Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.
стр. 12251
وكانت مدة الحصار على عكاء منذحل ركاب السلطان، إلى أن فتحت، أربعة وأربعين يوما. واستشهد من الأمراه على حصارها، الأمير علاء الدين كشتغدى «١» الشمسى، ونقل إلى جلجولية «٢» ودفن بها، والأمير عز الدين أيبك المعزى «٣» ، نقيب «٤» العساكر، والأمير جمال الدين آقش الغتمى «٥» ، والأمير بدر الدين بيليك المسعودى، والأمير شرف الدين قيران السكرى، وأربعة من مقدمى «٦» الحلقة، وجماعة يسيرة من العسكر.
وكانت عكا بيد الفرنج، منذ استرجعوها من السلطان، الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فى سنة سبع وثمانين وخمسمائة، وإلى هذا التاريخ، مائة سنة وثلاث سنين، وأمر السلطان الآن بإخرابها، فخربت «٧» .
وفتح الله تعالى على يد السلطان، فى بقية الشهر، من المدن المشهورة الساحلية، صور، وصيدا، وحيفا، وعثليث، بغير قتال. وذلك أن الله تعالى،
стр. 12252
أوقع فى قلوب أهلها الرعب، لما فتحت عكا، وعلموا أنهم لا يقدرون على حفظها، ففارقوها ونجوا بأنفسهم. فملكها السلطان، فأمر بهدمها جميعها فهدمت. ثم فتجت صيدا وبيروت، على يد الأمير علم الدين الشجاعى، على ما نذكره «١» إن شاء الله تعالى.
وأكثر الشعراء ذكر هذا الفتح. فكان ممن «٢» امتدح السلطان، وذكر هذا الفتح من الشعراء، الشيخ الفاضل بدر الدين محمد بن أحمد بن عمر المنيجى «٣» التاجر المقيم بالقاهرة، فقال:
بلغت فى الملك أقصى غاية الأمل ... وفتّ شأو ملوك الأعصر الأول
وحزت رق العلى بالجد مجتهدا ... وجزت غاياتها سيقا على مهل
ونلت بالحول دون الناس منفردا ... ما لم ينله ملوك الأرض بالحيل
فطل بدولتك الميمون طائرها ... فإنها غرة فى أوجه الدول
واسعد بهمتك العليا التى وصلت ... لك السعود بحبل غير منفصل
فأنت للدين والدنيا صلاحهما ... وفيهما حمل ضيم غير محتمل
فكم بلغت مرادا بت «٤» تأمله ... بعزمك الباتر العارى من الفلل
стр. 12253
وكم فتحت حصونا طالما رجعت ... لليأس «١» عنها الملوك الصيد فى خجل «٢»
حررت «٣» من عكة الغراء ما عجزت ... عنه الملوك بعزم غير منتثل
عقيلة المدن أمست من حصانتها ... وصونها من ليالى الدهر فى عقل
وقد دعتها ملوك الأرض راغبة ... وعطفها عنهم بالتيه فى شغل
صدت عن الصيد لا تلوى فلم تطل ... الأوهام منها إلى وصل ولم تصل
أم لهم «٤» برّة كم رام خطبتها ... بعل «٥» سواك، فلم تذعن ولم تنل
حتى أمرك فأمست وهى طائعة ... بعد الإباء لأمر منك ممتثل
مازال غيرك فيها طامعا وعلى ... يديك، قد كان هذا الفتح فى الأزل
فتحا «٦» تطاول عن نثر «٧» يحوط به ... وصفا، وعن نظم شعر محمد الطّول
قصدتها فأصيبت بعد ما فجعت ... فى أهلها من أسود الغيل بالغيل
فى جحفل لجب «٨» كالليل انجمه ... تبدو لرائيه من قضب ومن أسل
تمم المهامه من وعر «٩» ومن أكم ... وطبّق الأرض من سهل ومن جبل
стр. 12254
تخالهم وجياد الخيل تحتهم ... لليأس «١» فى الروع آسادا على قلل «٢»
لا تنظر العين منهم إن هم لبسوا ... لا مات حربهم يوما، سوى المقل
صدمتها بجيوش لو صدمت بها ... صم الجبال، أزالتها ولم تزل
فأصبحت بعد عز الملك خاضعة ... من ذلة الملك طول الدهر فى سمل
أمست خرابا وأضحى أهلها ومما ... وسطرتها يد الأيام فى المثل
فسلب «٣» بزتها «٤» عنها وقد عطلت ... ألذ للطرف من حلى ومن حلل
ومحو أثارها منها وقد خربت ... أشبى إلى التفس من زوض الربى «٥» الخضل
بالأشرف السيد السلطان «٦» زال عنا ... التثليث وابتهج التوحيد بالجدل
تدبير «٧» ذى حكم «٨» فى عز منتقم ... وعمر مقتبل فى رأى مكتهل
راحت وقد سلبت أرواحهم بشبا ... الهندى أموالهم من «٩» جملة النفل
هدمت ما شيدوا، فرقت ما جمعوا ... نقضت ما ابرموه غير محتفل
وعند ما أصبحت قفرا بلادهم ... من السواحل بعد الأهل فى العطل «١٠»
стр. 12255
رحلت عنها، ولكن كم أقمت بها ... من خوف بأسك جيشا غير مرتحل
لازلت ذا رتب فى المجد سامية ... وسؤدد بنواصى الشهب متصل
وقال المولى شهاب الدين أبو الثنا محمود الحلبى كاتب الانشاء، لما عاين النيران فى جوانب عكا. وقد تساقطت أركانها، وتهدمت جدرانها.
