Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12391–12430 · переход к 12396.
стр. 12391
رجلا، ومائتى امرأة، وخمسة وسبعين صبيا، ففعلوا بهم كذلك. ثم أخرجوا جماعة أحرى فى المرة الثالثة. ولم يتأخر بالقلعة الا المقاتلة، وقلّت عندهم المياه، حتى اقتتلوا بالسيف على الماء، فسألوا الأمان فأعطوه، وسلموا القلعة فى ذى القعدة من السنة. وخرجوا منها، وتوجهوا إلى مأمنهم «١» .
وفى أثناء هذا الحصار، وصلت إلى العسكر مفاتيح النقير «٢» وحجر شغلان وسرقند كار وزنجفره وحموّص «٣» ، وتتمة أحد عشر حصنا من حصون الأرمن.
وسلم الأمير بدر الدين أمير سلاح هذه «٤» الفتوح إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «٥» أحد الأمراء بدمشق، وجعله نائبا بها. فلم يزل [استدمر «٦» ] بهذه الحصون، إلى أن بلغه حركة التتار وقربهم، فأباع ما بها من الحواصل وتركها خالية، فاستولى الأرمن عليها.
ولما تكامل هذا الفتح، عادت العساكر إلى حلب، ونزلوا بها، ليريحوا خيولهم. وترادف عليهم الأمطار وتزايدت، حتى سكنوا الخانات والدور. ثم أردفهم السلطان بتجريدة أخرى، من الديار المصرية، صحبة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير سيف الدين طقطاى، والأمير مبارز الدين أوليا
стр. 12392
ابن قرمان، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير الحسامى. فوصلوا إلى دمشق، فى ذى القعدة، وتوجهوا إلى حلب، وأقاموا بها مع العسكر. وجهز صاحب سيس رسلا إلى الأبواب السلطانية يسأل عواطف السلطان ومراحمه «١» . واستمر العسكر بحلب ينتظرون ما يرد عليهم، من أبواب السلطان. فأقاموا عليها شهورا، إلا الأمير حسام الدين أستاذ الدار، فإنه توجه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد. وكان عود هذا العسكر إلى الديار المصرية، ووصوله إلى القاهرة، فى منتصف شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين وستمائة، بعد مقتل السلطان بثلاثة أيام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر حادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات الله
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة، فى العشر الأول، من جمادى الأولى «٢» ، ورد على السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، مطالعة مضمونها: أن شخصا بقرية جينين «٣» ، من الساحل الشامى، كانت له زوجة، فتوفيت إلى رحمة الله تعالى. فحملت بعد تغسيلها وتكفينها ودفنت. فلما عاد زوجها من المقبرة، تذكر أن منديله وقع فى القبر، وفيه جملة من الدراهم. فأتى إلى فقيه فى القرية، فاستفناء ف نبش القبر. فقال له فى ذلك يجوز نبشه وأخذ المال منه. ثم تداخل الفقيه المفتى فى ذلك شىء فى نفسه. فقام وحضر معه إلى القبر، فنبش الزوج القبر ليأخذ المال، والفقيه على جانب القبر. فوجد الزوج زوجته مقعدة «٤»
стр. 12393
مكتوفة بشعرها، ورجليها مكتوفتين بشعرها، [فحاول حل كتافها «١» ] ، فلم ينحل له ذلك، فأمعن فى ذلك، فخف به وبزوجته. ولم يوجد أو لم يعلم للخسف منتهى. وأما الفقيه فإنه أقام مغشيا عليه يوما وليلة أو ليلتين.- نسأل الله أن يسترنا ولا يفضحنا، وأن لا يؤاخذنا بسوء أفعالنا-. ولما وردت المطالعة على السلطان بهذه الحادثة، عرضها على شيخنا قاضى القضاة تقى الدين ابن دقيق العبد وغيره. وكتب يستعلم عن سيرة هذه المرأة والزوج المخسوف بهما، فما علمت ما ورد عليه من الجواب فى ذلك «٢» .
ذكر روك «٣» الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة
وفى سنة سبع وتسعين وستمائة أيضا، رسم السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين، بروك الإقطاعات والمعاملات والنواحى والجهات بالديار
стр. 12394
المصرية. وندب لذلك من الأمراء، الأمير بدر الدين بيليك «١» الفارسى الحاجب، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، المعروف بالبريدى.
وتوجه الكشاف إلى الأقاليم البرانية، بالوجهين القبلى والبحرى، ومسحوا البلاد مساحة روك، وحرروا الجهات وعادوا. وانتصب لهذا جماعة من الكتاب، كان المشار إليه فيهم، تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل، وهو أحد مستوفيى «٢» الدولة، من مسالمة «٣» القبط، وممن يشار إليه فى معرفة صناعة الكتابة، ويعتمد على قوله، ويرجع إليه فيها، فرتب ذلك على حسب ما اقتضاه رأى السلطان فى تقريره.
واستقرّ فى الخاص السلطانى الأعمال الجيزية والأطفيحية وثغر الإسكندرية وثغر دمياط ومنفلوط وكفورها، وهو، والكوم الأحمر من الأعمال القوصية، وفى كل إقليم بلاد.
وتقرر إقطاع نيابة السلطنة من أعظم الإقطاعات وأكثرها متحصلا. فكان من جملته بالأعمال القوصية، مرج بنى هميم وكفورها، وسمهود وكفورها، ودواليبها ومعاصرها، وحرجة «٤» مدينة قوص وأدفو. وهذه النواحى يزيد متحصلها
стр. 12395
من الغلال خاصة، على مائة ألف وعشرة آلاف أردب، خارجا عن الأموال والقنود «١» والأعسال والتمر والأحطاب وغير ذلك. وفى كل إقليم من الديار المصرية نواحى ومعاصر، فكان فى خاصه سبع «٢» وعشرون «٣» معصرة، لاعتصار قصب السكر.
وكان نجاز الروك فى ذى الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة. واستقبل به سنة ثمان وتسعين الهلالية «٤» . وحوّلت السنة الخراجية من سنة ست وتسعين إلى سنة سبع وتسعين. وهذا التحويل جرت به العادة، بعد انقضاء ثلاث وثلاثين سنة، تحوّل سنة، وهو التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية. فيجمع من ذلك فى طول السنة، ما ينغمس به سنة. وهو حجة ديوان الجيش فى اقتطاع التفاوت الجيشى. وقيل إن قوله تعالى: (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً)
«٥» ، إن التسعة هى هذا التفاوت «٦» ، ما بين السنتين، والله تعالى أعلم.
وهذا التحويل لا ينقص بسببه شىء من الأموال البتة، وإنما هو تحويل بالأقلام خاصة «٧» .
стр. 12396
ولما نجز هذا الروك، أقطعت البلاد للأمراء والأجناد دربسته «١» ، لم يستثن منها غير الجوالى «٢» والمواريت الحشرية «٣» ، فإن ذلك جعل فى جملة الخاص السلطانى.
واستثنيت الرزق الأحباسية «٤» المرصدة لمصالح الجوامع والمساجد، والربط والزوايا، والخطباء والفقراء. واستقرت فى سائر البلاد على ما يشهد به ديوان الأحباس.
