ذكر عمارة التوبة المنصورية والبيمارستان ومكتب السبيل ١٠٥
العودة إلى بقية حوادث سنة اثنتين وثمانين وستمائة ١١٣
سنة ثلاث وثمانين وستمائة ١١٩- ١٢٤
ذكر توجه السلطان إلى الشام ١١٩
ذكر حادثة السيل بدمشق ١١٩
ذكر وفاة الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وشىء من أخباره، وأمر ولده الأمير حسام الدين مهنا ١٢٠
ذكر وفاة الملك المنصور صاحب حماه وولاية ولده الملك المظفر ١٢١
سنة أربع وثمانين وستمائة ١٢٥- ١٢٨
ذكر مولد السلطان الملك الناصر ١٢٥
سنة خمس وثمانين وستمائة ١٢٩- ١٤٣
ذكر حادثة غريبة اتفقت بحمص ١٢٩
ذكر توجه السلطان إلى الكرك وما رتبه من أمر النيابة وعوده ١٣٢
ذكر وفاة القضاة وجيه الدين، وتفويض القضاة بمصر والوجه القبلى، لقاضى القضاة تقى الدين بن بنت الأعز ١٣٣
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين بن شاس المالكى، وتفويض القضاة لقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى ١٣٣
ذكر وفاة قاضى القضاة بهاء الدين بن الزكى، وشىء من أخباره ١٣٤
стр. 12497
سنة ست وثمانين وستمائة ١٤٥- ١٥١
ذكر تفويض قضاء القاهرة والوجه البحرى للقاضى برهان الدين السنجارى، ونقلة شهاب الدين الخوبى إلى الشام، ووفاة السنجارى، وإضافة قضاء القاهرة للقاضى تقى الدين بن بنت الأعز ١٤٥
ذكر خبر واقعة ناصر الدين بن المقدس وأعيان دمشق، ومصادرة أكابر دمشق، وتوكيل ناصر الدين بن المقدسى عن السلطان ١٤٧
سنة سبع وثمانين وستمائة ١٥٣- ١٦١
ذكر عزل الأمير علم الدين سنجر الشجاعى عن الوزارة ومصادرته، وتفويض الوزارة لقاضى القضاة تقى الدين، ثم إلى الأمير بدر الدين بيدرا ١٥٣
ذكر توجه ناصر الدين بن المقدسى إلى دمشق وما فوض إليه من مناصبها، وما اعتمده ١٥٧
ذكر وفاة الملك الصالح وتفويض ولاية العهد إلى الملك الأشرف ١٥٩
سنة ثمانين وثمانين وستمائة ١٦٣- ١٦٥
ذكر ما اتفق بدمشق من المصادرات ١٦٣
سنة تسع وثمانين وستمائة ١٦٧- ١٨٥
ذكر إبقاع الحوطة على ناصر الدين المقدسى وشنقه ١٦٨
стр. 12498
ذكر وفاة قاضى القضاة نجم الدين المقدسى الحنبلى وتفويض القضاء بدمشق بعده للشيخ شرف الدين المقدسى ١٧١
ذكر تسمية نواب السلطان الملك المنصور ووزرائه ١٧٤
ذكر أخبار السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحى ١٧٧
ذكر القبض على الأمير حسام الدين طرنطاى وقتله، وعلى الأمير زين الدين كتبغا واعتقاله ١٨٠
ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة للأمير بدر الدين بيدرا المنصورى ١٨٣
سنة تسعين وستمائة ١٨٧- ٢٢٤
ذكر تفويض الوزارة للصاحب شمس بن السلعوس وشىء من أخباره ١٨٧
ذكر القبض والإفراج على من نذكر من الأمراء ١٩٤
ذكر فتوح عكا وصور وصيدا وحيفا ١٩٥
ذكر القبض على الأمير حسام الدين لاجين نائب السلطنة بالشام ٢٠٩
ذكر رحيل السلطان عن عكا ودخوله دمشق، وما قرره من أمر النيابة بها، وبالكرك وغير ذلك ٢١٠
ذكر فتوح برج صيدا ٢١٢
ذكر فتح بيروت ٢١٢
стр. 12499
ذكر إنفاذ ولدى السلطان الملك الظاهر ووالدتهما إلى بلاد الأشكرى ٢١٤
ذكر الإفراج عن الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى، وغيره من الأمراء ٢١٤
ذكر عزل قاضى القضاة تقى الدين بن بنت الأعز عن القضاء ومصادرته ٢١٨
ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعى ٢٢٠
ذكر متجدات كانت بدمشق ٢٢١
سنة إحدى وتسعين وستمائة ٢٢٥- ٢٤٦
ذكر توجه السلطان إلى الشام ٢٢٥
ذكر فتوح قلعة الروم وتسميتها قلعة المسلمين ٢٢٦
ذكر توجه الأمير بدر الدين بيدرا وبعض العساكر إلى جبال الكسروان واضطراب العسكر ٢٤٠
ذكر هرب الأمير حسام الدين لاجين والقبض عليه واعتقاله، والقبض على طقصوا ٢٤٢
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام والفتوحات، وعود السلطان إلى الديار المصرية ٢٤٢
ذكر عدة حوادث كانت فى خلال فتح قلعة الروم وقبله وبعده ٢٤٣
стр. 12500
ذكر القبض على الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وجرمك الناصرى ووفاتهما، ووفاة طقصوا، والإفراج عن الأمير حسام الدين لاجين ٢٤٥
سنة اثنتين وتسعين وستمائة ٢٤٧- ٢٥٧
ذكر توجه السلطان إلى الصيد ٢٤٨
ذكر توجه السلطان إلى الشام وأخذ بهسنا من الأرمن وإضافتها إلى الممالك الإسلامية ٢٤٩
ذكر القبض على الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى وأخوته ٢٥٠
ذكر هدم قلعة الشوبك ٢٥١
ذكر حادثة السيل بيعليك ٢٥٢
ذكر ختان الملك الناصر، وما حصل من الاهتمام بذلك ٢٥٣
سنة ثلاث وتسعين وستمائة ٢٥٩- ٢٨٠
ذكر مقتل السلطان الملك الأشرف صلاح الدين خليل ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون رحمهما الله ٢٥٩
ذكر خبر الأمير بدر الدين بيدرا ومن معه من الأمراء الذين وافقوه وما كان منهم، ومقتل بيدرا ٢٦٣
ذكر أخبار السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الألفى الصالحى ٢٦٧
ذكر خبر الأمراء الذين وافقوا بيدرا على قتل السلطان الملك الأشرف ٢٦٩
стр. 12501
ذكر أخبار الصاحب شمس الدين محمد بن السلعوس الوزير، وما كان من أمره منذ فارق السلطان الملك الأشرف إلى أن مات ٢٧٠
ذكر الخلف الواقع بين الأميرين علم الدين سنجر الشجاعى وزين الدين كتبغا ومقتل الشجاعى ٢٧٣
ذكر عدة حوادث كانت فى سنة ثلاث وتسعين وستمائة، خلاف ما قدمناه، من ولاية وعزل وغير ذلك والوفيات ٢٧٧
سنة أربع وتسعين وستمائة ٢٨١- ٢٩١
ذكر الفتنة التى قصد المماليك السلطانية إثارتها ٢٨١
ذكر سلطنة السلطان الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى، وهو العاشر من ملوك دولة الترك بالديار المصرية ٢٨٢
ذكر تفويض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى ٢٨٥
ذكر القبض على الأمير عز الدين أيبك الخزندار نائب السلطنة بالفتوحات، وولاية الأمير عز الدين أيبك الموصلى المنصورى ٢٨٧
ذكر وفاة الملك المظفر يوسف بن عمر صاحب اليمن ٢٨٩
سنة خمس وتسعين وستمائة ٢٩٣- ٣٠٩
ذكر حادثة عجيبة بالشام ٢٩٥
ذكر وفود الأويراتية من بلاد التتار ٢٩٦
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين عبد الرحمن بن بنت الأعز، وتفويض القضاء للشيخ ابن دقيق العيد ٢٩٩
стр. 12502
ذكر توجه السلطان الملك العادل، وعزل نائب السلطنة بدمشق الأمير عز الدين الحموى، وتولية الأمير سيف الدين أغرلوا العادلى، وغير ذلك ٣٠٥
سنة ست وتسعين وستمائة ٣١١- ٣٢٧
ذكر عود السلطان الملك العادل إلى الديار المصرية وخلعه من السلطنة ورجوعه إلى دمشق ٣١١
ذكر سلطنة السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى ٣١٣
ذكر أخبار الملك العادل وما اعتمده بدمشق، وما كان من أمره إلى أن انتقل إلى صرخد ٣١٦
ذكر الإفراج عن جماعة من الأمراء ٣٢١
ذكر تجديد عمارة الجامع الطولونى، وترتيب الدروس به، والوقف على ذلك ٣٢١
ذكر تفويض القضاء بالديار المصرية والشام لمن يذكر ٣٢٣
ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير شمس الدين سنقر الأعسر ٣٢٤
ذكر القبض على الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة، وتفويض نيابة السلطنة للأمير سيف الدين منكوتمر ٣٢٥
стр. 12503
سنة سبع وتسعين وستمائة ٣٢٩- ٣٥٠
