Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12426–12465 · переход к 12431.
стр. 12426
مماليكه وأولادهم، وخدامه، الرواتب الوافرة من اللحم والتوابل والجرايات والعليق. فرتب لبعضهم فى كل يوم سبعين رطلا من اللحم بالمصرى، وما يحتاج إليه من التوابل والخضراوات والحطب، وسبعين عليقة، ولأقلهم خمسة أرطال، وخمس علائق، ولبعضهم عشرين رطلا وعشرين عليقة، هذا زيادة من جهته على ما لهم من الإقطاعات السلطانية. وبلغ ما يحتاج إليه فى كل يوم بسماطه ودوره المرتب عليه فيما بلغنى، ثلاثة آلاف رطل لحم، وثلاث «١» آلاف عليقة. وكان ينعم بألف دينار عينا، وبألف أردب غلة، وبألف قنطار من العسل. ويتصدق على الفقراء بألف درهم وخمسمائة درهم. ولا يعطى أقل من ذلك إلا فى النادر عند التعذر. ولا يفعل ذلك عن امتلاء «٢» ولا سعة. ما زال عليه لأرباب الديوان أربعمائة ألف درهم، وأكثر من ذلك. وإذا وفى دينا، اقترض خلافه، يتكرم بذلك. ولا يتجاسر أحد من مماليكه وألزامه أن يعدله عن ذلك، ولا يشافهه فى الإمساك عنه، والاختصار منه. وإن كلمه أحد منهم، أنكر عليه، وربما ضربه وأهانه، وعزله عن وظيفته، وإن كان أستاذ دار أو مباشرا عنده. وكانت مكارمه كثيرة مشهورة وعطاياه وصلاته وافره مذكورة، ما رأى أهل عصره من أمثاله فى المكارم والعطايا والإنفاق والهبات والصلات مثله، رحمه الله تعالى، ومات وعليه من الديوان، ما يزيد على أربعمائة ألف درهم، ورتب بعده من موجوده وأملاكه، رحمه الله تعالى «٣»
стр. 12427
ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماه
وفى يوم الخميس، الحادى والعشرين من ذى القعدة، كانت وفاة الملك المظفر تقى الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب صاحب حماه، بها. ودفن ليلة الجمعة، آخر الليل عنده أبيه رحمهما الله تعالى. ومولده فى الساعة العاشرة، من ليلة الأحد، خامس عشر المحرم، سنة سبع وخمسين وستمائة. وأمه عائشة خاتون بنت الملك العزيز غياث الدين محمد ابن الملك الظاهر غازى ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب. فيكون عمره، رحمه الله تعالى، إحدى وأربعين سنة وعشر أشهر وسبعة أيام، ومدة ملكه بحماه خمس عشرة سنة «١» وشهرا واحدا ويوما واحدا، رحمه الله تعالى. وانقطع ملك حماه بعده من البيت الأيوبى سنين «٢» ، إلى أن أعاده السلطان الملك الناصر فى سلطنته الثالثة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى موضعه.
ولما مات، فوضت نيابة السلطنة بحماه إلى الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، كما تقدم، وتداولها جماعة من النواب يأتى ذكرهم، إن شاء الله تعالى، فى مواضعه.
وفيها، توفى الملك الأوحد نجم الدين يوسف ابن الملك الناصر صلاح الدين داود ابن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، رحمهم الله تعالى، فى ليلة الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى الحجة بالقدس الشريف، ودفن من الغد برباطه عند باب خطّه شمالى الحرم، وكان
стр. 12428
من المشهورين بالجلالة والتقدم فى المجالس، وعند الملوك، وكان كثير الإحسان إلى الضعفاء، رحمه الله تعالى «١» .
وفيها، توفى نجم الدين أيوب ابن الملك الأفضل على ابن الملك الناصر داود بدمشق، وصلى عليه يوم الجمعة، رابع عشر ذى الحجة، رحمه الله تعالى.
وفيها، كانت وفاة الشيخ الإمام حجة العرب بهاء الدين أبى عبد الله محمد بن إبراهيم ابن محمد بن نصر بن النحاس الحلبى النحوى بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء سابع جمادى الأولى، فى الثالثة من النهار. وأخرج من الغد، ودفن بالقرافة، ومولده بحلب، فى يوم الأربعاء، سلخ جمادى الآخرة، سنة سبع وعشرين وستمائة، رحمه الله تعالى «٢» .
وفيها، توفى تقى الدين توبة بن على بن مهاجر التكريتى، فى ليلة الخميس، ثانى جمادى الآخرة بدمشق. ودفن بتربته بسفح قاسيون رحمه الله تعالى «٣» .
وفيها، كانت وفاة الأمير جمال الدين آفش المغيثى، متولى البيرة، وكان له بها نحو أربعين سنة «٤» .
ذكر توجه السلطان إلى الشام
وفى هذه السنة، تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب السلطان الجيوش المصرية وجردها. وكان قد جرد فى جمادى الآخرة، الأمير سيف الدين بلبان
стр. 12429
الجيشى ومضافيه، والأمير بدر الدين عبد الله السلاح دار ومضافيه، والأمير جمال الدين آقش الموصلى المعروف قتال السبع، والأمير مبارز الدين الرومى أمير شكار ومضافيه، فوصلوا إلى دمشق، فى سابع شهر رجب. فلما قويت الأجناد الآن، جرّد الأمير سيف الدين قطابك الحاجب ومضافيه، والأمير سيف الدين نوكيه التتارى ومضافيه، فوصلوا إلى دمشق فى يوم الاثنين رابع عشرين ذى الحجة. ثم توجه السلطان بعد ذلك، بالعساكر المنصورة. فاستقل ركابه الشريف من قلعة الجبل فى الرابع والعشرين من ذى الحجة. واستناب فى غيبته بقلعة الجبل المحروسة، الأمير ركن الدين بيبرس الدوادارى المنصورى.
стр. 12430
واستهلت سنة تسع وتسعين وستمائة [٦٩٩- ١٢٩٩/١٣٠٠]
والسلطان الملك الناصر متوجه «١» بالجيوش إلى الشام، فوصل إلى غزة فى المحرم. ونزل بتل العجول.
ذكر الفتنة التى أثارها الأويرانية بهذه المدينة «٢»
لما حل ركاب السلطان بمنزلة تل العجول، اتفق جماعة من الأويرانية، الذين وفدوا إلى الديار المصرية، فى الأيام العادلية الزينية، مع الأمير سيف الدين برلطاى «٣» ، أحد الأمراء المماليك السلطانية الذين كانوا بدار الوزارة، على إثارة فتنة. فبينما الأمراء فى الموكب، لم يشعروا إلا وقد شهر برلطاى سيفه، وحمل نفسه، وكرّ صوب الدهليز المنصور السلطانى، فأمسك. وسيره السلطان إلى الأمراء، فقتل لوقته. وقبض على جماعة من المماليك السلطانية، وسيروا إلى قلعة الكرك، واعتقلوا بها. وقبض على جماعة من الأويرانية، فشنقوا بظاهر غزة. وكان من أنهم بمباطنتهم قطلو برس «٤» العادلى، فطلب فلم يوجد. واختفى مدة، ثم حصل الظفر به، بعد ذلك، فشنق بسوق الخيل تحت القلعة.
стр. 12431
وأقام السلطان [الناصر»
] بهذه المنزلة مدة، ثم رحل منها، وتوجه نحو دمشق، فوصل إليها فى يوم الجمعة، ثامن شهر ربيع الأول، ونزل بقلعتها.
