Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11866–11905 · переход к 11871.
стр. 11866
الملوك والسلاطين سلطان الأمحره، حرس الله نفسه، وبنى على الخير رأسه.
فوقفنا عليه وفهمنا ما فيه فأما طلب المطران، فلم يحضر من جهة الملك رسول حتى كنا نعرف الغرض المطلوب، وانما كتاب مولانا السلطان الملك المظفر ورد. مضمونه: أنه وصل من جهته كتاب وقاصد، وأنه أقام عنده حتى يسير إليه الجواب. وأما ما ذكره من كثرة عساكره وأن من جملتها مائة ألف فارس مسلمين، فأخبار البلاد عندنا، ولا تخفى عنا، فالله يكثر عساكر المسلمين.
وأما وخم بلاده، فالآجال مقدرة من الله، وما يموت أحد الا بأجله، ومن فرغ أجله مات، وكم من جريح بالسيف عاش وصحيح مات، والأمر لله فى الجميع» .
وفى هذه السنة: كانت وفاة الصاحب محيى الدين أبى العباس أحمد بن الصاحب بهاء الدين على بن محمد، فى ليلة الأحد التاسع والعشرين من شعبان؛ ودفن من الغد بسفح المقطم؛ سمع من جماعة، وحدّث ودرّس بمدرسة والده [التى أنشأها بزقاق القناديل بمصر «١» ] وكان منقطعا عن المناصب يحب التخلى والإنفراد كثير الصدقة، وبنى رباطا بمصر، ومولده بالفسطاط فى سنة ست وثلاثين وستمائة، رحمه الله تعالى.
وفيها: فى ليلة الثلاثاء رابع عشر الآخر توفى الشيخ العالم الزاهد الورع أبو محمد عبد الله بن عمر بن يوسف الحميدى القصرى، ودفن من يومه بالقرافة الصغرى.
كان أوحد أهل زمانه فى أصول الدين والفقه، وله معرفة بكلام الفقراء وأحوالهم رحمه الله تعالى.
стр. 11867
وفيها: فى ليلة الاثنين الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر توفى أبو المحاسن يوسف بن عبد الله بن نهار البكرى، خطيب جامع ابن طولون، ودفن بالقرافة.
ومولده بالقاهرة فى سنة ثلاث وستمائة، رحمه الله تعالى.
وفيها: فى يوم الأحد رابع عشر المحرم توفى الصدر الرئيس الأصيل مؤيد الدين أبو المعالى أسعد بن المظفر بن أسعد بن حمزة بن أسد بن على بن محمد التميمى الدمشقى، المعروف بابن القلانسى «١» رئيس دمشق وكبيرها والمشار إليه. وكان متواضعا كريما سمحا جوادا متصدقا «٢» حسن السيرة جميل الطريقة طاهر اللسان.
وكان السلطان الملك الظاهر قد عرض عليه نظر الشام فلم يقبل، فألزمه بوكالته الخاصة والنظر فى ديوان ولده الملك السعيد، فباشر ذلك. وكانت وفاته بدمشق ودفن بتربته بسفح قاسيون، ومولده بدمشق فى سنة تسع وتسعين وخمسمائة، رحمه الله تعالى، وهو والد الصاحب الرئيس عز الدين حمزة.
وفيها: فى ليلة الأربعاء ثالث عشر شعبان توفى الشيخ الإمام العالم العلامة شيخ النحاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك الطائى «٣» الجيانّى. وكانت وفاته بالمدرسة العادلية بدمشق، ودفن بقاسيون بتربة بنى الصايغ، له التصانيف المفيدة فى علم العربية، وشهرته أكثر من أن يؤتى على شرحها، رحمه الله تعالى.
стр. 11868
واستهلت سنة ثلاث وسبعين وستمائة
فى هذه السنة: وصل الملك المنصور صاحب حماة إلى خدمة السلطان «١» ، فأحسن إليه وإلى ولده وأخيه وعاد إلى بلاده.
وفى ثامن صفر منها: توجه السلطان إلى الكرك على الهجن من الطريق البدريّة، فوصل إلى الكرك والشوبك. وأقام بالكرك ثلاثة عشر يوما، وعاد إلى قلعته فى ثانى عشرين شهر ربيع الأول «٢» .
وفيها: فى سادس عشر شهر ربيع الآخر توجه السلطان إلى العباسة، وفى صحبته ولده الملك السعيد، فصرع الملك السعيد أوزة خبّيّة «٣» ، وقيل له: «لمن تدعى» ؟
فقال: «لمن أدعو بحياته» . فقبّله السلطان. وعاد السلطان بعد خمسة أيام.
وكان سبب عوده أنه ظفر بكتب من جماعة من الأمراء إلى التتار، وهم:
قجمقاد «٤» الحموى، وتوغان بن منكو، وسريغا، وطنغرى يورى، وطنغرى يرمس، وأنوك، وبرمش، وبلبان مجلى، والبغلائى المرتد، وبلاغا، وطغينى «٥» ، وأيبك، وسنجر الحواشى «٦» . وقبض عليهم وقررهم فأقروا. وكان آخر العهد بهم.
стр. 11869
وفيها: أقبل السلطان على الأمير شهاب الدين يوسف بن الأمير حسام الدين الحسن بن أبى الفوارس القيمرى، وهو من أعيان الأمراء فى الدولة الصالحية النجمية والدولة الناصرية وكان السلطان قد نقم عليه، فأنه تخيل؟؟؟ كان يثبط الملك الناصر عن قتال التتار، فواخذه بذلك وقطع خبزه، وعطّل، وأطلق له فى كل يوم عشرين درهما، ودام على ذلك فأعطاه الآن إمرة أربعين.
وفيها: توجه السلطان إلى الشام فى شعبان بجميع العساكر واستخلف بقلعة الجبل الأمير شمس الدين أقسنقر الفارقانى، والصاحب بهاء الدين، واستصحب معه الصاحب تاج الدين وزير الصحبة وكان فى هذه السفرة غزاة سبس على ما نذكر ذلك.
وفيها: رسم السلطان بعمارة ما كان تداعى من منارة الإسكندرية.
وفيها: فى يوم السبت تاسع جمادى الآخرة توفى الأمير فارس الدين آقطاى المستعرب الصالحى الأتابك، ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الإمام الشافعى، ومشى السلطان فى جنازته، وحضر دفنه، وحزن عليه وبكى بكاء شديدا. وكان يستحق ذلك منه، رحمه الله تعالى.
وفيها: توفى قاضى القضاة شمس الدين عبد الله بن [محمد بن الحسن بن عطاء ابن الحسن] عطاء الأذرعى الحنفى «١» بدمشق فى يوم الجمعة تاسع جمادى الأولى.
ولما مات عزل قاضى القضاة زين الدين الزوّاوى المالكى نفسه من القضاء حال دفنه، فإنه أخذ بيده من تراب القبر وحثاه عليه وقال: «والله لا حكمت
стр. 11870
بعدك، فإن لك أربعين سنة تحكم، ثم هذه «١» مآلك» . وعزل نفسه من الحكم، وبقى نائبه القاضى جمال الدين يوسف الزواوى يحكم على حاله.
وفوض السلطان قضاء الحنفية بعده للقاضى مجد الدين أبى المجد عبد الرحمن ابن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم الحنفى «٢» فوصل إلى دمشق فى يوم الاثنين سلخ ذى القعدة، وحكم فى ذى الحجة من السنة.
وفيها: توفى الحافظ جمال الدين أبو المحاسن يوسف بن أحمد بن يحمود «٣» الأسدى اليغمورى «٤» بالمحلة فى ليلة الأربعاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر. كان فقيها أصوليا مشاركا فى علوم كثيرة، وصحب الأمير جمال الدين بن يغمور فعرف به. وكان قد توجه لزيارة الأمير شهاب الدين بن يغمور بالمحلة فمات.
ومات الأمير شهاب الدين بعده بشهرين ويومين، رحمهما الله تعالى.