مررت بعكا بعد تخريب سورها ... وزند أوار النار فى وسطها وار «١»
وعاينتها بعد التنصر قد غدت ... مجوسية الأبراج تسجد للنار
وقال أيضا:
الحمد لله زالت دولة الصّلب ... وعزبا لترك دين المصطفى العربى
هذا الذى كانت الأمال لو طلبت ... رؤياه فى النوم لا ستحيت من الطلب
ما بعد عكا وقد هدت قواعدها ... فى البحر للشرك عتد البر من أرب
عقيلة ذهبت أيدى الخطوب بها ... دهرا وشدت عليها كف مغتصب
لم يبق من بعدها للكفر إذ خربت ... فى البر والبحر ما ينجى سوى الهرب
كانت تخيلها آمالنا فترى ... إن التفكر فيها أعجب العجب
أم الحروب فكم [قد «٢» ] أنشأت فتنا ... شاب الوليد بها هولا ولم تشب
سوران بر وبحر حول ساحتها ... دارا، وأدناهما أتأى «٣» من القطب
خرقاء «٤» أمنع سوريها وأحصنه ... غلب الكماة، وأقواه على النوب
стр. 12256
مصفح مصفاح، حولها شرف ... من الرماح وأبراج من اليلب «١»
مثل الغمامة «٢» تهدى من صواعقها ... بالنبل أضعاف ما تهدى «٣» من السحب
كأنما كل برج حوله فلك ... من المجانيق يرمى الأرض بالشهب
ففاجأتها جنود الله يقدمها ... غضبان «٤» لله لا للملك والنشب
ليث أبى أن يرد الوجه عن أمم ... يدعون رب الورى سبحانه بأب
كم رامها ورماها قبله ملك ... جم الجيوش فلم يظفر ولم يصب
لم يلهه ملكه، بل فى أوائله ... قال الذى لم ينله الناس فى الحقب
لم ترض همته إلا التى قعدت ... للعجز عنها ملوك العجم والعرب
فأصبحت وهى فى بحرين مائلة ... ما بين مضطرم نارا «٥» ومضطرب
جيش من الترك ترك الحرب عندهم ... عار، وراحتهم ضرب من الوصب
خاضوا إليها الردى والبحر فاشتبه ال ... أمران واختلفا فى الحال والسبب
تسنموها فلم يترك «٦» ثباتهم «٧» ... فى ذلك الأفق برجا غير منقلب
تسلموها فلم تخل الرقاب بها ... من فتك منتقم أو كف منتهب
стр. 12257
أتوا حماها فلم تدقع وقد وثبوا ... عنها مجانيقهم شيئا «١» ولم يثب
يا يوم عكا لقد انسيت ما سبقت ... من «٢» الفتوح وما قد خطّ فى الكتب
لم يبلغ النطق حد الشكر فيك فما ... عسى يقوم به ذو الشّعر والخطب
كانت تمنى بك الأيام عن أمم ... والحمد لله شاهدناك عن كتب
أغضبت عباد عيسى إذ أبدتهم «٣» ... لله أى رضى فى ذلك الغضب
وأطلع الله جيش النصر فابتدرت ... طلائع الفتح بين السمر والقضب
وأشرف المصطفى الهادى البشير على ... ما أسلف «٤» الأشرف السلطان من قرب
فقرّ عينا بهذا الفتح وابتهجت ... ببشره «٥» الكعبة الغراء فى الحجب
وسار فى الأرض مسرى الريح سمعته ... فالبر فى طرب والبحر فى حرب
وخاضت البيض فى بحر الدماء فما ... أبدت من البيض إلا ساق مختضب
وغاص «٦» زرق الفنا «٧» فى زرق أعينهم ... كأنها شطن يهوى «٨» إلى قلب
توقدت وهى تروى فى نحو رهم ... فزادها الرى فى الإشراق واللهب «٩»
стр. 12258
أجرت إلى البحر بحرا من دمائهم ... فراح كالراح «١» إذ غرقاه كالحبب «٢»
وذاب من حرّها عنهم حديدهم ... فقيدتهم «٣» به ذعرا يد الرهب «٤»
تحكمت فسطت فيهم قواضيها ... قتلا وعفت لحاويها عن السلب
كم أبرزت بطلا كالطود قد بطلت ... حواسه فغدا كالمنزل الخرب
كأنه وسنان الرمح يطلبه ... برج هوى ووراه كوكب الذنب
بشراك يا ملك الدنيا لقد شرفت ... بك الممالك واستعلت على الوثب
ما بعد عكا، وقد لانت عربكتها ... لديك شىء تلاقيه «٥» على تعب
فانهض إلى الأرض فالدنيا بأجمعها ... مدت إليك نواصيها بلا نصب
كم قد دعت، وهى فى أسر العدا زمنا ... صيد الملوك فلم تسمع «٦» ولم تجب «٧»
لبيتها «٨» يا صلاح الدين معتقدا ... بأن ظنّ صلاح الدين لم يخب
أسلت فيها كما سالت دماؤهم ... من قبل إحرازها بحرا من الذهب
أدركت ثأر صلاح الدين إذ غضبت ... منه لعمر «٩» طواه الله فى الكتب
стр. 12259
وجئتها بجيوش كالسيول على ... أمثالها «١» بين أجام من القضب «٢»
وحطتها «٣» بالمجانيق «٤» التى وقفت ... أمام أسوارها فى جحفل لجب
مرفوعة نصبوا أضعافها قبلت «٥» ... للجزم والكسر منها كل منتصب
ورضتها بنقوب ذللت شمما ... منها وأبدت محياها بلا نقب
وبعد صبحتها بالزحف فاضطربت ... رعبا وأهوت بخديها «٦» إلى الترب
وغنت «٧» البيض فى الأعناق فار تقصت «٨» ... أجسادها لعبا منها مع اللعب
وخلّقت بالدم الأسوار فابتهت ... طيبا ولولا دماء القوم لم تطب «٩»
وأبرزت كل خود «١٠» كاعب نثرت «١١» ... لها الرؤوس وقد زفت بلا طرب
باتت «١٢» وقد جاورتنا ناشزا وغدت ... طوع الهوى فى يدى جيرانها الجنب
ظنوا بروج البيوت الشم تعقلهم «١٣» ... فاستعقلتهم ولم تطلق ولم تهب
стр. 12260
فأحرزتهم ولكن للسيوف لكى ... لا يلتجى أحد منهم إلى هرب
وجالت «١» النار فى أرجائها وعلت ... فاطفأت ما بصدر الدين من كرب
أضحت أبا لهب تلك البروج وقد ... كانت بتعليقها حمالة الحطب
وأفلت «٢» البحر منهم من يخبر من ... يلقاه من قومه بالويل والحرب
وتمت النعمة العظمى وقد ملكت ... بفتح صور بلا حصر ولا نصب
أختان فى أن كلا منهما جمعت ... صليبة الكفر لا أختان فى النسب
لما رأت أختها بالأمس قد خربت ... كان الخراب لها أعدى من الجرب
إن لم يكن ثمّ كون البحر منصبغا ... بها إليها والألسن اللهب «٣»
فالله أعطاك ملك البر وأبتدأت ... لك السعادة ملك البحر فارتقب
من كان مبدأه «٤» عكا وصور معا ... فالصين أدنى إلى كفيه من حلب «٥»
علا بك الملك حتى إن قبته ... على الثريا غدت ممدودة الطنب
فلا برحت عزيز النصر مبتهجا ... بكل فتح قريب المنح مقترب
وعمل الشعراء فى هذا الفتح قصائد كثيرة، اقتصرنا «٦» منها، على ما أوردناه، فلنذكر خلاف ذلك.
