Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12356–12395 · переход к 12361.
стр. 12356
الوزير بدار الملك الزاهر. وفى يوم وصوله إلى دمشق، توجه إلى زيارة قبر والده، الشيخ مجد الدين بجبل الصالحية. فلقيه القاضى تقى الدين سليمان الحنبلى، وسلّم عليه، فعرّف به. فأمر أن يركب بغلته الجنيب، فركبها، وحضر معه إلى تربة والده.
فلما فرغ من القراءة، ولّاه الصاحب قضاء القضاة على مذهبه، فقبل. وخلع عليه فى بكرة النهار، وعلى بقية القضاة. وكان قاضى الحنابلة قبله، القاضى شرف الدين الحسن ابن الشيخ شرف الدين عبد الله بن محمد بن قدامة المقدسى قد توفى، وكانت وفاته فى أول ليلة الخميس، الثانى والعشرين من شوال، ودفن ضحى يوم الخميس، رحمه الله تعالى «١» .
ولما استقر السلطان بدمشق، خلع على الأمراء والمقدمين، وعلى الصاحب تقى الدين توبة، والشيخ نجم الدين بن أبى الطيب، وولّاه وكالة بيت المال، وعلى شهاب الدين الحنفى.
ثم شرع الصاحب فخر الدين فى مصادرات الولاة والمباشرين. ورسّم على الأمير شمس الدين الأعسر شاد الدواوين [بدمشق «٢» ] ، وعلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «٣» والى البر، وعزله عن ولاية البر. وولّى الأمير علاء الدين ابن الجاكى عوضه، وطلب منهما الأموال، ورسّم على سائر المباشرين، وطلب من كل منهم جامكية سنة. واستخرج من شهاب الدين بن السلعوس ثمانين ألف درهم، وكان الأمير شمس الدين سنقر الأعسر باقيا على ولايته، وهو الذى تولّى
стр. 12357
المستخرج من المصادرين، استدمر وغيره. وهو مع ذلك يحمل ما تقرر عليه من الأموال «١» .
وفى يوم الاثنين رابع عشر ذى القعدة، وصل الملك المظفر صاحب حماه إلى خدمة السلطان بدمشق، فتلقاه السلطان وأكرمه. ثم جرد السلطان جماعة من العسكر المصرى، وعسكر دمشق إلى جهة حلب «٢» .
وفى يوم الجمعة، ثامن عشرين ذى القعدة، حضر السلطان إلى جامع بنى أمية وصلى به الجمعة. وخلع على الخطيب قاضى القضاة بدر الدين [بن جمامة «٣» ] ، وزار مصحف عثمان.
وفى يوم الاثنين مستهل ذى الحجة، حضر الأمير عز الدين الحموى الظاهرى، نائب السلطنة بدمشق، إلى خدمة السلطان. فأنكر عليه سوء اعتماده، وطمع نفسه، وما بلغه عنه من بسط يده فى أخذ المصانعات «٤» . وأخذ السلطان خيوله المسوّمة وأمواله وأقمشته، ثم عزله عن النيابة، وفوضها لمملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا العادلى، وباشر النيابة من يومه. ثم خلع بعد ذلك على الأمير عز الدين الحموى، وأنعم عليه بإقطاع أغرلوا بالديار المصرية. وانتقل الحموى عند عزله من دار السعادة، ونزل بداره المعروفة بالجيشى التى بالقصاعين.
стр. 12358
وفيها، فى ثامن ذى الحجة، فوض السلطان وزارة الشام، لوكيله شهاب الدين الحنفى، عوضا عن تقى الدين توبة، وكان قبل ذلك يلى الحسبة بدمشق. وخلع عليه خلعة الوزارة فى يوم عيد الأضحى. ثم توجه السلطان فى ثامن [عشر] «١» ذى الحجة، إلى جهة حمص، وتصيّد فى تلك الجهة. ودخل حمص فى تاسع عشر ذى الحجة، وحضر إليه نائب السلطنة بحلب، وبقية النواب. وانسلخت السنة، والسلطان بمخيمه على جوسيه «٢» ، وهى قرية من قرى حمص، كان قد اشتراها.
وفى هذه السنة، توفى الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحى، أمير جاندار.
وكانت وفاته بمصر، فى يوم الأربعاء، السادس والعشرين من صفر سنة خمس وتسعين وستمائة. ودفن بتربته بالرصد وكان رحمه الله تعالى، كثير الخير والإحسان إلى خلق الله تعالى. وعمّر المدارس والمساجد والجوامع، وله بإسنا من عمل قوص، مدرسة موقوفة على طائفة الشافعية. وبقوص مدرسة على ساحل البحر كذلك، وبجوار المدرسة مسجد له، يجتمع فيه الفقراء الأعجام القرندلية «٣» فى شهر رمضان من كل سنة، ويذبح لهم فى كل يوم رأس غنم،
стр. 12359
وما يحتاجون إليه من التوابل «١» والخبز. وله بمصر مدرسة، وبكرسى الجسر جامع، وبالرصد جامع، وغير ذلك من الأماكن الشريفة المبرورة. ووقف عليها الأوقاف المبرورة الوافرة، رحمه الله تعالى.
وتوفى أيضا بالديار المصرية جماعة من الأمراء، منهم الأمير بدر الدين بيليك الحسنى أبو شامة، وهو الذى كان يندب إلى الكشف بالوجه القبلى بالديار المصرية، فى الدولة المنصورية، وما بعدها، رحمه الله تعالى «٢» .
стр. 12360
واستهلت سنة ست وتسعين وستمائة [٦٩٦- ١٢٩٦/١٢٩٧]
والسلطان الملك العادل بمخيمه على جوسيه. ثم رحل منها وعاد إلى دمشق، فدخلها فى يوم الأربعاء ثانى المحرم. وفى يوم الجمعة، حضر السلطان إلى الجامع، وصلى بالمقصورة، وأخذ من الناس قصصهم. ورأى شخصا بيده قصة، فتقدم إليه بنفسه خطوات، وأخذ القصة منه «١» .
وفيها، أمّر السلطان الملك العادل، الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك العادل سيف الدين بن أبى بكر محمد بن أيوب، وجعله من أمراء الطبلخاناة بدمشق، وذلك فى يوم الخميس سابع عشر المحرم.
وفيها، فى يوم الاثنين، حادى عشرين المحرم، قبض على الأمير سيف الدين استدمر كرجى «٢» ، واعتقل بالقلعة، وعزل الأمير سيف الدين سنقر الأعسر، عن وظيفة الشد، وولى عوضه الأمير فتح الدين بن صبره.
ذكر عود السلطان الملك العادل إلى الديار المصرية وخلعه من السلطنة ورجوعه إلى دمشق
وفى بكرة نهار الثلاثاء، الثانى والعشرين من المحرم، توجه السلطان بعساكره
стр. 12361
نحو الديار المصرية، وقد أجمع أكابر الأمراء على خلعه. فلما انتهوا إلى منزلة «١» العوجا، جلس السلطان فى الدهليز، وحضر الأمراء إلى الخدمة، وطلب الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى طلبا مزعجا. وكان قد توجه إلى الزيارة، فلما حضر، لم يقم له على عادته. ويقال إنه كلمة بكلام غليظ، ونسبه إلى أنه كاتب التنار، وحصل بينهما مفاوضة، ثم نهض السلطان من المجلس.
وقام الأمراء، واجتمعوا فى خيمة الأمير حسام الدين لاجين، نائب السلطنة، وتكلموا فيما وقع. فسأل الأمير بدر الدين بيسرى، الأمير حسام الدين عن موجب إغلاظ السلطان له. فقال: إن مماليكه قد كتبوا عنك كتبا إلى التتار، وأحضروها إليه، ونسبوك إلى أنك كتبتها، ونيته إذا وصل إلى قلعة الجبل، أن يقبض على وعليك، وعلى أكابر الأمراء، ويقدم مماليكه. فأجمعوا عند ذلك على «٢» خلعه.