وفيها: توفى الأمير سليمان بن الملك السعيد بن الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وكانت وفاته بدمشق فى حادى عشر صفر رحمه الله تعالى.
стр. 11871
واستهلت سنة أربع وسبعين وستمائة
استهلت سنة أربع وسبعين وستمائة والسلطان بالشام، فرسم بإحضار ولده الملك السعيد، فتوجه الأمير بدر الأمير بيليك الخزندار نائب السلطنة على خيل البريد لذلك، فى الرابع والعشرين من المحرم. ووصل إلى قلعة الجبل، فأرسل إليه الملك السعيد ألف دينار وتشريفا. وكان السلطان أيضا قد رسم للأمراء بإحضار أولادهم فتجهزوا.
وتوجه الملك السعيد على خيل البريد، فى سلخ المحرم ووصل إلى دمشق فى سادس صفر، وركب السلطان للقائه، وحضر بعد ذلك طلبه «١» ومماليكه.
وفى هذه السنة: وصلت رسل برواناه، وأخبر «٢» بقصد التتار البيرة، وقال إنه اتفق هو وجماعة على أن العساكر إذا أقبلت من بر الشام وشاهدوا الصناجق السلطانية يضع السيف فى التتار، فلم يف بذلك.
ثم بلغ السلطان حركة التتار، وأن قصدهم البيرة، فجمع العساكر من جميع البلاد، وأقام ينتظر خبرا محققا، فوصل الخبر أن التتار، نازلوا البيرة، فى يوم الخميس ثانى جمادى الآخرة، وأنهم أقاموا فى تلك الليلة أحد عشر منجيقا، واهتموا بالحصار ونصب المجانيق، وكان مقدّمهم إبتاى «٣» ، فأنفق السلطان فى
стр. 11872
العساكر وتولى النفقة بنفسه. وخرج بالعساكر، فلما وصل إلى القطّيفة بلغه رحيل التتار لانقطاع الميرة عنهم، فوصل إلى حمص، ثم عاد إلى دمشق فى مستهل شهر رجب متوجها إلى الديار المصرية، فدخل إلى قلعة الجبل فى ثامن عشر الشهر.
ذكر شنق الطواشى شجاع الدين عنبر المعروف بصدر الباز «١» وغيره
كان هذا الطواشى المذكور قد تمكن فى الدولة الظاهرية وكبر شأنه، وتعاظم فى نفسه، وصار فى غيبة السلطان يركب إلى الميدان ويلعب بالكرة ويعود إلى القلعة، ثم تعاطى بعد ذلك، فيما نقل، إدمان شرب الخمر فى دور السلطان، ويجتمع على ذلك مع الخدام: فاتصل ذلك بالسلطان، فلما عاد أحضره بين يديه ليلا، وقام السلطان إليه بنفسه ولكمه وقصد أن يؤدبه بالضرب والإخراق «٢» ليرتدع بذلك.
وكان لهذا الخادم على السلطان إدلال كبير، فحمله إدلاله على أن خاطب السلطان بما لا يليق أن يخاطب به، فكان مما قال له: «هذا الضرب لا يفيدك، ولكن اشنقنى» . فغضب السلطان وأمر بشنقه، فشنق بالميدان الأسود تحت قلعة الجبل فى ليلته، وشنق إلى جانبه خمسة من الأجناد كانوا قد تخلفوا عن العرض بحمص، وشفع فى جماعة أخر من الجند، فحبسوا بخزانة البنود.
стр. 11873
وأمر السلطان بمن كان يحضر مع صدر الدين «١» من الخدام على الشراب فقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وسملت أعينهم.
وقد حكى لى حكاية عجيبة عن هذا الخادم وهى: أن السلطان، قبل وصوله إلى الديار المصرية، كان قد كتب إلى النائب بقلعة الجبل أن يتقدم بنصب مائة خشبة بالميدان الأسود للشنق فنصبت، وما علم لمن هى، فكان الطواشى إذا توجه الى الميدان يمر على الخشب فينظر الى خشبة منها، ويقول: أجد قلبى يحن الى هذه الخشبة، وتكرر ذلك منه، فشنق عليها. وهذا من عجيب الإنفاق فى إحساس الخواطر.
ذكر متجددات اتفقت بعد وصول السلطان إلى الديار المصرية غير ما تقدم ذكره
منها: وصول هدية صاحب اليمن «٢» ، ومن جملتها الفيل والكركدن والحمار الوحشى العنابى وأصناف من التحف والبهار وغير ذلك، فعرض ذلك على السلطان، وجهز [السلطان] له هدية سنية وسيرها صحبة رسله.
ومنها: تجهيز رسل الملوك، وهم: رسل الملك منكوتمر ملك البلاد الشمالية، ورسل الأشكرى، ورسل الفنش، ورسل جنوة، وإرسال الرسل إلى أشبيلية.
стр. 11874
ذكر توجه رسل السلطان إلى أشبيلية وما كان من خبرهم
كان الفنش «١» صاحب أشهيلية قد سير رسولا إلى السلطان اسمه دينار، وعلى يده هدية سنية ورسالة، مضمونها: استدعاء مودة السلطان، وذلك قبل هذا التاريخ. فسير السلطان إليه الآن رسلا، وهم: الأمير سيف الدين الجلدكى والأمير عز الدين أيبك الكبكى «٢» ، والفقيه العدل (؟؟؟ «٣» ) الدين الحسين ابن همام بن مرتضى، وعلى أيديهم هدية سنية وعقاقير. فتوجهوا من القاهرة فى العشر الآخر من شوال وتوجهوا إلى الإسكندرية، وتوجهوا منها فى البحر فى ذى القعدة، فوصلوا إلى سنقريس «٤» ، فعوقهم صاحب برشنونة أياما ثم أفرج عنهم، فساروا حتى وصلوا إلى مرعش «٥» ، وهى من جملة مملكة الفنش، فأعلم بوصلولهم فاستدعاهم، وكان يومئذ ببنطورية «٦» فتوجهوا إليه، فكانوا كلما مروا ببلد خرج إليهم أهل البلد وتلقوهم بالأفراح، إلى أن وصلوا إلى بنطورية، فخرج جميع من بها من الخيالة والرجالة والتقوهم بظاهرها، ثم استدعاهم الملك بعد ثلاث وأكرمهم غاية الإكرام، واستحضرهم فى اليوم الثانى وأحضروا
стр. 11875
الهدية، فاستبشر وطابت نفسه وقبلها، ثم جهز لهم مركبا ببرشنونة «١» فتوجهوا فى البر إليها، ثم ركبوا منها فى المركب فى آخر ذى الحجة، فوصلوا إلى الإسكندرية فى صفر سنة خمس وسبعين وستمائة.
ذكر اتصال الملك السعيد بابنة الأمير سيف الدين «٢» قلاون
وفى هذه السنة: فى يوم الخميس ثانى عشر ذى الحجة، عقد نكاح الملك السعيد ناصر الدين محمد بركة قان بن السلطان الملك الظاهر على [غازية خاتون] ابنة الأمير سيف الدين قلاون الألفى العلائى الصالحى. وكان العقد بالإيوان بقلعة الجبل على صداق مبلغه خمسة آلاف دينار، المعجل منه ألفا دينار، ومعاملة صرف الدينار ثلاثة عشر درهما وثلث درهم. وكان الوكيل عن الملك السعيد فى قبول النكاح، الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائب السلطنة، والوكيل عن الأمير سيف الدين قلاون، الأمير شمس الدين أقسنقر أستاد الدار العالية، بعد أن ثبت التوكيل فى المجلس عند قاضى القضاة صدر الدين سليمان الحنفى.