وهذه السفرة، هى أول وصول السلطان الملك الناصر إلى دمشق، وحال وصوله، أمر بخروج العسكر الشامى، فخرج من دمشق، وتلته العساكر المصرية. ثم توجه السلطان فى أعقابهم، إلى جهة حمص، لقتال التتر، ودفعهم عن الشام، وكان رحيله من دمشق، فى وقت الزوال، من يوم الأحد سابع عشر شهر ربيع الأول «٢» .
ذكر وقعة غازان «٣» ملك التتار بمجمع المروج «٤» ببلاد حمص
كانت هذه الوقعة فى يوم الأربعاء، الثامن والعشرين، من شهر ربيع الأول، سنة تسع وتسعين وستمائة. وذلك أن السلطان الملك الناصر، لما رحل من دمشق، إلى جهة حمص، تواترت الأخبار بوصول التتار «٥» إلى وادى الخزندار.
فسار السلطان إليهم، وحثّ السير. فقطع ثلاث مراحل، فى مرحلة واحدة، فأشرف على مجمع المروج، وقد تعبت خيول العساكر الإسلامية، وركب غازان فى جيوش التتار، ومن أنضم إليها من الكرج والأرمن وغيرهم، ومعه الأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، والأمير فارس
стр. 12432
فارس الدين البكى، والأمير سيف الدين عزاز «١» . والتقى الجمعان فى الخامسة من النهار المذكور. فحملت الميسرة الإسلامية على ميمنة التتار، فهزمتها أقبح هزيمة، وقتل من التتار خلق كثير. فلما عاين غازان انهزام ميمنته، اعتزل فى نحو ثلاثين فارسا، وعزم على الفرار. فمنعه الأمير سيف الدين قبجاق، وثبته ومناه بالظفر «٢» .
وكان قصده بذلك، فيما قال بعد عوده، القبض على غازان عند استمرار الهزيمة بجيوشه.
ثم ركبت فرقة من التتار، كانت لم تشهد الحرب، واجتمعوا كراديس «٣» ، وحملوا حملة منكرة. وقصدوا قلب العساكر الإسلامية، وضعفت الميمنة الإسلامية، عن لقاء ميسرتهم. فكان من الهزيمة ما كان، وذلك بعد العصر من اليوم المذكور.
ذكر تسمية من استشهد وفقد، فى هذه الوقعة من المشهورين
كان من استشهد وفقد من الأمراء والمشهورين، فى هذه الوقعة، الأمير سيف الدين كرد، نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، والأمير ناصر الدين محمد ابن الأمير عز الدين أيدمر الحلبى، أحد الأمراء بالديار المصرية، والأمير سيف الدين بلبان التقوى، من أمراء طرابلس، والأمير ركن الدين بيبرس الغتمى «٤» ، النائب بحصن المرقب، والأمير صارم الدين أزبك، النائب بقلعة
стр. 12433
بلاطنس، والأمير بدر الدين بيلبك المنصورى المعروف بالطيار، من أمراء دمشق، قتل فى عوده بعد الوقعة، والأمير سيف الدين نوكيه «١» التتارى، والأمير جمال الدين أقش كرجى الحاجب، والأمير جمال الدين أقش المطروحى، حاجب الشام «٢» فقدوا نحو ألف فارس من الحلقة والمماليك السلطانية وأجناد الأمراء ومماليكهم. وهؤلاء الأمراء، منهم من استشهد فى المعركة، ومنهم من أصابته جراحة، فمات بعد انفصال الوقعة فيعد شهيدا «٣» ، ومنهم من عدم ولم تتحقق وفاته.
وعدم قاضى القضاة حسام الدين الحنفى الرومى، والقاضى عماد الدين إسماعيل ابن الأثير «٤» الموقع. وقتل من التتار فيما قيل نحو أربعة عشر ألف «٥» .
ولما تمت الهزيمة، وشاهد غازان من قتل أصحابه وكثرتهم، وقلة من قتل من العساكر الإسلامية، بالنسبة إلى من قتل من التتار، ظن أن هذه الهزيمة مكيدة، واستجرار «٦» لعساكره، فتوقف عن اتباع العساكر الإسلامية، حتى تبين له صحة الهزيمة. ثم سار من مكان الوقعة إلى حمص، وبها الخزائن السلطانية،
стр. 12434
فسلمها متوليها محمد بن الصارم، من غير ممانعة. ولا مدافعة «١» . ثم رحل عنها إلى جهة دمشق ونزل بالغوطة «٢» .
ذكر ما اتفق بدمشق بعد الوقعة ومفارقة العساكر الإسلامية فى مدة استيلاء التتار عليها، إلى أن فارقوا البلاد، وعادوا إلى الشرق كانت «٣» الأخبار وصلت إليهم بانهزام الجيوش الإسلامية، وتحققوا فى يوم السبت، مستهل شهر ربيع الآخر. فتوجه من أمكنه السفر إلى الديار المصرية فى هذا اليوم فكان ممن توجه قاضى القضاة إمام الدين الشافعى، وقاضى القضاة جمال الدين الزواوى المالكى، وابن الشيرازى، ومتولى مدينة دمشق، ومتولى برّها، ومحتسب المدينة، وجماعة كبيرة من أهل البلد، ممن قدر على الانتزاح.
وفى ليلة الأحد، أحرق المعتقلون بسجن باب الصغير بابه، وخرجوا منه، وكانوا نحو مائة وخمسين. وتوجهوا إلى باب الجابية، وكسروا الأقفال، وخرجوا منه وبقى البلد لا حامى له، ولا ممانع عنه. فاجتمع أكابر دمشق، فى يوم الأحد الثانى من الشهر، بمشهد علىّ بالجامع الأموى. وانفقوا على أن يتوجهوا إلى الملك غازان، ويسألوا «٤» الأمان لأهل البلد. فتوجه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، وهو الخطيب يومئذ، والشيخ تقى الدين بن تيمية، والشيخ زين الدين الفارقى، والقاضى نجم الدين بن صصرى، والقاضى
стр. 12435
شمس الدين الحريرى، والقاضى جلال الدين ابن القاضى حسام الدين، وفخر الدين ابن الشيرجى، وعز الدين بن الزكى، ووجيه الدين بن منجا، والرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى، وابن عمه الصدر شرف الدين، وأمين الدين بن شقير الحرانى، والشريف زين الدين بن عدنان، ونجم الدين بن أبى الطيب، وناصر الدين بن عبد السلام، وشريف الدين بن الشيرجى، وشهاب الدين الحنفى، والشيخ محمد ابن قوام البالنى، وجلال الدين أخو القاضى إمام الدين، وجماعة كبيرة من القراء والفقهاء والعدول. وتوجهوا بعد صلاة الظهر، من يوم الاثنين، ثالث الشهر، واجتمعوا بالملك غازان، وهو عند النبك «١» ، وهو سائر. ونزلوا عن مراكيبهم. وقبلّ بعضهم الأرض، فوقف غازان بفرسه لهم. وترجل جماعة من التتار عن خيولهم. وتكلم الترجمان بينهم وبين الملك غازان، وسألوا الأمان لأهل دمشق. وكان المخاطب له عن أهل دمشق، فخر الدين بن الشيرجى.