وركب الأمير حسام الدين لاجين، والأمير بدر الدين بيسرى، والأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى الحاجب ومن انضم إليهم. واستصحبوا معهم حمل نقّارات «٣» ، وساقوا إلى باب الدهليز. وحركت النقارات حربيا، وذلك فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة. فلما مروا بخيمة بكتوت الأزرق العادلى
стр. 12362
قتلوه. وركب بتخاص «١» العادلى، وتوجه إلى باب الدهليز فقتلوه أيضا. ولما شاهد الملك العادل ذلك، خرج من ظهر الدهليز، وركب فرس النوبة، وعبر على القنطرة التى على ماء العوجا، وساق ركضا، وأدركه خمسة أو ستة من مماليكه.
واستقر به السير إلى دمشق. ودخل قلعتها، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى «٢» .
ذكر سلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى وهو السلطان الحادى عشر من ملوك الترك، بالديار المصرية .
وهو من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون. اشتراه فى زمن إمرته «٣» مرتين. وكان من مماليك الملك المنصور نور الدين على ابن الملك المعز [أيبك «٤» ] ، فلما سفّر إلى بلاد الأشكرى، تأخر بالقاهرة، فاشتراه السلطان الملك المنصور، فى أيام إمرته بسبعمائة وخمسين درهما. ثم تبيّن له بعد ذلك أنه من مماليك الملك المنصور ابن الملك المعز، وقيل له إنه غائب ولا يصح بيعه إلا من حاكم [شرعى] «٥» ، فاشتراه ثانيا من قاضى القضاة، تاج الدين بن بنت الأعز،
стр. 12363
بما يزيد عن ألف درهم. وباعه على الغائب، بالغبطة له. وقد شاهدت أنا عهديته «١» فى جملة عهد المماليك المنصورية السيفية، وشدّ عنى تحقيق الثمن الثانى، إلا أنه يزيد على ألف درهم. ولعل ذلك ألف وخمسون درهما. وكان يوم ذاك يدعى شقير. كذا رأيت عهديته (لاجين المدعو شفير) ، وكان فى البيت المنصورى يعرف بلاجين الصغير. وتأمر وناب عن السلطنة بدمشق، وهو لا يعرف بين الناس إلا بلاجين الصغير «٢» . وسألت بعض أكابر الأمراء من المماليك المنصورية، الذين كانوا فى خدمة السلطان، فى زمن إمرته، عن لاجين الكبير، الذى ميّز هذا بالصغير بسببه، فما عرفوه. ولعل هذه الشهرة وقعت عليه وقوع اللقب، والله أعلم.
وتنقل لاجين هذا فى خدمة السلطان الملك المنصور، من وظيفة الأوشاقية إلى السلاح دارية. ولما قبض عليه السلطان الملك الأشرف، بعد عزله من نيابة الشام، ثم أفرج عنه وجعله سلاح دارا كما كان، فى خدمة أبيه السلطان الملك المنصور، قبل أن يستنيبه بدمشق. وقد تقدم من أخباره وتنقلاته، ما نستغنى الآن عن إعادته «٣» .
ملك بمنزلة العوجاء من بلاد الساحل. وذلك أنه لما هرب الملك العادل كتبغا من الدهليز، وتوجه إلى نحو دمشق، فى الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة، اجتمع الأمراء وتشاوروا فمن ينصب فى السلطنة.
стр. 12364
فاتفقوا على إقامته فى السلطنة، وتلقب بالملك المنصور. وشرط الأمراء عليه شروطا فقبلها والتزمها. منها أن يكون معهم كأحدهم، وأن لا ينفرد برأى دونهم، وأن لا يبسط أيدى مماليكه فيهم، ولا يقدمهم عليهم، وحلّفوه على ذلك، فحلف عليه. فقال له الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى:- وكان من جملة الأمراء المشار إليهم- نخشى أنك إذا جلست فى المنصب، تنسى هذا الذى تقرر بيننا وبينك، وتقدم مماليك، وتخوّل «١» منكوتمر. فكرر الحلف أنه لا يفعل [ذلك] «٢» ، ولا يخرج عمّا التزمه. فعند ذلك، حلفوا له وركب بشعار السلطنة، وتوجه بالعساكر نحو الديار المصرية.
ولما وصل إلى غزة، حمل الأمير بدر الدين بيسرى الجتر على رأسه.
ثم رحل منها، وكان وصوله إلى قلعة الجبل، وجلوسه على تخت السلطنة، فى يوم الجمعة عاشر صفر، سنة ست وتسعين وستمائة. ثم ركب بشعار السلطنة، وشقّ المدينة فى يوم الخميس سادس عشر صفر «٣» .
ورتب فى نيابة السلطنة [بالديار المصرية «٤» ] مقر ملكه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، وجعل الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار أمير جاندار، والأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى حاجبا. واستمر الصاحب فخر الدين بن الخليلى فى الوزارة برهة،
стр. 12365
ثم عزله على ما نذكره إن شاء الله. وفوض نيابة السلطنة بالشام إلى الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى.
هذا ما كان بالديار المصرية، فلنذكر أخبار الملك العادل [كتبغا «١» ]
ذكر أخبار الملك العادل وما اعتمده بدمشق «٢» وما كان من أمره إلى أن انتقل إلى صرخد
لما فارق الملك العادل الدهليز والأمراء، توجه إلى دمشق. وقدم قبله أحد مماليكه ليعلم مملوكه الأمير سيف الدين أغرلوا نائب السلطنة بدمشق ما تجدد، ويخبره بوصول السلطان. فوصل [أمير شكار «٣» ] فى بكرة نهار الأربعاء، سلخ المحرم. فجمع [نائب السلطنة بدمشق «٤» ] الأمراء، وركب جماعة من العسكر، وأمرهم بالوقوف خارج باب النصر.
ثم وصل الملك العادل إلى دمشق، فى وقت العصر من اليوم المذكور، ومعه أربعة أو خمسة من مماليكه. ودخل إلى القلعة، واستقر بها، وحضر إلى خدمته الأمراء، وخلع على جماعة. وأمر بإيقاع الحوطة على حواصل الأمير حسام الدين لاجين ونوابه «٥» . ثم وصل الأمير زين الدين غلبك العادلى «٦» فى
стр. 12366
يوم الخميس، مستهل صفر، بجماعة يسيرة من المماليك العادلية. وجلس شهاب الدين الحنفى وزير الملك العادل فى الوزارة بالقلعة. ورتب أحوال السلطنة.
وأمرّ العادل جماعة من دمشق، ووضع بعض «١» المكوس، وقرىء بذلك توقيع فى يوم الجمعة سادس عشر صفر.
وفى يوم السبت رابع عشرين الشهر، وصل الأمير سيف الدين كجكن وجماعة من الأمراء، كانوا معه بالرحبة مجردين، فلم يدخلوا دمشق، وتوجهوا إلى جهة ميدان الحصا. وأعلن باسم السلطان الملك المنصور [حسام الدين لاجين «٢» ] ، وخرج إليه الأمراء بدمشق، طائفة بعد طائفة. فلما علم الملك العادل بذلك، وتحقق انحلال أمره، وتخاذل الناس عنه، وثبات قدم الملك المنصور فى السلطنة، وانضمام الناس إليه، أذعن إلى الطاعة، والدخول فيما دخل الناس فيه. وقال للأمراء: السلطان الملك المنصور، هو خوشداشى، وأنا فى خدمته وطاعته، وأنا أكون فى بعض القاعات بالقلعة إلى أن يكاتب السلطان، ويرد جوابه بما يقتضيه رأيه فى أمرى. فعند ذلك اجتمع الأمراء بباب الميدان، وحلفوا بأجمعهم للسلطان الملك المنصور، وكتبوا إليه بذلك.
