Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11901–11940 · переход к 11906.
стр. 11901
وأنه يسلم بقية الحصون. فأجيب إلى ذلك. وسير السلطان الأمير علم الدين سنجر الدوادارى وقاضى حمص فخلّفا شمس الدين بحصن الكهف، ثم طالبوه من التسليم «١» فامتنع أهل الكهف عن ذلك باتفاق منه، فعادت الرسل بذلك. ثم أعيد إليه الأمير علم الدين الدوادارى وعلم الدين شقير مقدم البريدية، فمنعا من الدخول إلى الكهف، ولم تؤخذ منهم الكتب. فأمر السلطان بمضايقتهم، فندم شمس الدين ونزل من الكهف، وجاء إلى السلطان بظاهر حماة فى سادس وعشرين صفر سنة تسع وستين، فأكرمه السلطان، فسير ورقة إلى السلطان يقول: «إن أهل الكهف كانوا جهزوا فداوية إلى الأمراء.» فغضب السلطان وأمر بإمساكه فى الوقت وإمساك أصحابه، وسيروا إلى مصر.
واستمرت مضايقة حصونهم، وأمسك وإلى الدعوة والناظر بسرمين «٢» ، وكان لهم أقارب بالخوابى، فأشار عليهم الأمير سيف الدين بلبان الدوادار بمكاتبة أقاربهم بالتسليم. فحضر منهم جماعة، وأعطاهم السلطان الخلع والنفقات وأجراهم على رسومهم، فسلموا حصن الخوابى فى سنة تسع وستين وستمائة.
واستمر امتناع أهل الكهف والمنيقة والقدموس من التسليم، فرسم السلطان للملك المنصور بمضايقة الكهف. واستمر ذلك إلى أواخر سنة إحدى وسبعين وستمائة.
فأما المنيقة: فتسلمها نواب السلطان فى ثالث ذى القعدة من السنة.
والقدموس: حضر جماعة من أكابر أهلها وبذلوا الطاعة وتسلّمت فى ذى القعدة.
стр. 11902
وأما الكهف: فتسلمه الأمير جمال الدين أقش الشهابى أحد أمراء الشام فى ثانى وعشرين ذى الحجة من السنة، وسيرت مفاتيحه صحبة رسلهم ورسل صاحب جماة، وتكمل بذلك قلاع الدعوة.
وأقيمت بها الجمع وترضى عن الصحابة رضى الله عنهم، وأظهرت شعائر الإسلام بها.
ذكر أخبار هذه الحصون
فأما حصن الكهف: فقد ذكر فى الكتب أنه الكف بغير هاء، وسمعت أكثر أهل تلك البلاد لا ينطقون فى اسمه بالهاء. وكان هذا الحصن فى يد نواب العبيديين ملوك مصر، فانتزعه الأمير ليث الدولة بن عمرون وأخذه، وبقى إلى ولاية سيف الدولة بن عمرون «١» ، فذبح على فراشه فى سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
وتولى ولده الحسن وهو خائف مما جرى على أبيه، فالتجأ إلى الإسماعيلية، واستدعى قوما منهم وأسكنهم معه فى الحصن ليتقوى بهم على بنى عمه الذين يقصدونه. فأخرجوه من الحصن وملكوه إلى هذا الوقت.
وأما القدموس: فإنه كان فى يد بنى محرز بعد ولاية العبيديين، وكان آخر بنى محرز، منير الدولة حمدان بن حسن بن محرز، فتوفى وملكه بعده ولده علم الدولة يوسف، فضعف عن حفظه، فسلمه للإسماعيلية فى سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة.
وأما حصن المنيقة: وهو فى جبل الرواديف، وبانيه رجل اسمه نصر بن مشرف الرواد فى كان قد استولى على جميع المسلمين الساكنين بجبل الرواديف وما يليه،
стр. 11903
واستقحل أمره، فأخذ وحمل إلى أنطاكية، فاستتيب وأطلق، فعاد إلى أذية المسلمين والروم، فأخذ وطلب العفو، وأعطى ولده رهينة. وتنصح للروم وقال:
«إن فى آخر عمل الروم من آخر جبل الرواديف ضيعة تعرف بالمنيقة، ومكانها يصلح أن يكون به حصن ليحفظ على جميع الأعمال» . فأجابوه إلى ذلك.
فقال: «إن المسلمين لا يمكنونكم من بنائه، وإنما أنا أدفع المسلمين عنه، وأفهمهم أننى أبنيه لنفسى، فإذا بنيته سلمته لكم» ، فاغتر الروم بقوله وأعانوه، فلما بناه استعصى به، وشرع فى بناء حصن آخر امنع منه. ثم إن نقيطا قطبان «١» أنطاكية أتى إلى الحصن وحاصره فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، فلم يظفر به، ثم عاد إليه وملكه وخرب أبرجته إلى الأرض، ثم عمرت وصارت بعد ذلك للإسماعيليه.
وأما حصن الخوابى: وهو من جبل بهراء «٢» ، فإن محمد بن على بن حامد سلمه للروم فى سنة إحدى عشرة وأربعمائة، ثم صار للإسماعيلية.
هذا ما أمكن إيراده من أخبار هذه الفتوحات وابتداء أمر هذه الطائفة.
فلنذكر خلاف ذلك من الغزوات الظاهرية والفتوحات، وما يتخلل ذلك ويناسبه من الصلح والمهادنات إن شاء الله تعالى.
стр. 11904
ذكر غزوات السلطان وفتوحاته وما وقع من المصالحات والمهادنات
ولنبدأ من ذلك بالأمور التى أوجبت انحراف السلطان عن الفرنج بالبلاد الساحلية «١» وأخذ بلادهم.
قد ذكرنا ما كان قد تقرر من الهدنة عند وصول السلطان إلى الشام فى سنة تسع وخمسين وستمائة، وأن الفرنج لم يفوا بما تقرر من إطلاق الأسرى. فلما وصل السلطان إلى جهة الطور «٢» على ما قدمناه فى سنة إحدى وستين عند القبض على الملك المغيث صاحب الكرك، وكان الفرنج قد شرعوا يحيدون عن الحق ويطلبون زرعين، والسلطان يجاوبهم «إنكم أخذتم العوض عنها فى الأيام الناصرية ضياعا من مرج «٣» عيون، وقايضتم «٤» بها صاحب تبنين «٥» » . ثم وردت رسلهم الآن يهنئون بالسلامة ويقولون: «ما عرفنا بوصول السلطان» . فأجابهم: «إن من يريد يتولى أمرا ينبغى أن يكون فيه يقظة، ومن خفى عنه هذه العساكر وجهل ما علمه الوحوش فى الفلاة والحيتان فى المياه من كثرة هذه العساكر، التى لعل بيوتكم ما فيها موضع إلا ويكنس منه التراب الذى أثارته خيل هذه العساكر، ولعل وقع سنابكها
стр. 11905
قد أصمّ سماع من وراء البحر من الفرنج وفى موغان «١» من التتار. فإذا كانت هذه العساكر تصل إلى أبواب بيوتكم ولا تدرون بها فأى شىء تعلمون» . وانفصل الرسل على هذا الحال.
ووصلت نواب يافا، ونواب أرسوف «٢» بهدية أخذت منهم «٣» ، وكانت كتبهم وردت قبل ذلك مضمونها: طلب فسخ الهدنة والندم عليها، فصارت ترد الآن ببقائهم عليها وتمسكهم بالمواثيق.