وجرى العقد بين الوكيلين بحضوره، وحضر السلطان والوزراء والقضاة والأكابر وأعيان الأمراء والمقدمين «٣» . وكان الصدّاق بخط القاضى محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، وإنشائه، وقرأه فى المجلس، فخلع عليه وأعطى مائة دينار. ونسخه:
стр. 11876
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
«الحمد لله موفق الآمال لأسعد حركة، ومصدق الفال لمن جعل عنده أعظم بركة، ومحقق الإقبال لمن أصبح بشبيه سلطانه وصهرة ملكه، الذى جعل للأولياء من لدنه سلطانا ونصيرا، وميز أقدارهم باصطفاء تأهيله حتى حاروا نعيما وملكا كبيرا، وأفرد فخارهم بتقربته حتى أفاد شمس آمالهم ضياء وزاد قمرها نورا، وشرف وصلتهم حتى أصبح فضل الله عليهم بها عظيما وأفضاله كثيرا، مهيىء أسباب التوفيق العاجلة والآجلة، وجاعل ربوع كل أملاك من الأفلاك «١» بالشموس والبدور والأهلة أهلة، جامع أطراف الفخار لذوى الإيثار حتى وصلت لهم النعمة الشاملة، وحلت عندهم البركة الكاملة.»
«نحمده على «٢» [أن] أحسن عند الأولياء بالنعمة لاستيداع وأجمل لتأميلهم الاستطلاع، وكمّل لاختيارهم الأجناس من الغرر والأنواع «٣» ، وآتى «٤» آمالهم ما لم يكن فى حساب أحسابهم من الإبتداء بالتخويل والابتداع.»
«وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة حسنة الأوضاع ملية بتشريف الألسنة وتكريم الأسماع.»
стр. 11877
«ونصلى على سيدنا محمد الذى أعلا الله به الأقدار وشرف به الموالى والأصهار، وجعل كرمه دارا لهم فى كل دار، وفخره على من استطلعه من المهاجرين والأنصار مشرق الأنوار، صلى الله عليه وعليهم صلاة زاهية الأزهار يانعة الثمار.»
«وبعد، فلو كان «١» إفضال كل شىء بحسب المتصل به فى تفضيله «٢» لما استصلح البدر شيئا من المنازل لنزوله، ولا الغيث شيئا من الرياض لهطوله، ولا الذكر الحكيم لسانا من الألسنة لترتيله، ولا الجوهر الثمين شيئا من التيجان لحلوله، ولكن ليتشرف بيت يحل به القمر، ونبت يزوره المطر، ولسان يتعوذ بالآيات والسور، ونضار يتجمل باللآلىء والدرر. وكذلك تجمّلت برسول الله ﷺ أصهاره من أصحابه، وتشرفت أنسابهم بأنسابه، تزوج ﷺ منهم، وتمّت لهم به مزية الفخار حتى رضوا عن الله ورضى عنهم. والمرتب على هذه القاعدة إفاضة نور يستمده الوجود، وتقرير أمر يقارن سعد الأجنة «٣» منه سعد السعود. وإظهار خطبة يقول الثريا لا نتظام عقودها كيف، وإبراز وصلة «٤» يتجمل بترصيع جوهرها متن السيف، الذى يغطيه «٥» [على] ايداع هذا الجوهر به كل سيف، ونسج صهارة يتم بها إن شاء الله تعالى كل أمر شديد، ويتفق بها كل توفيق، تخلق الأيام وهو جديد. ويختار لها أبرك طالع، وكيف لا تكون البركة فى ذلك الطالع وهو السعيد، وذلك أن المراحم الشّريفة
стр. 11878
السلطانية أرادت أن تخص المجلس السامى الأمير- وذكر نعوته- بالإحسان المبتكر، وتفرده بالمواهب التى ترهف بها منه الحد المنتظر، وأن ترفع من قدره بالصّهارة، مثل ما رفعه ﷺ من قدر صاحبيه أبى بكر وعمر، فخطب إليه أسعد البرية وأمنع من تحميها السيوف المشرفية، وأعزّ من تسبل عليها ستور العيون الخفية، وتضرب دونها خدور «١» الجلال الرضية، وتتجمل بنعوتها العقود. وكيف لا، وهى الدرة الألفية. فقال والدها الأمير المذكور:
هكذا ترفع الأقدار وتزان، وكذا يكون قران السعد وسعد القران. وما أسعد روضا أصبحت هذه المراحم الشريفة السلطانية له خميلة «٢» ، وأشرف سيفا غدت منطقة بروج سمائها له خميلة، وما أعظمها معجزة آتت الأولياء من لدنها سلطانا، وزادتهم مع إيمانهم إيمانا، وما أفخرها صهارة يقول التوفيق لإبرامها: ليت، وأشرفها عبودية كرمت سلمانها بأن جعلته من أهل البيت. وإذ قد حصلت الاستخارة فى رفع قدر المملوك «٣» ، وخصّصته بهذه المزية التى تقاصرت عنها أمال أكابر الملوك. فالأمر لمليك البسيطة فى رفع درجات عبيده كيف يشاء، والتصدق بما يتفوه به هذا الإنشاء، وهو:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
«هذا كتاب مبارك تحاسدت رماح الخط وأقلام الخطّ على تحريره، وتنافست مطالع النّوار ومشارق الأنوار على نظم سطوره، فأضاء نور الجلالة وأشرق،
стр. 11879
وهطل نوره بالإحسان فأغدق. وتناسبت فيه أجناس من تجنيس لفظ التفضيل، فقال الاعتراف، هذا ما تصدق، وقال العرف، هذا ما أصدق مولانا السلطان- وذكر نعوته وألقابه- أصدقها ما ملأ خزائن الأحساب فخارا وشجرة الأنساب ثمارا، ومشكاة الجلالة أنوارا، وأضاف إلى ذلك ما لولا أدب الشرع لكان أقاليم ومدائن وأمصارا. فبذل لها من العين المصرى ما هو بإسم والده قد تشرف، وبنعوته قد تعرف، وبين يدى هباته وصدقاته قد تصرف» .
ثم كان الدخول بها فى شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة.
واهتم السلطان بذلك اهتماما لم يسمع بمثله، وخلع على جميع أكابر دولته من الأمراء والمقدمين والوزراء والقضاة والكتاب. وأنعم على الأمير سيف الدين قلاون بتشريف كامل بشربوش كان السلطان قد لبسه ثم خلعه عليه.
ذكر توجه السلطان إلى الكرك واستبداله بمن فيها من الرجال وعوده «١»
وفى يوم الخميس ثانى عشر ذى الحجة من هذه السنة: حالة انقضاء العقد، ركب السلطان على الهجن وتوجه إلى الكرك فى جمع يسير من جهة البرية، فوصل إلى قلعة الكرك فى ثالث وعشرين الشهر. وكان سبب ذلك أنه بلغه عن بعض رجال القلعة أنهم عزموا على إثارة فتنة ونقل دولة، وأنهم عزموا على الوثوب بنواب السلطان بالكرك فيقتلونهم ويسلمون الحصن لأخ كان للملك القاهر ابن الملك المعظم لأمه، كونه ينسب إلى الملك الناصر، وكان مقيما بالكرك لا يؤبه
стр. 11880
له. فدخل السلطان إلى الكرك بغتة، واستدعى الرجالة، وكانوا زهاء ستمائة، وأمر بالقبض عليهم وشنقهم، فشفع ما كان معه فيهم، فأخرجهم من الحصن وقطع أيدى وأرجل ستة نفر منهم من خلاف، كانوا سبب الفتنة. وكان السلطان قد استخدم رجالا يثق بهم، وسفرهم إلى غزة، ولم يعرف أحدا قصده بهم، فأحضرهم إلى الكرك ورتبهم عوض من كان بها من الرجال. واستدعى السلطان الطواشى شمس الدين صواب السهيلى الصالحى- وكان يتولى صناعة الإنشاء بمصر- وسلم إليه الحصن، وفوض «١» إليه النظر فى أمواله وحواصله وذخائره.
وخرج متوجها إلى دمشق فى يوم الجمعة ثامن عشرين ذى الحجة سنة أربع وسبعين وستمائة.
واتفق للسلطان فى هذه السفرة أمور، وشاهد أبنية ومنازل غريبة فى مسيره من الديار المصرية إلى الكرك. وقد ذكرها المولى محيى الدين بن عبد الظاهر واعتذر فى بسط القول فيها «٢» لغرابتها. فأحبنا أن نذكر ذلك تلخيصا.
