← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

وكانت هذه القلعة المذكورة للثغور الإسلامية بمنزلة الشجى فى الحلق «١» ، والغلة فى الصدر، والخسوف الطارئ على طلعة البدر. لا تخلو من غل تضمره، فى لين تظهره، وغدر تستره، فى عذر تورده وتصدره. وقد سكن أهلها إلى مخادعة الجار، وموادعة التتار، وممالاتهم على الإسلام بالنفس والمال، ومساواتهم لهم حتى فى الزى والحال. يمدونهم بالهدايا والألطاف، ويدلونهم على عورات الأطراف. وهم يتقون بمسالمة الأيام، ويدعون أن قلعتهم لم تزل من الحوادث فى زمام، ويغترون بها. ولولا السطوات الشريفة، لحق بمثلها أن يغتر. ويسكنون إلى حصانتها كلما أو مض فى حلك «٢» السحب برق ثغرها المفتر. وهو حصن صاعد منحدر، بارزه مستدير، لا يطأ إليه السالك إلا على المحاجر، ولا تنظره العيون حتى تبلغ «٣» القلوب الحناجر، كأنه فى ضمائر الجبال حب يقتل وهو كامن، ويجرف الظاهر وهو باطن. قد أرخت عليه الجبال الشواهق ذوائبها، ومدت عليه الغمائم أطنابها ومضاربها. وقد تنافست فيه الرواسى الرواسخ فأخفاه بعضها عن بعض وتقاسمته العناصر فهو للنكاية والرفعة والثبات ومجاورة الفرات مشترك بين النار والهواء والماء والأرض. وقد امتدت الفرات من شرقيها كالسيف فى كف طالب ثأر، واكتنفها من جهة الغرب نهر آخر استدار نحوها كالسور وانعطف معها كالسوار. وفى قنة «٤» قلتها جبل يرد الطرف وهو كليل،

стр. 12287

ويصل «١» النظر إلى تخيل «٢» هضابه فلا يهتدى إلى تصورها بغير دليل، وكذلك من شرقها وغربها، فلا تنظرها الشمس وقت الشروق «٣» ، ولا يشاهدها [القمر] وقت الأصيل. وحولها من الأودية خنادق لا يعرف فيها الهلال إلا بوصفه، ولا الشهر إلا بنصفه. وأما الطريق إليها فيزل «٤» الذرّ عن متنها. ويكل طرف الطرف عن سلوك سهلها فضلا عن حزنها. «٥» وبها من الأرمن عصب جمعهم التكفور «٦» ، ومن التتار فرق زيادتهم للتغوير «٧» ، قد بذلوا دونها النفوس، وتدرعوا للذب عنها لبوس.

стр. 12288

وأقدموا على شرب كأس الحمام، خوفا أن يكفرهم التكفور؛ ويحرمهم خليفتهم الحاكم بها، كتبغا نميكوس «١» . وإذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، وفسح فى ميدان الضلالة آمالهم، فلما تراءت الفئنان، نكص على عقبية، وترك «٢» كلا منهما «٣» يعض من الندم يديه. وحين أمر مولانا السلطان، خلّد الله سلطانه، الجيوش المنصورة بالنزول عليها، والهجوم من خلفها ومن بين يديها، ذللت مواطىء جيادها صهوات تلك الجبال. وأحاطت بها من كل جانب إحاطة الهلال بالهلال. وسلكوا إليها تلك المخارم «٤» ، وقد تقدمهم «٥» الرعب هاديا وأقدموا على [قطع] «٦» تلك المسالك والمهالك، بالأموال والأنفس، ثقة بأنهم لا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة، ولا يقطعون واديا. فلم يكن بأسرع من أن طار إليهم الحمام، فى أجنحة السهام. وخضّبت «٧» الأحجار تلك الغاده العذراء «٨» للضرورة،

стр. 12289

وللضرورات أحكام. وأزالت «١» النقابة عنها نقاب احتشامها. ودبّت فى مفاصلها دبييب السقم فى عظامها، مع أنها مستقرة على الصخر الذى لا مجال فيه للحديد، ولكن الله أعز بالنصر سلطاننا فجاءت أسباب الفتح على ما يريد. وأقيمت المجانيق المنصورة أمامها فأيقنوا بالعذاب الأليم، وشاموا بروق الموت من عواصف أحجارها التى ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم. وساهموها صلاة الخوف، فلسهامهم الركوع، ولبروجهم السجود، ولقلعتهم التسليم. ولم تزل تشن عليهم غارة بعد غارة، وتسقيهم على الظمأ صوب «٢» أحجارها، وإن من الحجارة، وهى مع ذلك تظهر الجلد والجد، وتغضب غضب الأسير، على القد. وتخفى ما تكابد من الألم، وتشكو بلسان الحال شكوى الجريح إلى العقبان والرخم، إلى أن جاءت «٣» من الأنجاد «٤» ما كانوا يأملون. وسطت مجانيقنا «٥» على مجانيقهم فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون. وكلما سقطت أسوارها، وتهتكت بيد النقوب «٦» أستارها، وتوهم الناظر أنها هانت، رآها المباشر فى تلك الحالة

стр. 12290

أشد ما كانت، وثبتت على الرمى والارتماء، وعزّت «١» على من اتخذ نفقا فى الأرض أو سلّما فى السماء، واستغنت بمكان السور، وانفضت أحجارها على أسوار الحرب انقضاض النسور. وكان الفتح المبارك فى صباح يوم السبت، حادى عشر رجب الفرد، سنة إحدى وتسعين وستمائة بالسيف عنوة. فشفت «٢» الصوارم من أرجاس الكفر العلل «٣» بقمع «٤» العدى وكبتها. وسطا خميس الأمة يوم السبت، على [أهل] «٥» يوم الأحد، فبارك الله لخميس الأمة فى سبتها. فليأخذ [القاضى] «٦» من هذه البشرى، التى أصبح الدين بها عالى المنار، بادى الأنوار. ضارب مضارب دعوته على الأقطار، ذاكرا بموالاة «٧» القتوح أيام الصدر الأول من المهاجرين والأنصار. وليشعها على رءوس الإشهاد

стр. 12291

ويجعلها فى صحف الفتوح السالفة بمنزلة المعنى فى القرينة والمثل فى الاستشهاد. ويمدّ الجيش بهمته التى ترهف الهمم، وأدعيته التى تساعد الساعد وتؤيد اليد وتقدم القدم. ويشارك بذلك فى الجهاد حتى يكون فى نكاية الأعداء على البعد كسهم أصاب ورامية بذى سلم. ويستقبل من البشائر بعدها ما تكون له هذه بمنزلة العنوان فى الكتاب، والأحاد فى الحساب، وركعة النافلة بالنسبة إلى الخمس، والفجر الأول قبل طلوع طلعة الشمس. والله تعالى يجعل شهاب فضله لامعا، ونور علمه فى الأفاق ساطعا، ويتحفه من مفرقات «١» التهانى بكل ما يغدو «٢» لشمل المسرات جامعا، إن شاء الله تعالى. كتب فى يوم الفتح المذكور «٣» . وكتب غير ذلك من كتب البشائر، اقتصرنا منها على ما أوردناه «٤» . ثم رحل السلطان من قلعة الروم إلى حلب، فأقام بها بقية شهر رجب، ونصف شعبان. وعزل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى عن نيابتها. ورتب بها الأمير سيف الدين بلبان الطباخى المنصورى. وجعل الأمير عز الدين أيبك الموصل شاد الدواوين.