وتوجه البريد إليه بالخبر، ودخل الأمير سيف الدين جاغان إلى القلعة ورتب من يحفظ الملك العادل بها، إلى أن يرد جواب السلطان [المنصور «٣» ] فى أمره، وغلقت أبواب دمشق، فى يوم السبت خلا باب النصر. وركب عسكر دمشق بالسلاح، وأحاطوا بالقلعة حفظا لها، وخوفا أن يخرج الملك العادل منها،
стр. 12367
ويقصد جهة أخرى قبل ورود جواب السلطان فى أمره «١» . ثم دقت البشائر فى وقت العصر من يوم السبت المذكور، وأعلن باسم السلطان الملك المنصور.
وقرأ المؤذنون فى ليلة الأحد الخامس والعشرين من الشهر بالمأذن (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ)
«٢» إلى آخر الآية. ودعوا للملك المنصور، ودعا له قارىء المصحف، بعد صلاة الصبح وضربت البشائر على أبواب الأمراء، وأظهروا الفرح والسرور بسلطنته، وفتحت أبواب البلد وزينت، وفتح «٣» الناس حوانيتهم.
وفى يوم الأحد المذكور، اجتمع القضاة بدار السعادة، وحضر الأمراء والعساكر، وحلفوا للملك المنصور. وتولى النحليف القاضى شمس الدين بن غانم، بحضور الأمير سيف الدين أغرلوا، نائب السلطنة، وحلف هو أيضا، وأظهر السرور بسلطنة الملك المنصور. وقال: السلطان، أعز الله تعالى نصره، هو الذى عيننى لنيابة السلطنة، وأستاذى كان قد استصغرنى، فأشاد هو بى، فأنا نائب السلطان الملك المنصور. ثم توجه هو والأمير سيف الدين جاعان إلى الأبواب السلطانية «٤» .
وخطب للملك المنصور حسام الدين لاجين، بجوامع دمشق، فى يوم الجمعة، مستهل شهر ربيع الأول، سنة ست وتسعين وستمائة. وكان الأمير شمس الذى سنقر الأعسر، قد حضر من جهة السلطان الملك المنصور إلى ظاهر
стр. 12368
دمشق، فى ليلة الأحد رابع صفر. وأرسل إلى الأمراء كتبا كانت معه، وحلف جماعة منهم. وتوجه إلى قارا «١» فى ليلته، وكان بها جماعة من الأمراء المجردين، فاجتمع بهم، وقرّر الأمر معهم، وكتب إلى السلطان بذلك. ثم رجع وأقام بلد بجماعته، حفظا للبلاد بتلك الجهة «٢» . فلما بلغه «٣» استقرار الأمور بدمشق، توجه إليها، ودخلها فى يوم الخميس، سابع عشرين صفر. فتلقاه الناس، واشتعلت الشموع لمقدمه نهارا، وحضر الأكابر والأعيان إلى خدمته. ونودى بدمشق، من له مظلمة، فليحضر إلى دار الأمير شمس الدين [سنقر الأعسر «٤» ] .
ثم وصل الأمير حسام الدين أستاذ الدار إلى دمشق، بجماعة من العسكر.
وجمع الأمراء بدار السعادة، بحضور القضاة. وقرئ عليهم كتاب السلطان، يتضمن استقراره فى الملك، وجلوسه على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، واجتماع الكلمة عليه، وركوبه بالخلع الخليفية، والتقليد من أمير المؤمنين، الحاكم بأمر الله، أبى العباس أحمد «٥» .
ثم وصل الأمير سيف الدين جاغان الحسامى، من الأبواب السلطانية، فى عشية يوم الاثنين، حادى عشر شهر ربيع الأول. ودخل فى بكرة نهار الثلاثاء،
стр. 12369
إلى قلعة دمشق، هو والأمير حسام الدين أستاذ الدار، والأمير سيف الدين كجكن، وقاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، واجتمعوا بالملك العادل. فحلف للسلطان الملك المنصور يمينا مستوفاة مغلظة، أنه فى طاعة السلطان الملك المنصور وموافقته، وإخلاص النية له، وأنه رضى بالمكان الذى عينه له، وهو قلعة صرخد، وأنه لا يكاتب ولا يستفسد أحدا، إلى غير ذلك، مما اشترط عليه. ثم وصل الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، نائب السلطنة بالشام، إلى دمشق فى يوم السبت سادس عشر شهر ربيع الأول، ونزل بدار السعادة، على عادة النواب «١» .
وخرج الملك العادل، من قلعة دمشق، وتوجه إلى صرخد، فى ليلة الثلاثاء تاسع عشر، شهر ربيع الأول. وتوجه معه مماليكه، وجرد معه جماعة من العسكر الشامى، إلى أن وصل إلى قلعة صرخد.
فكانت مدة سلطنة الملك العادل، منذ جلس على تخت السلطنة، بقلعة الجبل، فى يوم الأربعاء حادى عشر المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، وإلى أن فارق الدهليز بمنزلة العوجا، وتوجه إلى دمشق، فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من المحرم، سنة ست وتسعين وستمائة، سنتين وسبعة عشر يوما، وإلى أن خلع نفسه من السلطنة بدمشق، فى يوم السبت رابع عشرين صفر، شهرا واحدا، وأحد عشر يوما «٢» .
ولما وصل الأمير سيف الدين جاغان إلى دمشق، أحضر على يديه توقيعا
стр. 12370
للصاحب تقى الدين توبة، بوزارة دمشق على عادته، وتوقيعا للقاضى أمين الدين بن حلال، بنظر الخزانة، عوضا عن تقى الدين توبة، وتوقيعا للشيخ أمين الدين العجمى بنظر الحسبة بدمشق. فباشر كل منهم ما فوض إليه. ثم خلع على الأمراء والمقدمين، والقضاة، وأعيان الدولة بدمشق، فى يوم الاثنين ثانى شهر ربيع الآخر. فيقال إن عدة التشاريف التى فرقت ستمائة تشريف «١» .
ذكر الإفراج عن جماعة من الأمراء
وفى هذه السنة، أفرج السلطان الملك المنصور عن جماعة من الأمراء المعتقلين، وهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغى الأشرفى، والأمير شمس الدين الركن السلاح دار، وغيرهم من المماليك السلطانية. وأعطى الأمير ركن الدين بيبرس [الجاشنكير «٢» ] إمرة بالديار المصرية، والأمير سيف الدين برلغى إقطاعا بدمشق، فتوجه إليها.
وفيها، أمّر السلطان الملك المنصور جماعة من مماليكه، وهم الأمير سيف الدين منكوتمر، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، والأمير سيف الدين بيدوا «٣» ، والأمير سيف الدين جاغان، والأمير سيف الدين بهادر المعزى.
ذكر تجديد عمارة الجامع الطولونى وترتيب الدروس به، والوقف على ذلك
وفى هذه السنة، أمر السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين بتجديد
стр. 12371
عمارة الجامع الطولونى. وندب لذلك الأمير علم الدين سنجر الدوادارى. وأقر لعمارته من خالص ماله، عشرين ألف دينار عينا. فاهتم الأمير علم الدين، المشار إليه، بعمارته وعمارة أوقافه. وابتاع السلطان من بيت المال منية أندونه «١» ، من الأعمال الجيزية، ووقفها على المدرسين والمشتغلين وأرباب الوظائف بالجامع.
ورتب فيه درسا لتفسير كتاب الله العزيز، ودرسا لحديث رسول الله، ﷺ ، ودروسا للفقه على المذاهب الأربعة. وجعل لهذه الدروس مدرسا لكل طائفة، ومعيدين وطلبة. ورتب دروسا للطب «٢» ، وميعادا «٣» للرقائق «٤» ، وشيخا للسبحة، ومكتب سبيل، وغير ذلك من أنواع البر. ورتب لهم الجامكيات المتوفرة، واستمر ذلك إلى الآن «٥» .
