← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 11971–12010 · переход к 11976.

стр. 11971

هربوا ودخلوا عكا، فلما طلبهم منهم طلبوا العوض عنهم، فأنكر السلطان ذلك عليهم، فنصّروهم، وذلك فى سنة سبع وستين. فكتب السلطان إلى النواب بوقوع الفسخ، فأغار عليهم الأمير جمال الدين أقش الشمسى فقتل وأسر منهم جماعة. واتفقت حركة للسلطان إلى الحجاز فأطلق الذين أسروا، وعوق «١» رسل الفرنج على إحضار المماليك، وأطلق منهم وزير الإستبار خاصة، لأنه كان يخدم السلطان. فلما كان فى هذه السنة بلغ السلطان أن الفرنج وصل إليهم سفائن من جهة الريدراكون «٢» ، أحد ملوك الغرب، فيها جماعة من أصحابه وأقار به وكتبه، يقول فيها: أنه واعد أبغا بن هولاكو أنه يوافيه بالبلاد الإسلامية، وأنه «٣» واصل لمواعدته [من جهة سيس فى سفن كثيرة] ، «٤» فأرسل الله تعالى ريحا مزعجة كسرت عدة من سفائنه ولم يسمع لهم خبر. وأما أهل عكا فانهم خرجوا هم ومن وصل إليهم من الغرب إلى ظاهر عكا، وخيموا وصاروا يركبون [وتوجهت طائفة منهم إلى عسكر جينين وعسكر صفد «٥» ] ، وبلغهم أن السلطان وصل جريدة فتوهموا أنه لا يقصدهم. واتفق أن السلطان خرج متصيدا إلى جهة الحارسة، وعاد مسرعا وتوجه على أنه يتصيد فى مرج برغوث «٦» . ولما وصل فى أثناء الطريق إلى برج الفلوس «٧» سير الأمير عز الدين معن الظاهرى السلاح دار لإحضار السلاح

стр. 11972

وسير الأمير ركن الدين إياجى لإحضار العسكر الشامى كله، فتكامل الناس عنده فى مرج برغوث، فى بكرة نهار الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع، وركب وساق فوصل جسر يعقوب عشية النهار، وساق فأصبح الصبح وهو بأول المرج. وكان قد سير إلى الأمير جمال الدين الشمسى مقدم عسكر عين جالوت، والأمير علاء الدين أيدغدى مقدم عسكر صفد بالإغارة فى ثانى وعشرينه، وأنهم ينهزمون قدام الفرنج. فخرج جماعة من الفرنج مقدمهم كندلوفير «١» المسمى زيتون، وفيهم أقارب الريدراكون وغيرهم، ودخل السلطان الكمين. فعند ما خرج الفرنج لقتال العسكر الصفدى تقدم الأمير عز الدين إيغان الركنى، وبعده الأمير جمال الدين الحاجبى، ومعهما أمراء الشام. وساق قدام السلطان الأمير شمس الدين أيتمش السعدى، والأمير علاء الدين كتدغدى الظاهرى أمير مجلس ومعهما مقدموا الحلقة. وقاتل الأمراء الشاميون أحسن قتال، وأمسك الأمير عز الدين إيغان فارسا اسمه ريمون «٢» دكوك. وأما السلطان ومن كان قدامه من الأمراء، فما وصلوا إلى الأمراء المتقدمين إلا والعدو قد انكسر فلم يحصل لهم اختلاط. وكان القتال شديدا تماسكوا فيه بالأيدى، وأكمن زيتون فجال العسكر بينهم وأخذوا عليه وعلى أكابر الفرنج حلقة وقتل أخو زيتون، وابن أخت الريدراكون، وجماعة من الخيالة، ونائب فرنسيس «٣» بعكا، ولم يعدم من عسكر الإسلام إلا الأمير فخر الدين الطونبا الفائزى. وعاد السلطان ورءوس القتلى بين يديه إلى صفد، وتوجه منها إلى دمشق، فدخلها فى يوم الأحد سادس وعشرين الشهر، والأسرى والرءوس بين يديه.

стр. 11973

ذكر فتوح قلعة صافيتا «١» وفى سنة تسع وستين وستمائة، توجه السلطان من الديار المصرية فى عاشر جمادى الآخرة وصحبته ولده الملك السعيد، ودخل الملك السعيد إلى دمشق فى ثامن شهر رجب، وخرج هو والأمير بدر الدين الخزندار من جهة القطيفة. وكان السلطان قد توجه من جهة بعلبك وتوجه إلى طرابلس، فقتل من رعاياها وأسر، واتصلت الغارة بصافيتا، فطلب من فيها الأمان، ثم نكثوا، فرحل عنهم السلطان وأنزل جماعة حولهم. فسير كمندور «٢» أنطرطوس إلى السلطان يشفع فى الإخوة الديوية بصافيتا، على أنه يأمرهم بالتسليم. فأجابهم السلطان إلى ذلك، فأرسل إليهم فنزلوا، وكانوا سبعمائة رجل، خارجا عن النساء والأطفال، وأحضروا إلى السلطان وهو على حصن الأكراد، فأطلقهم وجهز معهم من أوصلهم إلى مأمنهم، وتسلم السلطان صافيتا وبلادها، وتسلمت الحصون والأبراج المجاورة لحصن الأكراد، مثل تل خليفة وغيره. وقد ذكرنا ما كان قد وقع من المهادنة على حصن الأكراد والمرقب، ثم اتفق من بيت الإسبتار أمور «٣» أوجبت فسخ الهدنة: منها أن السلطان لما أغار على طرابلس فى سنة ست وستين وستمائة، وكتب إلى النائب بحمص بأن يقيم بحدود حصن الأكراد لدفع الضرر عن بلاد الهدنة، وكتب إلى عدة جهات بالوصية بهم، وحضر رسول حصن الأكراد يسأل الوصية، فأعطاهم علما برنكه.

стр. 11974

ولما عبرت الأثقال من جهة القصب، عبر أحد الحرافشة ومعه رفقة له على بستان بقرب تل خليفة المجاور للحصن «١» فأخذوا منه شيئا لا قيمة له، فأخذهم المقدم [الفرنجى «٢» ] بتل خليفة وضرب رقاب بعضهم وأسر البعض. فنزل النائب بحمص على تل خليفة وطلب الخصوم. فامتنع النائب بها عن تسليمهم وقال: «أنا قتلت» ، وأساء فى القول. فحاصرهم [نائب حمص] وسير إليهم شجاع الدين عنبر «٣» ، فاحتال الى أن استنزل الخصوم، وسيروا الى السلطان. فحضرت رسل من حصن الأكراد تطلبهم، فأجابهم السلطان إنه لا بد من تحقيق هذه الواقعة؛ فقوت نفوس الذين فى الحصن. وغّلق النائب [الفرنجى «٤» ] باب الحصن ومنع الميرة، وألبس جماعة العدد. ولما رجع السلطان من طرابلس عند توجهه إلى أنطاكية ومرّ تحت الحصن متوجها إلى حمص، فسيّر يقول: «ما كان ينبغى لكم تعبرون من ههنا إلا بأمرى» . وقيل لهم: «لأى معنى غلقتم الأبواب ولبستم العدد، وأنتم صلح؟» . فقال: «ما غلقناها إلا شفقة على عسكر السلطان من الفرنج الغرب الذين عندنا، لأنهم لا يخافون الموت» . فعّز ذلك على السلطان لأن الغرب الذين عنده عدتهم دون المائة نفر. وكان هذا الأمر مقدمة انحراف السلطان عليهم. وبقى ذلك فى خاطره. فلما توجه إلى الشام جريدة فى سنة ثمان وستين وتوجه إلى حماة ثم رحل عنها فى ثالث جمادى الآخرة توجه إلى حصن الأكراد

стр. 11975

بمقدار مائتى فارس بغير عدة، وصعد جبل الحصن فى أربعين فارسا، فخرج له جماعة من الفرنج ملبسين، فحمل عليهم وكسرهم، وقتل منهم جماعة ووصل إلى الخندق، وقال- وهو متنكر لا يعرف من هو-: «قولوا لذلك الرسول الذى حضر سنة طرابلس يخلّى الفرنج الغرب يخرجوا، فما نحن أكثر من أربعين فارسا بأقبية بيض» «١» . وعاد إلى مخيمه، ورعت الخيول المروج والزروع، فكان ذلك أحد أسباب الإستيلاء على الحصن لأنه ليس له مادة إلا من زرع بلده. فلما توجه السلطان، فى سنة تسع وتسعين وستمائة إلى الشام، وأغار على طرابلس كما قدمنا نازل حصن الأكراد، فى تاسع شهر رجب من السنة وملك أرباض الحصن فى العشرين منه، وحضر الملك المنصور صاحب حماة، فتلقاه السلطان وترجل لترجله، وساق السلطان تحت صناجق صاحب حماة بغير جمدارية ولا سلاح دارية أدبا معه، وسير إليه دهليزا أمره بنصبه. ووصل الأمير سيف الدين صاحب صهيون، والصاحب نجم الدين صاحب الدعوة. وفى أواخر شهر رجب، تكمل نصب عدة مجانيق، وفى سابع شعبان، أخذت الباشورة بالسيف، وفى سادس عشر الشهر، تشقق برج من أبارج القلعة، وزحف العسكر وطلع الناس إلى القلعة وتسلموها، وطلع الفرنج القلعة «٢» [الأخرى] وأحضرت جماعة من الفرنج والنصارى، فأطلقهم السلطان، ونقلت المجانيق إلى القلعة ونصبت على القلة. وكتب السلطان كتابا على لسان مقدم الفرنج