стр. 12292

وقيل إنه ولاه قلعة الروم «١» وما جمع إليها، فامتنع من قبول هذه الولاية. فغضب السلطان وأمر بالقبض عليه، وفوض ذلك إلى الأمير جمال الدين أقش الفارسى فبقى بها أياما وتوفى، فأعاد السلطان الأمير عز الدين الموصلى. ورحل السلطان عن حلب إلى دمشق، فكان وصوله إليها، فى يوم الثلاثاء العشرين من شعبان فأقام بها بقية شعبان وشهر رمضان وبعض شوال. وفيها، حصل لجمال العسكر مرض، سلّت منه حتى جانت الوطاقات منها. ولم يجد الأمراء من الجمال ما يحملون عليه أثقالهم، فحملوها على البغال والأكاديش. ذكر توجه الأمير بدر الدين بيدرا وبعض العساكر إلى جبال الكسروان واضطراب العسكر وفى هذه السنة، فى شعبان توجه الأمير بدر الدين بيدرا بمعظم العساكر المصرية، وصحبته من الأمراء الأكابر، الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، والأمير بدر الدين بكتوت الأتابكى، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى وغيرهم، وقصد جبال الكسروان. وأتاهم من جهة الساحل، الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا؛ والأمير عز الدين أيبك الحموى وغيرهما. والتقوا بالجبل» وحضر [إلى] «٢» الأمير بدر الدين بيدرا من أثنى «٣» عزمه. وكسر حدته. فحصل الفتور فى أمرهم، حتى تمكنوا من بعض

стр. 12293

العسكر، فى تلك الأوعار، ومضايق الجبال، فنالوا منهم. وعاد العسكر شبه المنهزم، وطمع أهل تلك الجبال، فاضطر الأمير بدر الدين إلى إطابة قلوبهم والإحسان إليهم. وخلع على جماعة من أكابرهم، فاشتطوا فى الطلب، فأجابهم إلى ما التمسوه، من الإفراج عن جماعة منهم، كانوا قد اعتقلوا بدمشق، لذنوب وجرائم صدرت منهم. وحصل للكسروان من القتل والنهب والظفر، ما لم يكن فى حسابهم. وحصل للأمراء والعسكر من الألم لذلك، ما أوجب تصريح بعضهم بسوء تدبير الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، ونسبوه إلى أنه إنما أهمل أمرهم، وفتر عن قتالهم، حتى تمكنوا مما تمكنوا منه لطمعه، وأنه تبرطل منهم وأخذ جملة كثيرة، ولهج الناس بذلك. وتوجه الأمير بدر الدين بيدرا بالعساكر إلى دمشق. فتلقاه الملك الأشرف، وأقبل عليه وترجل لترجله عند السلام [عليه] «١» . فلما خلا به، أنكر عليه سوء اعتماده وتفريطه فى العسكر، فمرض لذلك، حتى أشاع «٢» الناس أنه سقى. ثم عوفى فى العشر الأوسط من شهر رمضان، فتصدق السلطان بجملة كثيرة، شكرا لله تعالى على عافيته، وأطلق جماعة كثيرة ممن كان فى السجون. وتصدق هو أيضا بجملة، ونزل عن كثير مما كان قد اغتصبه من أملاك الناس، بالإيجار «٣» الذى هو على غير الوجه الشرعى. وجمع العلماء والقضاة والقراء والمشايخ، فى العاشر من شهر رمضان، بالجامع بدمشق لقراءة ختمة. وأشعل «٤» الجامع فى هذه الليلة، كما

стр. 12294

يشعل «١» فى نصف شعبان. ذكر هرب الأمير حسام الدين لاجين والقبض عليه واعتقاله، والقبض على طقصوا «٢» وفى هذه السنة، فى ليلة عيد الفطر، هرب الأمير حسام الدين لاجين من داره بدمشق. فنودى عليه، من أحضره فله ألف دينار، ومن أخفاه شنق. وركب السلطان فى خاصكيته وجماعة من الأمراء. وترك سماط العيد، وساق فى طلبه، وعاد بعد العصر، ولم يظفر به. «٣» واتفق أنه التجأ إلى طائعة من العرب كان يثق بصحبتهم. فقبضوا عليه وجىء به إلى السلطان فاعتقله. وقبض أيضا على الأمير ركن الدين بيبرس طقصوا، وجهز إلى قلعة الجبل. وكان السبب فى القبض على طقصوا، أنه كان قد تكلم على الأمير بدر الدين بيدرا. وقال إنه ارتشى من الكسروان. فوجد بيدرا عليه، وأسرها فى نفسه، وتربص به الدوائر. فلما قبض على الأمير حسام الدين لاجين، خاطب بيدرا السلطان فى القبض على طقصوا، لأن لاجين كان قد تزوج ابنته، فقبض عليه. ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام والفتوحات وعود السلطان إلى الديار المصرية وفى هذه السنة، فوض السلطان نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير عز الدين أيبك

стр. 12295

الحموى الظاهرى، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الشجاعى. وفوّض نيابة السلطنة بالفتوحات «١» للأمير سيف الدين طغريل الإيغانى «٢» ، عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان الطباخى، بحكم انتقاله إلى نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية كما تقدم «٣» . ثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل. وكان رحيله من دمشق، فى الثلث الآخر من ليلة الثلاثاء عاشر شوال. وكان قد رسم لأهل الأسواق بدمشق أن يخرج كل واحد منهم، وبيده شمعة يوقدها، عند ركوب السلطان، فخرجوا بأجمعهم. ورتبوا من باب النصر [أحد أبواب دمشق] «٤» ، إلى مسجد القدم. ولما ركب السلطان، اشتعلت تلك الشموع، وساق وهى كذلك إلى نهاية ذلك الجمع. وكان وصول السلطان إلى قلعة الجبل، فى يوم الأربعاء ثانى ذى القعدة. ذكر عدة حوادث كانت فى خلال فتح قلعة الروم وقبله وبعده فى هذه السنة، فى أو آخر شهر ربيع الآخر، ورد البريد من الرحبة إلى دمشق، يخبر أن طائفة من التتار، أغادوا على ظاهر الرحبة، واستاقوا مواشى كثيرة. فجرد نائب السلطنة إليها جماعة من عسكر دمشق، فى ثامن عشرين الشهر «٥»