وفى هذه السنة، نقل السلطان، الخليفة الحاكم بأمر الله أبا العباس «٦» أحمد
стр. 12372
العباس أمير المؤمنين، من البرج الذى كان يسكنه بقلعة الجبل إلى مناظر الكبش. وأجرى عليه وعلى أولاده الأرزاق الواسعة، ووصله بالصلات الجزيلة، وصار يركب معه فى الموكب. والتمس الخليفة من السلطان الإذن فى الحج، فأذن له فى سنة سبع وتسعين وستمائة، وجهزه بما يحتاج إليه «١» .
ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية والشام لمن يذكر
. وفى هذه السنة، حضر إلى الأبواب السلطانية جماعة من قضاة القضاة والأعيان بدمشق، منهم قاضى القضاة حسام الدين الحنفى الرومى، وقاضى القضاة جمال الدين المالكى، والقاضى إمام الدين القزوينى، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى وغيرهم. فلما وصلوا، أكرمهم السلطان، وأحسن إليهم، وخلع عليهم. وفوض إلى قاضى القضاة حسام الدين الحنفى قضاء القضاة بالديار المصرية، وعامله بمالم يعامل به أحدا من الإكرام، والتقريب والبر والتشاريف.
وأقر ولده القاضى جلال الدين على قضاء الشام. وفوض إلى القاضى إمام الدين القزوينى الشافعى، قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام الشافعى. وكتب تقليده فى رابع جمادى الأولى، عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة.
واستقر بيد القاضى بدر الدين الخطابة بالجامع الأموى بدمشق، وتدريس المدرسة القيمرية، وأعيد القاضى جمال الدين الزواوى المالكى إلى دمشق على عادته، وخلع عليهما، فكان وصولهما إلى دمشق فى ثامن شهر رجب. وجلس القاضى إمام الدين للحكم بالمدرسة العادلية، وامتدحه الشعراء. فكان ممن امتدحه الشيخ كمال الدين بن الزملكانى بقصيدته التى أولها:
стр. 12373
تبدّلت الأيام من عسرها يسرا ... فأضحت ثغور الشام تفتر بالبشرى «١»
وأما الرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى، فإنه تأخر بالديار المصرية مدة، ثم عاد إلى دمشق، فوصلها فى الخامس والعشرين من شهر رمضان. وقد خلع عليه خلع الوزراء، تشريفا كاملا بطرحة ومنديل هنكرى «٢» مزركش، وخلع على ولديه. واستعاد [له] «٣» من ورثة السلطان الملك المنصور، ما كان قد صودر به، وأخذ منه فى «٤» الأيام المنصورية. وأثبت ذلك فى وجه وكيل الورثة المنصورية، وتعويض عنها أملاكا، من الأملاك المنصورية. فذكر أن قيمتها أضعاف ما أخذ منه، منها حصة بقرية الرمثا «٥» وغير ذلك.
وفيها، ولى الأمير سيف الدين جاغان الحسامى شد الشام، وباشر ذلك فى يوم الاثنين العشرين من شهر رجب، عوضا عن الأمير فتح الدين بن صبره «٦» .
ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين سنقر الأعسر .
وفى هذه السنة، تقدم أمر السلطان بطلب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى، من دمشق، على خيل البريد. فركب منها فى سابع عشر جمادى الآخره. ووصل إلى الأبواب السلطانية فى الشهر المذكور، فأكرمه السلطان
стр. 12374
وأحسن إليه، وشرّفه وأمّره بالديار المصرية. ثم فوض إليه الوزارة، وتدبير الدولة، بالديار المصرية والممالك الشامية «١» .
وكان جلوسه فى دست الوزارة، فى السادس والعشرين، من شهر رجب.
وعزل الصاحب فخر الدين بن الخليلى، وسلّم إليه، ليستخرج منه «٢» مالا. واستمر فى الوزارة إلى يوم السبت ثالث عشرين ذى الحجة، فقبض عليه لأمور أنكرها السلطان، وظهرت له منه.
ذكر القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة، وتفويض نيابة السلطنة للأمير سيف الدين منكوتمر .
وفى هذه السنة، فى يوم الثلاثاء منتصف ذى القعدة، قبض السلطان على نائبه وخوشداشه، الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى واعتقله. وأمر بإيقاع الحوطة على موجوده وحواصله، بالديار المصرية والبلاد الشامية. وفوّض السلطان، بعد القبض عليه، نيابة السلطنة بمقر ملكه، لمملوكه الأمير سيف الدين منكوتمر الحسامى «٣» .
وفى هذه السنة، بعد القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، ركب السلطان الملك المنصور إلى الميدان، للعب بالكرة، فتقنطر به فرسه، فسقط إلى الأرض، وانكسر أحد جانبى يديه وبعض أضلاعه. ووجد شدّة
стр. 12375
عظيمة لذلك. واحتاج الجبرون إلى كسر عظم الجانب الآخر من يده، لأجل صحة الجبر، فإنه لا «١» يجبر أحد الجانبين، وإن انجبر قصر عن الجانب الآخر، فنعذّر «٢» الانتفاع باليد، واضطرّ إلى ذلك، وتوقف عن الإجابة إليه. فدخل عليه الأمير شمس الدين سنقر الأعسر- وكان ذلك قبل القبض عليه- وقال له:
أنا حصل لى مثل هذا، فلما احتجت إلى كسر النصف الآخر، ضربته بدقماق حديد «٣» ، فانكسر ثم جبر. وكلّمه فى ذلك بكلام فيه غلظ واستخفاف. ولم يسلك ما جرت العادة به من الآداب الملوكية. فكان هذا من أسباب القبض عليه كما تقدم.
واستمر السلطان على الانقطاع لهذه الحادثة، إلى أن كملت صحته، وصح ما جبر من يده وجسده. ثم ركب فى حادى عشر صفر، سنة سبع وتسعين وستمائة فاستبشر الناس بذلك، ودقّت له البشائر بمصر والشام.
وفى سنة ست وتسعين وستمائة، فى الحادى والعشرين من شهر ربيع الأول كانت وفاة الشيخ الإمام، السيد الشريف ضياء الدين مفتى المسلمين، أبى الفضل جعفر ابن الشيخ العارف القطب اتفاقا، عبد الرحيم بن أحمد بن مجنون الحسينى الشافعى، ﵀. وكان قد ولى وكالة بيت المال، فى أول الدولة المنصورية، مدة لطيفة، ثم عزل نفسه.
стр. 12376
وفيها، فى ليلة الثلاثاء، سادس عشرين ربيع الأول، توفى الشيخ الإمام الحافظ جمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ محمد بن عبد الله الظاهرى، وولده محمد، عتيق السلطان الملك الظاهر غازى. ودفن بتربته بمقبرة باب النصر، ظاهر القاهرة، رحمه الله تعالى.
وفيها، فى يوم الاثنين ثامن عشر شعبان، توفى الصدر سيف الدين أحمد ابن محمد بن جعفر الساوى بدمشق، ودفن بداره، جوار المدرسة الكروسية، داخل دمشق. وكان كبير المحل فى النفوس، مشهور المكانة عند الخليفة المستعصم بالله وغيره. وقد تقدم ذكره فى الدولة المنصورية. وكان حسن الشعر إلا أنه كان كثير الهجاء. وأهاجيه مشهورة، منها الأرجوزة التى عملها فى مباشرى «١» الدولة المنصورية الناصرية بدمشق، وهى مشهورة.
وفيها، فى ليلة الخميس الثالث والعشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الأمير عز الدين أزدمر العلائى، أحد الأمراء بدمشق. وهو أخو الحاج علاء الدين طيبرس الوزيرى، رحمهما الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة الصاحب محيى الدين أبى عبد الله محمد بن يعقوب بن إبراهيم بن النحاس الأسدى. وكانت وفاته ببستانه بالمزة، فى سلخ ذى الحجة ودفن فى مستهل المحرم. ولى الوزارة بالشام مرارا. ولما توفى، كان مدرسا بالمدرسة الريحانية والظاهرية وناظر الخزانة، رحمه الله تعالى.
