← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12321–12360 · переход к 12326.

стр. 12321

و [شمس الدين «١» ] أقسنقر الحسامى، و [علاء الدين «٢» ] الطنبغا الجمدار، [وناصر الدين «٣» ] محمد خواجا، فاعتقلوا بخزانة البنود «٤» . وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، يتوجه إليهم ويعاقبهم، ويقررهم على من باطنهم. واستمر ذلك إلى يوم الاثنين خامس صفر. ثم قطعت أيديهم وأرجلهم، وسمروا على الجمال، وطيف بهم، وأيديهم فى أعناقهم، وماتوا شرميتة. ثم وجدوا بعد قجقر الساقى، فشنق فى سوق الخيل. وأما الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر، فإنهما هربا واختفيا. وكان من أمرهما، ما نذكره إن شاء الله تعالى. هذا ما كان من أمر هؤلاء. ذكر أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير وما كان من امره، منذ فارق السلطان الملك الأشرف إلى أن مات كان الصاحب شمس الدين المذكور، قد توجه إلى تغر الإسكندرية كما ذكرنا، وطالع السلطان فى حق الأمير بدر الدين بيدرا، بما أوجب هذه الفتنة العظيمة. ولما وصل الصاحب «٥» إلى الإسكندرية، ضيق على أهل الثغر، وشدّد

стр. 12322

عليهم الطلب. وعزم على مصادرة أعيانهم، وذوى الأموال منهم. وأمر بإيجاد مقارع لعقوبة أهل الثغر. فبقى الناس من ذلك فى شدة عظيمة، لا يرجون خلاصا إلا ببذل الأموال والأبشار؛ وأهان متولى الثغر. فبينما الناس على مثل ذلك، إذ وقعت يطاقه لمتولى الثغر، فى عشية النهار، تنضمن خبر مقتل السلطان. فكتمها المتولى عن الصاحب وغيره، وصبر إلى أن دخل الليل، وجاء إلى باب الصاحب، واستأذن عليه، فأذن له. فوقف بين يديه على عادته. فقال له الصاحب: ما الذى جاء بك فى هذا الوقت، هل ظهرت لك مصلحة يعود نفعها؟ فقال: يا مولانا، لم يخف عن علمك أن أهل هذا الثغر غزاة مرابطون، وما قصد أحد أذاهم، فتم له مقصوده، والذى يراه المملوك، أن يحسن مولانا إليهم، ويطيب خواطرهم، ويفرج عنهم- هذا اللفظ أو معناه «١» - فسبه الصاحب أقبح سب. وهم أن يوقع به، والوالى لا يزيده أن يقول: مولانا يروض نفسه، فلا فائدة فى هذا الحرج. والصاحب يزيد فى سبه، والإغلاظ له، ويتعجب من إقدامه على مخاطبته بمثل هذه الألفاظ. فلما أفرط [الصاحب] «٢» فى سبه، وزاد به الحرج، تقدم إليه بالبطاقة. وقال يقف مولانا على هذه. فلما قرأها، سقط فى يده، وخاطبه بياخوند. فقال له المتولى: ما الذى تختار. فقال: الخروج من هذه الساعة. فلم يؤاخذه المتولى، بما صدر منه فى حقه وفتح له باب المدينة، وأخرجه وعرض عليه أن يجهز معه من يوصله القاهرة فامتنع. وخرج من الثغر فى ليلته. ولو أصبح به لقتله أهله.

стр. 12323

واستمر به السير إلى أن وصل إلى القاهرة ليلا. فبات بزاوية «١» الشيخ جمال الدين ابن الظاهرى، ولم ينم فى معظم الليل. وركب بكرة النهار من الزاوية، وجاء إلى داره، وهو على حاله وهيئته. وحضر للسلام عليه القضاة وأعيان الدولة ونظارها. فعاملهم بما كان يعاملهم به من الكبر، وعدم القيام لأكابرهم. ثم استشار بعض الناس فيما يفعل. فأشار بعضهم عليه، بالاختفاء إلى أن تسكن هذه الفتنة، وتستقر القاعدة، فقال هذا لا نفعله ولا نرضاه لعامل من عمالنا. فكيف نختاره لأنفسنا. واستمر على ذلك خمسة أيام. وكانت رسالة دور السلطان الملك الأشرف قد خرجت إلى الأمير زين الدين كتبغا، مضمونها الشفاعة فى أمره، وأنه لا يؤذى. وذكروه بمحبة السلطان له. وأنهم إنما قاموا فى طلب ثأر السلطان، وقتل أعدائه. و [أما] «٢» هذا فهو أخلص أولياء السلطان بخدمته، وأدومهم على طاعته- هذا اللفظ أو معناه-. فسكن أمره فى هذه الأيام الخمسة الماضية. فغضب الأمير علم الدين الشجاعى، واجتمع بالأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة وغيره من أكابر الأمراء. وقال: هذا الصاحب هو الذى أوقع بين السلطان ومماليكه وأمرائه ونائبه. وإنما قتل السلطان بسبب هذا، فاتبّع رأيه فيه.

стр. 12324

فلما كان فى اليوم السادس، وهو اليوم الثانى والعشرين من المحرم، طلع [الصاحب شمس الدين بن السلعوس «١» ] إلى قلعة الجبل، فحضر إلى الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، فسلّمه للأمير علم الدين الشجاعى، فسلّمه الشجاعى للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، وكان من أعدائه، ليطالبه بالأموال فضربه ضربا شديدا. فأنكر عليه الأمير علم الدين. ثم سيّره إلى الأمير بدر الدين المسعودى، شاد الدواوين، وهو نشو ابن السلعوس، فإنه كان قد طلب من دمشق للمصادرة، لما قتل مخدومه الأمير حسام الدين طرنطاى، وكان يتولى ديوانه بالشام. فأحسن الصاحب إليه، وأفرج عنه، وولاه شد الدواوين بالديار المصرية. فلما سلّم إليه، عاقبه واستصفى أمواله. وكان يجلس لمصادرته وعقوبته فى المدرسة الصاحبية «٢» التى بسوبقة الصاحب بالقاهرة. ولم يزل يعاقبه إلى أن مات تحت الضرب، وقيل إنه ضرب بعد موته، ثلاثة عشر مقرعة، ولم يعلم أنه مات. وكانت وفاته فى يوم السبت عاشر صفر سنة ثلاث وتسعين وستمائة، ودفن بالقرافة «٣» . ذكر الخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعى وزين الدين كتبغا، ومقتل الشجاعى . كان الأمير علم الدين الشجاعى قد استمر فى الوزارة وتدبير الدولة، وأحكم

стр. 12325

أمرها، وهابه الناس. فلما كان فى يوم الخميس، ثانى عشرين صفر، من هذه السنة، اجتمع الأمراء بمساطب باب القلعة على العادة، ينتظرون فتح باب القلعة، ليزكبوا فى خدمة الأمير زين الدين كتبغا، نائب السلطنة. فلم يشعروا إلا وقد خرجت رسالة على لسان الأمير جاندار، يطلب جماعة من الأمراء، وهم سيف الدين قبجاق، وبدر الدين عبد الله السلاح دار، وسيف الدين قبلاى «١» ، وركن الدين عمر [السلاح دار] «٢» أخوتمر، وسيف الدين كرجى، وسيف الدين طرقجى، فدخلوا إلى الخدمة السلطانية. وقام الأمراء للركوب، فبينما هم يسيرون تحت القلعة، بالميدان الأسود، جاء اثنان من ألزام الأمير علم الدين الشجاعى، وهما الأمير سيف الدين قنغر «٣» ، وولده حاروشى «٤» . فأخبرا الأمير زين الدين كتبغا أن الأمراء الذين استدعوا اعتقلوا، وأن الشجاعى قد دبّر الحيلة عليك وعلى الأمراء، إذا طلعتم إلى القلعة، ودخلتم إلى الخوان أن يقبض عليكم. فعرّف كتبغا الأمراء الذين معه فى المواكب الصورة. فتوقفوا عن الطلوع إلى القلعة، وتوهموا أن الشجاعى اتفق مع الأمراء المنصورية والأمراء البرجية، والمماليك السلطانية. وكان بالموكب الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير سيف الدين برلغى، أمير مجلس، فأمسكوهما فى الموكب، وأرسلوهما إلى ثغر الإسكندرية.