قال: رحل السلطان من قلعته يوم الخميس المذكور فنزل بلبيس، وأقام إلى قرب وقت العصر، ورحل فنزل رأس الماء بوادى السدير، ورحل منه فى نصف ليلة السبت، فنزل الكراع وأقام إلى غروب الشمس، وحمل الماء لكفاية يومين، وتوجه على طريق البدرية، وساق سوقا عنيفا إلى وقت الفجر من يوم الاثنين، لم يرح ولم يسترح إلا بقدر ما تشرب الخيل الماء وتستوفى العليق، فنزل جبل بدر، ثم ركب بعد الإسفار لشدة الوعر فوصل إلى بدر، ونزل عند العين.
стр. 11881
قال: وهى عين تخرج من جبل أخضر ليس فيه نبات، منبعها من جهة الغرب تحت جبل شاهق، وهى شكل مغارة منقوبة، يدخل الإنسان منها مقدار عشرة خطى، فيجد عينا تنبع عن بسرة الداخل إليها.
وكان السلطان قبل وصوله إلى العين قد بعث جماعة من العرب وأمرهم أن يجمعوا من ماء العين ما يكون حاصلا للورود، فصنعوا حول العين حياضا فى الأرض شكل البرك محوطة بالحجارة، وملأوها من ماء العين، فوردها السلطان ومن معه، وارتفقوا بها، ولولا ذلك لهلكوا من الأزدحام على الماء. ثم دخل السلطان بنفسه إلى المغارة، وجلس عند العين، وكان يملأ لمن معه قربهم بيده ويناول كل قربة لصاحبها حتى ملأوا ما معهم. ثم رحل من بدر فنزل حسنة، وهى بئر واحدة. ورحل منها حتى انتهى إلى عين تعرف بالمليحة فوردها. ورحل وبات تحت جبل يعرف بنقب الرّباعى، فلما أسفر الصبح صعد إلى الجبل وإذا هو جبل عظيم به عقاب صعبة- وهى حجارة رخوة تشبه الرمل المتجمد، متغيرة الألوان إلى الحمرة والزرقة والبياض- وثم ثقوب فى الجبل يعبر الراكب منها، وبها أمكنة تشبه السلالم من حجارة. وبها قبر هارون نبى الله أخى موسى ابن عمران، ﵉، على يسرة السالك المتوجه إلى الشام. وثم قلعة تعرف بالأصوت «١» صعدها السلطان وشاهدها، فوجدها من أعجب الحصون وأمنعها لا يكون أحصن منها. ونزل من نقوب الرباعى إلى مدائن بنى إسرائيل، وهى ثقوب فى الجبال من أحسن الأشكال ذات بيوت بالعمد وأبواب، وظواهر البيوت مصوقة «٢» بالنقوش فى الحجارة بالإزميل، وكلها مخربة، بها صور أشكال
стр. 11882
وهى على قدر دور الناس المبنية الآن، وداخل هذه البيوت الأواوين المنورة المعقودة والصفف المتقابلة والخزائن والدهاليز والحرميات «١» . وليس ذلك مبنيا بل جميعه منحوت بالحديد أشكال المغاير «٢» .
قال: وقد خلق الله تعالى جبلين متقابلين، بينهما طريق، وكل جبل منهما كأنه شكل سور مرتفع، والدور متصلة يمينا وشمالا. ثم خرج السلطان من تلك الأمكنة إلى وادى المدرة، ثم منه إلى قرية تعرف بالعذبا «٣» ، عرفت بذلك لأن بها العين التى يحسها موسى بن عمران ﵇ بعصاه، وكانت تجرى دما، فقال:
«عد بأمر الله ماء عذبا» فعادت العين ماء حلوا رائقا باردا. فبات السلطان بها، ورحل منها ليلة السبت حادى عشرين الشهر، فوصل قلعة الشوبك نصف نهار الأحد، وخيم هناك، وحضر أمراء بنى عقبة وغيرهم من أمراء العربان، وقدموا الخيول والهجن وغير ذلك، ثم رحل من الشوبك نصف نهار الاثنين على طريق الحسا، فوصل إلى الكرك نصف نهار الثلاثاء ثالث عشرين الشهر.
قال: ولما كان فى سابع وعشرين الشهر يوم الجمعة خرج السلطان إلى باب قلعة الكرك، وأحضر رجالها، وذكر من خبر إخراجهم نحو ما تقدم.
وفى هذه السنة: توفى الملك المسعود جلال الدين عبد الله بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب.
стр. 11883
وكانت وفاته بدمشق فى خامس عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون. وكان من أجمل الناس صورة وألطفهم خلقا وأكثرهم أدبا، كثير المكارم وحسن العشرة، رحمه الله تعالى.
وفيها: توفى الصاحب موفق الدين أبو الحسن على بن محمد بن على بن محمد المذحجى الآمدى، وكان من أعيان الأكابر ممن يرشح للوزارة، وولى نظر الدواوين ثم رتب آخرا ناظر الكرك والشوبك، فباشر ذلك مكرها، واستمر على ذلك إلى أن مات بالكرك. وكانت وفاته فى ثامن عشر ذى الحجة، ودفن قريبا من مشهد جعفر التيار رضى الله عنه.
وفيها: فى يوم الأحد ثالث عشر شهر ربيع الأول كانت وفاة الأمير ركن الدين خاص ترك الكبير بدمشق ودفن بقاسيون «١» .
وفيها: فى العشرين من شهر رمضان توفى الشيخ الإمام الفاضل تاج الدين أبو الحسن على بن الأنجب البغدادى- المعروف بابن الساعى- المؤرخ خازن كتب المدرسة المستنصرية «٢» . كان فاضلا، وله تاريخ مذيل على تاريخ ابن الأثير الجزرى، رحمهما الله تعالى.
стр. 11884
واستهلت سنة خمس وسبعين وستمائة «١»
ذكر وصول جماعة من أمراء الروم إلى خدمة السلطان وطاعتهم له «٢»
قال: ووصلت الأخبار أن جماعة من أمراء الروم اظهروا طاعة السلطان وتجاهروا بذلك. وأن البرواناه أنفرد عنهم وتقرب إلى التتار ورجع عما كان مشتركا معهم فيه من طاعة السلطان، وتوجه إلى الأردو وطلب من أكابر أمراء الروم النجاة بأنفسهم «٣» . وأخذ «٤» الأمير شرف الدين مسعود بن الخطير وأخوه ضياء الدين محمود: السلطان غياث الدين صاحب الروم وتوجها به إلى قلعة نكيدة «٥» ، وكاتبوا السلطان. وكذلك الأمير حسام الدين بينجار «٦» وولده الأمير بهاء وأولاده، وجماعة من الأمراء وهم إثنا عشر أميرا، وطلبوا من السلطان أنه»
стр. 11885
يتداركهم بعسكره. فركب [السلطان] من الكرك كما تقدم، ووصل إلى دمشق فى رابع عشر المحرم، فوصل الأمير حسام الدين بينجار والأمير بهاء الدين بهادر وولده [أحمد «١» ] ، ثم وصل بعدهما الأمير سيف الدين حيدربك «٢» صاحب الأبلستين «٣» ، والأمير مبارز الدين [سوار بن] «٤» الجاشنكير وجماعة من أمراء الروم، فتلقاهم السلطان بنفسه وأحسن إليهم ووصل حريمهم وأولادهم، فجهزهم «٥» إلى الديار المصرية. وكتب السلطان إلى الأمير بدر الدين بيسرى والأمير شمس الدين أفش [البرلى] [و] قطليجا «٦» ، فحضرا إلى دمشق على خيل البريد، فطلب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر «٧» . وتوجه السلطان إلى حلب، وجهز الأمير سيف الدين بلبان الزينى الصالحى وصحبته جماعة من العسكر، فوصلوا إلى عين تاب، وقرر معهم التوجه إلى القلعة التى بها السلطان غياث الدين وابن الخطير. فورد كتاب الزينى أنه وصل إلى كرصو «٨» ، فبلغه أن التتار وصلوا إليها أيضا، وبقى بينه وبين العدو النهر، وجالوا بين العسكر وبين قلعة نكيدة، فرجع العسكر إلى
стр. 11886
عين تاب، وهرب شرف الدين بن الخطير «١» إلى بعض القلاع فتقرب إلى العدو بتسليمه [السلطان] إليهم. وبقى أخوه ضياء الدين فى خدمة السلطان [الظاهر بيبرس] لأنه كان حضر إليه مستنجدا وسير هذا العسكر بسبب حضوره. وأما السلطان غياث الدين فعلم التتار أنه محكوم عليه فعفوا عنه، وسلموه «٢» إلى الصاحب والبرواناه.