стр. 12261
ذكر القبض على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام
وفى هذه السنة، والسلطان على حصار عكا، قبض على الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، نائب السلطنة بالشام. وسبب ذلك، أن الأمير علم الدين سنجر الحموى المعروف بأبى خرص «١» ، سعى إلى السلطان به، ثم أوهم الأمير حسام الدين المذكور من السلطان، وقال إنه قد عزم على القبض عليك، فحمله الخوف على أنه ركب من الوطاق «٢» بعكا ليلا، وقصد الهرب. فركب الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، وساق خلفه. فأدركه، وقال له، بالله لا تكن سبب هلاك هذا الجيش، فإن هذا البلد قد أشرف [الناس «٣» ] على فتحه. ومن علم الفرنج بهروبك، قويت نفوسهم، وركب العسكر خلفك، وانصرفت عزائم السلطان عن حصار عكا إليك. فوافقه، ورجع إلى خيمته، وظن أن ذلك يستتر، ولا يشعر السلطان به. وكان [ذلك «٤» ] ، فى ثامن جمادى «٥» الأولى. فلما كان فى اليوم الثانى من هذه الحادثة، خلع السلطان عليه، وطيّب قلبه، ثم قبض عليه
стр. 12262
فى اليوم الثالث، وجهّزه إلى قلعة صفد، تحت الاحتياط، ثم جهّز منها إلى قلعة الجبل.
ذكر رحيل السلطان عن عكا ودخوله إلى دمشق وما قرره من أمر النيابة بها، وبالكرك وغير ذلك
ولما قضى السلطان الوطر من فتح عكا وما يليها، عاد إلى دمشق. فكان وصوله إليها، فى الساعة الثالثة من يوم الاثنين، ثانى عشر جمادى الآخرة، ودخل دخولا ما دخله ملك قبله. وزينت البلد أحسن زينة، ونزل بالقلعة. وفى يوم دخوله إلى دمشق، فوض نيابة السلطنة بالشام [إلى «١» ] الأمير علم الدين سنجر الشجاعى المنصورى. ورتب الأمير جمال الدين أقش الأشرفى فى نيابة الكرك، عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس الدوادارى المنصورى، بحكم استعفائه من النيابة بها. وأقره السلطان فى جملة الأمراء بالديار المصرية «٢» .
وفى هذا اليوم، قبض السلطان على الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصورى النائب بقلعة دمشق. وسبب ذلك، أنه وقف بين يدى السلطان، وكان الأمير شرف الدين [بن «٣» ] الخطير الرومى، يكثر من البسط بين يدى السلطان على الأمراء وغيرهم. ويقصد بذلك أن يشرح خاطر السلطان ويضحكه. وكان السلطان فى بعض الأوقات، ينظر إليه نظرا يفهم منه مراد السلطان فى البسط على من يشير إليه. فنظر إليه السلطان وأومأ إليه أن يبسط على أرجواش. فنظر ابن الخطير
стр. 12263
إلى علم الدين أرجواش، وكان لا يعرف البسط ولا يعانيه، ولا يزال فى تصميم.
فقال «١» ابن الخطير للسلطان: كان لوالد المملوك بالروم، حمار أشهب أعور، أشبه شىء بهذا الأمير علم الدين، فضحك السلطان، وغضب أرجواش، وقال هذه صبيانية، فاشتد غضب السلطان لذلك، وأمر بالقبض عليه. وضرب بين يدى السلطان ضربا كثيرا مؤلما. ثم أمر أن يقيد ويلبس عباءة، ويستعمل مع الأسرى، قفعل به ذلك. ثم رسم بحمله على خيل البريد، إلى الديار المصرية مقيدا. فتوجه البريدية به، وحصلت الشفاعة فيه، فردّ من أثناء الطريق.
ثم أفرج السلطان عنه، بعد أن أوقع الحوطة على موجوده، وكان يحتوى على جملة كثيرة من الأموال والعدد. وأعاده السلطان إلى نيابة القلعة، فى شهر رمضان، فاستمر بها إلى أن مات.
وفى يوم الأحد، ثامن عشر جمادى الآخرة، رتب السلطان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، فى شد الشام على عادته، وكان قد أفرج عنه قبل ذلك. ونقل الأمير سيف الدين طوغان، من الشد إلى ولاية البر، على عادته الأولى «٢» .
وفيها، فى يوم الأربعاء، ثانى عشر شهر رجب، ولى القاضى محيى الدين ابن النحاس نظر الشام، عوضا عن تقى الدين توبة، وبطل اسم الوزارة بدمشق.
وولى شرف الدين أحمد بن عز الدين عيسى بن الشيرجى، نظر الحسبة، عوضا عن تاج الدين بن الشيرازى، فى ثانى عشر الشهر «٣» .
стр. 12264
ذكر فتوح برج صيدا
كان قد بقى بصيدا برج عاص «١» ، فندب السلطان لحصاره، الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، فتوجه لذلك، فى يوم الثلاثاء رابع شهر رجب. ووصل إلى صيدا وحاصر البرج، وافتتحه فى يوم السبت، خامس عشر الشهر. وعاد الأمير علم الدين إلى دمشق، بعد فتحه، على خيل البريد، فوصل إليها عند رحيل السلطان إلى الديار المصرية، وذلك فى يوم الأربعاء تاسع عشر شهر رجب.
وكان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم الاثنين تاسع شعبان، ودخل من باب النصر وخرج من باب زويلة «٢» .
ذكر فتح بيروت
لما توجه السلطان إلى الديار المصرية، أمر الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، أن يتوجه إليها، فتوجه وأفتتحها فى يوم الأحد ثالث عشرين شهر رجب. وذلك أن الأمير علم الدين سنجر وصل إليها، وكانت داخلة فى الطاعة، فتلقاه أهلها وأنزلوه بقلعتها. فأمرهم أن ينقلوا أولادهم وحريمهم وأثقالهم إلى قلعتها، ففعلوا ذلك، وظنوه شفقة عليهم. فلما صاروا بالقلعة، قبض على الرجال، وقيدهم وألقاهم فى الخندق، وملك البلد. وعاد الأمير علم الدين إلى دمشق، فوصل إليها، فى يوم الجمعة سابع عشرين شهر رمضان من السنة. ولم يبق بالساحل أجمع، من الفرنج أحد، وخلا الساحل بجملته منهم. ولم يتأخر بالبلاد
стр. 12265
[الشامية «١» ] غير فلاحيها النصارى، وهم داخلون فى الذمة، يؤدون الجزية.
ولما فتح السلطان هذا الفتح «٢» ، أوقف منه ضياعا على تربة والده السلطان الملك المنصور، وهى: الكابرة من عكا، وتل «٣» المفتوح منها، وكردانه «٤» وضواحيها «٥» منها. ومن ساحل صور معركه، وصريفين «٦» . وأوقف على تربته ضياعا، وهى قرية «٧» الفرج من عكا، وقرية شفر عمر منها: وقرية الحمراء «٨» منها، وقربة طبرنية «٩» من ساحل صور.