وما عدا ذلك من سائر الأموال وغيرها، دخل فى الإقطاع.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الأمير عز الدين الجناجى، نائب السلطنة ومقدم العسكر بغزة. وكان قبل وفاته قد أودع عند فخر الدين الاعزازى التاجر بقيسارية الشرب بدمشق صندوقا، ولم يطلع على ذلك إلا خزنداره. وكان الصندوق المودع عنده قبل ذلك وديعه، عند بعض أصحاب الأمير المذكور، فأخذ منه، ثم أودعه عند فخر الدين. واتفقت وفاة خزندار الأمير، وهو الذى اطلع على الوديعة قبل وفاة مخدومه بأيام. ثم مات الأمير، فلما اتصلت وفاته بفخر الدين الاعزازى، اجتمع بقاضى القضاة إمام الدين الشافعى بدمشق، وعرفه خبر الوديعة. فأمره بالتأنى فى أمرها؛ حتى تثبت وفاة المذكور، ويتحقق أمر ورثته، ففعل ذلك. وفى أثناء ذلك، طلب الأمير سيف الدين جاغان؛
стр. 12397
شاد الدواوين بالشام، الوديع الأول وطالبه بما عنده من الوديعة. فادعى أن الجناجى استعاد ذلك منه، فلم يصدقه، وقصد ضربه وعقوبته، بسبب ذلك.
فأتاه فخر الدين المذكور واعترف أن الوديعة عنده، وأحضر الصندوق إلى الديوان السلطانى. وفتح واعتبر ما فيه، فكان فيه من الذهب اثنان وثلاثون «١» ألف دينار، ومائتا «٢» دينار، وأربعة «٣» وثلاثون دينارا، وحوائص ذهب، وطرز زركش بتتمة خمسين ألف دينار، هكذا نقل إلىّ ثقة.
وفيها، توفى الأمير سيف الدين بلبان الفاخرى، أمير نقباء العساكر المنصورة بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته فى رابع عشر ربيع الآخر. وأعطى إقطاعه سيف الدين بكتمر الحسامى الطرنطاى أمير آخور. وكان السلطان، قبل ذلك أمرّه بعشرة طواشية، فنقله الآن إلى إمرة الطبلخاناة. ثم تنقّل بعد ذلك فى المناصب والنيابات عن السلطنة والوزارة وغير ذلك، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى مواضعه.
وفيها، فى يوم الاثنين حادى عشر جمادى الأولى، كانت وفاة الأمير سعد الدين كوجا الناصرى. وكان يتولى نيابة دار العدل، وتولى تغر الإسكندرية وكان بيده إمرة عشرة طواشية.
стр. 12398
وفيها، توفيت الخاتون الجليلة الكبرى، نسب خاتون، ابنة الملك الجواد مظفر الدين يونس بن شمس الدين مودود ابن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر أيوب، فى العشر الأوسط فى، شهر ربيع الأول. ودفنت عند والدها بقاسيون، رحمهما الله تعالى.
стр. 12399
واستهلت ثمان وتسعين وستمائة [٦٩٨- ١٢٩٨/١٢٩٩]
فى هذه السنة، فى أولها جهز السلطان الأمير جمال الدين أقش الأفرم، والأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى «١» إلى الشام، وأمرهما أن يتوجها إلى دمشق، ويخرجا نائب السلطنة الأمير سيف الدين قبجاق «٢» وبقية العسكر إلى البلاد الحلبية. فوصلا إلى دمشق على خيل البريد، فى يوم الأربعاء سابع المحرم.
فتجهز الأمير سيف الدين قبجاق نائب السلطنة، وخرج بسائر عساكر دمشق حتى بحرية القلعة، وجماعة الأمير علم الدين سنجر أرجواش نائب القلعة، وتأخر بدمشق الأمير سيف الدين جاغان. وكان خروج نائب السلطنة من دمشق، فى عشية الأربعاء، رابع عشر المحرم، وبات بالميدان الأخضر. وركب فى بكرة النهار؛ وتوجه بالعساكر إلى جهة حمص. وكان سبب هذه الحركة ظاهرا، أن السلطان بلغه أن التتار قد عزموا على الدخول إلى البلاد الإسلامية بالشام.
وعلم الأمير سيف الدين قبجاق، أن الأمر ليس كذلك. فإن القصاد قبل ذلك بيسير، حضروا إليه من بلاد الشرق، وأعلموه أن التتار كانوا قد تجهزوا وعزموا على الحضور إلى الشام. فلما كانوا باثناء الطريق، وقعت عليهم صواعق كثيرة، وأهلكت منهم خلقا كثيرا، فتفرقوا فى مشاتيهم، ولم يرد خلاف ذلك.
стр. 12400
والقصاد لاتصل إلى الباب السلطانى بالديار المصرية، إلا بعد الإجتماع بنائب السلطنة بدمشق، فاستشعر الأمير سيف الدين قبجاق السوء، وعلم أن هذه الحركة إنما هى تدبير «١» عليه، وعلى غيره من الأمراء. فأوجب ذلك توجههم إلى التتار.
ذكر مفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء الخدمة السلطانية، ولحاقهم بقازان ملك التتار
وفى هذه السنة، فى شهر ربيع الآخر، توجه الأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أحد مقدمى الجيوش المنصورة المصرية، والأمير فارس البكى الساقى، نائب السلطنة بالمملكه الصفدية، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار [الصالحى «٢» ] ، إلى بلاد التتار، والتحقوا بملكها قازان محمود.
وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين منكوتمر، نائب السلطنة، ثقلت عليه وطأة الأمراء الأكابر. وقصد القبض عليهم أولا، وإقامة خوشداشيته ليصفو له الوقت، ويخلص له الأمر، ويتمكن السلطان بما قصده من تفويض ولاية العهد بعده له. فحسّن للسلطان القبض على من تقدم ذكرهم، فقبض عليهم. ثم شرع فى التدبير على من بالشام من الأمراء والنواب، الذين يعلم منهم الممالاة «٣» والمناوأة. فجهز الأمير علاء الدين ايدغدى «٤» شقير إلى حلب، كما تقدم، وأردفه بالأمير سيف الدين حمدان بن صلغاى، وعلى يده كتاب إلى نائب السلطنة
стр. 12401
بالمملكة الحلبية، بالقبض على الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، [وعلى «١» ] الأمير فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين طقطاى، والأمير سيف الدين بزلار، والأمير سيف الدين عزار. ومن يعذر عليه القبض عليه، يتحيّل فى سقيه.
فسقى الأمير سيف الدين طقطاى فمات بحلب، فى أول شهر ربيع الأول.
واتصل الخبر ببقية الأمراء، فاحتاطوا لأنفسهم، واحترزوا فى مأكلهم ومشربهم وملبسهم. وأعمل الأمير سيف الدين الطباخى الحيلة فى القبض عليهم، وذلك بعد خروجهم من سيس. فجهز سماطا، واحتفل به، وتحدث مع الأمراء أن يتوجهوا معه، ويحضروا السماط، فامتنعوا من ذلك، واعتذروا له، وتوجهوا إلى خيامهم.
فلم تجمع «٢» هذه المكيدة. وكان السلطان قد كتب إلى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، أن يجهز طلبه وأثقاله إلى المملكة الطرابلسية، ويكون نائبا عن السلطنة بها، وذلك بعد وفاة الأمير عز الدين أيبك الموصلى. وأن يحضر هو بنفسه إلى الأبواب السلطانية، على خيل البريد، ليوصيه السلطان مشافهة.
فأظهر البشر لذلك، وعلم أنه خديعة.
ولما كان فى مساء النهار، الذى عمل الطباخى فيه السماط، اجتمع الأمير سيف الدين الطباخى النائب بحلب، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، وأرسلوا إلى الأمير بكتمر السلاح دار والبكى ومن معهما، يطلبونهم للحضور لمشورة. وأن سبب هذا الاجتماع، أن بطاقة وردت فى البيرة فى أواخر النهار، تتضمن أن التتار أغاروا على ما حول البيرة، فأجابوا بالأمتثال، وأنهم يحضرون إلى الخدمة فى إثره. فعاد، وركبوا فى الوقت على حميّة.
