Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11936–11975 · переход к 11941.
стр. 11936
وركب وهجم خندق الباشورة، فقاتل الفرنج قتالا شديدا، وأبلى المؤمنون بلاء حسنا واستشهد جماعة من المجاهدين، وصار الإنسان يرى رفيقه قد قتل فيجره ويقف مكانه، وتكاثرت النقوب ودخلت «١» النقابون إليها، وأعطاهم السلطان ثلاثمائة دينار، وصار كل من عمل شيئا جزاه السلطان لوقته عنه بالخلع والمال.
وفى أثناء ذلك نظر السلطان إلى الناس وقد تعبوا فى وقت القائلة من القتال، وتفرق بعضهم وهو راكب ملازم، فأمر خواصه بالسّوق إلى الصواوين وإقامة الأمراء والجند منها بالدبابيس، وسبّ الأمراء. وقال: «المسلمون على هذه الصورة وأنتم تستريحون» ورسم بأمساك الأمراء وكانوا نيفا وأربعين أميرا فقيدهم ونقلهم إلى الزردخاناه «٢» ، فوقعت الشفاعة فيهم فأطلقهم وأمرهم بملازمة مواضعهم.
ووسعت النقوب وشرطت الأسوار، فحرق الفرنج الستائر التى كانت على الباشورة ليحموها «٣» من التسلق «٤» . فأمر السلطان بضرب الطبلخاناه، وقام كل أحد إلى جهته، فضرب المسلمون سكك الخيل «٥» فى سفح الباشورة، فما أصبح الصبح إلا والصناجق على أسوار الباشورة من كل جهة، وأندفع الفرنج إلى القلعة وسلموا الباشورة فى يوم الثلاثاء نصف شوال. وفى هذا اليوم أخذت النقوب فى
стр. 11937
برج اليتيم «١» وغيره من أبراج القلعة. فعند ذلك أتت رسل الفرنج إلى السلطان يسألون الأمان، فاشترط عليهم ألا يستصحبوا «٢» سلاحا ولا لامة حرب ولا شيئا من الفضيات، ولا يتلفوا «٣» ذخائر القلعة بنار ولا هدم، فعادوا لأصحابهم على ذلك.
وبقى السلطان يعطى الأمانات من المرامى ويسير المناديل، وتقرر مع جماعة أنهم يفتحون الأبواب. فتسامع الفرنج بذلك، ووقع بينهم الاختلاف، وحضر خمسة عشر نفرا من القلعة منفردين «٤» فى وقت واحد فخلع عليهم، ونودى فى العسكر بأن لا يرموا أحدا من الفرنج غير الديوية. فأمسك الفرنج من تلك الساعة عن القتال، وردوا الأمان وقالوا: «ما ندخل فى شرط» ، ورمى الرسل الخلع والمال المنعم عليهم من الأسوار. ثم أيقنوا بالهلاك، فسيروا رسلهم فى يوم الجمعة ثامن عشر الشهر يطلبون ما كانوا طلبوه أولا، فامتنع السلطان من ذلك. فأخذ الأتابك منديل جمال الدين أقش القليجى مقدم الجمدارية «٥» وأعطاه لهم على أنهم لا يخرجون شيئا «٦» مما ذكرناه. فتوجه الرسل وصاح الفرنج بعد صلاة الجمعة: «يا مسلمين! الأمان» وفتحت أبواب القلعة وقت العصر، وطلعت الصناجق. ووقف السلطان راكبا على باب صفد، ونزل الفرنج أولا فأولا وصاروا جميعهم بين يديه، وأخرجوا معهم الأسلحة والفضيات «٧» وأخفوها فى قماشهم «٨» ، وأخذوا جماعة من أسرى
стр. 11938
المسلمين وصغارهم على أنهم نصارى. فلم يخف الله ذلك، ورسم بتفتيشهم فوجد ذلك معهم فأخذ منهم، وأنزلوا عن خيولهم، وجعلوا فى خيمة، وقد حصل منهم ما ينقض العهد أن لو كان، فكيف ولم يكن حقيقة. وأمر السلطان بضرب أعناقهم، فضربت رقابهم على تل بالقرب من صفد كانوا يضربون رقاب المسلمين فيه. ولم يسلم منهم غير نفرين، أحدهما الرسول بحكم أن السلطان كان قد شرب قمزا فى النقب وخرج إليه الرسول فسقاه منه، فعفا السلطان عنه وخيّره فى التوجه إلى قومه او الإقامة عنده، فاختار المقام فى خدمة السلطان وأسلم «١» ، فأعطاه السلطان إقطاعا، وأما الآخر فإن الأتابك «٢» شفع فيه قأطلقه السلطان. ودخل السلطان القلعة وفرق على الأمراء ما فيها من العدد الفرنجية والجوارى والمماليك، واستناب فى القلعة الأمير عز الدين العلائى، وولى الأمير مجد الدين الطورى ومقدم العسكر الأمير علاء الدين أيدغدى السلاح دار، ونقلت إليها الزردخاناه التى كانت صحبة السلطان، وصار يحمل النشاب على كتفه، فنقلت فى أسرع وقت، وطلب لها الرجال من دمشق، وتقررت نفقة رجالها فى كل شهر ثمانين ألف درهم. واستخدم على جميع بلادها الأمراء، وعمل بها جامع بالقلعة وجامع فى الربض، ووقف على الشيخ على المجنون نصف وربع الحفاف «٣»
стр. 11939
والربع منها على الشيخ إلياس، ووقف على قبر خالد بن الوليد قرية منها.
ورحل منها إلى دمشق فى سابع وعشرين شوال، فنزل بالجسورة، وأمر أن العساكر لا تدخل دمشق بل تتوجه إلى سيس «١» .
ذكر غزوة سيس وأسر ملكها وقتل أخيه وعمه وأسر ولد عمه
قال: وجهز السلطان الملك المنصور صاحب حماة، وجرد معه الأمير عز الدين إيغان، والأمير سيف الدين قلاون، ورسم للأمراء بتعظيمه.
وتوجهوا فى خامس ذى القعدة من سنة أربع وستين. فوصلوا إلى الدرب ساك «٢» ودخلوا الدربند. وكان الملك المجير هيتوم بن قسطنطين بن باساك «٣» قد ملّك ولده ليفون وانقطع هو مترهبا، فلما طلب «٤» المسلمون وقف ليفون فى عسكره وطلّب، وتوهم أن المسلمين لا يقدرون على الطلوع فى الجبال لأن التكفور كان قد بنى على رءوس الجبال أبراجا، فكانت كقول الشاعر:
وإن بين حيطانا عليه فانما ... أولئك عقالاته لا معاقله
стр. 11940
فطلعت العساكر «١» فى رءوس الجبال، فلما وقعت العين فى العين أسر الملك ليفون، وقتل أخوه وعمه، وانهزم كندا سطبل عمه الآخر، وأسر ولده، وهرب صاحب حموص «٢» . وكان فيهم اثنا عشر ملكا تمزقوا كل ممزق، وقتلت أبطالهم. وساقت العساكر فى هذا النهار وأقامت على كونجيد «٣» من عمل سرفندكار، ونزلت فى اليوم الثانى بأعمال تل حمدون، وهى تقتل وتأسر وتحرق. وأحرقوا حموص، ثم توجهوا إلى نهر جهان فخاضته العساكر ونزلوا بقرب العمودين «٤» ، وهى قلعة حصينة شاهقة للداوية. فلما طافت بها العساكر أذعن أهلها لتسليمها وكان فيها ألفان ومائتان نفرا، فقتل الرجال، وفرقت السبايا على العساكر.
وأحرقت هذه القلعة وما فيها من الحواصل والذخائر. ورحلوا إلى سيس فأخربوها وأقامت العساكر أياما تحرق وتقتل وتأسر. وأقام الملك المنصور صاحب حماة بها. وتوجه الأمير عز الدين إيغان إلى جهة الروم، والأمير سيف الدين قلاون إلى المصيصة وأدنة وإياس وطرسوس فقتلوا وأسروا وأحرقوا. وهدمت قلعة الداوية المعروفة بالبنية «٥» ، وحرقت لهم أماكن كثيرة من حصون وبلاد وهدمت.
стр. 11941
ثم عادت العساكر إلى سيس بعد أن غنمت غنائم كثيرة، حتى بيع الرأس البقر بدرهمين ولم يجد من يشتريه، وأستاقت العساكر الغنائم.
ووردت هذه الأخبار إلى السلطان وهو يتصيد بجرود «١» ، فأعطى المبشر ألف دينار، ودخل دمشق فتجهز وخرج لتلقى عساكره.