وعاد السلطان إلى دمشق ومنها إلى الديار المصرية، فدخل قلعة الجبل فى رابع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة، فأقام إلى شهر رمضان من السنة وتوجه إلى الشام فى العشرين من الشهر، فكانت غزوة الروم، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى، فى الغزوات.
ذكر ظهور المسجد بجوار دير البغل وإقامة شعائر الإسلام به
وفى التاسع عشر من شوال من هذه السنة: خرج جماعة إلى دير القصير، المعروف بدير البغل ظاهر مصر، فرأوا أثر باب بجوار الدير، فدخلوا المكان فرأوا آثار محاريب المسلمين، فأنهوا ذلك إلى الصاحب بهاء الدين، فتقدم إلى القاضى بهاء الدين ناظر الأحباس أن يتوجه وصحبته نواب الحكم والعدول والمهندسون ومن يعتبر حضوره فى مثل ذلك. فتوجه وصحبته القضاة [و] المشايخ: وجيه الدين البهنسى، وظهير الدين التّزمنّى، وعلم الدين السمنودى نائب الحكم، ونظام الدين الخليلى، وجماعة من المهندسين، فشاهدوا المكان ورأوا به من
стр. 11887
من الأثار ما يدل على أنه مسجد، وشهدوا بذلك عند القاضى علم الدين السمنودى فأثبته، ونقل الحكم إلى قاضى القضاة محيى الدين بن عين الدولة. وطولع الملك السعيد بذلك، فأمر الصاحب بهاء الدين بعمارته وإقامة من يحتاج إليه من إمام ومؤذن وزيت وفرش، فرتب ذلك له، وهو باق إلى يومنا هذا.
وفى هذه السنة فى رابع شوال: كانت وفاة الصاحب بدر الدين جعفر بن محمد بن على بن محمد المذحجى الآمدى «١» بدمشق وهو يومئذ ناظر النظار بها، ودفن بقاسيون. ومولده فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة، وكان هو وأخوه موفق الدين من أمناء المباشرين وأرباب الستر على الكتاب، ولقب كل منهما بالصاحب، ولم يليا وزارة. ولما حضرا من بلاد آمد فى سنة ثلاثين وستمائة هما وابن اختهما شمس الدين، لما نقل الملك الكامل أهل آمد منها. فلما عبرا الفرات قال موفق الدين لهما: «اعلما أننا نقدم على بلاد لا نعرف فيها أحدا، وليس لنا فيها معين إلا الله تعالى، فتعاهدانى والله تعالى، على الأمانة وألا نخون السلطان ولا الناس» . فتعاهدوا على ذلك ودخلوا إلى الديار المصرية. وولوا المناصب فوفيا بما عاهدا عليه، ونكث ابن اختهما شمس الدين، فسلما فى مباشراتهما. وكان شمس الدين كثير النكبات والمصادرات.
وفيها: كانت وفاة الشيخ الصالح برهان الدين أبى إسحق بن سعد الله بن جماعة ابن على بن جماعة الكنانى الحموى بالقدس الشريف يوم عيد الفطر، رحمه الله تعالى.
стр. 11888
وفيها: كانت وفاة القاضى شرف الدين محمد بن يشكور المصرى الكاتب، ولى مناصب جليلة، منها: نظر الجيش ونظر الدواوين بالديار المصرية. وكان بينه وبين الصاحب بهاء الدين مصاهرة ووحشة. وكانت وفاته بداره على الخليج بالقرب من مصر فى ليلة الأحد خامس عشرين جمادى الأولى. ودفن يوم الأحد بالقرافة الصغرى. ومولده سنة ست عشرة وستمائة.
وفيها: توفى الأمير عز الدين إيغان ولا دمر «١» الركنى المعروف بسم الموت فى محبسه بقلعة الجبل، وسلم إلى أهله فى يوم الخميس ثامن عشر جمادى الآخرة، فدفن من يومه بمقابر باب النصر. وكان من الأمراء الأكابر، وقد تقدم «٢» ذكر اعتقاله.
هذا آخر ما لخصناه من الحوادث فى الأيام الظاهرية، فلنذكر الغزوات والفتوحات الظاهرية.
стр. 11889
ذكر غزوات السلطان الملك الظاهر وفتوحاته وما استولى عليه من البلاد الإسلامية
ولنبدأ من ذلك بذكر ما استولى عليه من البلاد الإسلامية مما كان بيد غيره من الملوك وأصحاب الحصون. ثم نذكر الغزوات والفتوحات على مساقها بمقتضى ما يقدمه التاريخ ويؤخره توفية للشرط الذى شرطناه.
ذكر ما استولى عليه من القلاع والحصون والبلاد الإسلامية وأضافه إلى ممالكه
كان مما استولى عليه السلطان الملك الظاهر من القلاع والحصون والبلاد بعد أن استقر فى الملك: الشوبك، والكرك، وقلعة البيرة، وحمص، والرحبة.
وقد تقدم ذكر ذلك فى أثناء أخباره فلا فائدة فى إعادته. واستولى على خلاف ذلك مما نذكره الآن وهو: سواكن من بلاد اليمن، وخيبر من بلاد الحجاز، وقرقيسيا، وبلاطنس، وصهيون، وبرزية، وحصون الدعوة من الشام وما والاه.
ذكر فتوح سواكن
كان فتحها فى سنة أربع وستين وستمائة. وسبب ذلك أن صاحبها [الشريف] علم الدين أسبغانى كان قد تعرض للتجار «١» ، وأخذ ميراث من مات
стр. 11890
منهم فى البحر ومنع أولادهم منه، وكوتب فى ذلك وحذر من العود إليه، فلم تغن المكاتبات شيئا. فرسم الأمير علاء الدين الخزندار متولى الأعمان القوصية والأعمال الإخميمية، فقصده، فورد كتابه أنه وصل إلى ثغر عيذاب وسير عسكرا إلى سواكن فهرب صاحبها، ثم توجه علاء الدين المذكور إليها من عيذاب فى عشرة أيام، وكان معه من المراكب الكبار والصغار نيف وأربعون مركبا، ووصل إليه من القصير كلالين «١» موسّقة بالمقاتلة، ودخل سواكن وأقام بها ومهدها وقرر أحوالها، ثم رجع إلى مدينة قوص. ولما فارق سواكن عاد صاحبها إليها فقاتله من بها أشد قتال، وعاد منها.
ذكر فتوح خيبر «٢»
كان فتحها فى سنة اثنتين وستين وستمائة، وذلك أن أصحابها عبيد على بن أبى طالب، رضى الله عنه، وصلت كتبهم إلى السلطان يبذلون الطاعة والخدمة، فسير نجابين تستصح «٣» الأخبار، وندب الأمير أمين الدين موسى بن التركمانى، وجهز الرماة والمقاتلة، وأنفق فيهم الأموال وجهز الخلع للمقدمين والمشايخ وكتب إلى نائب الكرك بتجهيز أمراء العربان وجماعة من البحرية صحبته، وجهز الغلال والذخائر لهذه القلعة، فتوجه الأمير أمين الدولة وافتتحها.