стр. 12402
فأما بزلار فإنه ساق هو وخمسة نفر، وعبر الفرات إلى رأس العين وانتهى إلى سنجار فتوفى بها. وأما الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الذين البكى، والأمير سيف الدين عزار، فإنهم توجهوا إلى حمص، واجتمعوا بالأمير سيف الدين قبجاق، وأطلعوه على جلية الحال، وحلفوه لأنفسهم، وحلفوا له. وكتب إلى السلطان يعلمه بما وقع من الاختلاف، وبوصول الأمراء إليه، ويسأل لهم الأمان» وأن يطيب السلطان خواطرهم.
وسيّر بذلك الأمير سيف الدين بلغاق «١» ابن الأمير سيف الدين كونجك الخوارزمى على خيل البريد. فوصل إلى دمشق، فى يوم السبت خامس شهر ربيع الآخر، وتوجه منها إلى باب السلطان.
وكتب الأمير سيف الدين قبجاق إلى الأمير سيف الدين جاغان، وهو بدمشق، يطلب منه أن يرسل إليه مالا وخلعا من الخزانة، لينفق المال على الأمراء، ويخلع عليهم، ويطيب خواطرهم. فلم يجب إلى ذلك. وكتب إليه يلومه على إغفاله أمر الأمراء، الذين وصلوا إليه، وهم طلبة السلطان، وكونه تمكن من القبض عليهم، ولم يفعل. وكتب إليه الأميران سيف الدين كجكن، وعلاء الدين ايدغدى شقير، وهما يلومانه وينكران عليه كونه أقر هؤلاء الأمراء عنده، مع تمكنه من القبض عليهم، وقد علم خروجهم على الطاعة وأغلظا له فى القول، وتواعداه، أنه متى لم يقبض عليهم، حضروا إليه، وقبضوا عليه وعليهم، وكاشفاه فى القول مكشفة ظاهرة. فتسلّل «٢» عن الأمير
стр. 12403
سيف الدين قبجاق من معه من العسكر الشامى: وعادوا إلى دمشق، أولا فأولا. فكتب إلى جاغان فى ذلك، وأن يردّهم إليه، فلم يفعل. وشكر [جاغان «١» ] من حضر.
فرأى الأمير سيف الدين قبجاق أن أمره قد انتقص، وبلغه أن العسكر المجرد بحلب قد توجه نحوه. فركب فى ليلة الثلاثاء، ثامن شهر ربيع الآخر من حمص، هو والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين عزار، وقبضوا على الأمير علاء الدين أقطوان النائب بحمص، واستصحبوه معهم إلى القريتين، ثم أخذوا فرسه وأطلقوه.
وتوجهوا فى جماعة، يقال إن عدة من صحبهم من ألزامهم ومماليكهم خمسمائة فارس. وتوجهوا لا يلوون على شىء، وتعقبهم الأمير سيف الدين كجكن والأمير علاء الدين ايدغدى شقير، فى طائفة من العسكر إلى الفرات، فما أدركوهم، ووجدوا بعض أثقالهم فأخذوها «٢» .
ثم ورد عليهم الخبر بقتل السلطان، فانحلت عزائمهم، وتفلّلت أراؤهم. وساق سيف الدين بلبان القصاص البريدى إلى رأس عين، ولحق الأمير سيف الدين قبجاق بها. وأعلمه بمقتل السلطان، وسأله الرجوع بمن معه. وحلف له على صحة ما أخبره به، فظن أن ذلك مكيدة. ثم تحقق الحال بعد ذلك وقد تورط، وصار فى بلاد العدو، فلم يمكنه الرجوع.
ولما وصل الأمراء إلى رأس عين، بلغ مقدم التتار بتلك الجهة خبر وصولهم، فخافهم. ثم تحقق أنهم حضروا إلى خدمة الملك قازان، فحضر إليهم وأكرمهم،
стр. 12404
وخدمهم صاحب ماردين، وقدّم لهم أشياء كثيرة. وقصد بولاى مقدم التتار، بتلك الناحية، أن الأمراء يتوجهون «١» إلى جهة فازان على خيل البريد. ويتأخر من معهم من أتباعهم وألزامهم عن الوصول إلى البلاد، حتى يرد المرسوم.
فامتنع قبجاق من ذلك، وأبى إلا الدخول بالطّلب «٢» والجماعة الذين معه، فامتنع التتار عليه. فيقال إنه أخرج إليهم كتاب الملك قازان إليه، وهو فى بالشت «٣» ذهب. فعند ذلك خضعوا له، ومكّنوه مما أراد، من الدخول بالطّلب.
وتوجهوا كذلك، ودخلوا إلى الموصل بطلبين «٤» ، والتقاهم أهل البلد. وتوجهوا من الموصل، وانتهوا إلى بغداد. فخرج إليهم عسكر المغل والخواتين والتقوهم.
ثم توجهوا إلى قازان، وهو يومئذ بأرض السيب «٥» من أعمال واسط. فأكرمهم وأحسن إليهم، وأوجب ذلك وصول قازان بجيوشه إلى الشام على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 12405
ذكر مقتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى ونائبه منكوتمر
كان مقتلهما فى ليلة يسفر «١» صباحها عن يوم الجمعة، الحادى عشر من شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين وستمائة. وسبب ذلك، أن السلطان كان قد فوض الأمور إلى مملوكه نائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، وقصد التخلى والراحة والدعة، وعزم على أنه إذا خلى وجهه من الأمراء، وقبض على من يخشى غائلته منهم، فوّض إليه أمر السلطنة، واحتجب هو، على قاعدة الخلفاء.
وإنما كان يمنعه من ذلك، وجود أكابر الأمراء، الذين لا يوافقونه «٢» على الرأى هذا. فلما قبض على من ذكرنا من أكابر الأمراء، وأبعد من بقى منهم بالتجريد إلى جهة الشام، استخف حينئذ منكوتمر، بمن بقى منهم، واستبد بالأمر. وآخر ذلك، أن السلطان رسم له أنه إذا كتب مرسوم سلطانى بإنعام أو غيره، بغير إشارته، يقطعه بعد العلامة السلطانية. فثقلت وطأته على الناس، وأنفت نفوس الأمراء من ذلك، وكرهوا بقاء الدولة، وأحبوا زوالها بسببه، مع إحسان السلطان إلى كثير منهم «٣» . وكان الأمير سيف الدين كرجى، أحد الأمراء المماليك السلطانية، قد اختص بخدمة السلطان، وتقدم عنده، وجعله مقدما على المماليك السلطانية، على ما كان عليه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، فى الدولة الأشرفية. فبقى كرجى هو الساعى فى مصالح المماليك
стр. 12406
السلطانية والمتلقى لمصالحهم، فانضموا إليه ودخلوا تحت طاعته، وقويت شوكته بهم، وشوكتهم به. فثقل ذلك على منكوتمر، وعمل على إبعاده.
وحسّن إلى السلطان أن يبعثه إلى نيابة السلطنة بالفتوحات ببلاد سيس «١» .