стр. 12296

وفيها، فى العشر الأوسط من جمادى الأولى، تزوج الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، بابنة الصاحب شمس الدين بن السلعوس، على صداق مبلغه ألف دينار وخمسمائة دينار عينا، عجّل من ذلك خمسمائة دينار. وفيها، بعد أن توجه السلطان إلى قلعة الروم بأيام يسيرة، تسوّر عبد أسود إلى أسطحة أدر الحرم السلطانية بقلعة دمشق. فأمسك وقررّ، فذكر أن أحد المؤذنين بجامع القلعة نصب له سلّما، وأصعده إلى هناك. فطولع السلطان بذلك، فورد المرسوم بقطع أطرافهما وتسميرهما، ففعل ذلك بهما «١» . وفيها، فى شعبان طلّق الملك المظفر، صاحب حماه، زوجته، وهى ابنة خاله الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ابن الملك العزيز محمد، ابن الملك الظاهر غازى، ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، فعاب الناس عليه ذلك، واستقبحوه [منه] «٢» . وتوجهت هى من حماه إلى الديار المصرية، فتوفيت بعد وصولها إليها بعشرين يوما. وفيها، بعد أن توجه السلطان من دمشق إلى الديار المصرية، استعفى القاضى محيى الدين بن النحاس، من مباشرة نظر الدواوين بالشام، فأعفى من ذلك. ورتب فى نظر الخزانة عوضا عن أمين الدين بن هلال. ورتب فى نظر الدواوين جمال الدين إبراهيم بن صصرى. وفيها، أفرج السلطان عن الأمير علم الدين سنجر الدوادارى، بعد عوده من قلعة الروم، وأمر بإحضاره من الديار المصرية إلى دمشق، فأحضر. فخلع عليه السلطان، واستصحبه معه إلى الديار المصرية وأمرّه.

стр. 12297

وفيها، رتب السلطان الأمير شمس الدين قراسنقر الجوكندار المنصورى، فى تقدمة المماليك السلطانية «١» . ذكر القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر وجرمك الناصرى ووفاتهما، ووفاة طقصوا والإفراح عن الأمير حسام الدين لاجين وفى هذه السنة، لما عاد السلطان إلى الديار المصرية، قبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، والأمير سيف الدين جرمك الناصرى. وأمر باعدامهما، وإعدام طقصوا ولاجين. فكان الذى تولى خلق لاجين، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، فتلطف به، وانتظر أن تقع به شفاعه. فشفع فيه الأمير بدر الدين بيدرا، فأمر السلطان بالإفراج عنه، وهو يظن أنه قدمات «٢» . فسلّمه الله تعالى، لما كان له فى طى الغيب ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى «٣» . وقيل إن السلطان قبض على سنقر الأشقر من دمشق. وفيها، فى منتصف شهر رمضان، توفى القاضى فتح الدين محمد ابن القاضى محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، صاحب ديوان الإنشاء. وكانت وفاته بدمشق، ودفن بسفح قاسيون. ومولده فى أحد الربيعين «٤» ، سنة ثمان وثلاثين وستمائة. وكان قد تمكّن فى الدولة المنصورية، والدولة

стр. 12298

الأشرفية تمكنا كثيرا، وتقدم على أبيه وغيره. ولما اعتلّ، ﵀، كتب إلى أبيه: إن شئت تنظرنى وتنظر حالتى ... قابل إذا هب النسيم قبولا لتراه مثلى رقة ولطافة «١» ... ولأجل قلبك لا أقول عليلا وهو الرسول إليك منى ليتنى ... كنت اتخذت مع الرسول سبيلا ولما مات، أجرى السلطان الملك الأشرف جامكيته وجرايته وراتبه، على ولده القاضى، علاء «٢» الدين على، واستقر فى جملة كتاب الإنشاء. وولىّ صحابة ديوان الإنشاء، بعد وفاة القاضى فتح الدين، القاضى تاج الدين أبو الظاهر أحمد ابن القاضى شرف الدين أبى البركات سعيد بن اشمس لدين أبى جعفر محمد ابن الأثير الحلبى التنوخى، فلم يلبث إلا شهرا أو قريبا من شهر، وتوفى إلى رحمة الله تعالى. وكانت وفاته، يوم الخميس تاسع عشر شوال من هذه السنة، بظاهر غزة، ودفن هناك رحمه الله تعالى. وولى بعده صحابة ديوان الإنشاء، ولده القاضى عماد الدين إسماعيل، واستمر إلى آخر سنة اثنتين وتسعين وستمائة «٣» وفيها، فى يوم السبت العشرين من شوال، توفى الأمير سابق الدين الميدانى بدمشق، ودفن بقاسيون رحمه الله تعالى.

стр. 12299

واستهلت سنة اثنتين وتسعين وستمائة [٦٩٢- ١٢٩٢/١٢٩٣] فى هذه السنة، فى أولها فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والحصون، إلى الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، عوضا عن الأمير سيف الدين طغربل الإيغانى «١» ، بحكم استعفائه من النيابة، وسؤاله. فوصل إلى دمشق فى سابع عشرين المحرم، وصحبته خمسة أمراء بطبلخاة، وتوجه إلى جهته. وفيها، فى صفر، حصل ببلاد غزة والرملة ولد «٢» والكرك «٣» ، زلزلة عظيمة، كان معظمها بالكرك، فإنها هدمت ثلاثة أبراج من قلعتها. فندب الأمير علاء الدين أيدغدى الشجاعى من دمشق، وصحبته الصناع لعمارة ما انهدم بالكرك. وفيها، أمر السلطان بالقبض على الأمير عز الدين أزدمر العلائى، أحد الأمراء بدمشق: فقبض عليه، وجهز إلى الأبواب السلطانية فى غرة شهر ربيع الأول «٤»

стр. 12300

ذكر توجه السلطان إلى الصعيد وفى هذه السنة، توجه السلطان إلى جهة الصعيد للصيد، واستصحب معه الصاحب شمس الدين [بن السلعوس] «١» ، وترك الأمير بدر الدين بيدرا بقلعة الجبل. وانتهى السلطان إلى مدينة قوص، وتصيد بها. وأمر الحجاب والنقباء أن ينادوا «٢» فى العسكران يتجهزوا لغزو اليمن. ثم عاد السلطان إلى قلعة الجبل. ولما كشف الصاحب شمس الدين [بن السلعوس] «٣» الوجه القبلى فى هذه السفرة، وجدت الجهات الجارية فى ديوان الأمير بدر الدين بيدرا من الافطاعات والمشتروات «٤» والحمايات «٥» ، أكثر مما هو جار فى الخاص السلطانى. ووجد الشون «٦» السلطانية «٧» بنواحى الوجه القبلى، خالية من الغلال والحواصل، وشون الأمير بدر الدين بيدرا مملوءة. فأنهى ذلك إلى السلطان وأطلعه عليه، فتغير السلطان على بيدرا. واتصل هذا الخبربه، فقصد تلافيه. وجهز للسلطان تقدمة عظيمة، كان من جملتها، خيمة أطلس معدنى أحمر، بأطناب ابريسم «٨»

стр. 12301

بأعمدة صندل، محلاة ومفصلة «١» بالفضة المذهبة، وبسطها «٢» ببسط الحرير، وما يناسب هذه الخيمة من التقادم. وضرب هذه الخيمة بالعدوية «٣» ، فنزل السلطان بها ساعة من نهار، وما أظهر البشاشة للتقدمة «٤» ، ولا استحسنها مع عظمها. ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل، وارتجع بعض جهات بيدرا للخاص [السلطانى] «٥» ذكر توجه السلطان إلى الشام وأخذ بهسنا من الأرمن، وإضافتها الى الممالك الإسلامية وفى هذه السنة، بعد عود السلطان من جهة الصعيد، تجهز بعساكره إلى إلى الشام. وأمر الأمير بدر الدين بيدرا، أن يتوجه بالعساكر إلى دمشق على الطريق الجادة «٦» . وتوجه الصاحب بالخزانة إليها، وركب السلطان على الهجن، وفى خدمته جماعة من الأمراء والخاصكية. وتوجه إلى الكرك وشاهد حصنها ورتب أموالها، وتوجه منها إلى دمشق. فكان وصوله إليها، فى تاسع جمادى الآخرة. ووصل نائب السلطنة والصاحب قبله بثلاثة أيام. ولما حلّ ركابه بدمشق، أمر بتجهيز العساكر إلى بلاد سيس، فوصل رسل صاحب سيس، يسألون مراحم السلطان وعواطفه، ويبذلون له الرغائب.