стр. 12326

وأخبرنى الأمير ركن الدين «١» بيبرس، فى ليلة الثامن من شوال سنة سبع وسبعمائة، أنه ضرب على رأسه بدبوس، وأرانى «٢» أثر الضربة. وكان قد ذكر لى ذلك، فى أثناء ذكره لسالف خدمة السلطان، وما لقيه وقاساه. ولما مسكا، حصلت مفاوضة بين الأمير علم الدين سنجر البندقدارى، وبين الأمير زين الدين كتبغا. فقال البندقدارى له: أين لاجين، أحضره. فقال: ما هو عندى. فقال: بل هو عندك. فجرد البندقدارى سيفه ليضرب به كتبغا، فضربه بدر الدين بكتوت الأزرق، مملوك كتبغا بسيفه، حل كتفه ثم ألقوه عن فرسه، وذبح يسوق الخيل. وتوجه الأمير زين الدين كتبغا ومن معه من الأمراء، إلى الباب المحروق وخرجوا منه ونزلوا بظاهر السور، وأمروا مماليكهم وألزامهم وأجنادهم أن يلبسوا عددهم. وأرسل الأمير زين الدين كتبغا نقباء «٣» الحلقة، وطلب المقدمين فحضروا إليه، وراسل السلطان [الملك «٤» الناصر] ، فى طلب الأمير علم الدين الشجاعى. وقال إن هذا قد انفرد برأيه فى القبض على الأمراء. وبلغنا عنه ما أنكرناه، ونختار حضوره ليحاقق عما نقل عنه. فامتنع عن الحضور. ثم

стр. 12327

طلع السلطان على البرج الأحمر، وتراءى للأمراء، فنزلوا وقيلوا الأرض من مواقفهم «١» . وقالوا نحن مماليك السلطان، ولم نخلع يدا عن طاعة، وليس قصدنا إلا حفظ نظام الدولة، واتفاق الكلمة، وإزالة أسباب المضار والفساد عن المملكة. واستمر الحصار سبعة أيام، وكان الشجاعى ينزل إليهم، ويناوشهم القتال، ومعه طائفة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين بكتمر، السلاح دار، وسيف الدين طفجى «٢» ، وجماعة من المماليك السلطانية. ثم فارقة الأمراء والمماليك، فكانوا يتسللون عشرة عشرة. فلما رأى حاله انتهت إلى هذه الغاية، قال إن كنت أنا الغريم، فأنا أتوجه إلى الحبس طوعا منى، وأبرأ إلى الأمراء مما نقل إليهم عنى. وحضر إلى باب الستارة السلطانية، وحلّ سيفه بيده، وذهب نحو البرج. وتوجه معه الأمير سيف الدين الأقوش، والأمير سيف الدين صمغار، ليحبساه بالبرج الجوانى، فوثب عليه مملوك الأقوش، فقتله وحز رأسه. وأنزلوه إلى الأمير زين الدين كتبغا، وقد لفّ فى بقجة. فأمر بأن يطاف برأسه القاهرة ومصر، وظواهر هما. فطاف به المشاعلية على رمح، واشهروا «٣» قتله. ثم طلع الأمير زين الدين كتبغا والأمراء إلى القلعة، فى يوم الثلاثاء سابع عشرين صفر، وأفرج عن الأمراء الذين اعتقلوا. وجددت الأيمان، وأنزل من كان بالأبراج والطباق، من المماليك السلطانية، الذين اتهموا بهذه الفتنة. فأسكنت طائفة

стр. 12328

منهم فى مناظر الكبش، وطائفة فى دار الوزارة، وطائفة فى الميدان الصالحى والميدان الظاهرى. واعتقل منهم جماعة. وكان من خبرهم، بعد ذلك، ما نذكره فى سنة أربع وتسعين وستمائة. ذكر عدة حوادث كانت فى سنة ثلاث وتسعين وستمائة خلاف ما قدمناه، من ولاية وعزل وغير ذلك، والوفيات فى هذه السنة، فى تاسع عشر صفر، عزل قاضى القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعى عن القضاء بالديار المصرية. وأعيد قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن ابن بنت الأعز إلى القضاء. واستقر قاضى القضاة بدر الدين فى تدريس مدرسة الشافعى ومشهد الحسين. فلم يزل كذلك، إلى أن توفى قاضى القضاة، شهاب الدين محمد بن أحمد بن الخليل بن سعادة بن جعفر الخويى «١» قاضى القضاة الشافعى بدمشق. وكانت وفاته بدمشق فى يوم الخميس، خامس عشر، شهر رمضان من هذه السنة. ومولده فى رابع عشرين شوال، سنة ست وعشرين وستمائة، وقيل فى رجب من السنة. ففوض [الملك الناصر محمد بن «٢» قلاوون] ، القضاء بعد وفاته لقاضى القضاة، بدر الدين بن جماعة، فتوجه إلى الشام. وكان وصوله إلى دمشق فى رابع عشر ذى الحجة من السنة. وفيها، فى تاسع عشرين صفر فوضت الوزارة للصاحب الوزير تاج الدين محمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على، المعروف

стр. 12329

بابن حنا. وفوضت وزارة الصحبة، لابن عمه الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيى الدين ابن الصاحب بهاء الدين، وكانا يجلسان جميعا فى شباك الوزارة، ويوقع الصاحب تاج الدين «١» . وفيها، فى سلخ صفر. أفرج عن الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى. وكان الملك الأشرف قد اعتقله، فى يوم السبت ثانى شوال، سنة اثنتين وتسعين وستمائة. وفيها، فى يوم عيد الفطر، ظهر الأمير حسام الدين لاجين، والأمير شمس الدين قراسنقر المنصوريان، من الاستتار «٢» ، وكانا عند هربهما، أطلعا الأمير سيف الدين بتخاص الزينى، مملوك كتبغا على حالهما. فأعلم أستاذه بهما، ونلطف فى أمرهما. فتحدث الأمير زين الدين كتبغا مع السلطان، فعفا عنهما، وأمّرهما كما كانا أول مرة. وتلطّف كتبغا فى إظهار لاجين تلطفّا حسنا. وهو أنه تحدث مع الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح فى إحضاره. فركب معه، ووقف تحت قلعة الجبل، ولم يزل إلى أن أذن له، وأصلح بينه وبين الأمراء والمماليك السلطانية، وزال ما بينهم من الوحشة. وكان كتبغا فى أمر لاجين، كالباحث عن حتفه «٣» بظفه «٤» . فإنه فعل معه، ما نذكره إن شاء الله تعالى «٥» .