وجرت أمور ومراسلات يطول شرحها اقتضت تغير السلطان، ثم كاتبهم السلطان يقول: «أنتم فى أيام الملك الصالح إسماعيل أخذتم صفد والشقيف على أنكم تنجدونه على السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب، وخرجتم جميعا خدمته ونجدته، وجرى ما جرى من خذلانه، وقتلكم وأسركم وأسر ملوككم ومقدميكم. وقد نقضت تلك الدولة ولم يؤاخذكم السلطان الشهيد عند فتوحه البلاد وأحسن إليكم، فقابلتم ذلك بأنكم رحتم إلى الريذ افرانس وأتيتم صحبته إلى مصر وساعدتموه حتى حوى عليكم ما جرى من القتل والأسر، فأى مرة وفيتم فيها لمملكة مصر. وبالجملة فأنتم أخذتم هذه البلاد من الصالح إسماعيل لإعانة مملكة الشام وطاعة ملكها ونصرته، وقد صارت مملكة الشام وغيرها لى وأنا لا أحتاج إلى نصرتكم، فتردّون ما أخذتموه بهذا الطريق، وتفكون جميع أسرى
стр. 11906
المسلمين، وغير ذلك لا أقبله.» فلما سمعوا هذه المقالة قالوا: «نحن لا ننقض الهدنة ونطلب مراحم السلطان فى استدامتها، ونفك الأسرى» . فقال السلطان:
«كان هذا قبل خروجى فى هذا الشتاء ووصول هذه العساكر «١» » . وانفصلوا على هذه الصورة، وأمر أنهم لا يبيتون فى الوطاق «٢» . ورسم بهدم كنيسة الناصرة وهى أكبر مواطن عبادات النصرانية. فتوجه الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى إليها وهدمها إلى الأرض، فلم يجسر أحد من سائر الفرنجية أن يخرج من باب عكا. ثم جرد السلطان الأمير بدر الدين الأيدمرى وصحبته جماعة فتوجهوا إلى جهة عكا وهجموا إلى أبوابها، ثم توجه الأمير المذكور مرة أخرى فأغار على المواشى واستباح منها شيئا كثيرا، وأحضر ذلك إلى المخيم المنصور.
ذكر مسير السلطان إلى عكا «٣»
وفى ليلة السبت رابع جمادى الآخرة سنة إحدى وستين: ركب السلطان وجرد من كل عشرة فارسا صحبته، واستناب الأمير شجاع الدين الشبلى أمير مهمندار «٤» فى الدهليز، وساق من منزلة الطور نصف الليل. فلما أصبح وقف قريب عكا فى الوادى الذى بقربها، ومنه يشرف عليها. وأمر الناس بلبس السلاح ورتب العساكر وساق وطاف بعكا من جهة البر، وسير جماعة إلى برج
стр. 11907
كان قريبا منها فيه جماعة فحاصروه، وللوقت عملت فيه الثقوب إلى قرب وقت المغرب والفرنج ينظرون من أبواب المدينة وتل الفضول «١» . ثم رجع السلطان إلى الدهليز قريب البرج المذكور عند الماء. ولما أصبح ركب وساق إليها، وكان الفرنج قد حفروا خنادق حول تل الفضول وجعلوها معاثر فى الطريق. ووقف الفرنج صفوفا على التل، ورتب السلطان العساكر للقتال بنفسه، وردمت تلك الخنادق بحوافر الخيل وأيدى الغلمان والفقراء المجاهدين. وطلع الناس إلى تل الفضول وانهزم الفرنج إلى المدينة. وحرق الناس ما حول عكا من الأبراج والأسوار وقطعوا الأشجار. وساق العسكر إلى أبواب عكا يقتلون ويأسرون، فقتل جماعة كثيرة من الفرنج فى ساعة واحدة، وأسرت جماعة بخيولهم، وجرح أكابرهم ووقعوا فى الخندق بخيولهم، وهرب من بقى من الفرنج إلى الأبواب.
ثم ساق السلطان وقت العصر إلى البرج الذى كان النقابون علقوه، ووقف حتى رمى وأخرج منه بالأمان أربعة خيالة أخوة، ونيف وثلاثين راجلا [وبات السلطان على ذلك «٢» ] . وأصبح السلطان وكشف بلاد الفرنج مكانا مكانا، وعبر على على كنيسة الناصرة «٣» ، ثم رجع وجلس على مسطبة كان قد أمر ببنائها قبالة الطور «٤» ، وأوقد الشموع وأحضر الصاحب فخر الدين وزير الصحبة «٥» ، وجماعة
стр. 11908
كتاب الدرج «١» ، وكتاب الجيش، والسديد المعز «٢» مستوفى الصحبة «٣» . وجعل الأمير سيف الدين بلبان الزينى أمير علم «٤» جالسا عند ديوان الجيش لكناية الأمثلة «٥» وتجهيز الطليخاناه، والأتابك «٦» بين يدى السلطان. واستدعى من جشاراته «٧» خمسمائة فرس برسم الطلبخاناه وخيول الأمراء، وأحضرت الخلع الكثيرة، ولم تزل المثالات والمناشير تكتب والسلطان يعلم، وكتب بين يديه فى تلك الليلة ستة وخمسون منشورا كبارا بخطب وهو يعلم، والنائب يكتب، و [كتاب «٨» ] ديوان الجيش يثبتون، ومستوفى الصحبة ينزل حتى كملت بين يديه. وأصبح السلطان فخلا بنفسه وجهز الطلبخاناه والصناجق والخيل والخلع للأمراء، وجعل الأمير ناصر الدين القميرى نائب السلطنة بالفتوحات الساحلية، ورحل من الطور وتوجه إلى الكرك وفتحها على ما قدمنا ذكره.
ذكر قصد متملك الأرمن حلب المحروسة
وفى سنة اثنتين وستين وستمائة: وصل هيتوم بن قسطنطين متملك الأرمن
стр. 11909
من جهة هولاكو، وتوجه قبل دخوله إلى بلاده إلى السلطان ركن الدين صاحب الروم، فعزم [صاحب الروم «١» ] على الإيقاع به على غرة، ثم ينسب ذلك إلى التركمان، فشعر هيتوم «٢» بذلك، وكان قد استصحب معه قاضى بلاد هولاكو ليصلح بينه وبين صاحب الروم، وأعطاه عطاء كثيرا واستماله، فقال له هيتوم:
«لا أقدر على دخول بلاد الروم حتى تحضر جماعة من التتار يخفروننى «٣» » . فكتب القاضى إلى التتار الذين بالروم، فحضر منهم أربعمائة فارس، فتوجه بهم إلى السلطان ركن الدين، فخرج إليه وتلقاه مترجلا لأجل القاضى، والأرمتى لم يترجل، وقدم كل منهما للآخر تقدمة، لكن كانت تقدمة صاحب الروم لهيتوم أكثر، ثم جاءوا جميعهم إلى هرقلة «٤» وتحالفا واتفقا، واهتم هيتوم بجمع العساكر لقصد البلاد الإسلامية. وكان فى عسكره من بنى كلاب ألف فارس فقصد عين تاب.
وكان السلطان قد اطلع على هذا الأمر لاهتمامه بالاستطلاع على الأخبار، فسير إلى عسكر حماة وعسكر حمص بالتوجه إلى حلب، فتوجهوا، وتوجه جماعة من العسكر المصرى، فأغاروا على الأرمن وأسر أمير من أمراء هيتوم، وأخذ له مائة جمل من البخاتى فولوا منهزمين، وقتل منهم جماعة، وجرح صاحب حموص «٥» قرابة هيتوم الملك جراحة شديدة، فكتب الأرمنى إلى التتار الذين بالروم، وهم
стр. 11910
سبعمائة، فحضروا إليه لقصد الشام؛ فلما وصلوا إلى مرج «١» حارم وقعت ثلوج شديدة، وكان الأرمنى قد كتب إلى أنطاكية يطلب نجدة، فأنجد منها بمائة وخمسين فارسا، ولبسوا كلهم السراقوجات «٢» تشبها بالتتار، واجتمعوا كلهم بالقرب من مرج حارم فكادوا يهلكون من كثرة الثلوج والأمطار، وخرج العسكر المنصور لقصدهم، وانقطعت عنهم الميرة فتأخروا راجعين، فعدم من أصحاب الأرمنى مائة وعشرون فارسا، وثلاثون تتربا، وستة من خيالة أنطاكية وجماعة من رجالتهم.