стр. 12266
ذكر إنفاذ ولدى السلطان الملك الظاهر ووالدتهما إلى بلاد الأشكرى «١»
وفى هذه السنة، أمر السلطان، بإخراج ولدى السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وهما الملك المسعود نجم الدين خضر، والملك العادل بدر الدين سلامش، من الاعتقال «٢» ، وجهزهما ووالدتهما إلى ثغر الإسكندرية، صحبة الأمير عز الدين أيبك الموصلى، استاذ الدار العالية. فتوجه بهم، وسفّرهم منها فى البحر المالح، إلى القسطنطينية. فلما وصلاها، أحسن الأشكرى إليهما، وأجرى عليهما ما يقوم بهما وبمن معهما. فاتفقت وفاة الملك العادل بدر الدين سلامش هنا، فصبّرته والدته بالصبرة «٣» ، وجعلته فى تابوت، ولم تدفنه، إلى أن عادت به إلى الديار المصرية، على ما نذكره إن شاء الله تعالى «٤» .
ذكر الإفراج عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى وغيره من الأمراء
وفى هذه السنة، فى يوم الأربعاء ثامن عشر شعبان، أمر السلطان بالإفراج عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى النجمى. وكان السلطان الملك
стр. 12267
المنصور، قد اعتقله فى أوائل دولته، كما تقدم ذكر ذلك «١» ، فأفرج السلطان عنه الآن. وكتب له إفراج شريف سلطانى، ونسخته بعد البسملة «٢» :
«الحمد لله على نعمه الكاملة، ومراحمه الشاملة، وعواطفه التى أضحت بها بدور الإسلام بازغة غير آفلة، ومواهبه التى تجول وتجود وتحيى رميم الآمال [فى يومها «٣» ] بعد رمسها بأمسها، فى أضيق اللحود «٤» ، ويقرّ لها بالفضل كل جحود» .
«أحمده حمدا يعيد سالف النعم، ويفيد آنف الكرم الذى خص وعم.
ونشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة نؤدى «٥» حقوقها ونجتنب «٦» عقوقها. ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث بمكارم الأخلاق، والموصوف بالعلم والحلم على الإطلاق، صلاة لا تزال عقودها حسنة الانساق، ونسلم تسليما كثيرا» .
«وبعد، فإن أحق من عومل بالجميل، وبلغ من مكارم هذه الدولة القاهرة، الرجا والتأميل، من إذا ذكرت أبطال الإسلام، كان أول مذكور. وإذا وصفت الشجعان، كان إمام صف كل شجاع مشهور. وإذا تزينت سماء الملك بالنجم، كان بدرها المنير. وإذا اجتمع ذوو الآراء على امتثال أمر، كان
стр. 12268
خير مشير، وإذا عدت أوصاف أولى الأمر كان أكبر أمير. كم تجمّلت «١» المواكب بحلوله «٢» بأعلى قدر، وتزينت «٣» المراتب منه بأبهى بدر. وهو المقر الأشرف العالى المولوى الأميرى»
الكبيرى- وذكر القابه، [فقال «٥» ]- البدرى بيسرى الشمسى الصالحى النجمى الملكى الأشرفى. فهو الموصوف بهذه الأوصاف والمدح «٦»
، [و «٧» ] المعروف بهذه المكارم والمنح» .
«فلذلك، اقتضى حسن الرأى الشريف العالى المولوى السلطانى الملكى «٨» الأشرفى الصلاحى، لا زالت الكرب فى أيامه تكشف، والبدور تكتمى «٩» فى دولته الغراء، إشراقا «١٠» ولا تخسف، أن يفرج عنه فى هذه الساعة، من غير تأخير، ويمثل بين يدى المقام الأعظم السلطانى بلا استئذان نائب ولا وزير، إن شاء الله تعالى» .
وجعل هذا الإفراج فى كيس أطلس أصفر، وختم عليه بخاتم السلطان،
стр. 12269
وتوجه به إلى باب الجب «١» ، الأمير بدر الدين بيدرا، والأمير زين الدين كتبغا، وجماعة من أكابر الأمراء. وأخرج الأمير بدر الدين من الجب، وقرىء عليه هذا الإفراج، ورسم بكسر قيده، واحضر له التشريف السلطانى. فقال [بيسرى] :
لا يفك القيد من رجلى، ولا أليس التشريف، إلا بعد أن أتمثل بين يدى السلطان، وصمم على ذلك. فأعلم السلطان بذلك، فرسم بفك قيده، وأن يحضر إلى بين يدى السلطان بملبوسه. الذى كان عليه فى الجب. فحضر إلى بين يدى السلطان، فانتصب له قائما. وتلقاه وأكرمه، وألبسه التشريف، وأجلسه إلى جانبه، وأنعم عليه بالأموال والأقمشة، وأمرّه لوقته، بمائة فارس، وأقطعه إقطاعا وافرا، من جملته منية بنى «٢» حصيب، دريستا «٣» ، بالجوالى والمواريث «٤» الحشرية، وقرّبه السلطان لديه، وأدناه إليه. وكان يخلو به ويؤانسه ويبرّه، ويضاعف له الإنعام، حتى أن الأمير بدر الدين بيسرى، انتسب إلى الأشرفيه.
стр. 12270
وكان فيما مضى من عمره فى الأيام الظاهرية وغيرها، يكتب بيسرى الشمسى، فصار «١» يكتب بيسرى الأشرفى.
وفيها، فى يوم الجمعة رابع شهر رمضان، أفرج السلطان عن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير حسام الدين لاجين المنصورى، والأمير ركن الدين بيبرس صقصوا «٢» ، والأمير شمس الدين سنقر الطويل، من الأعتقال، وأمرهم على عادتهم «٣» .
وفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، فقبض عليه من دمشق، وجهز إلى الأبواب السلطانية مقيدا. وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس، سابع عشر شهر رمضان.
ذكر عزل قاضى القضاة تقى الدين ابن بنت الأعز عن القضاء ومصادرته
وفى هذه السنة، عزل السلطان قاضى القضاة، تقى الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة، تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز. من منصب القضاء، بالديار المصرية، لأمور، منها ما كان فى نفس الصاحب شمس الدين الوزير منه، [ومنها أنه «٤» ] كان فى الدولة المنصورية، يراعى خاطر الملك الصالح،
стр. 12271
ويقدّمه على الملك الأشرف. فذكّر الوزير السلطان بذلك، فعزله وانتدب لمرافعته «١» جماعة، وشهد عليه آخرون بأمور برأه الله منها. وأوغلوا فى الكلام عليه، ورموه بالعظائم. وكان محاشا منها «٢» . فرسّم عليه، وصودر، ونكل به.
وكان قصد الوزير الإخراق به، بالضرب، فحماه الله تعالى منه، ثم تشفع «٣» فيه الأمير بدر الدين بيدرا، نائب السلطنة، مع ما كان بينهما من الشحناء، فأفرج السلطان عنه. وكان سبب هذه الشفاعة، أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، كان له اعتناء بقاضى القضاة تقى الدين، فلما امتحن بهذه المحنة، ورسم بمصادرته، ضمّه إليه، وعزم على سؤال السلطان فى أمره، والشفاعة فيه. وكان السلطان قد قبض على الأمير سنجر الحموى، المعروف بأبى خرص «٤» ، وكان للأمير بدر الدين بيدرا به اعتناء، فتحدث مع الأمير بدر الدين أمير سلاح، أن يشفع فيه، فاعتذر عن ذلك، أنه يقصد أن يشفع فى قاضى القضاة ولا يمكنه أن يشفع فى اثنين فى وقت واحد. فاتفقا أن [الأمير] يشفع «٥» فى قاضى القضاة. وأمير سلاح يشفع فى أبى خرص. فشفعا فيهما. فأفرج عنهما «٦» .