стр. 12377
واستهلت سنة سبع وتسعين وستمائة [٦٩٧- ١٢٩٧/١٢٩٨]
ذكر وصول الملك المسعود نجم الدين خضر ومن معه من القسطنطينية إلى الديار المصرية «١»
كان السلطان قد كتب إلى الأشكرى، صاحب القسطنطينية، فى سنة ست وتسعين وستمائة، إذ تجهّزوا أولاد الملك الظاهر إلى الديار المصرية مكرمين، هم ومن معهم. فجهز إليه الملك المسعود نجم الدين خضر ووالدته.
وأحضر الملك العادل سلامش فى تابوت مصبرا، وكان قد مات بالقسطنطينية.
وكان وصولهم فى هذه السنة، فأكرمهم السلطان، وأحسن إليهم. وكان قد تزوج إحدى بنات الملك الظاهر، فلذلك كتب بإحضارهم، ودفن الملك العادل بدر الدين سلامش. ثم استأذن الملك المسعود السلطان فى الحج، فأذن له، فحج فى هذه السنة. وجهزه السلطان بما يحتاج إليه. ولما عاد، سكن القاهرة المعزية.
وفى هذه السنة، كتب تقليد الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، بنيابة السلطنة الشريفة بالشام المحروس، وجهزّ إليه إلى دمشق، فوصل إليه فى يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول، يزينه التشريف السلطانى والسيف والحياصه والفرس. ويقال إنه تولى نيابة دمشق فى هذه المدة الماضية بغير تقليد، فوصل
стр. 12378
إليه الآن، فجدّد الحلف للسلطان بحضور القضاة والأمراء. وركب بكرة نهار الخميس، وعليه التشريف، وقبّل عتبة باب السر بقلعة دمشق على العادة.
ذكر توجه الملك السلطان الناصر إلى الكرك وإقامته بها
وفى هذه السنة، جهز السلطان الملك المنصور حسام الدين [الملك السلطان الناصر «١» ] إلى الكرك، فتوجه إليها، وتوجه فى خدمته الأمير سيف الدين سلار أستاذ الدار، فوصل إليها فى رابع شهر ربيع الأول. فأخبرنى قاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى، عن خبر إرساله إلى الكرك. قال: طلبنى الملك المنصور حسام الدين، وقال لى: «إعلم أن السلطان الملك الناصر ابن أستاذى، وأنا والله فى السلطنة مقام النائب عنه. ولو علمت أنه الآن يستقل بأعباء السلطنة ولا تنخرم هذه القاعدة، ويضطرب الأمر، أقمته وقمت بين يديه. وقد خشيت عليه فى هذا الوقت، وترجح عندى إرساله إلى قلعة الكرك. فيكون بها إلى أن يشتد عضده، ويكون من الله الخير. والله ما أقصد بإرساله إليها إبعاده، ولكن حفظه، [وأما «٢» ] السلطنة فهى له» . وأمثال هذا الكلام. قال: فشكرته على ذلك، ودعوت له. ولعل السلطان الملك المنصور، إنما قال هذا القول تطبيبا لقلب قاضى القضاة، لا حقيقة، وكان فى طى الغيب كذلك.
ولما توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك، توجه فى خدمته جماعة من مماليكه ومماليك أبيه السلطان الملك المنصور، منهم الأمير سيف الدين بهادر الحموى المنصورى وهو أكبرهم سنا. وهو القائم فى خدمته مقام اللالا، والأمير
стр. 12379
سيف الدين أرغون المنصورى الناصرى الدوادار، وكان قد تربى فى خدمة السلطان من صفره، وسيف الدين طيدمر جوباش «١» ، رأس نوبة الجمدارية وغيرهم.
وكان النائب بالكرك يوم ذاك، الأمير جمال الدين أقش الأشرفى المنصورى وكان فى خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، وهو باق على نيابته بها.
ذكر القبض على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى وغيره
وفى هذه السنة، فى سادس شهر ربيع الآخر، قبض السلطان على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى. واعتقله بالقاعة الصالحية، بقلعة الجبل.
وكان مكرما فى اعتقاله، وأحضر إليه زوجته المنصورية، والدة أحمد ابن السلطان الملك المنصور. وكان سبب ذلك أن السلطان ندبه فى هذه السنة لكشف جسور الجيزية واتقانها. وهذه الوظيفة بالنسبة له إطراح «٢» كثير له ولعظامته «٣» ، وإن كانت كثيرة فى حق غيره. فتوجه إلى الجيزية بسائر مماليكه وألزامه. فاجتمع معه جمع كثير، يقال إنهم كانوا نحو سبعمائة. وكان يحضر إلى الخدمة فى يومى الاثنين والخميس، ويعود إلى مخيمه. فلما تكامل اتقان الجسور، استأذن فى عمل ضيافة للسلطان هناك. فأذن له واهتم لها اهتماما كثيرا. وحصل بسببها جملة من الأغنام والأصناف وغير ذلك. وقرر مع السلطان أنه يحضر هذه الضيافة.
فأوهم نائبه الأمير سيف الدين «٤» منكوتمر، السلطان من خروجه وحذره منه.
стр. 12380
وأحضر بهاء الدين أرسلان، أستاذ دار الأمير بدر الدين بيسرى، وهو ابن مملوكه بدر الدين بيليك، أمير مجلس. وكان قد ربى أرسلان هذا كالولد.
فلما كبر قدّمه على جماعة من أكابر مماليكه الذين كانوا فى منزلة أبيه، وجعله أستاذ داره، وأحسن إليه إحسانا كثيرا، فخدمه الأمير سيف الدين منكوتمر ولاطفه ووعده بإمرة طبلخاناة، إن هو أنهى إلى السلطان، أن مخدومه الأمير بدر الدين بيسرى يقصد اغتياله. فأطمعت أرسلان نفسه، بما وعده منكوتمر، ووافقه على ما قصده. وحضر إلى السلطان وأوهمه من أستاذه أنه إن حضر ضيافته قبض عليه وقتله. ثم عّضد ذلك أن الأمير بدر الدين بيسرى، أرسل إلى منكوتمر يطلب منه الدهليز السلطانى، لينصب فى مكان المهم، ولم يشعر بما وقع. فرسم بتسليم الدهليز لمماليك الأمير بدر الدين بيسرى، وأن يتوجه مقدم الفراشين السلطانية ومن معه لنصبه، ولم يطلع السلطان على ذلك.
فلما حمل الدهليز السلطانى على الجمال، ومرّبه المماليك والغلمان، تحت القلعة ليتوجهوا به إلى الجيزية، رآه السلطان من القلعة. فأرسل إلى الأمير سيف الدين منكوتمر، وسأله عن أمره، فأنكر أن يكون اطلع على شىء من حاله. وقال إن مماليك بيسرى أخذوه من الفراش خاناة السلطانية من غير استئذدان. ثم قال للسلطان، هذا مما يحقق صدق ما نقل عنه، وأغراه به. فأمر السلطان بإعادة الدهليز إلى الفراش خاناة «١» .
وكان الحامل للأمير سيف الدين منكوتمر على ذلك أن أستاذه الملك المنصور حسام الدين، كان قد عزم على أن يجعله ولىّ عهده بعده، كما فعل السلطان الملك المنصوره والملك الظاهر بأولادهما، ويقرن اسمه مع اسمه فى الخطبة، لأن لاجين لم يكن له ولد ذكر. فتحدث فى ذلك مع الأمير بدر الدين بيسرى، فأنكره غاية
стр. 12381
الإنكار، وأجاب عنه بأقبح جواب، وردّه بأشنع ردّ. فكان مما حكى أنه قال للسلطان: أعلم أن مملوكك هذا الذى أشرت إليه، لا يصلح للجندية، وقد أمرّته وقدمته، فصبر الناس لك على هذا. وجعلته نائب السلطنة، ومشيّت الأمراء والجيوش فى خدمته، فأجابوا إلى ذلك، طاعة لك، وطلبا لرضاك، مع ما تقدم من أيمانك عند السلطنة، أنّك لا تقدم مماليكك على الأمراء، ولا تمكنهم منهم. ثم لم تقنع له بما خوّلته فيه، ومكنته منه، ورفعته من قدره، حتى نقصد أن تجعله سلطانا مثلك، هذا لا يوافقك الناس عليه أبدا.