ثم اهتم هيتوم بعد ذلك وجمع العساكر وفصلّ ألف قباء تترى وألف سراقوج ألبسها أصحابه، ليوهم أنهم نجدة من التتار. فجرد السلطان عسكرا من دمشق إلى حمص وجماعة من حماة، وتوجه الأمير حسام الدين العين تابى فأغار على مرزبان «٣» وقتل وأسر وعاد سالما. وتوالت الغارات من جميع الجهات، فتفرق جمع هيتوم، وعدل العسكر الإسلامى إلى أنطاكية فغنم وقتل وأسر.
وفى جمادى الآخرة منها: أغارت العساكر التى بالساحل صحبة الأمير ناصر الدين القيمرى ووصلت إلى أبواب عكا.
وفى شهر رمضان من السنة: وصل كتاب الأمير ناصر الدين المذكور، يذكر أنه بلغه أن الفرنج توجهوا إلى جهة يافا، فأمره السلطان بالغارة على قيسارية «٤»
стр. 11911
وعثليث، فساق إلى باب عثليث فنهب وقتل وأسر، ثم ساق إلى قيسارية واعتمد فيها مثل ذلك. فرجع الذين ببافا.
ذكر محاصرة التتار البيرة وتجريد العساكر وانهزام العدو «١»
كان السلطان قد توجه إلى جهة العباسة «٢» ، فى أوائل سنة ثلاث وستين وستمائة، للصيد ورمى البندق كما قدمناه، فأتته الأخبار أن التتار قد جمعوا ونازلوا البيرة، وللوقت أمر الأمير بدر الدين الخزندار بالركوب على الخيل السوابق إلى القلعة، وأنه ساعة وصوله يجرد أربعة آلاف فارس من العسكر الخفيف. ورجع السلطان إلى القلعة فبات ليلة واحدة، وجهز الأمير عز الدين إيغان، ورسم له بتقدمة العساكر وصحبته الأمير فخر الدين الحمصى، والأمير بدر الدين بيليك الأيدمرى، والأمير علاء الدين كشتغدى الشمسى وجماعة من الأمراء والحلقة «٣» .
وتوجهت هذه العساكر فى رابع عشر ربيع الأول، وأمر الأمير جمال الدين أيدغدى الحاجبى بالسفر فى أربعة آلاف فارس أخر، فخرجوا بعد العسكر الأول بأربعة أيام، وشرع السلطان فى التجهيز، وخرج فى خامس شهر ربيع الآخر،
стр. 11912
ورحل فى سابع الشهر، ووصل إلى غزة فى العشرين منه، فوصلت كتب النواب: إن العدو نصب على البيرة سبعة عشر منجنيقا. فكتب إلى الأمير عز الدين إيغان يستحثه على سرعة الحركة، ويقول: «متى لم تدركوا هذه القلعة؟
وإلا سقت إليها بنفسى جريدة» . فساق العسكر وحث السير، فلما كان فى السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، ورد البريد من جهة الأمير جمال الدين النجيى نائب السلطنة بالشام وعطف كتابه بطاقة «١» من الملك المنصور صاحب حماة مضمونها: أنه وصل إلى البيرة بالعساكر المنصورة صحبة الأمير عز الدين إيغان، وأن التتار عندما شاهدوهم هربوا، ورموا مجانيقهم وغرقوا مراكبهم، وانهزموا لا يلوى أحد منهم على أحد. ثم وصلت أربعة من مماليك الأمراء بالبشارة. وورد كتاب الأمير جمال الدين أقوش «٢» المغيثى النائب بالبيرة يذكر صورة الحال، وأنه لما كثر العدو على القلعة وطم الخندق، حفر أهل البيرة حفيرا قدر قامة، وعملوا منه سردابا نافذا إلى الأحطاب التى كان العدو رماها فى الخندق فأضرموا فيها النار، فاحترقت جميعها، ثم سد المسلمون السرّب المحفور.
وذكر مصابرة أهل الثغر، وأن نساءهم فعلن من حسن البلاء فى مصابرة الأعداء ما لم يفعله الرجال. ومن جملة ما وصف أن برجا واحدا كان عليه خمسة عشر منجنيقا وثبت شهرين. فكتب السلطان بإطابة قلوب من بالثغر، وعينت أمثلة «٣»
стр. 11913
بالإقطاعات لمن جاهد من البحرية وغيرهم بالبيرة. واستشهد صارم الدين بكتاش الزاهدى «١» أحد الأمراء المجردين بها بحجر منجنيق، وترك موجودا كثيرا وبنتا واحدة؛ فرسم السلطان بجميع ميراثه لابنته. واهتم السلطان بأمر القلعة، وكتب إلى جميع القلاع والولايات «٢» بما يحملونه إلى هذا الثغر من الأموال والغلال والأسلحة والعدد وغير ذلك، مما يحتاج أهل هذه القلعة إليه لمدة عشر سنين.
وكتب إلى الأمراء والملك المنصور صاحب حماة أنهم لا يتحركون «٣» من مكانهم حتى ينظفوا الخندق وينقلوا الحجارة التى فيه، ففعلوا ذلك وأقاموا مدة بسببه.
ووردت كتب الأمراء يخبرون أنه لما كانت نوبة الأمير عز الدين إيغان والأمير فخر الدين الحمصى والأمير بدر الدين الأيدمرى وجماعة من البحرية، وكانت خيلهم ترعى فى الجانب الشامى وهم يعملون، فأحاط بهم فرقة من التتار المغل ملبسين «٤» ، فأجمعوا ورموهم بالنشاب وأنكرهم بالجراحات فولوا منهزمين، وساق العسكر خلفهم فوجد منهم جماعة قد هلكوا فى الطريق من الجراحات، وقتل جماعة فى ذلك اليوم. فاستدعى السلطان من الديار المصرية مائتى ألف درهم ومائتى تشريف، وكتب إلى دمشق بتجهيز مائة تشريف ودراهم، وجهز ذلك إلى البيرة، وكتب إلى الأمير عز الدين إيغان بأن يحضر أهل القلعة جميعهم من
стр. 11914
الأمراء والجند والعوام ويخلع عليهم وينفق فيهم المال حتى الحراس والضوية «١» .
ثم عاد الأمراء بعد أن نظفوا الخندق ونقلوا إلى القلعة زلطا كثيرا. ولما وصلوا رسم السلطان أن يكون الأمير جمال الدين المحمدى مقدما على العساكر المصرية والشامية لكبر سنه، والأمير عز الدين إيغان يتحدث فى المهمات وإطلاق الأموال وترتيب أمور البلاد.
هذا ما أتفق من أمر البيرة. فلنذكر ما افتتحه السلطان من البلاد الساحلية فى هذه السفرة.