стр. 11891
ذكر فتوح قرقيسيا «١»
وقرقيسيا هذه من أقدم المدن، وكانت تعرف بالزبّاء الملكة. وفيها يقول ابن دريد:
فاستنزل الزباء قسرا وهى فى ... عقاب لوح الجو أعلا منتما «٢»
وكان السلطان قد راسل أهلها، وسير إليها الأمير كمال الدين الطورى وملكها وأقام بها مدة، فقصدها التتار، فعاد كمال الدين إلى السلطان وتركها.
وفى شهر رمضان سنة ثلاث وستين وستمائة، أرسل مقدموها إلى عز الدين السكندرى النائب بالرحبة «٣» ، وسألوه عفو السلطان وسيروا رهائنهم. فتوجه إليها جماعة من الخيالة والأقحية، وساقوا من أول الليل إلى نصفه وباتوا على ماكسين «٤» ، فلما أصبح الصبح أحاط بها المسلمون والعسكر وقتلوا من كان بها من عسكر التتار والكرج، وأسروا من المرتدة نيفا وثمانين نفرا، وتسلموا الجسر ومراكبه والسلسلة، فى نصف الشهر.
стр. 11892
ذكر أخذ بلاطنس وخبرها «١»
كانت بلاطنس جارية فى مملكة الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشام، فلما دخل التتار البلاد استولى عليها الأمير مظفر الدين عثمان صاحب صهيون «٢» ، فطلب السلطان منه رد هذا الحصن، فصار يدافع ويقول: «أنا من جملة النواب» . فلما توجه السلطان إلى أنطاكية سير إليه هدية ردها السلطان عليه، وسيّر جماعة من عسكر حلب أغاروا عليها. فتوالت رسله «٣» بالإذعان بالتسليم ويطلب قرية توقف عليه، فعين السلطان له قرية الحلمة «٤» من بلد شيزر، ووقفها عليه وعلى أولاده، وقرر أن يعطى صاحب بلاطنس شيئا من بلد صهيون فقرر له السلطان منها بلادا تغل «٥» ثلاثين ألف درهم، وتسلمت بلاطنس منه فى سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وستين وستمائة.
وهذا الحصن من جملة معاقل الإسلام الحصينة لأنه برى بحرى سهلى، ما أخذ بالسيف قط، بناه رجال يعرفون ببنى الأحمر من أهل الجبال وحصنوه، فلما سمع بهم قطبان أنطاكية المسمى ببقيطا عاجلهم قبل إتمامه فملكه بالأمان، وأخذ فى تحصينه وإتمام بنائه، وذلك فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة. فلما كان
стр. 11893
فى سنة إحدى عشرة وخمسمائة، خرج روجار صاحب انطاكية فدوخ بلاد الإسلام، وقصد حصن بلاطنس وفيه بنو ضليعة أولاد أخى القاضى شرف الدين، فنزل على بلاطنس فى يوم الثلاثاء ثامن عشرين ذى الحجة من السنة، وأجلب عليه فتسلمه فى يوم السبت ثانى عشر المحرم سنة ثنتى عشرة، وعوضهم عنه بأنطاكية ثلاث قرى. فلما كان فى يوم السبت سابع وعشرين شعبان سنة ثلاثين وخمسمائة وثب أهل بلاطنس على من فيه من الفرنج فقتلوهم، فاحتمت عليهم القّلة. فأرسل أهل الجبال إلى منكجك التركمانى صاحب بكسرائيل «١» يستنجدونه فأتاهم وأقام يحاصرها مدة. فعمل الفرنج الذين بها حيلة عليه، وراسلوه وبذلوا له تسليمها على شرط أن يخفر نساءهم وأولادهم حتى يصلوا إلى جبلة أو إلى صهيون. فإذا جاءت لهم العلامة بوصولهم سالمين سلموها له، فلما وصلهم امتنعوا من التسليم.
وكان ذلك حيلة منهم، فإن الأقوات ضاقت عندهم وضاقت الغلة عليهم، فاستراحوا بخروجهم عنهم وقويت نفوسهم. واتصل الخبر بأنطاكية فسيروا إليها عسكرا دفعه عنها. واستقرت بأيديهم إلى أن ملكها السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب على ما قدمناه.
ذكر تسليم صهيون وبرزية «٢»
وفى سنة إحدى وسبعين وستمائة: تسلم السلطان صهيون وبرزية، وذلك
стр. 11894
أن صاحبها الأمير سيف الدين محمد «١» بن الأمير مظفر الدين عثمان بن ناصر الدين منكورس «٢» بن بدر الدين خمرد كين توفى فى هذه السنة كما تقدم، وكان السلطان يومئذ بدمشق فاستدعى ولده الأمير سابق الدين سليمان «٣» فحضر»
، وأقطعه إمرة بأربعين فارسا، فكتب إلى عمه جلال الدين بتسليم القلعة إلى نواب السلطان بذخائرها، فتسلموا ذلك فى ثانى عشر شهر ربيع الأول منها. وأقطع السلطان عميه جلال الدين مسعود ومجاهد الدين إبراهيم؛ كل منهما إمرة عشرة طواشية، ووصل أهل صاحب صهيون إلى دمشق.
ذكر أخبار الإسماعيلية وابتداء أمرهم والاستيلاء على حصونهم
أول من قام بدعوتهم الحسن بن الصباح المعروف بالكيال، وهو من تلامذة ابن عطاش الطبيب. قدم مصر فى زمن المستنصر العبيدى فى زى تاجر فى سنة ثمانين وأربعمائة، ودخل عليه وخاطبه فى إقامة الدعوة ببلاد العجم فأذن له.
وكان الحسن كاتبا للرئيس عبد الرزاق بن بهرام بالرّى. وادعى أنه قال للمستنصر: «من إمامى بعدك؟» فأشار إلى نزار: فمن هنا سموا بالنزارية.
وقال ابن السمعانى فى تاريخه: إنما سموا بالإسماعيلية لأن جماعة من الباطنية ينسبون إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق لانتساب زعيمهم المصرى إلى
стр. 11895
محمد بن إسماعيل المذكور. وكان أول إظهار دعوتهم بالألموت وطلوع أعلامه فى سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة. وجرى لنزار ما قدمناه بعد وفاة أبيه ومسك من الإسكندرية وجىء به إلى القصر فكان آخر العهد به. وانفصل أهل الألموت من العبيديين من ذلك الوقت. وشرع الإسماعيلية فى افتتاح الحصون، فأخذوا قلعة وبنوا أخرى وأظهروا شغل السكين. وأول عملهم بالسكين؛ أن ابن الصباح كان ذا دين فى الظاهر، وله جماعة من نسبته يتبعونه، فلما حضر من مصر إلى الألموت وهى حصينة وكان أصحابها ضعفاء، فقالوا «١» لأصحابها: «نحن قوم زهاد نعبد الله ونشترى منكم نصف هذه القلعة ونقيم معكم نعبد الله» .
فاشترى نصفها بتسعة آلاف دينار. ثم قوى واستولى عليها وصاروا جماعة، فبلغ خبرهم ملك تلك البلاد فقصدهم بعساكره. فقال رجل منهم يعرف بعلى اليعقوبى: «أى شىء يكون لى عندكم إن كفيتكم أمر هذا الجيش» ؟ قالوا:
«نذكرك فى تسابيحنا» . فقال: «رضيت» . فنزل بهم وقسمهم أرباعا فى أرباع العسكر وجعل معهم طبولا وقال: «إذا سمعتم الصايح فاضربوا الطبول وقولوا «٢» يا آل على» بم هجم بهم على الملك فقتله فصاح أصحابه، فضرب أولئك الطبول، فامتلأت قلوبهم خوفا وهربوا لا يلوى منهم أحد على أحد، وأصبحت خيامهم خالية، فنقلوا «٣» ما فيها إلى القلعة. وسنوا السكين من ذلك الوقت.
стр. 11896
ثم بعثوا داعيا من دعاتهم يعرف بأبى محمد إلى الشام فملك قلاعا من بلاد الناصرية.