стр. 12272
ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى
لما عزل السلطان؛ قاضى القضاة تقى الدين عن القضاء، أشار الصاحب شمس الدين ابن السلعوس الوزير، بتفويض القضاء، للقاضى بدر الدين أبى عبد الله محمد ابن الشيخ برهان الدين أبى إسحاق إبراهيم بن أبى الفضل سعد الله ابن جماعة بن على بن جماعة بن حازم بن صخر بن عبد الله الكنانى الشافعى الحموى.
وكان يتولى قضاء القدس الشريف والخطابة كما قدمنا. فاستدعاء الصاحب شمس الدين، فى يوم الأربعاء، تاسع شهر رمضان، فتوجه البريد إليه. وكان وصوله إلى القاهرة فى يوم الاثنين، رابع عشر شهر رمضان، سنة تسعين وستمائة.
وكانت ولايته من قبل السلطان الملك الأشرف، فى يوم الخميس، سابع عشر الشهر. وفوّض إليه مع القضاء، وتدريس المدرسة الصالحية، خطابة جامع الأزهر، وغير ذلك. وهذه ولاية قاضى القضاة بدر الدين الأولى «١» .
وفى هذه السنة، فى شوال، أمر السلطان بإخراج الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد، وأن يخطب للناس «٢» بجامع القلعة، ويذكر السلطان فى خطبته.
فخطب فى رابع عشرين شوال. وعليه شعار بنى العباس، وهو متقلد سيفا. فلما فرغ من الخطبة. لم يصلّ بالناس. وقدم قاضى القضاة بدر الدين، فصلى بهم صلاة الجماعة. واستمر يخطب بالقلعة، واستناب عنه بجامع الأزهر القاضى صدر الدين عبد البر ابن قاضى القضاة تقى الدين بن رزين.
стр. 12273
وفيها، فى ليلة الإثنين، رابع ذى القعدة أمر السلطان باجتماع القضاة والفقهاء والأعيان والقراء، بتربة والده السلطان الملك المنصور، فاجتمعوا.
وبات نائب السلطنة والوزير بالقبة المنصورية فى تلك الليلة. فلما كان وقت السحر، من يوم الجمعة، وحضر السلطان والخليفة إلى التربة، والخليفة لابس السواد، وخطب الخليفة خطبة بليغة. حرض فيها على أخذ العراق، وكان يوما مشهودا. وتصدق السلطان بصدقات وافرة، وعاد هو والخليفة إلى قلعة الجبل «١» .
وكتب السلطان إلى دمشق أن يعمل مهم «٢» ، مثل ما عمل بالقبة المنصورية.
فاهتم «٣» الأمير علم الدين الشجاعى نائب السلطنة بدمشق بذلك. وجمع الناس له فى ليلة الإثنين، حادى عشر الشهر، بالميدان الأخضر، أمام القصر الأبلق. واجتمع الناس لتلاوة القرآن، من ظهر يوم الأحد إلى نصف الليل، من ليلة الإثنين.
ثم تكلم الوعاظ، وانصرف الناس فى بكرة النهار «٤» .
ذكر متجددات كانت بدمشق
فى هذه السنة، فى شوال شرع الأمير علم الدين الشجاعى، نائب السلطنة بدمشق، فى عمارة آدر «٥» بقلعتها اقترحها السلطان عليه. واهتم بذلك، وطلب الرخام
стр. 12274
من سائر الجهات. وكملت عمارة ذلك، فى آخر سنة إحدى وتسعين.
وفيها، فى تاسع شوال، أمر السلطان الملك الأشرف بالقبض على الأمير سيف الدين قرارسلان «١» ، وجمال الدين أقوش الأفرم المنصوريين، فقبض عليهما الأمير علم الدين الشجاعى واعتقلهما بالقلعة. وأقطع السلطان إقطاعيهما «٢» للأميرين عز الدين أزدمر العلائى، وشمس الدين سنقر المسّاح.
وفيها، فى ثانى شوال، أمر الأمير علم الدين الشجاعى، بإخراب ما على جسر الزلابية بدمشق، من الحوانيت، وبإخراب جميع ما هو مبنى على نهر بانياس «٣» ونهر المجدول من تحت القلعة، إلى باب الميدان الأخضر، وإلى الخانقاه، فأخربت المسايح «٤» ودار الصناعة، وبيوت ومساكن وخانات ودار الضيافة، وحمام كان بنى للملك السعيد، والمسايح «٥» التى على نهر بردى، والسقاية التى تعرف بالعجمى، وسقاية أرجواش، ولم يبق غير المساجد «٦» .
وفيها، فى يوم الخميس، ثالث عشر ذى الحجة، زاد الأمير علم الدين [الشجاعى] فى الميدان الأخضر الصغير، الذى فيه القصر الأبلق، مقدار سدسه من جهة الشمال إلى قريب النهر، حتى صار بين حائط الميدان والنهر مقدار ذراع ونصف ذراع بالعمل «٧» . وقسم الحيطان على الأمراء والأجناد وبعض
стр. 12275
عوام البلد. وعمل هو بنفسه ومماليكه، فلم يوفر أحد نفسه من العمل، فكانت عمارة ذلك فى يومين «١» .
وفيها، فى العشر الآخر «٢» من ذى الحجة، قبّض على الشيخ سيف الدين الرجيحى «٣» وهو من ذرية الشيخ يونس. وجهز من دمشق إلى الباب السلطانى، على خيل البريد.
وفى هذه السنة، فى أوائلها، كملت عمارة قلعة حلب. وكان الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى، نائب السلطنة بحلب، قد شرع فى عمارتها فى الأيام المنصورية، فكملت الآن، وكتب عليها اسم السلطان الملك الأشرف.
وكان هولاكو قد خرّبها كما تقدم «٤» ذكر ذلك.
وفيها، فى يوم الخميس، ثالث عشر رجب، كانت وفاة الأمير بهاء الدين يمك «٥» الناصرى، مقدم الميسرة بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، بمقبرة الرباط الناصرى. وكان رجلا عاقلا قليل الاجتماع بالناس «٦» .
стр. 12276
وفيها، كانت وفاة الأمير سابق الدين لاجين العمادى، رحمه الله تعالى.
كان يتولى الأعمال القوصية قديما، فى «١» الدولة المعزية، إلى أوائل الظاهرية.