ذكر الفتوحات بالبلاد الفرنجية فى هذه السفرة
قال: لما وصلت الأخبار إلى السلطان وهو بالساحل بانهزام التتار، واستقر خاطره من تلك الجهة، ثنى أعنته الى جهة الفرنج وجرد العزائم نحوهم. وركب من العوجاء بعد رحيل الأطلاب للصيد فى غاية أرسوف. ورتب الحلقة ودخل الغابة وتصيد. ثم ساق إلى أرسوف «٢» وقيسارية وشاهدهما وعاد إلى دهليزه «٣» ، فوجد أخشاب المجانيق قد وصلت صحبة زرد خاناه. فأمر الأمير عز الدين أمير جاندار أن ينصب عدة مجانيق مغربية وفرنجية، فعمل فى ذلك اليوم أربع منجنيقات كبارا وعدة من الصغار. وكتب إلى القلاع يطلب المجانيق والصناع والحجارين
стр. 11915
ورسم للعسكر بعمل سلاليم وعين لكل أمير عدة منها، ورحل إلى قريب عيون الأساور «١» وأمر العسكر بعد العشاء الآخرة بلبس السلاح وأخذ أهبة الحرب، وركب قريب وقت الصبح وساق إلى قيسارية على حين غفلة من أهلها.
ذكر فتوح قيسارية «٢»
نزل السلطان عليها فى يوم الخميس تاسع جمادى الأولى سنة ثلاث وستين وستمائة، وللوقت طاف بها وهاجمها الناس، وألقوا نفوسهم فى خنادقها، وعمدوا إلى سكك الخيل الحديد «٣» والشّبح والمقاود «٤» فتعلقوا فيها وطلعوا من كل جانب، ونصبت عليها الصناجق، وحرقت أبوابها، فهرب أهلها إلى قلعتها. فنصبت المجانيق على القلعة وهى من أحصن القلاع وأحسنها، وتعرف بالخضراء. وكان الريدا فرانس حمل إليها العمد الصوان وأتقنها، ولم ير فى الساحل أحسن منها عمارة ولا أمنع ولا أرفع، لأن البحر حافّ بها، وجايز فى خنادقها، والنقوب لا تعمل فيها للعمد الصوان المصلبة فى بنائها، حتى إذا علقت لا تقع. فاستمر الزحف عليها ورمى المنجينقات وعملت دبابات «٥» وزحافات «٦» . وكان السلطان يركب فى بعض الدبابات وتجر من
стр. 11916
تحته بالعجل حتى يصل إلى الأسوار ويرى النقوب. وأخذ فى بعض الأيام بيده ترسا وقاتل، وما رجع إلا وفى ترسه عدة سهام. وفى ليلة الخميس منتصف الشهر حضر الفرنج وسلموا القلعة بما فيها، وتسلق المسلمون إليها من الأسوار وحرقوا الأبواب ودخلوا من أعلاها وأسفلها، وأذن بالصبح عليها. وطلع السلطان إلى القلعة وقسم المدينة على أمرائه وخواصه ومماليكه وحلقته، وشرع فى الهدم وأخذ بيده قطاعة وهدم بنفسه ويده.
وقيسارية هذه من المدن القديمة فتحت فى صدر الإسلام فى سنة تسع عشرة للهجرة، على يد معاوية بن أبى سفيان، بعد قتال عظيم، ولم يكن معاوية أمير الجيش، إنما كان من قبل أخيه يزيد بن معاوية.
وفى جماد الأول: جرد السلطان الأمير شهاب الدين القيمرى بجماعة من عسكر الساحل لجهة بيسان «١» ، فسير جماعة من العربان والتركمان للإغارة على عكا، فأغاروا ووصلوا إلى أبوابها وغنموا وعادوا.
ذكر التوجه إلى عثليث «٢» وأخذ حصن الملوحة وحيفا
قال: ولما قارب السلطان الفراغ من هدم قيسارية سير الأمير شمس
стр. 11917
سنقر الألفى الظاهرى، والأمير سيف الدين المستعربى. وجماعة فهدموا قلعة للفرنج عند الملوحة «١» وكانت عاصية فدكوها إلى الأرض.
وفى سادس وعشرين جمادى الأولى: توجه السلطان إلى عثليث جريدة، وسير الأمير شمس الدين سنقر السلاح «٢» دار الظاهرى والأمير عز الدين الحموى، والأمير شمس الدين سنقر الألفى الظاهرى إلى حيفا، فساروا إليها ودخلوا قلعتهما، فنجا الفرنج بأنفسهم إلى المراكب بعد أن قتل منهم وأسر. وأحضرت الأسرى والرؤس، وأخربوا المدينة وقلعتها وأحرقوا أبوابها، وذلك جميعه فى يوم واحد.
وأما السلطان فإنه وصل إلى عثليث وأمر بتشعيثها وقطع أشجارها، فقطعت جميعها وخربت أبنيتها فى ذلك النهار، وعاد السلطان إلى قيسارية وكمل هدمها.
ذكر فتوح أرسوف «٣»
وفى تاسع وعشرين جمادى الأولى من السنة: رحل السلطان من قيسارية وسار إلى أرسوف، فنازلها فى مستهل جمادى الآخرة، وأمر بنقل الأحطاب فصارت حولها كالجبال الشاهقة، فعملت منها الستائر، وأمر بحفر سربين «٤» من خندق المدينة الى خندق القلعة، وأسقفت بالأخشاب وسلمها لأكابر الأمراء، وعمل طريق من الخندقين إلى القلعة، فخرج الفرنج لإحراق الأحطاب
стр. 11918
فطلبهم الأمير سيف الدين قلاون الألفى وغيره، وقلب على الأحطاب المياه فطفئت «١» النيران. ولما تكامل ردم الخندق بالأحطاب، تحيل الفرنج ونقبوا من داخل القلعة إلى أن وصلوا إلى تحت الردم وعملوا بتاتى «٢» ملآنة أدهانا وشحوما وأضرموا النيران وعملوا فى النقوب المفاتح «٣» ، ولم يعلم العسكر بذلك إلا بعد تمكن النيران، فاحترقت تلك الأحطاب جميعها وكان ذلك فى الليل. وجاء السلطان بنفسه وسكب المياه بالروايا، فلم تقد شيئا. فعند ذلك تقدم السلطان إلى الأمير شمس الدين سنقر الرومى والأمير بدر الدين بيسرى، والأمير بدر الدين الخزندار، والأمير شمس الدين الدكز الكركى، وجماعة من الأمراء، وهم نصف الأمراء الصنجقية «٤» ، وميمنة الأمراء البحرية، وميمنة الأمراء الظاهرية، وميمنة الحلقة، بأن يأخذوا من مكانهم فى باب السرب من حافات الخندق من جهة سوره حفرا إلى البحر الملح «٥» . وتقدم إلى الأمير سيف الدين قلاون الألفى، والأمير علم الدين الحلبى، والأمير سيف الدين كرمون وجماعة الأمراء، وهم نصف الأمراء الصنجقية من جهة الميسرة وميسرة الحلقة والبحرية، بأن يحفروا من الجهة الأخرى، وأن يحفر [وا] من كل ناحية من هذه النواحى سربا يكون حائط خندق وساترا له.
стр. 11919
وتحفر فى هذا الحائط أبواب يرمى التراب فيها ويترك فى هذه السروب حتى يساوى أرضها بأرض الخندق، وعذق «١» هذا الأمر بعز الدين أيبك الفخرى أحد أصحاب الأتابك، فأستمر العمل فى هذه الخنادق والسلطان طائف فيها بنفسه ويعمل بيده، وهو تارة فى السروب، وتارة فى الأبواب التى تفتح، وتارة على حافة البحر، ويرامى مراكب الفرنج ويجر فى المنجنيق ويرمى من الستائر «٢» .
وحكى عنه الأمير جمال الدين بن نهار، ﵀، قال: «رأيت السلطان فى هذا النهار رمى بثلاثمائة سهم نشابا» . واتفق أن السلطان حضر إلى السرب وقعد فى رأسه خلف طاقة يرمى فيها، فخرج جماعة من الفرنج الفرسان ومعهم الرماح بالخطاطيف فلم يشعر إلا وهم على باب السرب، فقام وقاتلهم يدا بيد، وكان معه الأمير شمس الدين سنقر الرومى والأمير بدر الدين بيسرى والأمير بدر الدين الخزندار وغيرهم. وصار سنقر الرومى يناوله الحجارة، فقتل بها فارسين، وقطع الأمير حسام الدين الدوادار أحد الخطاطيف بسيفه وجرح فى عضده، ورجع الفرنج على أسوأ حال.