وحذره من ذلك غاية التحذير، ونهاه عنه، وعن الحديث فيه مع غيره. ولعمرى لقد بالغ فى النصحية «١» له. فأعلم السلطان منكوتمر، بما دار بينه وبين الأمير بدر الدين بيسرى فى أمره، وبما أجاب به فى معناه. فرأى منكوتمر أنه منعه ملكا عظيما، وسلبه أمرا جسيما. وعلم أنه لا يتم له هذا الأمر، الذى أشار به السلطان، ولا يتمكن منه، مع بقاء بيسرى وأمثاله من الأمراء. فشرع فى التدبير عليهم، وأغرى مخدومه بهم. وابتدأ بالتدبير على بيسرى. وعلم أنه إن ينقل «٢» عنه أمرا، ربما أن السلطان لا يتلقاه بقبول، فأخذه من مأمنه. وتحيّل على أستاذ داره أرسلان، حتى أنهى عنه ما أنهاه. ثم عضد ذلك بواقعة الدهليز، فتحقق ما نقل عنه. ولما وقع ذلك، أطلع عليه بعض الأمراء الأكابر، فراسلوا الأمير بدر الدين بيسرى، وأعلموه، بما اطلعوا عليه وكان ممن راسله فى ذلك، الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى وغيره من الأمراء، وحذروه من السلطان، وحلفوا له على الموافقة والمعاضدة. فلم يرجع إلى قولهم، ولا أصغى
стр. 12382
إليهم. ثم أرسل إليه سيف الدين أرغون، أحد مماليك الملك المنصور، وخاصكيته وأقربهم عنده، يخبره أن السلطان قد عزم على القبض عليه، ويحذره من الحضور إلى الخدمة، وإنه إن حضر يكون فى أهبة واستعداد. وكان الحامل لأرغون على ذلك، أن أستاذه أمرّ غيره من مماليكه، ولم يؤمره بطبلخاناة مع اختصاصه به، وانما أعطاه إمرة عشرة «١» ، فوجد فى نفسه. ومن العجب أن كل واحد، من السلطان وبيسرى، أتى فى هذا الأمر من مأمنه، وأذاع سره أخص الناس به، فإن أرسلان كان من بيسرى بالمكان الذى ذكرناه، كأعز أولاده عنده، وأرغون هذا كان من أخص المماليك المنصورية الحسامية، حتى لقد بلغنى أنه أعطاه فى يوم واحد، سبعين فرسا، وغير ذلك. فحمل أرسلان الطمع بالإمرة، و [حمل] «٢» أرغون الغيرة من تقديم أمثاله عليه. ففعلا ما فعلا، ونقلا ما نقلا.
وحضر الأمير بدر الدين بيسرى إلى الخدمة، فى يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الآخر. فأخبرنى ركن الدين بيبرس الجمدار، أحد المماليك «٣» البدرية، الذين كانوا معه، يوم القبض عليه، أنه لما عبر إلى الخدمة، تلقاه السلطان قائما على عادته. وجلس إلى جانبه، وبالغ السلطان فى إكرامه. ولما قدم السماط، امتنع الأمير بدر الدين من الأكل، واعتذر بالصوم. فأمر
стр. 12383
السلطان برفع مجمع من الطعام لفطوره، فرفع له. وبقى السلطان يحادثه سرا، ويؤانسه ويشغله عن القيام، إلى أن رفع السماط. وخرج الأمراء، وقام الأمير بدر الدين معهم على عادته. فلما انتهى إلى بعض الإيوان، استدعاء السلطان، فعاد إليه. فقام له أيضا وجلس معه، وحدّثه طويلا. والحجاب والنقباء يستحثون الأمراء على الخروج «١» . ثم قام [بيسرى] «٢» ، فاستدعاه [السلطان] «٣» أيضا، فعاد إليه. وقام السلطان له، وجلس معه وتحدثا.
قال الحاكى لى: ورأيت السلطان قد ناوله شيئا من جيبه، ما أعلم ما هو، فتناوله الأمير بدر الدين، ووضعه فى جيبه، وقبّل يد السلطان وفارقه. وقد خلى المجلس والدهاليز إلا من المماليك السلطانية. فلما خرج، أتاه الأمير سيف الدين طقجى، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير الحسامى، وعدلا به إلى جهة أخرى.
وقبض ايدغدى شقير على سيفه، وأخذه من وسطه، ونظر إليه طقجى وبكى عند القبض عليه. وتوجها به إلى المكان الذى جهز لاعتقاله به. ولم يزل الأمير بدر الدين معتقلا إلى أن مات، فى الدولة الناصرية على ما نذكره إن شاء الله تعالى «٤» .
وقبض السلطان أيضا على الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى الحاجب، ونقل الأمير سيف الدين كرد أمير آخور إلى الحجبة «٥» . وقبض على الأمير شمس
стр. 12384
سنقر شاه «١» الظاهرى. وقبض أيضا فى أواخر السنة على الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى.
[وفى جمادى الأولى «٢» ] ، أمر السلطان بمصادرة القاضى بهاء الدين بن الحلى ناظر الجيوش المنصورة، وأخذ خطه بألف ألف درهم، وعزله عن الوظيفة «٣» .
أو حضر عماد الدين بن المنذر، ناظر جيش الشام، فولّاه النظر. وكان قد جلس فى نظر الجيش، فيما بين عزل بهاء الدين وحضور ابن المنذر، القاضى أمين الدين المعروف بابن الرقاقى. فلما وصل ابن المنذر، فوض إليه النظر. ومرض أمين الدولة، وانقطع فى داره لما حصل له من الألم «٤» .
وفى هذه السنة، أقيمت الخطبة وصلاة الجمعة بالمدرسة المعظمية بسفح قاسيون، ولم تكن قبل ذلك، وخطب بها مدرسها شمس الدين بن الشرف بن العز الحنفى، فى يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر، باتفاق الملك الأوحد ناظر المدرسة «٥» .
ذكر إعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى إلى الوزارة
وفى هذه السنة، فى جمادى الأولى، رسم السلطان بإعادة الصاحب الوزير فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز الخليلى إلى الوزارة فعاد،
стр. 12385
وصادر ألزام الأمير شمس الدين [سنقر] «١» الأعسر «٢» .
ذكر تجريد العساكر إلى سيس وما فتح من قلاعها
وفى هذه السنة، جرّد السلطان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى الصالحى أمير سلاح، والأمير حسام الدين لاجين الرومى، أستاذ الدار، والأمير شمس الدين آقسنقر كرتاى «٣» ، ومن معهم من مضافيهم. وأمرهم أن يتوجهوا إلى بلاد سيس. فتوجهوا من القاهرة، فى جمادى الأولى، والمقدم على الجيش أجمع الأمير بدر الدين [بكتاش] «٤» أمير سلاح.
وكان وصولهم إلى دمشق فى يوم الخميس، خامس جمادى الآخرة، وتوجهوا منها فى ثامن الشهر. وجرّد، معهم من عسكر دمشق، الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجالق، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصورى ومضافيهم «٥» . وجرد العسكر الصفدى، ومقدمه الأمير علم الدين [ايدغدى «٦» ] الإلدكزىّ «٧» . وجرّد جماعة من العسكر الطرابلسى، والملك المظفر صاحب حماه بعسكرها.