стр. 11976

بطرابلس إلى من بالقلعة يأمرهم بالتسليم. ثم طلبوا الأمان، فكتب لهم أمان على أنهم يتوجهون إلى بلادهم. وفى يوم الثلاثاء رابع عشرين شعبان، خرج الفرنج من القلعة وجهزوا إلى بلادهم، وتسلم السلطان الحصن. ورتب الأمير صارم الدين الكافرى «١» نائبا بحصن الأكراد، وفوض أمر عمارة الحصن إلى الأمير عز الدين أيبك الأفرم وعز الدين أيبك الشيخ. وهذا الحصن كان قديما بيد المسلمين، فلما نازل صنجيل طرابلس كان يشن الغارات على هذا الحصن وما قاربه من الحصون، ثم قصده فى سنة ست وتسعين وأربعمائة وحاصره وضيق على من به وأشرف على أخذه، فاتفق قتل جناح الدولة صاحب حمص فطمع فيها ورحل عنه. وهلك صنجيل وملك ابنه، فجرى على عادة أبيه فى أذية أهل هذا الحصن وإفساد أعماله، ثم فارقه وتوجه لحصار بيروت. فجاء طنكلى «٢» صاحب أنطاكية ونازله، وأهله فى غاية الضعف، فسلمه صاحبه إليه، وكان يرجو أنه؟؟؟ فيه لأنه اختاره على صنجيل فأنزله وأهله منه، وأخذه صحبته، ورتب فيه من يحفظه من الفرنج؛ وحكى ذلك ابن عساكر. وذكر ابن منقذ فى كتاب البلدان أن: نور الدين محمود بن زنكى، رحمه الله تعالى، كان قد عامل بعض رجالة التركمان المستخدمين من جهة الفرنج بهذا الحصن، على أنه إذا قصده نور الدين يثور هو وجماعة من أصحابه فى الحصن ويرفعون علم نور الدين على الحصن وينادون باسمه. وكان هذا التركمانى له أولاد وإخوة قد وثق بهم الفرنج، وكان الإتفاق

стр. 11977

بينه وبين نور الدين أن يقف على رأس الباشورة، فكتم نور الدين هذا الأمر عن أصحابه وتقدم أوائل العسكر النورى فرأوا التركمانى على الباشورة فرموه بالنشاب فمات، واشتغل أهله بوفاته، فلم يتم لنور الدين ما دبره. ولم يفتحه السلطان الملك الناصر صلاح الدين. وكان فتحه على يد السلطان الملك الظاهر الآن. ذكر صلح أنطرطوس والمرقب «١» قال: وسأل كمندور «٢» أنطرطوس ومقدم بيت الإسبتار السلطان على الصلح، فأجابهم على أنطرطوس خاصة، خارجا عن صفيتا وبلادها، وعلى المرقب. واسترجع منهم بلدة وأعمالها وما أخذوه فى الأيام الناصرية، وعلى أن جميع ما لهم من المناصفات والحقوق على بلاد الإسلام يتركونه. وعلى أن تكون بلاد المرقب ووجوه أمواله مناصفة بين السلطان وبين بيت الإسبتار، وعلى أن لا تجدد عمارة بالمرقب، وحلف لهم السلطان على ذلك، وتوجه لتحليف المقدم المذكور بأنطرطوس الأمير فخر الدين المقرى الحاجب، وأخلى الفرنج برج قرميص «٣» ، وأحرقوا مالا أمكنهم حمله من موجودهم، وتسلم البرج المذكور فى هذه الأيام، وكذلك البرج الذى فى بلدة هدم الفرنج بعضه وحرقوه، ورسم السلطان بهدم باقيه «٤» .

стр. 11978

ذكر فتوح حصن عكّار «١» قال: ولما رتب السلطان أمور حصن الأكراد توجه إلى حصن عكار ونازله، فى يوم الأربعاء سابع عشر رمضان، ورتب طلوع المجانيق، وركب بنفسه على الأخشاب فوق العجل فى تلك الجبال إلى أن أوصلها إلى مكان نصبت به، وشرع فى نصب المجانيق الكبار فى العشرين من الشهر. وفى هذا اليوم، استشهد الأمير ركن الدين منكورس الدوادارى، وكان يصلى فى خيمته فجاء حجر منجنيق فمات، رحمه الله تعالى. وفى التاسع والعشرين من الشهر، طلب أهل الحصن الأمان ورفعت الصناجق السلطانية على أبراجه، وفى يوم الثلاثاء سلخ الشهر، خرج أهل حصن عكار منه، وجهزوا إلى مأمنهم، وعيّد السلطان بالحصن» ورحل إلى مخيمه بالمرج. وهذا الحصن يعرف بابن عكّار، وكان بيد المسلمين، فلما ملك الفرنج طرابلس وغيرها ترددت الرسائل بينهم وبين طغتكين وهو بحمص، فوقع الأتفاق على أن يكون للفرنج ثلث بلاد البقاع وتسلمون حصن المنيطرة «٢» وحصن عكار، وألا يتعرضوا إلى البلاد بغارة. وتقرر معهم أن مصياف وحصن الوادى وحصن الطوبان وحصن الأكراد فى الصلح، ويحمل إلى الفرنج مال عنها. فلما تسلم الفرنج الحصنين عادوا إلى ما كانوا عليه من الغارات، وصار هذا الحصن لما تسلمه الفرنج من أضر شىء على المسلمين المارين من حمص إلى بعلبك، ولم يكن

стр. 11979

له كبير ذكر فيما مضى، إلى أن وصل ريدافرنس «١» إلى الساحل بعد فكاكه من الأسر بمصر فرأه حصنا صغيرا، فأشار على صاحبه الأبرنس أن يزيد فيه وهو يساعده فى عمارته، فزاد فيه زيادة كثيرة من جهة الجنوب. وهو فى واد بين جبال محيطة به من أربع جهاته. ولما فتحه السلطان الملك الظاهر كتب إلى صاحب طرابلس ما مثاله بعد البسملة «٢» : «قد علم القومص يمند- جعله الله ممن ينظر لنفسه ويفكر فى عاقبة يومه من أمسه- نزولنا بعد حصن الأكراد على حصن عكار، وكيف نقلنا المنجنيقات إليها فى جبال تستصعبها الطيور لأختيار الأوكار، وكيف صبرنا فى جرها على مناكدة الأوحال ومكابدة الأمطار، وكيف نصبنا المنجنيقات على أمكنة يزلق عليها النمل إذا مشى، وكيف هبطنا تلك الأودية التى لو أن الشمس من الغيوم ترى بها ما كان غير جيالها رشا، وكيف صارت رجالك الذين ما قصرت فى انتخابهم، وحسنت بهم استعانة نائبك الذى انتحى بهم «٣» » . وكتابنا هذا يبشرك بأن علمنا الأصفر نصب مكان علمك الأحمر، وأن صوت الناقوس صار عوضه الله أكبر، ومن بقى من رجالك أطلقوا ولكن جرحى القلوب والجوارح، وسلموا ولكن من ندب السيوف إلى بكاء النوايح، وأطلقناهم ليحدثوا القومص بما جرى، ويحذروا أهل طرابلس من أنهم يغترون بحديثك المفترى، وليروهم الجراح التى أريناهم بها نفادا، ولينذروهم لقاء يومهم هذا،

стр. 11980

ويفهموكم أنه ما بقى من حياتكم إلا القليل، وأنهم ما تركونا إلا على رحيل، فتعرّف كنائسك وأسوارك أن المنجنيقات تسلّم عليها إلى حين الإجتماع عن قريب، ونعلّم أجساد فرسانك أن السيوف تقول إنها عن الضيافة لا تغيب، لأن أهل عكار ما سدّوا لها جوعا، ولا قضت من ريها بدمائهم الوطر، وما أطلقوا إلا لما عاقب شرب دمائهم. وكيف لا، وثلاثة أرباع عكار عكر. يعلم القومص هذه الجملة المسرودة «١» ويعمل بها، وإلا فيجهز مراكبه ومراكب أصحابه، وإلا فقد جهزنا قيودهم وقيوده. وقال المولى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر: يا مليك الأرض بشرا ... ك فقد نلت الإرادة إن عكار يقينا ... هى عكا وزيادة ذكر صلح طرابلس «٢» قال: ولما استقر أمر حصن عكار رحل السلطان من منزلته بالأرزونية هو وجميع العساكر والأثقال، وساق على عزم حصار طرابلس، فوردت الأخبار أن ملك الإنكتار وصل «٣» إلى عكا، فى أواخر شهر رمضان من هذه السنة، وصحبته ثلاثمائة فرس، وثمانى بطس وشوانى ومراكب تكملة ثلاثين مركبا، غير ما كان سبقه صحبة استاد داره، وأنه يقصد الحج. ففتر عزم السلطان ونزل