وكان قد تقدم من الأمراء، قبل كرجى، الأمير سيف الدين تمربغا، فعمل عليه منكوتمر وأبعده وأخرجه إلى الكرك. ثم نقله من الكرك إلى طرابلس، فى جملة الأمراء، فمات بها. فلما اتصل الخبر بكرجى، حضر إلى بين يدى السلطان، وتضرر واستعفى من هذه الولاية فأعفاه السلطان، وشرع فى العمل على منكوتمر. وأتفق أن الأمير سيف الدين طقطاى، أحد الأمراء الخاصكية، وهو نسيب الأمير سيف الدين طقجى، خاطب منكوتمر فى أمر فأغلظه فى القول، وسبّه، فشكا ذلك إلى الأمير سيف الدين طقجى «٢» ، فأسّرها فى نفسه.
واجتمع هؤلاء الأمراء، وتشاكوا فيما بينهم، وذكروا سوء سيرة منكوتمر فيهم، وقبح فعله واستخفافه بهم، وعلموا أنهم لا يتمكنون «٣» منه، مع بقاء السلطان مخدومه، فاجتمع رأيهم على اغتيال السلطان.
فلما كان فى هذه الليلة المذكورة، جلس السلطان يلعب الشطرنج مع إمامه [نجم الدين] بن «٤» بن العسال، وكان قد تقدم عنده، وعنده قاضى القضاة
стр. 12407
حسام الدين الحنفى «١» ، وكانت له عادة بالمبيت عند السلطان فى بعض الليالى.
فدخل عليه كرجى على عادته، فسأله السلطان عما فعل. فقال: قد أغلقت على الصبيان فى أماكن مبيتهم، وكان قد رتب بعضهم فى أماكن من الدهاليز. فشكره السلطان، وأثنى عليه. وذكر للقاضى حسام الدين خدمته للسلطان، وملازمته الخدمة. فقبّل كرجى الأرض، ثم تقدم لإصلاح الشمعة التى بين يدى السلطان، فأصلحها وألقى فوطة خدمة كانت بيده على نمجاة «٢» السلطان. وكان سلاح دار النوبة قد وافقه وباطنه على قتل السلطان. ثم قال كرجى للسلطان: ما يصلى مولانا السلطان العشاء، فقال نعم، وقام للصلاة. فأخذ السلاح دار النمجاه من تحت الفوطة. فعند ذلك، جرد كرجى سيفه، وضرب السلطان به على كتفه، فأراد السلطان أخذ النمجاه فلم يجدها. فقبض على كرجى، ورماه تحته، فضربه السلاح دار بالنمجاه على رجله، فقطعها. فانقلب [السلطان] «٣» على ظهره، وأخذته السيوف، حتى قتل. وهرب ابن العسال الإمام إلى خزانة، وصرخ قاضى القضاة حسام الدين عند ضرب السلطان، لا يحل [هذا لكم «٤» ] ، فهم كرجى بقتله. ثم تركه، وأغلق كرجى الباب عليه، وعلى السلطان.
стр. 12408
ثم خرج [كرجى] «١» . إلى الأمير سيف الدين طقجى، وقد استعد هو أيضا، وهو ينتظر ما يفعله كرجى، فأعلمه بقتل السلطان. ثم توجهوا إلى دار النيابة، وقد أغلقت. فطرق كرجى الباب، واستدعى الأمير سيف الدين منكوتمر برسالة السلطان، فأنكر حاله، واستشعر السوء، وامتنع من الإجابة. ثم قال له:
كأنكم فتلتم السلطان، فقال: نعم قتلناه، وسبّه. فعند ذلك ذلّ منكوتمر، وضعفت نفسه، واستجار بالأمير سيف الدين طقجى، فأجاره وحلف له أنه لا يؤذيه، ولا يمكن من أذاه، فاطمأن ليمينه وخرج إليهم. فأرسلوه إلى الجب، وأنزلوه إليه، فلما رآه الأمراء، قاموا إليه، وظنوا أن السلطان نقم عليه، وسألوه عن الخبر. فأخبرهم بقتل السلطان، فسبوه، وذكّروه بسوء فعله، وقصدوا قتله، ثم تركوه.
ثم رجع كرجى بعد اعتقال منكوتمر إلى مجلسه. وقال لطقجى: نحن ما قتلنا السلطان لإساءة صدرت منه إلينا، وإنما قتلناه بسبب منكوتمر، ولا يمكن ابقاءه. ثم قام، وتوجه إلى الجب، وأخرجه وذبحه من قفاه على باب الجب «٢» .
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين، منذ فارق الملك العادل الدهليز، وحلف الأمراء له بمنزلة العوجا، فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة، وإلى أن قتل فى هذه الليلة، سنتين وشهرين وثلاثة عشر يوما، ومنذ خلع الملك العادل نفسه بدمشق، وحلف له، واجتمعت الكلمة عليه بمصر والشام، فى يوم السبت رابع عشرين صفر من السنة
стр. 12409
المذكورة إلى هذا التاريخ الذى قتل فيه، سنتين وشهرين إلا ثلاثة عشر يوما.
ودفن بتربته بالقرافة، ودفن نائبه منكوتمر بالتربة أيضا.
وكان رحمه الله تعالى ملكا عادلا، يحب العدل ويعتمده، ويرجع إلى الخير ويميل إليه، ويقرب أهله. وكان حسن العشرة، يجتمع بجماعة من المتعممين والعوام، ويأكل طعامهم. وكان أكولا، ولم يكن فى دولته وأيامه ما يعاب وينكر، إلا انقياده إلى مملوكه نائبه منكوتمر، والرجوع إلى رأيه، وموافقته على مقاصده حتى كان عاقبة ذلك قتلهما. واثرت موافقته له، من الفساد على العباد والبلاد وسفك دماء المسلمين، ما لم يستدرك. وذلك أن الأمراء الذين فارقوا الشام، وتوجهوا إلى التتار خوفا منه، أوجب توجههم إلى قازان، وصوله إلى الشام وخراب البلاد، وسفك الدماء، على ما نذكره بعد فى موضعه إن شاء الله تعالى.
وبلغنى أن الملك المنصور هذا مازال يستشعر القتل، منذ قتل السلطان الملك الأشرف، وأنه فى يوم الخميس بعد العصر، العاشر من شهر ربيع الآخر، وهو اليوم الذى قتل فيه عشيته، أحضر إليه ندب نشاب «١» ميدانى، من السلاح خاناة السلطانية. فجعل يقلبه فردة فردة، ويقتل كل فردة منها، ويقول عند قتلها، من قتل قتل، وكرر هذا القول مرارا. فقتل بعد أربع ساعات من كلامه أو نحوها. وأجرى الله هذا الكلام على لسانه، والنفوس حساسة فى بعض الأحيان.
стр. 12410
وحكى لى بعض من أثق به، عن الأمير بدر الدين بكتوت العلائى حكاية عجيبة تتعلق به، وبالسلطان الملك الأشرف، أحبيت ذكرها فى هذا الموضع، فالشىء بالشىء يذكر.
قال بكتوت العلائى: كنت فى خدمة السلطان الملك الأشرف فى الصيد، وأنا يومئذ والأمير حسام الدين لاجين سلاح دارية، نحمل السلاح خلف السلطان. فاجتمعنا بحلقة صيد، وكانت النوبة فى حمل السلاح «١» خلف السلطان للأمير حسام الدين. وقد تقدمت إليه أنا، فى مكان من الحلقة، وإذ أنا بلاجين قد أدركنى، وأعطانى سلاح السلطان. وقال: خذ السلاح، وتوجه إلى السلطان، فإنه قد رسم بذلك. فأخذت السلاح، وتوجهت إلى خدمة السلطان. وساق لاجين فى مكانى الذى كنت به من الحلقة. فلما انتهيت إلى السلطان، وجدته وهو على فرسه، وقد جعل طرف عصا المقرعة على رأس النمازين «٢» ، والطرف بجهته، وكأنه فى «٣» غيبة من حسه. فلما جئت قال لى: يا بكتوت والله، التفت إلى ورائى، فرأيت لاجين خلفى، وهو حامل سلاحى، والسيف فى يدّه. فخّيل إلىّ أنه يريد أن يضر بنى به، فنظرت إليه، وقلت له يا أشقر «٤» ، أعط السلاح لبكتوت يحمله، وتوجه أنت مكانه. قال بكتوت العلائى: فقلت للسلطان، أعيذ مولانا السلطان بالله، أن يخطر هذا بباله، ولاجين أقل من هذا، وأضعف نفسا أن يخطر هذا بباله، فضلا [عن] «٥» أن يقدم عليه، وهو
стр. 12411
مملوك السلطان، ومملوك السلطان الشهيد، وتربية بيته الشريف. هذا معنى كلامه.