стр. 12386
ولما اتصل خبر تجريد العسكر بصاحب سيس، جهز رسله إلى الأبواب السلطانية، يستعطف السلطان، ويسأل مراحمه، فلم تجد «١» رسالته نفعا.
ووصلت هذه العساكر إلى حلب. وأردف السلطان هذه العساكر بالأمير علم الدين سنجر الدرادارى، أحد مقدمى العساكر بالديار المصرية، ومضى فيه، فخرج مسرعا، وأدرك الجيش بحلب. وجرد من العسكر الحلبى الأمير علم الدين المعروف بالزغلى و [الأمير علم الدين سنجر الحلبى «٢» ] ، ومضافيهما. وتوجهت هذه الجيوش بجملتها إلى بلاد سيس. فلما نزلوا بالعمق، افترقت العساكر فرقتين. فتوجه الأمير بدر الدين بكتاش، أمير سلاح، والأمير حسام الدين أستاذ الدار، والأمير ركن الدين الجالق، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان، والعسكر الصفدى من عقبة بفراس إلى باب اسكندرونة، ونازلوا تل حمدون. وتوجه الملك المظفر صاحب حماه، والأمير علم الدين سنجر الدوادارى، والأمير شمس الدين آفسنقر كرتاى «٣» ، وبقية الجيش من عقبة المريت «٤» . وصار نهر «٥» جهان بين الفريقين وكان دخولهم إلى در بند سيس، فى يوم الخميس، رابع شهر رجب.
стр. 12387
ولما صاروا ببلاد سيس، اختلف الأمير بدر الدين أمير سلاح، والأمير علم الدين الدوادارى، فأشار أمير سلاح بالحصار ومنازلة القلاع. وأشار الدوادارى بالإغارة والإفتصار عليها. وقال أنا المقدم على هذه الجيوش كلها، وأنا آخركم عهدا بالسلطان، وإنما رسم السلطان بالإغارة. فاضطر أمير سلاح ومن معه، لموافقة الدوادارى، وقطعوا جهات من مخاضة العمودين، وتوجهوا للإغارة. فتوجه صاحب حماه والدوادارى، ومن معهما إلى سيس نفسها. وتوجه أمير سلاح ومن معه إلى تاورزه «١» ، وأقاموا عليها يوما وليلة. ورحلوا إلى أذنة، واجتمعت الطائفتان «٢» بها، بعد أن قتلوا من ظفروا به من الأرمن، واستاقوا ما مرّوا به من الأبقار والجواميس. وعادوا من أذنة إلى المصيصة بعد الإغارة، وأقاموا بها ثلاثة أيام، حتى نصبوا جسرا مرت العساكر عليه، ورجعوا إلى بغراس، ثم إلى مرج أنطاكية. وأقاموا ثلاثة أيام، ورحلوا إلى جسر الحديد بأرض الروج «٣» ، عازمين على العود إلى الديار المصرية، بالعساكر «٤» المصرية إلى مستقرها.
وكان الأمير بدر الدين أمير سلاح، لما نازعه الدوادارى فى التقدمة، ومنعه من الحصار، وصمم على الأقتصار على الإغارة، قد كتب إلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى، نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، يعلمه بما وقع والتمس منه مطالعة السلطان بذلك. فطالع بصورة الحال، فورد الجواب من السلطان، والعساكر
стр. 12388
بالروج، يتضمن الإنكار على الأمير علم الدين الدوادارى، كونه ادّعى التقدمة على الأمير بدر الدين أمير سلاح، واقتصر على الإغارة، وأن الدوادارى إنما خرج مقدما على مضافيه خاصة، وإن التقدمة على سائر الجيوش للأمير بدر الدين أمير سلاح. ورسم السلطان أن العساكر لا تعود، إلا بعد فتح تل حمدون. وإن عادت قبل فتحها، فلا إقطاع لهم بالديار المصرية؛ إلى غير ذلك من الحث على فتحها. فعند ذلك، عطفت العساكر من الروج إلى جهة حلب، ووصلوا إليها، وأقاموا بها ثمانية أيام، وتجهّزوا منها بما يحتاجون إليه. ودخلوا إلى بلاد سيس بأثقالهم، وعبروا بجملتهم من عقبة بغراس. وجرّد الأمير بدر الدين [بكتاش] «١» أمير سلاح، الأميرين سيف الدين كجكن، وبهاء الدين قرا أرسلان، إلى إياس، فأكمن لهم الأرمن فى البساتين، فلم تتمكن العسكر من قتالهم، ورحلوا شبه المنهزمين، فأنكر أمير سلاح عليهم وسبّهم، فاعتذروا بضيق المسلك والتفاف الأشجار، وعدم التمكن من العدو. ثم رحل بجميع الجيش، ونزل على تل حمدون، فوجدها خالية، وقد أنتقل من بها من الأرمن إلى قلعة نجيمة، فتسلمها، فى سابع شهر رمضان، وسلمها للأمير علم الدين الشيبانى، النائب ببغراس.
ولما دخل الجيش إلى بلاد سيس، جرّد الأمير سيف الدين الطباخى، نائب السلطنة بحلب، طائفة من عسكرها، ومن انضم إليهم من التركمان وغيرهم، ففتحوا قلعة مرعش، فى عاشر شهر رمضان أيضا. ثم جاء الخبر إلى العسكر أن واديا تحت قلعة نجيمة وحموّص «٢» قد امتلأ بالأرمن، وأن المقاتلة من قلعة
стр. 12389
نجمية يحمونهم. فندب إليه طائفة من العسكر، فرجعوا ولم يبلغوا غرضا.
ثم [سيّر] «١» طائفة ثانية، فرجعوا كذلك «٢» . فرحل الأمراء بجملتهم فى نفر من أعيان الجيش وأقويائه، وقاتلوا أهل نجيمة، حتى ردوهم إلى القلعة.
ثم تقدم الجيش إلى الوادى، وقتلوا من به من الأرمن، وأسروا ونهبوا، ونازلوا قلعة نجيمة، ليلة واحدة. ثم خرج العسكر إلى الوطاة «٣» ، وبقى صاحب حماه وأمير سلاح، فى مقابلة من بالقلعة، حتى خرج العسكر، خشية أن يخرج أهل نجيمة، فينالوا من أطراف العسكر. ثم خرجوا بجملتهم واجتمعوا بالوطاة. فوصل البريد بكتب السلطان، يتضمن أنه بلغه أن تل حمدون أخليت، وأنها أخذت بغير قتال ولا حصار، وانتقل من بها إلى قلعة نجيمة. وأمر بمنازلة قلعة نجيمة وحصارها، إلى أن تفتح، فعادت العساكر إليها وحاصروها. واختلف أمير سلاح والدوادارى أيضا، فقال الدوادارى: إن هذا الجيش بجملته إذا نازل هذه القلعة، لا يظهر من اجتهد وقاتل، ممن تخاذل وعجز. والقتال عليها إنما هو من وجه واحد. والرأى أن يتقدم فى كل يوم مقدم ألف، ويزحف بجماعته ليظهر فعله، واستقل القلعة واستصغرها وحقّر أمرها. وكان فى جملة كلامه أن قال:
أنا آخذ هذه القلعة فى حجرى. فاتفق الأمر على أن يتقدم الدوادارى بألفه، للزحف فى أول يوم. فزحف بمن معه حتى لا حف «٤» السور. فأصابه حجر منجنيق فى مشط رجله، فقطعه وسقط إلى الأرض. فتبادر الأرمن بالنزول إليه،
стр. 12390
وكادوا يأسرونه. فحمل أمير سلاح بجماعته، حتى حجزهم عنه. وأخرج الدوادارى على جنوية «١» ، وحمل إلى وطاقه «٢» . وعادوا إلى حلب، ثم توجه منها إلى الديار المصرية. وقد سكنت نفسه، ونقصت حرمته عما كانت عليه، وكان قبل ذلك له حرمة وافرة وقتل الأمير علم الدين سنجر طقصبا الناصرى، على هذه القلعة. وزحف الأمير شمس الدين آقسنقر كرتاى «٣» فى اليوم الثانى، وانتهى إلى سور القلعة ونقيه، وخلّص منه ثلاثة أحجار. واستشهد من مماليكه وأجناده أحد عشر رجلا، ونفران من الحجارين.