فقال غازان: الذى حضرتم بسببه «٢» من الأمان قد أرسلناه قبل وصولكم. وقدّموا ما كان معهم من المأكول، فلم يكن له وقع عندهم. وأذن لهم فى الرجوع إلى دمشق، فرجعوا. وكان وصولهم بعد صلاة العصر، من يوم الجمعة، سابع الشهر.
ولم يخطب فى هذه الجمعة لسلطان «٣» .
وكان قد وصل إلى دمشق، فى يوم الخميس، سادس «٤» الشهر أربعة من التتار،
стр. 12436
من جهة غازان، ومعهم الشريف القمّى «١» . وكان قد توجه قبل توجه الجماعة، هو وثلاثة من أهل دمشق إلى غازان. فعاد وبيده أمان لأهل دمشق.
ثم وصل بعد صلاة الجمعة، الأمير إسماعيل وجماعة من التتار. فنزلوا بالبستان الظاهرى، بطريق القابون. ثم ركب [الأمير] إسماعيل فى يوم السبت، ودخل إلى دمشق، وجاء إلى مقصورة الخطابة بالجامع الأموى، لقراءة «٢» الفرمان «٣» .
وقرأه «٤» أحد العجم الواصلين صحبة الأمير إسماعيل، وبلّغ عنه المجاهد المؤذن، ومضمونه:- بقوة الله تعالى، ليعلم أمراء التومان «٥» والألوف والمائة، وعموم عساكرنا المنصورة، من المغول والتازيك «٦» والكرج «٧» وغيرهم، ممن هو داخل تحت زبقة
стр. 12437
طاعتنا. إن الله لما نوّر قلوبنا بنور الإسلام، وهدانا إلى ملة النبى، عليه أفضل الصلاة والسلام أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
«١» .
ولما أن سمعنا أن حكام مصر والشام خارجون عن طريق الدين، غير متمسكين بأحكام الإسلام، ناقضون لعهودهم، حالفون بالأيمان الفاجرة، ليس لديهم وفاء ولا ذمام، ولا لأمورهم التئام ولا انتظام، وكان أحدهم إذا تولى، سعى فى الأرض ليفسد فيها، ويهلك الحرث والنسل، والله لا يحب الفساد. وشاع من شعارهم الحيف على الرعية، ومدّ الأيدى العارية، إلى حرمهم وأموالهم، والتخطى عن جادة العدل والإنصاف، وارتكابهم الجور والإعساف، حملتنا الحمية الدينية، والحفيظة الإسلامية، على أن توجهنا إلى تلك البلاد، لإزالة هذا العدوان، وإماطة هذا الطغيان، مستصحبين الجم الغفير من العساكر.
ونذرنا على أنفسنا، إن وفقنا الله تعالى بفتح تلك البلاد، أزلنا العدوان والفساد، وبسطنا العدل والإحسان فى كافة العباد، ممتثلا للأمر الإلهى:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
«٢» . وإجابة لما ندب إليه الرسول، ﷺ ، «إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين الدين، يعدلون فى حكهم وأهليهم وما ولوا» . وحيث كانت طويتنا
стр. 12438
مشتملة على هذه المقاصد الحميدة والنذور «١» الأكيدة. منّ الله علينا بتبلّج «٢» تباشير النصر المبين، والفتح المستبين. وأتمّ علينا نعمته، وأنزل علينا سكينته، فقهرنا العدو الطاغية، والجيوش الباغية، وفوّقناهم أيدى سبا، ومزقناهم كل ممزق، حتى جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا فازدادت صدورنا انشراحا للإسلام، وقويت نفوسنا بحقيقة الأحكام، منخرطين فى زمرة من حبّب إليهم الإيمان، وزينه فى قلوبهم، وكّره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك هم الراشدون، فضلا من الله ونعمة.
فوجب علينا رعاية تلك العهود الموثفة، والنذور المؤكدة. فصدرت مراسيمنا العالية، أن لا يتعرض أحد من العساكر المذكورة على اختلاف طباقاتها لدمشق وأعمالها، وسائر البلاد الإسلامية الشامية، وأن يكفوا أظفار التعدّى عن أنفسهم وأموالهم وحريمهم، ولا يحوموا حول حماهم بوجه من الوجوه، حتى يشتغلوا بصدور مشروحة، وآمال «٣» مفسوحة بعمارة البلاد، وبما هو كل واحد بصدده من تجارة وزراعة وغير ذلك. وكان هذا الهرج العظيم، وكثرة العساكر، فتعرّض «٤» بعض نفر يسير من السلاحية وغيرهم، إلى نهب بعض الرعايا وأسرهم،
стр. 12439
فقتلناهم ليعتبر الباقون، ويقطعوا أطماعهم عن النهب والأسر، وغير ذلك من الفساد. وليعلموا أنا لا نسامح بعد هذا الأمر البليغ البته، وأن لا يتعرضوا لأحد من أهل الأديان، على اختلاف أديانهم، من اليهود والنصارى والصائبة. فإنهم إنما يبذلون الجزية عنهم، من الوظائف الشرعية، لقول علىّ ﵇: «إنما يبذلون الجزية، لتكون أموالهم كأموالنا، ودماؤهم كدمائنا» . والسلاطين موصّون على أهل الذمة الطيعين «١» ، كما هم «٢» موصون على المسلمين، فإنهم من جملة الرعايا.
قال ﷺ : «الإمام الذى على الناس، راع عليهم وكل راع مسئول عن رعيته» .
فسبيل «٣» القضاة والخطباء والمشايخ والعلماء والشرفاء والأكابر والمشاهير وعامة الرعايا، الاستبشار بهذا النصر الهنى والفتح السنى، وأخذ الحظ الوافر من السرور، والنصيب الأكبر من البهجة والحبور، مقبلين على الدعاء لهذه الدولة القاهرة، والمملكة الظاهرة، أناء الليل وأطراف النهار.
وكتب فى خامس ربيع الآخر سنة تسع وتسعين وستمائة.
ولما قرىء هذا الفرمان، حصل للناس بعض الطمأنينة، وجلس التتار بالمقصورة إلى أن صلوا العصر، وعادوا إلى منزلتهم بالبستان الظاهرى. وأغلق الأمير علم الدين سنجر أرجواش أبواب قلعة دمشق، وامتنع بها فى أول هذه الحادثة.
стр. 12440
واجتمع أهل دمشق فى يوم الأحد تاسع الشهر بالقيمرية، واهتموا فى تحصيل الخيل والبغال والأموال، ليرضوا بها التتار، ونزل غازان ملك التتار بالغوطة، فى يوم الاثنين العاشر من الشهر، وأحدقت الجيوش بالغوطة، وقتلوا طائفة من أهل القرى.
ووصل الأمير سيف الدين قبجاق، والأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، وغيرهما فى هذا اليوم، ونزلوا بالميدان. ولما مروا بالقلعة، خاطبوا الأمير علم الدين سنجر أرجواش، نائب القلعة، وأشاروا عليه بتسليمها، فسبهم أقبح «١» سب.
وفى بكرة نهار الثلاثاء، حادى عشر الشهر، ورد مثال الأمير إسماعيل نائب التتار، يأمر العلماء والمشايخ والرؤساء، أن يتوجهوا إلى القلعة، ويتحدثوا مع نائبها فى تسليمها، وأنه متى امتنع من ذلك، دخل الجيش البلد ونهبها، وسفكت الدماء. فاجتمع جماعة كثيرة إلى باب القلعة، وسألوا الأمير علم الدين [سنجر أرجواش «٢» ] ، أن يرسل إليهم رسولا، فامتنع وسبهم أقبح سب. وقال: قد وردت علّى بطاقة من السلطان، أنه جمع الجيوش بغزة، وكسر الطائفة التى اتبعتهم من التتار، والسلطان يصل عن قريب بعساكره «٣» .