стр. 12302

فاتفق الحال على أن يسلموا لنواب السلطان بهسنا ومرعش وتل حمدون. فأعاد السلطان رسله، وصحبتهم الأمير سيف الدين طوغان والى بر دمشق، فتسلمها وبلادها. ووصل البريد بذلك فى العشر الأول من شهر رجب. ودقت البشائر لذلك. ورتب السلطان فى نيابة السلطنة ببهسنا «١» ، الأمير بدر الدين بكتاش المنصورى، وعين لها قاضيا خطيبا. واستخدم بها رجالا وحفظة. ثم وصل الأمير سيف الدين طوغان، وصحبته رسل سيس، بالحمل والتقادم. وكان وصولهم إلى دمشق، فى ثامن عشرين شهر رجب بعد عود السلطان، فتوجهوا إلى الديار المصرية. وهذه بهسنا من أعظم القلاع وأحصنها، ولها ضياع كثيرة. وهى فى فم الدربند «٢» ، وكانت بيد ملوك الإسلام بحلب، إلى أن ملك هولاكو حلب. وكان النائب بها من جهة الملك الناصر، الأمير سيف الدين العقرب، فأباعها لصاحب سيس، بمائة ألف درهم، أعطاه منها ستين ألف درهم، وتسلمها الأرمن [أهل سيس] «٣» ، وبقيت فى أيديهم إلى الآن «٤» . ذكر القبض على الأمير حسام الدين مهنا ابن عيسى وأخوته وفى هذه السنة، فى ثانى «٥» من شهر رجب، توجه السلطان من دمشق إلى

стр. 12303

حمص، بجماعة من العساكر، وأعاد ضعفة العساكر إلى الديار المصرية. ثم توجه السلطان من حمص إلى سلمية، فى ضيافة الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى. فلما قدّم للسلطان ضيافته، أمر بالقبض عليه، وعلى إخوته فقبض عليهم «١» ، وهو على الطعام، وجهّزه تحت الاحتياط، صحبة الأمير حسام الدين لاجين، فوصل به إلى دمشق، فى يوم الأحد سابع شهر رجب. ووصل السلطان إلى دمشق، فى بقية النهار. وجعل السلطان إمرة العرب، بعد القبض على مهنا، لابن عمه الأمير محمد بن أبى بكر على بن حذيفة «٢» . ثم أمر السلطان الأمير بدر الدين بيدرا نائب السلطنة، أن يتوجه بالعساكر إلى الديار المصرية، هو والصاحب شمس الدين والخزانة، كما حضرا [من حمص] «٣» . فتوجها من دمشق فى يوم الخميس حادى عشرة شهر رجب. وتوجه السلطان بعدهما، ببعض الأمراء والخاصكية. وركب من دمشق فى الساعة السابعة من يوم السبت ثالث عشر الشهر. وأراد بذلك الانفراد بنفسه وخواصه، والأنفراد بهم «٤» فى الصيد، وأن لا يشتغل بالعساكر. ووصل إلى غزة، فى بكرة يوم الأربعاء سابع عشر الشهر. ووصل إلى القاهرة فى الثامن والعشرين من شهر رجب «٥» . ذكر هدم قلعة الشوبك وفى هذه السنة، فى شهر رجب، أمر السلطان الأمير عز الدين أيبك

стр. 12304

الأفرم، أمير جاندار أن يتوجه إلى قلعة الشوبك ويهدمها، وذلك عند توجه السلطان من دمشق إلى حمص. فراجعه فى ذلك، وبيّن له فساد هذا الرأى، فانتهره، فتوجه إليها وهدمها، وأبقى القلة. وكان هدمها من الخطأ، وسوء التدبير، فإن الفلاع والحصون معاقل الإسلام، وذخائر المسلمين، وإليها يلجأون فى أوقات الشدائد والحصارات، ومنازلة الأعداء، وهو أمر لا يؤمن «١» . [وبعد عود السلطان إلى الديار المصرية] «٢» ، رسم السلطان للأمير سيف الدين طوغان، أن يتوجه إلى نيابة السلطنة، بقلعة المسلمين «٣» ، عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى. وولى الأمير سيف الدين استدمر «٤» كرجى بر «٥» دمشق، عوضا عن طوغان. ذكر حادثة السيل ببعلبك وفى هذه السنة، فى رجب، وصل كتاب النائب ببعلبك، يخبر أنه وقع على مدينة بعلبك، أمطار وثلوج كثيرة جدا، وأن المطر كان ينزل [وكانه] «٦» قد جبل بطين، وأن السيل وصل إلى باب بعلبك، المسمى بباب دمشق،

стр. 12305

وعلا حتى وصل إلى شرفات السور. ثم انحدر بعد ذلك، واقتلع كروما كثيرة، ونقل أحجارا وصخورا، وطم أكثر الطرقات، وأنه أحصى ما أفسد ببعلبك، وكانت قيمته تزيد على مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار. وفيها، أمر السلطان، بالقبض على الأمير عز الدين أيبك الأفرم، أمير جاندار، فقبض عليه فى شوال، ووقعت الحوطة على موجوده وحواصله بالديار المصرية والشام. ذكر ختان الملك الناصر، وما حصل من الأهتمام بذلك وفى هذه السنة، أمر السلطان بالأهتمام، لختان أخيه الملك الناصر، ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور، وأن ينصب القبق «١» تحت قلعة الجبل مما يلى باب النصر. فنصب فى العشرين من ذى الحجة، ورماه الأمراء والأكابر ومن له ولمثله عادة بذلك. وفرّق السلطان الأموال على من أصابه. وكان ممن

стр. 12306

أصابه الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى. فرماه ما لم يرمه «١» غيره قبله. وذلك أنه كان قد اقترح سرجا وطىء الرادفة «٢» جدا. فلما رآه السلطان، قال له قد كبرت يا أمير بدر الدين، فاقترحت هذا السرج. ليسهل عليك الركوب. فقال: إن كان المملوك قد كبر، فقد رزقت ستة أولاد، وهم فى خدمة السلطان ولم أكن أفترح «٣» هذا السرج إلا لأجل القبق، ثم ساق الأمير بدر الدين نحو صارى القبق. والعادة جارية أن الرامى لا يرميه إلا إذا صار بجانب الصارى، فساق إلى أن تعدى الصارى، فما شك الناس أنه فاته الرمى. ثم استلقى على ظهر فرسه، حتى صار رأسه على كفل الفرس، فرماه وهو كذلك، بعد أن تعداه، فأصاب القرعة وكسرها. فصرخ الناس لذلك واستعظموه. وظهرت للسلطان فائدة السرج، فأمر أن ينعم عليه بما بقى فى ذلك الوقت، من المال المرصد للإنعام فأعطيه، وكان خمسة وثلاثين ألف درهم. وخلع عليه، وعظم فى صدور الناس، زيادة عما عندهم من تعظيمه. وعلموا عجزهم عن الإتيان بما أتى به، وفعل ما فعله «٤» ثم كان الختان المبارك، فى يوم الاثنين، الثانى والعشرين من ذى الحجة. ونثر الأمراء الذهب الكثير فى الطشوت حتى امتلأت «٥» .