ثم زحف أمير سلاح، وصاحب حماه، وبقية الجيش. ورتّبهم أمير سلاح طوائف، طائفة تتلو أخرى. وقرر معهم، أن يردف بعضهم بعضا. وتقدموا بالجنويات، حتى وصلوا إلى السور، وأخذوا مواضع النقوب «٤» ، وأقاموا الستائر «٥» .
ولازموا الحصار عليها واحدا وأربعين يوما. وقد اجتمع بها جمع كثير من الفلاحين والنساء والصبيان من أهل القرى المجاورة لها، فقلّت المياه بالقلعة.
فاضطر الأرمن إلى إخراجهم منها، فأخرجوهم فى ثلاث دفعات. فأخرجوا فى المرة الأولى مائتى رجل، وثلاثمائة امرأة ومائة وخمسين صبيا. فقتل العسكر الرجال، وتفرّقوا النساء والصبيان. ثم أخرجوا فى المرة الثانية مائة وخمسين
стр. 12391
رجلا، ومائتى امرأة، وخمسة وسبعين صبيا، ففعلوا بهم كذلك. ثم أخرجوا جماعة أحرى فى المرة الثالثة. ولم يتأخر بالقلعة الا المقاتلة، وقلّت عندهم المياه، حتى اقتتلوا بالسيف على الماء، فسألوا الأمان فأعطوه، وسلموا القلعة فى ذى القعدة من السنة. وخرجوا منها، وتوجهوا إلى مأمنهم «١» .
وفى أثناء هذا الحصار، وصلت إلى العسكر مفاتيح النقير «٢» وحجر شغلان وسرقند كار وزنجفره وحموّص «٣» ، وتتمة أحد عشر حصنا من حصون الأرمن.
وسلم الأمير بدر الدين أمير سلاح هذه «٤» الفتوح إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «٥» أحد الأمراء بدمشق، وجعله نائبا بها. فلم يزل [استدمر «٦» ] بهذه الحصون، إلى أن بلغه حركة التتار وقربهم، فأباع ما بها من الحواصل وتركها خالية، فاستولى الأرمن عليها.
ولما تكامل هذا الفتح، عادت العساكر إلى حلب، ونزلوا بها، ليريحوا خيولهم. وترادف عليهم الأمطار وتزايدت، حتى سكنوا الخانات والدور. ثم أردفهم السلطان بتجريدة أخرى، من الديار المصرية، صحبة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير سيف الدين طقطاى، والأمير مبارز الدين أوليا
стр. 12392
ابن قرمان، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير الحسامى. فوصلوا إلى دمشق، فى ذى القعدة، وتوجهوا إلى حلب، وأقاموا بها مع العسكر. وجهز صاحب سيس رسلا إلى الأبواب السلطانية يسأل عواطف السلطان ومراحمه «١» . واستمر العسكر بحلب ينتظرون ما يرد عليهم، من أبواب السلطان. فأقاموا عليها شهورا، إلا الأمير حسام الدين أستاذ الدار، فإنه توجه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد. وكان عود هذا العسكر إلى الديار المصرية، ووصوله إلى القاهرة، فى منتصف شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين وستمائة، بعد مقتل السلطان بثلاثة أيام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر حادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات الله
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة، فى العشر الأول، من جمادى الأولى «٢» ، ورد على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، مطالعة مضمونها: أن شخصا بقرية جينين «٣» ، من الساحل الشامى، كانت له زوجة، فتوفيت إلى رحمة الله تعالى. فحملت بعد تغسيلها وتكفينها ودفنت. فلما عاد زوجها من المقبرة، تذكر أن منديله وقع فى القبر، وفيه جملة من الدراهم. فأتى إلى فقيه فى القرية، فاستفناء ف نبش القبر. فقال له فى ذلك يجوز نبشه وأخذ المال منه. ثم تداخل الفقيه المفتى فى ذلك شىء فى نفسه. فقام وحضر معه إلى القبر، فنبش الزوج القبر ليأخذ المال، والفقيه على جانب القبر. فوجد الزوج زوجته مقعدة «٤»
стр. 12393
مكتوفة بشعرها، ورجليها مكتوفتين بشعرها، [فحاول حل كتافها «١» ] ، فلم ينحل له ذلك، فأمعن فى ذلك، فخف به وبزوجته. ولم يوجد أو لم يعلم للخسف منتهى. وأما الفقيه فإنه أقام مغشيا عليه يوما وليلة أو ليلتين.- نسأل الله أن يسترنا ولا يفضحنا، وأن لا يؤاخذنا بسوء أفعالنا-. ولما وردت المطالعة على السلطان بهذه الحادثة، عرضها على شيخنا قاضى القضاة تقى الدين ابن دقيق العبد وغيره. وكتب يستعلم عن سيرة هذه المرأة والزوج المخسوف بهما، فما علمت ما ورد عليه من الجواب فى ذلك «٢» .
ذكر روك «٣» الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة أيضا، رسم السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، بروك الإقطاعات والمعاملات والنواحى والجهات بالديار
стр. 12394
المصرية. وندب لذلك من الأمراء، الأمير بدر الدين بيليك «١» الفارسى الحاجب، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، المعروف بالبريدى.
وتوجه الكشاف إلى الأقاليم البرانية، بالوجهين القبلى والبحرى، ومسحوا البلاد مساحة روك، وحرروا الجهات وعادوا. وانتصب لهذا جماعة من الكتاب، كان المشار إليه فيهم، تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل، وهو أحد مستوفيى «٢» الدولة، من مسالمة «٣» القبط، وممن يشار إليه فى معرفة صناعة الكتابة، ويعتمد على قوله، ويرجع إليه فيها، فرتب ذلك على حسب ما اقتضاه رأى السلطان فى تقريره.
واستقرّ فى الخاص السلطانى الأعمال الجيزية والأطفيحية وثغر الإسكندرية وثغر دمياط ومنفلوط وكفورها، وهو، والكوم الأحمر من الأعمال القوصية، وفى كل إقليم بلاد.
وتقرر إقطاع نيابة السلطنة من أعظم الإقطاعات وأكثرها متحصلا. فكان من جملته بالأعمال القوصية، مرج بنى هميم وكفورها، وسمهود وكفورها، ودواليبها ومعاصرها، وحرجة «٤» مدينة قوص وأدفو. وهذه النواحى يزيد متحصلها
стр. 12395
من الغلال خاصة، على مائة ألف وعشرة آلاف أردب، خارجا عن الأموال والقنود «١» والأعسال والتمر والأحطاب وغير ذلك. وفى كل إقليم من الديار المصرية نواحى ومعاصر، فكان فى خاصه سبع «٢» وعشرون «٣» معصرة، لاعتصار قصب السكر.
وكان نجاز الروك فى ذى الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة. واستقبل به سنة ثمان وتسعين الهلالية «٤» . وحوّلت السنة الخراجية من سنة ست وتسعين إلى سنة سبع وتسعين. وهذا التحويل جرت به العادة، بعد انقضاء ثلاث وثلاثين سنة، تحوّل سنة، وهو التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية. فيجمع من ذلك فى طول السنة، ما ينغمس به سنة. وهو حجة ديوان الجيش فى اقتطاع التفاوت الجيشى. وقيل إن قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً)
«٥» ، إن التسعة هى هذا التفاوت «٦» ، ما بين السنتين، والله تعالى أعلم.
وهذا التحويل لا ينقص بسببه شىء من الأموال البتة، وإنما هو تحويل بالأقلام خاصة «٧» .
следующие страницы →