قال: وشرعت أصرفه عن هذا. فقال لى: والله ما عرفتك إلا ما خطر لى وتصورته. قال بكتوت العلائى: فخشيت على لاجين، كون هذا السلطان يتخيل هذا الأمر فيه، وينكفه عنه. وأردت أن أنصحه، فاجتمعت به فى تلك الليلة فى خلوة. وقلت له: بالله عليك، تجنب هذا السلطان، ولا تكثر من حمل السلاح، ولا تنفرد معه. فسألنى عن موجب هذا الكلام. فأخبرته بما ذكره السلطان لى، وبما أجبته. فشرع يضحك ضحكا كثيرا ويتعجب.
فقال، ما ضحكى إلا من إحساسه، والله لما نظر إلىّ، وقال لى يا اشقر «١» كنت قد عزمت على تجريد سيفه وقتله به. قال بكتوت العلائى: فعجبت من ذلك غاية العجب. ولنرجع إلى سياقة الأخبار بعد مقتلهما، إن شاء الله تعالى.
ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر
لما قتل الملك المنصور حسام الدين لاجين، ونائبه الأمير سيف الدين منكوتمر، كان بالقلعة من الأمراء، غير طقجى وكرجى، الأمير عز الدين أيبك الخزندار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير [وسيف الدين سلار الأستادار «٢» ] ، والأمير حسام الدين لاجين الرومى أستاذ الدار، وكان قد وصل
стр. 12412
على خيل البريد من حلب، بعد خروجه من بلاد سيس، والأمير جمال الدين آقش الأفرم، وكان قد عاد من دمشق، بعد إخراج نائبها والعسكر منها إلى حمص، كما تقدم، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار، والأمير سيف الدين كرد «١» الحاجب، هؤلاء الأمراء المشار إليهم. فاجتمعوا، واتفقت آراؤهم على مكاتبة السلطان الملك الناصر وإحضاره من الكرك، وإعادة السلطنة إليه، وأن يكون الأمير سيف الدين طقجى الأشرفى نائب السلطنة، وانفصل الحال على ذلك.
ثم سمت بالأمير سيف الدين طقجى نفسه، إلى طلب السلطنة لنفسه، وتقرير النيابة لكرجى. وتأخر الإرسال إلى السلطان الملك الناصر. وركب الأمير سيف الدين طقجى فى يوم السبت حادى عشر «٢» ، شهر ربيع الآخر، فى موكب النيابة، والأمراء فى خدمته. وعاد إلى القلاعة، وجلس. ومدّ السلطان السماط، وقد تفوه الناس له بالسلطنة، ولكرجى بالنيابة «٣» .
حكى تاج الدين عبد الرحمن الطويل، مستوفى الدّولة، قال: طلبنى الأمير سيف الدين طقجى، وسألنى عن إقطاع نيابة السلطنة، فذكرت له بلاده
стр. 12413
وعبرها «١» ومتحصلاتها، وما انعقدت عليه جملة ذلك، فاستكثره، وقال هذا كثير، وأنا لا أعطيه لنائب. ورسم أن يوفّر منه جملة، تستقر فى الخاص.
ولم يبرز المرسوم بذلك. ثم خرجت من عنده، فطلبنى كرجى، وسألنى عن إقطاع النيابة، كما سألنى طقجى، فأخبرته بذلك. فاستقلّه، وقال أنا ما يكفينى هذا، ولا أرضى به. وشرع يسأل عن بلاد يطلبها زيادة على إقطاع منكوتمر.
قال: فعجبت من ذلك، كونهما جعلا فكرتهما وحديثهما فى هذا الأمر، قبل وقوع سلطنة هذا، ونيابة هذا «٢» .
ذكر مقتل سيف الدين طقجى «٣» وسيف الدين كرجى
كان مقتلهما فى يوم الإثنين، رابع عشر شهر ربيع الآخر، من السنة المذكورة. وذلك أن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى، أمير سلاح، وصل من غزاة سيس، فى هذا اليوم، هو ومعه. وقد اتصل به خبر مقتل السلطان فاتفق الأمراء الأكابر على الخروج لتلقيه. وعرضوا ذلك على الأمير سيف الدين طقجى، وأشاروا أن يركب معهم. فامتنع من ذلك، وأظهر عظمة وكبرا.
فقالوا له إن عادة الملوك تتلّقى أكابر الأمراء، إذا قدموا من الغزاة، سيّما مثل هذا الأمير الكبير، الذى هو بقية الأمراء الصالحية. وقد طالت غيبته، وفتح هذه الفتوح. ولا طفوه، إلى أن ركب معهم، وخرج للقائه. فلما التقوا،
стр. 12414
سلّموا عليه، وسلّم عليهم. ثم قال الأمير بدر الدين [بكتاش] «١» ، أمير سلاح، للأمراء: «أنا عادتى إذا قدمت من الغزاة، يتلقانى السلطان. وكيف ما أجرانى على عادتى» . وكان قد علم بمقتل السلطان. وإنما أراد بذلك فتح باب للحديث. فقال له طقجى:- وهو إلى جانبه- «السلطان قتل» . فقال: «ومن قتله» . قال بعض الأمراء: «قتله كرجى، وهذا» .
- وأشار إلى طقجى- فقال: «لا بد من قتل قاتله» . ونفر فى طقجى، وقال له: «لا تسوق إلى جانبى» . فرفس طقجى فرسه، وبرز عنه. فحمل عليه أحد المماليك السلطانية، فضربه بسيفه، فقتل. واتصل خبر مقتله بكرجى، وكان قد تأخر فى طائفة من المماليك السلطانية، تحت القلعة. فهرب وقصد جهة القرافة فأدركوه عند قبور أهل الذمة، ببساتين الوزير، فقتل هناك، ولقى عاقبة بغيه «٢» .
قضى الله أن البغى يصرع أهله ... وأن على الباغى تدور الدوائر
ولما قتل الأمير سيف الدين طقجى، توجه الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح إلى «٣» داره بالقاهرة «٤» ، واستقر بها. وكانت غيبته فى غزوة سيس هذه، أحد عشر شهرا وأياما. وحضر إليه بعض الأمراء الأكابر، واستشاره فى أمر السلطنة. فأشار بإعادة السلطان الناصر، ووافق رأيه رأيهم واتفقت الأراء على أن ترجع الحقوق إلى نصلبها، وتقرّ السلطنة الشريفة بيد
стр. 12415
من هو أحق وأولى بها، وتعود السلطنة إلى من نشأ فى حجرها وليدا، وتخول من منصبها الشريف طارفا وتليدا. وندبوا الأمير سيف الدين آل «١» ملك الجوكندار «٢» ، والأمير علم الدين سنجر الجاولى، فتوجها إلى خدمة السلطان الملك الناصر بالكرك، على خيل البريد، لإحضاره. وطالعه الأمراء بما وقع، وما اجتمعت الأراء عليه.