ثم دخل قبجاق دمشق فى يوم الأربعاء، ثانى عشر الشهر، وجلس بالمدرسة العزيزية، وأمر العلماء والأكابر بمراجعة أرجوش فى تسليم القلعة، فتوجهوا
стр. 12441
إليه، فلم يسمع كلامهم. وكتب فى هذا اليوم بالعزيزية فرامانات من شيخ الشيوخ [نظام الدين محمود بن على الشيبانى «١» ] ، ومقدم من مقدمى التتار، ذكر أنه رضيع الملك غازان، ومن قبجاق، فسلم تجد نفعا.
وفى يوم الجمعة رابع عشر الشهر [ربيع الآخر «٢» ] خطب لغازان على منبر دمشق، بما رسم لهم به من الألقاب والنعوت وهى «مولانا السلطان، الملك الأعظم، سلطان الإسلام والمسلمين، مظفر الدنيا والدين، محمود غازان» . وصلى بالمقصورة جماعة من المغل. وحضر إلى المقصورة، عقيب الصلاة الأمير سيف الدين قبجاق، وصعد هو والأمير إسماعيل، إلى سدّة المؤذنين. واجتمع جمع كثير من عامة الناس تحت النصر «٣» . وقرئ عليهم تقليد بتولية الأمير سيف الدين قبجاق الشام أجمع، وعيّن فيه مدينة دمشق وحلب وحماه وحمص وغير ذلك، من الأعمال والجهات. وجعل إليه، أن يولى القضاة، والحكماء والخطباء، وغيرهم.
ونثر على الناس الذهب والدراهم، فاستبشر الناس بولاية قبجاق، ظنا منهم أنه يرفق بهم. وحضر فى هذا اليوم شيخ الشيوخ نظام الدين محمود بن على الشيبانى، إلى المدرسة العادلية. وأحضرت إليه ضيافة، وأظهر العتب «٤» على أهل البلد، كونهم لم يترددوا إليه. وذكر أنه يصلح أمرهم، ويتفق معهم، على ما يفعل، فى أمر القلعة. فقال بعض من حضر [إن] «٥» الأمير سيف الدين قبجاق يخبر أمر «٦»
стр. 12442
متولى القلعة. فقال [شيخ الشيوخ «١» ] : «خمسمائة من قبجاق ما يكونون فى خانمى» ، وعظّم نفسه تعظيما كثيرا.
وفى يوم السبت خامس عشر الشهر. ابتدئ بنهب جبل الصالحية، وما به من الندب والمدارس وغيرها. فتوجه الشيخ تقى الدين بن تيمية إلى شيخ الشيوخ، فركب إليهم فى يوم الثلاثاء. فلما وصل إلى جبل الصالحية، هرب من به من التتار، ودخل أهل الجبل إلى دمشق عرايا فى أسو أحال «٢» .
وتوجه التتار إلى قرية المّزة «٣» ، فنهبوها وسبوا أهلها. وتوجهوا إلى داريا «٤» ، وفعلوا كذلك، وقتلوا جماعة من أهلها، وقتل أهلها جماعة من التتار. فتوجه الشيخ تقى الدين بن تيمية. يوم الخميس إلى الملك غازان، وهو بتل رأهط «٥» ، فدخل عليه ليشكو له ما جرى من التتار بعد أمانه، فلم يمكّن «٦» من ذلك. وقيل له: إن شكوت إليه أمرا، يقتل «٧» بعض المغل. فيكون ذلك سبب الإختلاف، وتدور الدائرة على أهل دمشق. فعدل الشيخ عن الشكوى إلى الدعاء، وفارقه واجتمع بالوزير [ين] سعد الدين، ورشيد الدين، وتحدث معهما. فذكر «٨» أن
стр. 12443
جماعة من المقدمين الأكابر، لم يصل إليهم من مال دمشق شىء، ولا بد من إرضائهم. وأمر الوزير بإطلاق الأسرى.
ثم اشتد الأمر على أهل دمشق، فى طلب الأموال وحصار القلعة. وجاء منجنيقى، فالتزم بأخذ القلعة. وقرر أن يكون نصب المجانيق عليها بالجامع الأموى. فأجمع أرجواش رأيه، أنه متى نصب المجانيق بالجامع، رمى عليها بمجانيق القلعة. وكان ذلك يؤدى إلى هدم الجامع. فانتدب رجال من أهل القلعة، بعد أن تهيأت أعواد المجانيق، ولم يبق إلا نصبها. وخرجوا بالحمية الإيمانية، وهجموا الجامع، ومعهم المناشير، فأفسدوا ما تهيأ من أعواد المجانيق. ثم جددوا غيرها، واحترزوا عليها. وحضر جماعة من المغل يبيتون بالجامع. فيقال إنهم انتهكوا حرمته، وارتكبوا فيه المحارم، من شرب الحمور والزنا، وطرح القاذورات والنجاسات، وقلّ حضور الناس فيه، حتى أنه لم تقم فيه صلاة العشاء الآخرة، فى بعض الليالى. ونهب التتار سوق باب البريد.
وتحول الناس من حول الجامع، وزهدوا فى قربه لمجاورة التتار. فانتدب رجل من أهل القلعة. وبذل نفسه، والتزم بقتل المنجنيقى. وخرج إلى الجامع، والمنجنيقى بين المغل، وهو فى ترتيب العمل. فتقدم إليه، وضربه بسكّين فقتله. وهجم رجال القلعة، فتفرق المغل عن القاتل، وحماه أصحابه، فلجأ «١» إلى القلعة، وبطل على التتار ما دبروه من عمل المجانيق. واضطر أرجواش إلى هدم ما حول القلعة، من المساكن والمدارس والأبنية ودار السعادة، وطواحين باب
стр. 12444
الفرج، وغير ذلك. كل ذلك احترازا على حفظ القلعة، وأن يتطرّق العدوّ إليها. وحصل من إفساد التتار والأرمن وإخرابهم الأماكن، بإفسادهم الصالحية، وحرق «١» جامع التوبة «٢» بالعقيبة «٣» وغير ذلك، ما بقيت آثاره، بعد ذهاب العدو زمنا طويلا. ثم أعاد المسلمون ذلك، والحمد لله تعالى، إلى أحسن ما كان.
واشتد الأمر على أهل دمشق فى طلب الأموال، فى أواخر شهر ربيع الآخر؛ وأوائل جمادى الأول، وطلب من البلد ما لا يتحمله أهله. وتولى استخراج الأموال، والمطالبة بها من أهل دمشق، صفى الدين السنجارى، وولد الشيخ محمد ابن الشيخ على الحريرى. وغلت الأسعار بدمشق هذه المدة «٤» .
ثم رجع غازان إلى بلاد الشرق، فى يوم الجمعة، ثانى عشر جمادى الأولى ونزل قطلو «٥» شاه نائبه بدمشق وجماعة كثيرة من التتار معه، وجعل نيابة الشام إلى الأمير سيف الدين قبجاق، ونيابة حلب وحمص إلى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار، ونيابة صفد وطرابلس والسواحل إلى الأمير فارس الدين البكى ولما توجه غازان، استصحب الوزير معه، من أكابر دمشق بدر الدين
стр. 12445
ابن فضل الله، وعلاء الدين على ابن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسى، وشرف الدين بن الأثير.
