير جمال الدين أقش

стр. 11859

الرومى، والأمير شمس الدين أقش المعروف «١» بقطليجا، والأمير علم الدين سنجر طردح «٢» . ورحلوا من البركة فى يوم الاثنين. ثم قويت الأخبار، وهو فى أثناء الطريق بحركة التتار، فكتب السلطان بخروج العساكر جميعها والعربان من الديار المصرية صحبة بدر الدين بيليك الخزندار، ورسم بأن جميع من فى مملكته ممن له فرس يركب إلى الغزاة، وأن يخرج أهل كل قرية بالشام من بينهم خيالة على قدر حال أهل البلد، ويقومون بكلفتهم. ودخل السلطان إلى دمشق فى سابع عشر صفر. وكان رحيل العساكر من القاهرة فى العشرين من صفر، فوصلوا إلى يافا، وورد المرسوم بنزولهم قريبا منها، وركب السلطان من دمشق فى نحو أربعين فارسا جرائد، ولم يستصحبوا ركاب دار السلطان ولا غيره «٣» . فوصل وقد طلّبت العساكر وقاربوا المنزلة، فاعترضهم السلطان وجماعته وقد ضرب كل منهم على وجهه لثاما، فظن الحجاب أنهم من التركمان، فرسموا لهم بالترجل فما ترجلوا «٤» . وساق السلطان منفردا وجاء من خلف الصناجق وحسر اللثام عن وجهه، فعرفه السلاح دارية فأفرجوا له، فدخل وساق فى الموكب فنزل الناس وقبلوا الأرض، وساق السلطان ونزل بدهليزه فرتب المصالح. وأصبح فى اليوم الثانى وركب فى موكبه، ونزل فقضى حوائج الناس وركب عند المساء، هو ومن حضر معه وعاد إلى دمشق.

стр. 11860

ذكر وصول الملك شمس الدين بهادر صاحب شميصاط «١» وشىء من أخباره هذا المذكور هو الملك شمس الدين بهادر بن الملك فرج «٢» ، أمير الطست للسلطان جلال الدين خوارزم شاه منكربرتى، وكان والده قد ملك بعد السلطان جلال الدين قلعة كيران «٣» وست قلاع أخرى فى ناحية نقجوان «٤» . ووصل إلى بلاد الروم فأقطع أقصرا، فكاتب شمس الدين هذا السلطان وراسله، وتقرب إليه بإعلامه بحقيقة أخبار العدو، وذلك فى سنة إحدى وسبعين وستمائة. واتفق السلطان معه على نكتة غريبة قتل بسببها الجاثليق النصرانى؛ وكان قد أهان المسلمين ببغداد وسكن «٥» مواطن الخلافة وأفسد أمور المسلمين. فكتب السلطان كتابا إلى الجاثليق مضمونه: عرفنا محبتك وتوصيتك على النصارى الذين ببلادنا، وقد أكرمناهم لأجلك، وعرفنا أخبار المغل الباطنة التى أشرت إليها. وذكر فى الكتاب أمورا موهمة لا أصل لها، منها: الذى التمسته لمن أشرت قد أجبنا إليه، وتسليم الأمكنة لمن عنيت قد حلفنا على تسليمها، والدواء الذى تقرر السعى فى استعماله لمن أشرت إليه قد علم، والله يقدر ذلك، والذى طلبته من دهن البلسان والآثار المسيحية «٦» قد سيرناها،

стр. 11861

وسيرنا قطعة من صليب الصلبوت، وسيرنا ذلك إلى الرحبة، وعرفنا الناتب بها إلأمارة التى قررت. فأرسل من تثق إليه بالأمارة ليتسلم ذلك. وسير السلطان هذا الملطف «١» إلى النائب بالبيرة، ورسم له أن يجهزه صحبة أرمنى يوصله إلى الجاثليق، وأنه إذا جهزه يرسل إلى الملك شمس الدين بهادر يعرفه بخبره وحليته. ففعل ذلك، وأرسل بهادر من أمسك هذا القاصد وسير به إلى أبغا. فلما وقف أبغا على الملطف كان فيه هلاك الجاثليق، وتقرب شمس الدين بهادر إلى السلطان بأشياء كثيرة مثل ذلك. فشعر التتار به فأمسكوه وتوجهوا به إلى الأردو، وهربت حاشيته ومماليكه، فوصلوا إلى باب السلطان وهم يزيدون على ألفى نفر من مماليك وأجناد وغيرهم، فأحسن إليهم ورتب لهم الرواتب. وأما الملك شمس الدين بهادر فإنه هرب ونجا بنفسه ووصل البيرة فتلقاه أهلها، وسير إلى السلطان. وذكر أنه أقام سبعة أيام لم يأكل شيئا. ولما وصل تلقاه السلطان وأكرمه وأعطاه الإقطاعات بالديار المصرية وأحسن إليه. ذكر الظفر بملك الكرج وفى سنة اثنتين وسبعين وستمائة: ظفر السلطان بملك الكرج. وذلك أنه حضر لزيارة بيت المقدس، فاتصل ذلك بالسلطان، فأرسل من يعرف حليته فأمسك هو وثلاثة نفر من أعيان الكرج من بين الزوار، وسير [وا] إلى السلطان وهو بدمشق فطيب قلوبهم، وعرفهم أنه متيقظ لمن يدخل إلى بلاده، واحترز عليهم.