стр. 12330

وفى هذه السنة، قصر النيل فلم يوف، وانتهت زيادته إلى خمسة عشر ذراعا، وثلث ذراع. فارتفعت بسبب ذلك الأسعار. وكان من الغلاء ما نذكره بعد «١» . وفى هذه السنة، فى رابع عشرين ربيع الأول، كانت وفاة الملك شهاب الدين «٢» غازى ابن الملك المعز مجير الدين يعقوب ابن السلطان الملك العادل سيف الدين ابى بكر محمد بن أيوب، بداره بالخور بدمشق، ودفن بتربتهم بقاسيون، رحمهم الله تعالى. وفيها، كانت وفاة الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الأسعردى. وقد قدمنا ذكر وزارته مرة بعد أخرى. وكان إذ عزل عن الوزارة، أخذ دواته وعاد إلى ديوان الإنشاء، وكتب من جملة الكتاب. وأصله من المعدن «٣» ، من أعمال أسعرد «٤» . فلما فتح الملك الكامل آمد، كان ابن لقمان يكتب على عرصة الغلة، وينوب عن ناظر البيوت بها. وكان بهاء الدين زهير، صاحب ديوان الإنشاء للملك الكامل، وبعده للملك الصالح، وهو يومئذ وزير الصحبة. فكانوا يستدعون من صاحب أسعرد أصنافا، فتأتى الرسائل بالأصناف بخط ابن لقمان،

стр. 12331

فتعرض على بهاء الدين زهير، فيعجبه خطه وعبارته. فطلبه فحضر إلى خدمته، وتحدث معبه، فأعجبه كلامه، وسأله عن جامكيته. فقال دون دينارين فى الجهتين، فعرض عليه أن يسافر صحبته [إلى الديار المصرية «١» ] ، فأجاب إلى ذلك. وسربه، فاستصحبه معه، وناب عنه بديوان الإنشاء إلى الأيام الصالحية. ثم استقل بعد ذلك بصحابة ديوان الإنشاء، ووزر كما تقدم. ولما انفصل من الوزارة [قال] «٢» : جاءت فما كثّرت، وراحت فما أثّرت. وله نظم حسن، وقد قدمنا ذكر شىء من كلامه، رحمه الله تعالى «٣» . وفيها، فى يوم الخميس، منتصف جمادى الآخرة، توفى الأمير بدر الدين بكتوت العلائى، وكانت وفاته بالقاهرة. وقد عظم شأنه، وسمت همته، حتى تعرض لطلب بعض الأكابر الأمراء الخاصكية الأشرفية، مقدمى «٤» الألوف. فيقال أنه سقى سما فمات، سامحه الله تعالى. وفيها، فى يوم الخميس، خامس شعبان، توفى الملك الحافظ غياث الدين أبو عبد الله محمد ابن الملك السعيد معين الدين بن شاهانشاه ابن الملك الأمجد مجد الدين بهرام شاه بن فروخ شاه بن شاهانشاه بن أيوب، وصلّى عليه بعد صلاة الجمعة بجامع دمشق، ودفن بتربة ابن المقدم، بمقبرة باب الفراديس، ﵀ «٥» .

стр. 12332

واستهلت سنة أربع وتسعين وستمائة [٦٩٤- ١٢٩٤/١٢٩٥] ذكر الفتنة التى قصد المماليك السلطانية إثارتها لما كان فى ليلة العاشر من المحرم، من هذه السنة، تجمعت المماليك السلطانية، الذين فى الكبش، ومناظر الموادين «١» ، وحرقوا باب السعادة، ودخلو منه إلى المدينة. وطلبوا خوشداشيتهم المعتقلين [بها] «٢» ، الذين بدار الوزارة، للركوب معهم، فما أجابوهم لذلك. فكسروا خزانة البنود، وأخرجوا من كان بها من خوشداشيتهم، ونهبوا الإسطبلات التى تحت القلعة. وركبوا الخيول، وداروا عليها تحت القلعة، من جهة سوق الخيل، طول الليل. فلما كان من الغد، ركب الأمراء الذين فى القلعة وقصدوهم، وتصافّوا واقتتلوا يسيرا. ثم جاء الأمير سيف الدين الحاج بهادر، السلاح دار، الحلبى، وهو يومئذ أمير حاجب، فهزمهم فتفرّقوا فى ضواحى القاهرة وشوارعها، فأخذوا وجئ بهم. وجلس الأمير زين «٣» الدين كتبغا بباب القلعة، وضربت رقاب بعضهم بين يديه، وفرق بعضهم على الأمراء، وغرّق بعضهم سرا. وكانت هذه الحادثة سببا لحركة الأمير زين الدين وركوبه فى السلطنة.

стр. 12333

ذكر سلطنة السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، وهو العاشر من ملوك دولة الترك بالديار المصرية . كان جلوسه على تخت السلطنة فى يوم الأربعاء «١» ، حادى عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة. وكان سبب ذلك، أنه لما ملك السلطان الملك الناصر، واستقر هو فى نيابة السلطنة كما تقدم، شرع يمهد القواعد لنفسه فى مدة نيابته، ويقرر «٢» الأحوال، ويستميل الأمراء. فلما كان فى أول هذه السنة، انقطع فى دار النيابة، بقلعة الجبل، وادّعى الضعف. وإنما كان انقطاعه لتقرير أمر السلطنة له. وركب السلطان الملك الناصر، رجاء إلى دار النيابة للسلام عليه وعيادته فلما اتفقت فتنة المماليك المتقدمة، جلس [الأمير زين الدين كتبغا «٣» ] فى اليوم الثانى منها، بدار النيابة. وجمع الأمراء، وذكر لهم أن ناموس السلطنة، وحرمة المملكة، لا يتم لصغر سن السلطان الملك الناصر. فاجتمعت آراء الأمراء على إقامة الأمير زين الدين كتبغا فى السلطنة. وحلفوا له، وقدم له فرس النوبة بالرقبة الملوكية، وعليها ألقابه. وركب من دار النيابة، قبل أذان العصر، من هذا اليوم. ودخل من باب القلعة «٤» إلى الأدر السلطانية، والأمراء مشاة فى خدمته. ودخل على تخت السلطنة، ونلقب بالملك العادل. وحجب السلطان الملك الناصر، وجعله فى بعض القاعات هو وأمه. وعامله بما لا يليق أن يعامله

стр. 12334

به. فكانت مدة سلطنة السلطان الملك الناصر هذه- وهى السلطنة الأولى- سنة واحدة إلا ثلاثة أيام. ولم يكن له فى هذه المدة من الأمر شىء. وإنما جرى عليه أمر السلطنة، وخطب باسمه على المنابر، وضربت السكة باسمه. وأما غير ذلك من الأمر والنهى، والولاية والعزل، والإطلاق والمنع، والتأمير وإعطاء الإقطاعات، وغير ذلك من الأوامر، فللأمير زين الدين كتبغا النائب، الملقب الآن بالملك العادل «١» . وفى يوم الخميس ثانى عشر المحرم، مد [الملك العادل زين الدين كتبغا «٢» ] سماطا عظيما، وجلس على عادة الملوك. ودخل الأمراء إليه، وقبلوا يده، وهنوه بالسلطنة وخلع على الأمير حسام الدين لاجين المنصورى، وفوض إليه نيابة السلطنة، وجعل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى، أمير جاندار، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى، أمير حاجب. وأمر أن تجهّز الخلع لسائر الأمراء والمقدمين، وللوزيرين الصاحب تاج الدين وابن عمه عز الدين، وقضاة القضاة وأرباب المناصب، ومن جرت عادتهم بالخلع، والمماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، كونهم لم يوافقوا خوشداشيتهم، على إقامة الفتنة. وركب الناس بالتشاريف، فى يوم الخميس، تاسع عشر المحرم. ولما جلس على تخت السلطنة، كتب إلى نائب السلطنة بدمشق، وسائر النواب بالممالك