وفى يوم السبت ثالث عشر «١» جمادى الأولى، رسم التتار بإخلاء المدرسة العادلية، ووقف جماعة منهم على بابها يفتشون من يخرج منها، ويأخذون ما أحبوا من أمتعتهم، وعجز أهلها عن نقل أكثر أثاثهم. ودخل التتار إليها، عقيب خروجهم منها، وكسروا أبواب البيوت، ونهبوا ما بها، وأخلى التتار ما حول القلعة، وطلعوا إلى الأسطحة، ورموا منها النشاب على الفلعة. فعند ذلك، أمر أرجواش بإحراق ذلك كما تقدم. وكان إحراق المدرسة العادلية فى الحادى والعشرين من جمادى الأولى.
وفى يوم الجمعة تاسع عشر الشهر، قرىء «٢» على سدة الجامع كتابان: أحدهما يتضمن تولية الأمير سيف الدين قبجاق النيابة بالشام «٣» ، والثانى يتضمن تولية الأمير ناصر الدين يحيى بن جلال الدين شد الشام. وتضمن أحد الكتابين أن يصرف ما كان لخزائن السلاح، من مال الجامع فى مصالح السبيل إلى الحجاز الشريف. ويتضمن أيضا أن غازان يعود إلى الشام فى فصل الخريف «٤» ، ويتوجه إلى الديار المصرية، وأنه توجه [إلى البلاد «٥» ] ونزل نائبه قطلوشاه فى ستين ألف فارس لحماية الشام، إلى غير ذلك مما تضمنه.
стр. 12446
واستمر قطلوشاه بعد توجه غازان أياما يحاصر القلعة، فلم يتهيأ له منها ما يريد، فجمع له قبجاق مالا من أهل البلد، فأخذه وعاد إلى بلاد الشرق. وكان رحيله فى يوم الثلاثاء «١» الثالث والعشرين من جمادى الأولى. وتوجه الأمير سيف الدين قبجاق لوداعه. وعاد فى يوم الخميس الخامس والعشرين من الشهر، ودخل إلى دمشق، من باب شرقى، وشق البلد، وخرج من باب الجابية، وكانا مغلقين فى مدة مقام التتار، ففتحا له الآن، ونزل بالقصر الأبلق.
وعاد الأمير يحيى بن جلال الدين والصفى السنجارى بجماعة من التتار، وشقوا البلد، وتوجهوا إلى القصر أيضا. ثم نودى فى البلد، فى يوم الجمعة، أن يتوجه الناس إلى ضياعهم وقراهم. وكان قد نودى فى أول هذا النهار، أن لا يخرج أحد إلى الجبل والغوطة «٢» ، وأن لا يخاطر بنفسه، ولا يغرر بنفسه.
وفى تاسع عشر جمادى الأولى، دخل الأمير سيف الدين قبجاق، ومن معه إلى المدينة، ونزلوا بدار الأمير سيف الدين بهادر آص، وما يجاورها من الأدر، بقرب مأذنه فيروز.
وفى يوم الثلاثاء، مستهل جمادى الآخرة، وثانيه، نودى فى دمشق بأمر الأمير سيف الدين قبجاق أن يخرج الناس إلى «٣» أما كنهم. وانضم إلى قبجاق
стр. 12447
جماعة من الجند فى أول هذا الشهر، يركبون فى خدمته، ويترجلون فى ركابه، وفتحت أبواب البلد، إلا ما بجوار القلعة منها.
وفى يوم الجمعة رابع الشهر، ضربت البشائر بالقلعة. وفى يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة، أمر الأمير سيف الدين قبجاق، أستاذ داره علاء الدين، وطاجار، وركبا بالشرابيش «١» والطبلخاناة «٢» . ثم أمّر ثلاثة فى العشر الأوسط من الشهر، وركبوا بالشرابيش والطبلخاناة. وأمر بإدارة الخمارة بدار ابن جراده، فأظهرت الخمور والفواحش، وضمنت فى كل يوم ألف درهم «٣» ، واستمر الحال على على ذلك بقية جمادى الآخرة وبعض شهر رجب.
وكان غازان قد جرد من عسكره عشرين ألف فارس، صحبة بولاى «٤» ، وأشبقا «٥» وحجك «٦» وهو لاجو، فنزلوا بالأغوار. وشنوا الغارات ونهبوا، ووصلت غاراتهم إلى بلد القدس والخليل، ودخلوا إلى غزة، وقتلوا بجامعها خمسة عشر نفرا من
стр. 12448
المسلمين «١» ، ثم رجعت هذه العساكر إلى دمشق، وعادت إلى بلاد الشرق، فى ثانى شهر رجب، واستصحبوا معهم أمين الدين بن شقير الحرّانى.
وعاد التتار بجملتهم فى ثامن شهر رجب، لما بلغهم اهتمام السلطان، وخروج العساكر. ولم يفتح غازان شيئا من القلاع الشامية، بل امتنعت بجملتها، اقتداء بقلعة دمشق. وتمسك نواب القلاع من تسليمها، واعتذروا أنهم لا يمكنهم ذلك إلا بعد تسليم قلعة دمشق، فسلمت القلاع بجملتها.
ثم توجه الأمير سيف الدين قبجاق والأمراء إلى خدمة السلطان الملك الناصر على ما نذكره.
ولما توجه قبجاق من دمشق، دبّر أمر البلد الأمير علم الدين أرجواش.
وأعيدت الخطبة بدمشق، باسم السلطان فى يوم الجمعة السابع عشر من شهر رجب. وكانت انقطعت من سابع شهر ربيع الآخر، فانقطعت مائة يوم.
وفى هذا اليوم أبطل ما كان جدّد من المنكرات، وأغلقت الخمارات، وأريق ما فيها، وكسرت المواعين، وشقت «٢» الظروف. وتولى ذلك الشيخ تقى الدين بن تيمية وأصحابه.
هذا ما كان بدمشق، فلنذكر ما اعتمده السلطان عند عوده.
ذكر ما اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده إلى الديار المصرية من الاهتمام بأمر الجيوش والعساكر
لما كان من أمر هذه الحادثة ما قدمناه، رجع السلطان من مكان الوقعة
стр. 12449
إلى الديار المصرية. وتفرقت العساكر، فأخذت كل فرقة طريقا. وكان وصول السلطان إلى قلعة الجبل، فى يوم الأربعاء، ثانى عشر شهر ربيع الآخر ولم يصحبه فى هذه السفرة إلا بعض خواصه، والأمير سيف الدين بكتمر الحسامى أمير أخور، والأمير زين الدين قراجا، فى نفر يسير. وخدم الأمير سيف الدين بكتمر، المشار إليه، السلطان فى هذه السفرة أتم خدمة. فكان يركبه وينزله، ويشد خيله، ويشترى لها العليق، ويسقيها، إلى غير ذلك من أنواع الخدمة «١» .
ثم ترادفت الجيوش إلى الديار المصرية متفرقة. ووصل النواب بالممالك الشامية. وكان فيمن وصل الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى. فمشى فى خدمة نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلار، وجلس بين يديه، وكان يرمّل علامته إذا كتب. ووصلت العساكر، وعدمت خيولهم وأقمشتهم وأموالهم، وأثقالهم وأسلحتهم. فجرد السلطان الأهتمام، وأخرج الأموال الكثيرة، وأنفق فى الجيوش، ووسع عليهم، وسلّم إلى كل نائب من نواب الشام نفقة عسكره.