ذكر وصول الملك المسعود نجم الدين خضر ومن معه، من القسطنطينية إلى الديار المصرية ٣٢٩
ذكر توجه الملك السلطان الناصر إلى الكرك وإقامته بها ٣٣٠
ذكر القبض على الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى وغيره ٣٣١
ذكر إعادة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلى إلى الوزارة ٣٣٦
ذكر تجريد العساكر إلى سيس وما فتح من قلاعها ٣٣٧
ذكر حادثة غريبة ظهر فيها آية من آيات الله ٣٤٤
ذكر روك الإقطاعات بالديار المصرية وتحويل السنة ٣٤٥
سنة ثمان وتسعين وستمائة ٣٥١- ٣٨١
ذكر مفارقة من نذكر من نواب السلطنة والأمراء الخدمة السلطانية ولحاقهم بقازان ملك التتار ٣٥٢
ذكر مقتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى ونائبه منكوتمر ٣٥٧
ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر ٣٦٣
ذكر مقتل سيف الدين طقجى وسيف الدين كرجى ٣٦٥
стр. 12504
ذكر عود السلطان الملك الناصر ناصر الدين محمد ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون إلى السلطنة ثانيا ٣٧٠
ذكر الإفراج عن الأمير شمس الدين سنقر الأعسر وتفويض الوزارة إليه ٣٧٢
ذكر وفود سلامش بن أفال بن بيجو وأخيه قطقطوا ومن معهما، وعود سلامش وقتله ٣٧٣
ذكر وصول مراكب الفرنج إلى ساحل الشام وتكسير بعضها، ورجوع ما سلم منها ٣٧٦
ذكر وفاة الملك المظفر صاحب حماه ٣٧٩
ذكر توجه السلطان إلى الشام ٣٨٠
سنة تسع وتسعين وستمائة ٣٨٣- ٤١٠
ذكر الفتنة التى أثارها الأويرانية بهذه المدينة (تل العجول) ٣٨٣
ذكر وقعة غازان ملك التتار بجمع المروج ببلاد حمص ٣٨٤
ذكر تسمية من استشهد وفقد فى هذه الوقعة من المشهورين ٣٨٥
ذكر ما اتفق بدمشق بعد الوقعة ومفارقة العساكر الإسلامية فى مدة استيلاء التتار عليها، إلى أن فارقوا البلاد وعادوا إلى الشرق ٣٨٧
ذكر ما اعتمده السلطان الملك الناصر عند عوده إلى الديار المصرية من الاهتمام بأمر الجيوش والعساكر ٤٠١
ذكر توجه السلطان بالعساكر إلى جهة الشام ووصوله إلى منزلة الصالحية وإرسال الجيوش إلى دمشق والممالك الشامية، وعود الأمراء
стр. 12505
إلى الخدمة السلطانية، ورجوع السلطان إلى قلعة الجبل، وما تقرر من أمر النواب ٤٠٣
ذكر ما اعتمده الأمير جمال الدين أقش نائب السلطنة بدمشق، بعد عود العساكر المصرية ٤٠٧
سنة سبعمائة ٤١١- ٤٤٣
ذكر جباية المقرر على أرباب الأملاك والأموال بالديار المصرية والشام ٤١١
ذكر توجه السلطان الملك الناصر بالعساكر إلى الشام وعوده ٤١٢
ذكر وصول غازان إلى الشام وعوده، وما فعلته جيوشه ٤١٣
ذكر خبر أهل الذمة وتغيير لباسهم وما تقرر فى ذلك، والسبب الذى أوجبه ٦٤١
ذكر وصول رسل غازان ملك التتار وما وصل على أيديهم من من المكاتبة وما أجيبوا به ٤٢٦
стр. 12506
الجزء الثاني والثلاثون
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تقديم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين وبعد، فهذا هو الجزء الثانى والثلاثون من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب النويرى المتوفى سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة من الهجرة. وهو يؤرخ للحقبة الزمنية التى تبدأ من سنة إحدى وسبعمائة وتنتهى بنهاية سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. وفيها تقع أحداث دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الثانية اعتبارا من السنة الرابعة من ولايته إلى منتصف شوال من سنة ثمان وسبعمائة، وأحداث دولة الملك المظفر بيبرس المنصورى الجاشنكير، والتى انتهت فى رمضان سنة تسع وسبعمائة. ثم دولة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون الثالثة حتى نهاية السنة الحادية عشرة من ولايته وهى سنة عشرين وسبعمائة هذا فضلا عن الأحداث والحروب التى وقعت بين مملكة غرناطة الإسلامية بالأندلس، ومملكة قشتالة المسيحية فى سنة تسع عشرة وسبعمائة، وانتصرت فيها الجيوش الإسلامية.
وكذلك أخبار إمارة الأشراف الحسنيين أولاد أبى نمىّ محمد بن أبى سعد حسن بن على بن قتادة الحسنى وهم عز الدين حميضة، وأسد الدين رميثة، وعماد الدين أبو اليث، وسيف الدين عطيفة، والنزاع الذى وقع بينهم على تولى إمارة مكة. وموقف السلطنة فى مصر منهم، وتدخلها فى النزاع لضمان استتباب الأمن بمكة وبخاصة فى مواسم الحج وحماية للمجاورين من ظلم الأمراء وأتباعهم.
стр. 12507
وترجع أهمية هذا الجزء إلى أن النويرى عايش كل الأحداث التى وقعت فى هذه الحقبة إما من مشاهدة، أو سماع ممن شهدها أو نقل عن رسائل ممن شهدها، ويسر له ذلك ما كان يتولاه من أعمال تجعله قريبا من صناع القرار ومدبرى تلك الأحداث.
من ذلك أنه يقول فى أخبار سنة ١٠٧ هـ: رسم بتوجهى إلى دمشق المحروسة، لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام، وتوجهت إلى دمشق فى جمادى الآخرة، وفيه وصلت إلى دمشق- وهو أول دخولى إليها.
ويقول فى أخبار حرب التتار سنة ٧٠٢ هـ وفى يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان اختبط الناس بدمشق. وجفلوا من الحواضر والقرى، وخرج أكابر أهل دمشق وأعيانها فى هذا اليوم منها. فمنهم من التحق بالحصون، ومنهم من توجه نحو الديار المصرية، وكنت يوم ذاك بدمشق، فخرجت منها بعد أن أعددت لأمة الحرب، والتحقت بالعسكر بعد الغروب إلى منزلة العسكر بميدان الحصا، فوجدتهم قد توجهوا إلى مرج الصفر، فلحقته الجيوش فى يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر- وهو سلخه- وأقمنا بالمرج يوم الخميس ويوم الجمعة.
ثم يسوق أخبار الحرب إلى أن انتهت بنصر جيوش السلطان على التتار.
ويقول فى أخبار سنة ٧٠٣ هـ وقع فناء عظيم فى الخيول بالشام حتى كاد أن يأتى عليها، ونفقت أكثر خيول الناس، وكنت أملك عشرة أرؤس من الخيول الجياد أو أكثر، فنفقت كلها، واحتجت إلى ابتياع ما أركبه. ثم أخذ فى الحديث عن غلاء أسعار الخيل بعد أن كانت تدنت بعد الانتصار على التتار وأخذ خيولهم وأسلحتهم.
وفى هذه السنة يقول أيضا وفيها فى شهر رمضان توجهت من دمشق إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية مفارقا لمباشرة أملاك الخاص الشريف، وكان وصولى إلى القاهرة فى يوم الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان بعد الظهر، وباشرت ديوان الخاص، والبيمارستان المنصورى وما معه من الأوقاف المنصورية فى بقية اليوم الذى وصلت فيه، ورفع إلىّ حساب المياومة قبل غروب الشمس.
стр. 12508
وفى أخبار سنة ٧٠٩ هـ- بعد أن غادر الناصر محمد بن قلاوون قلعة القاهرة، وتوجه إلى قلعة الكرك ونزل بها هو وخواصه، وكتب إلى الأمراء بالقاهرة أنه تخلّى عن الملك- يقول النويرى: وفى أوائل شهر ربيع الآخر توجهت من القاهرة إلى الكرك، والتحقت بالأبواب السلطانية إلى أن عاد الركاب الشريف السلطانى الملكى الناصرى، وعدت إلى القاهرة في سلخ رمضان.
وفى أخبار سنة ٧١٠ هـ يقول: وفى هذه السنة رسم لى أن أتوجه إلى المملكة الطرابلسية صاحب الديوان بها، وكتب توقيعى، وهو من إنشاء شهاب الدين محمود الحلبى، بخط ولده، القاضى جمال الدين إبراهيم، وهو مؤرخ فى الخامس عشر من المحرم، وتوجهت فى مستهل صفر، ووصلت إلى طرابلس، وباشرت الوظيفة، ثم انتقلت إلى نظر الجيوش بها في مستهل شوال من السنة.