стр. 12335

الشامية والأعمال، يخبرهم بخبر سلطنته، ويطلب منهم بذل اليمين. وكل أجاب بالسمع والطاعة، وبادر إلى الحلف، وما اختلف عليه اثنان. ومن غريب ما حكى فى أمر الملك العادل هذا، أن هولاكو لما استولى على حلب، وملك الشام أجمع، كما تقدم، وعزم على تجريد العساكر إلى الديار المصرية، أحضر نصير الدين «١» الطوسى، وقال له: تكتب أسماء مقدمى عساكرى، وتنظر أيهم يملك مصر، ويجلس على تخت السلطنة بها. فكتب أسماءهم، وحسب ودقق النظر، فما ظهر له، أنه يملك الديار المصرية إلا كتبغا، فذكر ذلك لهولاكو. وكان كتبغا نوين صهر هولاكو، فقدّمه على العساكر وسيّره، فقتل فى وقعة عين جالوت، كما تقدم. وكان كتبغا هذا، فى عسكر كتبغا نوين، فسبى وهو شاب. ولعله كان فى سن بلوغ الحلم أو نحوه. وأخّر الله السلطنة بالديار المصرية لهذا الاسم. وكان بين الحادثين ست وثلاثون «٢» سنة. ولما ملك [كتبغا] «٣» ، شرع فى تأمير مماليكه وتقدمتهم. فكان أول من أمر

стр. 12336

منهم أربعة، وهم سيف الدين بتخاص «١» ، وجعله أستاذ الدار، وسيف الدين أغرلو «٢» وبدر الدين بكتوت الأزرق، وسيف الدين فطلوبك «٣» . وركب هؤلاء بالإمرة فى يوم واحد. وركب هو بشعار السلطنة على عادة الملوك فى يوم الأربعاء، مستهل شهر ربيع الأول. وأقر نواب السلطنة على حالهم فى الأيام الناصرية وفوّض الوزارة بدمشق للصاحب تقى الدين توبة التكريتى على عادته، فى الأيام المنصورية. وكان وصوله إلى دمشق، لمباشرة هذه الوظيفة، فى سادس عشر صفر. وكتب السلطان له نوقيعا، برد ما أخذ منه، فى «٤» الدولة الأشرفية. ذكر تفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى وفى يوم الثلاثاء، خامس عشرين جمادى الأولى «٥» من هذه السنة، عزل السلطان الصاحب تاج الدين، وفوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن الخليلى. وكان هذا الصاحب فخر الدين قد ولى نظر ديوان الملك الصالح علاء الدين على ابن السلطان الملك المنصور. فلما مرض

стр. 12337

واشتد به الوجع، دخل الصاحب فخر الدين عليه وبكى، وأظهر الألم الشديد وقال أخشى إن قدر الله تعالى أمرا محتوما، والعياذ بالله، أن أوذى، ويتمكن منى الأمير علم الدين الشجاعى. وطلب الملك الصالح والده السلطان الملك المنصور وأوصاه أن لا يتعرض إليه. ولا إلى أحد من ديوانه بأذية «١» ، وأن لا يمكن الأمير علم الدين الشجاعى منهم. فلما مات الملك «٢» الصالح، أحسن السلطان [المنصور] «٣» إليه، وولاه نظر النظار بالديار المصرية، ونظر الصحبة، ثم عزل فى الدولة الأشرفية. وباشر نظر ديوان الملك العادل، فى مدة نيابته عن السلطنة، وفوض إليه نظر الدواوين، ثم الوزارة «٤» . وفى هذه السنة، قصر النيل ولم يوف، فحصل الغلاء واشتد البلاء بالديار المصرية. وتوقف الغيث بالشام، فاستسقى الناس، مرة بعد أخرى. وأجدبت برقة وأعمالها، وبلاد المغرب ونواحيها. وعمّ الغلاء أكثر البلاد والممالك، شرقا وغربا وحجازا. واختصت مصر من ذلك البلاء العظيم. وبلغ سعر القمح عن كل أردب مائة درهم وخمسين درهما، والشعير مائة درهم. واستمر إلى سنة خمس وتسعين وستمائة «٥» .

стр. 12338

وفيها، فوض السلطان قضاء العساكر بالشام، للقاضى نجم الدين محمد بن صصرى وكان بالديار المصرية. فعاد إلى دمشق متوليا هذه الوظيفة، وكان وصوله إليها فى يوم الثلاثاء سادس عشرين «١» شهر رمضان. وفيها، فوض السلطان الملك العادل، الخطابة والإمامة، بالجامع الأموى بدمشق، لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، مضافا إلى ما بيده من القضاء والتدريس. فصلّى بالناس صلاة الظهر، من يوم الخميس الخامس من شوال، وخطب يوم الجمعة السادس من الشهر، واجتمع له القضاء والخطابة، ولم يجتمع ذلك لقاضى قبله بدمشق، فيما عرفناه. ونقل إلينا «٢» . ذكر القبض على الأمير عز الدين ايبك الخزندار نائب السلطنة بالفتوحات، وولاية الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى وفى هذه السنة، رسم السلطان الملك العادل، بالقبض على خوشداشه، الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، نائب السلطنة، بالفتوحات الطرابلسية. وندب لذلك أمير بن، فتوجها إلى دمشق على خيل البريد، فوصلا إليها، فى تاسع عشرين شوال. وجرد من دمشق الأمير عز الدين أيبك كرجى، والأمير سيف الدين استدمر كرجى «٣» بسبب ذلك. فلما توجهوا إليه، لم يمتنع عليهم، وقال: قد كنت عزمت على مفارقة هذه المملكة. والتوجه إلى باب «٤»

стр. 12339

السلطان، فقبض عليه. وكان وصوله إلى الأبواب السلطانية، فى يوم الخميس حادى عشرين ذى القعدة من السنة، فاعتقل. واستمر فى الاعتقال، إلى يوم الخميس رابع عشرين صفر سنة خمس وتسعين وستمائة. ولما قبض عليه، فوضت نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات، للامير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى «١» . وفيها أيضا، رسم بالحوطة على القاضى مجد الدين يوسف بن القباقبى ناظر المملكة الطرابلسية. وندب الأمير شمس الدين الأعسر لذلك. فتوجه إلى طرابلس، فى العشر الأوسط، من شوال، وأوقع الحوطة على موجوده. فيقال إنه وجد فى جشاره «٢» ، ما ينيف على سبعين رأس بغالا واكاديش جياد. وجهز إلى الديار المصرية، فتكمل حمله، فيما أدعاه ألف ألف درهم. ثم أعيد بعد ذلك إلى نظر المملكة الطرابلسية، وكأنه لم يصادر. فبلغنى «٣» أنه جلس ليلة، وهو يضحك مع أصحابه بطرابلس. فقال له بعضهم: أخذ منك ألف ألف درهم، وأنت تضحك. فقال: والله أقدر أنفق فى جيش مصر- وأرى أن هذا الكلام «٤» ، إن كان قاله، فهو من التغالى فى القول- والله أعلم.