ثم ملك بعده سنان: وهو سنان بن سليمان بن محمد البصرى، وأصله من قرية من قرى البصرة تعرف بعقر السدن «١» . وأقام فى الشام نيفا وثلاثين سنة، وكان يلبس الخشن، ولا يراه أحد يأكل ولا يشرب ولا يبول ولا يبصق، بل يجلس على ضجرة، فاعتقدوا فيه التأله.
ثم ولى مكانه أبو منصور بن محمد وكان ابن الصباح، الذى قدمنا ذكره.
[و] «٢» لما قتل نزار طالبوه به، فقال: «إنه بين أعداء كثيرة والبلاد بعيدة ولا يمكنه الحضور، وقد عزم على أن يختفى فى بطن امرأة ويجىء سالما ويستأنف الولاده» . فقنعوا بذلك، وأحضر لهم جارية قد أحبلها وقال: «إنه قد اختفى فى هذه» ، فعظموها فولدت ابنا سماه حسنا. وقال: «نغير الاسم لتغيير الصورة» .
ومات حسن فى سنة خمس عشرة وخمسمائة، وخلف ولده محمدا. ولمحمد ولد اسمه حسن خلف أباه بعد موته. ولما سمع ملك خوارزم شاه قصد بلادهم.
فأظهر محمد بن حسن هذا أنه رأى على بن أبى طالب فى المنام يقول له: «تعيد شعار الإسلام وفرائضه وسننه» فعرف جماعته بذلك. ثم قال لهم: «الدين لنا، نتصرف تارة بوضع التكاليف عنكم، وتارة نأخذها منكم» . فقالوا:
стр. 11897
«السمع والطاعة» فكتب إلى بغداد وسائر البلاد بذلك، واستدعى القراء والفقهاء واستخدم أهل قزوين «١» فى ركابه. وسير الخليفة رسولا صحبة رسوله إلى حلب بتقوية يد نوابه «٢» وأن يقتل النائب القديم ويولى هذا الواصل، فخلصوا بذلك من صولة خوارزم شاه.
هذا ابتداء أمر هذه الطائفة. وقد ذكرنا طرفا من أخبارهم فيما تقدم، فلنذكر سبب الاستيلاء على بلادهم، وكيف انتزعها السلطان الملك الظاهر منهم.
ذكر استيلاء السلطان على بلاد الإسماعيلية وشىء من أخبارها «٣»
وهى مصياف «٤» والعليقة والرصافة والكهف والمنيقة «٥» والقدموس والخوابى.
وكان السلطان الملك الظاهر، ﵀، قد كسر شوكة هذه الطائفة الإسماعيلية، وأبطل رسومهم التى كانت مقررة لهم على ملوك الديار المصرية،
стр. 11898
وقرر عليهم قطيعة «١» يحملونها إلى بيت المال. ثم لم يرضه ذلك إلى أن استولى على حصونهم وانتزعها من أيديهم.
وأول ما استولى عليه من حصونهم مصياف: استولى عليها فى العشر الأوسط من شهر رجب سنة ثمان وستين وستمائة. وذلك أن السلطان كان قد حضر فى جمادى الآخرة من هذه السنة إلى حصن الأكراد «٢» وأغار على البلاد الساحلية، ونزل بالقرب من البلاد الإسماعيلية، وحضر إلى خدمته صاحب حماة وصاحب صهيون، ولم يحضر نجم الدين [حسن «٣» ] ابن صاحب الإسماعيلية ولا ولده شمس الدين.
وسيروا يطلبون أن ينقصوا من القطيعة التى كانوا يقدمون بها للفرنج وأبطلها السلطان وتقررت لبيت المال. وكان السلطان قبل ذلك قد غضب على صارم الدين ابن [مبارك] الرضى صاحب العليقة «٤» لأجلهم، فتوصل صاحب صهيون فى إصلاح أمره، فحضر إلى السلطان فرضى عنه وقلده بلاد الدعوة «٥» استقلالا، وأعطاه طلبخاناه، وعزل نجم الدين وولده من نيابة الدعوة. ونعت صارم الدين بالصحوبية على عادة نواب الدعوة، وتوجه فى سابع عشر جمادى الآخرة
стр. 11899
وصحبته عز الدين العديمى أحد مفاردة الشام لتقرير أمره، وجرد صحبته جماعة من شيزر «١» وغيرها، فوصلوا إلى مصياف وتحدثوا مع أهلها، فامتنعوا، فسير السلطان إليهم، فسلموها فى العشر الأوسط من شهر رجب.
ومصياف هذه كرسى مملكة الدعوة، وبها أكابرهم، ومنها رسلهم إلى الملوك، فلما علم نجم الدين وولده سرعة هذا الاستيلاء سألوا الحضور. وحضر الصاحب نجم الدين [حسن] وعمره تسعون سنة، فرحمه السلطان وعفا عنه وولاه النيابة شريكا لابن الرضى لأنه صهره، وكان أبوه هو المشار إليه. وقرر حمل مائة وعشرين ألف درهم فى كل سنة. وتوجه نجم الدين وبقى ولده ملازما باب السلطان، وتقرر على صارم الدين بن الرضى حمل ألفى دينار فى كل سنة.
وكانت مصياف قديما بيد الأمير وثاب بن محمود بن نصر بن صالح بن مرداس «٢» من أمراء بنى كلاب فى سنة خمس وتسعين وأربعمائة، فملكها ولده ناصر الدين سابق، فباعها لعز الدين أبى العساكر سلطان بن منقذ فى سنة إحدى وعشرين وخمسمائة، وجعل فيها الحاجب سنقر، فقتله الباطنية وملكوا الحصن فى سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وبقى فى أيديهم إلى الآن.
ذكر فتوح العليقة والرّصافة
هذا الحصن من أمنع الحصون، وكان مختصا بالرضى، ثم بولده صارم الدين، فجرت من المذكور أمور أوجبت اعتقاله بمصر، ورسم للعسكر المقيم
стр. 11900
ببلاطنس «١» بمنازلتها، وسير إلى عبد الظاهر النائب بها وإلى جماعة من أهلها بالترغيب والترهيب، فتسلمها نواب السلطان فى يوم السبت حادى عشر شوال سنة تسع وستين وستمائة، واستخدم بها الرجالة، ثم هجم نواب السلطان على الرصافة، وملكت فى آخر الشهر المذكور.
ذكر فتوح بقية حصون الدعوة
كان قد تقرر على الصاحب نجم الدين عند وصوله إلى السلطان مائة ألف وعشرين ألف درهم فى كل سنة، واستقر أن يكون هو وولده «٢» فى خدمة السلطان، واستقر شمس الدين فى صحبة ركاب السلطان، فنسب إليه أنه كاتب الفرنج.
فحضر والده نجم الدين فى سنة تسع وستين وستمائة عند فتوح حصن الأكراد فاعتذر عنه، وتحدث هو وولده المذكور مع الأتابك فى تسليم القلاع، وأنهما يحضران إلى باب السلطان، فأجابهم إلى ذلك. وتوجه شمس الدين إلى الكهف لتدبير أمور أهله فى عشرين يوما ويعود، وسافر أبو، فى الخدمة إلى القرين «٣» ثم إلى الديار المصرية، فما حضر ولده وصار يعتذر «٤» عن الحضور. فكتب إليه السلطان: «أن الذى كنتم سألتموه من تسليم القلاع كأنكم رجعتم عنه، والوعد الذى وعدناكم نحن ما نخلفه، من أننا نعطيك إمرة بأربعين فارسا، وقد تسلم والدك الإقطاع» . فورد جوابه يعتذر عن الحضور ويطلب حصن العليقة،
стр. 11901
وأنه يسلم بقية الحصون. فأجيب إلى ذلك. وسير السلطان الأمير علم الدين سنجر الدوادارى وقاضى حمص فخلّفا شمس الدين بحصن الكهف، ثم طالبوه من التسليم «١» فامتنع أهل الكهف عن ذلك باتفاق منه، فعادت الرسل بذلك. ثم أعيد إليه الأمير علم الدين الدوادارى وعلم الدين شقير مقدم البريدية، فمنعا من الدخول إلى الكهف، ولم تؤخذ منهم الكتب. فأمر السلطان بمضايقتهم، فندم شمس الدين ونزل من الكهف، وجاء إلى السلطان بظاهر حماة فى سادس وعشرين صفر سنة تسع وستين، فأكرمه السلطان، فسير ورقة إلى السلطان يقول: «إن أهل الكهف كانوا جهزوا فداوية إلى الأمراء.» فغضب السلطان وأمر بإمساكه فى الوقت وإمساك أصحابه، وسيروا إلى مصر.