وعّمر بمدينة قوص مدرسة معروفة به. ثم ولى فى الدولة الظاهرية الأعمال الشرقية. وكانت وفاته بالقاهرة، فى العشر الآخر «٢» من شهر رمضان منها، وذلك بعد عزله من الأعمال الشرقية، وعمر نحو اثنتين وثمانين سنة. وكان دينّا خيرا، كثير الصدقة والإحسان، أمينا عفيفا، ما سمع عنه، أنه ارتكب معصية قط، ولا شرب خمرا، ولا ارتشى، ولا أتى مكروها. وكان محترما عند الملوك.
وأصله مملوك الصاحب عماد الدين، وزير صاحب الجزيرة. ثم أنتقل مع أستاذه فى أواخر الدولة الكاملية، وتقدم فى الدولة الصالحية وما بعدها، وولى الولايات. وكانت الولايات يومذاك لا يصل إليها إلا أكابر الأمراء وتقاتهم، ﵀ «٣» تعالى.
وفيها، فى العشرين الأخر، من شهر رمضان، توفى الأمير علاء الدين أيدكين الصالحى، نائب السلطنة بصفد بها، ﵀ «٤» تعالى.
وفيها، كانت وفاة الأمير سيف الدين قطز المنصورى. وكان من أكابر المماليك المنصورية، وأكابر الأمراء. وكانت وفاته بحمص. وكان مجردا بها، رحمه الله تعالى.
стр. 12277
واستهلت سنة إحدى وتسعين وستمائة [٦٩١- ١٢٩١/١٢٩٢]
فى هذه السنة، فى يوم الجمعة، رابع عشر صفر، وقع بقلعة الجبل حريق عظيم فى بعض الخزائن، وأتلف شيئا كثيرا من الذخائر والنفائس والكتب «١» .
وفيها، فى يوم الخميس، حادى عشر شهر ربيع الأول، أمر السلطان أن يجمع القراء والعلماء والأكابر، بالقبة المنصورية، لقراءة ختمة شريفة، فاجتمع الناس لذلك. ونزل السلطان من الغد، لزيارة قبر والده، وتصدق بأموال جزيلة.
وفيها، فى تاسع عشرين شهر ربيع الأول، فى يوم الجمعة، خطب الخليفة الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد، بجامع قلعة الجبل، خطبة بليغة، حث فيها على الجهاد، وأمر بالنفير، وصلّى بالناس الجمعة.
ذكر توجه السلطان إلى الشام «٢»
وفى هذه السنة، فى الساعة الثامنة من يوم السبت، ثامن شهر ربيع الآخر استقل ركاب السلطان إلى جهة الشام، بجميع العساكر. فوصل إلى دمشق، فى يوم السبت سادس جمادى الأولى، وأمر بالنفقة على جميع العساكر فى ثامن
стр. 12278
الشهر، ووصل صاحب حماه لتلقى السلطان «١» . ثم عرض السلطان الجيوش، وقدمهم «٢» أمام ركابه إلى جهة حلب، وتوجه هو من دمشق فى الساعة الخامسة من يوم الاثنين، سادس عشر جمادى الأولى، ووصل إلى حلب فى ثامن عشرين الشهر «٣» .
ذكر فتوح قلعة الروم وتسميتها قلعة المسلمين «٤»
كان فتوح هذه القلعة، فى يوم السبت، حادى عشر رجب، سنة إحدى وتسعين وستمائة. وذلك أن السلطان رحل من حلب بسائر العساكر المصرية والشامية، فى رابع جمادى الآخرة، ونزل على قلعة الروم، يوم الثلاثاء ثامن الشهر وحاصرها وضايقها، ونصب عليها عشرين منجنيقا، خمسة منها إفرنجية، وخمسة عشر قرابغا وشيطانية «٥» . ورمى بالمجانيق، وعملت النقوب، فيسّر الله فتحها. وكانت مدة المقام عليها، إلى أن فتحت، ثلاثة وثلاثين يوما. وكان للأمير علم الدين الشجاعى فى فتحها النصيب الأوفى، فإنه تحيلّ فى عمل سلسلة بالقرب من شراريف القلعة، [وأوثق طرفها بالأرض، فتمسك الجند بها، وطلعوا إلى القلعة] «٦» . وكان ممن طلع إلى القلعة، سيف الدين أقجبا، أحد مماليك
стр. 12279
الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، ولم يكن من أعيان مماليكه، بل كان فى خدمة ولده صلاح الدين خليل. فتحيل وطلع إلى سور القلعة، وقاتل قتالا شديدا، وجرح ثم رجع، والسلطان ينظر إليه. فسأل عنه، فعرف به، فأرسل إليه خلعة، وأنعم عليه بمال، ووعده بإقطاع، وأمر أستاذه الأمير بدر الدين، أن يذكر السلطان به، إذا عاد إلى حلب، فلم يفعل. ثم صار بعد ذلك، من جملة مقدمى الحلقة. وتأمّر بعد ذلك، فى سنة تسع عشرة وسبعمائة بطبلخاناة، وتولى عمل الفيوم من الديار المصرية. وفتحت القلعة عنوة «١» ، وقتل من كان بها من المقاتلة، وسبيت النساء والذرية، ووجد فيها بطرك الأرمن، فأخذ أسيرا. ومحا السلطان عن هذه القلعة، تسميتها بالروم، وسماها قلعة المسلمين.
ووصل إلى الزرد خاناة السلطانية، من الأسرى ألف أسير ومائتا أسير. واستشهد عليها من الأمراء: الأمير شرف الدين بن الخطير، وشهاب الدين بن ركن الدين أمير جاندار. ورتب السلطان الأمير علم الدين الشجاعى لعمارة القلعة، وأمره بإخراب ربضها وابعاده عنها. فتأخر لذلك، وصحبته عسكر الشام «٢» .
ولماتم هذا الفتح، أنشئت كتب البشائر إلى الممالك. وكان مما كتب إلى دمشق، كتاب عن السلطان إلى قاضى القضاة شهاب الدين الخويى «٣» ونسخته:
стр. 12280
بسم الله الرحمن الرحيم، أخوه خليل بن قلاوون.
صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامى، القاضى الأجل،- وذكر القابه ونعوته- خصه الله بأنواع التهانى، وأتحفه بالمسرات التى تعوّذ بالسبع المثانى.
وأورد على سمعه، من بشائر نصرنا وظفرنا، ما يستوعب فى وصفه ومدحه الألفاظ والمعانى.