стр. 12340

ذكر وفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن وفى هذه السنة، كانت وفاة الملك المظفر شمس الدين أبى المظفر يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول، صاحب اليمن، فى شهر رمضان، بقلعة تعز. وكان جوادا شهما، عفيفا عن أموال الرعايا، قليل التطلع إلى ما بأيديهم، حسن السيرة فيهم، يمنع أصحابه من التطرق إلى ظلم أحد. وكانت مدة ملكه، بالبلاد اليمانية، نحو «١» خمس وأربعين سنة. وكان للملك المظفر من الأولاد خمسة، وهم الملك الأشرف ممهد الدين عمر، والملك المؤيد هزبر الدين داود، والواثق إبراهيم، والملك المسعود تاج الدين حسن، والملك المنصور زين الدين أيوب. وللملك المسعود هذا ولد اسمه أسد الإسلام محمد. وللملك المنصور ولد اسمه مأمور «٢» الدين عيسى. ولما مات الملك المظفر هذا، ملك بعده ولده الملك الأشرف ممهد الدين عمر، وهو ولى عهده. فلما ملك نازعه أخوه الملك المؤيد هزير الدين داود فى الملك. وكان المؤيد يوم ذاك ببلاد الشحر، فجمع جمعا من الجحافل، وتوجه إلى ثغر عدن، وحاصر الثغر ثلاثة عشر يوما. وكان متوليه الأمير سيف الدين بن برطاس، فملك المؤيد الثغر، واستولى على ما به. فاقترض أموال التجار وأموال الأيتام التى بمودع الحكم. وتوجه من ثغر عدن نحو تعز. فجرد الملك الأشرف لقتاله الشريف على بن عبد الله، بجماعة من الجيش، وولده جلال الدين بن الأشرف. فتوجهوا والتقوا، فيما بين تعز وعدن، بمكان يسمى الدعيس. واقتتلوا فخذل الجحافل المؤيد، وتفرقوا عنه، وبقى فى نفر يسير. فتقدم إليه جلال الدين ابن أخيه، وأشار عليه بالدخول

стр. 12341

فى الطاعة، وحذر عاقبة المخالفة. وقال له: الملك الأشرف أخوك، ولا يقتلك، وأنت بينك وبين الأشراف حرب قبل هذا الوقت، فإن ظفروا بك قتلوك. وأشار عليه بعض أصحابه بمثل ذلك، فرجع إلى قولهم، ورجع إلى الطاعة. فأراد جلال الدين أن يتوجه به إلى والده [الملك الأشرف «١» ] على حاله. فامتنع عليه الشريف على بن عبد الله، وقال: إن أمر هذا الجيش إلىّ. وقيّد المؤيد، وحمله إلى قلعة تعز، فاعتقله بها إلى أن مات الملك الأشرف. وكانت وفاته فى سنة ست وتسعين وستمائة. فأخرج من الاعتقال ليلا، قبل دفن أخيه، فأمر بدفنه. وأصبح الحراس بالقلعة، فدعوا للملك المؤيد، وترحّموا على الملك الأشرف وكان ملك المؤيد باتفاق عمته الشمسية، وقيامها فى أمره. واستمر فى الملك إلى أن مات، فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى. فى موضعه. وفيها، فى يوم السبت، رابع شهر ربيع الأول، توفى الأمير بدر الدين بكتوت الأفرعى بدمشق، ودفن بمقابر باب الصغير. وفيها، كانت وفاة الصاحب عز الدين ابن الصاحب محيى الدين أحمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد، رحمهم الله تعالى. وفيها، فى شهر رجب توفى بالقاهرة، الأمير بدر الدين بكتوت الفارسى الأتابكى، رحمه الله تعالى.

стр. 12342

وفيها، فى وقت السحر، من يوم السبت عاشر شعبان، توفيت ملكة خاتون، ابنة الملك الأشرف موسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب. وهى زوجة الملك المنصور ابن الملك الصالح إسماعيل وأم ولديه. وهى التى كان ناصر الدين بن المقدسى أثبت سفهها فى الدولة المنصورية، واستعاد أملاكها من سيف الدين المسامرى وغيره، كما تقدم ذكر ذلك، رحمهما الله تعالى.

стр. 12343

واستهلت سنة خمس وتسعين وستمائة [٦٩٥- ١٢٩٥/١٢٩٦] فى هذه السنة، اشتد الغلاء بالديار المصرية، وكثر الوباء وانتهى سعر القمح إلى مائة درهم وسبعة وستين درهما، عن كل أردب، وقيل إنه بلغ مائة وثمانين. وأعقب ذلك وباء عظيم. وغلت الأسعار فى سائر الأصناف. وبلغ ثمن الفروج عشرين درهما. وسمعت أن بعض الناس اشترى فراريج لمريض عنده، فوزن لحمها، فكان بوزن «١» الدراهم التى اشتراها بها. فتقوّم عليه لحمم الفراريج، الدرهم بدرهم فضة. وبيعت البطيخة، الرطل بأربعة دراهم نقرة. وابيعت السفر جلة، بثلاثين درهما، هذا بالقاهرة ومصر. وأما الصعيد الأعلى، وهو عمل فوص وما يجاوره، فإن القمح لم يزد ثمنه، على خمسة وتسعين درهما الأردب. وأعقب هذا الغلاء بالقاهرة فناء عظيم. كان يحصر من يخرج من باب المدينة من الأموات فى اليوم الواحد، فيزيد على سبعمائة أو نحوها، هذا من داخل المدينة، من أحد الأبواب. والقاهرة بالنسبة إلى ظواهرها، كالشارع «٢» الأعظم، والحسينية والأحكار، جزء لطيف. وعجز الناس عن دفن الأموات أفرادا، فكانوا يحفرون الحفرة الكبيرة، ويرص «٣» فيها الأموات، من الرجال والنساء، ويجعل الأطفال بين أرجلهم، ويردم عليهم. وبعض الأموات

стр. 12344

لم يجدوا من يواريهم فى قبورهم، فأكلتهم الكلاب، وأكل الأحياء الكلاب. وكان الفناء أيضا بالأعمال البرانية [عن القاهرة ومصر «١» ] ، حتى خلت بعض القرى وأطراف المدينة، لفناء أهلها بالموت. ثم انحطت الأسعار بالديار المصرية فى شهر رجب، ونزل سعر القمح إلى خمسة وثلاثين درهما الأردب، والشعير بخمسة وعشرين [درهما الأردب «٢» ] وكان أكبر أسباب هذا الغلاء وتزايده بالديار المصرية، خلو الأهراء «٣» السلطانية من الغلال، وذلك أن السلطان الملك الأشرف، كان قد فرّق الغلال، وأخلى الأهراء منها بالإطلاقات للأمراء وغيرهم، حتى نفد ما فى الأهراء. وقصر النيل بعد ذلك، فاحتاج وزير الدولة إلى مشترى الغلال للمؤونة والعليق، فتزايدت الأسعار بسبب ذلك. وفيها أيضا، قلّ المطر بدمشق وبلاد حوران، وجفّ الماء حتى شق ذلك على المسافرين. فكان المسافر يسقى دابته بدرهم، ويشرب بربع درهم. فلما اشتد ذلك على الناس، أشار قاضى القضاة، بدر الدين محمد بن جماعة، بقراءة صحيح البخارى بدمشق. وتقرر الاجتماع لسماعه بالجامع الأموى، تحت النسر فى سابع «٤» صفر. وطلب الشيخ شرف الدين الغزارى لقراءته. فأنزل الله تعالى