стр. 11981

قريبا من طرابلس جريدة. وتردد الأتابك إلى جهة طرابلس، والأمير سيف الدين الدوادار واجتمعا بصاحبها. وأراد السلطان قطع ما بقى من الأشجار، فسير البرنس يطلب الصلح وخرج وزراؤه، وكتبت الهدنة لمدة عشر سنين. وجهز السلطان فخر الدين بن جلبان، وشمس الدين الاخنائى شاهد الخزانة ومعهما ثلاثة آلاف دينار مصرية لفكاك الأسرى. وتوجه السلطان إلى حصن عكار، ثم عاد إلى مخيمه بالأرزونية، ثم توجه إلى حصن الأكراد، ثم رحل فوصل إلى دمشق فى نصف شوال. ذكر فتوح القرين «١» كان حصن القرين لإسبتار الأرمن «٢» ، ولم يكن لهم بالساحل غيره، وكان من أمنع الحصون وأضرها على صفد، فتوجه السلطان إليه من دمشق، فى الرابع والعشرين من شوال سنة تسع وستين وستمائة، ووصل إلى صفد وجهز منها المجانيق وسار إلى القرين ونازله. وبينما السلطان واقف لنصب المجانيق وردت رسل عكار «٣» . واتفق أن السلطان [كان «٤» ] يرمى نشابا على القلعة فمرّ به طائر فرماه فإذا فيه بطاقة من جاسوس فى العسكر للفرنج مضمونها أخبار السلطان، وذلك بحضور الرسل، فسلم السلطان الطائر لهم وقال: «استصحبوه معكم لتقرأ الفرنج

стр. 11982

هذه البطاقة، ونحن نفرح بمن يخبركم بأخبارنا» . وفى مستهل ذى القعدة ملك الربض، وفى ثانيه أخذت الباشورة، وأخذت النقوب فى السور، وشرط السلطان للحجارين عن كل حجر ألف درهم. واشتد القتال، فحضر رسلهم، وتقرر خروجهم وتوجههم حيث شاءوا، وأنهم لا يستصحبون مالا ولا سلاحا. وكتب الأمان بذلك، ورفعت الصناجق السلطانية عليها، وركب السلطان وأصبح على أبواب عكا مطّلبا، فما ترك أحد من الفرنج، وعاد إلى مخيمه بالقرين، وأمر بهدم القلعة، فتكمل هدمها فى رابع وعشرين ذى القعدة من السنة. ذكر صلح صور وما تقرر من المناصفة «١» وحضرت رسل صاحب صور، وحصل الإنفاق على أن يكون لهم من بلاد صور عشرة بلاد خاصا، وللسلطان خمسة بلاد يختارها تخصه، وبقية البلاد مناصفة، وحلف السلطان على ذلك. وجهز الرسل فحلّفوا صاحب صور على ما تقرر. ذكر منازلة التتار البيرة وكسرهم على الفرات وقتل مقدمهم جنقر «٢» وفى تاسع شهر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وستمائة وردت الأخبار بحركة التتار، فجرد السلطان الأمير فخر الدين الحمصى بجماعة من العساكر المصرية والشامية إلى جهة حارم، ثم جهز الأمير علاء الدين الحاج طيبرس الوزيرى بجماعة

стр. 11983

من العساكر وجماعة من العربان. وعدّى التتار إلى البر الشامى لقصد الرحبة فتقسم «١» فكر السلطان ليقسمهم على البيرة والرحبة، ورحل من ظاهر دمشق، فبلغه رحيل العدو عن الرحبة، فجدّ فى مسيره ووصل إلى الفرات إلى مخاضة تعرف بمخاضة الحمام، فوجد التتار قد وقفوا على شط الفرات، وعدتهم قريب الخمسة آلاف فارس، ومقدمهم جقر «٢» أحد مقدميهم الكبار وحفظوا فم المخاضة. وكان السلطان قد استصحب عدة مراكب من دمشق وحمص فرست فى الفرات، وركب فيها الرجالة الأقجية لكشف البر. وعمل التتار مكيدة: وهى أنهم تركوا المخاضة السهلة ووقفوا على مكان بعيد الغور وعملوا الستائر، فاعتقد المسلمون أن المكان الذى حفظوه هو المخاضة السهلة فخاضوا منه، وكان العدو قد عملوا سيبا «٣» على البر من جانبهم ليقاتلوا من ورائها، فرتبت العساكر الإسلامية نفوسها بخيولها، وعاموا أطلابا، الفارس إلى جانب الفارس، متماسكين بالأعنة معتمدين على الرماح، كما قال القائل: فعمنا إليهم بالحديد سباحة ... ومن عجب أن الحديد يعوم وازدحم الناس وانسكر الماء بهم فصار كالجبال. وطلع المسلمون، والسلطان فى أوائل القوم «٤» ، فلم يلبث التتار أن انهزموا أقبح هزيمة، وقتل مقدمهم جنقر وجماعة كثيرة منهم وأسرت جماعة، وأقام السلطان إلى العصر وجمع الأسرى ورءوس القتلى وبات فى مكان النصر، والعساكر لابسة والخيل

стр. 11984

ملجمة. وأصبح يوم الاثنين بمنزلته حتى عاد من كان قد ساق خلف العدو، واستبرىء أمر العدو، ثم عادت العساكر، وكان العود عليهم أشق. ولما صار السلطان بالبر الشامى بلغه أن التتار الذين كانوا نازلوا البيرة ومقدمهم درباى قد هربوا وتركوا أزوادهم والمجانيق التى معهم؛ ورموا النار فى بعض ذلك، ونزل أهل البيرة وحملوا من ذلك شيئا كثيرا. فنزل السلطان على جبل مشرف قرب البيرة من الجانب الشامى، وتوجه إليها على الجسر الذى مده العدو وهو جسر كبير تحته المراكب والصوارى والسلاسل، ومعه جماعة من الأمراء، وأنعم على النائب بها بألف دينار، و [الأمير سيف الدين] الصروى «١» المجرد بها بألف دينار، وعم من بها بالتشاريف، وأنعم على أهل الثغر بمائة ألف درهم، وجرد بها جماعة زيادة على من بها، وعاد إلى مخيمه، وسار إلى دمشق فدخلها فى ثالث جمادى الآخرة والأسرى بين يديه. ذكر فتوح كينوك «٢» كان قد كثر فساد أهل كينوك وتعديهم على التجار والقصاد، وكتب إلى صاحب سيس فى ذلك فلم تفد فيه المكاتبة، فجرد الأمير حسام الدين العين تأبى مقدم العسكر الحلبى إلى كينوك، فوصل إليها فى ثالث المحرم، فأخذوا الحوش البرانى، ودخل الأرمن إلى القلعة، فقاتلهم المسلمون وملكوها وقتلوا الرجال وسبوا الحريم، وأغار العسكر على أطراف طرسوس ونهبوا وسبوا.

стр. 11985

وهذه كينوك هى الحدث الحمراء التى بناها سيف الدولة على بن حمدان، ومعنى تسميتها كينوك أى المحترقة. وكان قسطنطين صاحب سيس قد أخذها من ملوك الروم السلجقية وأحرقها. وهى التى يقول فيها المتنبى عند بنائها يمدح سيف الدولة فى قصيدته التى أولها: «على قدر أهل العزم تأتى العزائم» سل الحدث الحمراء يعرف لونها ... ويعلم أى الساقيين الغمائم سقتها الغمام الغر قبل نزوله ... فلما دنا منها سقتها الجماجم بناها علىّ والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم وكان من خبرها: أن سيف الدولة بن حمدان سار لبنائها، وكان أهلها سلموها بالأمان للدمستق ملك الروم، فى سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة، فنزلها سيف الدولة فى يوم الأربعاء ثانى جمادى الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة، فحط الأساس من يومه، وحفر أول الأساس بيده، وأقام حتى كمل بناؤها فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رجب من السنة. ذكر إغارة عيسى بن مهنا على الأنبار «١» وفى سنة اثنتين [وسبعين «٢» ] وستمائة: رسم السلطان للأمير شرف الدين عيسى ابن مهنا [أمير العرب «٣» ] بالإغارة على بلاد العراق، فوصل إلى الأنبار فوجد بها جماعة من التتار، وكان السلطان قد اختفى أمره «٤» ، فلما وصل عيسى إلى