стр. 12307

وفيها، فى ليلة الثلاثاء حادى عشر صفر، توفى الأمير الصالح شمس الدين أبو البيان، نبا ابن الأمير نور الدين أبى الحسن على ابن الأمير شجاع الدين هاشم ابن حسن بن حسين، أمير جاندار المعروف بابن المحفدار «١» ، بداره بالروضة، قبالة مصر، بعد أن صلى العشاء الآخرة، بسورة «٢» (هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) فلما فرغ من الصلاة، سجد سجدة، فمات فى سجدته، وكانت عادته أن بسجد عقيب صلاته، ويدعو الله فى سجوده. ودفن من الغد فى القرافة بتربته، بقرب تربة الإمام الشافعى. وكان رحمه لله تعالى، دينا حسن السيرة والوساطة، احتوى «٣» على أوصاف جميلة، يثق الملوك به ويعلمون خيره، وديانته، رحمه الله تعالى. وفيها، فى ليلة الأربعاء، ثانى عشر جمادى الآخرة، توفى الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه، ابن الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى بن مروان، ببستانه المعروف ببستان سامه «٤» ، بالسهم، ظاهر دمشق. وصلى عليه ظهر يوم الأربعاء بالجامع المظفرى، ودفن بتربته بسفح قاسيون، رحمه الله تعالى «٥» . ذكر وفاته «٦» الشيخ شمس الدين الجزرى «٧»

стр. 12308

وفيها، توفى القاضى محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر، كانت وفاته بالقاهرة فى يوم الأربعاء ثالث رجب الفرد، ودفن بالقرافة، رحمه الله تعالى. وفضائلة وشهرته بالرئاسة والآداب «١» ، تغنى عن شرح، وقد قدمنا من كلامه فى كتابنا هذا، ما يقف عليه فى مواضعه، وله شعر رقيق. فمن شعره قوله: ما غبت عنك لجفوة وملال ... يوما ولا خطر السلّو ببالى يا مانعى طيب المنام وما نحى ... ثوب السقام وتاركى كالال عن من أخذت جواز منعى ريقك ال ... عسول يا ذا المعطف العسال عن ثغرك النظام «٢» أم عن شعرك ال ... - فحام أم عن جفنك الغزالّى فأجابنى أنا مالك شرع الهوى ... والحسن أضحى شافعى وجمالى وشقائق النعمان أينغ نبتها ... فى وجنتى وحماه رشق نبالى والصبر أحمد للمحبّ إذا ابتلا ... هـ الحب فى شرع الهوى بسؤال وعلى أسارى الحبّ فى حكم الهوى ... بين الأنام عرفت بالقفّال «٣» وتفقّه العشاق فّى فكّل من ... نقل «٤» الصحيح أجزته «٥» بوصالى «٦»

стр. 12309

وفيها، فى يوم الحميس، سابع عشر شعبان، كانت وفاة قاضى القضاة معز «١» الدين النعمان بن الحسن بن يوسف، قاضى الحنفية بالديار المصرية، ودفن يوم الجمعة بالقرافة. وولى قضاء الحنفية بعده، قاضى القضاة شمس الدين أحمد السروجى الحنفى. وفيها، كانت وفاة الملك الأفضل نور الدين على ابن الملك المظفر محمود، وهو عم الملك المظفر ابن الملك المنصور صاحب حماه. وقد تقدم ذكر نسبه فى مواضع من كتابنا هذا «٢» . وتوفى بدمشق فى يوم الاثنين، مستهل ذى الحجة. وصلّى عليه بجامعها، فى الثالثة من النهار، ونقل لوقته إلى حماه، فدفن بها، ﵀. وهو والد الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماه فى وقتنا هذا «٣» . وفيها، كانت وفاة الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف، ابن الملك المسعود صلاح الدين أقسيس «٤» ، ابن الملك الكامل ناصر الدين محمد، ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب؛ قبل العصر من يوم الخميس، خامس شهر رجب من السنة. ومولده بالكرك، بعد العشاء الآخرة، من ليلة الأربعاء سادس عشر شوال، سنة تسع وخمسين وستمائة، رحمه الله تعالى.

стр. 12310

واستهلت سنة ثلاث وتسعين وستمائة [٦٩٣- ١٢٩٣/١٢٩٤] ذكر مقتل السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمهما الله تعالى كان مقتله ﵀، فى يوم السبت ثانى عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وستمائة. وذلك أنه توجه إلى الصيد بجهة البحيرة. وركب من قلعة الجبل فى ثالث المحرم، وعزم على قصد الحمامات الغربية. وتوجه الصاحب شمس الدين [ابن السلعوس] «١» إلى ثغر الإسكندرية، لتحصيل الأموال، وتجهيز تعابى «٢» الأقمشة. فوجد نواب الأمير بدر الدين بيدرا بالثغر قد استولوا على المتاجر والاستعمالات «٣» وغير ذلك. فكاتب السلطان بذلك، وعرفه أنه لم يجد بالثغر

стр. 12311

ما يكفى الإطلاقات «١» ، على جارى العادة. فغضب السلطان لذلك غضبا شديدا، واستدعى بيدرا بحضور الأمراء، وأغلظ له فى القول، وشتمه وتوعده. فتلطف بيدرا فى الجواب حتى خرج من بين يدى السلطان، وجمع أعيان الأمراء من خوشداشيته، وهم الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان وغيرهما. فاتفقوا على الوثوب به. وكان السلطان قد أعطى الأمراء الأكابر دستورا، أن يتوجهوا إلى إقطاعاتهم، وانفرد هو بخاصكيته. وفى أثناء ذلك، ركب السلطان فى نفر يسير من مماليكه للصيد بقرب الدهليز، بمنزلة تروجة «٢» . فانتهز بيدرا الفرصة، وركب وصحبته لاجين وقراسنقر وبهادر، رأس نوبة، وأقسنقر الحسامى، وتوغيره «٣» ، ومحمد خواجا، وطرنطاى الساقى، والطنبغا، رأس نوبة، ومن انضم إليهم. وتوجهوا نحو السلطان، وكان بينهم وبينه مخاضة، فخاضوها وقدموا عليه. فقيل إن بيدرا ضربه بالسيف، فالتقاه بيده، فلم يعمل عملا طائلا. فسبّه لاجين، وضربه بالسيف ضربة هدلت كتفه، وأخذته السيوف حتى قتل، فى التاريخ الذى ذكرناه.