стр. 12345

الغيث فى تلك الليلة قبل الشروع فى القراءة. ثم قرىء الصحيح، ووقع المطرفى آخر يوم من كانون الأول، واستمر يومين وبعض ليلة، فاستبشر الناس بذلك وترادف نحو جمعه. ثم جاء بعد ذلك ثلج كثير، فى مستهل شهر ربيع الأول. ثم ارتفع السعر، وبلغ [سعر] «١» القمح، عن كل غرارة مائة درهم، وخمسة وستين درهما. [واشتد الغلاء بالحجاز «٢» ] أيضا فأبيعت غرارة الشعير بالمدينة، بسبعمائة درهم، وغرارة القمح بألف [درهم] «٣» . وأبيعت بمكة، شرفها الله تعالى، بألف درهم ومائة درهم. ثم جاء المطر بدمشق فى ثانى جمادى الآخرة. ذكر حادثة عجيبة بالشام وفى هذه السنة، فى العشر الأول من المحرم، استفاض بدمشق وشاع، وكثر الحديث عن قاضى جبة أعسال «٤» ، من قرى دمشق، أنه تكلم ثور بقرية من قرى جبة أعسال. وهو أن الثور خرج ليشرب من ماء هناك، ومعه صبى فلما فرغ من شربه، حمد الله، فتعجب الصبى. وحكى ذلك لمالك الثور، فشك فى قوله. وخرج فى اليوم الثانى بنفسه، فلما شرب الثور، حمد الله. وحضر فى اليوم الثالث جماعة، وسمعوه يحمد الله، بعد شربه. فكلّمه بعضهم، فقال الثور: إن الله كان قد كتب على الأمة سبع سنين جدباء ولكن بشفاعة النبى، ﷺ ، أبدلها الله بالخصب. وذكر أن النبى ﷺ ،

стр. 12346

أمره بتبليغ ذلك، وأنه قال له يا رسول الله، ما علامة صدقى عندهم. قال: «إنك تموت عقيب الأخبار» .- قال الحاكى لذلك- ثم تقدم الثور إلى مكان مرتفع فسقط ميتا. فأخذ أهل القرية من شعره للتبرك، وكفن ودفن. حكى هذه الحادثة، شمس الدين محمد بن إبراهيم الجزرى فى تاريخه حوادث الزمان «١» ، والله علم. وفيها، فى العشر الأوسط، من شهر ربيع الآخر، قتل بدمشق جماعة بالليل فى الدروب. ومعظم من قتل، من حراس الدروب، واستمر ذلك عدة ليال. وفى كل يوم يوجد قتيل واثنان. ولم يعدم لأحد شىء «٢» ، مع ذلك، ولا سرق منزل. فاحترز متولى المدينة فى ذلك. وبقى يركب طول الليل، فى جماعة كثيرة، ويطوف البلد، والأمر يتزايد. فلما كان فى العشر الأوسط، من جمادى الأولى، ميسك فقير مولّه، فاعترف أنه هو الذى قتل الحراس، فسمر وبقى يومين، ثم خنق فى اليوم الثالث. ذكر وفود الأويرانية من بلاد التتار فى هذه السنة، وردت طائفة من التتار، تسمى الأويرانية، ومقدمهم

стр. 12347

طرغاى، ووصلوا إلى الشام. وكانوا على ما قيل، ثمانية عشر ألف بيت «١» . وكان السبب فى هربهم «٢» من بلادهم، أن طرغاى، هذا المذكور، كان متفقا مع بيدو ابن طرغاى على قتل كيختو. فلما صار الملك إلى غازان، خافه طرغاى على نفسه، أن يقتله بعمه كيخنو. وكان مقيما بتمانه «٣» [بين بغداد والموصل «٤» ] . وكان اشتبغا مقيما بتمانه بديار بكر. فأرسل غازان بولاى ومعه تمان «٥» إلى ديار بكر، عوضا عن اشتبغا، وأوصاه بحفظ الطرقات على طرغاى، وأن يساعد من يندب لقتله، ثم جهز غازان أميرا يسمى قطغوا فى ثمانين فارسا للقبض على طرغاى ومن معه، من أكابر قبيلة أو يرات. فاتفق طرغاى، ومن معه من ألأمراء، وهم ألوص وككباى «٦» ، وقتلوا قطغوا ومن معه. وغيروا الفرات «٧» إلى جهة الشام، فتبعهم بولاى يتمانه، فقاتلوه وهزموه، وقتلوا أكثر من معه. ولما وردت مطالعات نواب الشام إلى السلطان الملك العادل بوصولهم، اهتم بأمرهم. وكتب إلى [نائب السلطنة بدمشق «٨» ] ، أن يتوجه الأمير علم الدين

стр. 12348

سنجر الدوادارى، بجماعة إلى الرحبة لتلقبهم «١» . فتوجه من دمشق فى غرة شهر ربيع الأول. ثم توجه بعده، الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، شاد الدواوين بالشام، ليلقاهم أيضا. وجهّز السلطان أيضا، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، من الديار المصرية إلى دمشق، بسبب ذلك، فوصل إليها فى ثانى عشرين شهر ربيع الأول. ثم أردفه بالأمير سيف الدين بهادر الحاج الحلبى الحاجب، فأقاما بدمشق، إلى أن وصل أعيان الأويرانية إلى دمشق، صحبة الأمير شمس الدين الأعسر. وكان وصولهم فى يوم الاثنين، ثالث عشرين شهر ربيع الأول، وعدتهم مائة وثلاثة عشر نفرا، والمقدم عليهم طرغاى، ومن أكابرهم الوص وككباى. فتلقاهم نائب السلطنة والأمراء، واحتفل بقدومهم «٢» احتفالا كبيرا. ثم توجه بهم الأمير شمس الدين قراسنقر، إلى الديار المصرية فى يوم الاثنين سابع عشر ربيع الأول. وتوجه بعده الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحاجب، على خيل البريد إلى الأبواب السلطانية، فى حادى عشر الشهر. ولما وصلوا إلى باب السلطان بالغ فى إكرامهم، وأحسن إليهم، وخلع عليهم، وأمّرهم بالطبلخاناة. وهم على دين الكفرة، ويأكلون فى شهر رمضان، ولا يذبحون الخيل ذبيحة ولا نحرا، بل يربطون الفرس، ويضربونه على وجهه حتى يموت، فيأكلونه بعد ذلك. وكانوا يجلسون مع الأمراء بباب القلة، فأنفت نفوس الأمراء من ذلك وكرهوه، حتى أوجب ذلك خلع السلطان، على ما نذكره إن شاء الله تعالى.

