Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12006–12045 · переход к 12011.
стр. 12006
والسلطان بالبلاد، فلم يدر ذلك فى حدس السلطان. فاجتمع تتاون «١» بالأمير شمس الدين سنقر الأشقر وعرفه قصد البرواناه فى طلبه الانتظار، وأن مقصده أن السلطان يتربص حتى يدركه أبغا فى البلاد، فكان ذلك سبب رحيل السلطان عن قيسارية.
ذكر رحيل السلطان عن قيسارية وهرب عز الدين أيبك الشيخى ولحاقة بأبغا وعود السلطان إلى ممالكه
كان رحيل السلطان من قيسارية فى يوم الاثنين العشرين من ذى القعدة، وقيل فى الثانى والعشرين منه، لقلة الأقوات، وقيل للسبب الذى تقدم ذكره، وجعل على يزكه الأمير عز الدين أيبك الشيخى، وكان السلطان قد ضربه لسبقه الناس وتقدمه، فحقد ذلك، وتسحب يومئذ والتحق بأبغا بن هولاكو.
ونزل السلطان بقيرلو «٢» فورد عليه فيها رسول البرواناه، ومعه رجل آخر اسمه ظهير الدين الترجمان، وهو يستوقف السلطان عن الحركة، وما كانوا علموا بقصد السلطان فى مسيره إلى أية جهة، وكان الخبر قد شاع أن حركة السلطان إلى سيواس. فأجاب السلطان البرواناه: «أن كتبك وكتب غيرك كانت تأتينى واشترطتم شروطا لم تفوا بها ولا وقفتم عندها، وقد عرفت الروم وطريقه، وما كان جلوسنا على التخت رغبة فيه إلا لنعلمكم أنه لا عائق لنا عن شىء نريده بحول الله وقوته، ويكفينا أخذنا أمك وابنك وابن بنتك وما منحناه من النصر الوجيز، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز.»
стр. 12007
ثم رحل، ونزل خان كيقباد، فلما نزل به بعث الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى إلى قرية رمّانة فحرقها، وقتل من كان بها من الأرمن وسبى حريمهم، لأنهم كانوا قد أخفوا جماعة من المغل.
ولما رحل السلطان من منزلة روزان كودلوا مرّ فى وطأة خلف حصن سمندو من طريق غير الطريق الذى كان توجه عليها إلى قيسارية، ويعرف هذا المكان بقزل صو، ومعناء النهر الأحمر، وهو بعيد المستقى، كثير الزلق والوحل، فوقف السلطان وجرد سيفه حتى بسطت جملة من اللبابيد الحمر تحت حوافر الخيل واخفاف الجمال، ووقف راجلا حتى عبر الناس أولا قأولا، ثم ركب وعبر ونزل فى واد فيه مرعى، ثم رحل إلى صحراء فراحا بالقرب من بازاريلوا.
وهذا البازار هو الذى كانت الخلائق تجتمع إليه من أقطار الأرض، ويباع فيه كل شىء يجلب من الأقاليم.
ثم رحل يوم السبت وسار إلى وطأة أبلستين ومر بمكان المعركه لمشاهدة رمم التتار، وحضر جماعة من أهل أبلستين، وسئلوا عن قتلى التتار، فقال رجل منهم: «عددت ستة آلاف وسبعمائة وسبعين من المغل خاصة فى المعركة غير من قتل خارجها» . ولما بلغ السلطان أقجا دربند بعث الأثقال والخزائن والصناجق صحبة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار ليعبر بها الدربند، وتأخر السلطان ساقة العسكر يوم الأحد، ورحل يوم الاثنين فدخل الدربند، وحصل للناس مشقة، ولما خرجوا منه قطعوا النهر الأزرق، وبات.
ثم رحل السلطان فنزل قريبا من كينوك، ثم نزل يوم الثلاثاء سادس ذى الحجة قريبا من حارم، ونزل بعساكره هناك وعيّد عيد الأضحى، ووصلت إليه رسل
стр. 12008
الأمير شمس الدين محمد بن قرمان أمير التركمان وكتبه بما اعتمده بالروم بعد عود السلطان، وأنه حضر فى عشرين ألف فارس من التركمان وثلاثين ألف راجل متركشة إلى خدمة السلطان فلم يدركه.
ذكر ما اعتمده الأمير شمس الدين محمد بك بن قرمان أمير التركمان فى البلاد الرومية «١»
كان الأمير شمس الدين المذكور قد باين التتار ونابذهم، وخرج عن طاعتهم وطاعة الروم، وانحاز إلى السواحل. فلما بلغه خبر كسرة التتار ووصول السلطان إلى قيسارية جمع جموعا كثيرة من التركمان وقصد أقصرا، فلم ينل منها طائلا فرحل عنها وقصد قونية فى ثلاثة آلاف فارس ونازلها، فغلق أهلها أبوابها فى وجهه، فرفع على رأسه صناجق السلطان التى سيرها مع أخيه على بك، وبعث إليهم يعرفهم أن السلطان الملك الظاهر كسر التتار ودخل قيسارية وملكها، فقال أهل البلد: «أما الأبواب فنحن لا نفتحها، ولكن أحرقوها وأدخلوا فنحن لا نمنعكم» ، فأحرقوا باب الفاخرانى، وباب سوق الخيل ودخلوا قونية يوم عرفة، وهو يوم الخميس. وكان النائب بها إذ ذاك أمين الدين ميخائيل.
فقصد من معه داره ودار غيره من الأمراء، والأسواق والخانات فنهبوها، ثم ظفروا بأمين الدين، فأخرجوه إلى ظاهر البلد وعذبوه إلى أن استأصلوا ماله ثم قتلوه وعلقوا رأسه داخل البلد، وامتنع أهل البلد من تسليمها، فاعملوا الحيلة، ورتبوا رجلا على أن يتوجه إلى قمين من أقمنة حمام عينوه له، فإذا رأى هناك شابا رمى نفسه عليه وقبلّ رجليه، فإذا قال له الشاب: «من أين تعرفنى؟» ، فيقول:
стр. 12009
«ما أنت علاء الدين كيخسروا بن السلطان عز الدين كيقباذ؟ أنسيت تربيتى لك وحملك على كتفى؟» . وليكن ذلك بمشهد من العامة، فلما فعل ذلك وسمعت العامة مادار بين الرجل والشاب ازدحموا عليه، وإذا جماعة من التركمان كان قد رتب معهم أنهم إذا رأوا العامة قد أحدقوا به فيأخذونه «١» من بين أيديهم ويحملونه إلى الأمير شمس الدين محمد بك، ففعلوا ذلك، فلما رآه أقبل عليه وضمه إليه، وعقد له لواء السلطنة وحمل الصناجق على رأسه، وذلك فى الرابع عشرين ذى الحجة، فلما رأى أهل قونية ما فعلوه حملتهم المحبة فى آل سلجوق على متابعتهم، ثم نازلوا القلعة، فامتنع من فيها من تسليمها، فحاصروها، ثم تقرر بينهم الصلح على تسليمها ويعطى من فيها سبعون ألف درهم «٢» ، فدخلوها وأجلسوا علاء الدين فيها على تخت الملك، ثم بلغ ابن قرمان والتركمان أن تاج الدين محمدا، ونصرة الدين محمود، ابنا الصاحب فخر الدين خواجا على، قد حشدا وقصداهم، فسار [ابن قرمان] إليهما وعلاء الدين معه، فالتقوا على آمد شهر، فكسرها وقتلهما، وقتل خواجا سعد الدين يونس بن سعد الدين المستوفى صاحب أنطاكية، وهو خال معين الدين البرواناه، وقتلوا جلال الدين خسرو بك بن شمس الدين يوناس بكلارتكسى «٣» ، وأخذوا رءوسهم وعادوا بهم إلى قونية فى آخر ذى الحجة. واستمروا بقونية إلى أن دخلوا «٤» سنة ست وسبعين وستمائة، فبلغهم
стр. 12010
أن أبغا وصل بعد خروج الملك الظاهر من الروم إلى مكان الوقعة، فرحلوا عن قونية إلى جبالهم. وكانت مدة مقامهم بقونية سبعة وثلاثين يوما.