ذكر قتل أهل «٢» قارا وسبى ذراريهم
لما توجه السلطان من دمشق ليلقى عساكره الواردة من سيس مر بقارا فى سادس ذى الحجة فأمر بنهبها وقتل من بها.
وكان سبب ذلك أن بعض الركابية كان قد خدم الطواشى مرشد مقدم العسكر بحماة لما عاد من الخدمة السلطانية كما تقدم، ووصل إلى منزلة العيون مرض بها وبات ولم يشعر به الطواشى. فأتاه رجلان من أهل قارا وتوجها به إليها ليضيفاه، فأقام عندهما ثلاثة أيام حتى عوفى، ثم أخذاه بالليل وتوجها به إلى حصن الأكراد فأباعاه «٣» بها بأربعين دينارا صورية. واتفق فى تلك السنة توجّه بعض تجار دمشق إلى حصن الأكراد لإبتياع أسرى، فاشترى ذلك الركابى فى جملة ما اشتراه وحمله إلى دمشق وأطلقه، فخدم بعض الجند وخرج فيمن خرج مع السلطان. فلما وصل إلى قارا حضر الركابى إلى مجلس الأمير
стр. 11942
فارس الدين الأتابك وأنهى إليه صورة الحال، فسأله هل يعرف الذى باعه؟
قال: «نعم» فسير معه جاندارية، فتوجه ووجد أحد الرجلين فقبض عليه وأحضره. فأنهى الأتابك ذلك إلى السلطان فأحضرهما بين يديه، وتقابلا فأنكر القارى «١» . فقال الركابى: «فأنا أعرف بيته وما فيه» ، فعند ذلك أعترف القارى، وقال: «ما أنا أفعل هذا جميع من بقارا يفعله» . وكان قد حضر من قارا رهبان بضيافة إلى باب الدهليز، فأمر السلطان بالقبض عليهم، وركب بنفسه وقصد الديرة التى خارج قارا، فقتل من بها ونهبها، ثم عاد وأمر العسكر بالركوب، وقصد التل الذى بظاهر قارا من جهة الشمال، واستدعى أبا العز الريس بها، وقال له:
«نحن بقصد الصيد، فمر أهل قارا بالخروج بأجمعهم» . فخرج منهم جماعة إلى ظاهر القرية، فلما أبعدوا عنها، أمر بضرب رقابهم فضربت ولم يسلم منهم إلا من هرب واختفى بالعمائر والآبار، وعصى بالأبرجة بها جماعة فأمّنوا وأخذوا أسرى، وكانوا ألفا وسبعين نفرا من رجل وامرأة وصبى. وانتمى جماعة إلى أبى العز ريسها فأطلقهم السلطان له، ثم أمر بتوسيط «٢» الرهبان الذين حضروا بالضيافة فوسطوا. وتقدم إلى العسكر بنهب قارا فنهبوها «٣» ، ثم أمر أن يجعل كنيستها جامعا، ونقل إليها الرعية من التركمان وغيرهم حتى شحنها بالناس، ورتب فيها خطيبا وقاضيا، وكانت قبل ذلك يسكنها النصارى. وكان السبب فى إبقاء الرئيس أبى العز أن السلطان الملك الظاهر لما ساق خلف التتار بعد وقعة عين
стр. 11943
جالوت مر بقارا فخرج إليه هذا الرئيس وأضافه، فرعى السلطان له ذلك وأحسن إليه.
وبيعث أولاد أهل قارا فتربّوا بين المماليك وتكلّموا باللغة التركية، ثم صاروا بعد ذلك أجنادا، وتأمر منهم جماعة وتولوا الأقاليم الكبار والمناصب بالديار المصرية، وتمولوا.
قال: ولما فرغ السلطان من قتل أهل قارا ونهبها توجه إلى حماة، فعيّد بها عيد الأضحى، وسار منها «١» إلى أفامية «٢» ، ورحل للقاء العساكر فى ثالث عشر ذى الحجة. وكان قد افرد نصيب السلطان من الغنائم، ففرق ذلك على عساكره.
وأحسن إلى صاحب سيس ومن معه فى الأسر، وعاد إلى دمشق فى رابع وعشرين الشهر فدخلها مطّلبا «٣» وصاحب سيس وابن عمه وأصحابه بين يديه، وخلع على الملوك والأمراء والأكابر، وسير لصاحب حماة ولأصحابه الخيول والخلع والأموال، وودعه، وتوجه إلى مملكته.
وخرج السلطان من دمشق فى ثانى المحرم على ما قدمناه.
ذكر وقعة مع الفرنج كانت النصرة فيها للمسلمين «٤»
وفى المحرم سنة خمس وستين وستمائة: بلغ العسكر الصفدى أن العدو أجاز
стр. 11944
على بلد طبرية، فركب العسكر وطلبوا جهة عكا، فلما وصلوا إلى وادى علين «١» خرج عليهم الفرنج، وكان قد وصلهم نجدة من قبرص وغيرها، فضرب العسكر معهم مصافا فانكسر الفرنج، وكانت عدتهم ألف ومائة فارس فقتل أكثرهم، وعملت أعزبة عظيمة بعكا لمن قتل من ملوكهم فى هذه الوقعة.
ذكر إغارة السلطان على عكا «٢»
قد ذكرنا أن السلطان توجه إلى الشام لعمارة صفد فى سنة خمس وستين وستمائة، وأن رسل الفرنج أتوه بها وتحدثوا معه فى أمر بلادهم. وأجابوا إلى ما قاله لهم من مناصفة صيدا وهدم الشقيف.
قال: وأنكر السلطان عليهم إغارتهم على مشغر «٣» ، وأقيموا قياما مزعجا، وأمر السلطان العساكر بالركوب خفية «٤» للغارة. وركب السلطان، والفرنج قد اطمأنوا بإرسال رسلهم إليه «٥» ، فما أحسّوا إلا والعساكر قد وصلت إليهم. وساق السلطان ونزل على باب عكا بتل الفضول، وأحضرت إليه رءوس القتلى من كل جهة، وضرب دهليزه تحت التل وبات فيه، ثم أصبح على تملك الحالة، وعاد إلى جهة صفد.
стр. 11945
ووصلت رسل سيس بالهدايا فشاهدوا، هم ورسل الفرنج، رءوس القتلى على الرماح. وأحضر جماعة ممن أسر فى هذه الغارة فقتلوا فى صفد.
وطلب السلطان رسل الفرنج وقال: «هذه الغارة قبالة إغارتكم على بلاد الشقيف» . ولم ينتظر أمر الصلح، فردّ الرسل الفرنجية بغير جواب.
وركب [السلطان «١» ] فى حادى وعشرين شعبان من السنة وساق [من صفد «٢» ] إلى عكا، فما علموا إلا وهو على أبوابها، فقسّم الحجارين والناس على البساتين والأبنية والآبار للهدم والقطع. وعمل اليزك بنفسه على باب عكا تحت ذيل التل.
وأقام أربعة أيام حتى تكامل الهدم والإحراق والقطع، وسير إلى طاحون كردانة «٣» التى لبيت الإسبتار فهدمها.
وفى هذه الأيام أحضر رسل سيس ورسل بيروت «٤» [هدايا] وجماعة «٥» من أسرى المسلمين وردوا مال التجار، وكتبت أجوبتهم وتوجهوا.
وفى شهر رمضان وصل رسل «٦» صور وسألوا استمرار الهدنة. فقال السلطان:
«أنا ما فعلت ما فعلت إلا لأنكم قتلتم السابق شاهين غلامى، وإذا قمتم بديته استمرت الهدنة» . وأحضر أولاد السابق شاهين فقرر ديته خمسة عشر ألف دينار صورية،
стр. 11946
أحضر الرسل نصفها وجماعة «١» من أسارى المغاربة «٢» واستمهلوا باليقية. وقال السلطان:
«تبنين وهدنين وبلادهما [بلاد «٣» ] أخذتهما بسيفى وصارت للإسلام فاستقرت للمسلمين» . وأجيبوا إلى الصلح وكتبت الهدنة لمدة عشر «٤» سنين.
واستقرت أيضا قاعدة الصلح ببيروت بعد أن تقرر عليهم أن يردوا أموال التجار الذين كانوا أخذوا بمراكب «٥» الأتابك وإطلاقهم وثمن المراكب. ثم قبلت هديتهم واستمرت هدنتهم.