نبشره «١» بفتح ما سطرت الأقلام إلى الأقاليم أعظم من بشائره، ولا نشرت برد المسرات، بأحسن من إشارته وأشائره. ولا تفوهت ألسنة خطباء هذا العصر على المنابر، بأفصح من معانيه، فى سالف الدهر وغابره، وهو البشرى بفتح قلعة الروم، والهنا لكل من رام بالإسلام نصرا ببلوغ مارام وما يروم. [ونقصّ «٢» ] أحسن قصص هذا الفتح المبين، والمنح الذى تباشر به سائر المؤمنين، ونساوى فى الإعلان والإعلام به كل من قرّ عينا من الأبعدين والأفربين. ونخضّ بمصرى مبشراته الحكام ليعمّوا بنشرها عامة الناس. ونفرض لكل ذى مرتبة عليه منه نصيبا يجمع من الابتهاج والأنواع والأجناس. وذلك أنا ركبنا لغزوها، من مصر، وقد كان من قبلنا من الملوك، يستبعد مداها، ويناديها فلا يجيب إلا بالصد والإعراض صداها، ويسائل عن جبالها «٣» ؛ فتحيل فى الجواب على النسور المهومة، ويستشير «٤» أولى الرأى فى حصرها، فلا يسمع إلا الأقوال المثلوبة والأراء
стр. 12281
المتلومة، ومازلنا نصل السرى «١» ، ونرسل الأعنة إلى نحوها، فتمدّ الجياد أعناقها إليها مدا، ينقطع بين قوتها وقوته السير. واستقبلنا من جبالها «٢» كل صعب المرتقى، وعر «٣» المنتقى، شاهق لا يلقى «٤» به مسلك ولا يلتقى. فما زالت العزائم الشريفة تسهل «٥» حزونه، والشكائم تفجر «٦» بوقع السنابك على حجارته «٧» عيونه «٨» ، والجياد المطهمة ترتقى، مع امتطاء متونها بدروع الحديد متونه. فلما أشرف عليها منا أشرف سلطان، جعل جبلها دكا، وحاصرناها حصارا ألحقها بعكا وأخواتها، وإن كانت أحصن من عكا. ونصبنا عليها عدة مجانيق تنقض حجارتها انقضاض النسور، وتقبض «٩» الأرواح من الأجسام وإن ضرب بينها وبينهم بسور، وتفترس أبراجها بصقور صخور افتراس الأسد الهصور. هذا والبقوب تسرى فى بدناتها سريان الخيال، وإن كانت جفونها المسهدة، وعمدها الممددة وحفظنها المجندة، ورواسيها على جبل الفرات موطدة. وقد خندقوا عليها خندقا
стр. 12282
جرت فيه الفرات من جانت ونهر مرزبان من جانب، ووضعها واضعها على رأس جبل يزاحم الجوزاء بالمناكب، وسفح صرحها الممدد فكأنه عرش لها على الماء وإذا رمقها طرف رائيها اشتبهت عليه بأنجم السماء. وما زالت المضايقة تقص «١» من حبلها «٢» أطرافه، وتستدر «٣» بحلبها «٤» أخلافه، وتقطع بمسائل جلاد معاولها وجدالها خلافه. وتورد عليها من سهامها كل إيراد لا يجاوب إلا بالتسليم، وتقضى عليها بكل حكم لا تقابل توبته إلا بالتحكيم.
ولما أذن الله بالفتح الذى أغلق على الأرمن والتتار أبواب الصواب، والمنح الذى أضفى «٥» على أهل الإيمان من المجاهدين أثواب. الثواب. فتحت هذه القلعة بقوة الله ونصره، فى يوم السبت حادى عشر شهر رجب الفرد. فسبحان من صهل صعبها، وعجل كسبها، وأمكن منها ومن أهلها، وجمع شمل الممالك الإسلامية بشملها. فالمجلس السامى يأخذ خطه من هذه البشرى، التى بشرت بها ملائكة السماء، ملك البسيطة وسلطان الأرض. وتكاثر على شكرها كل من أرضى الله طاعة وأغضب من لم يرض، من ذوى الإلحاد «٦» ، وممن حاد الله [و] حاد،
стр. 12283
وممن ينتظر من هذا الإيعاز «١» إنجاز الإيعاد، فلا ينجيه الإمضاء «٢» هربا ولا الإبعاد.
فإنه بفتح «٣» هذه القلعة وتوقلها «٤» ، وحيازة ثغرها ومعقلها، تحقق من بسيحون وجيحون، أنهم بعد فتح باب الفرات، بكسر أقفال هذه القلعة لا يرجونّ أنهم ينجون «٥» .
وما يكون بعد هذا الفتح، إن شاء الله إلا فتح المشرق والروم والعراق، وملك البلاد من مغرب الشمس إلى مطلع الإشراق. والله تعالى يمدنا من دعواته الصالحه، بما تعدو به عقود الآمال حسنة الانساق، إن شاء الله.
كتب يوم الفتح المبارك سنة إحدى وتسعين وستمائة، حسب المرسوم الشريف «٦» .
وكتب عن الأمير علم الدين الشجاعى، نائب السلطنة بدمشق، إلى قاضى القضاة، شهاب الدين الخويى «٧» أيضا. وهو من إنشاء الفاضل شرف الدين القدسى، ما مثاله بعد البسملة:
стр. 12284
ضاعف الله مسار الجناب العالى المولوى الفضائى الشهابى- وذكر القابه ونعوته- ولا زالت وفود البشائر إليه تنرى، وعقود النهانى تنص «١» إليه نظما ونثرا. وفواتح الفتح تتلى عليه لكل آية نصر يسجد لها القلم فى الطرس شكرا، وتشتمل على أسرار الظفر فيأنى الإسماع من غرابتها بما لم يحط به خبرا «٢» .
وتتحفه «٣» بظهور أثر المساهمة فتهدى إليه سرورا وأجرا.
المملوك يستفتح من حمد الله على ما منح من آلائه، وفتح على أوليائه، ووهب «٤» من الإعداء على أعدائه، ويسرّ من الظفر الذى أيد فيه بنصره وأمدّ بملائكة سمائه، ما يستديم الإنجاد بحوله، ويستزيد به الأمداد من فضله وطوله. ويوالى «٥» من الصلاة على سيدنا محمد ﷺ ما يستدر «٦» به أخلاف الفتوح، ويسترهف بيمنه الصوارم التى هى على من كفر بالله ورسوله دعوة نوح. ويهدى من البشائر ما تختال به أعطاف المنابر سرورا، ويتعطر بذكره أفواه المحابر حبورا، وترشف «٧» الأسماع موارد وارده، فيستحيل فى قلوب الأعداء
стр. 12285
نارا وفى قلوب الأولياء نورا. ويبادر مساهمة الحاضر فى استماعه كل باد «١» فينقلب إلى أهله مسرورا.
وينهى أنه أصدرها والنصر قد خفقت بنوده، وصدقت وعوده، وسار بمختلفات البشائر فى كل قطر بريده. والأعلام الشريفة السلطانية، قد امتطت من قلعة الروم صهوة لم تذلّ لراكب. وحلت من قنتها «٢» وفلتها بين الذروة والغارب.