وفى أخبار سنة ٧١٢ هـ يقول: وفى هذه السنة حصل انفصالى من نظر الجيش بالمملكة الطرابلسية فى منتصف جمادى الأولى، وتوجهت إلى الديار المصرية، فكان وصولى إلى القاهرة فى العشرين من شهر رجب من السنة.
ثم إنه يتابع أخبار مواقف الإمام ابن تيمية منذ الخلاف الذى حصل بينه وبين الصوفية، أو بينه وبين قاضى قضاة المالكية وغيره، والطعن فى رأى ابن تيمية وفتاويه فى مسألة الطلاق، وقوله فى كلام الله تعالى وقدمه وهل هو بصوت أو بلا صوت. واستوائه تعالى على العرش، ومحاققته، والتحامل عليه، ومنعه من الفتوى فى موضوع الطلاق، وترحيله إلى القاهرة وسجنه إلخ.
كما يتابع أحداث النصيرية وآراءهم، وموقف السلطان منهم ومراسيمه فى شأنهم والقضاء عليهم وفتوى الإمام ابن تيمية بخروجهم من ملة الإسلام.
وفى عرض المؤلف للأحداث فى الأندلس سنة ٧١٩ هـ والحرب بين المسلمين والمسيحيين، وانتصار الجيوش الإسلامية فى وقائع متتالية يحرص النويرى على توثيق الأخبار حين يقول: كانت هذه الوقعة المباركة التى أجلت
стр. 12509
عن الظفر والغنيمة فى شهر ربيع الأول من سنة تسع عشرة وسبعمائة، ووصل الخبر بها إلى الديار المصرية فى سنة عشرين وسبعمائة، واجتمع بى من حضر هذه الوقعة، وقص على نبأها. وعلقت ذلك منه ثم فقدته، ورأيت هذه الوقعة قد ذكرها الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه عن الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن يحيى بن ربيع المالقى، وملخص ما نقله عنه ... وبعد سرده للملخص يقول: وقد ورد كتاب إلى الديار المصرية من أغرناطة من جهة الشيخ حسين بن عبد السلام تضمن من خبر هذه الغزاة. وسرد ما جاء بكتابه.
ومن هذه النقول يتضح حرص المؤلف على متابعة الأخبار التى عايشها بما يضفى أهمية كبيرة على تاريخ النويرى لتلك الحقبة ويجعل منه المصدر الموثوق به لدى المؤرخين فاعتمدوا على النقل منه- ليس من أرخوا لمصر والشام فقط ولكن من أرخوا للحجاز أيضا، وقد عايشت تاريخ مكة فى كتاب «إتحاف الورى بأخبار أم القرى» للنجم عمر بن فهد المتوفى سنة ٨٨٥ هـ، وكتاب «غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام» للعز عبد العزيز بن عمر بن فهد المتوفى سنة ٩٢٢ هـ ورأيت مدى اعتمادهما على النقل من نهاية الأرب فيما يتصل بإمارة مكة المكرمة وعلاقتها بالسلطنة فى مصر. كما رأيت تقى الدين محمد ابن أحمد بن على الفاسى المتوفى سنة ٨٣٢ هـ يعتمد عليه فى كتابيه «شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام» و «العقد الثمين فى تاريخ البلد الأمين» وهذا الجزء من كتاب نهاية الأرب يعتبر النص الأول الذى قمت بتحقيقه، وكان تقرير أستاذنا الكبير المرحوم الدكتور عبد العزيز الأهوانى- الذى كان لى شرف أن يراجع عملى فيه- دافعا قويا لى على مواصلة الاشتغال بتحقيق التراث التاريخى؛ ذلك لأنه أثنى على جهدى بقوله: إنه جهد باحث واعد فى تحقيق النصوص. وكان ﵀ صاحب مدرسة فى التحقيق؛ كان لا يرضى أن يتجرأ محقق على انتقاص جهد الأساتذة الذين سبقوه فى هذا الميدان، وعاهدنى ألا أعرّض بخطأ أحد مهما كبر هذا الخطأ أو صغر، وقال: يكفيك أنك عرفت الصواب.
стр. 12510
ومضيت فى التحقيق لكتب التاريخ، وكنت أقدم له كل نص يطبع، وكان يذكرنى بما قاله فى تقريره عنى وعن جهدى.
وقد اختاره الله إلى جواره فى ١٣ مارس سنة ١٩٧٩ م، وبفقده فقدنا عالما جليلا، يسابق أدبه علمه. كان أستاذا للأدب العربى بكلية الآداب بجامعة القاهرة، ثم وكيلا لوزارة الثقافة، ثم رئيسا للهيئة المصرية العامة للفنون، وكنت من الذين يتمتعون بعطفه ورعايته وما أكثر مريديه الذين شاركونى فى هذا العطف وتلك الرعاية. فجزاه الله أجر ما قدم من فضل لأبنائه والعاملين معه وأسكنه فسيح جناته.
وقد تم تحقيق هذا الجزء فى سنة ١٩٦٢ م وسلم للمؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والنشر، لدفعه إلى المطبعة. ولكنه بقى فى مخازن المؤسسة حتى سنة ١٩٩٢ م. وعنّ لى أن أعود إليه مرة أخرى قبل دفعه للمطبعة- وبعد أن حققت منفردا ستة عشر مجلدا من التراث التاريخى وأربعة مجلدات بالاشتراك مع أساتذة أفاضل. وطلبت ذلك من مركز تحقيق التراث بالهيئة المصرية العامة للكتاب، وتفضل المركز فوافق. وقد أضفت إلى جهدى فى التحقيق السابق كثيرا، وأعدت ضبط ما كنت ضبطته بالشكل لأن طول المدة أتى على الضبط ومحاه كله تقريبا. أما ما أضفته فأغلبه فى أخبار إمارة مكة، وأزمة الإمام ابن تيمية، وأخبار النصيرية، وتراجم بعض الأعلام.
وقد حظى هذا الجزء بما لم يحظ به غيره من الأجزاء إذ تفضل أستاذنا الجليل الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور بمراجعته- بعد إضافاتى الجديدة، وأضفى عليه من علمه وفضله ونظراته الثاقبة، فجزاه الله عنى خير الجزاء، ومد فى عمره حتى ينعم الكثير من أبنائه بأستاذيته الكريمة.
стр. 12511
وقد اعتمدت فى تحقيق هذا الجزء على مصورات ثلاث:
إحداها: مصورة مخطوطة «كوبريلى» ورقمها فى دار الكتب المصرية هو ٥٤٩ معارف عامة وقد رمزت إليها بحرف «ك» وتقع هذه المصورة فى ١٤٢ لوحة، وقد تبين أنه يسقط منها ما يوازى ٥٥ صفحة من المنسوخة عنها استكملتها من مصورة أخرى، وهى مكتوبة بخط نسخى جميل غير أنها كثيرة البياض فى صفحاتها الأخيرة وأكثر البياض عناوين، ولعلها كانت فى الأصل مكتوبة بقلم أحمر ولم تظهر فى التصوير، وقد ملأت هذا البياض من النسختين الأخريين.
والثانية: هى المصورة عن مخطوطة «أيا صوفيا» ورقمها فى دار الكتب المصرية ٥٥١ معارف عامة.
وقد رمزت إليها بالحرف «ص» ويرجح أن هذه النسخة بخط المؤلف، وتقع فى ٢٤١ لوحة مقسمة على ثلاثة أقسام، كل قسم فى مجلد، ويصل ترقيم اللوحات فى الأقسام الثلاثة إلى رقم ٤٨٢، وهذه النسخة مصدرة بوقفية ومنهية بخاتمة، وتعتبر أتم النسخ الثلاث، وخطها نسخى معتاد، وقد استكملت الساقط فى «ك» منها.
والثالثة مصورة عن مخطوطة «الفاتيكان» ورقمها فى دار الكتب المصرية ٥٩٢ معارف عامة وقد رمزت إليها بالحرف «ف» وهى تنقص مقدار ٨٩ صفحة من المنسوخة، ويشتمل الساقط على بعض أحداث سنة ٧٠١، ٧٠٢ وبينها وبين مخطوطة كوبريلى شبه كبير. لكنها تتميز بضبط بعض الكلمات بالشكل وخصوصا أسماء الأعلام.
وقد تم مقابلة المنسوخة على المصورات الثلاث، وعلقت على مواطن الاختلاف فى العبارة أو الفروق فى بعض الكلمات. مع إثبات الراجح فى متن المنسوخة قمت بضبط الألفاظ التى تحتاج إلى الضبط بالشكل، وخصوصا الأعلام، والمصطلحات الحضارية كالوظائف والآلات والصنائع والألفاظ
стр. 12512
المقحمة على اللغة العربية من الفارسية والتركية. وصوبت لغة الكتاب من حيث قواعد الإعراب. وسلامة الرسم الإملائى: ووضعت علامات الترقيم المتعارف عليها فى أماكن الحاجة إليها من أسلوب الكتاب.