стр. 11986

الأنبار توهموا أن السلطان دهمهم، فعدّوا إلى البر الآخر «١» ، واقتتل عيسى وخفاجة، ودام القتال نصف نهار، وكانت هذه الإغارة فى ثامن عشر شعبان. ذكر الإغارة على مرعش «٢» وفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة: توجه عسكر حلب صحبة الأمير حسام الدين العين تابى إلى جهة مرعش، وأغاروا على بلاد سيس، وحازوا غنائم كثيرة، وقلعوا أبواب ربض مرعش، وغرق ربيعة بن الظاهر بن غنام فى نهر هناك. ذكر غزوة سيس «٣» كان صاحب سيس قد اعتمدوا ما يقتضى فسخ الهدنة التى وقع الإتفاق عليها فى سنة ست وستين عند إطلاق ولده ليفون «٤» ، وقطع الهدايا المقررة عليه، وخالف الشروط من أنه لا يجدد بناء ولا يحصن قلعة، وصار لا يطالع بخبر صحيح كما تقرر معه، ثم لم يقتصر على ذلك إلى أن صار يلبس الأرمن السراقوجات ويخيف «٥» القوافل ويدّعى أنهم من عسكر التتار، فاقتضى ذلك أخذ كينوك وإخرابها كما ذكرنا، فتصور «٦» صاحب سيس من ذلك. فذكر السلطان لرسوله سوء اعتماده، وأرسل إليه يعرفه أنه عزم على قصد سيس، ثم أسر السلطان

стр. 11987

فى نفسه قصده ولم يبده لأحد، بل أظهر الحركة إلى الشام، وعرض العساكر فى يوم واحد تحت القلعة، وخرج ثالث شعبان سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ووصل إلى دمشق فى سلخ الشهر، وخرج منها فى سابع شهر رمضان بجميع العساكر. ولما وصل إلى حماة خرج الملك المنصور صاحب حماة بعساكره، ثم سار وفى خدمته العساكر والعربان. فجرد الأمير شرف الدين بن مهنا، والأمير حسام الدين العين تابى إلى جهة البيرة بصورة جاليش العسكر المنصور فوصلوا إليها. ولما وصل السلطان إلى سرمين رحل منها إلى جهة الدربساك، وأخر الأثقال وبعض العسكر صحبة الأمير شمس الدين سنقر جاه بسرمين، وجرد الأمير عز الدين الأفرم أمير جاندار، والأمير مبارز الدين الطورى لتمهيد جوانب النهر الأسود، فقطعته العساكر بمشقة. ونزل السلطان بين الدربساك وبغراس، وأمر جماعة من مقدمى الألوف أن يتوجه كل منهم إلى جهة، فطلعوا تلك الجبال، وأمر الناس بوقود الشموع فقطعوا تلك الجبال والأوعار والمضايق. وكان السلطان قد حمل ثلاثين مركبا لأجل التعدية، ونزل السلطان داخل باب اسكندرونة خلف السور الذى بناه الملك هيتوم والد ليفون صاحب سيس، ثم رحل إلى قرب المثقب، وملكت العساكر جسر المصيصة وملكوا المصيصة، وغلبت العساكر على ما فيها، وقتلوا من وجدوه بها، وغنم الناس ما لا يحصى كثرة من البقر والجاموس والغنم، وحضر إلى الطاعة جماعة كبيرة من التركمان والعربان بمواشيهم وخيولهم، فجهزهم السلطان إلى البلاد الإسلامية، وساق مطلبا فى تاسع وعشرين شهر رمضان، فوصل إلى سيس، فعدل عنها ووصل دربند «١» الروم، ووجد بقايا من حريم

стр. 11988

التتار فسبين، وعاد فبات فى تلك الجبال، وعيّد بمدينة سيس، وهى كرسى ملك الأرمن، وبها بستان متملكها ومناظره. فانتهبت مدينة سيس وهدمت وأحرقت وتحصن أهلها بقلعتها. ولما فرغ من إحراق المدينة وهدم قصور التكفور، وعادت الجاليشية بما سبوه من حريم المغول وأولادهم، وسيقت الغنائم، وعاد السلطان ورعت العساكر الزروع. ووصل الأمير جمال الدين المحمدى، والأمير عز الدين الدمياطى إلى طرسوس ووجدوا بها من الخيل والبغال مقدار ثلاثمائة رأس فاستاقوها. وتوجه الأمير مبارز الدين الطورى، والأمير عز الدين كرجى إلى قريب البحر وقاتلوا جماعة من العدو، ووجدوا مراكب فى البحر فدخلوا إليها وأخذوها وقتلوا من فيها. ووصل الأمير سيف الدين الزينى إلى قلعة البرزين، ووصل الأمير بدر الدين الأيدمرى إلى أذنة، وغنموا نساء وأطفالا. وأغارت للعساكر فى «١» تلك الجبال وقتلوا رجالا كثيرة. ووصل الأمير بدر الدين بيسرى والأمير سيف الدين أيتمش السعدى إلى أياس، وكان خبر العسكر قد وصل إلى من بها من الفرنج فنقلوا أموالهم إلى المراكب فأحرقت العساكر وقتلت جماعة كبيرة فى البر والبحر، وحضر بعد ذلك كتاب والى إسكندرونة يتضمن: أن العساكر لما قصدت أياس ركب جماعة منها من الفرنج والأرمن قريب ألفى نفس هاربين فغرقوا جميعهم، وأخذ الأمير بدر الدين أمير سلاح جشارات خيول. هذا ما يتعلق بعزوة سيس. وأما العسكر والعربان الذين توجهوا إلى جهة البيرة فوصلوا إلى رأس عين وغنموا غنائم كثيرة، وانهزم من كان فى تلك الجهة من التتار، وعاد العسكر سالما منصورا. ووصل السلطان إلى المصيصة وأحرقت من الجانبين.

стр. 11989

ولما تكامل حضور الأمراء بالغنائم وخروج التركمان والعربان الواصلين إلى الطاعة من الدربندات، رحل السلطان وعبر على بحيرة بها أغصان ملتفة مثل الغابة وبها جزائر قد تحصن بها جماعة من تلك البلاد ونقلوا إليها حريمهم وأموالهم، فرمى العسكر نفوسهم فيها عوما بالخيل، فقتلوا وسبوا. ثم عبروا على تل حمدون، وقلعة النقير فعاثت العساكر فيها، وخرج العسكر من الدربندات فشاهدوا الغنائم قد ملأت المروج طولا وعرضا، فوقف السلطان بنفسه وفرق الغنائم وعمّ بها الناس، وما أخذ لنفسه شيئا منها. ثم سار بعد القسمة فنزل دهليزه بحارم. فقال القاضى محيى الدين بن عبد الظاهر: يا ملك الأرض الذى عزمه ... كم عامر للكفر منه خرب قلبت سيسا فوقها تحتها ... والناس قالوا سيس لا تنقلب ذكر شىء من أخبار بلاد سيس وسبب استيلاء الأرمن عليها المصيصة بناها عبد الملك بن مروان فى أيام أبيه، فى سنة أربع وثمانين للهجرة النبوية. وأما طرسوس فهمى من المدن القديمة، وفيها دفن الخليفة عبد الله المامون ابن الرشيد كما ذكرنا. وطرسوس وأذنة وما يليهما تسمى قيليقيا، وتعرف هذه البلاد بالدروب والعواصم، وبها كان الغزو والرباط والجهاد والمثاغرة، وكانت مضافة إلى مملكة

стр. 11990

مصر فى إمارة أحمد بن طولون ومن بعده، حتى استولى الروم عليها كما قدمنا. واستمرت بيد الروم إلى أن استولى عليها مليح بن لاون الأرمنى، وذلك فى أيام العادل نور الدين الشهيد، بمساعدته، وهزم [مليح] جيش الروم فقوى عند ذلك البلاد، وكانت هزيمته للروم فى يوم الأحد سلخ شهر ربيع الآخر سنة ثمان وستين وخمسمائة، وأسر من مقدميهم ثلاثين أسيرا، فأحسن إليه نور الدين وخلع عليه، وكتب إلى بغداد يعظم أمر الروم ويذكر أن هذا مليح الأرمنى من جملة غلمانه، وأنه كسر الروم، ومنّ بذلك على أهل بغداد. واستمر ملك هذه البلاد فى هذا البيت إلى الآن. نعود إلى أخبار السلطان الملك الظاهر . قال: ثم رحل السلطان وخيم بموج أنطاكية، وانبثت العساكر فى تلك المروج ورعت الأعشاب، ثم رحل. ذكر منازلة حصن القصير وفتحه «١» هذا الحصن مما لم يفتحه السلطان الملك الناصر صلاح الدين بن يوسف ابن أيوب ﵀، وقيل إنه صالح عليه، وما زال لمن يكون بابا برومية؛ والبابا خليفة عند الفرنج ينفذ أمره وحكمه فى سائر ملوك الفرنج. وأمر الحصن راجع إلى بترك «٢» أنطاكية، والفرنج تميزه وتؤثره. وأهله أهل شره ومنعة وفساد، وكان مضرة على الفرعة «٣» وتلك الجهات. ولما فتح السلطان