واستمرت مضايقة حصونهم، وأمسك وإلى الدعوة والناظر بسرمين «٢» ، وكان لهم أقارب بالخوابى، فأشار عليهم الأمير سيف الدين بلبان الدوادار بمكاتبة أقاربهم بالتسليم. فحضر منهم جماعة، وأعطاهم السلطان الخلع والنفقات وأجراهم على رسومهم، فسلموا حصن الخوابى فى سنة تسع وستين وستمائة.
واستمر امتناع أهل الكهف والمنيقة والقدموس من التسليم، فرسم السلطان للملك المنصور بمضايقة الكهف. واستمر ذلك إلى أواخر سنة إحدى وسبعين وستمائة.
فأما المنيقة: فتسلمها نواب السلطان فى ثالث ذى القعدة من السنة.
والقدموس: حضر جماعة من أكابر أهلها وبذلوا الطاعة وتسلّمت فى ذى القعدة.
стр. 11902
وأما الكهف: فتسلمه الأمير جمال الدين أقش الشهابى أحد أمراء الشام فى ثانى وعشرين ذى الحجة من السنة، وسيرت مفاتيحه صحبة رسلهم ورسل صاحب جماة، وتكمل بذلك قلاع الدعوة.
وأقيمت بها الجمع وترضى عن الصحابة رضى الله عنهم، وأظهرت شعائر الإسلام بها.
ذكر أخبار هذه الحصون
فأما حصن الكهف: فقد ذكر فى الكتب أنه الكف بغير هاء، وسمعت أكثر أهل تلك البلاد لا ينطقون فى اسمه بالهاء. وكان هذا الحصن فى يد نواب العبيديين ملوك مصر، فانتزعه الأمير ليث الدولة بن عمرون وأخذه، وبقى إلى ولاية سيف الدولة بن عمرون «١» ، فذبح على فراشه فى سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
وتولى ولده الحسن وهو خائف مما جرى على أبيه، فالتجأ إلى الإسماعيلية، واستدعى قوما منهم وأسكنهم معه فى الحصن ليتقوى بهم على بنى عمه الذين يقصدونه. فأخرجوه من الحصن وملكوه إلى هذا الوقت.
وأما القدموس: فإنه كان فى يد بنى محرز بعد ولاية العبيديين، وكان آخر بنى محرز، منير الدولة حمدان بن حسن بن محرز، فتوفى وملكه بعده ولده علم الدولة يوسف، فضعف عن حفظه، فسلمه للإسماعيلية فى سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة.
وأما حصن المنيقة: وهو فى جبل الرواديف، وبانيه رجل اسمه نصر بن مشرف الرواد فى كان قد استولى على جميع المسلمين الساكنين بجبل الرواديف وما يليه،
стр. 11903
واستقحل أمره، فأخذ وحمل إلى أنطاكية، فاستتيب وأطلق، فعاد إلى أذية المسلمين والروم، فأخذ وطلب العفو، وأعطى ولده رهينة. وتنصح للروم وقال:
«إن فى آخر عمل الروم من آخر جبل الرواديف ضيعة تعرف بالمنيقة، ومكانها يصلح أن يكون به حصن ليحفظ على جميع الأعمال» . فأجابوه إلى ذلك.
فقال: «إن المسلمين لا يمكنونكم من بنائه، وإنما أنا أدفع المسلمين عنه، وأفهمهم أننى أبنيه لنفسى، فإذا بنيته سلمته لكم» ، فاغتر الروم بقوله وأعانوه، فلما بناه استعصى به، وشرع فى بناء حصن آخر امنع منه. ثم إن نقيطا قطبان «١» أنطاكية أتى إلى الحصن وحاصره فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، فلم يظفر به، ثم عاد إليه وملكه وخرب أبرجته إلى الأرض، ثم عمرت وصارت بعد ذلك للإسماعيليه.
وأما حصن الخوابى: وهو من جبل بهراء «٢» ، فإن محمد بن على بن حامد سلمه للروم فى سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ثم صار للإسماعيلية.
هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الفتوحات وابتداء أمر هذه الطائفة.
فلنذكر خلاف ذلك من الغزوات الظاهرية والفتوحات، وما يتخلل ذلك ويناسبه من الصلح والمهادنات إن شاء الله تعالى.
стр. 11904
ذكر غزوات السلطان وفتوحاته وما وقع من المصالحات والمهادنات
ولنبدأ من ذلك بالأمور التى أوجبت انحراف السلطان عن الفرنج بالبلاد الساحلية «١» وأخذ بلادهم.
قد ذكرنا ما كان قد تقرر من الهدنة عند وصول السلطان إلى الشام فى سنة تسع وخمسين وستمائة، وأن الفرنج لم يفوا بما تقرر من إطلاق الأسرى. فلما وصل السلطان إلى جهة الطور «٢» على ما قدمناه فى سنة إحدى وستين عند القبض على الملك المغيث صاحب الكرك، وكان الفرنج قد شرعوا يحيدون عن الحق ويطلبون زرعين، والسلطان يجاوبهم «إنكم أخذتم العوض عنها فى الأيام الناصرية ضياعا من مرج «٣» عيون، وقايضتم «٤» بها صاحب تبنين «٥» » . ثم وردت رسلهم الآن يهنئون بالسلامة ويقولون: «ما عرفنا بوصول السلطان» . فأجابهم: «إن من يريد يتولى أمرا ينبغى أن يكون فيه يقظة، ومن خفى عنه هذه العساكر وجهل ما علمه الوحوش فى الفلاة والحيتان فى المياه من كثرة هذه العساكر، التى لعل بيوتكم ما فيها موضع إلا ويكنس منه التراب الذى أثارته خيل هذه العساكر، ولعل وقع سنابكها
стр. 11905
قد أصمّ سماع من وراء البحر من الفرنج وفى موغان «١» من التتار. فإذا كانت هذه العساكر تصل إلى أبواب بيوتكم ولا تدرون بها فأى شىء تعلمون» . وانفصل الرسل على هذا الحال.
ووصلت نواب يافا، ونواب أرسوف «٢» بهدية أخذت منهم «٣» ، وكانت كتبهم وردت قبل ذلك مضمونها: طلب فسخ الهدنة والندم عليها، فصارت ترد الآن ببقائهم عليها وتمسكهم بالمواثيق.
وجرت أمور ومراسلات يطول شرحها اقتضت تغير السلطان، ثم كاتبهم السلطان يقول: «أنتم فى أيام الملك الصالح إسماعيل أخذتم صفد والشقيف على أنكم تنجدونه على السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخرجتم جميعا خدمته ونجدته، وجرى ما جرى من خذلانه، وقتلكم وأسركم وأسر ملوككم ومقدميكم. وقد نقضت تلك الدولة ولم يؤاخذكم السلطان الشهيد عند فتوحه البلاد وأحسن إليكم، فقابلتم ذلك بأنكم رحتم إلى الريذ افرانس وأتيتم صحبته إلى مصر وساعدتموه حتى حوى عليكم ما جرى من القتل والأسر، فأى مرة وفيتم فيها لمملكة مصر. وبالجملة فأنتم أخذتم هذه البلاد من الصالح إسماعيل لإعانة مملكة الشام وطاعة ملكها ونصرته، وقد صارت مملكة الشام وغيرها لى وأنا لا أحتاج إلى نصرتكم، فتردّون ما أخذتموه بهذا الطريق، وتفكون جميع أسرى
следующие страницы →