стр. 12312

وحكى عن شهاب الدين أحمد بن الأشل، أمير شكار، فى كيفية مقتل السلطان. قال: لما رحل «١» الدهايز والعسكر، جاء الخبر إلى السلطان أن بنزوجة طيرا كثيرا، فساق، وأمرنى أن أسوق فى خدمته، فسقت معه. وقال لى: عجّل بنا، حتى نسبق الخاصكية. فسقنا فرأينا طيرا كثيرا، فصرع منه بالبندق. ثم التفت إلىّ، وقال لى: أنا جيعان، فهل معك ما آكل. فقلت: والله ما معى غير رغيف واحد وفروج فى صواقى «٢» ، ادخرته لنفسى. فقال: ناولنيه، فتاولته له، فأكله جميعه. ثم قال لى: امسك فرسى، حتى أنزل أبول. وكنت كثير البسط معه. فقلت: ما فيها حيلة، السلطان راكب حصان، وأنا راكب حجر «٣» ، وما يتفقان. فقال لى: انزل أنت، واركب خلفى حتى أنزل أنا. قال: فنزلت وناولته عنان فرسى، فامسكه. وركبت خلفه. ثم نزل وقعد على عجزه وبال، وبقى يعبث بذكره، ويمازحنى. ثم قام، وركب حصانه، ومسك فرسى حتى ركبت. فينما أنا وهو نتحدث، وإذا بغيار عظيم قد ثار نحونا. فقال لى السلطان: اكشف لى خبر هذا الغيار، ما هو. قال: فسقت وإذا أنا بالأمير بدر الدين بيدرا والأمراء معه. قسألتهم عن سبب مجيئهم. فلم يكلمونى ولا التفتوا إلىّ، وساقوا على حالهم، حتى قربوا من السلطان. فابتدره الأمير بدر الدين بيدرا، وضربه بالسيف. فقطع يده. ثم ضربه لاجين على كتفه فحله، وسقط إلى الأرض. وجاء بهادر، رأس نوبة، فوضع السيف

стр. 12313

فى دبره، [وأتكأ عليه] «١» حتى أطلعه من حلقه، واشترك من ذكرنا من الأمراء فى قتله «٢» . وهذه الحكاية تدل على أن السلطان، كان قد انفرد عن مماليكه، ولم يكن معه غير شهاب الدين أمير شكار، الحاكى. وبقى الملك الأشرف ملقى فى المكان، الذى قتل فيه يومين. ثم جاء [الأمير عز الدين ايدمر العجمى] «٣» متولى تروجة وأهلها إليه، وحملوه إليها فى تابوت. وغسلوه فى الحمام وكفنوه، وجعلوه فى تابوت، ووضعوه فى بيت المال، فى دار الولاية بنزوجة، إلى أن حضر من القاهرة الأمير سيف الدين كوجبا «٤» الناصرى. فنقله فى تابوته إلى تربته، التى أنشأها بظاهر القاهرة، بجوار مشهد السيدة نفيسة، ودفن بها فى سحر يوم الخميس «٥» الثانى والعشرين من صفر، من هذه السنة. وكانت مدة سلطنته، ثلاث سنين وشهرين وأربعة أيام. وكان رحمه الله تعالى، ملكا شجاعا كريما، خفيف الركاب، مظفرا فى حروبه. ولم يخلف ولدا ذكراه وإنما مات عن بنتين، وزوجته أردكين «٦» أمهما

стр. 12314

ابنة الأمير سيف الدين نوكيه. وورثه معهن «١» أخواه السلطان الملك الناصر، ودار مختار الجوهرى. ذكر خبر الأمير بدر الدين بيدرا ومن معه من الأمراء الذين وافقوه، وما كان منهم، ومقتل بيدرا . قال: «٢» ولما قتل السلطان الملك الأشرف، عاد الأمير بدر الدين بيدرا، ومن معه من الأمراء إلى الوطاق. فتقرر بينهم أن السلطنة تكون لبيدرا، ولقب الملك القاهر، وقيل «٣» الملك الأوحد. ثم ركبوا وقبضوا على الأمير بدر الدين بيسرى، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أمير جاندار، وقصدوا قتلهما. فشفع فيهما بعض الأمراء. وكان بالدهليز السلطانى من الأمراء: الأمير سيف الدين برلغى «٤» ، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وجماعة من المماليك السلطانية. فركبوا فى آثار بيدرا ومن معه. وكان الأمير زين الدين كتبغا المنصورى فى الصيد، فبلغه الخبر، فلحق بهم. وجدوا فى طلب بيدرا ومن معه «٥»

стр. 12315

فلحقوه على الطرابة «١» . فلما التقى الجمعان، أطلق بيدرا الأميرين «٢» اللذين «٣» كان قد قبض عليهما، ليكونا عونا له، فكانا عونا عليه. وتقدم الأمراء، وحملوا على بيدرا حملة منكرة، فاتهزم هو ومن معه، فأدركوه فقتل. وهرب لاجين وقراسنقر، قد خلا «٤» القاهرة واختفيا بها «٥» ، ثم ظهرا «٦» بعد ذلك، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وحكى الأمير سيف الدين أبو بكر بن الجمقدار «٧» ، نائب أمير جاندار. قال: ارسلنى السلطان أول النهار، إلى الأمير بدر الدين بيدرا، ان يتوجه فى تلك الساعة، بالعسكر، ويسوق تحت الصناجق، فأتيته فأخبرته بما أمر به السلطان، فنفر فى [وجهى] «٨» ، وقال

стр. 12316

السمع والطاعة. ثم قال: لم «١» يستعجلنى «٢» ؟. ورأيت فى وجهه أثر الغيظ والغضب، وما لم أعهده منه. ثم تركته، وتوجهت إلى الزرد خاناة وحملتها، وحملت ثقلى. وتوجهت أنا ورفيقى الأمير صارم الدين [الفخرى] «٣» والأمير ركن الدين [بيبرس] «٤» أمير جاندار. فبينما نحن سائرون «٥» عند الماء، إذ نحن بنجاب سائق، فأخبرنا بمقتل السلطان. فتحيرنا «٦» فى أمرنا، وإذا بالصناجق السلطانية قد لاحت وقربت. والأمير بدر الدين [بيدرا] «٧» تحتها، والأمراء محدقون به. فتقدمتا وسلمتا عليه. فقال له الأمير ركن الدين بيبرس، أمير جاندار، ياخوند، هذا الذى فعلته كان بمشورة الأمراء. فقال: نعم، أما قتلته بمشورتهم وحضورهم، وهاكلهم حاضرون. وكان من جملة من معه، الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير بدر الدين بيسرى، وأكثر الأمراء سائقون معه. ثم شرع يعدد مساوئ السلطان [الأشرف] «٨» ومخازيه، واستهتاره بالأمراء، ومماليك أبيه، وإهماله لأمور المسلمين، ووزارته ابن السلعوس. قال: ثم سألنا، هل رأيتم الأمير زين «٩» الدين كتبغا؟. قلنا: لا. فقال له بعض الأمراء:

стр. 12317

يا خوند، هل كان عنده علم من هذا الأمر الذى وقع؟ فقال: نعم، وهو أول من أشار به. فلما كان فى اليوم الثانى، إذا نحن بالأمير زين الدين كتبغا، قد جاء فى طلب كبير «١» ، فيه من المماليك السلطانية نحو ألفى فارس؛ وجماعة من العسكر والحلقة، والأمير حسام الدين أستاذ الدار؛ فالتقوه بالطرانة فى يوم الأحد أول النهار. ففوّق الأمير زين الدين كتبغا نحو بيدرا سهما، وقال له يا بيدرا، أين السلطان. ثم رماه به، ورمى جميع من معه. فقتل بيدرا، وتفرق جمعه. وكانت الإشارة أن أصحاب كتبغا، شدوا مناديلهم من رقابهم إلى تحت أباطهم، ليعرفوا من غيرهم. ثم حمل رأس بيدرا إلى القاهرة، وطيف به «٢» . هذا ما كان من خبر مقتل بيدرا. ولما قتل السلطان، كان الأمير علم الدين سنجر الشجاعى نائب السلطنة، بقلعة الجبل، فاحترز على المعادى، وأمر أهلها أن لا يعدّوا بأحد من الجند من بر الجيزة إلى ساحل مصر «٣» . ثم حضر الأمراء الذين قتلوا بيدرا، وهم الأمير زين الدين كتبغا، والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغى، والأمراء الخاصكية، وهم الأمير سيف الدين طغجى، والأمير عز الدين «٤» طقطاى، والأمير سيف الدين قطبية، وغيرهم من المماليك السلطانية. فراسلوا الأمير علم الدين [سنجر] «٥»

стр. 12318

الشجاعى فى طلب المعادى، فأرسلها إليهم، فعدّوا بجملتهم، وطلعوا إلى القلعة. واجتمعوا وانفقوا كلهم مع الأمير علم الدين سنجر الشجاعى، على أن تكون السلطنة، للسلطان ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور. فنصبوه فى السلطنة، وكان ما نذكره. ذكر أخبار السلطان الملك الناصر، ناصر الدين محمد، ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى. وهو التاسع من ملوك دولة الترك بالديار المصرية . وأمّه أشلون خاتون ابنة سكناى بن قراجين «١» بن جنكاى «٢» نوين، ملك الديار المصرية والممالك الشامية والساحلية والحلبية والفراتية، وغير ذلك مما هو مضاف إلى هذه الممالك من القلاع والحصون والثغور والأعمال. وجلس على تخت السلطنة بالديار المصرية، بقلعة الجبل، بعد مقتل أخيه، السلطان الملك الأشرف، صلاح الدين خليل، وذلك فى رابع عشر المحرم، سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وعمره يومذاك تسع سنين سواء، فإن مولده فى يوم السبت، خامس عشر المحرم، سنة أربع وثمانين وستمائة كما تقدم، وذلك باتفاق الأمراء المنصورية، ومن بقى من الأمراء الصالحية النجمية وغيرهم، وإجماعهم على سلطنته «٣»

стр. 12319

واستقر أن يكون الأمير زين الدين كتبغا المنصورى، نائب السلطنة الشريفة، والأمير علم الدين سنجر الشجاعى وزير الدولة ومدبّرها، والأمير ركن الدين بيبرس المنصورى الدوادار، وأعطى إمرة مائة فارس وتقدمة ألف، وجعل إليه أمر ديوان الإنشاء فى المكاتبات والأجوبة والبريد. وحصلت النفقة فى العساكر، واستحلفوا للسلطان «١» الملك الناصر، فحلفوا بأجمعهم. هذا ما كان بالديار المصرية ومقر السلطنة. وأما الشام، فإنه كتب عن السلطان الملك الأشرف كتاب إلى نائب السلطنة بدمشق، وجهز مع الأمير سيف الدين ساطلمش، وسيف الدين بهادر التتارى. فوصلا به إلى دمشق، فى يوم الجمعة رابع عشرين المحرم من هذه السنة. ومضمونه: أنا قد استنبنا أخانا «٢» ، الملك الناصر، ناصر الدين محمدا، وجعلناه ولى عهدنا، حتى إذا توجهنا إلى لقاء عدّو، يكون لنا من يخلفنا. ورسم فيه، أن يحلف الناس له، ويقرن اسمه باسم السلطان فى الحطبة. فجمع نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى الأمراء والمقدمين والقضاة والأعيان، وحلفوا على «٣» ذلك. وخطب له فى يوم الجمعة هذا بولاية العهد، بعد الملك الأشرف. وكان ذلك بتدبير الأمير علم الدين الشجاعى. واستمر الحال على ذلك، والخطبة للملك الأشرف، [ثم] «٤» من بعده لأخيه الملك الناصر، بولاية العهد، إلى حادى عشر

стр. 12320

شهر ربيع الأول فورد المثال السلطانى الناصرى بالخطبة له استقلالا بالسلطنة. فخطب له فى دمشق، فى يوم الجمعة، الحادى عشر، من الشهر المذكور. وورد البريد إلى الشام، بإيقاع الحوطة على موجود الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير بدر الدين بيدرا وغيرهم من الأمراء [أصحاب بيدرا] «١» فى اليوم الثامن من ورود المرسوم الأول بالخطبة للسلطان بولاية العهد، فوقعت الحوطة على موجودهم وحواصلهم. ذكر خبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك الأشرف لما استقر الحال فى سلطنة السلطان الملك الناصر، أمر بطلب الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل أخيه الملك الأشرف. فأول من وجد منهم، الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، والأمير جمال الدين آقش الموصلى الحاجب، فضربت رقبتاهما «٢» وأحرقت جثتاهما بالمجاير «٣» . ثم حصل الظفر بعد هما بسبعة من الأمراء وهم: طرنطاى الساقى، و [سيف الدين] «٤» الناق [الساقى] «٥» الحسامى [ويقال له عناق «٦» ] السلاح دار، و [سيف الدين «٧» ] اروس [الحسامى] «٨» السلاح دار،

стр. 12321

و [شمس الدين «١» ] أقسنقر الحسامى، و [علاء الدين «٢» ] الطنبغا الجمدار، [وناصر الدين «٣» ] محمد خواجا، فاعتقلوا بخزانة البنود «٤» . وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، يتوجه إليهم ويعاقبهم، ويقررهم على من باطنهم. واستمر ذلك إلى يوم الاثنين خامس صفر. ثم قطعت أيديهم وأرجلهم، وسمروا على الجمال، وطيف بهم، وأيديهم فى أعناقهم، وماتوا شرميتة. ثم وجدوا بعد قجقر الساقى، فشنق فى سوق الخيل. وأما الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، فإنهما هربا واختفيا. وكان من أمرهما، ما نذكره إن شاء الله تعالى. هذا ما كان من أمر هؤلاء. ذكر أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير وما كان من امره، منذ فارق السلطان الملك الأشرف إلى أن مات كان الصاحب شمس الدين المذكور، قد توجه إلى تغر الإسكندرية كما ذكرنا، وطالع السلطان فى حق الأمير بدر الدين بيدرا، بما أوجب هذه الفتنة العظيمة. ولما وصل الصاحب «٥» إلى الإسكندرية، ضيق على أهل الثغر، وشدّد