وبقى الأمر بالديار المصرية مشتركا، يعد مقتل طقجى، بين الأمراء، إلى أن وصل السلطان الملك الناصر من الكرك. وكانت الكتب تصدر، وعليها خط ستة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين سلار، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير عز الدين أيبك الخزندار، والأمير جمال الدين آقش الأفرم، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جاندار، والأمير سيف الدين كرد «٣» الحاجب. وصدرت الكتب فى بعض الأوفات، وعليها خط ثمانية، خط هؤلاء الستة والأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار، والأمير بدر الدين «٤» عبد الله السلاح دار.
стр. 12416
وجلس الأمير عز الدين أيبك الخزندار، فى ابتداء الأمر فى مرتبة النيابة.
فإن الأمراء دعوا له حق النقدمة فى خدمة البيت المنصورى. وكان له رأى فاسد فى مملوك، كان عند الأمير سيف الدين طقجى، اسمه تستاى «١» ، فطلبه وهو فى المجلس بالدركاه، بباب القلعة، وألحّ فى طلبه فأحضر إليه. فلما رآه، لم يتمالك عند رؤيته، أن لف شعره على يده، وقام من الدركاه، وخدم الأمراء، وتوجه بالصبى إلى داره. وكان غرضه من المناصب والتقدم فى الدولة، تحصيل هذا المملوك، فاشتغل به عما سواه، وفارق المجلس، وقد ظفر بما تمناه، فعلم الأمراء عند ذلك، سوء تدبيره، وقلة دينه، وأنه لا يعتمد عليه فى شىء، ولا يصلح للتقدم، وأنه لم يكن فيه من الصبر، عن غرضه الفاسد، التأنى بعض ساعة، حتى ينقضى ذلك المجلس، ويتفرق ذلك الجمع الكثير، وشاهدوا فعله بحضرتهم، وعدم تحاشيه منهم. فتقدم الأمير سيف الدين سلار عند ذلك وصار يجلس فى مرتبة النيابة، إلى أن حضر السلطان الناصر من الكرك.
هذا ملخص ما كان بالديار المصرية.
وأما دمشق وما اتفق بها، بعد توجه الأمير سيف قبجاق، نائب السلطنة بها، منها:
فإن الأمير سيف الدين بلغاق «٢» الخوارزمى، لما توجه إلى الديار المصرية، من جهة الأمير سيف الدين قبجاق- كما قدمنا ذكر ذلك- وصل إلى القاهرة، فى يوم السبت ثانى عشر، شهر ربيع الآخر، بعد مقتل الملك المنصور [لاجين «٣» ] ،
стр. 12417
فاجتمع بالأمير سيف الدين طقجى، وهو صاحب الأمر يومئذ، وأوصله ما كان على يده من المطالعات من جهة الأمير سيف الدين قبجاق، فقرئت عليه. وقال نكتب بإطابة قلبه، وقلوب الأمراء. ثم كان من قتل طقجى ما قدمناه. فكتب الأمراء الثمانية على يده إلى الأمراء بدمشق، بما وقع من قتل السلطان ونائبه منكوتمر، وطقجى وكرجى. وأن الحال قد استقر على عود الدولة الناصرية، وإطابة قلوب الأمراء. فوصل إلى دمشق فى يوم السبت، تاسع عشر الشهر، وكان المتحدث بها يومئذ الأمير سيف الدين جاغان والحسامى. فقبض الأمير بهاء الدين قرا أرسلان المنصورى السيفى على جاغان وحسام الدين لاجين الحسامى، وكان قد ولى برّ دمشق، فى أوائل سنة ثمان وتسعين وستمائة، واعتقلهما بقلعة دمشق. وأوقع الحوطة على نواب الأمراء الأربعة المقتولين، وحواصلهم بدمشق. وجمع الأمراء بدمشق، وحلّفهم للسلطان الملك الناصر، وتحدّث بدمشق حديث نواب السلطنة. ولم تطل مدته، فإنه مات فى ثانى جمادى الأولى «١» ، فيقال إنه سقى.
ثم وردت كتب الأمراء، مدبرى «٢» الدولة بالديار المصرية إلى دمشق، فى يوم السبت، رابع جمادى الأولى «٣» ، وهى مؤرخة بالسادس والعشرين من شهر ربيع الآخر، أن يستقر الأمير سيف الدين قطلبك «٤» المنصورى السيفى، فى وظيفة الشد بالشام، عوضا عن جاغان. فباشر فى يوم الاثنين بعد العصر، وكان الملك المنصور لاجين قد جهّزه إلى حلب، يتحدث فى الأموال والحصون، ويشارك
стр. 12418
الأمير سيف الدين الطباخى فى الأمر، فوصل إلى دمشق، ونزل بالقصر الأبلق.
واتفق قتل السلطان وهو بدمشق، فلم يمكنه التوجه إلى حلب وأقام بالميدان.
فلما ورد هذا الكتاب، انتقل من القصر، وسكن دار الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وتحدث فى الأموال وغيرها. وبقى هو المشار إليه، إلى أن وصل إلى نائب السلطنة بدمشق.
ذكر عود السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى السلطنة ثانيا
قد ذكرنا أن الأمراء أرسلوا إلى خدمة السلطان الأمير بن سيف الدين آل «١» ملك الجوكندار «٢» ، وعلم الدين سنجر الجاولى، فتوجها إلى السلطان، فوجداه يتصيد بجهة بحور الكرك. فلما شاهداه ترجلا، وقبلّا الأرض بين يديه، وقدّما إليه مطالعات «٣» الأمراء، وأعلماه بهذه الحوادث. فركب من وقته وعاد إلى الكرك، وتجهز منها، وركب إلى الديار المصرية.
وكان وصوله إلى قلعة الجبل، فى يوم السبت الرابع من جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة. وجلس على تخت «٤» السلطنة، فى يوم الاثنين سادس الشهر
стр. 12419
المذكور، فكأنه المعنّى بقول القائل:
قد رجع الحق إلى نصابه ... وأنت من دون الورى أولى به
ما كنت إلا السيف سلته بد ... ثم أعادته إلى قرابه
وركب فى ثانى عشر الشهر بشعار السلطنة. ولما جلس، استشار الأمراء الأكابر، فيمن يرتبه فى النيابة والوظائف. فوقع الأتفاق على أن يكون الأمير سيف الدين سلار المنصورى الصالحى نائب السلطنة بالأبواب الشريفة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار العالية، والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار المنصورى أمير جاندار، والأمير جمال الدين أقش الدوادارى الأفرم الحاجب، نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين «١» كرد الحاجب، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية وما معها، عوضا عن الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى، وكان قد توفى إلى رحمة الله تعالى، فى صفر من هذه السنة. وأحضر الأمير سيف الدين قطلبك «٢» المنصورى من الشام، ورتّب أمير حاجب بالأبواب السلطانية. وأقر السلطان الصاحب الوزير فخر الدين عمر بن الخليلى على وزارته. وخلع السلطان على الأمراء والأعيان، على جارى العادة.
وتوجه الأمير جمال الدين آقش الأفرم إلى دمشق، على خيل البريد، فكان وصوله إليها، فى يوم الأربعاء ثانى عشرين جمادى الأولى. وأفرج عن الأمير سيف الدين جاغان الحسامى، فى يوم الأربعاء، تاسع عشرين الشهر، حسبما رسم به من الأبواب السلطانية. فتوجه إلى الديار المصرية، فوجد البريد وهو فى أثناء الطريق، بإعادته إلى الأمرة بدمشق، فعاد واستقر.