ذكر الصلح مع بيت الإسبتار على حصنى الأكراد والمرقب «٦»
كان بيت الإسبتار قد تقدم طلبهم لذلك. فاستقر هذا الأمر بشرط أن الفسخ يكون للسلطان وحضرت رسلهم الآن، والتمسوا أن يحلف لهم السلطان. فقررت الهدنة لعشر سنين وعشرة شهور وعشرة أيام وعشر ساعات وبطلت القطائع عن بلاد الدعوة وهى ألف ومائتا دينار، ومائة مدى «٧» حنطة
стр. 11947
وشعيرا، وعن مملكة حماة وهى أربعة آلاف دينار، وعن شيزر وأفامية وهى فى كل سنة على أبو قبيس ستمائة دينار مصرية، وعلى عينتاب «١» خمسمائة دينار صورية، والرسم المعروف بالمفادنة، وهو عن كل فدان مكو كان غلة وستة دراهم. وسير لإستحلاف مقدم الإسبتار، الأمير فخر الدين المقرى والقاضى شمس الدين ابن قريش كاتب الدرج.
ذكر فتوح يافا «٢»
قال: كان الصلح قد استقر بين السلطان وصاحب يافا جوان ديكين، فصار نوابه يتعدّون، وسيروا متجرّمة فى زى صيادين إلى قطيا. فاتفق هلاك صاحب يافا وقيام ولده جاك «٣» بعده.
ولما كان السلطان على صفد لعمارتها حضر إليه قسطلان «٤» يافا وسأله فى هدنة لولد صاحبها. فامتنع السلطان من ذلك. ثم وصلت الأخبار أن أهل يافا يحملون الميرة إلى عكا، وكانت ممنوعة عنها. وأقاموا فى يافا حانة وأوقفوا فيها عدة من المسلمات، واعتمدوا أسبابا ليست فى هدنة.
فلما كان فى سنة ست وستين وستمائة، خرج السلطان من الديار المصرية متوجها إلى الشام، وذلك فى مستهل جمادى الآخره ورحل فى ثالثه فوصل إلى
стр. 11948
غمزة، وبلغه أن جماعة من الجمالين تعرضوا إلى الزرع فقطع أنوفهم. وبلغه أن علم الدين سنجر الحموى أحد أمرائه، ساق فى زرع فأنزله عن فرسه واعطاه [وأعطى «١» ] سرجه ولجامه لصاحب الزرع. ونزل السلطان على العوجاء فحضر إليه القسطلان وأكابر يافا، فعوقوا إلى أن يخرجوا من الدعاوى. فبذلوا للسلطان تسليم المدينة والقلعة على أن يطلقوا بأموالهم وأولادهم. فأجيبوا إلى ذلك.
وركب السلطان فى العشرين من جمادى الآخرة وساق إليها وما أحسّ أهلها إلا والعساكر قد أطاقت بها. وأخذ الأتابك من حصل معه الحديث منهم وحضر به إلى يافا، فما تفاوضوا فى الحديث إلا والعسكر قد طلعتها من كل جانب، وفتحت أبوابها. ثم زحفوا على القلعة فسلمها أهلها فى اليوم الثانى، ومنع السلطان من نهبها، وطلع إلى القلعة وجهز أهلها إلى مأمنهم، وجرد معهم الأمير بدر الدين بيسرى. وشرع فى هدم القلعة فهدمت، وأخذ من أخشابها وألواح رخام وجدت فيها ما أوسق بها مركبا وسيرها إلى القاهرة. ورسم بعمل ذلك الخشب مقصورة فى الجامع الظاهرى بالحسينية والرخام لمحرابه. ورتب السلطان الخفراء على السواحل وألزمهم بدركها، ورسم أن المال المتحصل من هذه البلاد لا يغمس فى غيره، وجعل مأكوله ومشروبه منه. وملك الأمير علاء الدين منها قرية، والأمير علم الدين سنجر الحموى قرية. ورتب إقامة التركمان بالبلاد الساحلية لحمايتها، وقرر عليها خيلا وعدة، ورسم بتجديد مقام الخليل، عليه الصلاة
стр. 11949
والسلام، وعمل مكان الخوان ناحية من الحرم «١» .
وهذه يافا فتحها عمرو بن العاص فى خلافة أبى بكر الصديق رضى الله عنه، ويقال بل فتحها معاوية، ذكره البلاذرى. وذكر عز الدين بن عساكر أن الملك طنكى بناها فى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، ونزل عليها السلطان الملك الناصر ﵀، فى سنة ثمان وسبعين وخمسمائة. فخرج البطرق «٢» وجماعة منها وسألوا السلطان على أنهم يسلموها بالأمان ويكونوا أسارى، واستمهلوا فى التسليم إلى الصبح «٣» فأمهلهم. فوصل ملك الانكتير فى تلك الليلة إليها ودخل قلعتها، ونقض ما كان تقرر، فرحل السلطان عنها ونزل اللاطون «٤» . ثم نزل عليها الملك العادل بعساكر ولد أخيه الملك العزيز صاحب مصر ففتحها فى سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. هكذا حكاه القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر فى فتحها، وقد تقدم أنها من الفتوح الناصرية «٥» .
قال: وما حضر الأنيرور فرديك فى أيام الملك الكامل نزلها وحصن قلعتها وبناها. وما حضر الريدافرنس بعد خلاصه من الأسر فى سنة ثمان وأربعين وستمائة، عمّر مدينتها وأنفق عليها أموالا كثيرة.
стр. 11950
قال: ولما فرغ السلطان من هدم يافا رحل عنها فى ثامن عشر رجب، ووصل إلى صفد ثم منها إلى الشقيف.
ذكر فتوح شقيف أرنون «١»
كان السلطان قد كتب إلى الأمير جمال الدين النجيبى، نائب السلطنة بالشام، بتجهيز العسكر الشامى إلى أن يحضر بريدى يسير قدامهم. ولما خرج إلى الشام فى هذه السفرة توجه البريدى. وكان السلطان قد قرر مع النجيبى أمارة يمسكها البريدى من يده، فوصل البريدى وأمسك الأمارة من يده. فأحضر الأمراء للوقت ورسم لهم باتباع البريدى، فسار بهم إلى بانياس، فأخرج لهم بريدى آخر كتبا مختومة فى بانياس للأمير علم الدين الحصنى والأمير بدر الدين الأتابكى متضمنة منازلتهم للشقيف، وأنهم لا يجذبون قتالا ولا غيره، فما عرف بهم إلا وقد نازلوا الشقيف. وكان جماعة من الفرنج قد توجهوا من الشقيف إلى عكا وصيدا، فنازله «٢» العسكر قبل حضورهم «٣» ، وسار بعض العسكر إلى جهة صيدا فأسروا وقتلوا. وجهز هذا العسكر أخشاب المجانيق والستائر. ثم جهز السلطان بعد فتوح يافا الأمير بدر الدين بكتوت من عكا «٤» بعسكر مصرى فنزلوا على الشقيف.
وتوجه السلطان فوصل إليه يوم الأربعاء تاسع شهر رجب، فأقام منجنيقين ورمى بهما فى اليوم الثانى من وصوله.
стр. 11951
واتفق أن الفرنج الذين بالشقيف كانوا سيروا شخصا إلى عكا لما نزل عليها العسكر الشامى يعلمونهم بحالهم ويذكرون لهم عورات الحصن «١» ، فسيروا «٢» الجواب.
فلما وصل القاصد وحضر إلى السلطان وأحضر رسالة أخوية أهل عكا إليهم «٣» [تتضمن إعلام النواب بالشقيفين أن المسلمين لا يقدرون على أخذ الحصن إن احتفظتم به فجدوا فى أمركم «٤» ] . فحصل التحبل فى قراءتها، وعلم منها أسماء المقدمين الذين بالشقيف، فكتبت الأمارات لهم بأسمائهم ورمى بها إلى الحصن بالنشاب. وكتب أحد التراجمة عوض [رسالة] أخوية عكا، وعكس عليهم فيها القضايا. وكان فى الكتاب أن الوزير لا يكون خاطره متغلثا «٥» بسبب المصادرة له، ففى ساعة يمكن تعويضه عن ذلك، فعكس ذلك: وقيل للمقدم بالشقيف يحترز من الوزير كليام، ففى قلبه إحنة من مصادرتا له، وأغرى بينهم بهذا القول وما يناسبه. ورميت هذه الكتب فى سهم فحصل «٦» الاختلاف بينهم، ووجدوا الأمانات التى كانت كتبت للمقدمين، فأمسكوا جماعة وتوهموا من الوزير.