وقابلت أحداث الجزء على التواريخ وغيرها من الفنون التى عالجت التأريخ لهذه الحقبة الزمنية، ووثقت الأحداث بما جاء فى تلك المراجع، وأثبت ما يكون من خلاف بينها في التعليقات على النص، وسيضمّن فهرس المراجع أسماء الكتب التى استعنت بها.
والله من وراء القصد وهو يهدى السبيل، تحريرا فى ١٢ من رمضان سنة ١٤١٢ (١٦ مارس سنة ١٩٩٢ م) المحقق فهيم محمد علوي شلتوت ولا يفوتنى أن أذكر ما قام به الأستاذ عز الدين محمد أبو الحسن والسيدة أسما محمود محمد من التصحيح الطباعى لهذا الجزء ومتابعته فى المطبعة من حيث سلامة التجارب بحيث أصبح هذا الجزء فى مستوى الأجزاء الأخرى من هذا الكتاب فلهما الشكر على ما قاما به.
فهيم محمد علوي شلتوت
стр. 12513
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]
[ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر]
واستهلت سنة إحدى وسبعمائة للهجرة النبوية بيوم الأربعاء فى هذه السنة
فى يوم الجمعة عاشر شهر [١] المحرم- فوّضت الوزارة وتدبير الدولة الشريفة الناصرية إلى الأمير عز الدين أيبك البغداديّ المنصورى [٢] ، وجلس فى يوم السبت على قاعدة الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى [٣] . وكان الأمير شمس الدين قد توجه لكشف الممالك الشامية- كما تقدم- فعاد بعد عزله، واستقر فى جملة الأمراء المقدمين.
وفيها- فى العشرين من المحرم- توجّه السلطان إلى الصيد بجهة العباسة [٤] ، وفى خدمته جماعة من الأمراء، وتصيّد بالبرية [٥] ، وضرب الدّهليز فى منزلة الصالحية [٦] ، ووصل السلطان إلى الدهليز بهذه المنزلة فى الثامن والعشرين من الشهر، وخلع على كلّ من كان فى خدمته من الأمراء، وأحضر السلطان رسل غازان [٧] ليلا وخلع عليهم، وأمر بعودهم. وقد تقدم ذكر ما تضمنه الجواب السلطانى إلى غازان فى سنة سبعمائة عند ذكر كتابه، وعاد
стр. 12514
السلطان من الصالحية إلى بركة الجب [١] فى ثالث صفر والتقى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكان [٢] دار وأمير جاندار عند عوده من الحجاز الشريف، ثم عاد السلطان إلى مقر ملكه بقلعة الجبل.
وفى هذه السنة توجه الأمير سيف الدين أسندمر كرجى [٣] إلى نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات، عوضا عن الأمير سيف الدين قطلوبك بحكم استعفائه من النيابة، وقد تقدم ذكر ذلك فى سنة سبعمائة، وكان عود الأمير سيف الدين قطلوبك إلى دمشق فى أوائل هذه السنة، وتوجه الأمير سيف الدين أسندمر من دمشق إليها فى يوم السبت حادى عشر المحرم.
وفيها فى شهر المحرم أيضا فوض شادّ الدواوين [٤] والأستاداريّة [٥] بالشام إلى الأمير سيف الدين بلبان الجوكاندار المنصورى عوضا عن الأمير سيف الدين أقجبا الناصرى، ونقل أقجبا إلى نيابة السلطنة، وتقدمة العسكر بغزة عوضا عن الأمير ركن الدين بيبرس [٦] الموفّقىّ واستقر الموفقى [٧] فى جملة الأمراء المقدمين بدمشق.
وفيها رمى فتح الدين أحمد بن البققى [٨] الحموى بالزندقة، واعتقل بسجن الحكم، ونهضت البيّنة عليه، وسطّر محضر بما صدر منه من الألفاظ التى لا تصدر مع من شم رائحة الإيمان، ولا تخطر بباله، وشهد عليه جماعة من
стр. 12515
الشهود، تزيد عدتهم على ثلاثين نفرا، وثبت مضمون المحضر على قاضى القضاة زين الدين المالكى، فلما تكامل ذلك عنده أعذر إليه، فلما انقضت مدة الاعتذار حكم قاضى القضاة بإراقة دمه فى عشيّة نهار الأحد الثالث والعشرين من شهر ربيع الأوّل، وجلس قاضى القضاة فى بكرة نهار الاثنين الرابع والعشرين من الشهر بالمدرسة الصّالحية [١] النجمية بين القصرين بالشّبّاك الكبير الأوسط، وحضر المجلس قاضى القضاة شمس الدين الحنفى وجماعة من الأعيان والعدول، وأحضر الفتح بن البققى من الاعتقال، وهو يستغيث ويعلن بالشهادتين. فقال له قاضى القضاة شمس الدين الحنفى: آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
[٢] وقال قاضى القضاة زين الدين له: إسلامك لا يفيدك عندى. ثم أمر بضرب عنقه، فتقدم إليه علاء الدين آقبرص الموصلى وضرب ضربتين فى عنقه بالسيف؛ ضربة بعد أخرى ولم يخلّص رقبته، ثم قطعها رجل من الضوية [٣] بسكين فأبان رأسه عن بدنه ورفع رأسه على عصا من عصى النادشتية [٤] ، وسحب بدنه إلى باب زويلة فصلب هناك، ثم دفن.
وقال علاء الدين أقبرص الموصلى، وحلف بالله أنه رافق ابن البققى فى سفرة سافرها من حماة، وأنه سمع منه ألفاظا من الزندقة حتى همّ مرارا أن يضرب عنقه، ثم قدر الله قتله بسيف الشرع بيده، وما اختلف أحد فى فساد عقيدته.
وفى هذه السنة فى شهر المحرم سقط برد ما بين حماه وحصن الأكراد، وفى بعضه صور تشبه صور بنى آدم من الذكور والإناث. وصور قرود وغيرها، وطولع السلطان بذلك.
стр. 12516
ذكر توجه العساكر إلى الصعيد للإيقاع بالعربان
كانت عرب الوجه القبلى بالديار المصرية قد كثر فسادهم، وامتدت أيديهم، وقطعوا الطريق على المسافرين، واشتد طمعهم إثر وقعة غازان، فتوجه الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وجماعة كثيرة من الأمراء بسبب ذلك فى أوائل جمادى الآخرة، وانقسم العسكر على ثلاث فرق، فرقة فى البر الشرقى، وفرقة فى البر الغربى، وفرقة سلكت الحواجر [١] من البر الغربى مما يلى الواحات، وضربوا على الوجه القبلى حلقة كحلقة الصيد، وبقى العرب فى وسطها، وأخذهم السيف من كل مكان، فتمهدت البلاد واطمأنت الرعايا، وزال الخوف وظهر الأمن بعد أن كان العرب قد كادوا يتجاهرون بالعصيان، وحمل من موجودهم وسيق خمسة آلاف فرس وعشرون ألف جمل ومائة ألف رأس من الغنم، وعدة كثيرة من الأبقار والجواميس والحمر، ومن السيوف والرماح عدة كثيرة، وعاد العسكر فى أواخر شعبان من السنة.
وفى هذه السنة رسم بتوجهى إلى دمشق المحروسة
لمباشرة الأملاك السلطانية بالشام، وكتب توقيعى [٢] بذلك فى ثانى عشر جمادى الأولى سنة إحدى وسبعمائة، وهو من إنشاء المولى الفاضل العابد الصالح بهاء الدين ابن سلامة [٣] كاتب الدرج الشريف [٤] وخطّه، وشمل الخط
стр. 12517
السلطانى الملكى الناصرى، وتوجهت إلى دمشق فى جمادى الآخرة، وفيه وصلت إلى دمشق وباشرت ما رسم لى بها، وهو أول دخولى إليها.
وفيها فى يوم الثلاثاء تاسع عشرين جمادى الأولى وصل إلى دمشق الصدر علاء الدين بن الصدر شرف الدين محمد بن القلانسى من بلاد التتار بغتة، ووصل قبله رفيقه شرف الدين بن الأثير، وقد ذكرنا أن التتار لما دخلوا الشام استصحبهما الوزير معه، ثم هربا وسلما بعد مشقة عظيمة كثيرة، وتوجّها إلى الديار المصرية فى شهر رجب، وعادا وقد كتب فى ديوان الإنشاء بدمشق.