وحضر فى هذه الغزاة جمع كبير من العباد «٣» والزهاد والفقهاء والفقراء وأصناف العباد، ولم يعهد فيها خمر ولا شىء من الفواحش، بل كانت «٤» النساء
стр. 11920
الصالحات يسقين الماء ويجررن فى المجانيق. وأطلق السلطان لجماعة من الصالحين الرواتب مثل: الشيخ على المجنون والشيخ إلياس، وأطلق للشيخ على البكا جملة من المال.
قال: وأهتم بأمر المجانيق وأحضرها من دمشق، وعمل كرمون أغا منجنيقا بسبعة سهام وأثر أثرا حسنا. وكان للأمير عز الدين أيبك الأقرم أمير جاندار فى هذه الغزاة أوفر نصيب، وهو الذى تولى أمر المجانيق.
قال: ولما أثرت المجانيق فى هذه الأسوار ونجزت الأسربة التى إلى جانب الخندق من الجهتين وفتحت فيها أبواب متسعة حصل الزحف على أرسوف فى يوم الاثنين ثامن شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة، وافتحت فى يوم الخميس.
وذلك أن الباشورة «١» سقطت فى الساعة الرابعة من النهار، وطلع المسلمون إليها تسلقا «٢» ، وما أحس الفرنج بالمسلمين إلا وقد خالطوهم من كل باب. ورفعت الأعلام على الباشورة، وحفت بها المقاتلة، وطرحت النيران فى أبوابها. وأعطى السلطان صنجقه للأمير شمس الدين الرومى، وأمره أن يؤمن الفرنج به من القتل عند ما طلبوا الأمان. فلما رآه الفرنج بطلوا القتال، وسلم الصنجق للأمير علم الدين سنجر المسرورى الحاجب المعروف بالخياط، ودليت له الحبال من قلعة أرسوف فربطها فى وسطه والصنجق معه، ونشله الفرنج إلى القلعة فأخذ
стр. 11921
سيوفهم، وأحضروا فى الحبال [إلى السلطان «١» ] .
ولما خلت القلعة من الفرنج أباحها السلطان للمسلمين بجميع ما فيها من أموال وغلال وذخائر. وكان بها جملة من الخيول والبغال لم يتعرض [لشىء «٢» ] منها إلا لما اشتراه بالمال. وكان فى أسر الفرنج جماعة من المسلمين خلصوا فى تلك الساعة وأخذت قيودهم وقيد بها الفرنج. وجرد جماعة من المقدمين يتوجهون مع الأسرى. وسير لكل أمير جماعة، ولكل مقدم جماعة. وشرع السلطان فى تقسيم أبراج أرسوف على الأمراء، وجعل هدمها دستورهم «٣» ، ورسم بأحضار الأسارى لإخرابها، فكانوا كما قال الله تعالى: يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ
«٤» .
ورحل السلطان عن أرسوف بعد استكمال هدمها فى يوم الثلاثاء ثالث وعشرين شهر رجب سنة ثلاث وستين وستمائة.
ذكر ما ملكه السلطان لأمرائه من النواحى التى فتحها الله على يده
قال: لما فتح الله تعالى على السلطان قيسارية أمر الأمير سيف الدين الدوادار الرومى بكشف بلادها وتحقيق متحصلاتها، وعملت أوراق بذلك.
ولما فتح الله أرسوف طلب [السلطان] قاضى القضاة بدمشق وجماعة من
стр. 11922
العدول ووكيل بيت المال، وتقدم بأن يملك الأمراء [المجاهدون «١» ] من البلاد التى فتحها الله على يديه ما يأتى ذكره. وكتبت التواقيع لكل منهم ولم يطلعوا عليها، ولما كملت التواقيع قرئت «٢» على أربابها، وكتب بذلك مكتوب جامع بالتمليك:
ونسخته بعد البسملة:
أما بعد حمد الله على نصرته المتناسقة العقود، وتمكينه الذى «٣» رفلت الملة الإسلامية منه فى أصفى البرود، وفتحه الذى إذا شاهدت العيون مواقع نفعه وعظيم وقعه علمت أنه الأمر ما يسود من يسود.
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذى جاهد الكفار، وجاهرهم بأعمال السيف البتار، وأعلمهم لمن عقبى الدار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تتواصل بالعشى والأبكار.
فإن خير النعم نعمة وردت بعد اليأس، وجاءت بعد توحشها وهى حسنة الإيناس، وأقبلت على فترة من تخاذل الملوك وتهاون الناس، (وصرعت أبواب الجهاد وقد غلقت فى الوجوه، وأنطقت السنة المنابر وشفاة المحابر بالبشائر التى ما اعتقد أحد أنه بها يفوه «٤» ) ، فأكرم بها نعمة على الإسلام وصلت للملة المحمدية
стр. 11923
أسبابا، وفتحت للفتوحات أبوابا، وهزمت من التتار والفرنج العدوين، ورابطت بين الملح الأجاج والعذب الفرات بالبرين والبحرين، وجعلت عساكر الإسلام تذل الفرنج بغزوهم فى عقر الدار، وتجوس من حصونهم المانعة خلال الديار والأمصار، وتملأ خنادقهم بشاهق الأسوار، وتقود من فضل عن شبع السيف الساغب فى قبضة القيد إلى حلقات الأسار. ففرقة منها تقتلع للفرنج قلاعا وتهدم حصونا، وفرقة تبنى ما هدم التتار بالمشرق وتعليه تحصينا. وفرقة تتسلم بالحجاز «١» قلاعا شاهقة وتتسنّم هضابا سامقة، فهى بحمد الله البانية الهادمة والمفيدة العادمة والقاسمة الراحمة. كل ذلك بمن أقامه الله للأمة الإسلامية راحما، وجرد به سيفا قد شحذت التجارب حديه ففرى، وحملت رياح النصرة ركابه تسخيرا فسار إلى مواطن الظفر وسرى، وكونته السعادة ملكا إذا رأته فى دستها قالت تعظيما: «هذا ملك ما هذا بشرا» . وهو مولانا السلطان الأجل العالم العادل المؤيد المنصور، ركن الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، سيد الملوك والسلاطين، محيى العدل فى العالمين، قاتل الكفرة والمشركين، قاهر الخوارج والمتمردين، سلطان بلاد الله، حافظ عباد الله، وارث الملك سلطان العرب والعجم والترك، اسكندر الزمان، صاحب القرآن، ملك البحرين صاحب القبلتين، خادم الحرمين الشريفين، الآمر ببيعة الخليفتين صلاح الجمهور صاحب البلاد والأقاليم والثغور، فاتح الأمصار، مبيد التتار، ناصر الشريعة المحمدية، رافع علم الملة الإسلامية، مقتلع القلاع من الكافرين، القائم بفرض
стр. 11924
الجهاد فى العالمين «١» أبو الفتح «٢» بيبرس قسيم أمير المؤمنين، جعل الله سيوفه مفاتيح «٣» البلاد وأعلامه أعلاما من الأسنة، على رأسها نار لهداية العباد، فإنه آخذ البلاد ومعطيها، وواهبها بما فيها، وإذا عامله الله بلطفه شكر، وإذا قدر عفا وأصلح، فكم وافقه قدر، وإذا أهدت إليه النصرة فتوحا بسيفه قسمها فى حاضريها لديه متكرما، وقال الهدية لمن حضر، وإذا خوله الله تخويلا من بلاد الكفر وفتح على يديه قلاعا جعل الهدم للأسوار، والدماء للسيف البتار، والرقاب للإسار، والنواحى المزروعة للأولياء والأنصار، ولم يجعل لنفسه إلا ما تسطره الأملاك فى الصحائف لصفاحه «٤» من الأجور، وتطوى عليه طويات السّير التى غدت بما فتحه الله من الثغور باسمه باسمة الثغور.