стр. 11991

أنطاكية سأل أهل القصير الهدنة والمناصفة، فأجيبوا إلى ذلك كما قدمنا. فما وفوا وأخفوا فى المناصفة. ولما وصل صمغار [مقدم التتار] إلى جهة حارم ضرب أهل القصير البشائر، ودلوا على الطريق وأمثال ذلك مما يقتضى فسخ الهدنة. وكان السلطان قد رسم للأمير سيف الدين الدوادار بالتردد إلى كليام النائب بالقصير وإظهار مصافاته. واعتمد ذلك وتوجه المذكور إليه فى خامس عشر شوال سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ومعه جماعة من السلاح دارية بصورة أصحابه، فوصلوا إلى القصير وأظهر الأمير سيف الدين غضبا كون كليام ما خرج للقائه وقصد الرجوع، فبلغه ذلك فخرج مسرعا ليسترضيه ويرده. فادركه فامتنع من الرجوع واستدرجه حتى أبعد عن الحصن، ثم قتل من كان معه وأخذ كليام وأحضره إلى السلطان. فكتب إلى أصحابه بالتسليم فما رجعوا إلى كلامه. فجرد السلطان جماعة من أمراء حلب وهم: سيف الدين الصروى «١» وشهاب الدين مروان والى أنطاكية وجماعة من الرجال، فنازلوا القصير. وتوجه السلطان إلى دمشق واستصحب كليام معه، وكان شيخا كبيرا وكان ابنه فى الأسر، فمات كليام فى الأسر بعد اجتماعه بابنه. ولما اشتد الحصار على القصير وعدموا الأقوات سلموا الحصن المذكور فى يوم الأربعاء ثالث وعشرين جمادى الأولى سنة أربع وسبعين. وحمل أهله إلى الجهات التى قصدوها.

стр. 11992

ذكر وفاة الأبرنس صاحب طرابلس وما انفق بعد وفاته «١» وفى تاسع شهر رمضان سنة ثلاث وسبعين وستمائة: توفى الأبرنس بيمند ابن بيمند صاحب طرابلس. ووصل ملك قبرص، وهو ابن عم الأبرنس إلى طرابلس لتعزية ولده، وكان السلطان قد كتب إلى البرنس يقول: «إن اللاذقية ما برحت للمسلمين، ولما راح صاحب حلب تغلّب أبوك وأخذها ظلما وعتوا، ونحن لنا فى اللاذقية النصف، فتترك النصف الآخر فإنه من حقوق المسلمين» . فلما سمع الفرنج ذلك قووا البرج، وخاف المسلمون عاديتهم. فرسم السلطان لركن الدين النائب ببلاطنس بنقل من باللاذقية يذكر أنهم ما برحوا فى الطاعة، وقد عز عليهم خروج من عندهم. ووردت رسل ملك عكا وهو يشفع عند السلطان فى استمرار الصلح، فترك السلطان الحديث فى اللاذقية. وكان السلطان قد سير عسكر للحوطة على عرقا ومغل بلادها، فسير ملك عكا وقبرص يتوسل فى أمرهم، وسأل إنفاد من يوثق به لأجل الدعاوى، ويكون منه إلى نواب السلطان ومن ملك عكا إلى نواب البرنس. فسير الأمير سيف الدين الدوادار فتوجه إلى عرقا. وأقام بها، فاجتمع عنده نائب بعلبك، وولاه البر ومشايخ البلاد ومستخدميها ونواب الفرنجية. وكتبت الدعاوى وترددت الرسل. واتفقت وفاة الأمير صارم الدين الظافرى «٢» النائب بحصن الأكراد، فبقى الفرنج يعتذرون به وأنكروا

стр. 11993

الدعاوى، ثم سأل الملك حضور الأمير سيف الدين إلى طرابلس فدخلها فى ثامن المحرم فى تجمل كثير من المماليك السلطانية ومماليكه وأجناده، وتلقاه أبناء الملوك بها، واجتمع بالملك وسلم إليه كتاب السلطان، وتقرر على الفرنج القيام بعشرين ألف دينار صورية وعشرين أسيرا من المسلمين. ذكر غزوة النوبة «١» وفى سنة أربع وسبعين وستمائة: كثر تعدى داود متملك النوبة، وحضر إلى قريب أسوان وأحرق سواقى. وكان قبل ذلك قد حضر إلى عيذاب، وفعل الأفعال الشنيعة. وتوجه الأمير علاء الدين الخزندار والى قوص إلى أسوان فلم يدركه وظفر بنائبه الأمير قمر الدين [بقلعة] الدو المسمى صاحب الجبل وجماعة معه، فجهزهم إلى السلطان فوسطوا. وأمر السلطان بتجريد الأمير شمس الدين أقسنقر أستاد الدار، والأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار، وصحبتهم جماعة من العسكر ومن أجناد الولايات والعربان بالوجه القبلى. وكان قد حضر ابن أخت ملك النوبة مرمشكد «٢» الذى أخذ داود الملك منه. فجهز العسكر المنصور وتوجه [مرمشكد] صحبتهم. فأغار الأمير عز الدين على قلعة الدو وقتل وسبى، وسار الأمير شمس الدين فى أثره يستأصل «٣» شأفة من بقى، ونزل الأمير شمس الدين بجزيرة ميكائيل وهى رأس جنادل النوبة، وهى كثيرة الأوعار وفى وسط البحر، فقتلوا وأسروا. وكان نائب قلعة الدو الذى ولى عوض الموسط

стр. 11994

قد هرب إلى الجزائر، فأعطى أمانا واستمر على نيابته، وحلف لمرمشكد المتوجه صحبة العسكر ما دام على الطاعة. وخاض الأمير عز الدين فى وسط البحر إلى برج فحاصره وأخذه وقتل به مائتين وخمسين نفرا. ثم ساق العسكر والتقوا الملك داود، وما زال السيف يعمل فيهم حتى أفناهم وما سلم إلا من ألقى نفسه فى البحر، وهرب داود، وأسر أخوه سنكوا «١» . وجردّ جماعة من العسكر وساقوا ثلاثة أيام وأمسكوا أم الملك «٢» داود وأخته. وقرروا على الملك مرمشكد المتوجه صحبة العسكر قطيعة فى كل سنة، وعرض على أهل النوبة الإسلام أو القيام بالجزية أو القتل، فاختاروا القيام بالجزية وأن يقوم كل واحد بدينار عينا، وحرقت كنيسة سوس التى كان داود يزعم أنها تحدثه بما يؤديه. وكان داود قد بنى مكانا سماه عيذاب عمره على أكتاف المسلمين [الذين أسرهم من عيذاب وأسوان «٣» ] وفيه منازل وكنائس، وميدان صور فيه قتلى المسلمين بعيذاب وأسراهم بأسوان، فمحيت تلك التصاوير منه وخرّب. وتقرر حمل ما هو مخلف عن الملك داود وأقاربه. وكانت إقامة العسكر بدنقلة سبعة عشر يوما حتى تمهدت البلاد واستنقذت أسرى المسلمين المأسورين من أسوان وعيذاب، وألبس مرمشكد التاج على عادة ملوك النوبة، وأجلس بمكان الملك [داود «٤» ] وحلف اليمين العظيمة عندهم على ما تقرر وهى:

стр. 11995

«والله، والله والله، وحق الثالوث المقدس، والإنجيل الطاهر، والسيدة الطاهرة العذراء أم النور والمعمورية؛ والأنبياء المرسلين والحواريين والقديسين، والشهداء الأبرار. وألا: أجحد المسيح كما أجحده بودس «١» ، وأقول فيه ما يقول اليهود وأعتقد ما يعتقدونه. وألا: أكون بودس الذى طعن المسيح بالحربة، أننى أخلصت نيتى وطويتى من وقتى هذا وساعتى هذه للسلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين بيبرس، وأنى أبذل جهدى وطاقتى فى تحصيل مرضاته، وأنى مادمت نائبه لا أقطع ما قرر علىّ فى كل سنة تمضى، وهو ما يفضل من مشاطرة البلاد على ما كان يتحصل لمن تقدم من ملوك النوبة، وأن يكون النصف من المتحصل للسلطان مخلصا من كل حق، والنصف الآخر أرصده لعمارة البلاد وحفظها من عدو يطرقها، وأن يكون علىّ كل سنة: من الأفيلة ثلاثة، ومن الزرافات ثلاث، ومن إنات الفهود خمس، ومن الصهب الجياد مائة، ومن الأبقار الجياد المنتخبة أربعمائة. وإننى أقرر على كل نفر من الرعية الذين تحت يدى فى البلاد من العقلاء البالغين دينارا عينا، وأن تفرد بلاد العلى والحيل خاصا للسلطان. وأنه مهما كان لداود ملك النوبة ولأخيه سنكوا ولأمه وأقاربه، ومن قتل من عسكره بسيوف العساكر المنصورة، أحمله إلى الباب العالى مع من يرصد لذلك. وأننى لا أترك شيئا منه قل ولا جل، ولا أخفيه ولا أمكن أحدا من إخفائه، ومتى خرجت عن جميع ما قررته أو شىء من هذا المذكور أعلاه كله كنت بريئا من الله تعالى، ومن المسيح، ومن السيدة الطاهرة، وأخسر دين النصرانية، وأصلى إلى غير الشرق، وأكفر بالصليب، وأعتقد ما تعقد اليهود.