وكان الفرنج لما تسلموا الشقيف من الملك الصالح إسماعيل، فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة، هو وصفد، عمروا إلى جانبه قلعة أخرى، فعجزوا فى هذا
стр. 11952
الوقت عن حماية جهتين. فلما كان فى ليلة الأربعاء السادس والعشرين من شهر رجب عمدوا إلى هذه القلعة المستجدة وحرقوا جميع ما بها من غلة وقماش وغيره، وانتقلوا إلى القلعة المستقرة، وأصبح المسلمون وتسلموها، وقدمت المجانيق «١» إلى هذه القلعة فى سابع وعشرين الشهر ورمى بها. وأقام السلطان فى سطح برج من أبراجها بالقرب من العدو، فعرف الفرنج موضعه فرموا حجرا قريبا منه فقتل ثلاثة نفر، ولم ينتقل السلطان عن موضعه. وكان باب هذه القلعة تجاه باب القلعة الأخرى، فعمل السلطان سربا طويلا فى أعلى القلعة نازلا إلى أسفلها وصار يتعلق به ويطلع وينزل وهو لابس عدته.
قال واشتد القتال، فبينما الناس فى ذلك وإذا بالوزير كليام قد خرج مستأمنا، ثم سألوا الأمان على نفوسهم وأنهم يؤخذون أسارى، وسألوا إطلاق الحريم والأطفال، فأجاب السلطان إلى ذلك. وفى يوم الأحد سلخ شهر رجب سنة ست وستين وستمائة، استدعوا الصناجق فرفعت على القلعة. وسير الأمير بدر الدين الخزندار فتسلمها «٢» ، وخرج الفرنج إلى الخنادق فقيدوا، وأخرج النساء والأطفال. وجرد الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى «٣» صحبتهم فأوصلهم إلى جهة صور، وسلم الرجال إلى العساكر «٤» .
قال: وهذا الشقيف من أحصن المعاقل وأحسنها وكان مضرة على بلاد الصبيبة. وكان الملك العادل الكبير قد جدده، وما زال فى يد الإسلام إلى أن سلمه الصالح إسماعيل للفرنج على ما قدمناه.
стр. 11953
قال: ولما قدر الله تعالى فتح الشقيف، انفق [السلطان] فى جميع العساكر وخلع على الملوك الذين فى خدمته، مثل: الملك المنصور صاحب حماة وأخيه، وأولاد صاحب الموصل، والملك الأمجد بن العادل، وغيرهم من أولاد الملوك، وعلى الأمراء والمقدمين، ومن جرت عادتهم بالخلع. وشرع السلطان فى هدم القلعة المستجدة فهدمت إلى الأرض ورتب الأمير صارم الدين قايماز الظافرى «١» نائبا لهذه القلعة، ورتب فيها الأجناد والرجالة، ورتب بها قاضيا وخطيبا «٢» ، وأقيمت شعائر الإسلام بهذه القلعة وجميع تلك البلاد، وولى الأمير سيف الدين بلبان الزينى عمارتها، وكان قد خرج منها جماعة من المسلمين حالة الحصار فكتب لهم السلطان فدنا وقفا عليهم.
ذكر توجه السلطان إلى طرابلس «٣» وإغارته عليها
كان بيمند صاحب طرابلس قد كثر تعديه على بلاد الإسلام، وأخذ البلاد المجاورة له بعد زوال الأيام الناصرية واستيلاء التتار على الشام، وكان من أكبر أعوان التتار. فلما رحل السلطان من الشقيف نزل قريبا من جسر بانياس، وجهز الأثقال إلى دمشق وجرد الأمير عز الدين إيغان بجماعة توجهوا من جهة، والأمير بدر الدين الأيدمرى بجماعة من جهة أحرى، فحفظت الطرقات
стр. 11954
وامتلأت بالعساكر، وتوجه إلى طرابلس على جهة جبال الطنيين «١» ، وكان البرنس قد وعّر الطرقات، فوصل السلطان فى نصف شعبان وملك هذه الجبال التى يقول فيها المتنبى:
وجبال لبنان وكيف بقطعها ... وهو الشتاء وصيفهن شتاء
لبس الثلوج بها علّى مسالكى ... فكأنها ببياضها سوداء
وخيم السلطان قريبا من طرابلس واستمر على الركوب إليها، والعساكر تناوش [أهلها] القتال ويرامونهم «٢» بالنشاب، وافتتح برجا قد عصى فيه جماعة من الفرنج [و] ضرب رقابهم، وجرد جماعة خربوا الحرث ونهبوا تلك الجبال وأخذوا عدة مغاير بالسيف، وقطعت الأشجار وهدمت الكنائس وقنى المياه والقناة الرومانية، وقسم السلطان الغنائم فى العساكر ورحل عن طرابلس فى العشر الآخر من شعبان من السنة.
ذكر فتوح أنطاكية «٣»
لما رحل السلطان عن طرابلس لم يطلع أحدا على الجهة التى يقصدها، فتوجه إلى حمص فى سابع وعشرين شعبان. وأمر ببناء مسجد بحمص، ولما وصل إلى حماة رتب العساكر ثلاث فرق: فرقة صحبة الأمير بدر الدين الخزندار، وفرقه مع الأمير عز الدين إيغان، وفرقة صحبة الركاب السلطانى.
стр. 11955
فتوجه الأمير بدر الدين الخزندار إلى السويدية، وتوجه الأمير عز الدين إيغان إلى الدرب ساك، فقتلوا وأسروا. وتوافوا جميعهم بأنطاكية، ونزل السلطان أفامية، ومنها إلى جسر تحت الشغر وبكاس، وأصبح مغيرا على أنطاكية وذلك فى مستهل شهر رمضان.
وتقدم فى الجاليش «١» الأمير شمس الدين أقسنقر أستاد الدار، فصادف جماعة من عسكر أنطاكية وأنتشبت الحرب بينهم، فحمل أحد أجناد الأمير شمس الدين أقسنقر وهو فلان الدين المظفرى على كنداسطبل «٢» فأسره وأحضره إلى السلطان، فأمّره السلطان وأحسن إليه. وأطافت العساكر بأنطاكية من كل جانب.
وكان النزول عليها بالخيام والثقل، بكرة يوم الجمعة ثالث شهر رمضان «٣» سنة ست وستين وستمائة. ولما حضر كنداسطبل إلى السلطان رآه رجلا عاقلا، فسأل أنه يدخل إلى أنطاكية ويتوسط لأهلها، فجرى السلطان على عادته فى الإنذار قبل المهاجة. فسيّر كنداسطبل [من «٤» ] أحضر ولده رهينة، ودخل البلد وتحدث، وخرج مع جماعة من القسيسين والرهبان، وأقاموا يترددون ثلاثة أيام فظهر منهم قوة نفس وخوف من صاحبهم البرنس. وفى بكرة السبت أنذرهم بالزحف، وصبر حتى دخل الأقساء والرهبان إلى أنطاكية، ورسم بالزحف. فزحفت العساكر وأطافت بالمدينة والقلعة على اتساعها، وقاتل أهلها قتالا شديدا. فتسور
стр. 11956
المسلمون الأسوار من جهة الجبل بالقرب من القلعة ونزلوا المدينة، فهرب أهلها إلى القلعة. وشرعت العساكر فى النهب والقتل والأسر، وما رفع السيف عن أحد من الرجال بالمدينة، وكان بها فوق المائة ألف نفر. وأخذ التركمان من الغنائم ما لا يحصى. ثم رسم السلطان بحفظ أبواب المدينة والإحتراز عليها.
وأما القلعة فاجتمع فيها ثمانية آلاف مقاتل غير الحريم والأولاد، فتحاشروا بها فمات عالم. وأما البالى «١» والوزير الوالى فإنهم لما شاهدوا هذا الحال هربوا رجالة فى الليل، تدلوا بالحبال، وأصبح أهل القلعة فما وجدوا أحدا منهم، ولم يكن بالقلعة ماء ولا طواحين تكفيهم. فسيروا يوم الأحد ثانى يوم الفتح يطلبون الأمان من القتل وأنهم يؤخذون أسرى. فللوقت طلع السلطان فصادف جميع من فى القلعة قد خرج إلى ظاهرها وعليهم الملابس الحسنة واستغاثوا للسلطان، فعفا عنهم من القتل، وأحضرت الحبال فربطوا بها، وتسلم كل أمير جماعة من الأسرى، وكذلك كل مقدم، والكتاب ينزلون ذلك، وكتبت كتب البشائر، ومن جملتها كتاب إلى صاحب انطاكية «٢» : نسخته بعد البسملة:
«قد علم القومص الجليل [المبجل المعزز الهمام، الأسد الضرغام، بيمند فخر الأمة المسيحية، رئيس الطائفة الصليبية كبير الأمة العيسوية «٣» ] بيمند
стр. 11957
المنتقلة مخاطبته بأخذ أنطاكية [منه] من البرنسية إلى القومصية، ألهمه الله رشده، وقرن بالخير قصده، وجعل النصيحة محفوظة عنده. ما كان من قصدنا طرابلس وغزونا له فى عقر الدار، وما شاهده بعد رحيلنا من إخراب العمائر، وهدم الأعمار، وكيف كنست تلك الكنائس من بساط الأرض، ودارت الدوائر على كل دار، وكيف جعلت تلك الجزائر من الأجساد على ساحل البحر كالجزائر، وكيف قتلت الرجال، واستخدمت الأولاد، وتملكت الحرائر، وكيف قطعت الأشجار، ولم يترك إلا ما يصلح لأعواد المجانيق [إن شاء الله] والستائر، وكيف نهبت لك ولرعيتك الأموال والحريم والأولاد والمواشى، وكيف استغنى الفقير وتأهل العازب «١» واستخدم الخديم وركب الماشى» .