ذكر وصول أبغا إلى بلاد الروم ومشاهدته مكان «١» الوقعة وما فعله بأهل الروم من القتل والنهب
كان البرواناه معين الدين لما تمت الهزيمة على التتار وعليه، قد كتب إلى أبغا يستنصر به ويستحثه على الوصول إلى بلاد الروم، فتوجه أبغا إلى الروم، ولما شارف البلاد خرج إليه البرواناه بمن معه، وتوجه فى خدمته بالعساكر إلى أن وصل إلى البلستين، ووقف على موضع المعركة، فتأسف على المغل وبكى، ثم قصد منزلة السلطان الملك الظاهر، فقاسها بعصا الدبوس فعلم عدة من كان نازلا بها من العساكر وأنكر على البرواناه كونه لم يعرفه جلية حال العسكر، فاعتذر بأنه «٢» ما علم بذلك، وأن العسكر حضر بغتة، فلم يقبل عذره. وكان الأمير عز الدين أيبك الشيخ فى خدمة أبغا، فقال له: «أرنى مكان الميمنة والقلب والميسرة» فأقام «٣» له فى كل منزلة رمحا، فلما رأى بعد ما بين الرماح قال: «ما هذا العسكر الذى حضر معى يكفى هؤلاء» ، وكان فى خدمته من عسكره ثلاثون «٤» ألف، وكان قد سيرهم إلى الشام فأعادهم من كينوك، وتوجه إلى قيسارية وسأل أهلها فقال: «هل كان مع صاحب مصر جمال؟» ، فقالوا: «لم يكن معه
стр. 12011
إلا خيل وبغال» ، فقال: «هل نهب منكم شيئا؟» ، قالوا: «لا، إلا مشترى بالذهب» ، فقال: «منذكم فارقكم؟» قالوا: «منذ خمسة وعشرين يوما» ، فقال: «هم الآن عند جمالهم «١» » . ثم عزم على قتل من بقيسارية من المسلمين، فاجتمع إليه القضاة والفقهاء، وقالوا: «هؤلاء رعية ولا طاقة لهم بدفع عسكر إذا نزل عليهم، وهم مع الزمان عبيد من ملك» ، فلم يرجع إلى ذلك، وأمر بقتل جماعة من أهل البلد، وقتل قاضى القضاة جلال الدين حبيب، وأمر عسكره أن يبسط فى المملكة الرومية، فقتل من الرعايا ما يزيد على مائتى ألف، وقيل بلغت عدة من قتل من الرعايا والفلاحين وغيرهم خمسمائة الف من قيسارية إلى أرزن الروم [ولم يقتل أحدا من النصارى «٢» ] ، ثم عاد أبغا إلى الأردو، وكان من خبر قتل البرواناه معين الدين ما قدمناه.
نعود إلى سياقة أخبار السلطان الملك الظاهر
قد قدمنا أن السلطان نزل بالقرب من حارم، وعيّد عيد الأضحى هناك، وحضر إلى خدمته أمراء بنى كلاب، ثم نزل السلطان بالقرب من أنطاكية فى مروجها ورحل إلى دمشق، فكان دخوله إليها فى خامس المحرم سنة ست وسبعين وستمائة وقيل فى سابعه.
قال المؤرخ: كان السلطان لما توجه إلى الروم كلف أهل دمشق جباية مال يسبب إفامة الخيل «٣» ، فحضر إليه الشيخ محيى الدين النواوى وكلمه فى ذلك
стр. 12012
بكلام خشن، فلاطفه السلطان، وقال له: «يا سيدى: مد يدك أعاهدك أننى متى كسرت العدو فى هذه السفرة أبطل الجباية ويكون خاطرك معى» ، فعاهده على ذلك. فلما فتح البلاد وكتب إلى الشام بالبشارة، كتب إلى الأمير بدر الدين بكتوت الأقرعى، شاد الدواوين بدمشق، كتابا مضمونه: أنه لا يحل ركابا إلا وقد استخرجت من أهل دمشق مائتى ألف درهم، ومن برّها ثلاثمائة ألف درهم، ومن قراها ثلاثمائة ألف درهم، ومن البلاد القبليه تكملة ألف ألف درهم، فتبدّل فرح أهل الشام لذلك حزنا، وتمنوا زوال الدولة، فما كملت خباية نصف المال حتى مات السلطان.
стр. 12013
واستهلت سنة ست وسبعين وستمائة
ذكر وفاة السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى رحمه الله تعالى
قال القاضى محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر فى السيرة الظاهرية:
ودخل السلطان دمشق فى خامس المحرم وقد رنّح النصر أعطافه «١» ، وروى من دماء الأعداء أسيافه، وقدامه مقدمو التتار قد ركبوا وهم فى القيود عوض شهب الجياد، وبعد أن كانوا مقترنين صاروا مقرنين فى الأصفاد. ونزل بقصره فى الميدان الأخضر، معتقدا أن الدنيا فى يده قد حصلت، والبلاد التى حلها ركابه عنه انفصلت، وأن سعده استخلص له الأيام وأصفاها، والممالك شرقا وغربا لو لم يكن بها غيره لكفاها، وإذا بالمنية قد أنشبت أظفارها، والأمنية وقد وضعت حوبها [و «٢» ] أوزارها، والعافية وقد شمّرت الذيل، والصحة وقد قالت لطبيه: «أهلك والليل» ، ورماح الخط وقد قالت لأقلام الخط: «أصبت فى لبس الحداد من المداد» ، والقلوب وقد قالت عند شق الجيوب: «نحن أحق منك بهذا المراد» ، والحصون وقد قالت لقصره الأبلق: «ما كان بناؤك على هذه الصورة إلا فألا»
بما تسود الجدران به عند الفجائع من السواد» .
стр. 12014
قال: وكان ابتداء مرضه الذى اعتل به الوجود، وتباشرت به الأكفان واللحود: ليلة السبت خامس عشر المحرم. فانه ركب وقت العصر من يوم الجمعة رابع عشرة وكأنه مودع لأخدانه ورؤية موكبه وركوب حصانه، ونزل والتاث جسمه بعض التياث، وأصبح وليس عنده ذلك الانبعاث. فلما انقضت مدة أجله، وانطوت صحيفة عمله، قبض الله روحه الزكية، ورجعت إلى ربها راضية مرضية، وذلك بعد الزوال من يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة.
وكأن نفوس العالم كانت نفسا، وأنزل الله السكينة فلا تسمع إلا همسا، واستصحبت مهابته السكون وخادعت العقول حتى أن ما كان «١» من وفاته كاد كل يحلف أنه ما يكون.
وحمل فى محفة إلى قلعة دمشق فى تلك الليلة، وسكنت الشفاة والألسنة، وتناومت العقول من غير نوم ولا سنة. وجعل فى بعض القاعات بالقلعة على سرير يومأ إليه بالترحم والسلام، ولا يزوره غير الملائكة الكرام.
قال المؤرخ: وتولى غسله وتحنيطه وتصبيره وتكفينه المهتار شجاع الدين عنبر، والفقيه كمال الدين الإسكندرى المعروف بابن المنبجى، والأمير عز الدين أيبك الأفرم أمير جاندار، ثم جعل فى تابوت وعلق فى بيت من بيوت قاعة البحرة بقلعة دمشق. وكانت مدة مرضه، رحمه الله تعالى، ثلاثة عشر يوما، وهى مدة مرض الشهيد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، رحمه الله تعالى.
стр. 12015
وأول ما فتحه السلطان بنفسه: فيسارية الساحل، وآخر ما فتحه فيسارية الروم، واستمر بقلعة دمشق إلى أن ابتاع ولده السلطان الملك السعيد دار العقيقى بدمشق بستين ألف درهم، وحصل الشروع فى عمارتها ووضع الأساس فى يوم الأربعاء خامس جمادى الآخرة من السنة. وكانت النفقة على العمارة من ربع أملاكه. وحمل إليها ليلة الرغائب الخامس من شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، [و] بعد أن صلى عليه فى صحن جامع دمشق ليلا، أدخل من باب البريد وخرجوا به من باب النطاقين إلى تربته وتولى حمله الأمير عز الدين أيدمر نائب السلطنة بالشام والأمير عز الدين الداودار والطواشى صفى الدين جوهر الهندى، وألحده القاضى عز الدين الشافعى.
ولما تمت له سنة من يوم وفاته عملت له الأعزية بالقرافتين «١» ، ومدت الأسمطة للقراء والفقراء وفرقت على الزوايا، وحضر الناس على اختلاف طبقاتهم. وقرىء له عدة ختمات، وعمل له بعد ذلك عدة أعزبة بمدرسة الشافعى، والجامع الطولونى، والجامع الظاهرى، والمدارس الظاهرية، والصالحية، ودار الحديث الكاملية، والخانقاه الصلاحية، والجامع الحاكمى، وعمل للتكاررة «٢» خوان حضره جماعة من الفقراء والصالحين.
مدة حكمه
وكانت مدة ملكه، رحمه الله تعالى، سبع «٣» عشرة سنة وشهرين واثنى عشرة يوما.
стр. 12016
وكان له من الأولاد: السلطان الملك السعيد ناصر الدين محمد قاءان بركه، وأمه ابنة الأمير حسام الدين بركه خان بن دولة خان الخوارزمى «١» ، والملك المسعود نجم الدين الخضر، والملك العادل بدر الدين سلامش، وسبع ينات.