стр. 11862

ولما سكنت الأخبار عاد السلطان والعساكر فدخل إلى قلعته فى رابع عشرين جمادى الآخرة من هذه السنة. وفى شعبان من هذه السنة: رسم السلطان بعمارة جسرين قناطر بالقرب من الرملة لعبور العساكر، فعمرت. وفيها: فى يوم السبت عاشر ذى القعدة حضر متولى القرافة إلى مستنيبه الأمير سيف الدين أبى بكر بن اسباسلار متولى مصر، وأخبره أن شخصا دخل إلى تربة الملك المعز وجلس عند القبر يبكى، فسأله من بالمكان عن بكائه، فأخبرهم أنه قاءان بن الملك المعز، وكان الملك المظفر قد أرسله مع أخيه الملك المنصور إلى بلاد الأشكرى كما تقدم، فأحضر وقيد واعتقل. وطولع السلطان بأمره، فأحضره وسأله عن أمره، فذكر أنه عاد إلى الديار المصرية منذ ست سنين، وأنه يتوكل للجند. فطلب منه من يعرفه، فذكر أن رجلا معتقلا بالإسكندرية كان يتردد إلى بلاد الأشكرى، فأمر السلطان باحضاره واعتقال قاءان، فحبس فى حبس اللصوص بمصر، وأجرى عليه بعض مماليك المعز نفقة. وفيها: أفرج السلطان عن الأمير سيف الدين الجوكندار، وكان له مدة فى الاعتقال. وفى ثانى عشر شهر رمضان من السنة: توجه الملك السعيد إلى الشام «١» ، وجرد السلطان فى خدمته الأمير سيف الدين أستاد دار وجماعة من أكابر الأمراء والخواص. ودخل إلى دمشق فى سادس عشرين الشهر، ولم يشعر به نائب السلطنة إلا وهو بينهم فى سوق الخيل، فنزلوا وقبلوا الأرض، ودخل الملك

стр. 11863

السعيد القلعة وخلع على الأمراء فى ليلة العيد، وخلع أيضا على المقدمين والمفاردة والأكابر، وخرج متصيدا بالمرج، ثم توجه إلى الشقيف وصفد، وعاد إلى مصر فى حادى عشر شوال منها. ذكر ختان الملك المسعود نجم الدين خضر ولد السلطان الملك الظاهر «١» كان ختانه فى يوم عيد الفطر سنة اثنتين وسبعين وستمائة، وحمل السلطان عن الناس كلفة التقادم والهدايا وشملهم بالخلع والإنعام والعطاء. ذكر نكتة غريبة «٢» وفى هذه السنة: ورد كتاب الغوس بن شاور والى الرملة يذكر أنه فى هذه السنة حصل لأهل البلاد مرض وحمايات «٣» من شرب مياه الآبار وزاد ذلك، فحضر إليه رجلى نصرانى فقال: «هذه الآبار قد حاضت كما جرى فى السنة التى جاء التتار فيها إلى الشام، وأن الفرنج أنفذوا إلى قرية تسمى عابور «٤» فى الجبل أخذوا من مائها وسكبوه فى الآبار فزال الوخم.» فلما سمع ابن شاور ذلك سير إلى الضيعة المذكورة وأخذ من مائها وصبه فى الآبار التى بياقا، وكان الماء قد كثر فيها. فلما سكب الماء فيها نقصت إلى حدها المتعارف «٥» . وقيل: إن هذه الآبار إناث تحيض، وآبار الجبل ذكور.

стр. 11864

ذكر ورود كتاب متملك الحبشة «١» قال القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية: فى هذه السنة وصل كتاب متملك الحبشة إلى السلطان عطف كتاب صاحب اليمن. وهو يقول: «إن سلطان الحبشة قد قصدنى فى حاجة عند السلطان، وقد سيرت كتابه عطف كتابى» فكان مضمون كتاب متملك الحبشة إلى السلطان «٢» :- «أقلّ المماليك، محرا «٣» ملاك يقبل الأرض وينهى بين يدى السلطان الملك الظاهر، خلد الله ملكه، أن رسولا وصل من [جهة] والى قوص بسبب الراهب الذى جاءنا، فنحن ما جاءنا مطران وبلادنا بلاد مولانا السلطان ونحن عبيده. فيرسم مولانا يأمر الأب البطرك يعمل لنا مطرانا رجلا جيدا عالما لا يحب ذهبا ولا فضة، ويسيره إلى مدينة عوان و «٤» أقل المماليك يسير إلى أبواب «٥» الملك المظفر صاحب اليمن ما يلزمه، وهو يسيره إلى أبواب السلطان. وما كان سبب تأخر الرسل عن الحضور إلى السلطان إلا أننى كنت فى بيكار. والملك داود «٦» توفى، وقد ملك ولده، يا مولانا. وعندى فى عسكرى