стр. 11996

وإنى لا أترك أحدا من العربان ببلاد النوبة. ومن وجدته منهم أرسلته إلى الباب السلطانى، ومهما سمعت من الأخبار السارة والنافعة طالعت به السلطان فى وقته وساعته، ولا أنفرد بشىء من الأشياء إذا لم يكن مصلحة، وأننى ولّى من والى السلطان وعدو من عاداه، والله على ما نقول وكيل.» [ثم هذا عهد آخر صادر من أمير بطاعة مرمشكد وبطاعة بيبرس «١» .] «وحلّفت الرعية أيضا بتلك الجهات بأنهم يطيعون نائب السلطان، وهو الملك مرمشكد المقيم بدنقلة، وكل نائب يكون للسلطان أطيعه ولا أرى عليه برأيى، ولا أخبىّ عنه مصلحة، وكل ما أسمعه من الأخبار الجيدة والردية أطالع نائبه به. ومتى علمت على نائبه الملك مرمشكد أمرا يخالف المصلحة لا أطيعه فيه وأطالع السلطان به فى الوقت والساعة. وأننى لا أدخل فى حكم داود، ولا أكون معه، ولا أطالعه بخبر من الأخبار، ولا أرتضى به ملكا، ورضيت بأن أقوم بدينار عينا فى كل سنة خالية على» . وعاد العسكر وأحضر من النوبة ما نذكر، وهو ما وجد فى كنيسة سوس من الصليان الذهب وغيرها: أربعة آلاف وستمائة وأربعون دينارا ونصف، وأوانى فضيات ثمانية آلاف وستمائة وستون دينارا، والذى أحضر من الرقيق، سبعمائة رأس.

стр. 11997

وأما الملك داود فإنه هرب إلى جهة الأبواب، فقاتله صاحبها الملك أدر، وقتل ولده، وأمسكه وسيره إلى السلطان. ذكر غزوات النوبة فى الإسلام أول ما غزيت النوبة فى سنة إحدى وثلاثين للهجرة النبوية، غزاها عبد الله ابن سعد فى خمسة آلاف فارس، وأصيب فى ذلك اليوم معاوية بن حديج فى عينه، وأصيب أبرهة الصباح فى عينه، وكانوا يسمون النوبة: رماة الحدق. وهادنهم عبد الله بن سعد بعد أن وصل دنقلة. وفى ذلك يقول الشاعر: لم تر عينى مثل يوم دنقلة ... والخيل تعدو بالدروع مثقلة ترى الحماة حولها مجدلة ... كأن أرواح الجميع مهملة وقال يزيد بن أبى حبيب: «ليست الموادعة بين أهل مصر والنوبة موادعة هدنة، وإنما هى هدنة امان؛ نعطيهم شيئا من قمح وعدس، ويعطوننا رقيقا، ولا بأس بما يشترى من رقيقهم» . وكان البقط المرتب على النوبة وهو الرسم على ما قرر: فى كل سنة أربعمائة رأس من الرقيق، وزرافة واحدة. لأمير المؤمنين ثلاثمائة وستون رأسا، وللنائب بمصر أربعون رأسا. ويطلق لرسله، إذا وصلوا بالبقط تاما، ألف وثلاثمائة أردب قمح، لرسله منها ثلاثمائة.

стр. 11998

وقال البلاذرى فى كتاب الفتوحات: «إن المقرر على النوبة أربعمائة رأس، يأخذون بها طعاما؛ أى غلة» . وألزمهم المهدى العباسى بثلاثمائة وستين رأسا وزرافة. ثم غزبت فى زمن هشام بن عبد الملك بن مروان، ولم تفتح وإنما كان قتال ونهب وسبى. وغزاها يزيد بن أبى حاتم بن قبيصة بن المهلب بن أبى صفرة، على يد عبد الأعلى بن حميد. وغزاها أبو منصور تكين التركى هى وبرقة فى عام واحد، ولم تفتح النوبة. ثم غزاها كافور الإخشيدى، وكان أكثر جيشه السودان. فقال الشاعر: ولما غزا كافور دنقلة غدا ... بجيش لطول الأرض من مثله عرض غزا الأسود السودان فى رونق الضحى ... فلما التقى الجمعان أظلمت الأرض ثم غزاها ناصر الدولة بن حمدان، فكبسه السودان، ونهب جيشه، وأخذت أثقاله، وذلك فى سنة تسع وخمسين وأربعمائة فى أيام المستنصر العبيدى. ثم غزاها بعد ذلك شمس الدولة توران بن أيوب أخو الملك الناصر صلاح الدين يوسف فى سنة ثمان وستين وخمسمائة، ولم يصل إلا إلى أبريم. وكل هذه غزوات، وإنما الفتح هذا.

стр. 11999

ذكر غزوة الروم وقتل التتار «١» قد ذكرنا فى أخبار السلطان فى سنة خمس وسبعين وستمائة؛ طاعة أمراء الروم ووصولهم إلى خدمة السلطان، وإكرامه لهم وإحسانه إليهم وما عاملهم به. ولما وصل السلطان إلى الديار المصرية فى رابع عشر شهر ربيع الأول سنة خمس وسبعين وستمائة، أقام بها إلى شهر رمضان منها ثم عزم على السفر. وجهز من وصل إليه من أمراء الروم بالخيول والخيام وغير ذلك، وتوجه من قلعة الجبل المحروسة، بعساكر الديار المصرية فى يوم الخميس العشرين من شهر رمضان من السنة. ورتب الأمير شمس الدين آقسنقر أستاد الدار فى النيابة عنه بقلعة الجبل «٢» والصاحب بهاء الدين وجعلهما فى خدمة ولده الملك السعيد. واستصحب معه الصاحب زين الدين أحمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب بهاء الدين وجعله وزير الصحبة، وهى أول سفرة سافرها صحبته، واستصحب أكثر كتاب الإنشاء، وفوض فى هذا اليوم نظر الجيوش للقاضى عز الدين إبراهيم بن الوزير الأعز فخر الدين مقدام بن شكر، والشهادة به للقاضى شمس الدين الأرمنتى، واستصحبهما صحبته. ثم رحل يوم السبت ثانى عشرين الشهر وصحبته أمراء الروم، وسار فما مر بمملكة إلا استصحب عسكرها وخزائنها وأسلحتها، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الأربعاء سابع عشر شوال، وخرج منها متوجها إلى حلب فى يوم السبت العشرين من الشهر، وكان وصوله إلى حلب فى يوم الأربعاء مستهل ذى القعدة،

стр. 12000

وخرج منها فى يوم الخميس ثانى الشهر إلى حيلّان فترك بها بعض الثقل، وتقدم إلى الأمير نور الدين على بن مجلى «١» نائب السلطة بحلب أن يتوجه إلى الساجور، ويقيم على الفرات بمن معه من عسكر حلب، لحفظ معابر الفرات، خشية أن يعبر منها أحد من التتار إلى الشام. ووصل إلى الأمير نور الدين، الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا. ولما اتصل خبر نزول هذا الجيش بالتتار المقدمين بالعراق جهزوا إليهم جماعة من عرب خفاجة لينالوا من العسكر غرّة، فاتصل خبرهم بالأمير نور الدين [نائب حلب وهو على الفرات «٢» ] فركب إليهم وقاتلهم وهزمهم، وأخذ منهم ألفا «٣» ومائتى جمل. ورحل السلطان من حيلان يوم الجمعة ثالث الشهر إلى عين تاب، ثم إلى دلوك، ثم إلى مرج الديباج ثم إلى كينوك، ثم رحل منها إلى كراصو «٤» ، ثم إلى اقجا دربند، فوصله يوم الثلاثاء سابع الشهر فقطعه فى نصف نهار، وبات فى وطأة هناك. وقدم الأمير شمس الدين سنقر الأشقر فى جماعة من العسكر جاليشا، فوقع على ثلاثة آلاف فارس من التتار مقدمهم كراى، فهزمهم وأسر منهم وقتل، وذلك فى يوم الخميس تاسع الشهر. ثم ورد الخبر على السلطان أن عسكر المغل ومقدمهم تتاون» وعسكر الروم ومقدمهم [معين الدين] البرواناه قد قربوا من العسكر، فرتب السلطان عساكره وطلعت العساكر على

стр. 12001

جبال مشرفة على صحراه هونى «١» من بلد أبلستين، وكان العدو فى تلك الليلة قد بات على نهر جهان «٢» ، وهو نهر جيحان، فأقبل المسلمون من علو الجبل، وترتبت المغل أحد عشر طلبا، كل طلب منها يزيد على ألف، وعزلوا عسكر الروم عنهم، وجعلوه طلبا بمفرده [لئلا يكون مخامرا عليهم «٣» ] . وكان أبغا بن هولاكو قد انتخب هذا الجيش من عسكره، وكان فيه جماعة من أكابر مقدمى المغل. فوقف السلطان وتقدم إليهم جماعة من مماليكه وخواصه، فأخلدت فرقة منهم إلى الأرض وقاتلوا قتالا شديدا، وحملت فرقة «٤» منهم من ميسرتهم واستدارت خلف الصناجق السلطانية، فحمل السلطان عليهم، فانجلت الحرب عن قتل التتار، وكان من بقى منهم كما قيل: فلزهم الطراد إلى قتال ... أحد سلاحهم فيه القذاره وكانت وقعة عظيمة مشهورة فثبت فيها المغل. واستشهد من المسلمين فى هذا اليوم شرف الدين قيران «٥» العلائى أحد مقدمى الحلقة، وعز الدين أخو المحمدى.