فسلم إلى الأمير جمال الدين أقش الأفرم نفقة عسكر الشام، وإلى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى نفقة عسكر حلب، وإلى الأمير سيف الدين كراى المنصورى نفقة عسكر صفد. وسلّم نفقة عسكر طرابلس «٢» إلى الأمير شرف الدين قيران الدوادارى، ثم إلى الأمير سيف الدين قطلبك. وكانت النفقة فى الجيوش ذهبا.
ورخص سعر الذهب بالديار المصرية، حتى بلغ صرف الدينار سبعة عشر درهما وارتفعت أسعار العدد والسلاح والأقمشة والدواب. ومع ذلك فلم تمض الأيام
стр. 12450
القلائل على العسكر، حتى كملت عدتهم وخيولهم، وجميع ما يحتاجون إليه من الأسلحة والأقمشة «١» .
وجهّز السلطان إلى نواب الحصون بالشام أجمع القصاد بالملطفات يعلمهم ما هو عليه، من الاهتمام وصرعة حركة ركابه، ويحثهم على حفظ الحصون.
فوصلت القصّاد إليهم، فامتثلوا ذلك، وحفظوا الحصون، فحفظت وسلمت، ولله الحمد والمنة. وأحسن السلطان إلى نواب الحصون، وكافأهم على اهتمامهم بها وحفظها. ولما تكامل ما تحتاجه العساكر، توجه السلطان بهم، لقصد الشام.
ذكر توجه السلطان بالعساكر إلى جهة الشام، ووصوله إلى منزلة الصالحية وإرسال الجيوش إلى دمشق والممالك الشامية، وعود الأمراء إلى الخدمة السلطانية ورجوع السلطان إلى قلعة الجبل، وما تقرر من أمر النواب
وفى تاسع شهر رجب، من هذه السنة، توجه السلطان بجميع العساكر
стр. 12451
والنواب إلى الشام، لدفع التتار. فاتصل به عود التتار ومفارقتهم الشام، فأقام بالصالحية. وتوجه نائبه الأمير سيف الدين سلار، وأستاذ داره الأمير ركن الدين بيبرس إلى الشام، وصحبتهما سائر النواب والأمراء. ورحلوا من الصالحية فى الثانى العشرين من هذا الشهر. وكانت الملطفات «١» قد سيرت إلى الأمراء: سيف الدين قبجاق، وسيف الدين بكتمر، وفارس الدين البكى، بالحضور إلى الخدمة السلطانية، ومراجعة الطاعة، واستدراك ما فرط، فأجابوا بالسمع والطاعة.
وبادروا بالحضور إلى الخدمة الشريفة السلطانية، واجتمعوا بالأمراء بمنزلة سكرير «٢» . وتوجهوا إلى خدمة السلطان، وهو مقيم بمنزلة الصالحية، وذلك فى العاشر من شعبان. فركب السلطان وتلقاهم وأكرمهم وأحسن إليهم، وعاد وهم فى خدمته إلى قلعة الجبل. وكان وصوله إليها فى رابع عشر شعبان، وأسكن الأمراء المذكورين بالقلعة، وأجرى عليهم الإقامات، وشملهم بالإنعام «٣» .
وأما الأمير سيف الدين سلار والعساكر، فإنهم توجهوا إلى دمشق. وكان وصول الأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة بدمشق إليها بالعسكر «٤» الشامى، فى يوم السبت عاشر شعبان.
стр. 12452
وفى يوم الأحد وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بحلب بعساكرها، وكان قد فوض إليه نيابتها، والأمير سيف الدين قطلبك نائب الفتوحات الطرابلسية جميعا «١» .
وفى يوم الاثنين، ثانى عشر الشهر، وصلت ميسرة الجيوش المصرية، ومقدمها الأمير حسام الدين لاجين أستاذ الدار. وفى يوم الأربعاء، رابع عشر الشهر، وصل قلب الجيش، وفيه الأمير سيف الدين سلار، نائب السلطنة الشريفة.
والمماليك السلطانية، والعادل زين الدين كتبغا المنصورى فى خدمته. ونزلت العساكر بالمرج «٢» .
وقرر الأمير سيف الدين سلار النواب بالممالك على ما رسم به السلطان له عند سفره. فأقر الأمير جمال الدين أقش الأفرم على عادته بدمشق. وفوض إلى الأمير زين الدين كتبغا الملقب- كان- بالملك العادل، نيابة السلطنة بالمملكة الحموية «٣» ، عوضا عن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى المذكور، وذلك بحكم أن الأمير سيف الدين بلبان الطباخى استعفى من النيابة بحلب واستقر فى جملة الأمراء المقدمين بالديار المصرية، على اقطاع الأمير شمس الدين آقسنقر كرتيه «٤» ، بحكم وفاته. وفوض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين قطلوبك «٥» المنصورى. وأعاد الأمير سيف الدين كراى المنصورى إلى نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية على عادته.
стр. 12453
وفّوض قضاء القضاة الشافعية بدمشق لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الحموى، فى خامس شهر شعبان، بحكم وفاة القاضى إمام الدين عمر ابن القاضى سعد الدين بن الكرجى القزوينى القونوى. وكانت وفاته بالقاهرة، فى يوم الثلاثاء خامس عشرين، شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة. وفوّض قضاء القضاة الحنفية، لقاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ صفى الدين الحريرى، فى يوم الأربعاء الحادى والعشرين من الشهر.
وفوّض شاد الدواوين بالشام، إلى الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى. وولى بر دمشق للأمير عز الدين أيبك التجيبى. وفوّض حسبة دمشق لأمين الدين الرومى، إمام المنصور لاجين «١» .
وأقام الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة، والأمير ركن الدين بيبرس بدمشق، إلى أن استقرت أحوالها، وترتبت وظائفها. ثم رجعا إلى الديار المصرية. وكان رحيلهما من دمشق بالجيوش المصرية المنصورة، فى يوم السبت ثامن شهر رمضان. ووصلا إلى خدمة السلطان بقلعة الجبل، فى يوم الثلاثاء، ثالث شوال. ولما وصلا، فوّض إلى الأمير سيف الدين قبجاق نيابة السلطنة بالشوبك. وأعطى الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار إمرة مائة فارس وتقدمة ألف، بالديار المصرية، والأمير فارس الدين البكى الساقى، إمرة بدمشق.
واستقرت الحال على ذلك.
стр. 12454
ذكر ما اعتمده الأمير جمال الدين [أقش «١» ] نائب السلطنة بدمشق، بعد عود العساكر المصرية
. لما عاد الأمير سيف الدين سلار والعساكر المصرية من دمشق، وخلاوجه الأمير جمال الدين أقش الأقرم، نائب السلطنة بالشام، تتبع من أذى المسلمين عند التتار، وتجاهر بذلك. فعامل كلا «٢» منهم بما نذكره، مما أدى إليه اجتهاده، واقتضاه رأيه وتدبيره. فكحّل الحاج مندوبه «٣» ، وسمر الشريف «٤» القمى، وابن العونى «٥» البرددار، وابن خطلبشا «٦» المزى، وحملهم على الجمال، ثم أطلق ابن العونى، بعد ثلاثة أيام. وشنق كانب مسطبة الولاية بدمشق، وإبراهيم مؤذن بيت لهيا «٧» ، ورجلا من اليهود. وقطع لسان ابن طاعن، وقطع يد ورجل أحد من أمّرهم «٨» قبجاق، فمات بعد ثلاثة أيام. وكحّل الشجاع همام، فمات بعد ليلة.