«هذا وأنت تنظر المغشى عليه من الموت، وإذا سمعت صوتا قلت فزعا:
على هذا الصوت «٢» ، وكيف رحلنا عنك رحيل من يعود، وأخرناك وما كان تأخيرك إلا لأجل معدود. وكيف فارقنا بلادك، وما بقيت ماشية إلا وهى لدينا ماشية، ولا جارية إلا وهى فى ملكنا جارية، ولا سارية إلا وهى فى أيدى المعاول سارية، ولا زرع إلا وهو محصود، ولا موجود لك إلا وهو منك مفقود، ولا منعت تلك المغاير «٣» التى هى فى رءوس الجبال الشاهقة، ولا تلك الأودية التى هى فى التخوم مخترفة وللعقول خارقة. وكيف سقنا عنك ولم يسبقنا إلى مدينتك أنطاكية خبر.
وكيف وصلنا إليها وأنت لا تصدق أننا تبعد عنك، وأن بعدنا فسنعود على الأمر. وها نحن نبلغك بماتم، ونفهمك بالبلاء الذى عم» .
стр. 11958
«كان رحيلنا عنك [و «١» ] عن طرابلس يوم الأربعاء رابع عشرين شعبان، ونزولنا أنطاكية فى مستهل شهر رمضان. وفى حالة النزول خرجت عساكرك المبارزة فكسروا، وتناصروا فما نصروا، وأسر من بينهم كنداسطبل، فسأل مراجعة أصحابك. فدخل إلى المدينة، فخرج هو وجماعة من رهبانك وأعيان أعوانك فتحدثوا معنا، فرأيناهم على رأيك فى إتلاف النفوس بالغرض الفاسد، وأن رأيهم فى الخير مختلف، وقولهم فى الشر واحد، فلما رأيناهم قد فات فيهم الفوت، وأنهم قد قدر الله عليهم الموت رددناهم وقلنا: «نحن الساعة لكم نحاصر، وهذا هو الأول فى الإنذار والآخر» فرجعوا متشبهين بفعلك ومعتقدين أنك تدركهم بخيلك ورجلك، ففى بعض ساعة مر شأن المرشان، وداخل الرهب الرهبان، ولان للبلاء القسطلان، وجاءهم الموت من كل مكان» .
«وفتحناها بالسيف فى الساعة الرابعة من يوم السبت رابع شهر رمضان، وقتلنا كل من أخترته لحفظها والمحاماة عنها، وما كان أحد منهم إلا وعنده شىء من الدنيا، فما بقى أحد منا إلا وعنده شىء منهم ومنها. فلو رأيت خيّالتك وهم صرعى تحت أرجل الخيول، وديارك والنهاية فيها تصول، والكسّابة فيها تجول، وأموالك وهى توزن «٢» بالقنطار، وداماتك «٣» وكل أربع منهن تباع، فتشترى من مالك بدينار، ولو رأيت كنائسك وصلبانها قد كسرت
стр. 11959
ونشرت، وصحفها من الأناجيل المزورة قد نثرت «١» ، وقبور البطارقة قد بعثرت.
ولو رأيت عدوك المسلم وقد داس مكان القداس والمدبح، وقد ذبح فيه الراهب والقسيس والشماس، والبطارقة وقد دهموا بطارقة، وأبناء الملوك وقد دخلوا فى المملكة. ولو شاهدت النيران وهى فى قصورك تخترق، والقتلى بنار الدنيا قبل الآخرة تحترق، وقصورك وأحوالها قد حالت، وكنيسة بولص وكنيسة القسيان قد زلّت كل منها وزالت، لكنت تقول: «يا ليتنى كنت ترابا، ويا ليتنى لم أوت بهذا الخبر كتابا» ، ولكانت نفسك تذهب من حسرتك، ولكنت تطفى تلك النيران بماء عبرتك. ولو رأيت مغانيك وقد أقفرت من معانيك، ومراكبك «٢» وقد أخذت فى السويدية «٣» بمراكبك، فصارت سوانيك من من شوانيك، لتيقنت أن الإله الذى أنطاك «٤» أنطاكية منك استرجعها، والرب الذى أعطاك قلعتها منك قلعها، ومن الأرض أقتلعها. ولتعلم أنا قد أخذنا بحمد الله منك ما كنت أخذته من حصون الإسلام وهو: دير كوش، وشقيف تلميس، وشقيف كفردنين، وجميع ما كان من بلاد أنطاكية، [و] «٥» استنزلنا أصحابك من الصياصى وأخذناهم بالنواصى، وفرقناهم فى الدانى والقاصى، ولم يبق شىء يطلق عليه اسم العصيان إلا النهر، فلو استطاع لما سمى بالعاصى، وقد أجرى دموعه ندما، وكان يذرفها عبرة صافية، فهو أجراها بما سفكناه فيه دما» .
стр. 11960
«وكتابنا هذا يتضمن البشرى لك بما وهبك الله من السلامة وطول العمر، بكونك لم تكن لك فى أنطاكية فى هذه المدة إقامة، وكونك ما كنت بها فتكون إما قتيلا، وإما أسيرا، وإما جريحا، وإما كسيرا. وسلامة النفس هى التى يفرح بها الحى، إذا شاهد الأموات، ولعل الله ما أخرك إلا لأن تستدرك من الطاعة والخدمة ما فات. ولما لم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبّرناك، ولما لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى بسلامة نفسك وهلاك ما سواها باشرناك بهذه المفاوضة وبشّرناك، لتتحق الأمر على ما جرى. وبعد هذه المكاتبة لا ينبغى لك أن تكذب لنا خيرا، كما أن بعد هذه المخاطبة يجب أن لا تسأل غيرها مخيرا «١» .»
قال: ولما وصل إليه هذا الكتاب اشتد غضبه، ولم يبلغه خبر أنطاكية إلا من هذا الكتاب.
ولما تسلم السلطان القلعة سلمها للأمير بدر الدين [بيليك] الخزندار والأمير بدر الدين بيسرى الشمسى. وأما كنداسطبل فإن السلطان أطلقه وأطلق أهله وأقاربه، فاختار التوجه إلى سيس، ففسح له فى ذلك.
ذكر ملخص أخبار أنطاكية
ذهب المفسرون لكتاب الله تعالى فى قوله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ «٢»
أن القرية أنطاكية.
стр. 11961
وقال أصحاب لأخبار فيها: إن الملك انتيوخس قصد بناء مدينة يعمرها لتكون نسبتها إليه، فسير حكماه ووزراه «١» لاختيار مكان يكون طيب الهواء والماء، قريبا من البحر والجبل، فوجدوا هذا المكان. فاختاروه لأنه جبلى بحرى «٢» يحكم عليه الهواه الغربى، وعيون الماه العذبة حوله، والبحيرة الحلوة شرقية، والبحر المقلوب، وهو العاصى، خارج سورها وعليه طواحينها، وفيه المراكب تحمل الغلات إليها وغير ذلك. فعرفوا ملكهم هذه الصفات، فأمر ببنائها، وأخرج النفقات، وطلبوا حجرا جيدا لبنائها، فوجدوه فى مسافة يومين منها.
فاستخدم لها من الرجال والبنائين ثمانين ألف رجل وثمانمائة رجل، ومن العجل ستمائة عجلة، وألف وتسعمائة حمار، ومائة زورق لنقل الحجارة، خارجا عما فى ميناء السويدية من العجل والرجال والزوارق التى تحمل الرخام والعمد والقواعد.
فنجزت فى ثلاث سنين ونصف، وبنيب أسوارها وأبراجها وهى مائة وثلاثة وخمسون برجا، ومائة وثلاثة وخمسون بدنة، وسبعة أبواب، منها خمسة كبار وبابان صغارا «٣» . وجعل فيها سبع عوادى ترمى إلى النهر عند الوادى المسمى الحسكروت، وجعل منه باب «٤» فى الجيل ينزل منه إلى المدينة، وعليه قناطر يعبر الناس «٥» عليه، وإذا امتلأ يخرج من تحت السور، وساقوا الماء إليها «٦» فى قناتين: البوليط «٧» والعاوية «٨» .