وفى هذه السنة فى رابع صفر توفّى السيد الشريف نجم الدين [١] أبو نمىّ، وأبو مهدى محمد بن أبى سعد الحسن بن على بن قتادة بن إدريس بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن حسين بن سليمان بن على بن عبد الله بن محمد بن موسى بن عبد الله بن الحسن بن على بن أبى طالب، أمير مكة شرفها الله تعالى، ولى الإمارة بها نحوا من أربعين سنة، وخلف من الأولاد واحدا وعشرين ذكرا، واثنتى عشرة بنتا، وأربع نسوة، ولما مات وثب ولداه أسد الدين رميثة [٢] وعز الدين حميضة [٣] على أخويهما عطيفة [٤] وأبى الغيث [٥] واعتقلاهما، واستقلا بالأمر دونهما، واتفق فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير توجّه إلى الحجاز هو وثلاثون أميرا، فجاء هؤلاء وشكيا من أخويهما، فأمسك حميضة ورميثه واعتقلهما لما صدر منهما من ذلك وغيره، ورتّب عطيفة وأبا الغيث فى الإمرة بمكة، وأحضر حميضة ورميثة صحبته إلى الأبواب السلطانية، فاعتقلا مدة ثم أفرج عنهما.
وفيها توفى الشيخ الأصيل شيخ الشيوخ فخر الدين يوسف [٦] بن شيخ الشيوخ شرف الدين أبى بكر عبد الله ابن شيخ الشيوخ تاج الدين أبى محمد
стр. 12518
عبد الله ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبى حفص عمر بن على بن محمد بن حمّوية الجوينىّ فى يوم الاثنين سابع عشرين شهر ربيع الأول بالخانقاه السميساطية [١] بدمشق، ودفن من الغد بسفح قاسيون، وولى مشيخة الشيوخ بعده قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة [٢] ، وذلك باتفاق من الصوفية وسؤالهم، فاجتمع له بدمشق قضاة القضاة، وخطابة الجامع الأموى، ومشيخة الشيوخ وغير ذلك من الأنظار والتدريس.
وفيها كانت وفاة الخليفة الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد العباسى فى ثامن عشر جمادى الأولى، وبويع ولده المستكفى بالله أبو الربيع سليمان، وقد تقدم ذكر ذلك فى أخبار الخلفاء العباسيين.
وفيها توفى الأمير علاء الدين مغلطاى التقوىّ المنصورىّ أحد الأمراء بدمشق فى رابع وعشرين شهر رجب، وأقطع خبره للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى أمير آخور [٣] ، وكان أخرج من الديار المصرية فى هذه السنة لقربه من السلطان وخدمته له وتمكنه منه، فعزل من وظيفة أمير آخورية، ووليها الأمير علم الدين سنجر [٤] الصالحى، ووصل الأمير سيف الدين بكتمر إلى دمشق بغير إقطاع، فلما مات التقوى أنعم عليه بإقطاعه، ثم كان من أمره وتنقّله ما نذكره.
وفيها كانت وفاة الشيخ الإمام الشهيد شرف الدين أبى الحسين على بن الشيخ الحسن الإمام العلامة الحافظ تقى الدين أبى عبد الله محمد بن اليونينىّ [٥] الحنبلى ببعلبك فى يوم الخميس حادى عشر شهر رمضان فى
стр. 12519
الساعة الثامنة من النهار شهيدا. وسبب ذلك أنه دخل فى يوم الجمعة خامس الشهر إلى خزانة الكتب التى بمسجد الحنابلة ببعلبك ليعزل كتبه من كتب الوقف وعنده خادمه الشجاع، فدخل عليه فقير اسمه موسى غير معروف بالبلد- قيل إنه مصرى- فضربه بعصا على رأسه عدّة ضربات، ثم أخرج سكينا صغيرة فجرحه فى رأسه، فاتقى بيده، فجرحه فى يده، ثم مسك ذلك الرجل وحمل إلى متولى بعلبك فضرب، فصار يظهر منه الاختلال فى الكلام، فحبس.
وأما الشيخ فحمل إلى داره، وتحدّث معه أصحابه على عادته، وأتمّ صوم يومه ثم حمّ واشتد به المرض فمات فى التاريخ المذكور، وجاوز الثمانين سنة- رحمه الله تعالى- روى عن جماعة منهم ابن الزّبيدى، واليها عبد الرحمن وابن الّلتّى، والإربلى، وجعفر الهمذانى، وابن رواحة، وابن الجمّيزىّ وغيرهم واجتهد فى خدمة الحديث النبوىّ وأسمعه كثيرا، واعتنى بصحيح البخارى من سائر طرقه، وحرّر نسخته تحريرا شافيا، وجعل لكل طريق إشارة، وكتب عليه حواشى صحيحة، وقد نقلت صحيح البخارى من أصله مرارا سبعة، وحرّرته كما حرّره وقابلت بأصله وهو أصل سماعى على الحجّار ووزيرة [١] .
وفى هذه السنة توفى الأمير علم الدين سنجر أرجواش المنصورى نائب السلطنة بقلعة دمشق، وكانت وفاته فى ليلة السبت ثانى عشرين ذى الحجة ودفن بسفح قاسيون وكانت له آثار جميلة فى حفظ قلعة دمشق لمّا ملك التتار دمشق، وبسبب حفظها حفظت سائر القلاع بالممالك الشاميّة، وخلّف من الورثة أربع بنات وابن معتقه السلطان [٢] الملك الناصر، وترك دنيا عريضة، ولما مرض أحضر قاضى القضاة بدر الدين وجماعة من أكابر العدول، وأشهدهم على نفسه أن مجموع ما يخلفه من الذّهب أربعة عشر ألف دينار ومائتى دينار وستة
стр. 12520
وستين دينارا مصرية. وأربعين ألف درهم وحوايص [١] ذهب وكلوتات [٢] زركش منحوا ألفى دينار، ووقع الإشهاد عليه فى سابع عشر ذى الحجة وأعتق مماليكه، وأوصى بحجة وصدقة وفكّ الحجر عن بناته، وأسند وصيّته إلى خوشداشه [٣] الأمير سيف الدين بليان الجوكندار. ولما مات كنت ممن حضر تركته، واحتوت على أشياء كثيرة، كان فيها من القسىّ الحلق ما يزيد على ستمائة قوس، وكثير من الأقمشة والعدد والسلاح والأصناف فبيعت الأصناف وقسّمت بالفريضة الشرعية، وأمضى السلطان وصيّته- أثابه الله تعالى.
واستهلت سنة اثنتين وسبعمائة
فى هذه السنة وصل رسل غازان ملك التتار إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل فى ليلة ثانى المحرم، فقرئت كتبهم، وسمعت مشافهتهم، وكتب الجواب السلطانى إلى مرسلهم، وأمر السلطان بعودهم فعادوا من الديار المصرية وجهّز السلطان إلى جهته الأمير حسام الدين أزدمر المجيرىّ [٤] ، والقاضى عماد الدين بن السكّرىّ [٥] فوصلوا إلى دمشق فى ليلة الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأوّل، وكان خروجهم من القاهرة فى عاشر الشهر، وأقاموا بدمشق ثلاثة أيام، وتوجهوا واجتمعوا بغازان، ومنعهم من العود بسبب الوقعة الكائنة التى نذكرها إن شاء الله تعالى، واستمروا ببلاد التتار إلى أن هلك غازان وعادوا فى أيّام خربندا. [٦]
стр. 12521
ذكر فتح جزيرة أرواد [١]
وفى المحرم من هذه السنة جهزت الشوانى [٢] من مصر إلى جزيرة أرواد وهى جزيرة تقابل مدينة انطرسوس، وكان قد اجتمع بها جمع كثير من الفرنج وسكنوها وأحاطوا بها سورا وحصنوها، وبقيت مضرّة على أهل ساحل طرابلس فجهّزت الشّوانى لقصدها صحبة الأمير سيف الدين كهرداش الناصرى، وجرّد من كل أمير جندى، ورسم لكل أمير أن يجهز جنديّة بما يحتاج إليه، فكان ممن جهّز من أصحابه الأمير جمال الدين آقش العلائى فامتنع من تجهيز جنديّة، فشكاه الجندى إلى الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، فأرسل إليه نقيبا يأمره بتجهيزه، فشتم الجندىّ وضربه، فعاد إلى نائب السلطنة وأخبره، فغضب وطلب آقش وألزمه بالسّفر عوضا عن الجندىّ، فتوجه وسلّم إليه شانى وركب فيه، ولعبت الشوانى فانقلب الشينى الذى فيه آقش فغرق، ومرّ الشانى على الصنّاعة وهو مقلوب؛ فتطيّر الناس بذلك وظنّوا أن هذه الشوانى لا تفتح شيئا، فقال بعض أهل [٣] الدين والخير: هذا أوّل الفتح بغرق آقش، وكان آقش هذا ظالما عسوفا قبيح السيرة، فكان ذلك أوّل الفتوح كما قال، وأصلح الشانى وتوجّهت الشّوانى إلى الجزيرة، وجهّز الأمير سيف الدين أسندمر الكرجى نائب السلطنة بالفتوحات مركبا فيه جماعة من الجند، وتوجّه هو بالعسكر الطرابلسىّ. ونزل قبالة الجزيرة بالبر الشرقى، وتوجهت الشوانى بالعسكر إليها، ففتحت فى يوم الأربعاء ثانى صفر، وقتل من كان بها من الفرنج، وأسر من بقى، وكان القتلى نحو ألفين، والأسرى نحو خمسمائة، وغنم العسكر جميع ما بالجزيرة، وجهّزت الأسرى إلى الأبواب السلطانية صحبة الأمير فلان الدين فلان الإبراهيمى [٤] من أمراء طرابلس، فوصلوا إلى دمشق فى يوم الإثنين حادى عشرين صفر، وفرق بعضهم فى القلاع بالشام.