وتزوج أيضا ابنة الأمير سيف الدين نوكبة «٢» التتارى، وابنة الأمير سيف الدين كراى التتارى، وابنة الأمير سيف الدين تماجى «٣» التتارى، وامرأة شهرزورية تزوجها لما قدم غزة وحالف الشهرزورية، ثم طلقها لما ملك الديار المصرية.
نائبه: مملوكه الأمير بدر الدين بيليك الخزندار.
وزراؤه: الصاحب زين الدين بن الزبير مدة يسيرة. ثم استوزر بعده الصاحب بهاء الدين على بن محمد المعروف بابن حنا.
قضاته: وقد تقدم ذكر قضاته فى أخبار دولته.
***
стр. 12017
ذكر أخبار السلطان الملك السعيد ناصر الدين محمد بركه قاءان «١» ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بييرس البندقدار الصالحى وهو الخامس من ملوك دولة الترك.
ملك الديار المصرية والبلاد الشامية، بعد وفاة والده السلطان الملك الظاهر، فى يوم الخميس سابع عشرين المحرم سنة ست وسبعين وستمائة، وكان ولى عهد أبيه، على ما قدمناه فى أخبار الدولة الظاهرية «٢» ، فى يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة اثنتين وستين وستمائة، وجدّد له الحلف، فى يوم الخميس تاسع صفر سنة سبع وستين وستمائة.
قال: ولما توفى السلطان بدمشق كان الملك السعيد بمصر، وكان الأمير بدر الدين بيليك الخزندار نائب السلطنة وأكابر الأمراء قد أخفوا موت السلطان «٣» .
وكتب الأمير بدر الدين بيليك الخزندار إلى الملك السعيد كتابا بخطه يخبره بوفاة السلطان، ويعلمه بما دبره من كتمان ذلك إلى أن يصل بالعساكر والخزائن إلى خدمته، وسأله كتمان الحال الى أن يصل اليه، وسير اليه المطالعة على يد الأمير بدر الدين الجو كان دار الحموى، والأمير علاء الدين أيدغمش الحكمى الجاشنكير، فلما وصلا بالمطالعة وأنهيا ما معهما من المشافهة خلع عليهما وأنعم على كل منهما بخمسة آلاف درهم، وأظهر أن ذلك بسبب بشارتهما بعود السلطان إلى دمشق.
ثم ركب الأمراء فى بكرة يوم السبت تاسع عشرين الشهر على العادة إلى سوق الخيل بدمشق.
стр. 12018
ثم رحلوا من دمشق فى صفر بالجيوش والعساكر، وبينهم محفة محمولة، وجماعة من المماليك السلطانية فى خدمتها يظهرون أن السلطان الملك الظاهر فيها وهو ضعيف، كل ذلك حفظا للمهابة، وما زال الأمر كذلك إلى أن وصلوا إلى الديار المصرية، وكان وصول المحفة والأمراء إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس خامس عشرين صفر سنة ست وسبعين وستمائة، وسلم الأمير بدر الدين الخزندار الخزائن والعساكر للسلطان الملك السعيد، وأظهروا عند ذلك وفاة السلطان وحلف الناس للملك السعيد، واستقر له الملك وعمره يومئذ تسع عشرة «١» سنة.
وكتب [الملك السعيد] إلى دمشق وسائر الممالك الشامية يخبر «النواب» بوفاة السلطان وسلطنته، ويطلب منهم اليمين، فوصل الأمر «٢» فى البريد بذلك إلى دمشق فى يوم الأحد ثالث عشر شهر ربيع الأول، فجمع النائب عن السلطنة بها وهو الأمير عز الدين أيدمر الظاهرى، الأمراء والمقدمين، وقرىء عليهم كتاب السلطنة فحلفوا، وحلف جميع العسكر والقضاة والأعيان، ثم رسم لمتولى دمشق أن يحلف أهل دمشق، فحلف أهل كل حارة بحضور عدلين، ورسم لمتولى البريد بذلك، فحلف أهل القرى والضياع، ودامت مدة الحلف بدمشق أحد عشر يوما حتى كملت. ثم خلع على الأمراء والمقدمين والقضاة والأعيان والنظار وكتاب الإنشاء بدمشق فى سادس عشر الشهر، وخلع على الأعيان والأكابر بالطرحات، وما كان قبل ذلك يخلع بالطرحة، إلا على قاضى القضاة، وحلف أيضا صاحب حماة وأهل بلده، ونائب حلب وأمراؤها وجندها وأهلها، وسائر الممالك الشامية لم يختلف منهم أحد ولا توقف عن اليمين.
стр. 12019
ذكر وفاة الأمير بدر الدين بيليك الخزندار
كانت وفاته، رحمه الله تعالى، بقلعة الجبل فى ليلة الأحد سادس شهر ربيع الأول سنة ست وسبعين وستمائة، وذلك أنه لما وصل إلى خدمة السلطان الملك السعيد وقف وحلف الأمراء والخواص والأجناد وغيرهم للملك السعيد، فلما تكامل ذلك توجه إلى والدة السلطان زوجة مخدومه ليعزيها بالسلطان ويهنيها بسلطنة ابنها، فشكرت فعله وما اعتمده من حق ولدها من حفظ السلطنة عليه، ثم أخرجت له هنابا فيه مشروب، وقالت له: «أشرب هذا فأنك قد تعبت فى هذا اليوم وما أكلت شيئا.» فقال لها: «والله لى ثلاثة أيام ما آكل فى كل يوم نصف أوقية طعام خوفا على السلطان الملك السعيد، ولم أزل أدارى الأمراء منذ وفاة السلطان إلى أن كمل هذا الحلف المبارك» . وتناول الهناب وشرب منه جرعتين وأعاده فى الثالثة لكثرة إلحاحهم عليه، وتوجه إلى داره فحصل له قولنج، وانقطع وتزايد به الأمر، فمات، رحمه الله تعالى. وهذا الفصل الذى دبرته والدة الملك السعيد من سوء التدبير وقبح المكافأة، فأنه وقع الخيال عندها وعند ابنها منه، ولعل هذا الخيال كان غير صحيح: فإنه أحسن السياسة وأجمل التدبير ووفى لمخدومه، وكان رحمه الله تعالى، تربية السلطان، اشتراه وهو مفردى ورياه من صغره، وكان خزنداره، ثم أستاد داره فى الإمرة، ونائبه فى السلطنة وكانت مكانته عنده مكينة، يرجع إلى رأيه ويعتمد عليه فى سائر أحواله ويثق بنصحه، وتمكن فى الدولة الظاهرية تمكنا عظيما، وكان له بالديار المصرية إمرة مائة فارس وبالشام إمرة خمسين فارسا، وجعل له السلطان عند زواجه
стр. 12020
بابنه الملك الرحيم بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل قلعة الصبيبة وبانياس وأعمالها والشغر «١» وغير ذلك.
ولما مات وقعت الأوهام فى نفوس الأمراء وتخيلوا، فإنهم علموا ما أسلفه المذكور من الخدمة للملك السعيد وحفظ الخزائن والعساكر، وأنه أدى الأمانة فى طاعته.
واستناب السلطان بعد وفاته الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى الظاهرى أستاد الدار ونائب السلطنة بالديار المصرية فى غيبة السلطان، وأقر الصاحب بهاء الدين على وزارته.
وركب «٢» السلطان فى يوم الأربعاء سادس عشر شهر ربيع الأول بشعار السلطنة والأمراء فى خدمته، وتوجه صوب الجبل الأحمر، وذلك أول ركوبه، وخلع على الأمراء والأعيان.
ذكر القبض على من يذكر من الأمراء والإفراج عنهم ومن مات منهم
كان من سوء التدبير الذى اعتمده السلطان الملك السعيد: أنه قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير بدر الدين بيسرى «٣» الشمسى فى يوم الجمعة حادى عشرين شهر ربيع الأول، واعتقلهما بقلعة الجبل، وكانا من أكبر الأمراء، وأخصّهم بصحبة السلطان والده، فتغيرت لذلك قلوب الأمراء،
стр. 12021
ثم اجتمع مماليكه ومماليك الأمير بدر الدين بيليك الخزندار، وحسنوا له القبض على نائبه الأمير شمس الدين آقسنقر [الفارقانى] واستعانوا بالأمير سيف الدين كوندك الساقى، وأمسكوه وهو جالس عند باب «١» القلعة وسحبوه إلى الدور وضربوه ونتفوا لحيته، وذلك فى يوم السبت ثامن عشر ربيع الآخر، واعتقل فلم يلبث إلا قليلا ومات.
ثم أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وبدر الدين بيسرى «٢» فى يوم السبت ثانى جمادى الأولى وخلع عليهما وأعادهما إلى ما كانا عليه.
ثم قبض على خاله الأمير بدر الدين محمد بى بن الأمير حسام الدين بركه خان فى يوم الجمعة رابع عشر جمادى الآخرة، واعتقله بقلعة الجبل، فغضبت أخته والدة السلطان لذلك، وأنكرته على ابنها، فأفرج عنه فى ليلة الثلاثاء خامس عشرين الشهر وخلع عليه وأعاده إلى ما كان عليه. وشرع فى خلال ذلك فى تقديم مماليكه وترجيحهم وسماع آرائهم.