стр. 11865

مائة ألف فارس مسلمين. وإنما النصارى كثير لا تعد. وكلهم غلمانك وتحت أوامرك. والمطران [الكبير «١» ] هو يدعو لك، وهذه الخلق «٢» كلهم يقولون: آمين بطول بقاء عمر سلطاننا «٣» مالك مصر، ويهلك الله عدوه، ويقول الخلق آمين. وكل من بصل «٤» من المسلمين إلى بلادنا أقل المماليك يحفظهم ويسفرهم كما يحبون «٥» . وإنما الرسول الذى سيره وإلى قوص فجدر «٦» وهو مريض. وبلادنا بلاد وخمة أى من مرض ما يقدر أحد يدخل إليه، وأى من شم رائحته يمرض ويموت. والراهب قال: ما يروح [بغير «٧» ] رفيق. ونحن فنحفظ كل من يأتى من المسلمين، وارسموا فسيروا مطرانا يحفظهم» . أنهى ذلك. هذا نص كتابه ومخاطبة ملك اليمن له بالسلطان «٨» . قال: فكتب جوابه عن السلطان: «ورد كتاب الملك الجليل الهمام العادل فى مملكة حطى ملك امحره، أكبر ملوك الحبشان، الحاكم على ما لهم من البلدان، نجاشى عصره [وفريد مملكته فى دهره] سيف الملة المسيحية، عضد [دولة] دين النصرانية، صديق

стр. 11866

الملوك والسلاطين سلطان الأمحره، حرس الله نفسه، وبنى على الخير رأسه. فوقفنا عليه وفهمنا ما فيه فأما طلب المطران، فلم يحضر من جهة الملك رسول حتى كنا نعرف الغرض المطلوب، وانما كتاب مولانا السلطان الملك المظفر ورد. مضمونه: أنه وصل من جهته كتاب وقاصد، وأنه أقام عنده حتى يسير إليه الجواب. وأما ما ذكره من كثرة عساكره وأن من جملتها مائة ألف فارس مسلمين، فأخبار البلاد عندنا، ولا تخفى عنا، فالله يكثر عساكر المسلمين. وأما وخم بلاده، فالآجال مقدرة من الله، وما يموت أحد الا بأجله، ومن فرغ أجله مات، وكم من جريح بالسيف عاش وصحيح مات، والأمر لله فى الجميع» . وفى هذه السنة: كانت وفاة الصاحب محيى الدين أبى العباس أحمد بن الصاحب بهاء الدين على بن محمد، فى ليلة الأحد التاسع والعشرين من شعبان؛ ودفن من الغد بسفح المقطم؛ سمع من جماعة، وحدّث ودرّس بمدرسة والده [التى أنشأها بزقاق القناديل بمصر «١» ] وكان منقطعا عن المناصب يحب التخلى والإنفراد كثير الصدقة، وبنى رباطا بمصر، ومولده بالفسطاط فى سنة ست وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى. وفيها: فى ليلة الثلاثاء رابع عشر الآخر توفى الشيخ العالم الزاهد الورع أبو محمد عبد الله بن عمر بن يوسف الحميدى القصرى، ودفن من يومه بالقرافة الصغرى. كان أوحد أهل زمانه فى أصول الدين والفقه، وله معرفة بكلام الفقراء وأحوالهم رحمه الله تعالى.

стр. 11867

وفيها: فى ليلة الاثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر توفى أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن نهار البكرى، خطيب جامع ابن طولون، ودفن بالقرافة. ومولده بالقاهرة فى سنة ثلاث وستمائة، رحمه الله تعالى. وفيها: فى يوم الأحد رابع عشر المحرم توفى الصدر الرئيس الأصيل مؤيد الدين أبو المعالى أسعد بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن على بن محمد التميمى الدمشقى، المعروف بابن القلانسى «١» رئيس دمشق وكبيرها والمشار إليه. وكان متواضعا كريما سمحا جوادا متصدقا «٢» حسن السيرة جميل الطريقة طاهر اللسان. وكان السلطان الملك الظاهر قد عرض عليه نظر الشام فلم يقبل، فألزمه بوكالته الخاصة والنظر فى ديوان ولده الملك السعيد، فباشر ذلك. وكانت وفاته بدمشق ودفن بتربته بسفح قاسيون، ومولده بدمشق فى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وهو والد الصاحب الرئيس عز الدين حمزة. وفيها: فى ليلة الأربعاء ثالث عشر شعبان توفى الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ النحاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائى «٣» الجيانّى. وكانت وفاته بالمدرسة العادلية بدمشق، ودفن بقاسيون بتربة بنى الصايغ، له التصانيف المفيدة فى علم العربية، وشهرته أكثر من أن يؤتى على شرحها، رحمه الله تعالى.