ثم توجه فى العشرين من شوال إلى جبال الكسر وان والدرزية «٩» ، وقصد
стр. 12455
استئصال شأفتهم، لما عاملوا به العساكر الإسلامية، عند هزيمتها، من السلب والأذى. فالتزموا برد ما أخذوه من أقمشة العسكر، وحمل ما ترد عليهم، وعاد إلى دمشق، فى يوم الأحد ثالث ذى القعدة من السنة.
وألزم أهل دمشق أرباب الحوانيت بتعليق الأسلحة فى حوانيتهم، وأمروا برماية النشاب، ونودى بذلك. وحضرت رسالة قاضى القضاة بذلك إلى فقهاء المدارس. وعرض عوام البلد فى الحادى والعشرين من القعدة، فحضروا بالسلاح. وقدم على أهل كل سوق رجلا منهم. ثم عرض السادة الأشراف، فى يوم الخميس رابع عشرين الشهر، بالعدّة الكاملة، مع نقيبهم نظام الملك.
وفى هذه السنة، كانت وفاة الأمير الطواشى حسام الدين جلال المغيثى الجلالى، نسبة إلى الملك المغيث ابن الملك الصالح نجم الدين أيوب. وكانت وفاته فى تاسع شهر ربيع الآخر، بمنزلة السوادة «١» ، وحمل إلى قطيا «٢» ، ودفن بها. وكان قد مرض بدمشق، فأعيد، ولم يشهد الوقعة. وكان رحمه الله تعالى دينا خيرا.
стр. 12456
وفيها، توفى القاضى علاء الدين أحمد ابن قاضى القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن خلف بن بدر العلائى. وكانت وفاته............... ... «١»
وصليت عليه فيمن صلى، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بتربتهم بالقرافة رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى الأمير سيف الدين جاغان الحسامى بأرض البلقاء من الشام.
وفيها، توفى الأمير علم الدين سنجر الدوادارى بحصن الأكراد، فى ثالث شهر رجب وكان قد انصرف من الوقعة، والتحق بحصن الأكراد، فمات به، رحمه الله تعالى.
وفيها، توفى والدى، رحمه الله تعالى، تاج الدين أبو محمد عبد الوهاب ابن أبى عبد الله، محمد بن عبد الدائم بن منجا بن على البكرى، النيمى القرشى المعروف بالنويرى. وقد تقدم ذكر باقى نسبه، عند ذكر مولدى فى سنة سبع وسبعين وستمائة «٢» . وكانت وفاته ﵀، قبل أذان المغرب، من يوم الخميس الثانى والعشرين من ذى الحجة سنة تسع وتسعين وستمائة، بالمدرسة الصالحية النجمية، بقاعة التدريس المالكية. وكان ابتداء مرضه، فى يوم الأربعاء، الرابع عشر من الشهر. ومولده بمصر بالمدرسة المعروفة بمنازل العز سنة ثمان عشرة وستمائة. ومات رحمه الله تعالى، ولم تفته صلاة. ولقد توضأ لصلاة
стр. 12457
العصر، من يوم وفاته أربع مرات، وكان به ذرب، ثم صلى صلاة العصر جالسا. ومات قبل أذان المغرب من يومه. وكان آخر كلامه، بعد أن دعا الله تعالى لى بخير، التلفظ بالشهادتين. ثم قبض رحمه الله تعالى، ودفن من الغد، فى يوم الجمعة الثالثة من النهار، بتربة قاضى القضاة زين الدين المالكى، بالقرافة، رحمه الله تعالى وإيانا.
стр. 12458
واستهلت سنة سبعمائة يوم الجمعة [٧٠٠- ١٣٠٠/١٣٠١]
والسلطان الملك الناصر بقلعة الجبل، ومدبر «١» والدولة، ونواب المملكة من ذكرناهم.
ذكر جباية المقرر على أرباب الأملاك والأموال بالديار المصرية والشام
وفى هذه السنة، فى أولها قرر ناصر الدين محمد [بن «٢» ] الشيخى، أحد الأمراء بالديار المصرية، ومتولى القاهرة، أن يستخرج من أرباب العقارات والأموال مالا «٣» سماه مقرر الخيالة «٤» ، وانتصب لإستخراج ذلك بدار العدل، تحت قلعة الجبل.
وأحضر أرباب الأموال والأملاك، وقرر على كل منهم بحسب قدرته، واستخرج من ذلك تقدير مائة ألف دينار «٥» . وتعدّى ضرره إلى سائر الناس، حتى أراد [أن «٦» ]
стр. 12459
يستخرج من العدول «١» الجالسين بسوق الوراقين، من كل عدل عشرين دينارا، ومن كل «٢» عاقد أربعين دينارا. فنهض قاضى القضاة زين الدين المالكى فى ذلك، وتحدث مع الأمراء فى ذلك. وذكر ضرورة العدول وفاقتهم واحتياجهم، وأن جلوسهم فى سوق الوزاقين، لتحصيل أقواتهم، ولو قدروا على القوت ما جلسوا، وقام فى ذلك أتمّ قيام، حتى اندفعت عنهم هذه المظلمة، وأعفوا «٣» منها. واستخرج من سائر الأعمال والبلاد والقرى بالديار المصرية أموال، قررت على كل بلد من البلاد المقطعة، واستخرجت الأموال من الرعايا والفلاحين.
وأما دمشق، فإنه رسم باستخراج أجرة أربعة أشهر من أرباب الأملاك والأوقاف التى بدمشق وظاهرها، ومن الضياع، التى ضمانها أكثر من أمدائها ثلث ضمانها. وإن كانت أمداؤها أكثر من ضمانها، استخرج عن كل مدى، ستة دراهم وثلثا درهم- والمدى أربعون ذراعا فى مثلها، يكون تكسيره ألف ذراع وستمائة ذراع، بذراع العمل «٤» - فنال الناس من ذلك شدة. وكان المال المطلوب، عن ما تحصل فى سنة تسع وتسعين وستمائة.
وفيها، فى المحرم، كثرت الأراجيف بحركة التتار، فجفل أهل الشام أجمع، منهم من التجأ إلى الحصون، وأكثرهم وصلوا إلى الديار المصرية، حتى امتلأت
стр. 12460
القاهرة ومصر منهم. وكان سعر القمح، قبل وصول هذه الجفول، عن كل أردب عشرين درهما. فنزل إلى خمسة عشر درهما، على ما نذكره إن شاء الله تعالى «١» .
ذكر توجه السلطان الملك الناصر بالعساكر إلى الشام وعوده
لما كثرت الأراجيف وقويت الثناعة، بقرب التتار، توجه السلطان بالعساكر إلى الشام. واستقل ركابه من منزلة. مسجد التبن «٢» ، وهى المنزلة الأولى من قلعة الجبل، فى يوم السبت ثالث عشر صفر، ووصل إلى غزة، ونزل بمنزلة بدعرش «٣» ، وأقام بها. وتوالت الأمطار وكثرت، واشتد البرد، وانقطعت الأجلاب عن العسكر، حتى عدمت الأقوات. واستمر السلطان بهذه المنزلة إلى سلخ شهر ربيع الأخر. ثم عاد إلى القاهرة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الاثنين، حادى عشر جمادى الأولى، بعد أن جرد من منزلته بدعرش «٤» ، الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار ومضافيه، والأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزورى
стр. 12461
ومضافيه. فتوجهوا إلى دمشق بألفى فارس، فوصلوا إليها، فى سابع جمادى الأولى «١» .