стр. 12002

ونزل السلطان فى المنزلة التى كان العدو نازلا بها، وأحضرت بين يديه الأسارى من المغل، فاستبقى السلطان بعض أكابرهم وقتل من بقى منهم، وأسر جماعة من أكابر أمراء الروم، ووصل جماعة منهم إلى الخدمة. وكان ممن أسر ووصل من الروم بكلاء «١» بن البرواناه ومعه ولد أخته، وولد خواجا يونس، والأمير نور الدين بن جاجا، والأمير قطب الدين أخو الأتابك، والأمير سراج الدين جاجا، وسيف الدين سنقرجاه الزوباشى، ونصرة الدين صاحب سيواس، والأمير كمال الدين، عارض الجيش بالروم، وحسام الدين بركاول، قريب البرواناه، وسيف الدين بن عليشير التركمانى، والأمير سيف الدين جاليش النائب بالروم، وهو أمير داد، ومعناه أمير العدل، وظهير الدين فتوح «٢» مشرف الممالك، ومرتبته دون الوزارة، والأمير نظام الدين أوحد بن الأمير شرف الدين بن الخطير وإخوته، وقاضى القضاة حسام الدين قاضى الروم، ومظفر الدين بن جحاف، وأولاد الأمير صارم الدين بن الخطير، وجماعة من أصحابهم، وسيف الدين كجكنا «٣» الجاشنكير، ونور الدين المنجنيقى، وأولاد رشيد الدين صاحب ملطية «٤» كمال الدين وإخوته، وأمير على صاحب كركر، وأكثر هؤلاء حضروا بيوتهم وأولادهم، وأما البرواناه فأنه هرب.

стр. 12003

قال القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية: وأما البرواناه فأنه شمر الذيل وامتطى هربا أشهب الصبح وأحمر الشفق وأصفر الأصيل وأدهم الليل، ودخل قيسارية فى وقت السحر من يوم الأحد ثانى عشر الشهر، فأفهم سلطانها غياث الدين [كيكاوس بن كيخسرو «١» ] والصاحب فخر الدين وزيرها، والأتابك مجد الدين والأمير جلال الدين المستوفى، والأمير بدر الدين ميكائيل النائب، والطغرائى وهو ولد أخى البرواناه: أن جيش الإسلام كسر بعض المغل، وأن بقية المغل انهزموا، ويخشى أن يدخل المغل قيسارية ويقتلون من بها حنقا على الإسلام، فأخذهم وأخذ زوجته بنت غياث الدين صاحب أرزن الروم، وتوجهوا كلهم إلى توقات. ولهذه كرحى خاتون [امرأة البرواناه] أربعمائة جارية استصحيتهن معها. وكانت أم هذه كرحى خاتون ملكة الكرج. وتوقات مكان حصين مسيرة أربعة أيام من قيسارية. وجرّد السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأشقر بجماعة لإدراك من انهزم من المغل، والتوجه أمامه إلى قيسارية، وكتب بتأمين أهلها. فمرّ بفرقة من التتار معهم البيوت، فأخذ عنهم جانبا. وحال بينهم الليل، فمر كل منهم فى جهة. ورحل السلطان يوم السبت حادى عشر الشهر من مكان المعركة ونزل قريبا من قرية رمّان، وهى قريب الكهف والرقيم حقيقة كما نقل، لا ما يقال إن الكهف والرقيم من عمل بيسان «٢» والبلقاء.

стр. 12004

وقرية رمّان هذه بيوتها مبنية حول سن جبل قائم كالهرم ويطوف بها جبال كأنها أسوار، ويخرج منها أنهار عليها قناطر لا تسع غير راكب. واشتدت الأمطار، ثم سار بكرة النهار إلى الليل، ونزل بوطأة من أعمال صاروس العتيق، وبقربها معدن الفضة. فأتى السلطان مخبر أن التتار فى فجوة هناك فركب بالعساكر فعاقته كثرة الأمطار فعاد وبات بتلك المنزلة. وأصبح فسلك جبالا وعرة، ومر على قرية أو ترال «١» ومنها إلى خان قريب من حصن سمندو، وكان السلطان قد سير كتابا إلى نائبها، فقبله وأذعن إلى النزول عنها إن أمره السلطان، فشكره وأحسن إليه، وكذلك متولى قلعة درندا، ووالى دوالوا، أجابوا كلهم إلى الطاعة. ثم نزل السلطان قرية قريبة من قيسارية شرقى جبل عسيب، وركب يوم الأربعاء، نصف ذى القعدة سنة خمس وسبعين وستمائة، والعساكر فى خدمته، وخرج أهل قيسارية، العلماء والأكابر وغيرهم حتى النساء والأطفال فتلقوا السلطان، وكان دهليز صاحب الروم وخيامه قد نصبت فى وطأة كينجسرو قريبا من المناظر التى لملوك الروم، فنزل السلطان به، وارتفعت أصوات العالم بالتهليل والتكبير، وضربت به نوبة آل سلجق على العادة، وحضر أصحاب الملاهى فردّوا، واعتمد السلطان على الأمير سيف الدين جاليش فى النيابة، وكان أولاد قرمان [أمراء التركمان «٢» ] قد رهنوا أخاهم الصغير على بك بالروم، فخرج إلى السلطان فأكرمه، وطلب منه تواقيع وصناجق له ولأخوته فأعطاه وتوجه، وكتب السلطان إليهم فى الحضور إلى خدمته، وأكد فى ذلك.

стр. 12005

فكان من خبرهم فى الوصول إلى بلاد الروم بعد رحيل السلطان ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال: ثم ركب السلطان فى يوم الجمعة سابع عشر الشهر، وعلى رأسه جتر بنى سلجق ودخل قيسارية. وكانت دار السلطنة قد هيئت لنزوله، وتخت آل سلجق قد نصب لحلوله، فجلس فى مرتبة السلطنة بكرة النهار، وحضر القضاة والفقهاء والوعاظ والقراء والصوفية وأعيان قيسارية، وذوو المراتب على العادة السلجقية فى أيام الجمع، ووقف له أمير المحفل- وهو عندهم ذو حرمة ومكانه، وعليه أكبر ثوب وأكبر عمامة- فرتب المحفل، وقرأ القراء، ثم أنشد أمير المحفل بالعربية والعجمية مدائح فى السلطان. ومد السماط، فأكل من حضر وانصرفوا. وتهيأ السلطان لصلاة الجمعة وحضر إلى الجامع وصلى، وخطب الخطباء فى جوامع قيسارية باسمه، وهى سبعة «١» جوامع. ثم عاد إلى دار السلطنة وأحضر بين يديه دراهم عليها السكة الظاهرية. وظهر لمعين الدين سليمان البرواناه ولزوجته كرجى خاتون موجود عظيم «٢» ، فحمل إلى السلطان وكذلك موجود من نزح؛ ففرق أكثره على أمرائه. وحكى الصاحب عز الدين بن شداد فى السيرة الظاهرية قال: حكى لى من أثق به أن البرواناه بعث إلى السلطان لما دخل قيسارية يهنئه بالجلوس على التخت، فكتب إليه يأمره بالوفود عليه ليوليه، فكتب إليه يسأله أن ينتظره خمسة عشر يوما، وكان مراده أن يصل إلى أبغا ويحثه على المسير [بنفسه]

стр. 12006

والسلطان بالبلاد، فلم يدر ذلك فى حدس السلطان. فاجتمع تتاون «١» بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر وعرفه قصد البرواناه فى طلبه الانتظار، وأن مقصده أن السلطان يتربص حتى يدركه أبغا فى البلاد، فكان ذلك سبب رحيل السلطان عن قيسارية. ذكر رحيل السلطان عن قيسارية وهرب عز الدين أيبك الشيخى ولحاقة بأبغا وعود السلطان إلى ممالكه كان رحيل السلطان من قيسارية فى يوم الاثنين العشرين من ذى القعدة، وقيل فى الثانى والعشرين منه، لقلة الأقوات، وقيل للسبب الذى تقدم ذكره، وجعل على يزكه الأمير عز الدين أيبك الشيخى، وكان السلطان قد ضربه لسبقه الناس وتقدمه، فحقد ذلك، وتسحب يومئذ والتحق بأبغا بن هولاكو. ونزل السلطان بقيرلو «٢» فورد عليه فيها رسول البرواناه، ومعه رجل آخر اسمه ظهير الدين الترجمان، وهو يستوقف السلطان عن الحركة، وما كانوا علموا بقصد السلطان فى مسيره إلى أية جهة، وكان الخبر قد شاع أن حركة السلطان إلى سيواس. فأجاب السلطان البرواناه: «أن كتبك وكتب غيرك كانت تأتينى واشترطتم شروطا لم تفوا بها ولا وقفتم عندها، وقد عرفت الروم وطريقه، وما كان جلوسنا على التخت رغبة فيه إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن شىء نريده بحول الله وقوته، ويكفينا أخذنا أمك وابنك وابن بنتك وما منحناه من النصر الوجيز، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز.»