فتى جعل البلاد من العطايا ... فأعطى المدن واحتقر الضياعا
سمعنا بالكرام وقد رأينا «٥» ... عيانا ضعف ما فعلوا سماعا
إذا فعل الكرام على قياس ... جميلا كان ما فعل ابتداعا
ولما كان- خلد الله سلطانه- بهذه المثابة، وفتح الفتوحات التى أجزل الله بها أجره وثوابه، وله أولياء كالنجوم إنارة وضياء، وكالأقدار نفاذا ومضاء، وكالعقود تناسقا، وكالوبل تلاحقا إلى الطاعة وتسابقا، وكالنفس الواحدة
стр. 11925
عبودية له وتصادقا، رأى- خلد الله سلطانه- أن لا ينفرد عنهم بنعمة، ولا يتخصص ولا يستأثر بمنحة غدت بسيوفهم تستنقذ، وبعزائمهم تستخلص، وأن يؤثرهم على نفسه، ويقسم «١» عليهم الأشعة من أنوار شمسه، ويبقى للولد منهم وولد الولد ما يدوم إلى آخر الدهر ويبقى على الأبد، ويعيش الأبناء فى نعمته كما عاش الآباء. وخير الإحسان ما شمل، وأحسنه ما خلد، فخرج الأمر العالى لا زال يشمل الأعقاب والذرارى، وينير إنارة «٢» الأنجم الدرارى، أن يملك جماعة أمرائه وخواصه الذين يذكرون، وفى هذا المكتوب الشريف يسطرون، ما يعين من البلاد والقرى والضياع على ما يشرح ويبين من الأوضاع وهو:
المولى الأتابك فارس الدين أقطاى الصالحى* عتيل بكمالها الأمير جمال الدين إيدغدى العزيزى النصف من زيتا الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى نصف طور كرم الأمير بدر الدين بيليك الخزندار الظاهرى نصف طور كرم الأمير شمس الدين الدكز «٣» الكركى ربع زيتا الأمير سيف الدين قليج البغدادى ربع زيتا الأمير ركن الدين بيبرس خاص ترك الكبير الصالحى أفراسين «٤» بكمالها
стр. 11926
الأمير علاء الدين أيدكين البندقدار الصالحى باقة الشرقية بكمالها الأمير عز الدين أيدمر الحلى «١» الصالحى نصف قلنسوة الأمير شمس الدين سنقر الرومى الصالحى نصف قلنسوة الأمير سيف الدين قلاون الألفى الصالحى نصف طيبة الاسم الأمير عز الدين إيغان الركنى سم الموت نصف طيّبة الاسم الأمير جمال الدين أقش النجيبى نائب سلطنة الشام أم الفحم بكمالها من قيسارية الأمير علم الدين سنجر الحلبى الصالحى بثان «٢» بكمالها الأمير جمال الدين أقش المحمدى الصالحى نصف بورين الأمير فخر الدين الطنبا الحمصى نصف بورين الأمير جمال الدين أيدغدى الحاجبى الناصرى نصف بيزين «٣» الأمير بدر الدين بيليك الأيدمرى الصالحى نصف بيزين الأمير فخر الدين عثمان بن الملك المغيث ثلث حلمة «٤» الأمير شمس الدين سلار البغدادى ثلث حلمة
стр. 11927
الأمير صارم الدين ضراغان «١» التترى ثلث حلمة الأمير ناصر الدين القيمرى نصف البرج الأحمر الأمير سيف الدين بلبان «٢» الزينى الصالحى نصف البرج الأحمر الأمير سيف الدين إيتامش السعدى نصف يما الأمير شمس الدين آقسنقر السلحدار الظاهرى نصف يمّا الملك المجاهد سيف الدين إسحق صاحب الجزيرة نصف ديابة «٣» الملك المظفر علاء الدين أخوه صاحب سنجار نصف ديابة الأمير بدر الدين محمد بى بن بركة خان دير الغصون «٤» بكمالها الأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار نصف الشّويكة الأمير سيف الدين كرمون أغا [التترى «٥» ] نصف الشويكة الأمير بدر الدين بيليك الوزيرى نصف طبرس الأمير ركن الدين منكورس الدوادارى نصف طبرس الأمير سيف الدين قشتمر العجمى علارّ بكمالها
стр. 11928
الأمير علاء الدين أخو الدوادار نصف عرعرا «١» الأمير سيف الدين سنجق «٢» البغدادى نصف عرعرا الأمير سيف الدين دكاجك «٣» البغدادى نصف فرعون الأمير علم الدين سنجر الأزكشى نصف فرعون الأمير علم الدين سنجر طردح الآمدى «٤» استابا بكمالها «٥» الأمير حسام الدين إيتمش بن أطلس خان سيدا بكمالها الأمير علاء الدين كندغدى الظاهرى أمير مجلس الصبر الفوقا «٦» الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى نصف أرتاح الأمير شمس الدين سنقر الألفى نصف أرتاح الأمير علاء الدين «٧» طيبرس الظاهرى نصف باقة الغربية الأمير علاء الدين على سكز «٨» نصف باقة الغربية
стр. 11929
الأمير عز الدين أيدمر الفخرى الأتابكى القصير بكمالها الأمير علم الدين سنجر الصير فى الظاهرى أخصاص بكمالها الأمير ركن الدين بيبرس المعزى «١» نصف قفين الأمير شجاع الدين [طغريل الشبلى «٢» ] أمير مهمندار نصف كفر راعى الأمير علاء الدين كندغدى الحبيشى مقدم الأمراء البحرية نصف كفر راعى الأمير شرف الدين يعقوب بن أبى القاسم نصف كسفا «٣» الأمير بهاء الدين يعقوب «٤» بن الشهرزورى نصف كسفا «٥» الأمير جمال الدين موسى بن يغمور أستاد الدار العالية نصف برويكة «٦» الأمير علم الدين سنجر الحلبى «٧» الغزاوى نصف برويكة الأمير علم الدين سنجر أمير جاندار «٨» نصف حانوتا من أرسوف الأمير سيف الدين بيدغان الركنى فرديسيا بكمالها من «٩» قيسارية
стр. 11930
الأمير عز الدين أيدمر الظاهرى نائب الكرك ثلث جبلة «١» من أرسوف الأمير شمس الدين سنقرجاه الظاهرى ثلث جبلة من أرسوف [الأمير جمال الدين أقوش السلاح دار الرومى ثلث جبلة من أرسوف «٢» ] الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح ثلث جلجولية الأمير بدر الدين بكتوت بجكا الرومى ثلث جلجولية الأمير علاء الدين كشتغدى الشمسى الصالحى ثلث جلجولية وكتب من كتاب التمليك الشرعى الجامع نسخ، وفرقت لكل أمير نسخة بمكانه، وخلع على قاضى القضاة، وتوجه [السلطان «٣» ] إلى دمشق.
ذكر قصد البرنس صاحب طرابلس حمص وانهزامه «٤»
وفى ثامن صفر سنة أربع وستين وستمائة، جمع البرنس بيمند بن بيمند «٥» جموعه، واستنصر بالدواية والإسبتار، وقصد جهة حمص. وكان النائب بها
стр. 11931
الأمير علاء الدين [سنجر «١» ] الباقشردى «٢» قد اطلع على حركته، فاحترز وجعل الطلائع على المخائض. فقصد البرنس مخاضة «٣» بلاله فسبقه الباقشردى إليها وملكها. فلما جاء البرنس ورآها قد ملكت عدل إلى غيرها فقويت نفوس المسلمين، وعدّوا الماء إليه وتبعوه فانهزم، وساقوا خلفه يقتلون ويأسرون وينهبون إلى أن توغل فى بلاده.