стр. 12349

وأما بقية الأويرانية، فإن السلطان كتب إلى الأمير علم الدين سنجر الدوادارى أن يتوجه بهم إلى الساحل فينزلهم به، فتوجه بهم. ولما مرّوا بدمشق، أنزلهم بالمرج، ولم يمكّن أحدا منهم من دخول المدينة. ورسم بإخراج الأسواق إليهم للبيع والشراء بالمرج، إلى الكسوة والصنمين «١» . وفعل ذلك فى كل منزلة إلى أن وصل بهم إلى أراضى عثليث، وامتدوا «٢» فى بلاد الساحل. ورسم «٣» السلطان باقامة الأمير علم الدين [سنجر] «٤» الدوادارى معهم، إلى أن يحضر السلطان إلى الشام، ومات منهم خلق كثير. وأخذ الأمراء أولادهم الشباب للخدمة، وكانوا من أجمل الناس، وتزوج الجند وغيرهم من بناتهم. ثم انغمس من بقى منهم فى العساكر، وتفرقوا فى الممالك الإسلامية، ودخلوا فى دين الإسلام. وبقاياهم فى الخدمة إلى وقتنا هذا «٥» . ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز وتفويض القضاء للشيخ ابن دقيق العيد . وفى هذه السنة، فى يوم الخميس، سادس عشر جمادى الأولى، توفى

стр. 12350

قاضى القضاة، تقى الدين أبو القاسم عبد الرحمن ابن قاضى القضاة تاج الدين أبى محمد عبد الوهاب بن بنت الأعز، قاضى القضاة الشافعى، بالديار المصرية، ودفن بالقرافة، فى تربة والده، رحمهما الله. وفى يوم وفاته، توفى كاتبه نور الدين بن السوسى، وكان خصيصا به. وحملت جنازتاهما «١» معا. وقد قدمنا من ذكر أخبار قاضى القضاة تقى الدين هذا وولاياته القضاء والوزارة ونظر الخزائن، ما نستغنى الآن عن إعادته، رحمه الله تعالى. ولما مات، فوّض السلطان قضاء القضاة بالديار المصرية، لشيخنا «٢» الإمام العلامة، تقى الدين بقية المجتهدين أبى الفتح محمد ابن شيخ الإسلام مجد الدين على بن وهب بن مطيع القشيرى، المعروف بابن دقيق العيد. وكانت ولايته فى يوم السبت ثامن عشر الشهر المذكور. ولما ولى القضاء كان كثير التطلع إلى أخبار نوابه بالأعمال «٣» البرانية. وكان يذكرهم بكتبه المشتملة على المواعظ والتحذيرات، من عواقب الغفلة والإهمال. فكان مما كتب به، إلى بعض نوابه، فى سنة سبع وتسعين. وقيل إنه كتب إلى جميع النواب مثل ذلك. وكان مضمون كتابه الذى نقلت «٤» نسخته هذه: بسم الله الرحمن الرحيم، الفقير إلى الله تعالى، محمد بن على. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ

стр. 12351

عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) «١» . هذه المكاتبة إلى، فلان، وفقه الله لقبول النصيحة، وأتاه لما يقربه قصدا صالحا، ونية صحيحة. أصدرناها إليه، بعد حمد الله الذى (يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ) «٢» ، ويمهل حتى ينتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكّره بأيام الله، (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) «٣» . وتحذره «٤» صفقة من باع الآخرة بالدنيا، فما أحد سواه مغبون. عسى أن يرشده بهذا التذكار وينفعه وتأخذ هذه النصائح بحجزته عن النار، فإنى أخاف أن يتردى، فيجز من ولاه، والعياذ بالله، معه. والمقتضى لإصدارها ما لمحناه «٥» من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يحب الرب على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدار وهم يزعجون عنها، ومن علمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود، وهم لا يتحققون «٦» منها، ولا سيما القضاة الذين يحملون عبء «٧» الأمانة، على كواهل ضعيفة، وظهروا بصور كبار، وهمم «٨» نحيفة. والله إن الأمر العظيم، وإن الخطب لجسيم، ولا

стр. 12352

أرى مع ذلك أمنا ولا قرارا، ولا راحة، اللهم [إلا] «١» رجلا «٢» نبذ الآخرة وراءه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همّه وهمته على حظ نفسه من دنياه، فغاية مطلبه «٣» الحياة والمنزلة فى قلوب الناس وتحسين الزى «٤» والملبس، والركبة والمجلس، غير مستشعر «٥» خيبة حاله، ولا ركاكة مقصده، فهذا لا كلام معه، فإنك لا تسمع الموتى، وما أنت بمسمع من فى القبور. فاتق الله الذى يراك حين تقوم؛ واقصر أملك عليه، فالمحروم من أمله غير مرحوم. وما أنا وأنتم أيها النفر، إلا كما قال حبيب العجمى، وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق فقال قد وقعتم فاحتالوا. وإن خفى عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا، أن تقضى من معرفته الوطر. فتأمل [من] «٦» كلام النبوة القضاة ثلاثة، وقوله ﷺ لمن خاطبه مشفقا عليه: لا تأمرن على اثنين، ولا تليّن مال اليتيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم «٧» . وما أنا والسير فى متلف ... يبرح بالذّكر الضابط هيهات جف القلم، ونفذ أمر الله، ولا راد لما حكم. ومن هناك شمّ الناس فى الصّديق رضى الله عنه، راتحة الكبد المشوى. وقال الفاروق: ليت أم عمر

стр. 12353

لم تلده. واستسلم عثمان وقال من أغمد سيفه، فهو حر. وقال علىّ:- والخزائن بين يديه مملوءة- من يشترى منى سيفى هذا، ولو وجدت ما اشترى به رداء ما بعته. وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز، فمات من خشية العرض. وعلق بعص السلف فى بيته سوطا، مؤدب به نفسه إذا فتر. أفترى ذلك سدى؟ أو وضح إنا نحن المقربون وهم البعداء؟ وهذه أحوال لا توجد فى كتاب السلم ولا الإجارة «١» ولا الجنايات. نعم إنما تنال بالخضوع والخشوع، وبأن تظمأ وتجوع، وتحمى عينك الهجوع. ومما يعينك على الأمر الذى دعوت إليه، ويزوّدك فى سيرك إلى الغرض «٢» عليه، أن تجعل لك وقتا تعمره بالفكر والتدبير، وأناة تجعلها معدة لجلاء قلبك. فإنه [إن] «٣» استحكم صدأه، صعب تلا فيه «٤» . واعرض عنه من هو أعلم بما فيه، واجعل أكثر همومك لاستعداد المعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد. فإنه يقول (فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ) «٥» .

стр. 12354

ومهما وجدت من همتك قصورا، واستشعرت من نفسك عما بدا إليها نفورا، فاجأر إليه وقف ببابه واطلب منه، فإنه لا يعرض عمن صدق، ولا تعزب «١» عن علمه «٢» خفايا الضمائر، ألا يعلم من خلق وهذه نصيحتى إليك، وحجتى بين «٣» يدى الله، إن فرّطت، عليك، اسأل الله لى ولك، قلبا واعيا، ولسانا ذاكرا، ونفسا مطمئنة، بمنّه وكرمه. وفى هذه السنة، عزل القاضى جمال الدين بن الشريشى نفسه من نيابة الحكم بدمشق، عن قاضى القضاة بدر الدين [بن جماعة «٤» ] ، وذلك فى الجمعة، رابع عشرين شهر رجب. فوقع اختيار قاضى القضاة، بدر الدين [بن جماعة «٥» ] فى النيابة عنه، على القاضى جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الأذرعى «٦» ، المعروف بالزرعى قاضى زرع «٧» . فاحضره منها واستنابه بدمشق، وذلك فى يوم الاثنين تاسع عشر شوال من السنة. وفيها، قدمت والدة الملك العادل بدر الدين سلامش ابن السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس من بلاد الأشكرى «٨» ، إلى دمشق. وكان وصولها