стр. 12007

ثم رحل، ونزل خان كيقباد، فلما نزل به بعث الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى إلى قرية رمّانة فحرقها، وقتل من كان بها من الأرمن وسبى حريمهم، لأنهم كانوا قد أخفوا جماعة من المغل. ولما رحل السلطان من منزلة روزان كودلوا مرّ فى وطأة خلف حصن سمندو من طريق غير الطريق الذى كان توجه عليها إلى قيسارية، ويعرف هذا المكان بقزل صو، ومعناء النهر الأحمر، وهو بعيد المستقى، كثير الزلق والوحل، فوقف السلطان وجرد سيفه حتى بسطت جملة من اللبابيد الحمر تحت حوافر الخيل واخفاف الجمال، ووقف راجلا حتى عبر الناس أولا قأولا، ثم ركب وعبر ونزل فى واد فيه مرعى، ثم رحل إلى صحراء فراحا بالقرب من بازاريلوا. وهذا البازار هو الذى كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه كل شىء يجلب من الأقاليم. ثم رحل يوم السبت وسار إلى وطأة أبلستين ومر بمكان المعركه لمشاهدة رمم التتار، وحضر جماعة من أهل أبلستين، وسئلوا عن قتلى التتار، فقال رجل منهم: «عددت ستة آلاف وسبعمائة وسبعين من المغل خاصة فى المعركة غير من قتل خارجها» . ولما بلغ السلطان أقجا دربند بعث الأثقال والخزائن والصناجق صحبة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار ليعبر بها الدربند، وتأخر السلطان ساقة العسكر يوم الأحد، ورحل يوم الاثنين فدخل الدربند، وحصل للناس مشقة، ولما خرجوا منه قطعوا النهر الأزرق، وبات. ثم رحل السلطان فنزل قريبا من كينوك، ثم نزل يوم الثلاثاء سادس ذى الحجة قريبا من حارم، ونزل بعساكره هناك وعيّد عيد الأضحى، ووصلت إليه رسل

стр. 12008

الأمير شمس الدين محمد بن قرمان أمير التركمان وكتبه بما اعتمده بالروم بعد عود السلطان، وأنه حضر فى عشرين ألف فارس من التركمان وثلاثين ألف راجل متركشة إلى خدمة السلطان فلم يدركه. ذكر ما اعتمده الأمير شمس الدين محمد بك بن قرمان أمير التركمان فى البلاد الرومية «١» كان الأمير شمس الدين المذكور قد باين التتار ونابذهم، وخرج عن طاعتهم وطاعة الروم، وانحاز إلى السواحل. فلما بلغه خبر كسرة التتار ووصول السلطان إلى قيسارية جمع جموعا كثيرة من التركمان وقصد أقصرا، فلم ينل منها طائلا فرحل عنها وقصد قونية فى ثلاثة آلاف فارس ونازلها، فغلق أهلها أبوابها فى وجهه، فرفع على رأسه صناجق السلطان التى سيرها مع أخيه على بك، وبعث إليهم يعرفهم أن السلطان الملك الظاهر كسر التتار ودخل قيسارية وملكها، فقال أهل البلد: «أما الأبواب فنحن لا نفتحها، ولكن أحرقوها وأدخلوا فنحن لا نمنعكم» ، فأحرقوا باب الفاخرانى، وباب سوق الخيل ودخلوا قونية يوم عرفة، وهو يوم الخميس. وكان النائب بها إذ ذاك أمين الدين ميخائيل. فقصد من معه داره ودار غيره من الأمراء، والأسواق والخانات فنهبوها، ثم ظفروا بأمين الدين، فأخرجوه إلى ظاهر البلد وعذبوه إلى أن استأصلوا ماله ثم قتلوه وعلقوا رأسه داخل البلد، وامتنع أهل البلد من تسليمها، فاعملوا الحيلة، ورتبوا رجلا على أن يتوجه إلى قمين من أقمنة حمام عينوه له، فإذا رأى هناك شابا رمى نفسه عليه وقبلّ رجليه، فإذا قال له الشاب: «من أين تعرفنى؟» ، فيقول:

стр. 12009

«ما أنت علاء الدين كيخسروا بن السلطان عز الدين كيقباذ؟ أنسيت تربيتى لك وحملك على كتفى؟» . وليكن ذلك بمشهد من العامة، فلما فعل ذلك وسمعت العامة مادار بين الرجل والشاب ازدحموا عليه، وإذا جماعة من التركمان كان قد رتب معهم أنهم إذا رأوا العامة قد أحدقوا به فيأخذونه «١» من بين أيديهم ويحملونه إلى الأمير شمس الدين محمد بك، ففعلوا ذلك، فلما رآه أقبل عليه وضمه إليه، وعقد له لواء السلطنة وحمل الصناجق على رأسه، وذلك فى الرابع عشرين ذى الحجة، فلما رأى أهل قونية ما فعلوه حملتهم المحبة فى آل سلجوق على متابعتهم، ثم نازلوا القلعة، فامتنع من فيها من تسليمها، فحاصروها، ثم تقرر بينهم الصلح على تسليمها ويعطى من فيها سبعون ألف درهم «٢» ، فدخلوها وأجلسوا علاء الدين فيها على تخت الملك، ثم بلغ ابن قرمان والتركمان أن تاج الدين محمدا، ونصرة الدين محمود، ابنا الصاحب فخر الدين خواجا على، قد حشدا وقصداهم، فسار [ابن قرمان] إليهما وعلاء الدين معه، فالتقوا على آمد شهر، فكسرها وقتلهما، وقتل خواجا سعد الدين يونس بن سعد الدين المستوفى صاحب أنطاكية، وهو خال معين الدين البرواناه، وقتلوا جلال الدين خسرو بك بن شمس الدين يوناس بكلارتكسى «٣» ، وأخذوا رءوسهم وعادوا بهم إلى قونية فى آخر ذى الحجة. واستمروا بقونية إلى أن دخلوا «٤» سنة ست وسبعين وستمائة، فبلغهم

стр. 12010

أن أبغا وصل بعد خروج الملك الظاهر من الروم إلى مكان الوقعة، فرحلوا عن قونية إلى جبالهم. وكانت مدة مقامهم بقونية سبعة وثلاثين يوما. ذكر وصول أبغا إلى بلاد الروم ومشاهدته مكان «١» الوقعة وما فعله بأهل الروم من القتل والنهب كان البرواناه معين الدين لما تمت الهزيمة على التتار وعليه، قد كتب إلى أبغا يستنصر به ويستحثه على الوصول إلى بلاد الروم، فتوجه أبغا إلى الروم، ولما شارف البلاد خرج إليه البرواناه بمن معه، وتوجه فى خدمته بالعساكر إلى أن وصل إلى البلستين، ووقف على موضع المعركة، فتأسف على المغل وبكى، ثم قصد منزلة السلطان الملك الظاهر، فقاسها بعصا الدبوس فعلم عدة من كان نازلا بها من العساكر وأنكر على البرواناه كونه لم يعرفه جلية حال العسكر، فاعتذر بأنه «٢» ما علم بذلك، وأن العسكر حضر بغتة، فلم يقبل عذره. وكان الأمير عز الدين أيبك الشيخ فى خدمة أبغا، فقال له: «أرنى مكان الميمنة والقلب والميسرة» فأقام «٣» له فى كل منزلة رمحا، فلما رأى بعد ما بين الرماح قال: «ما هذا العسكر الذى حضر معى يكفى هؤلاء» ، وكان فى خدمته من عسكره ثلاثون «٤» ألف، وكان قد سيرهم إلى الشام فأعادهم من كينوك، وتوجه إلى قيسارية وسأل أهلها فقال: «هل كان مع صاحب مصر جمال؟» ، فقالوا: «لم يكن معه
следующие страницы →