стр. 12420
وفى يوم الخميس حادى عشر جمادى الآخرة، خلع على الأمراء والأعيان بدمشق، ولبسوا تشاريف السلطان. ووصل طلب نائب السلطنة، الأمير جمال الدين فى هذا اليوم، فتلقاه والأمراء فى خدمته، وعليه التشاريف، ودخل دخولا حسنا.
وفيها، فى شهر رجب، توجه الأمير سيف الدين كرد «١» الحاجب، لنيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية.
وفيها، رسم السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين كجكن، أحد الأمراء الأكابر المقدمين بدمشق. فقبض عليه فى يوم الجمعة، ثانى عشرين شهر رجب، واعتقل بقلعة دمشق. ثم جهّز إلى الأبواب السلطانية مقيدا، ثانى شهر رمضان، هو وحمدان وأخوه، ولدا صلغاى. وجرد معهم مائة فارس من عسكر الشام.
فوصلوا بهم إلى الأبواب السلطانية «٢» .
ذكر الإفراج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وتفويض الوزارة إليه
وفى هذه السنة، فى شهر رمضان، أفرج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر العزّى المنصورى، وفوض إليه وزارة المملكة الشريفة، وتدبير الدولة بالديار المصرية، وعزل الصاحب فخر الدين الخليلى «٣»
стр. 12421
ذكر وفود سلامش بن أفال بن بيجو «١» وأخيه قطقطوا ومن معهما، وعود سلامش وقتله
كان سلامش هذا، قد جهزه قازان «٢» ملك التتار إلى بلاد الروم، مقدما على تمان «٣» ، وقيل بل كان معه خمسة وعشرون «٤» ألف فارس. وأمره قازان أن يأخذ عساكر الروم، ويتوجه إلى الشام من جهة سيس، وأن قازان يحضر بنفسه، ببقية جيوشه من جهة الفرات، وأن يكون اجتماعهم على حلب، ثم يعبرون «٥» بجملتهم إلى الشام. فلما وصل سلامش إلى بلاد الروم، خلع طاعة قازان، وحدثته نفسه بالملك، وكاتب ابن قرمان أمير التركمان، فأطاعه وانضم إليه فى عشرة آلاف فارس. وكتب إلى السلطان [المنصور لاجين «٦» ] ، يستنجده على قازان. ووصل برسالته وكتبه إلى الأبواب السلطانية، مخلص الدين الرومى.
فكتب السلطان إلى دمشق بتجهيز العساكر لنصرته وإنجاده.
стр. 12422
ولما اتصل بقازان خبر خروجه عن الطاعة، انثنى عزمه عن قصد الشام، فى هذه السنة. وجرد العساكر إلى سلامش فى أوائل جمادى الآخرة، وكانوا خمسة وثلاثين ألفا، مع ثلاثة «١» مقدمين، ومرجعهم إلى بولاى «٢» . فتوجهوا إلى سلامش، وكان قد جمع نحو ستين ألف فارس. وهو يحاصر سيواس، فإنها كانت قد عصت عليه. فأتته العساكر فى شهر رجب، والتقوا، ففارقه من كان معه من عسكر التتار، والتحقوا ببولاى، وكذلك عسكر الروم، ولحق التركمان بالجبال.
وبقى سلامش فى دون خمسمائة فارس، ففر من سيواس إلى بلاد سيس، ووصل إلى بهسنا «٣» فى أواخر شهر رجب «٤» ، ثم وصل إلى دمشق فى يوم الخميس، ثانى عشر شعبان، وصحبته الأمير بدر «٥» الدين الذردكاش نائب بهسنا «٦» ، فتلقته عساكر دمشق بأحسن زى صحبة نائب السلطنة بدمشق.
ثم توجه سلامش إلى الأبواب السلطانية، فى يوم الأحد خامس عشر شعبان، على خيل البريد، فوصل إلى الأبواب السلطانية، وهو وأخوه قطقطوا،
стр. 12423
فأكرمهما السلطان والأمراء، وأحسنوا إليهما. وخيّر [سلامش «١» ] بين المقام بالديار المصرية أو العود. فسأل أن يجرد السلطان معه جيشا، ليتوجه إلى بلاد التتار، ويأخذ عياله «٢» ؛ ويرجع إلى خدمة السلطان. فجهزه السلطان إلى حلب.
ورسم أن يجرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمى «٣» ، وأعانه «٤» . فوصل إلى دمشق فى الحادى والعشرين من شهر رمضان. وتوجه فى الثالث والعشرين من الشهر، صحبة الأمير بدر الدين الذردكاش. ولما وصل إلى حلب، جرد معه الأمير سيف الدين بكتمر الجلمى حسب المرسوم. فساروا إلى بلاد سيس، فشعر بهم صاحبها والتتار الذين بتلك الأعمال. فأخذوا عليهم الطرق والمضايق، والتقوا واقتتلوا، فقتل الجلمى، ولجأ «٥» سلامش إلى بعض القلاع. فأرسل قازان فى طلبه، واستنزله فحمل إليه فقتله.
واستقر قطقطو «٦» ومخلص الدين الرومى فى الخدمة الشريفة السلطانية بالديار المصرية. فأنعم السلطان على قطقطو بإقطاع، وعلى مخلص الدين براتب.
стр. 12424
وفى هذه السنة، فى شهر رمضان، وصل رسول صاحب سيس ورسول صاحب القسطنطينية بتحف وهدايا، وتقادم للسلطان. فوصلوا إلى دمشق فى رابع الشهر، وتوجهوا منها إلى الأبواب السلطانية، فى سادسه «١» . ويقال إن مضمون رسالة صاحب القسطنطينية، الشفاعة فى صاحب سيس، والله أعلم.
ذكر وصول مراكب الفرنج إلى ساحل الشام وتكسير بعضها «٢» ، ورجوع ما «٣» سلم منها «٤»
وفى هذه السنة، فى العشر الأخر من شعبان، وصل إلى بيروت مراكب كثيرة. وبطش «٥» للفرنج فيها جماعة كثيرة من المقاتلة، يقال إن البطش كانت ثلاثين بطشة، فى كل بطشة منها، نحو سبعمائة. وقصدوا أن يطلعوا من مراكبهم إلى البر، وتحصل إغارتهم على بلاد الساحل. فلما قربوا من البر، أرسل الله عليهم ريحا مختلفة. فغرقت بعض هذه المراكب، وتكسر بعضها. ورجع من سلم منهم على أسوأ حال، وكفى الله تعالى شرهم. وحكى عن
стр. 12425
الرئيس ببيروت، أنه قال: والله لى خمسون «١» سنة، ألازم هذا البحر، فما رأيت مثل هذه الريح، التى خرجت على هذه المراكب، وليست من الرياح المعروفة عندنا «٢» .
وفى هذه السنة، عزل قاضى القضاة حسام الدين الرومى الحنفى عن القضاء بالديار المصرية، وأعيد إلى القضاء بدمشق عوضا عن ولده القاضى جلال الدين.
وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الخميس، سادس ذى الحجة. ولما عزل فوض القضاء بالديار المصرية، على مذهب الإمام أبى حنيفة، للقاضى شمس الدين أحمد السروجى الحنفى، على عادته.