стр. 12522
ذكر وفاة قاضى القضاة [١] تقى الدين ابن دقيق العيد وتفويض القضاء بالديار المصرية لقاضى القضاة بدر الدين بن جماعة .
وفى يوم الجمعة حادى عشر صفر توفى شيخنا قاضى القضاة تقى الدين بقية المجتهدين أبو الفتح محمد بن الشيخ الزاهد العالم مجد الدين أبى الحسن على بن وهب بن مطيع ابن أبى الطاعة القشيرى المعروف بابن دقيق العيد، والذى جرى عليه هذا اللقب هو وهب جده، وذلك أنه لبس فى يوم عيد ثيابا بيضا، فرآه جماعة من أهل الريف، فقال قائل منهم: كأن ثيابه دقيق العيد، فلزمه هذا اللقب واشتهر به وكانت وفاته ببستان بظاهر القاهرة بقرب باب اللوق بعد صلاة الجمعة، وحمل يوم السبت وصلى عليه تحت القلعة وكانت جنازته مشهودة، ودفن بتربته بالقرافة، ومولده يوم السبت خامس عشرين شعبان سنة خمس وعشرين وستمائة بساحل ينبع من أرض الحجاز، ونشأ بمدينة قوص، وتفقّه بها على أبيه وبرع، وكان من أجل من [٢] رأينا ديانة وعلما وورعا وتقشّفا، وكان شديد الاحتراس من النجاسة حتى أفرط به ذلك وانتقل من مدينة قوص إلى القاهرة، وله رحلة إلى دمشق بعد سنة ستين وستمائة، وولى مشيخة دار الحديث الكاملية [٣] بالقاهرة، وولى غير ذلك. ثم فوض إليه قضاء القضاة كما تقدم فوليه، ثم عزل نفسه فسئل العود، فامتنع من القبول، وحضر إليه أكابر الأمراء بسبب ذلك وهو يمتنع، فتحيّل بعض أولاده عليه بأن قال له: إنه قد عيّن للقضاء عز الدين بن [٤] مسكين إن أصررت على الامتناع، فقال: الآن
стр. 12523
وجب علىّ قبول الولاية. فقبلها وعاد، وهو الذى نقل خلع القضاة من الحرير إلى الصوف، وكان يخلع على القضاة قبله الحرير الكنجى والصمت [١] وله رحمه الله تعالى فضائل كبيرة، ومناقب جمة مشهورة شهدها وعلمها من رآه. وهى أشهر من أن يأتى عليها، وأكثر من أن نسردها [٢] .
ولما توفى اجتمعت الآراء على ولاية قاضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن جماعة الشافعى، وهو يومئذ قاضى القضاة بالشام، وخطيب الجامع الأموى، وشيخ الشيوخ، فبرزت المراسيم بطلبه، وتوجّه البريد لإحضاره، فوصل البريد إلى دمشق فى يوم الخميس سابع عشر صفر وتوجّه قاضى القضاة بدر الدين إلى الديار المصرية فى يوم السبت تاسع عشر الشهر على خيل البريد، ووصل إلى القاهرة فى يوم الأربعاء مستهل شهر ربيع الأول، وخلع عليه على عادة الشيخ تقى الدين، وفوض إليه القضاء بالديار المصرية، وجلس للحكم فى يوم السبت رابع الشهر [٣] وأنعم عليه ببغلة من الإسطبلات السلطانية، وفرقت جهاته بدمشق.
ففوض قضاء القضاة بالشام لقاضى القضاة
نجم الدين أبى العباس أحمد بن صصرى [٤] وكتب تقليده فى عاشر جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعمائة، وقرئ تقليده فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من الشهر بمقصورة الخطابة بجامع دمشق بحضور نائب السلطنة الشريفة، ثم [٥] جلس فى الشباك الشمالى بالجامع وقرئ ثانيا.
стр. 12524
وولى الخطابة والإمامة لجامع دمشق الشيخ نجم الدين عبد الله بن مروان الشافعى الفارقى [١] ، وخطب فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من الشهر المذكور.
وولى مشيخة الشيوخ القاضى جمال الدين الزّرعى [٢] ولم تتم الولاية، ثم ولى ذلك الخطيب ناصر الدين أحمد بن الشيخ بدر الدين يحيى بن [٣] شيخ الإسلام عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام فى يوم السبت ثالث شعبان، ثم اجتمع الصوفية فى يوم الجمعة سادس شوال، وحضروا إلى نائب السلطنة فى الشباك بالجامع، وسألوا أن يولى عليهم الشيخ صفى الدين محمد الأرموى المعروف بالهندى [٤] ، فأجيبوا إلى ذلك وولى عليهم فى التاريخ المذكور.
وفى هذه السنة ولى الأمير ركن الدين بيبرس التّلاوىّ [٥] شاد الشام وأستاذ داريّه عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار، وخلع عليه فى يوم الخميس العشرين من جمادى الأولى، ونقل الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصورى إلى نيابة السلطنة بقلعة دمشق، عوضا عن الأمير علم الدين سنجر أرجواش، وكان بالقلعة فى هذه المدة الأمير سيف الدين بلبان السنجرى، فخرج منها، وانتقل إليها الأمير سيف الدين الجوكندار فى الخامس والعشرين من الشهر.
وفيها فى جمادى الأولى وقع بيد نائب السلطان بالشام كتاب كتب على لسان قطز أحد مماليك الأمير سيف الدين قبجق مضمونه فضول نصيحة، منها:
стр. 12525
أن الشيخ تقى الدين بن تيمية [١] وقاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى [٢] يكاتبان مخدومه، ويؤثران أن يكون نائب السلطنة بالشام، وأن القاضى كمال الدين العطار، وكمال الدين بن الزملكانى كاتب الإنشاء يطالعانه بالأخبار، وأن جماعة من الأمراء فى هذا الأمر، حتى ذكر جماعة من مماليك نائب السلطنة وخواصه.
فلما قرأ الكتاب استراب به، وأطلع عليه بعض الكتّاب، وأمره بالفكرة فيمن اختلقه، فوقع الحدس على فقير يعرف باليعفورى كان ينسب إلى فضول وتزوير، فمسك فوجد معه منشورة بالكتاب، فضرب فأقرّ على إنسان يعرف بأحمد القبّارى، فأخذ وضرب فاعترف على جماعة، وأنّ الذى كتب الكتاب التاج بن المناديلىّ الناسخ، فلما كان فى يوم الإثنين مستهل جمادى الآخرة جرّسوا الثلاثة بدمشق، ثم أخرجوا إلى سوق الخيل، فأمر نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقش الأفرم أن يوسّط القبارىّ واليعفورىّ فوسّطا، وقطعت يد ابن المناديلى الناسخ.
وفى هذه السنة ظهر بنيل مصر دابة عجيبة
وهى التى تسمى فرس البحر، وكانت تطلع إلى البرّ وترعى البرسيم ثم تعود إلى البحر، فلما كان فى يوم الخميس رابع جمادى الآخرة صيدت ببلاد المنوفية. وصفتها أن لونها لون الجاموس، وهى بغير شعر، ولها آذان كآذان الجمل، وفرج مثل فرج الناقة تغطيه بذنب طوله شبر ونصف، طرفه كذنب
стр. 12526
السمك، ورقبتها فى غلظ التليس المحشو، وفمها وشفتاها كالكربال [١] ، ولها أربعة أنياب طول كل ناب دون شبر فى عرض أصبعين، وفى فمها ثمانية وأربعون ضرسا ونابا وسنا مثل بيادق الشطرنج، وطول بدنها من بطنها إلى الأرض نحو الذراع، ومن ركبتها إلى حافرها يشبه بطن الثعبان [٢] أصفر مجعد، ودور حافرها مثل الأسكرجة [٣] بأربع أظفار كأظافير الجمل وعرض ظهرها تقريبا تقدير ذراعين ونصف، وطولها من فمها إلى ذنبها خمسة عشر قدما، ووجد فى بطنها ثلاثة كروش، ولحمها أحمر زفر كزفرة السمك وغلظ جلدها أربع أصابع ما تعمل فيه السيوف، ولما صيدت سلخ جلدها [٤] وحمل إلىّ بين يدى السلطان بقلعة الجبل، وتبدّل على حمله لثقله خمسة أجمال، فلا يستطيع الجمل أن يحمله أكثر من ساعة، ولما صار [٥] بين يدى السلطان حشى تبنا، وأقيم بين يديه، وهذا الحيوان لم يعهد ببحر النيل بمصر وإنما هو موجود ببلاد النّوبة، وأهل النوبة يتخذون من جلدة سياطا، يسوقون بها الجمال، وهى سياط سود إذا دهنت بالزّيت لا تكاد تنقطع والله أعلم.