قال: ولما صدرت منه هذه الأفعال اجتمع الأمراء وتشاوروا، وقصدوا أن يتوجهوا إلى الشام، ثم رجعوا عن ذلك وبعثوا إلى السلطان وقد اجتمعوا فى يوم خميس، وأمتلأت بهم القلعة، وأنكروا فعله، وحذروه عاقبة ما يطرق إليه، فلاطفهم وحلف لهم أنه لا يريد بهم سوءا، وتولى الأمير بدر الدين الأيدمرى اليمين، فسكنت خواطرهم، واستقر الحال مدة لطيفة.
وكان السلطان لما قبض على الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى رتب فى النيابة بعده الأمير شمس الدين آقسنقر الألفى المظفرى، فلم يرضه الخاصكية لأنه غير
стр. 12022
ظاهرى. واتفق أنه ولى خوشداشه الأمير علم الدين سنجر المظفرى، المعروف بأبى خرص؛ نيابة المملكة الصفدية، وزاده على إقطاع النيابة نواحى من الخاص السلطانى، وهى أريحا وكفرين ونمرين من الغور، فأوهموا السلطان منه وزعموا أنه يقصد إقامة المظفرية ولا تؤمن غائلته، فعزله عن قريب، وولى الأمير سيف الدين كوندك الساقى نيابة السلطنة [لأنه ربى معه فى المكتب «١» ] وقيل إن ولايته كانت فى سنة سبع وسبعين. ولما فوضث إليه النيابة أمر الوزير الصاحب بهاء الدين أن يجلس بين يديه وألا يوقع إلا بأمره.
وتقدم من المماليك السعيدية الأمير حسام الدين لاجين «٢» الزينى، وانضم إليه الخاصكية، وقويت شوكته وأخذ لخوشداشيته الإقطاعاث، ونافس النائب.
فضم النائب إليه الأمراء الأكابر، ومال إليهم واستجلبهم، هذا كله فى سنة ست وسبعين وستمائة، وبعضه فى سنة سبع على ما قيل.
وفى سنة ست وسبعين وستمائة أيضا فى يوم السبت سابع ذى القعدة: برز السلطان الملك السعيد بالعساكر إلى منزلة مسجد التبن «٣» لقصد الشام، ثم انتقل بخواصه من هذه المنزلة فى يوم السبت حادى عشر الشهر ونزل بالميدان السعيدى وعادت العساكر إلى منازلهم وبطلت الحركة.
وفيها: فى شهر رمضان طلعت سحابة عظيمة بصفد، «٤» لمع منها برق عظيم خارق،
стр. 12023
وسطح منها لسان كالنار، وسمع صوت رعد هائل، ووقع على منارة جامعها صاعقة شقت المنارة من رأسها إلى أسفلها شقا يدخل فيه الكف.
وفيها: سأل قاضى القضاه صدر الدين سليمان [بن أبى العز «١» ] الحنفى أن يؤذن له فى الإقامة بدمشق مدرسا ومجاورا لتربة السلطان، فأذن له، فأقام بدمشق. وفوض قضاء الحنفية بالديار المصرية لنائبه القاضى معز الدين.
ذكر عزل قاضى القضاة محيى الدين عبد الله بن محمد بن عين الدولة وإضافة عمله إلى قاضى القضاة تقى الدين بن رزين «٢»
وفى يوم الأربعاء ثامن عشر ذى القعدة من هذه السنة، عزل القاضى محيى الدين أبو الصلاح عبد الله بن قاضى القضاة شرف الدين محمد بن عين الدولة الصفراوى «٣» عن القضاء بمصر والوجه القبلى. وسبب ذلك أنه كان قد حصل له فالج منذ خمس سنين، فأقعد وعجز عن الكتابة، وكان يعلّم عنه كاتب الحكم، فعزل الآن. وأضيفت ولايته إلى القاضى تقى الدين بن رزين، وعطل القاضى محيى الدين وانقطع بمنزله إلى أن مات، وكانت وفاته بمصر فى رابع شهر رجب، وقيل فى خامسه من سنة ثمان وسبعين وستمائة، رحمه الله تعالى.
وفيها: فوض السلطان الملك السعيد قضاء القضاة بدمشق والشام أجمع من العريش إلى سلمية لقاضى القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان الشافعى، وعزل القاضى عز الدين بن الصايغ، وتوجه القاضى شمس الدين إلى دمشق فى سابع
стр. 12024
وعشرين ذى الحجة، فوصل إليها فى ثالث عشرين المحرم، وخرج الناس للفائه إلى غزة. ومنهم من وصل إلى الصالحية، وكانت الشفاعة قد قويت بولايته قبل وقوعها.
وفيها: كانت وفاة قاضى القضاة الشيخ شمس الدين أبى عبد الله محمد بن الشيخ العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى «١» الحنبلى، فى يوم السبت ثانى عشرين المحرم سنة ست وسبعين، ودفن يوم الأحد بتربة عمه الحافظ عبد الغنى. وكان مولده فى يوم الأحد رابع عشر صفر سنة ثلاث وستمائة بدمشق، ولما أفرج عنه بعد القبض عليه كما تقدم، لزم بيته بالمدرسة الصالحية وتوفر على اشتغال الطلبة إلى أن توفى. وكان كريما سمحا كثير العبادة والذكر، وولى أيضا مشيخة الخانقاه الصلاحية بالقاهرة، رحمه الله تعالى.
ذكر وفاة الشيخ خضر وشىء من أخباره «٢»
وفى سابع المحرم سنة ست وسبعين وستمائة: كانت وفاة الشيخ خضر ابن أبى بكر بن موسى العدوى المهرانى شيخ الملك الظاهر فى معتقله بقلعة الجبل، ودفن بسفح المقطم.
وقد حكى الشيخ شمس الدين محمد بن مجد الدين إبراهيم الجزرى فى تاريخه، «حوادث الزمان وأنبائه» ، مبدأ أمره، وكيف تنقلت به الحال، فقال:
كان فى مبدأ أمره يخدم الأكابر ببلد الجزيرة، ثم استخدم لشيل زبائل دور
стр. 12025
السلطنة والقلعة بجامكية وجراية. ثم ذكر عنه أنه أفسد بعض جوارى الدور، فرسم بخصيه، فهرب إلى حلب، وخدم بابا عند ابن قراطابا فأحبل جارية، فطلب فهرب إلى دمشق، والتجأ إلى الأمير ضياء الدين القيمرى، وأقام بمغارة فى زاويته بجيل المزة، فيقال إنه اجتمع بجماعة من الصالحين وبشروه بما يكون منه ومن السلطان الملك الظاهر. واتفق اجتماع الملك الظاهر به فى مدة مقامه بدمشق فى خدمة الملك الناصر فبشره بالملك. وكان الشيخ خضر قد احتوى على عقل الأمير سيف الدين قشتمر العجمى أحد الأمراء البحرية، فكان يخبره بسلطنة الملك الظاهر قبل وقوعها، ويخبره بأكثر ما وقع، ثم اجتمع به الأمير سيف الدين ايتامش «١» السغدى فأخيره أيضا بخبر الملك الظاهر، ثم كان من سلطنة الملك الظاهر ما قدمناه، وصار هو فى صحبة قشتمر العجمى، وخرج معه عند خروج السلطان إلى الشام بسبب الملك المغيث صاحب الكرك، فلما نزل السلطان على الطور سأل عنه الأمير سيف الدين قشتمر العجمى فأخبره أنه قد انقطع فى مغارة عند قبر أبى هريرة، رضى الله عنه، فتوجه السلطان إليه واجتمع به، فأخبره بوقائع كثيرة لم يخرم «٢» ، فاغتبط به ولازمه، وبقى السلطان إذا حاصر بلدا من البلاد الساحلية والجبلية يخبره الشيخ بما يكون من أمره فيها، وبالوقت الذى يفتح فيه، فلا يخرم ذلك. ولما قصد السلطان أن يتوجه إلى الكرك فى سنة خمس وستين وستمائة استشاره فى ذلك فأشار عليه ألا يتوجه إليها فى هذه السفرة، وأن يتوجه إلى الديار المصرية فخالفه وتوجه إليها، فانكسرت فخذه ببركة زيزا قبل وصوله كما قدمنا ذكر ذلك. ولما رأى السلطان ذلك منه عظم عنده وبنى
стр. 12026
له زاوية بظاهر القاهرة بالحسينية بجوار أرض الطبالة، ووقف عليها أحكارا بجملة كثيرة، وبالقدس زاوية، وبدمشق زاوية بالمزة، وببعلبك زاوية، وبحماة زاوية، ثم هدم كنيسة اليهود بدمشق، وهى الكنيسة العظمى عندهم، وجعلها زاوية كما تقدم، وهدم كنيسة النصارى بالقدس، وقتل قسيسها بيده وعملها زاوية، وهدم كنيسة الروم بالإسكندرية، وهى كرسى كنائسهم يعقدون فيها البتركية، ويزعمون أن رأس يحيى بن زكريا ﵉ فيها «١» ، وهو عندهم يحنا المعمدانى الذى عمد المسيح بن مريم، وجعلها مسجدا وبنى فيها المحاريب وسماها المدرسة الخضراء، وفتح لها شباكا إلى الطريق، ورتب فيها فقراء من جهته، وكذلك فى جميع زواياه: جعل بكل زاوية منها فقراء يقطعون المصانعات ويحمون أرباب الجرائم من اللصوص وغيرهم، ويتعاطون الفسق.