وفيها، كانت وفاة الأمير الزاهد بدر الدين الصوابى فجأة فى ليلة الخميس، تاسع جمادى الأولى، ودفن بسفح قاسيون بكرة النهار. وكان أميرا دينا صالحا، خيرا كثير البر والصدقة. وروى الحديث النبوى، وكان له فى الإمرة نحو أربعين سنة. وكان من مقدمى الألوف وأمراء المائة بالشام، رحمه الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى النجمى، الأمير الكبير المشهور فى معتقله، بالفاعة الصالحية، بقلعة الجبل المحروسة، وأخرج ودفن بتربته. وكان الملك الناصر، لما عاد الى الملك، رسم بالإفراج عنه. فوقف الأمراء فى ذلك، وحسّنوا للسلطان «٣» إبقاءه على ما هو عليه. فرجع إلى رأيهم وأبقاه «٤» ، فمات بعد ذلك بمدة يسيرة. وكان رحمه الله تعالى، كريم النفس، عالى الهمة، يعطى الكثير ويستقّله، وكان عليه فى أيام إمرته لجماعة كثيرة من
стр. 12426
مماليكه وأولادهم، وخدامه، الرواتب الوافرة من اللحم والتوابل والجرايات والعليق. فرتب لبعضهم فى كل يوم سبعين رطلا من اللحم بالمصرى، وما يحتاج إليه من التوابل والخضراوات والحطب، وسبعين عليقة، ولأقلهم خمسة أرطال، وخمس علائق، ولبعضهم عشرين رطلا وعشرين عليقة، هذا زيادة من جهته على ما لهم من الإقطاعات السلطانية. وبلغ ما يحتاج إليه فى كل يوم بسماطه ودوره المرتب عليه فيما بلغنى، ثلاثة آلاف رطل لحم، وثلاث «١» آلاف عليقة. وكان ينعم بألف دينار عينا، وبألف أردب غلة، وبألف قنطار من العسل. ويتصدق على الفقراء بألف درهم وخمسمائة درهم. ولا يعطى أقل من ذلك إلا فى النادر عند التعذر. ولا يفعل ذلك عن امتلاء «٢» ولا سعة. ما زال عليه لأرباب الديوان أربعمائة ألف درهم، وأكثر من ذلك. وإذا وفى دينا، اقترض خلافه، يتكرم بذلك. ولا يتجاسر أحد من مماليكه وألزامه أن يعدله عن ذلك، ولا يشافهه فى الإمساك عنه، والاختصار منه. وإن كلمه أحد منهم، أنكر عليه، وربما ضربه وأهانه، وعزله عن وظيفته، وإن كان أستاذ دار أو مباشرا عنده. وكانت مكارمه كثيرة مشهورة وعطاياه وصلاته وافره مذكورة، ما رأى أهل عصره من أمثاله فى المكارم والعطايا والإنفاق والهبات والصلات مثله، رحمه الله تعالى، ومات وعليه من الديوان، ما يزيد على أربعمائة ألف درهم، ورتب بعده من موجوده وأملاكه، رحمه الله تعالى «٣»
стр. 12427
ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماه
وفى يوم الخميس، الحادى والعشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الملك المظفر تقى الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه، بها. ودفن ليلة الجمعة، آخر الليل عنده أبيه رحمهما الله تعالى. ومولده فى الساعة العاشرة، من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وستمائة. وأمه عائشة خاتون بنت الملك العزيز غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب. فيكون عمره، رحمه الله تعالى، إحدى وأربعين سنة وعشر أشهر وسبعة أيام، ومدة ملكه بحماه خمس عشرة سنة «١» وشهرا واحدا ويوما واحدا، رحمه الله تعالى. وانقطع ملك حماه بعده من البيت الأيوبى سنين «٢» ، إلى أن أعاده السلطان الملك الناصر فى سلطنته الثالثة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى موضعه.
ولما مات، فوضت نيابة السلطنة بحماه إلى الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، كما تقدم، وتداولها جماعة من النواب يأتى ذكرهم، إن شاء الله تعالى، فى مواضعه.
وفيها، توفى الملك الأوحد نجم الدين يوسف ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، رحمهم الله تعالى، فى ليلة الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى الحجة بالقدس الشريف، ودفن من الغد برباطه عند باب خطّه شمالى الحرم، وكان
стр. 12428
من المشهورين بالجلالة والتقدم فى المجالس، وعند الملوك، وكان كثير الإحسان إلى الضعفاء، رحمه الله تعالى «١» .
وفيها، توفى نجم الدين أيوب ابن الملك الأفضل على ابن الملك الناصر داود بدمشق، وصلى عليه يوم الجمعة، رابع عشر ذى الحجة، رحمه الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام حجة العرب بهاء الدين أبى عبد الله محمد بن إبراهيم ابن محمد بن نصر بن النحاس الحلبى النحوى بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى، فى الثالثة من النهار. وأخرج من الغد، ودفن بالقرافة، ومولده بحلب، فى يوم الأربعاء، سلخ جمادى الآخرة، سنة سبع وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى «٢» .
وفيها، توفى تقى الدين توبة بن على بن مهاجر التكريتى، فى ليلة الخميس، ثانى جمادى الآخرة بدمشق. ودفن بتربته بسفح قاسيون رحمه الله تعالى «٣» .
وفيها، كانت وفاة الأمير جمال الدين آفش المغيثى، متولى البيرة، وكان له بها نحو أربعين سنة «٤» .
ذكر توجه السلطان إلى الشام
وفى هذه السنة، تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب السلطان الجيوش المصرية وجردها. وكان قد جرد فى جمادى الآخرة، الأمير سيف الدين بلبان
стр. 12429
الجيشى ومضافيه، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار ومضافيه، والأمير جمال الدين آقش الموصلى المعروف قتال السبع، والأمير مبارز الدين الرومى أمير شكار ومضافيه، فوصلوا إلى دمشق، فى سابع شهر رجب. فلما قويت الأجناد الآن، جرّد الأمير سيف الدين قطابك الحاجب ومضافيه، والأمير سيف الدين نوكيه التتارى ومضافيه، فوصلوا إلى دمشق فى يوم الاثنين رابع عشرين ذى الحجة. ثم توجه السلطان بعد ذلك، بالعساكر المنصورة. فاستقل ركابه الشريف من قلعة الجبل فى الرابع والعشرين من ذى الحجة. واستناب فى غيبته بقلعة الجبل المحروسة، الأمير ركن الدين بيبرس الدوادارى المنصورى.
стр. 12430
واستهلت سنة تسع وتسعين وستمائة [٦٩٩- ١٢٩٩/١٣٠٠]
والسلطان الملك الناصر متوجه «١» بالجيوش إلى الشام، فوصل إلى غزة فى المحرم. ونزل بتل العجول.
ذكر الفتنة التى أثارها الأويرانية بهذه المدينة «٢»
لما حل ركاب السلطان بمنزلة تل العجول، اتفق جماعة من الأويرانية، الذين وفدوا إلى الديار المصرية، فى الأيام العادلية الزينية، مع الأمير سيف الدين برلطاى «٣» ، أحد الأمراء المماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، على إثارة فتنة. فبينما الأمراء فى الموكب، لم يشعروا إلا وقد شهر برلطاى سيفه، وحمل نفسه، وكرّ صوب الدهليز المنصور السلطانى، فأمسك. وسيره السلطان إلى الأمراء، فقتل لوقته. وقبض على جماعة من المماليك السلطانية، وسيروا إلى قلعة الكرك، واعتقلوا بها. وقبض على جماعة من الأويرانية، فشنقوا بظاهر غزة. وكان من أنهم بمباطنتهم قطلو برس «٤» العادلى، فطلب فلم يوجد. واختفى مدة، ثم حصل الظفر به، بعد ذلك، فشنق بسوق الخيل تحت القلعة.
следующие страницы →