стр. 11962
ولما فرغت حضر الملك إليها ورآها، فأكرم الصناع ومدّ لهم طعاما ثلاثة أيام، وأمر ببناء الأدر والدكاكين، فشرع الناس فى بنائها، ووهب كل من يحضر إليها وينزل حولها خراج ثلاث سنين، وبنى الكنائس وبيوت عباداتهم فاجتمع العالم إليها.
واتفق أن الملك جلس فى بعض الأيام وهو مسرور فرح، فقال له وزيره: «لو عرفت ما أنفقت فى هذه المدينة ما كنت تفرح» فاستيقظ لنفسه، وأمر بعمل حساب ما أنفق فيها سوى الضيافات والجواميس التى أخذت من المروج والبهائم بغير ثمن، فجاءت أربعة آلاف قنطار وخمسين قنطارا ذهبا، فعظم ذلك عنده، وأمسك عن العمارة، وشرع فى بناء مدائن تغل، فبنى سبع مدائن، وأسكن الناس فيها. واستمرت فى يد الملك، ومن ملك بعده، وعمارتها تتزايد، وكل ملك يؤثر بها تأثيرا، ويجدد بها طلسما إلى أن ظهر المسيح ﵇.
وما زالت فى يد الروم إلى أن فتحها المسلمون فى خلافة عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، كما قدمناه فى خلافته. ولما ولى معاوية بن أبى سفيان نقل إلى أنطاكية فى سنة اثنتين وأربعين جماعة من الفرس وأهل بعلبك وحمص، وكان منهم: مسلم بن عبد الله جد عبد الله بن حبيب بن مسلم الأنطاكى. ولم تزل بيد عمال الخلفاء فى الدولتين الأموية والعباسية، ثم استقرت فى يد بنى حمدان. فلما مات سيف الدولة ابن حمدان اتفق أهلها أنهم لا يمكنون أحدا من الحمدانية يدخلها، وولوا شخصا يسمى بغلوش الكردى، وكان قد ورد الغزاة من خراسان خمسة آلاف رجل فأمسكهم وتقوى بهم واشتد أمره، وكان منهم رجل أسود
стр. 11963
من الصعاليك يعرف بالزعلى «١» قد جمع طائفة وسموا نفوسهم بالغزاة. فدخل يوما عليه للسلام، فقتل الكردى وهرب أصحابه، واستولى الأسود على المدينة هو ومن معه. وكان فى بغراش نائب للروم اسمه ميخائيل البرجى وبطرس. فحضرا إليها فى جمع كبير، فعجز المسلمون عن حفظها لا تساعها، فملكها الروم فى يوم الخميس لثلاث عشرة خلت من ذى الحجة سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة. فطرح المسلمون النار بينهم وبين الروم، وفتحوا باب البحر وخرجوا منه. وأسر الروم جميع من كان بها من المسلمين، فقوى الروم بفتحها، وتوجهوا إلى حلب فصالحهم أهلها وأهل حمص على مال يحمل فى كل سنة إلى ملك الروم وهو عشرة قناطير ذهبا، ومن كل مسلم دينار سوى ذوى العاهات، وأقامت إلى سنة ست وستين وثلاثمائة، فسير جعفر بن فلاح غلامه «فتوحا» إلى أنطاكية فحاصرها خمسة أشهر فلم يظفر بها. وحدثت فى هذه السنة زلزلة عظيمة هدمت قطعة من سورها فأنفذ ملك الروم ثانيا، اثنى عشر ألف دينارا وصناعا «٢» لإصلاح ذلك، فبنيت أحسن ما كانت. وبنى قلعتها لاون بن الفقاس وحصنها، وكان فى خدمته جماعة من الأرمن، ومات فكمل عمارتها الملك بسيل «٣» وهو الذى وجد له لما مات ستة آلاف قنطار ذهبا، ولما ولى كان فى حاصل بيت المال أربعة قناطير لا غير، وهو الذى ملك أرجيش من بلاد أرمينية فى سنة خمس عشرة وأربعمائة، وكان ملكه تسعا وأربعين سنة وأحد عشر شهرا. وبقيت فى أيدى الروم إلى أن فتحها الملك سليمان بن قتلمش السلجقى فى سنة سبع وسبعين وأربعمائة على ما أوردناه فى
стр. 11964
أخبار الدولة السلجقية، وبقيت فى يده إلى أن قتل فى سنة تسع وسبعين وأربعمائة، فصارت بيد وزيره الحسن بن طاهر الشهرستانى يتولى أمرها. فلما استرد السلطان ملكشاه بلاد الشام استردها وضمها إلى الوزير المذكور، فأقام بها إلى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، ثم فارقها [الوزير] ودخل الروم، فسلمها لباغى شيان بن ألب [أرسلان] وكانت بنته منزوجة للملك رضوان صاحب حلب.
وحدثت زلزلة بأنطاكية فى التاسع عشر من شعبان سنة أربع وثمانين وأربعمائة خربت دورها وأهلكت خلقا كثيرا، ورمت من أبراجها نحو السبعين برجا، فتقدم السلطان بعمارة ما انهدم فى سنة خمس وثمانين.
واستمرت أنطاكية بيد ملوك الإسلام إلى أن ملكها الفرنج فى جمادى الأولى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة على ما قدمناه. وكان قد اجتمع عليها جماعة من ملوك الفرنج والملك الكبير المشار إليه منهم اسمه كندفرى، فقرر أن كل ملك من الملوك يحاصرها عشرة أيام، ومن فتحت فى نوبته فهى له، ففتحت فى نوبة ملك منهم اسمه ميمون «١» . فلما اتصل ذلك بملوك الإسلام بالشام اجتمعوا ومقدميهم ظهير الدين طغرتكين صاحب دمشق، وجناح الدولة حسن صاحب حمص، وكربغا صاحب الموصل، وحاصروا أنطاكية، وكان الفرنج فى قل، فسألوا الأمان ليخرجوا منها فلم يجيبوهم، ووقع تنافس بين المسلمين فخرج الفرنج إليهم فانهزموا من غير قتال. وبقى ميمون مالكها حتى كسره الدانشمند وأسره وقتل أكثر عسكره، وذلك فى سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة، فاشترى نفسه بعد ذلك بمائة ألف دينار، واستخلف ميمون فيها ولد أخيه طنكرى،
стр. 11965
وركب فى البحر وسار إلى بلاده ليستنجد الفرنج ويعود، فأهلكه الله تعالى.
واستمر طنكرى مالكا لأنطاكية وأعمالها إلى أن أهلكه الله تعالى فى ثانى عشر شهر ربيع الأول سنة ست وخمسمائة، وملكها بعده روجار. وكان طنكى «١» قد استدعاه من بلده وجعله ولى عهده، وهو الذى حضر الى بيت المقدس فى ملك بغدوين، وكان بغدوين شيخا كبيرا، فاجتمعا بالبيت المقدس وقررا عهدا:
أن من مات منهم قبل الآخر انتقل ملكه إلى الباقى منهما. وتزوج روجار بنت بغدوين، فقتل روجار فى حرب كانت بينه وبين نجم الدين إيلغازى بن أرتق فى يوم السبت ثامن عشر شهر ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وخمسمائة. فقتل روجار «٢» وجميع من معه، فسار بغدوين إلى أنطاكية وملكها، وأقام بها إلى أن وصل شاب، فى ثامن عشر شهر رمضان سنة ست وعشرين وخمسمائة، من الفرنج فى البحر وادّعى أنه ميمون بن ميمون الذى كان صاحب أنطاكية، فسلم بغدوين أنطاكيه له فملكها. وكان شجاعا مقداما، وأقام بها إلى أن سار نحو الدروب فلقيه ابن الدانشمند فكسره وقتل جماعة من عسكره بأرض عين زرية، وذلك فى نصف شهر رمضان سنة أربع وثلاثين وخمسمائة. وملك بعده الأبرنس، ولقى الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى على حصن الأكراد فى شهر رجب سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة فكسر المسلمون وقتل جماعة منهم، واستولى الفرنج على أثقالهم. فجمع نور الدين العساكر، والتقاه فى يوم الأربعاء الحادى والعشرين من صفر سنة أربع وأربعين وخمسمائة فقتله وقتل فرسانه واستولى على خيامه.
وولى أنطاكية بعده الأبرنس أرناط، فأقام إلى أن لقيه مجد الدين أبو بكر نائب
стр. 11966
الملك العادل فى المملكة الحلبية، وذلك فى صفر سنة إحدى وخمسين وخمسمائة فكسره وقتل أصحابه وأخذه أسيرا، فأقام فى حبس الملك العادل. وملك أنطاكية وهو فى الأسر رجل من ذريته اسمه بيمند «١» وخلص أرناد «٢» ، وتزوج صاحبة الكرك وأقام بالحصن حتى ملكه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب وقتله.