стр. 11868

واستهلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة فى هذه السنة: وصل الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة السلطان «١» ، فأحسن إليه وإلى ولده وأخيه وعاد إلى بلاده. وفى ثامن صفر منها: توجه السلطان إلى الكرك على الهجن من الطريق البدريّة، فوصل إلى الكرك والشوبك. وأقام بالكرك ثلاثة عشر يوما، وعاد إلى قلعته فى ثانى عشرين شهر ربيع الأول «٢» . وفيها: فى سادس عشر شهر ربيع الآخر توجه السلطان إلى العباسة، وفى صحبته ولده الملك السعيد، فصرع الملك السعيد أوزة خبّيّة «٣» ، وقيل له: «لمن تدعى» ؟ فقال: «لمن أدعو بحياته» . فقبّله السلطان. وعاد السلطان بعد خمسة أيام. وكان سبب عوده أنه ظفر بكتب من جماعة من الأمراء إلى التتار، وهم: قجمقاد «٤» الحموى، وتوغان بن منكو، وسريغا، وطنغرى يورى، وطنغرى يرمس، وأنوك، وبرمش، وبلبان مجلى، والبغلائى المرتد، وبلاغا، وطغينى «٥» ، وأيبك، وسنجر الحواشى «٦» . وقبض عليهم وقررهم فأقروا. وكان آخر العهد بهم.

стр. 11869

وفيها: أقبل السلطان على الأمير شهاب الدين يوسف بن الأمير حسام الدين الحسن بن أبى الفوارس القيمرى، وهو من أعيان الأمراء فى الدولة الصالحية النجمية والدولة الناصرية وكان السلطان قد نقم عليه، فأنه تخيل؟؟؟ كان يثبط الملك الناصر عن قتال التتار، فواخذه بذلك وقطع خبزه، وعطّل، وأطلق له فى كل يوم عشرين درهما، ودام على ذلك فأعطاه الآن إمرة أربعين. وفيها: توجه السلطان إلى الشام فى شعبان بجميع العساكر واستخلف بقلعة الجبل الأمير شمس الدين أقسنقر الفارقانى، والصاحب بهاء الدين، واستصحب معه الصاحب تاج الدين وزير الصحبة وكان فى هذه السفرة غزاة سبس على ما نذكر ذلك. وفيها: رسم السلطان بعمارة ما كان تداعى من منارة الإسكندرية. وفيها: فى يوم السبت تاسع جمادى الآخرة توفى الأمير فارس الدين آقطاى المستعرب الصالحى الأتابك، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الإمام الشافعى، ومشى السلطان فى جنازته، وحضر دفنه، وحزن عليه وبكى بكاء شديدا. وكان يستحق ذلك منه، رحمه الله تعالى. وفيها: توفى قاضى القضاة شمس الدين عبد الله بن [محمد بن الحسن بن عطاء ابن الحسن] عطاء الأذرعى الحنفى «١» بدمشق فى يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى. ولما مات عزل قاضى القضاة زين الدين الزوّاوى المالكى نفسه من القضاء حال دفنه، فإنه أخذ بيده من تراب القبر وحثاه عليه وقال: «والله لا حكمت

стр. 11870

بعدك، فإن لك أربعين سنة تحكم، ثم هذه «١» مآلك» . وعزل نفسه من الحكم، وبقى نائبه القاضى جمال الدين يوسف الزواوى يحكم على حاله. وفوض السلطان قضاء الحنفية بعده للقاضى مجد الدين أبى المجد عبد الرحمن ابن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم الحنفى «٢» فوصل إلى دمشق فى يوم الاثنين سلخ ذى القعدة، وحكم فى ذى الحجة من السنة. وفيها: توفى الحافظ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن يحمود «٣» الأسدى اليغمورى «٤» بالمحلة فى ليلة الأربعاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر. كان فقيها أصوليا مشاركا فى علوم كثيرة، وصحب الأمير جمال الدين بن يغمور فعرف به. وكان قد توجه لزيارة الأمير شهاب الدين بن يغمور بالمحلة فمات. ومات الأمير شهاب الدين بعده بشهرين ويومين، رحمهما الله تعالى. وفيها: توفى الأمير سليمان بن الملك السعيد بن الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وكانت وفاته بدمشق فى حادى عشر صفر رحمه الله تعالى.
следующие страницы →