قال: ولقد سأله مرة والدى إبراهيم «٢» فقال: «يا أخبى، اشتهى أعرف كيف كان سبب وصلتك إلى هذه المنزلة؟» ، فقال له: «والله لا أقول لك حتى تقول لى الذى تعرف منى» ، فقال له: «أعرفك شيخ نحس، نفوك من الجزيرة ثم من حلب ومن دمشق، وما رأيتك إلا وقد صرت فى هذه المنزلة» ، فقال: «والله العظيم صدقت، وما صدقنى أحد فى الحديث إلا أنت يا أخى، لما هربت من الجزيرة طلعت إلى جبل الجودى، فبقيت احتطب فى كل يوم جرزة «٣» حطب أبيعها بدرهم ونصف، فلما كان فى بعض الأيام إذا أنا بفقير عريان ليس عليه لباس، وقد أنبت الله له شعرا على جسده، يستر عورته،
стр. 12027
فقال لى: «يا خضر، ايش تعمل؟» ، قلت: «أحتطب» فقال: «تعال غدا إلى هذا المكان وخذ منه جرزتين حطب»
، بع الواحدة لنفسك والأخرى اشترلى بثمنها موسى ومقصا ومشطا،» . فقلت: نعم. فلما كان الغد قصدت ذلك المكان فوجدت به جرزتين حطبا، فبعث إحداهما واشتريت له ما طلب، وبعث الأخرى لنفسى، قلما اجتمعت به قال لى: «اذهب إلى الشام، فسوف يكون لك «٢» مع ملكه شأن عظيم» . فقدر الله تعالى أننى سكنت هذه المغارة بالمزة، فحصل لى اجتماع بالسلطان الملك الظاهر لما كان فى خدمة الملك الناصر، وفتح على بأن بشرته بالملك، فلما ملك كان سبب الوصلة بينى وبينه الأمير سيف الدين قشتمر العجمى. قال: «وكان ذلك الفقير قد أخبرنى بجميع ما يقع لى فى عمرى وبجميع ما يقع للسلطان واقعة بعد أخرى» .
قال: قال والدى: وكان فى ذلك الوقت قد حصل لى وجع فى ظهرى، فقلت له: إن ظهرى يؤلمنى فمسح بيده على ظهرى، فسكن الوجع، فقال:
«يا مجد الدين، سكن الوجع أم لا؟» . قال: فقلت: أما الوجع فقد سكن، وأما أننى اعتقد أنك رجل صالح فلا، وانما هذا من جملة السعادة التى حصلت لك. ثم كان من قبض السلطان عليه واعتقاله ما تقدم ذكره، ولم يزل فى اعتقاله إلى أن مات. قال: ولما عاد السلطان من غزاة الروم إلى دمشق كتب باطلاقه فورد البريد بعد وفاته.
وكان واسع الصدر كريم النفس، يعطى الدراهم والذهب الكثير، ويصنع له الطعام فى قدور كبيرة مفرطة فى الكبر، وكانت أحواله غير متناسبة والأقوال
стр. 12028
فيه مختلفة، فمن الناس من يثبت صلاحه؛ ومنهم من يرميه بالعظائم، وكان يكتب إلى صاحب حماة وغيره من الأمراء فى أوراقه إليهم: خضر نياك الحمارة، وكتب بذلك إلى قاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز ورقة، فأغضى عنها، ثم أخرى كذلك، فلما وصلت إليه الورقة الثالثة أحضر رسوله وقال له: «قل له، والله لئن وصل إلى ورقة منه بعد هذه فيها مثل هذا: أحضرته إلى مجلس الحكم وقابلته بما يستحقه بمقتضى ما كتب به خطه» ، فامتنع بعد ذلك من مكاتبته.
ومات وله نيف وخمسون سنة، وكان ربع القامة، كث اللحية، فى لسانه عجمة، سامحه الله وإيانا.
وفيها: كانت وفاة الأمير جمال الدين أقش المحمدى الصالحى «١» بالقاهرة فى ليلة الخميس ثالث عشر ربيع الأول، ودفن من الغد بتربته بالقرافة الصغرى، وقد ناهز سبعين سنة. وكان السلطان قد نقم عليه وحبسه مدة ثم أفرج عنه وأعاده إلى الإمرة، وكان رحمه الله تعالى عديم الشر.
وفيها: توفى الأمير عز الدين أيبك الدمياطى الصالحى النجمى أحد الأمراء الأكابر المقدمين. وكان السلطان الملك الظاهر قد اعتقله كما تقدم ثم أفرج عنه، وكانت وفاته بالقاهرة فى ليلة الأربعاء تاسع شعبان، ودفن بتربته التى أنشأها بين القاهرة ومصر، المجاورة لحوض السبيل المعروف به، وقد ناف على سبعين سنة، وكان كريما جدا، له مروءة تامة، رحمه الله تعالى.
وفيها: توفى الأمير عز الدين أيدمر العلائى، وكان ينوب عن السلطنة بقلعة صفد، فجرى بينه وبين النواب مفاوضة أدت إلى أن طلب الدستور من
стр. 12029
السلطان لينهى مصالح، فأذن له فحضر إلى الديار المصرية فأدركته منيته، فتوفى فى ليلة الأربعاء سابع عشر شهر رجب، ودفن فى يوم الأربعاء بالقرافة الصغرى.
وكان عفيفا أمينا محبا للعلماء والفقراء، وهو أخو الأمير علاء الدين أيدكن الصالحى العمادى، رحمه الله تعالى.
وفيها: توفى الأمير شمس الدين بهادر المعروف بابن صاحب صهيون، وكان قد قدم إلى خدمة السلطان الملك الظاهر قبل وفاته بثلاث سنين، فأحسن إليه وأكرمه، وكانت وفاته بالقاهرة فى ليلة الأحد العشرين من شعبان، ودفن من الغد بتربته التى أنشأها خارج باب النصر، وقد ناف على أربعين سنة، رحمه الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة الملك القاهر بهاء الدين أبى محمد عبد الملك بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد ابن أيوب، فجأة فى يوم السبت خامس عشر المحرم من غير مرض، بل كان راكبا بسوق الخيل بدمشق فاشتكى ألما فى فؤاده، فعاد إلى منزل «١» كريمته زوجة الملك الزاهد «٢» مجير الدين داود بن صاحب حمص، فأدركته منيته، فمات عند دخوله إليها، وقيل إنه مات فى باب الدار قبل الدخول إليها، ودفن بسفح قاسيون. وكان مولده فى سنة اثنتين وعشرين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا شجاعا بطلا مقداما، سليم الصدر حسن الأوصاف كريم الأخلاق، لين الكلمة كثير التواضع، حسن الإعتقاد فى الفقراء والصالحين، وكان يلبس
стр. 12030
ملابس العرب ويتزيا «١» بزيهم ويركب كمركبهم ويتخلق بأخلاقهم فى كثير من أفعاله، ﵀.