стр. 12355

فى حادى عشر رمضان. ونزلت بدار الحديث الظاهرية بدمشق. وأرسل إليها نائب السلطنة الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى، التحف والهدايا والألطاف، وخدمها أتم خدمة. ثم توجهت من دمشق إلى القاهرة فى عشية الجمعة، ثامن عشر رمضان. ذكر توجه السلطان الملك العادل وعزل نائب السلطنة بدمشق الأمير عز الدين الحموى، وتولية الأمير سيف الدين أغرلوا «١» العادلى وغير ذلك وفى هذه السنة، توجه السلطان الملك العادل إلى الشام بجميع العساكر. وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل، فى يوم السبت سابع عشر شوال، بعد الزوال. ووصل إلى دمشق فى الساعة الخامسة من يوم السبت، خامس عشر ذى القعدة، والأمير بدر الدين بيسرى حامل الجتر «٢» على رأسه. وحضر فى خدمته نائب السلطنة، الأمير حسام الدين لاجين، والصاحب فخر الدين بن الخليلى ونزل

стр. 12356

الوزير بدار الملك الزاهر. وفى يوم وصوله إلى دمشق، توجه إلى زيارة قبر والده، الشيخ مجد الدين بجبل الصالحية. فلقيه القاضى تقى الدين سليمان الحنبلى، وسلّم عليه، فعرّف به. فأمر أن يركب بغلته الجنيب، فركبها، وحضر معه إلى تربة والده. فلما فرغ من القراءة، ولّاه الصاحب قضاء القضاة على مذهبه، فقبل. وخلع عليه فى بكرة النهار، وعلى بقية القضاة. وكان قاضى الحنابلة قبله، القاضى شرف الدين الحسن ابن الشيخ شرف الدين عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسى قد توفى، وكانت وفاته فى أول ليلة الخميس، الثانى والعشرين من شوال، ودفن ضحى يوم الخميس، رحمه الله تعالى «١» . ولما استقر السلطان بدمشق، خلع على الأمراء والمقدمين، وعلى الصاحب تقى الدين توبة، والشيخ نجم الدين بن أبى الطيب، وولّاه وكالة بيت المال، وعلى شهاب الدين الحنفى. ثم شرع الصاحب فخر الدين فى مصادرات الولاة والمباشرين. ورسّم على الأمير شمس الدين الأعسر شاد الدواوين [بدمشق «٢» ] ، وعلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «٣» والى البر، وعزله عن ولاية البر. وولّى الأمير علاء الدين ابن الجاكى عوضه، وطلب منهما الأموال، ورسّم على سائر المباشرين، وطلب من كل منهم جامكية سنة. واستخرج من شهاب الدين بن السلعوس ثمانين ألف درهم، وكان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر باقيا على ولايته، وهو الذى تولّى

стр. 12357

المستخرج من المصادرين، استدمر وغيره. وهو مع ذلك يحمل ما تقرر عليه من الأموال «١» . وفى يوم الاثنين رابع عشر ذى القعدة، وصل الملك المظفر صاحب حماه إلى خدمة السلطان بدمشق، فتلقاه السلطان وأكرمه. ثم جرد السلطان جماعة من العسكر المصرى، وعسكر دمشق إلى جهة حلب «٢» . وفى يوم الجمعة، ثامن عشرين ذى القعدة، حضر السلطان إلى جامع بنى أمية وصلى به الجمعة. وخلع على الخطيب قاضى القضاة بدر الدين [بن جمامة «٣» ] ، وزار مصحف عثمان. وفى يوم الاثنين مستهل ذى الحجة، حضر الأمير عز الدين الحموى الظاهرى، نائب السلطنة بدمشق، إلى خدمة السلطان. فأنكر عليه سوء اعتماده، وطمع نفسه، وما بلغه عنه من بسط يده فى أخذ المصانعات «٤» . وأخذ السلطان خيوله المسوّمة وأمواله وأقمشته، ثم عزله عن النيابة، وفوضها لمملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا العادلى، وباشر النيابة من يومه. ثم خلع بعد ذلك على الأمير عز الدين الحموى، وأنعم عليه بإقطاع أغرلوا بالديار المصرية. وانتقل الحموى عند عزله من دار السعادة، ونزل بداره المعروفة بالجيشى التى بالقصاعين.

стр. 12358

وفيها، فى ثامن ذى الحجة، فوض السلطان وزارة الشام، لوكيله شهاب الدين الحنفى، عوضا عن تقى الدين توبة، وكان قبل ذلك يلى الحسبة بدمشق. وخلع عليه خلعة الوزارة فى يوم عيد الأضحى. ثم توجه السلطان فى ثامن [عشر] «١» ذى الحجة، إلى جهة حمص، وتصيّد فى تلك الجهة. ودخل حمص فى تاسع عشر ذى الحجة، وحضر إليه نائب السلطنة بحلب، وبقية النواب. وانسلخت السنة، والسلطان بمخيمه على جوسيه «٢» ، وهى قرية من قرى حمص، كان قد اشتراها. وفى هذه السنة، توفى الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى، أمير جاندار. وكانت وفاته بمصر، فى يوم الأربعاء، السادس والعشرين من صفر سنة خمس وتسعين وستمائة. ودفن بتربته بالرصد وكان رحمه الله تعالى، كثير الخير والإحسان إلى خلق الله تعالى. وعمّر المدارس والمساجد والجوامع، وله بإسنا من عمل قوص، مدرسة موقوفة على طائفة الشافعية. وبقوص مدرسة على ساحل البحر كذلك، وبجوار المدرسة مسجد له، يجتمع فيه الفقراء الأعجام القرندلية «٣» فى شهر رمضان من كل سنة، ويذبح لهم فى كل يوم رأس غنم،

стр. 12359

وما يحتاجون إليه من التوابل «١» والخبز. وله بمصر مدرسة، وبكرسى الجسر جامع، وبالرصد جامع، وغير ذلك من الأماكن الشريفة المبرورة. ووقف عليها الأوقاف المبرورة الوافرة، رحمه الله تعالى. وتوفى أيضا بالديار المصرية جماعة من الأمراء، منهم الأمير بدر الدين بيليك الحسنى أبو شامة، وهو الذى كان يندب إلى الكشف بالوجه القبلى بالديار المصرية، فى الدولة المنصورية، وما بعدها، رحمه الله تعالى «٢» .

стр. 12360

واستهلت سنة ست وتسعين وستمائة [٦٩٦- ١٢٩٦/١٢٩٧] والسلطان الملك العادل بمخيمه على جوسيه. ثم رحل منها وعاد إلى دمشق، فدخلها فى يوم الأربعاء ثانى المحرم. وفى يوم الجمعة، حضر السلطان إلى الجامع، وصلى بالمقصورة، وأخذ من الناس قصصهم. ورأى شخصا بيده قصة، فتقدم إليه بنفسه خطوات، وأخذ القصة منه «١» . وفيها، أمّر السلطان الملك العادل، الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين بن أبى بكر محمد بن أيوب، وجعله من أمراء الطبلخاناة بدمشق، وذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم. وفيها، فى يوم الاثنين، حادى عشرين المحرم، قبض على الأمير سيف الدين استدمر كرجى «٢» ، واعتقل بالقلعة، وعزل الأمير سيف الدين سنقر الأعسر، عن وظيفة الشد، وولى عوضه الأمير فتح الدين بن صبره. ذكر عود السلطان الملك العادل إلى الديار المصرية وخلعه من السلطنة ورجوعه إلى دمشق وفى بكرة نهار الثلاثاء، الثانى والعشرين من المحرم، توجه السلطان بعساكره
следующие страницы →