ذكر وصول غازان ملك التتار إلى الرحبة [٦]
ومحاصرتها، وانصرافه عنها، وتجريد عساكره إلى الشام، ووقعة عرض [٧] .
فى هذه السنة تواترت الأخبار بحركة التتار، فأخذ السلطان فى الاستعداد والتأهّب للقائهم، ورسم للأمراء أن يستخدم كل أمير نظير الرّبع من عدّته من ماله، ووصل غازان إلى الرّحبة بجيوشه، ونازلها بنفسه وعساكره، وكان النائب
стр. 12527
بها الأمير علم الدين سنجر الغتمى، فخرج إليه بالإقامات، وقال له: هذا المكان قريب المأخذ، والملك يقصد المدن الكبار، فإذا ملكت البلاد التى هى أمامك فنحن لا نمتنع عليك. فأخذ ولده ومملوكه رهنا على الوفاء بذلك؛ فرحل عنها، ثم عاد إليها وجرّد نائبه قطلو شاه فى اثنى عشر تمانا [١] ، وأمره بقصد الشام، وعاد غازان إلى بلاد الشّرق.
وأما العسكر الشامى فإن عسكر حلب جمعه الأمير شمس الدين قراسنقر [٢] ، والعسكر الحموىّ مع الأمير زين الدين كتبغا الملقّب بالعادل وعسكر الساحل مع الأمير سيف الدين أسند مركرجى، وجماعة من عسكر دمشق مع الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف الدين أنص [٣] الجمدار ونزلت هذه العساكر بالقرب من حماه، وجاءت طائفة من التتار للإغارة فوصلوا إلى القريتين [٤] وبها جمع من التركمان بحريمهم وأولادهم وأغنامهم فأوقع التتار بهم ونهبوهم، واتصل خبرهم بالأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام؛ فجرد طائفة من عسكر الشام صحبة الأمير سيف الدين قطلبك المنصورى، وركب معه الأمير ثابت بن يزيد، وتوجّهوا جرائد إلى القريتين فوجدوا التتار قد فارقوها، فعادوا ولم يظفروا بهم، واتّصل خبر هذه الطائفة من التتار بالأمراء المقيمين على حماه؛ فانتدب لذلك الأمير سيف الدين أسند مركرجى نائب السلطنة بالفتوحات، وانتدب معه من عسكر حلب الأمير سيف الدين كجكن، ومن عسكر الشام الأمير سيف الدين بهادر آص والأمير سيف
стр. 12528
الدين أنص الجمدار [١] والأمير سيف الدين أغرلو [٢] من عسكر حماه، ومن انضم إليهم، وتوجّهوا فى ألف فارس وخمسمائة فارس لا يزيد على ذلك وساقوا فى البريّة إلى مكان يسمى عرض لقصد هذه الطائفة من التتار، فتوافوا بها- وعدة التتار عشرة آلاف من المغل [٣]- فلما شاهدهم التتار أطلقوا من كان معهم من التركمان وحريمهم ومواشيهم؛ ليشغلوا العسكر بهم، فلم يعرّج العسكر عليهم، وحملوا على التتار حملة رجل واحد، واقتتلوا أشد قتال فنصر الله جيش الإسلام، وقتلوا من التتار خلقا كثيرا، وفرّ من بقى منهم، وذلك فى عاشر شعبان من هذه السنة، وكانت هذه الوقعة مقدمة النصر، واستشهد فى هذه الوقعة الأمير سيف الدين أنص الجمدار، ومن أمراء دمشق. وحضر إلى دمشق جماعة أسروا من أعيان التتار فى يوم الخميس منتصف شعبان. هذا ما كان بالشام.
ذكر توجه السلطان الملك الناصر من الديار المصرية
بالجيوش الإسلامية إلى الشام، والوقعة بمرج الصّفرّ [٤] ، وانهزام التتار.
قد ذكرنا اهتمام السلطان واحتفاله وما رسم به من الاستخدام، ثم جرّد العساكر من مدنه [٥] يتلو بعضها بعضا، فوصلوا إلى دمشق. فأوّل من وصل منهم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير حسام الدين لاجين الرّومىّ والأمير سيف الدين كراى المنصورىّ، والأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار ومضافيهم فى يوم الأحد ثامن عشر شعبان. ثم وصل الأمير بدر الدين بكتاش
стр. 12529
الفخرىّ أمير سلاح، والأمير سيف الدين بكتمر السّلاح دار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى، والأمير بهاء الدين يعقوبا، ومضافيهم، واستقلّ ركاب السلطان من قلعة الجبل فى ثالث شعبان.
وأما التتار الذين سلموا من وقعة عرض فإنهم التحقوا بقطلو شاه وأخبروه أن السلطان لم يخرج من الديار المصرية، وأنه ليس بالشام غير العسكر الشامى؛ فأقبل قطلو شاه بعسكر التتار. فتأخّرت الجيوش التى بحماه، ونزلوا بالمرج بدمشق، ثم اجتمع الأمراء الذين بدمشق من العساكر المصرية والشامية، واتفقوا على أن يتأخروا عن دمشق إلى نهر الصّفّر ويقيموا به إلى أن يصل السلطان بعساكر الديار المصرية، بعد أن كانوا اتفقوا على لقاء العدوّ التتار إن تأخّر السلطان، ونقلوا حريمهم إلى قلعة دمشق، ثم لم يروا ذلك ووصل الجيش الذى كان بالمرج، ونزلوا بأجمعهم بميدان الحصا [١] فى يوم الأربعاء الثامن والعشرين من شعبان، واختبط الناس بدمشق وجفلوا من الحواضر والقرى إليها، وخرج أكابر أهل دمشق وأعيانها فى هذا اليوم منها فمنهم من التحق بالحصون، ومنهم من توجّه إلى نحو الديار المصرية، وكنت يوم ذاك بدمشق فخرجت منها بعد أن أعددت لأمة الحرب، والتحقت بالعسكر ووجدت الجفّال قد ازدحموا بالأبواب زحاما شديدا، وذهلوا عن أموالهم وأولادهم، ووصلت بعد المغرب إلى منزلة العسكر بميدان الحصا، فوجدتهم قد توجّهوا إلى مرج الصّفّر، فلحقت الجيوش فى يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر- وهو سلخه، وأقمنا بالمرج يوم الخميس والجمعة.
فلما كان فى ليلة السبت المسفرة عن ثانى شهر رمضان دارت النّقباء على العساكر، وأخبروهم أن العدوّ قد قرب منهم، وأن يكونوا على أهبة واستعداد فى تلك الليلة، وأنه متى دهمهم العدوّ يركبوا خيولهم، ويكون الاجتماع عند قرية المجّة بقرب خربة [٢] اللصوص فبتنا فى تلك الليلة وليس
стр. 12530
منا إلا من لبس لأمة حربه، وأمسك عنان فرسه فى يده، وتساوى فى ذلك الأمير والمأمور، وكنت قد رافقت الأمير علاء الدين مغلطاى البيسرىّ أحد أمراء الطبلخانات بدمشق، لصحبة كانت بينى وبينه، فلم نزل على ذلك وأعنة خيلنا بأيدينا حتى طلع الفجر فصلّينا وركبنا، واصطفّت العساكر إلى أن طلعت الشمس وارتفع النهار فى يوم السبت المذكور، ثم أرسل الله مطرا شديدا نحو ساعتين ثم ظهرت الشمس، ولم نزل على خيولنا إلى وقت الزّوال، وأقبل التتار كقطع اللّيل المظلم، وكان وصولهم ووصول السلطان بالعساكر المصرية فى ساعة واحدة.
ذكر خبر المصاف وهزيمة التتار
كان المصاف المبارك فى يوم السبت ثانى شهر رمضان المعظّم سنة اثنتين وسبعمائة، وهزيمة التتار فى يوم الأحد بعد الظهر، وذلك أن السلطان الملك الناصر- قرن الله مساعيه بالظفر، وحكمّ مرهفاته فى رقاب من طغى وكفر- حال وصوله إلى مرج الصّفّر بالقرب من شقحب [١] تولى [٢] ترتيب عساكره فوقف- خلّد الله سلطانه- فى القلب وبإزائه الخليفة أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان، وفى خدمته الأمير سيف الدين سلّار نائبه، والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورىّ والأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جندار [٣] ، والأمير جمال الدين أقش الأفرم نائب السلطنة بالشام، ومضافيهم، والمماليك السلطانية [٤] هؤلاء فى القلب.
стр. 12531
ووقف فى الميمنة الأمير حسام الدين لاجين الرّومى أستاذ الدار، والأمير جمال الدين أقش الموصلىّ أمير علم [١] المعروف بقتّال السّبع، والأمير جمال الدين يعقوب الشّهرزورىّ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان ومضافيهم، وفى جناح الميمنة الأمير سيف الدين قبجاق، والعربان أجمع- والله أعلم.