وقد حكى الشيخ قطب الدين اليونينى «٢» ، نفع الله به، فى تاريخه، فى سبب وفاته، قال: حكى لى تاج الدين نوح بن شيخ السلامية «٣» حكاية غربية معناها: أن أن الأمير عز الدين أيدمر العلائى نائب السلطنة بقلعة صفد حدثه بها، قال:
كان السلطان الملك الظاهر مولعا بالنجوم وما يقوله أرباب التقاويم، فأخبر أنه يموت بدمشق فى هذه السنة، سنة سبع وستين وستمائة، بالسم ملك «٤» ، فحصل عنده من ذلك أثر كبير. قال: وكان الملك الظاهر عنده حسد شديد لمن يوصف بالشجاعة أو بذكر جميل، ولما دخل «٥» الملك القاهر إلى الروم صحبة السلطان ظهر يوم المصاف عن شجاعة، وظهرت نكايته فى العدو حتى تعجب من فعله من شاهده، ورآه الملك الظاهر فتأثر منه، وانضاف إلى ذلك أن السلطان حصل منه فى ذلك اليوم فتور على خلاف عادته، وظهر عليه الندم كونه تورط فى بلاد الروم- بكلمة الملك القاهر فى ذلك الوقت- بكلام فيه إشارة إلى الإنكار وتقبيح فعله، فأثر ذلك عنده أثرا آخر، فلما عاد من غزاته وسمع الناس يلهجون بما فعله الملك القاهر تأثر من ذلك أيضا، وتخيل فى ذهنه أنه إذا سمّه فمات هو الذى ذكره أرباب النجوم لأنه يطلق عليه اسم ملك وله ذكر، فأحضره
стр. 12031
السلطان عنده لشرب القمز، وأعد له سما فى ورقة وجعلها إلى جانبه، من غير أن يطلع على ذلك أحدا، وللسلطان هنايات ثلاثة تختص به مع ثلاثة من سقاته، لا يشرب فيها غيره إلا من يكرمه وبناوله أحدها من يده، واتفق قيام الملك القاهر لقضاء الحاجة، فجعل السلطان ما فى الورقة فى هناب وأمسكه بيده، فلما عاد الملك القاهر ناوله اياه فقبل الارض وتناوله وشرب ما فيه. وقام الملك الظاهر لقضاء الحاجة فأخذ الساقى الهناب من يد الملك القاهر وملأه على العادة وهو لا يشعر بما وضعه السلطان فيه، فلما عاد السلطان تناول ذلك الهناب فشرب ما فيه وهو لا يظن أنه الذى جعل فيه ما جعل، فلما شريه أحس واستشعر وعلم أنه قد شرب من ذلك الهناب الذى فيه آثار السم وبقاياه وتخيل وامتد به المرض ومات كما تقدم. وأما الملك القاهر فمات من غد ذلك اليوم. وذكر الأمير عز الدين العلائى أنه بلغة ذلك من مطلع لا يشك فى أخباره، والله تعالى أعلم «١» .
وفيها: قتل الأمير عز الدين أيبك الموصلى الظاهرى، كان نائب السلطنة بحمص ثم نقله السلطان إلى نيابة السلطنة بحصن الأكراد وما معه، وكان ذا صرامة ونهضة وذكاء ومعرفة، وكان يتشيع، قتل غيلة ليلة الأربعاء سابع عشرين شهر رجب.
وفيها: كانت وفاة الشيخ الإمام العالم الزاهد الورع محيى الدين أبى زكريا يحيى بن شرف الدين بن مرى بن الحسن بن الحسين بن حرام بن محمد النواوى «٢»
стр. 12032
الشافعى. وكانت وفاته عند أبيه بنوى فى يوم الأربعاء خامس عشر شهر رجب سنة ست وسبعين وستمائة، ومولده بنوى فى سنة إحدى وثلاثين وستمائة، فيكون مدة عمره خمسا «١» وأربعين سنة تقريبا. وكان رحمه الله تعالى كثير الورع والزهد واسع العلم له مصنفات مشهورة مفيدة منها: كتاب الروضة فى الفقه؛ عليه تعتمد الشافعية وبه يحتجون غالبا، وشرح مسلم، ورياض الصالحين، وكتاب الأذكار، وشرح التنبيه، ومات قبل أن يكمله. ولم يكن فى زمانه مثله فى ورعه وزهده، وكان لا يأكل إلا مما يأتيه من جهة أبيه من نوى، فكان يخبز له الخبز بها ويقمرّ ويرسل إليه فيأكل منه، وما كان يجمع بين إدامين، فيأكل إما الدبس أو الخل أو الزيت أو الزبيب، ويأكل اللحم فى كل شهر مرة. وكان يتولى دار الحديث الأشرفية، فيجمع المباشر للوقف جامكيته بها، ثم يستأذنه فيما يفعل بها إذا اجتمعت، فتارة يشترى بها ملكا ويوقفه على المكان، وتارة يشترى بها كتبا ويوقفها ويجعلها فى خزانة المدرسة المذكوره. وكان لا يقبل لأحد هدية، ولا يأكل لأحد من أهل دمشق طعاما ولا غيره، وكان رحمه الله تعالى يواجه السلطان الملك الظاهر بالإفكار عليه فى أفعاله، ويلاطفه السلطان ويحمل جفوة كلامه ويخاطبه يا سيدى، رحمه الله تعالى. وعاش والده الحاج شرف بعده إلى سنة إحدى وثمانين فمات فى سابع عشر صفر، وقيل فى سنة اثنتين وثمانين، ودفن بنوى، رحمه الله تعالى.
стр. 12033
واستهلت سنة سبع وسبعين وستمائة
ذكر توجه السلطان إلى الشام وإقامته بدمشق وتجريد العساكر «١»
فى هذه السنة: توجه الملك السعيد إلى الشام وصحبته أخوه الملك المسعود نجم الدين خضر، ووالدته ابنة الأمير حسام الدين بركة خان، واستصحب الأمراء والعساكر. وكان رحيله من قلعة الجبل فى ذى القعدة، ووصل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء خامس ذى الحجة من السنة. ولما حل ركابه بدمشق أمر بأبطال الجبايات والمظالم التى كانت حدثت فى الدولة الظاهرية، فاستبشر الناس بذلك.
ولما استقر السلطان بدمشق جرد العساكر المصرية والشامية، فجرد الأمير سيف الدين قلاون الألفى الصالحى فى عشرة آلاف، وأمره أن يتوجه إلى جهة سيس، وجرد الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى فى عشرة آلاف وأمره أن يتوجه إلى قلعة الروم، وأقام هو بدمشق فى مماليكه وخواصه، ونائبه الأمير سيف الدين كوندك. وأقام بدمشق من الأمراء الأكابر الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير علم الدين سنجر الحلبى، وكان السلطان قد أفرج عنه بعد وفاة والده الملك الظاهر وأحسن إليه.
стр. 12034
قالوا: وأراد السلطان بتجريد الأمراء الأكابر وإبعادهم عنه أن يتمكن فى غيبتهم من التدبير عليهم، وعزم أنهم إذا عادوا قبض عليهم وأقطع أخبازهم لمماليكه، وظن أن ذلك يتم له، والمقادير بخلاف ظنه. فتوجه الأمراء إلى الغزاة [وفى نفوسهم من ذلك إحن «١» ] وكان من أمرهم عند عودهم ما نذكره إن شاء الله تعالى.
[ذكر] أمر شاد الدواوين
وفى هذه السنة فى رابع عشرين ذى الحجة: حصل بين الأمير بدر الدين بكتوت الأقرعى شاد الدواوين بدمشق، وبين نائب السلطنة بها، مفاوضة أدت إلى شكواه إلى السلطان، فانتصر الأمراء لنائب السلطنة، فرسم بتفويض شاد الدواوين بالشام إلى الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، وكان من جملة الأمراء بحلب، وخلع عليه وأقطع خبز الأقرعى، ونقل الأقرعى إلى حلب على إقطاع الدوادارى.
وفى هذه السنة، فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى القعدة وهى سنة سبع وسبعين وستمائة: ولد مؤلّف هذا الكتاب وجامعه، فقير رحمة ربه «٢» أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدايم بن عبادة «٣» بن على
стр. 12035
ابن طراد بن خطاب بن نصر بن إسماعيل بن إبراهيم بن جعفر بن هلال بن الحسين بن ليث بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق عبد الله ابن عتيق، صاحب رسول الله ﷺ ، وابن صاحبه، وأبى أصحابه، وجد صاحبه، والخليفة من بعده، وهو ثانى اثنين ابن أبى قحافة عثمان، رضوان الله عليهم، بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، عرف مؤلفه بالنويرى، عفا الله عنه ولطف به، وكان مولده بمدينة أخميم من صعيد مصر فى التاريخ المذكور.
وفى هذه السنة: كانت حوادث ووفاة جماعة من أرباب المناصب، وولاية غيرهم، نذكرها الآن فى هذا الموضع. ولا نشترط فى إيرادها الترتيب، بل نوردها بمقتضى المناصب، فمن ذلك:
[ذكر] وفاة الأمير جمال الدين أقش النجيبى الصالحى
كانت وفاته بالقاهرة فى يوم الجمعة خامس شهر ربيع الآخر. وكان يلى أستاد دارية السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب. وتولى أستاد دارية السلطان الملك الظاهر فى ابتداء سلطنته، ثم نقله إلى نيابة السلطنة بالشام كما تقدم.
وكان رحمه الله تعالى، دينا كثير الإحسان إلى الرعية والرفق بهم. وكان يكره السعاية فى الناس، ومن سعى عنده بأحد أبعده، وكان يحب أهل الخير ويقربهم.
وأنشأ بدمشق مدرسة للشافعية وخانقاه للصوفية على الميدان بالشّرف الأعلى، وخانا للسبيل بميدان الحصا. ووقف بالديار المصرية وقفا على المجاورين.