وأراقت أسنتها من دمائهم ما ترك الفرات «٣» لا يحل «٤» لشارب. ومدّ الأيمان بها أطنابه، وأعجلت السيوف المنصورة الشرك أن يضم للرحلة أثوابه. واستقرت بها قدم الإسلام ثابتة إلى الأبد، وقتّلت بأرجائها، سيوف أهل الجمعة، حتى رق أهل السبت لأهل «٥» الأحد. وأذهب الله عنها التثليث حتى كاد حكم الثلاثة أن يسقط من العدد، وتبرأ منهم من كان يغرهم بامداده، حتى الفرات لمجاورتهم، ودّت النقص خوفا أن يطلق على زيادتها اسم المدد. ونطق بها الأذان فخرس «٦» الجرس.
وعلت بها كلمة الإيمان، فأضحت لها بعد الإبتذال آية الحرس. وأسمعت دعوة الحق ما حولها من الجبال فسمعت وهى الصم، ولبت الداعى بلسان الصدى الناطق عن شوامخها الشم.
стр. 12286
وكانت هذه القلعة المذكورة للثغور الإسلامية بمنزلة الشجى فى الحلق «١» ، والغلة فى الصدر، والخسوف الطارئ على طلعة البدر. لا تخلو من غل تضمره، فى لين تظهره، وغدر تستره، فى عذر تورده وتصدره. وقد سكن أهلها إلى مخادعة الجار، وموادعة التتار، وممالاتهم على الإسلام بالنفس والمال، ومساواتهم لهم حتى فى الزى والحال. يمدونهم بالهدايا والألطاف، ويدلونهم على عورات الأطراف. وهم يتقون بمسالمة الأيام، ويدعون أن قلعتهم لم تزل من الحوادث فى زمام، ويغترون بها. ولولا السطوات الشريفة، لحق بمثلها أن يغتر.
ويسكنون إلى حصانتها كلما أو مض فى حلك «٢» السحب برق ثغرها المفتر.
وهو حصن صاعد منحدر، بارزه مستدير، لا يطأ إليه السالك إلا على المحاجر، ولا تنظره العيون حتى تبلغ «٣» القلوب الحناجر، كأنه فى ضمائر الجبال حب يقتل وهو كامن، ويجرف الظاهر وهو باطن. قد أرخت عليه الجبال الشواهق ذوائبها، ومدت عليه الغمائم أطنابها ومضاربها. وقد تنافست فيه الرواسى الرواسخ فأخفاه بعضها عن بعض وتقاسمته العناصر فهو للنكاية والرفعة والثبات ومجاورة الفرات مشترك بين النار والهواء والماء والأرض. وقد امتدت الفرات من شرقيها كالسيف فى كف طالب ثأر، واكتنفها من جهة الغرب نهر آخر استدار نحوها كالسور وانعطف معها كالسوار. وفى قنة «٤» قلتها جبل يرد الطرف وهو كليل،
стр. 12287
ويصل «١» النظر إلى تخيل «٢» هضابه فلا يهتدى إلى تصورها بغير دليل، وكذلك من شرقها وغربها، فلا تنظرها الشمس وقت الشروق «٣» ، ولا يشاهدها [القمر] وقت الأصيل. وحولها من الأودية خنادق لا يعرف فيها الهلال إلا بوصفه، ولا الشهر إلا بنصفه.
وأما الطريق إليها فيزل «٤» الذرّ عن متنها. ويكل طرف الطرف عن سلوك سهلها فضلا عن حزنها. «٥» وبها من الأرمن عصب جمعهم التكفور «٦» ، ومن التتار فرق زيادتهم للتغوير «٧» ، قد بذلوا دونها النفوس، وتدرعوا للذب عنها لبوس.
стр. 12288
وأقدموا على شرب كأس الحمام، خوفا أن يكفرهم التكفور؛ ويحرمهم خليفتهم الحاكم بها، كتبغا نميكوس «١» . وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، وفسح فى ميدان الضلالة آمالهم، فلما تراءت الفئنان، نكص على عقبية، وترك «٢» كلا منهما «٣» يعض من الندم يديه. وحين أمر مولانا السلطان، خلّد الله سلطانه، الجيوش المنصورة بالنزول عليها، والهجوم من خلفها ومن بين يديها، ذللت مواطىء جيادها صهوات تلك الجبال. وأحاطت بها من كل جانب إحاطة الهلال بالهلال. وسلكوا إليها تلك المخارم «٤» ، وقد تقدمهم «٥» الرعب هاديا وأقدموا على [قطع] «٦» تلك المسالك والمهالك، بالأموال والأنفس، ثقة بأنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا. فلم يكن بأسرع من أن طار إليهم الحمام، فى أجنحة السهام. وخضّبت «٧» الأحجار تلك الغاده العذراء «٨» للضرورة،
стр. 12289
وللضرورات أحكام. وأزالت «١» النقابة عنها نقاب احتشامها. ودبّت فى مفاصلها دبييب السقم فى عظامها، مع أنها مستقرة على الصخر الذى لا مجال فيه للحديد، ولكن الله أعز بالنصر سلطاننا فجاءت أسباب الفتح على ما يريد. وأقيمت المجانيق المنصورة أمامها فأيقنوا بالعذاب الأليم، وشاموا بروق الموت من عواصف أحجارها التى ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وساهموها صلاة الخوف، فلسهامهم الركوع، ولبروجهم السجود، ولقلعتهم التسليم. ولم تزل تشن عليهم غارة بعد غارة، وتسقيهم على الظمأ صوب «٢» أحجارها، وإن من الحجارة، وهى مع ذلك تظهر الجلد والجد، وتغضب غضب الأسير، على القد.
وتخفى ما تكابد من الألم، وتشكو بلسان الحال شكوى الجريح إلى العقبان والرخم، إلى أن جاءت «٣» من الأنجاد «٤» ما كانوا يأملون. وسطت مجانيقنا «٥» على مجانيقهم فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. وكلما سقطت أسوارها، وتهتكت بيد النقوب «٦» أستارها، وتوهم الناظر أنها هانت، رآها المباشر فى تلك الحالة
стр. 12290
أشد ما كانت، وثبتت على الرمى والارتماء، وعزّت «١» على من اتخذ نفقا فى الأرض أو سلّما فى السماء، واستغنت بمكان السور، وانفضت أحجارها على أسوار الحرب انقضاض النسور.
وكان الفتح المبارك فى صباح يوم السبت، حادى عشر رجب الفرد، سنة إحدى وتسعين وستمائة بالسيف عنوة. فشفت «٢» الصوارم من أرجاس الكفر العلل «٣» بقمع «٤» العدى وكبتها. وسطا خميس الأمة يوم السبت، على [أهل] «٥» يوم الأحد، فبارك الله لخميس الأمة فى سبتها.
فليأخذ [القاضى] «٦» من هذه البشرى، التى أصبح الدين بها عالى المنار، بادى الأنوار. ضارب مضارب دعوته على الأقطار، ذاكرا بموالاة «٧» القتوح أيام الصدر الأول من المهاجرين والأنصار. وليشعها على رءوس الإشهاد
следующие страницы →