وفى سنة أربع وثمانين وخمسمائة عقد السلطان الملك الناصر الكبير مع بيمند صاحب أنطاكية هدنة لمدة ثمانية أشهر من تشرين الأول إلى آخر آيار، وحلفا على ذلك، ورحل الناصر عنها وتوجه إلى حلب على ما ذكرناه فى أخباره. ثم ملكها الأبرنس المعروف بالأسير، وملكها ابنه من بعده، ثم ملكها بيمند ولده أيضا، وهو الذى أخذت منه الآن فى الدولة الظاهرية.
هذا تلخيص خبر أنطاكية من حين عمرت إلى حين فتحت هذا الفتح.
ذكر ما اعتمده السلطان فى قسمة عنائم أنطاكية وإحراقه قلعتها وما افتتحه مما هو مضاف إليها وهو: ديركوش وشقيف كفردنين وشقيف كفر تلميس «٣»
قال: ولما فتحت أنطاكية وفرغ الناس من نهبها، رسم السلطان بإحضار المكاسب للقسمة، وركب وأبعد عن الخيام، وحمل ما غنمه وما غنمه مماليكه
стр. 11967
وخواصه. وقال للأمراء: «ينبغى أن تخلصوا ذمتكم وتحضروا «١» ما غنمتموه، وأنا أحلّف الأمراء والمقدمين، وهم يحلفون أجنادهم ومضافيهم» . فأحضر الناس الأموال والمصاغ من الذهب والفضة، فطال الوزن، فقسمت النقود بالكاسات والشربوشات «٢» ، ولم يبق غلام إلا أخذ. وتقاسم الناس النسوان والبنات والأطفال، وبيع الصغير بأثنى عشر درهما، والجارية بخمسة دراهم. وباشر السلطان القسمة بنفسه، وما ترك شيئا حتى قسمه من الأموال والقماش والمصوغ والدواب والمواشى. ثم ركب إلى قلعة انطاكية وأحرقها وعم الحريق أنطاكية.
وكان صاحب طرابلس قد استولى عند أخذ التتار حلب على ديركوش، وهو من أمنع الحصون، وعلى شقيف كفردنين وعلى شقيف «٣» كفر تلميس، وكانت هذه الحصون شجى فى حلق المسلمين. فلما فتحت أنطاكية انقطعت حيلة هذه الحصون فطلبوا الأمان، على أنهم يسلمون الحصون ويؤسرون، فسير الأمير بدر الدين بيليك الأشرفى الظاهرى، فتسلم ديركوش فى ليلة الجمعة حادى عشر شهر رمضان، وتسلم بقية هذه الحصون.
стр. 11968
ذكر صلح القصير على المناصفة «١»
كان القصير للبطرك الكبير خاصة، وزعموا أن بأيديهم خط عمر بن الخطاب رضى الله عنه، فلما نزل السلطان فى هذه الجهات بذلوا نصف البلاد للسلطان، فكتبت لهم هدنة، وأنضاف إلى مملكة الإسلام نصف بلاد القصير.
ذكر فتوح حصن بغراس «٢» من الديوية
قال: ولما فتح الله تعالى هذه الحصون والجهات على السلطان ولم يبق بتلك الجهات سوى بغراس، خاف من بها من الديوية، فانهزموا وتركوه. فجهز السلطان الأمير شمس الدين أقسنقر [الفارقانى] أستاد الدار العالية بعسكر فتسلمه فى يوم السبت ثالث عشر شهر رمضان من السنة، ولم يجد به سوى امرأة عجوز، ووجده عامرا بالحواصل والذخائر.
وقال البلاذرى: كانت أرض بغراس لمسلمة بن عبد الملك فوقفها فى سهيل البر، ولمّا قصد المسلمون غزاة عمورية صحبة مسلمة، حمل هو والعسكر النساء معهم للجد فى القتال. فلما صاروا فى عقبة بغراس عند الطريق المستدقة التى تشرف على الوادى سقط جمل عليه امرأة، فأمر مسلمة النساء أن يمشين، فسميت تلك العقبة عقبة النساء. قال: وكان فى تلك الطريق سباع لا يسلك فيها بسببها، فشكا الناس ذلك إلى الوليد بن عبد الملك فبعث أربعة آلاف جاموسة وفحولها، فانكفأت السباع. ثم بناها بعد ذلك وحصنها أتم تحصين
стр. 11969
الملك فقفور ملك الروم الذى خرج إلى بلاد الإسلام فى آخر سنة سبع وخمسين وثلاثمائة وقتل وسبى. ولما بنى هذا الحصن، الذى هو حصن بغراس. رتّب فيه نائبا له يعرف بالبرجى، ورتب معه ألف رجل، وحصن بغراس. ثم ملكه «١» الفرنج وما زالوا يتداولونه ويحصنونه على طول المدد، إلى أن ملكه السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب، فى ثانى شعبان سنة أربع وثمانين وخمسمائة، على ما قدمناه، ثم ملكه الديوية بعد ذلك.
ذكر الإغارة على صور
كانت قد تقررت مهادنة بين السلطان وبين صاحب صور، فلما توجهت الرسل إليه حلف على بعضها «٢» ، وأسقط فصولا لم يحلف عليها. فلما كان السلطان بالشام، فى سنة سبع وستين وستمائة، ووقفت له امرأة ذكرت أنها كانت أسيرة فى صور، وأنها اشترت نفسها ثم قطعت على بنت لها قطيعة، وحصلت من أوقاف دمشق مبلغا اشترتها به من صور بمكاتبة عليها خط الفرنج، ولما خرجت بها إلى قرب بلاد صفد سير خلفها جماعة من صور أخذوا البنت منها ونصّروها.
فلما سمع السلطان كلامها غضب لله تعالى، وكتب يطلب هذه البنت، فاعتذروا بأنها تنصرت. وكان بالنواقير من جهة صفد جماعة [من المسلمين «٣» ] سيّر صاحب صور أمسكهم وقتل منهم نفرين واعتقل الباقين. وطلبهم السلطان
стр. 11970
فأصروا على منعهم، فركب السلطان فى العشرين من شهر رمضان، وساق بنفسه ومن معه من العسكر الخفيف، وتوجه الأمير جمال الدين المحمدى من جهة، والأتابك من جهة، ووصلوا إلى صور، فأمسكوا جماعة من الرجال والنساء والصغار، وهرب فى ذلك الوقت مملوك للأمير جمال الدين أقش الرومى فنصّره صاحب صور لوقته. وطلب منه فدافع عنه، وأمسك السلطان عن إتلاف زرعه ورد الحريم والأطفال ورجع إلى المخيم وأمهل عليه مدة، فلما استمر على منع البنت والمملوك، جرد السلطان جماعة لاستغلال بلاده «١» .
ذكر الإغارة على بلاد كركر «٢» وأخذ قلعة شرموشاك
وفى هذه السنة توجهت الغّيارة من البيرة وغيرها إلى جهة كركر فأحرقوا بلدها وأخذوا مواشى، وتوجهوا إلى قلعة بين كركر والكختا «٣» اسمها شرموشاك، فزحفوا عليها وأخذوها وقتلوا رجالها ونهبوا من المواشى شيئا كثيرا، وأخرجوا من الفلاحين إلى البلاد السلطانية خلقا كثيرا، وأخذ الخمس من الغنيمة للديوان ورسم بترتيب الناجعين فى البلاد الحمصية والشيزرية وجهات أنطاكية.