стр. 12036
ولم يرزق فى عصره ولدا. وكان عظيم الشكل والخلقة، كبير البطن، جهورى الصوت، أكولا، رحمه الله تعالى.
ذكر وفاة الصاحب بهاء الدين
وفى هذه السنة: كانت وفاة الصاحب الوزير بهاء الدين [أبو الحسن «١» ] على بن محمد بن سليم المعروف بابن حنا، بمصر وقت آذان العصر من يوم الخميس سلخ ذى القعدة. ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بتربته بالقرافة. ومولده بمصر فى سنة ثلاث وستمائة، ومات وهو جد جد «٢» . وكان فى ابتداء أمره فى دكان يبيع الخام، ثم تنقلت به الأحوال وباشر فى الديوان السلطانى حتى انتهى إلى هذه الغاية. وكان من رجال الدهر حزما وعزما وتدبيرا، وكتابة وتحصيلا للأموال، وقياما بمصالح الدولة، وكان شديد الغيرة على منصبه، فإذا تعرض أحد من المتعممين المباشرين إلى الاجتماع بالسلطان عمل على إتلاقه «٣» ، وكذلك «٤» من يجتمع بأكابر الأمراء من هذه الطائفة، ويحسن إلى من يتصل بخدمته وخدمة أولاده، وينتمى إليهم ويقدمهم، وكان حسن الظن بالفقراء والمشايخ كثير الإكرام لهم ولا يمل من حوائجهم، ويتشفع الناس عنده بهم فلا يردهم، وكان أمينا فى وزارته، ما تكلم عليه ولا على أولاده بخيانة وإنما كانوا كلهم يتجهون تجاه الغل «٥» ويزرعون فاتسعت بذلك أحوالهم وكثرت أموالهم، وعمروا الأبنية العظيمة
стр. 12037
والمساكن البديعة والمتنزهات، وعمر هو مدرسة بزقاق القناديل بمصر، ووقف عليها أوقافا، وكان كثير الصدقة، والتزم صوم الدهر فى وزارته. وكان يثيب الشعراء «١» على مدائحهم، وامتدحه الشيخ رشيد الدين الفارقى فقال:-
وقايل فى الورى نبه لها عمرا ... فقلت إن علينا قد تنبه لى
ما لى إذا كنت محتاجا إلى عمر ... من حاجة فليتم حسبى انتباه على
وكان متمكنا من السلطان الملك الظاهر، يصرح باعتقاد بركته، حتى رام جماعة من الأمراء الأكابر خوشداشية السلطان أذاه عند السلطان وذكر معايبه فى أوقات، فكان السلطان إذا تنسم «٢» ذلك منهم أو من أحدهم بادره السلطان بذكر محاسنه وأنه فى بركته، فيقف من يقصد أذاه عن ذلك. ولما مات وصل الخبر إلى السلطان وهو بمنزلة الكسوة، فأمر بايقاع الحوطة على الصاحب تاج الدين ولد ولده، وكان صحبته، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، وأرسله إلى مصر، ورسم أن يستخرج من أخيه الصاحب زين الدين مائة ألف دينار، ومن الصاحب عز الدين بن الصاحب محيى الدين مائة ألف دينار.
وفوض السلطان وزارته للصاحب برهان الدين الخضر السنجارى، وفوضت «٣» وزارة الصحبة للصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء فى هذا التاريخ، ودخل إلى دمشق متوليا.
стр. 12038
[ذكر] وفاة مجد الدين عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم
وفيها: توفى القاضى مجد الدين [أبو محمد «١» ] عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر بن العديم قاضى الحنفية بدمشق، وكانت وفاته بدمشق فى يوم الثلاثاء سادس شهر ربيع الآخر، ومولده بحلب فى جمادى الأولى سنة أربع عشرة وستمائة.
وكان رجلا دينا صالحا فاضلا لطيفا، وتولى تدريس المدرسة الظاهرية بالقاهرة كما تقدم، وخطابة الجامع الظاهرى بظاهر القاهرة، ثم نقل إلى قضاء دمشق كما تقدم. ولما مات فوض قضاء القضاة الحنفية بدمشق لقاضى القضاة الشيخ صدر الدين أبى الربيع سليمان بن أبى العز بن وهيب الحنفى، وكان قاضى القضاة الحنفية بالديار المصرية، وتوجه فى الصحبة الظاهرية إلى غزوة الروم، فلما عاد واتفقت وفاة السلطان سأل أن يكون مدرسا بدمشق ومجاورا لتربة السلطان، ففوض إليه تدريس المدرسة الظاهرية بدمشق، وكان ابتداء جلوس المدرسين بها فى ثالث صفر من هذه السنة، وولى تدريس الشافعية بها الشيخ رشيد الدين الفارقى، واستمر القاضى صدر الدين فى القضاء أربعة أشهر ومات.
وكانت وفاته بدمشق فى ليلة الجمعة سادس شعبان، ودفن بسفح قاسيون بتربته وكان له، ﵀، التصانيف المفيدة فى مذهبه، ولما مات فوض القضاء بعده بدمشق لقاضى القضاة حسام الدين الحسن بن أحمد بن الحسن بن أنوشروان قاضى ملطية، وكان قد حضر إلى الشام صحبة السلطان الملك الظاهر، ففوض
стр. 12039
إليه القضاء بدمشق فى التاسع والعشرين من شهر رمضان سنة سبع وسبعين وستمائة، وقيل فى شوال منها.
وفيها: كانت وفاة الشيخ تاج الدين محمد بن على بن يوسف بن شاهانشاه ابن غسيان بن محمد بن جلب راغب المعروف بابن ميسر المصرى «١» ، وكان فاضلا جمع تاريخا لمصر، وقد نقلنا عنه مواضع فيما سلف من كتابنا هذا، وكانت وفاته بمصر فى يوم السبت ثانى عشر المحرم، ودفن بسفح المقطم. ومولده فى يوم الثلاثاء ثالث جمادى الأول سنة ثمان وعشرين وستمائة بمصر، رحمه الله تعالى.
[ذكر] وفاة الشيخ العارف نجم الدين أبو المعالى محمد بن الخضر الشيبانى الحريرى «٢»
وفيها فى ليلة الأحد رابع عشر شهر ربيع الآخر: توفى الشيخ العارف المحقق نجم الدين أبو المعالى محمد بن الخضر بن سوار بن اسرائيل الشيبانى الحريرى بدمشق، ودفن بقبة الشيخ أرسلان بمقبرة باب توما. ومولده فى يوم الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستمائة بدمشق، وكان دينا صالحا كريما متواضعا فاضلا أديبا ناظما، وله ديوان شعر، وشعره كثير المعانى، رحمه الله تعالى.
стр. 12040
واستهلت سنة ثمان وسبعين وستمائة
[استهلت] والسلطان الملك السعيد بدمشق، وفى خدمته من الأمراء من ذكر والعساكر مجردة كما تقدم.
وفى هذه السنة فى ثامن المحرم: فوضت وزارة دمشق للصاحب فتح الدين عبد الله بن القيسرانى الحلبى، وركب والرؤساء والأكابر فى خدمته وباشر من يومه.
وفيها فى شهر ربيع الأول: وقع بين الأمراء الخاصكية وبين الأمير سيف الدين كوندك «١» نائب السلطنة فتنة، كان سببها أن السلطان الملك السعيد أكثر من الإنعام على الخاصكية وأوسع فى العطاء لهم، فاتفق أنه أنعم على بعضهم بألف دينار، فتوقف النائب فى إمضاء المرسوم، فاجتمع المنعم عليه ببقية خوشداشيته وعرفهم ذلك، فاجتمعوا وحضروا إلى الأمير سيف الدين كوندك واسمعوه ما يكره، ودخلوا إلى السلطان وصمموا على عزله، فأجابهم إلى ذلك. فخرجوا إليه ليوقعوا به ويقبضوا عليه أو يقتلوه. وكان ذلك بحضور الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، فمنعهم من ذلك وأخذه وضمه إليه. فخرج منشور السلطان له فى اليوم الثانى بأمرة أربعين فارسا بحلب، فاستمر عند الأمير شمس الدين سنقر الأشقر سبعة أيام. ووردت الأخبار بعود الأمراء.
стр. 12041
ذكر عود الأمراء من الغزاة وظهور الوحشة والمنافرة بينهم وبين السلطان الملك السعيد وتوجيههم إلى الديار المصرية
قال: ولما عاد الأمراء من الغزاة وقصدوا العبور إلى دمشق، أرسل إليهم الأمير سيف الدين كوندك يخبرهم بجلية الخبر ويعلمهم بما تقرر سرا.