ذكر إغارة العساكر على طرابلس بالشام وفتح قلعة حلبا وقلعة عرقا «٤»
وفى سنة أربع وستين وستمائة فى شهر رجب، أهتم السلطان بأمر الغزاة، وطلب الأجناد من إقطاعاتهم من سائر أعمال الديار المصرية. فحضروا بأجمعهم.
وخرج السلطان فى مستهل شعبان ورحل فى ثالثه. ولما وصل إلى غزة جرد الأمير جمال الدين أيدغدى العزيزى والأمير سيف الدين قلاون الألفى وجماعة من العسكر المنصور. وتوجه السلطان لزيارة البيت المقدس والخليل، صلوات الله عليه، فزار وكشف المظالم ومد سماط الخليل، ﵊، وأكل منه وأكل الناس، وفرق جملة من المال على الأئمة والفقراء والمؤذنين والعوام
стр. 11932
وغيرهم وبلغه أن اليهود والنصارى يؤخذ منهم حقوق «١» زيارة الخليل، والنزول فى المغارة، فأنكر ذلك، وكتب مرسوما بمنع أهل الذمة من دخول المقام الشريف. ثم رحل إلى عين جالوت.
وأما العسكر المجرد: فوصلوا إلى حمص فورد عليهم كتاب السلطان بالتوجه إلى طرابلس، فركبوا على غرة من العدو، فأصبحوا على حصن الأكراد، وأغاروا إلى ساحل البحر من جهة طرابلس، ونزلوا على حصن ثيب «٢» من عمل حصن الأكراد فأقاموا عليه يوما واحدا، فأخذوه وأسروا منه جماعة وهرب من كان بحلبا من الفرنج وأخلوها، فدخلها العسكر وكسبوا منها شيئا كثيرا من نحاس وصناديق وسكر وغيره، ولما هرب أهلها أدرك العسكر أواخرهم، فقتلوهم وأخذوا نساءهم. ولما شاهد «٣» أهل عرقا ما حل بحلبا نجوا بأنفسهم، فأخرب العسكر القلعتين ونزلوا على حصن القليعات فتسلموه فى رابع شهر رمضان بالأمان وهدموه، وعادت العساكر. فنزل الأمير سيف الدين قلاون بالقرب من القليعات، وسير بالليل بعض المقدمين ليترقب من يخرج من الفرنج، فوجد خمسين نفرا متوجهين من صافيتا «٤» إلى حصن الأكراد أقجية وجرخية «٥» فقتلهم جميعا، وأحضرت رءوسهم.
وخرج جماعة من الداوية للغارة على الغلمان الذين يحشون «٦» لخيل العسكر، وكان
стр. 11933
الأمير سيف الدين قلاون قد رتب مع الغلمان جماعة من العسكر، فلما جاءهم الداوية خرج عليهم العسكر فقتلوا بعض الفرنج وأسروا البعض. وسير صاحب صافيتا جاسوسا فأمسك وشنق. وكان فى جملة هذا العسكر من العربان ألفا «١» فارس وجاهدوا «٢» أتم جهاد، وجرح الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا جرحين. ورسم السلطان أنه من عدم له فرس بعوض عنه رأسين من البقر، ورسم بتجريد جماعة لحمص وعود العسكر.
ذكر إغارة العسكر على صور «٣»
قال: ولما نزل السلطان على عين جالوت رحل منها إلى جهة عكا، وجرد الأمير علاء الدين البندقدار والأمير عز الدين «٤» إيغان الركتى بجماعة من العسكر إلى جهة صور، فأغاروا عليها وغنموا كثيرا من الجمال والبقر والغنم. وأسر كمندور «٥» صاحب سيس ونفران معه كانوا انحازوا إلى برج فأخذوا بالأمان، وأخذ وزير صور وجماعة من الفرنج. وتوجه الأمير سيف الدين أو تامش إلى جهة صيدا «٦» ؛ ورسم لهم السلطان بالحضور إلى جهة صفد. وتوجه السلطان إلى عكا، وجرد الأمير
стр. 11934
بدر الأيدمرى والأمير بدر الدين يسرى «١» إلى جهة القرين «٢» ، وجرد الأمير فخر الدين الحمصى إلى جبل عاملة «٣» ، فأغارت العساكر [على الفرنج «٤» ] من كل جهة، وحاصر الأمراء القرين، وأخذت قلعة بالقرب من عكا، وتوالت المكاسب حتى لم يوجد من يشترى الأبقار والجواميس لكثرتها.
ذكر فتوح صفد «٥»
كان السلطان، قبيل توجهه إلى عكا، قد رسم للأمير علاء الدين أيدكين الشهابى أحد الأمراء بالشام ولجماعة من العسكر أن يتوجهوا إلى بلاد الفرنج، ولم يعلم إلى أى جهة. ثم كتب كتابا وأمره أن لا يقرأه إلا إذا ركب هو والعساكر، وكان مضمونه أن يتوجه إلى صفد، ويتوجه الأمير فخر الدين الفايزى إلى الشقيف. فتوجه الأمير علاء الدين إليها وأحاط بها إحاطة حافظ لا مقاتل، ثم جرد الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح ومعه دهليز «٦»
стр. 11935
إلى صفد، ثم حضر إليها الأمير علاء الدين البندقدار والأمير عز الدين إيغان الركنى بعد إغارتهم على صور فنزلوا إليها وضايقوها، وأقام السلطان على عكا.
ثم حضرت عساكر الغارات، وعمل [السلطان «١» ] عدة مجانيق وفرقها على الأمراء ليحملوها، ثم رحل والعساكر لابسة وساق إلى قريب باب عكا ووقف على تل الفضول، ثم دخل إلى عين جالوت، وكان الأمير سيف الدين الزينى قد توجه إلى دمشق لإحضار المجانيق، فأحضرها وحملت على الرقاب، وسار السلطان ونزل على صفد فى يوم الاثنين ثامن شهر رمضان سنة أربع وستين وستمائة.
وأنفق السلطان فى العساكر، وأتفق أن الناس تناوشوا القتال فساق الأمير عز الدين خاص ترك الظاهرى وحمل وواصل «٢» الطعن، فتقدم الحجارون وأخذوا فى النقوب ورمى الزراقون «٣» بالنفط فاحترق الباب. وأنعم السلطان على خاص ترك بعشرة آلاف درهم وفرس وجوشن «٤» وخلعة. ثم أقيمت المجانيق ورمت فى سادس وعشرين الشهر، وكان وصولها فى الحادى والعشرين منه، ولما وصلت إلى جسر يعقوب «٥» عجز الجمال عن نقلها، فندب السلطان الأمراء والجند وسائر الناس لحملها على الرقاب، وخرج [السلطان «٦» ] بنفسه وخواصه وجر أخشابها بيده.
ووصلت العساكر التى كانت فى الغارة ببلاد طرابلس، واستمر الحصار وشرع الناس فى الزحف فى شوال، وأمر السلطان بتحريك الطلبخاناه فى نصف الليل،
стр. 11936
وركب وهجم خندق الباشورة، فقاتل الفرنج قتالا شديدا، وأبلى المؤمنون بلاء حسنا واستشهد جماعة من المجاهدين، وصار الإنسان يرى رفيقه قد قتل فيجره ويقف مكانه، وتكاثرت النقوب ودخلت «١» النقابون إليها، وأعطاهم السلطان ثلاثمائة دينار، وصار كل من عمل شيئا جزاه السلطان لوقته عنه بالخلع والمال.