стр. 12322

عليهم الطلب. وعزم على مصادرة أعيانهم، وذوى الأموال منهم. وأمر بإيجاد مقارع لعقوبة أهل الثغر. فبقى الناس من ذلك فى شدة عظيمة، لا يرجون خلاصا إلا ببذل الأموال والأبشار؛ وأهان متولى الثغر. فبينما الناس على مثل ذلك، إذ وقعت يطاقه لمتولى الثغر، فى عشية النهار، تنضمن خبر مقتل السلطان. فكتمها المتولى عن الصاحب وغيره، وصبر إلى أن دخل الليل، وجاء إلى باب الصاحب، واستأذن عليه، فأذن له. فوقف بين يديه على عادته. فقال له الصاحب: ما الذى جاء بك فى هذا الوقت، هل ظهرت لك مصلحة يعود نفعها؟ فقال: يا مولانا، لم يخف عن علمك أن أهل هذا الثغر غزاة مرابطون، وما قصد أحد أذاهم، فتم له مقصوده، والذى يراه المملوك، أن يحسن مولانا إليهم، ويطيب خواطرهم، ويفرج عنهم- هذا اللفظ أو معناه «١» - فسبه الصاحب أقبح سب. وهم أن يوقع به، والوالى لا يزيده أن يقول: مولانا يروض نفسه، فلا فائدة فى هذا الحرج. والصاحب يزيد فى سبه، والإغلاظ له، ويتعجب من إقدامه على مخاطبته بمثل هذه الألفاظ. فلما أفرط [الصاحب] «٢» فى سبه، وزاد به الحرج، تقدم إليه بالبطاقة. وقال يقف مولانا على هذه. فلما قرأها، سقط فى يده، وخاطبه بياخوند. فقال له المتولى: ما الذى تختار. فقال: الخروج من هذه الساعة. فلم يؤاخذه المتولى، بما صدر منه فى حقه وفتح له باب المدينة، وأخرجه وعرض عليه أن يجهز معه من يوصله القاهرة فامتنع. وخرج من الثغر فى ليلته. ولو أصبح به لقتله أهله.

стр. 12323

واستمر به السير إلى أن وصل إلى القاهرة ليلا. فبات بزاوية «١» الشيخ جمال الدين ابن الظاهرى، ولم ينم فى معظم الليل. وركب بكرة النهار من الزاوية، وجاء إلى داره، وهو على حاله وهيئته. وحضر للسلام عليه القضاة وأعيان الدولة ونظارها. فعاملهم بما كان يعاملهم به من الكبر، وعدم القيام لأكابرهم. ثم استشار بعض الناس فيما يفعل. فأشار بعضهم عليه، بالاختفاء إلى أن تسكن هذه الفتنة، وتستقر القاعدة، فقال هذا لا نفعله ولا نرضاه لعامل من عمالنا. فكيف نختاره لأنفسنا. واستمر على ذلك خمسة أيام. وكانت رسالة دور السلطان الملك الأشرف قد خرجت إلى الأمير زين الدين كتبغا، مضمونها الشفاعة فى أمره، وأنه لا يؤذى. وذكروه بمحبة السلطان له. وأنهم إنما قاموا فى طلب ثأر السلطان، وقتل أعدائه. و [أما] «٢» هذا فهو أخلص أولياء السلطان بخدمته، وأدومهم على طاعته- هذا اللفظ أو معناه-. فسكن أمره فى هذه الأيام الخمسة الماضية. فغضب الأمير علم الدين الشجاعى، واجتمع بالأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة وغيره من أكابر الأمراء. وقال: هذا الصاحب هو الذى أوقع بين السلطان ومماليكه وأمرائه ونائبه. وإنما قتل السلطان بسبب هذا، فاتبّع رأيه فيه.

стр. 12324

فلما كان فى اليوم السادس، وهو اليوم الثانى والعشرين من المحرم، طلع [الصاحب شمس الدين بن السلعوس «١» ] إلى قلعة الجبل، فحضر إلى الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، فسلّمه للأمير علم الدين الشجاعى، فسلّمه الشجاعى للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، وكان من أعدائه، ليطالبه بالأموال فضربه ضربا شديدا. فأنكر عليه الأمير علم الدين. ثم سيّره إلى الأمير بدر الدين المسعودى، شاد الدواوين، وهو نشو ابن السلعوس، فإنه كان قد طلب من دمشق للمصادرة، لما قتل مخدومه الأمير حسام الدين طرنطاى، وكان يتولى ديوانه بالشام. فأحسن الصاحب إليه، وأفرج عنه، وولاه شد الدواوين بالديار المصرية. فلما سلّم إليه، عاقبه واستصفى أمواله. وكان يجلس لمصادرته وعقوبته فى المدرسة الصاحبية «٢» التى بسوبقة الصاحب بالقاهرة. ولم يزل يعاقبه إلى أن مات تحت الضرب، وقيل إنه ضرب بعد موته، ثلاثة عشر مقرعة، ولم يعلم أنه مات. وكانت وفاته فى يوم السبت عاشر صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ودفن بالقرافة «٣» . ذكر الخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعى وزين الدين كتبغا، ومقتل الشجاعى . كان الأمير علم الدين الشجاعى قد استمر فى الوزارة وتدبير الدولة، وأحكم

стр. 12325

أمرها، وهابه الناس. فلما كان فى يوم الخميس، ثانى عشرين صفر، من هذه السنة، اجتمع الأمراء بمساطب باب القلعة على العادة، ينتظرون فتح باب القلعة، ليزكبوا فى خدمة الأمير زين الدين كتبغا، نائب السلطنة. فلم يشعروا إلا وقد خرجت رسالة على لسان الأمير جاندار، يطلب جماعة من الأمراء، وهم سيف الدين قبجاق، وبدر الدين عبد الله السلاح دار، وسيف الدين قبلاى «١» ، وركن الدين عمر [السلاح دار] «٢» أخوتمر، وسيف الدين كرجى، وسيف الدين طرقجى، فدخلوا إلى الخدمة السلطانية. وقام الأمراء للركوب، فبينما هم يسيرون تحت القلعة، بالميدان الأسود، جاء اثنان من ألزام الأمير علم الدين الشجاعى، وهما الأمير سيف الدين قنغر «٣» ، وولده حاروشى «٤» . فأخبرا الأمير زين الدين كتبغا أن الأمراء الذين استدعوا اعتقلوا، وأن الشجاعى قد دبّر الحيلة عليك وعلى الأمراء، إذا طلعتم إلى القلعة، ودخلتم إلى الخوان أن يقبض عليكم. فعرّف كتبغا الأمراء الذين معه فى المواكب الصورة. فتوقفوا عن الطلوع إلى القلعة، وتوهموا أن الشجاعى اتفق مع الأمراء المنصورية والأمراء البرجية، والمماليك السلطانية. وكان بالموكب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير سيف الدين برلغى، أمير مجلس، فأمسكوهما فى الموكب، وأرسلوهما إلى ثغر الإسكندرية.
следующие страницы →