ذكر الإغارة على عكا
وفى سنة ثمان وستين وستمائة، توجه السلطان جريدة إلى الشام، وكان الفرنج بعكا اعتمدوا أشياء لا يصبر عليها: منها أن أربعة من مماليك السلطان
стр. 11971
هربوا ودخلوا عكا، فلما طلبهم منهم طلبوا العوض عنهم، فأنكر السلطان ذلك عليهم، فنصّروهم، وذلك فى سنة سبع وستين. فكتب السلطان إلى النواب بوقوع الفسخ، فأغار عليهم الأمير جمال الدين أقش الشمسى فقتل وأسر منهم جماعة. واتفقت حركة للسلطان إلى الحجاز فأطلق الذين أسروا، وعوق «١» رسل الفرنج على إحضار المماليك، وأطلق منهم وزير الإستبار خاصة، لأنه كان يخدم السلطان. فلما كان فى هذه السنة بلغ السلطان أن الفرنج وصل إليهم سفائن من جهة الريدراكون «٢» ، أحد ملوك الغرب، فيها جماعة من أصحابه وأقار به وكتبه، يقول فيها: أنه واعد أبغا بن هولاكو أنه يوافيه بالبلاد الإسلامية، وأنه «٣» واصل لمواعدته [من جهة سيس فى سفن كثيرة] ، «٤» فأرسل الله تعالى ريحا مزعجة كسرت عدة من سفائنه ولم يسمع لهم خبر. وأما أهل عكا فانهم خرجوا هم ومن وصل إليهم من الغرب إلى ظاهر عكا، وخيموا وصاروا يركبون [وتوجهت طائفة منهم إلى عسكر جينين وعسكر صفد «٥» ] ، وبلغهم أن السلطان وصل جريدة فتوهموا أنه لا يقصدهم. واتفق أن السلطان خرج متصيدا إلى جهة الحارسة، وعاد مسرعا وتوجه على أنه يتصيد فى مرج برغوث «٦» . ولما وصل فى أثناء الطريق إلى برج الفلوس «٧» سير الأمير عز الدين معن الظاهرى السلاح دار لإحضار السلاح
стр. 11972
وسير الأمير ركن الدين إياجى لإحضار العسكر الشامى كله، فتكامل الناس عنده فى مرج برغوث، فى بكرة نهار الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع، وركب وساق فوصل جسر يعقوب عشية النهار، وساق فأصبح الصبح وهو بأول المرج.
وكان قد سير إلى الأمير جمال الدين الشمسى مقدم عسكر عين جالوت، والأمير علاء الدين أيدغدى مقدم عسكر صفد بالإغارة فى ثانى وعشرينه، وأنهم ينهزمون قدام الفرنج. فخرج جماعة من الفرنج مقدمهم كندلوفير «١» المسمى زيتون، وفيهم أقارب الريدراكون وغيرهم، ودخل السلطان الكمين. فعند ما خرج الفرنج لقتال العسكر الصفدى تقدم الأمير عز الدين إيغان الركنى، وبعده الأمير جمال الدين الحاجبى، ومعهما أمراء الشام. وساق قدام السلطان الأمير شمس الدين أيتمش السعدى، والأمير علاء الدين كتدغدى الظاهرى أمير مجلس ومعهما مقدموا الحلقة. وقاتل الأمراء الشاميون أحسن قتال، وأمسك الأمير عز الدين إيغان فارسا اسمه ريمون «٢» دكوك. وأما السلطان ومن كان قدامه من الأمراء، فما وصلوا إلى الأمراء المتقدمين إلا والعدو قد انكسر فلم يحصل لهم اختلاط.
وكان القتال شديدا تماسكوا فيه بالأيدى، وأكمن زيتون فجال العسكر بينهم وأخذوا عليه وعلى أكابر الفرنج حلقة وقتل أخو زيتون، وابن أخت الريدراكون، وجماعة من الخيالة، ونائب فرنسيس «٣» بعكا، ولم يعدم من عسكر الإسلام إلا الأمير فخر الدين الطونبا الفائزى. وعاد السلطان ورءوس القتلى بين يديه إلى صفد، وتوجه منها إلى دمشق، فدخلها فى يوم الأحد سادس وعشرين الشهر، والأسرى والرءوس بين يديه.
стр. 11973
ذكر فتوح قلعة صافيتا «١»
وفى سنة تسع وستين وستمائة، توجه السلطان من الديار المصرية فى عاشر جمادى الآخرة وصحبته ولده الملك السعيد، ودخل الملك السعيد إلى دمشق فى ثامن شهر رجب، وخرج هو والأمير بدر الدين الخزندار من جهة القطيفة. وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك وتوجه إلى طرابلس، فقتل من رعاياها وأسر، واتصلت الغارة بصافيتا، فطلب من فيها الأمان، ثم نكثوا، فرحل عنهم السلطان وأنزل جماعة حولهم. فسير كمندور «٢» أنطرطوس إلى السلطان يشفع فى الإخوة الديوية بصافيتا، على أنه يأمرهم بالتسليم. فأجابهم السلطان إلى ذلك، فأرسل إليهم فنزلوا، وكانوا سبعمائة رجل، خارجا عن النساء والأطفال، وأحضروا إلى السلطان وهو على حصن الأكراد، فأطلقهم وجهز معهم من أوصلهم إلى مأمنهم، وتسلم السلطان صافيتا وبلادها، وتسلمت الحصون والأبراج المجاورة لحصن الأكراد، مثل تل خليفة وغيره.
وقد ذكرنا ما كان قد وقع من المهادنة على حصن الأكراد والمرقب، ثم اتفق من بيت الإسبتار أمور «٣» أوجبت فسخ الهدنة: منها أن السلطان لما أغار على طرابلس فى سنة ست وستين وستمائة، وكتب إلى النائب بحمص بأن يقيم بحدود حصن الأكراد لدفع الضرر عن بلاد الهدنة، وكتب إلى عدة جهات بالوصية بهم، وحضر رسول حصن الأكراد يسأل الوصية، فأعطاهم علما برنكه.
стр. 11974
ولما عبرت الأثقال من جهة القصب، عبر أحد الحرافشة ومعه رفقة له على بستان بقرب تل خليفة المجاور للحصن «١» فأخذوا منه شيئا لا قيمة له، فأخذهم المقدم [الفرنجى «٢» ] بتل خليفة وضرب رقاب بعضهم وأسر البعض. فنزل النائب بحمص على تل خليفة وطلب الخصوم. فامتنع النائب بها عن تسليمهم وقال:
«أنا قتلت» ، وأساء فى القول. فحاصرهم [نائب حمص] وسير إليهم شجاع الدين عنبر «٣» ، فاحتال الى أن استنزل الخصوم، وسيروا الى السلطان. فحضرت رسل من حصن الأكراد تطلبهم، فأجابهم السلطان إنه لا بد من تحقيق هذه الواقعة؛ فقوت نفوس الذين فى الحصن. وغّلق النائب [الفرنجى «٤» ] باب الحصن ومنع الميرة، وألبس جماعة العدد.
ولما رجع السلطان من طرابلس عند توجهه إلى أنطاكية ومرّ تحت الحصن متوجها إلى حمص، فسيّر يقول: «ما كان ينبغى لكم تعبرون من ههنا إلا بأمرى» . وقيل لهم: «لأى معنى غلقتم الأبواب ولبستم العدد، وأنتم صلح؟» . فقال: «ما غلقناها إلا شفقة على عسكر السلطان من الفرنج الغرب الذين عندنا، لأنهم لا يخافون الموت» . فعّز ذلك على السلطان لأن الغرب الذين عنده عدتهم دون المائة نفر. وكان هذا الأمر مقدمة انحراف السلطان عليهم. وبقى ذلك فى خاطره. فلما توجه إلى الشام جريدة فى سنة ثمان وستين وتوجه إلى حماة ثم رحل عنها فى ثالث جمادى الآخرة توجه إلى حصن الأكراد
стр. 11975
بمقدار مائتى فارس بغير عدة، وصعد جبل الحصن فى أربعين فارسا، فخرج له جماعة من الفرنج ملبسين، فحمل عليهم وكسرهم، وقتل منهم جماعة ووصل إلى الخندق، وقال- وهو متنكر لا يعرف من هو-: «قولوا لذلك الرسول الذى حضر سنة طرابلس يخلّى الفرنج الغرب يخرجوا، فما نحن أكثر من أربعين فارسا بأقبية بيض» «١» . وعاد إلى مخيمه، ورعت الخيول المروج والزروع، فكان ذلك أحد أسباب الإستيلاء على الحصن لأنه ليس له مادة إلا من زرع بلده.
فلما توجه السلطان، فى سنة تسع وتسعين وستمائة إلى الشام، وأغار على طرابلس كما قدمنا نازل حصن الأكراد، فى تاسع شهر رجب من السنة وملك أرباض الحصن فى العشرين منه، وحضر الملك المنصور صاحب حماة، فتلقاه السلطان وترجل لترجله، وساق السلطان تحت صناجق صاحب حماة بغير جمدارية ولا سلاح دارية أدبا معه، وسير إليه دهليزا أمره بنصبه. ووصل الأمير سيف الدين صاحب صهيون، والصاحب نجم الدين صاحب الدعوة. وفى أواخر شهر رجب، تكمل نصب عدة مجانيق، وفى سابع شعبان، أخذت الباشورة بالسيف، وفى سادس عشر الشهر، تشقق برج من أبارج القلعة، وزحف العسكر وطلع الناس إلى القلعة وتسلموها، وطلع الفرنج القلعة «٢» [الأخرى] وأحضرت جماعة من الفرنج والنصارى، فأطلقهم السلطان، ونقلت المجانيق إلى القلعة ونصبت على القلة. وكتب السلطان كتابا على لسان مقدم الفرنج
следующие страницы →