وفى أثناء ذلك نظر السلطان إلى الناس وقد تعبوا فى وقت القائلة من القتال، وتفرق بعضهم وهو راكب ملازم، فأمر خواصه بالسّوق إلى الصواوين وإقامة الأمراء والجند منها بالدبابيس، وسبّ الأمراء. وقال: «المسلمون على هذه الصورة وأنتم تستريحون» ورسم بأمساك الأمراء وكانوا نيفا وأربعين أميرا فقيدهم ونقلهم إلى الزردخاناه «٢» ، فوقعت الشفاعة فيهم فأطلقهم وأمرهم بملازمة مواضعهم.
ووسعت النقوب وشرطت الأسوار، فحرق الفرنج الستائر التى كانت على الباشورة ليحموها «٣» من التسلق «٤» . فأمر السلطان بضرب الطبلخاناه، وقام كل أحد إلى جهته، فضرب المسلمون سكك الخيل «٥» فى سفح الباشورة، فما أصبح الصبح إلا والصناجق على أسوار الباشورة من كل جهة، وأندفع الفرنج إلى القلعة وسلموا الباشورة فى يوم الثلاثاء نصف شوال. وفى هذا اليوم أخذت النقوب فى
стр. 11937
برج اليتيم «١» وغيره من أبراج القلعة. فعند ذلك أتت رسل الفرنج إلى السلطان يسألون الأمان، فاشترط عليهم ألا يستصحبوا «٢» سلاحا ولا لامة حرب ولا شيئا من الفضيات، ولا يتلفوا «٣» ذخائر القلعة بنار ولا هدم، فعادوا لأصحابهم على ذلك.
وبقى السلطان يعطى الأمانات من المرامى ويسير المناديل، وتقرر مع جماعة أنهم يفتحون الأبواب. فتسامع الفرنج بذلك، ووقع بينهم الاختلاف، وحضر خمسة عشر نفرا من القلعة منفردين «٤» فى وقت واحد فخلع عليهم، ونودى فى العسكر بأن لا يرموا أحدا من الفرنج غير الديوية. فأمسك الفرنج من تلك الساعة عن القتال، وردوا الأمان وقالوا: «ما ندخل فى شرط» ، ورمى الرسل الخلع والمال المنعم عليهم من الأسوار. ثم أيقنوا بالهلاك، فسيروا رسلهم فى يوم الجمعة ثامن عشر الشهر يطلبون ما كانوا طلبوه أولا، فامتنع السلطان من ذلك. فأخذ الأتابك منديل جمال الدين أقش القليجى مقدم الجمدارية «٥» وأعطاه لهم على أنهم لا يخرجون شيئا «٦» مما ذكرناه. فتوجه الرسل وصاح الفرنج بعد صلاة الجمعة: «يا مسلمين! الأمان» وفتحت أبواب القلعة وقت العصر، وطلعت الصناجق. ووقف السلطان راكبا على باب صفد، ونزل الفرنج أولا فأولا وصاروا جميعهم بين يديه، وأخرجوا معهم الأسلحة والفضيات «٧» وأخفوها فى قماشهم «٨» ، وأخذوا جماعة من أسرى
стр. 11938
المسلمين وصغارهم على أنهم نصارى. فلم يخف الله ذلك، ورسم بتفتيشهم فوجد ذلك معهم فأخذ منهم، وأنزلوا عن خيولهم، وجعلوا فى خيمة، وقد حصل منهم ما ينقض العهد أن لو كان، فكيف ولم يكن حقيقة. وأمر السلطان بضرب أعناقهم، فضربت رقابهم على تل بالقرب من صفد كانوا يضربون رقاب المسلمين فيه. ولم يسلم منهم غير نفرين، أحدهما الرسول بحكم أن السلطان كان قد شرب قمزا فى النقب وخرج إليه الرسول فسقاه منه، فعفا السلطان عنه وخيّره فى التوجه إلى قومه او الإقامة عنده، فاختار المقام فى خدمة السلطان وأسلم «١» ، فأعطاه السلطان إقطاعا، وأما الآخر فإن الأتابك «٢» شفع فيه قأطلقه السلطان. ودخل السلطان القلعة وفرق على الأمراء ما فيها من العدد الفرنجية والجوارى والمماليك، واستناب فى القلعة الأمير عز الدين العلائى، وولى الأمير مجد الدين الطورى ومقدم العسكر الأمير علاء الدين أيدغدى السلاح دار، ونقلت إليها الزردخاناه التى كانت صحبة السلطان، وصار يحمل النشاب على كتفه، فنقلت فى أسرع وقت، وطلب لها الرجال من دمشق، وتقررت نفقة رجالها فى كل شهر ثمانين ألف درهم. واستخدم على جميع بلادها الأمراء، وعمل بها جامع بالقلعة وجامع فى الربض، ووقف على الشيخ على المجنون نصف وربع الحفاف «٣»
стр. 11939
والربع منها على الشيخ إلياس، ووقف على قبر خالد بن الوليد قرية منها.
ورحل منها إلى دمشق فى سابع وعشرين شوال، فنزل بالجسورة، وأمر أن العساكر لا تدخل دمشق بل تتوجه إلى سيس «١» .
ذكر غزوة سيس وأسر ملكها وقتل أخيه وعمه وأسر ولد عمه
قال: وجهز السلطان الملك المنصور صاحب حماة، وجرد معه الأمير عز الدين إيغان، والأمير سيف الدين قلاون، ورسم للأمراء بتعظيمه.
وتوجهوا فى خامس ذى القعدة من سنة أربع وستين. فوصلوا إلى الدرب ساك «٢» ودخلوا الدربند. وكان الملك المجير هيتوم بن قسطنطين بن باساك «٣» قد ملّك ولده ليفون وانقطع هو مترهبا، فلما طلب «٤» المسلمون وقف ليفون فى عسكره وطلّب، وتوهم أن المسلمين لا يقدرون على الطلوع فى الجبال لأن التكفور كان قد بنى على رءوس الجبال أبراجا، فكانت كقول الشاعر:
وإن بين حيطانا عليه فانما ... أولئك عقالاته لا معاقله
стр. 11940
فطلعت العساكر «١» فى رءوس الجبال، فلما وقعت العين فى العين أسر الملك ليفون، وقتل أخوه وعمه، وانهزم كندا سطبل عمه الآخر، وأسر ولده، وهرب صاحب حموص «٢» . وكان فيهم اثنا عشر ملكا تمزقوا كل ممزق، وقتلت أبطالهم. وساقت العساكر فى هذا النهار وأقامت على كونجيد «٣» من عمل سرفندكار، ونزلت فى اليوم الثانى بأعمال تل حمدون، وهى تقتل وتأسر وتحرق. وأحرقوا حموص، ثم توجهوا إلى نهر جهان فخاضته العساكر ونزلوا بقرب العمودين «٤» ، وهى قلعة حصينة شاهقة للداوية. فلما طافت بها العساكر أذعن أهلها لتسليمها وكان فيها ألفان ومائتان نفرا، فقتل الرجال، وفرقت السبايا على العساكر.
وأحرقت هذه القلعة وما فيها من الحواصل والذخائر. ورحلوا إلى سيس فأخربوها وأقامت العساكر أياما تحرق وتقتل وتأسر. وأقام الملك المنصور صاحب حماة بها. وتوجه الأمير عز الدين إيغان إلى جهة الروم، والأمير سيف الدين قلاون إلى المصيصة وأدنة وإياس وطرسوس فقتلوا وأسروا وأحرقوا. وهدمت قلعة الداوية المعروفة بالبنية «٥» ، وحرقت لهم أماكن كثيرة من حصون وبلاد وهدمت.
следующие страницы →