ثم ركب وخرج إليهم وتلقاهم، واجتمع بالأمير سيف الدين قلاون الألفى، وبدر الدين بيسرى الشمسى، وتحدث معهما فأقاما بالمرج «١» بمن معهما من الأمراء ولم يعبرا [إلى] دمشق، وسيرا إلى السلطان يقولان له: «إن الأمير سيف الدين كوندك حضر إلينا وشكا من لاجين الزينى شكاوى كثيرة، ولا بد لنا من الكشف عنها، فيسيره السلطان إلينا لنسمع كل «٢» منهما وننصف بينهما» . فلم يعبأ [السلطان] بقولهما، وكتب إلى الأمراء الظاهرية الذين معهما أن يفارقوهما ويعبروا إلى دمشق. فوقع القاصد بالكتب إلى الأمير سيف الدين كوندك فأحضره إلى الأمراء وأوقفهم على الكتب، فتحققوا سوء رأيه فيهم. ورحلوا من وقتهم من المرج ونزلوا بالجسورة «٣» وأظهروا الأمور الدالة على الخلاف. وندم السلطان وبعث الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير شمس الدين سنقر التكريتى الظاهرى أستاد الدار إليهم، وتلطف بهم وقصد رجوعهم، فما وافقوا على الرجوع.
стр. 12042
ثم خرجت إليهم»
والدة السلطان إلى منزلة الكسوة، واجتمعت بالأمراء وسألتهم الرجوع فما رجعوا. وساروا إلى الديار المصرية، فوصلوا إليها ونزلوا تحت الجبل فى شهر ربيع الآخر، فاتصل بالأمراء المقيمين بالقلعة قدومهم، وكان بها الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى أمير جاندار، والأمير علاء الدين أقطوان الساقى، وسيف الدين بلبان الزريقى، فتقدموا إلى متولى القاهرة بغلق أبوابها فغلقت، وبنى خلف أكثرها الحيطان. فأرسلوا إلى الأمراء الذين بالقلعة فى فتح الأبواب ليعبر العسكر إلى بيوتهم، فنزل الأمير عز الدين الأفرم، والأمير علاء الدين أقطوان إلى الأمراء ليجتمعا بهم، فقبض عليهما الأمير سيف الدين كوندك، وأرسل الأمراء ففتحوا أبواب المدينة. ودخل الناس إلى بيوتهم بأثقالهم.
ولما قبض على الأمير عز الدين الأفرم وعلاء الدين أقطوان نقلان إلى دار الأمير سيف الدين قلاون بالقاهرة. وأغلق الأمير سيف الدين بلبان الزريقى أبواب القلعة واستعد للحصار.
ذكر وصول السلطان إلى قلعة الجبل وما كان من أمره إلى أن انخلع من السلطنة
قال المؤرخ: ولما رأى السلطان توجه الأمراء إلى الديار المصرية وانفرادهم عنه، جمع من كان بدمشق من بقايا العسكر المصرى والعساكر الشامية، واستدعى العربان وأنفق «٢» الأموال فيهم بدمشق، وسار إلى الديار المصرية. وكان رحيله من دمشق فى يوم الجمعة ثانى شهر ربيع الآخر، وسلم قلعة دمشق إلى الأمير
стр. 12043
علم الدين سنجر الدوادارى وجعله نائبا إلى حين عود الأمير عز الدين أيدمر النائب، فلما وصل السلطان إلى غزة تسلل أكثر العربان وتفرقوا، ولم يصل إلى بلبيس ومعه من العسكر الشامى إلا اليسير. فأعطى من بقى منهم دستورا، فعادوا صحبة الأمير عز الدين أيدمر الظاهرى نائب الشام، وكان وصولهم فى مستهل جمادى الأول. وكان الأمير سيف الدين قلاون لما عاد من غزاة سيس جرد من العسكر الشامى بحلب الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق الصالحى، والأمير عز الدين أزدمر العلائى، والأمير شمس الدين قراسنقر المعزى، والأمير جمال الدين أقش الشمسى وغيرهم فى نحو ألفى فارس، فلما اتصل بهم خبر هذا الاختلاف رجعوا إلى دمشق فى شهر ربيع الآخر وقدموا عليهم الأمير جمال الدين أقش الشمسى. ووصل الأمير عز الدين أيدمر النائب بالشام إلى دمشق هو ومن معه فخرج الأمراء الذين وصلوا من حلب يتلقونه. فلما التقوه سبه الأمير ركن الدين الجالق والأمير عز الدين أزدمر العلائى وقالا له: «كيف فارقت السلطان» . فلما وصلوا إلى باب «١» الجابية أخذه الأمير جمال الدين أقش الشمسى إلى داره وقال له: «تكون بدارى إلى أن يرد مرسوم السلطان، ولا تكون سبب إقامة فتنة» . فتوجه معه إلى داره فأقام عنده إلى عشية النهار، وجاء الأمير ركن الدين الجالق وأزدمر العلائى إلى الأمير جمال الدين أقش الشمسى بعد صلاة العصر وأخذا الأمير عز الدين النائب من عنده وتوجها به إلى القلعة وسلماه إلى الأمير علم الدين سنجر الدوادارى فتسلمه منهما وجعله بقاعة البحرة، ورسم عليه ومكنه من دخول الحمام. فجاء الأميران إلى القلعة فى يوم الاثنين بعد
стр. 12044
العصر واجتمعا بالدوادارى وأنكرا عليه كونه مكنه من دخول الحمام، وقالوا:
«تسلمه إلينا نتوجه به إلى الديار المصرية» ، فقال: «إنه ما جاءنى ولا جاءكم مرسوم بالقبض عليه. وقد قبضتم عليه ووصل إلى عندى، فكيف أسلمه إليكما وبأى عذر اعتذر إلى السلطان» . فأغلظوا له فى القول. فلما أنكر حالهم وثب من بينهما وأمر رجاله بالقلعة بغلق أبوابها. فوثب الأميران وجردا سيوفهما وخرجا على حمية، وأغلق الدوادارى باب قلعة دمشق.
هذا ما كان بالشام.
أما الملك السعيد فانه لم يبق معه من الأمراء الأكابر إلا الأمير شمس الدين سنقر الأشقر والأمير علم الدين الحلبى، والبقية من المماليك السعيدية، كلاجين الزينى ومن يجرى مجراه، فلما وصل إلى قرب المطرية فارقه الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وانفرد عنه وعن الأمراء.
قال: ولما بلغ الأمراء أن السلطان يقصد طلوع القلعة من وراء الجبل الأحمر ركبوا ليمنعوه من الوصول إلى القلعة، فجاء سحاب أسود وأظلم الوقت حتى أن الإنسان لا يرى رفيقه الذى يسايره، فطلع السلطان إلى القلعة، وما رآوه. ولما استقر بها حاصره الأمراء وأحاطوا بالقلعة، واتفق أن لاجين الزينى أنكر على الأمير سيف الدين بلبان الزريقى وشتمه؛ فتغير خاطره ونزل من القلعة وانحاز إلى الأمراء؛ وتسلل المماليك من القلعة واحدا بعد واحد ونزلوا إلى الأمراء.
وأشار الأمير علم الدين سنجر الحلبى على السلطان بالإفراج عن المعتقلين، فأفرج عن الأمراء الشهرزورية وغيرهم، واستشار السلطان الأمير المشار إليه فيما يفعل، فقال: «أرى أن آخذ المماليك السلطانية وأهجم بهم على الأمراء وافرق شملهم» . فلم
стр. 12045
يوافقه على ذلك وتمادى الأمر أسبوعا، فأرسل السلطان إلى الأمراء وسألهم أن يكون الشام بكماله لهم، فأبوا ذلك إلا أن يخلع نفسه من الملك. فالتمس من الأمير سيف الدين قلاون والأمير بدر الدين بيسرى أن يعطوه قلعة الكرك، فأجاباه إلى ذلك. ونزل من القلعة بعد أن حلفوه ألا يتطرق إلى غيرها وأن لا يكاتب أحدا من النواب ولا يستميل أحدا من الجند. وحلفوا له أنهم لا يؤذونه فى نفسه ولا يغيرون عليه. وسفروه لوقته صحبة الأمير سيف الدين بيغان «١» الركنى وجماعة يوصلونه إلى الكرك. فأوصلوه إليها وتسلمها من الأمير علاء الدين أيدكين الفخرى النائب بها، وتسلم ما بها من الأموال والذخائر. وكان خروجه من السلطنة فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة. فكانت مدة سلطنته بعد وفاة والده سنتين وشهرين وأياما.
ثم ملك بعده أخوه السلطان الملك العادل بدر الدين سلامش «٢» بن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى وهو السادس من ملوك دولة الترك بالديار المصرية.
ملك بعد خلع أخيه السلطان الملك السعيد فى شهر ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وستمائة. وذلك أنه لما سفّر الملك السعيد إلى الكرك عرضت السلطنة على الأمير سيف الدين قلاون فأبى ذلك، وقال: «لم أخلع الملك طمعا فى السلطنة إلا حفظا للنظام، وألفة لأكابر الأمراء أن يتقدم عليهم الأصاغر،
следующие страницы →