ولما ظهر بدمشق عود السلطان إلى الديار المصرية؛ خرج من بقى من الدماشقة إلى الديار المصرية. وذلك أن متولى دمشق، كان يمر بالأسواق فيقول للناس: ما يجلسكم هاهنا، وأى شىء تنتظرون، وأشباه هذا الكلام «٢» . ثم نودى بدمشق فى تاسع جمادى الأولى، من أقام، فدمه فى عنقه، ومن عجز عن السفر فليتحصن بالقلعة «٣» .
وفى مدة مقام السلطان بمنزلة بدعرش، توفى الأمير سيف الدين بلبان الطباخى.
واستعفى الأمير سيف الدين كراى المنصورى «٤» من نيابة السلطنة بصفد، فادفى منها؛ وأقطع إقطاع الأمير سيف الدين الطباخى بالديار المصرية. وفوضت نيابة المملكة الصفدية إلى الأمير سيف الدين بتخاص «٥» المنصورى، أحد أمراء الشام.
ذكر وصول غازان إلى الشام وعوده وما فعلته جيوشه
كان من خبر غازان فى هذه السنة، أنه وصل بجيوشه إلى بلاد حلب،
стр. 12462
ونزل بقرون حماه إلى بلاد سرمين. وبعث معظم جيوشه إلى جبال أنطاكية وجبال السماق «١» . فنهبوا من الدواب والأغنام والأبقار شيئا كثيرا. وسبوا من النساء والصبيان وأسروا من الرجال خلفا كثيرا. وكانوا فى سنة تسع وتسعين وستمائة لم يصلوا إلى هذه الجهة، فظن الناس أنهم لا يقصدونها «٢» فى هذه السنة.
فاجتمع بها خلق كثير، فقتلوا وأسروا وسبوا. ورخصت الأسرى من المسلمين، حتى أبيع الأسير والأسيرة بعشرة دراهم. واشترى الأرمن منهم خلقا كثيرا، وسيروا فى المركب إلى بلاد الفرنج. وأرسل الله تعالى على غازان وجيوشه أمطارا كثيرة وثلوجا، حتى هلك كثير منهم. فرجع بعساكره إلى بلاد الشرق، وقد نفق من خيولهم ما لا تحصى كثرة، فرجعوا شبه المكسورين. وعجزت كل طائفة من المسلمين والتتار، عن ملافاة الأخرى. وكان رجوعهم فى جمادى»
الآخرة. وغلت الأسعار فى هذه السنة بدمشق، فابيعت غرارة القمح بثلاثمائة درهم، ورطل اللحم بتسعة دراهم، ثم رخصت الأسعار «٤» .
وفيها، استعفى الأمير سيف الدين قطلبك المنصورى من نيابة المملكة الطرابلسية، فأعفى. وفوضت النيابة بها إلى الأمير سيف الدين استدمر كرجى «٥» .
стр. 12463
وفيها، فنيت الأبقار بالديار المصرية فناء، لم يسمع بمثله. وحكى لى أن بعض مشايخ البلاد بأشموم طناح، كان يملك ألف رأس وأحد وعشرين رأسا من بقر الخيس «١» ، فمات منها ألف رأس وثلاثة وعوس، وبقى له ثمانية عشر رأسا، وغلت الأبقار بعد هذا الفناء، حتى كادت تعدم. وبيع الثور منها بألف درهم وما يقارب هذا الثمن. واستعمل الناس فى السواقى بالديار المصرية لإدارتها، الخيل والجمال والحمير «٢» .
ذكر خبر أهل الذمة وتغيير لباسهم وما تقرر فى ذلك، والسبب الذى أوجبه
فى هذه السنة، وصل وزير بلاد المغرب «٣» إلى الديار المصرية، بسبب الحج.
وتكلم مع الأمراء فى أمر أهل الذمة، وذكر ما هم فيه من الذل والصغار ببلاد المغرب، وأنهم لا يمكنونهم «٤» من ركوب الخيل والبغال، ولا يستخدمونهم «٥» فى المناصب، وذكر أشياء كثيرة من هذا القول. فرسم أن يعقد مجلس بحضور الحكام، وندب لذلك قاضى القضاة شمس الدين السروجى الحنفى، فجلس بالمدرسة الصالحية.
وحضر القاضى مجد الدين بن الخشاب، وكيل بيت المال، وجماعة من الفقهاء، وأحضر بطرك النصارى «٦» وجماعة من أساقفتهم، وأكابر قسيسيهم، وأعيان ملتهم
стр. 12464
وديان اليهود وأكابر ملتهم، وسئلوا عما أقروا عليه فى خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضى الله عنه، من عقد الذمة. فلم يأتوا عن ذلك بجواب.
وبحث الفقهاء فى ذلك، فاقتضت المباحث الشريفة بين العلماء، أن يميز النصارى بلبس العمائم الزرق غير الشعرى «١» ، واليهود بلبس العمائم الصفر. وتميز نساء أهل كل ملة كذلك بعلامة تظهر. ولا يركبون «٢» الخيول ولا يحملون «٣» سلاحا، ويركبون الخيول الحمر بالأكف «٤» عرضا من غير تربين لها ولا قيمة، ويتجنبون «٥» أوساط الطرق للمسلمين فى مجالسهم «٦» عن مراتبهم، ولا يرفعون «٧» أصواتهم على أصوات المسلمين. ولا يعلو بناؤهم على بناء المسلمين، ولا يظهرون «٨» شعانيهم «٩» ، ولا يضربون «١٠» بالنواقيس. ولا ينّصرون مسلما ولا يهودونه. ولا يشترون من
стр. 12465
الرقيق مسلما ولا من سباه مسلم، ولا من «١» جرت عليه سهام المسلمين. ومن دخل منهم الحمام يميز نفسه بعلامة عن المسلمين، بجرس فى حلقه. ولا ينقشون «٢» فصوص خواتيمهم بالعربية «٣» ، ولا يعلمون «٤» أولادهم القرآن، ولا يستخدمون «٥» فى أعمالهم الشافة مسلما، ولا يرفعون «٦» النيران. ومن زنى منهم بمسلمة قتل.
وقال بطرك النصارى بحضرة جماعة العدول: «حرّمت على أهل ملتى وأصحابى مخالفه ذلك، والعدول عنه» . وقال رئيس اليهود وديانهم: «أوقعت الكلمة على أهل ملتى وطائفتى فى مخالفة ذلك، والخروج عنه «٧» » .
ونظمت المكاتيب بذلك، ورسم بحمل الأمراء «٨» على حكمها. وكتب إلى سائر أعمال الديار المصرية بإجرائهم على ذلك. وكتب إلى [أمراء «٩» ] الشام بذلك، فالتزموا به فى شعبان من السنة.
وتقرر بدمشق أن تلبس النصارى العمائم الزرق، واليهود العمائم الصفر، والسامرة العمائم الحمر. واستقر ذلك فى سائر المملكة. إلا بالكرك، فإن النائب بها الأمير جمال الدين آقش الأشرفى، رأى إبقاءهم على حالتهم. واعتذر أن أهل
следующие страницы →