ووقف فى الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، والأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى نائب السلطنة بالمملكة الحلبيّة، والأمير سيف الدين أسند مركرجى نائب السلطنة بالفتوحات، والأمير سيف الدين بتخاص [٢] نائب المملكة الصفدية، والأمير سيف الدين بكتمر السّلاح دار، والأمير سيف الدين طغريل الإيغانى [٣] والأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورىّ، والأمير ركن الدين بيبرس الموفقى، وغيره من مقدمى أمراء الشام، وكنت فى الميسرة. وأما غير هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمراء مقدمى الألوف من العساكر المصرية وغيرها فلم أتحقق مواقفهم [٤] فأذكرها.
وأقبل التتار وفيهم من مقدمى التمانات قطلوشاه، وقرمشىّ [٥] بن الناق، وسوتاى، وجوبان بن تداون، وأقطاجى، وبولاى [٦] ، وطوغان، وسياومى بن قطلوشاه، وطغريل بن أجاى، وأبشقا، وأولاجقان، وألكان، وطيطق، وهم فى مائة ألف من المغول والكرج والأرمن وغيرهم. ولما جاوزوا منزلة الكسوة [٧] طلّبوا تحت الجبل المسمى كنف المصرى، وحملوا على الميمنة فصدموها بمعظم جموعهم؛ فاضطربت وقاتل من بها قتالا شديدا، فاستشهد
стр. 12532
الأمير حسام الدين الرّومىّ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان، والأمير شمس الدين سنقر الكافرى، والأمير جمال الدين أقش الشمسى الحاجب، والأمير عز الدين أيدمر النقيب، والأمير عز الدين أيدمر الرّفّا، والأمير عز الدين أيدمر [١] الشمسى القشاش، والأمير علاء الدين على بن داود التركمانى والأمير حسام الدين على بن باخل، ونحو ألف فارس من مماليك الأمراء وأجنادهم، وانهزم بعض الأمراء، فكان منهم: الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى. فأردف السلطان الميمنة بالقلب حتى ردّ التتار.
وأما الميسرة فقاتلها بولاى فى حماية من التتار، فلم تكن لهم طاقة بملاقاة من فيها من الجيوش؛ فهرب بولاى فى هذا اليوم بعد العصر فى نحو عشرين ألف فارس من غير طائل قتال، وتبعهم بعض الجيش الإسلامى وعادوا، ثم حجز الليل بين الفريقين، فلجأ التتار إلى الجبل، وأضرموا النيران، وأحاطت بهم العساكر الإسلامية طول الليل. فلما أسفر الصباح عن يوم الأحد ثالث شهر رمضان تقدّمت العساكر الإسلامية إلى الجبل، وضايقوهم أشدّ المضايقة، فكان ينزل من شجعانهم طائفة وتتقدّم إلى طلب [٢] من أطلاب العساكر وتقاتل فيردها من يقابلها أقبح ردّ. وكان هذا اليوم بالحصار أشبه منه بالمصافّ، واستمر الحال على ذلك إلى وقت الظهر ففرّج لهم الأمير سيف الدين استدمر كرجى فرجة من رأس الميسرة، فلمّا رأوها بادروا بالفرار، وخرجوا على فرقتين، فالفرقة الأولى فيها جوبان فى نحو ثلاثين ألف فارس حتى أبعد. ثم تلاه قطلوشاه فى نحوها، وبقى منهم فرقة ثالثة فيها طيطق [٣] فى زهاء عشرين ألف فارس، فلما فرّوا حملت العساكر عليهم وأبادوهم قتلا وأسرا، وتبعتهم العساكر بقيّة النهار إلى الليل.
стр. 12533
ولما كان فى يوم الإثنين رابع شهر رمضان جرّد السلطان الأمير سيف الدين سلّار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار، وغيرهم من العساكر يقفّون آثارهم. ثم ركب السلطان فى يوم الإثنين من مكان الوقعة وبات بالكسوة ودخل إلى دمشق فى بكرة نهار الثلاثاء خامس الشهر، هو والخليفة، ونزل بالقصر الأبلق [١] ، ثم بالقلعة، ونزل الخليفة بالتّربة الناصرية [٢] ، وأقام السلطان بدمشق إلى ثانى شوّال، ورحل من دمشق فى يوم الثلاثاء الثالث من شوال ووصل إلى القاهرة، ودخل فى الثالث والعشرين منه، وشقّ المدينة، ونزل بالمدرسة المنصورية؛ لزيارة قبر والده السلطان الملك المنصور، ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل، واحتفل الناس لمقدمه احتفالا عظيما، وزيّنت القاهرة بزينة لم يشاهد مثلها فيما مضى، واستمرت الزينة بها بعد وصول الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح بكتاب البشارة، فى يوم الأحد عاشر شهر رمضان، إلى أن قدم السلطان بعد ذلك بأيّام.
وقد ذكر الناس هذه الغزوة نظما ونثرا، ووقفت ممّا عمل فيها على أشياء كثيرة، وقد رأيت أن أورد من ذلك ما نقف عليه من النظم والنثر، فكان ممن عمل فى ذلك القاضى الرئيس الفاضل علاء الدين على بن عبد الظاهر [٣] صنّف فى خبر هذه الوقعة جزءا سماه الرّوض الزاهر فى غزوة الملك النّاصر [٤] ابتدأه بأن قال: الحمد لله الذى أيّد الدين المحمدى بناصره، وحمى حماه بمن مضى هو وسلفه بأداء فرض الجهاد فى أوّل الزمان وآخره، وجعل من الذرّيّة المنصورية من يجاهد فى الله حقّ جهاده، ويسهر فى سبيل الله فيمنع طرف السيف أن يغفى [٥] فى إغماده، ويقدم يوم الوغى والموت من بعوثه للعدى
стр. 12534
وأجناده نحمده على ما وهبنا من نصره، ونشكره على نعمه التى خوّلنا منها بأسا أذاق العدوّ وبال أمره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع منار هذا الدين، وتضاعف أجر المجاهدين الذين [١٠] أضحوا فى درج المتقين مرتقين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه وضروع الكفر حوافل، وربوع البغّى أواهل. فلم يزل يجرّد الصّفاح من مقرّها، ويطلق جياد الغرم فى مجراها وصعاد الحزم فى بحرها، إلى أن أخمد نار الشرك والنفاق، وظهرت معجزاته بإطفاء نار فارس بالعراق، صلى الله عليه وعلى آله الذين جرّدوا بين يديه سيوف الحتوف، فاستغلقت الأعمار، وهاجروا إليه ونصروه فسموا المهاجرين والأنصار، وبعد: فإن الوقائع التى عظمت آثارها فى الآفاق، وحفظت بها دماء المسلمين من أن تراق، وبقى بها الملك والممالك، وأشرق بها سواد الخطب الحالك، وسطّرها الله تعالى فى صحائف مولانا السلطان الملك الناصر، وآتاه فيها من الملك ما لم يبلغه أحد، فأورثه به ظفرا مخلّدا لا يفنى وإن طال المدار والأمد، وأشبه فى ثباته ووثباته بها أباه رضىّ الله عنه، والشبل فى المخبر مثل الأسد، واستقر بها الملك فى مهاد السكون بعد القلق، وتبدلّت بها الملة الإسلامية الأمن بعد الفرق، وأضحى بها وجه الإسلام سافرا بعد تقطيبه، وطلع بها بدر السرور كاملا بعد مغيبه، وعمّت الأيام إحسانا من الملك وحسنى وعلّم المؤمنين بها تحقيق قوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
[١] حقها [٢] أن يسطر فيها ما يعمر ربوع السرور ويؤنس معاهده، ويقف عليه الغائب فيكون كمن شاهده ويذيع أنباء هذه النّصرة فى الأقطار، ويتحقق أهل الإسلام أن لهم ملكا يناضل عن دين الله بالسّمر الطّوال والبيض القصار، وسلطانا ما أغمد سيفه فى جفنه إلا ليستجم لأخذ الثأر ممّن ثار.
стр. 12535
ولما كانت هذه الغزاة المبرورة، والحركات التى عدت حسناتها فى صحائف القبول مسطورة، والسّفرة التى أسفرت بحمد الله عن الغنيمة والسلامة، وأعلمت الأمة بركة قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتّى ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم إلى يوم القيامة» . وكنت ممن شملته نفحات الرحمة فيها، وهبّت عليه رياح النّصر التى كانت ترجّيها [١] ، وشاهدت صدق العزائم الملكية الناصرية، التى طلعت فى سماء النّقع نجوما وقّادة، وشهدت فى محضر الغزو على إقرار العدى بالعجز، وكيف لا وذاك الموطن محلّ الشهادة، ورأيت كيف أثبت السيف لنا الحقّ لأنه القاضى فى ذلك المجال، وكيف نفذت السهام لأجل تصميمه فى الحكم، فلم تمهل حتى أخذت دين الآجال وهو حالّ، وقد أحببت أن أذكر من أمرها ملحة تنشرح منها [٢] الصدور، وآتى بلمعة تعرب عن ذلك النور، وها أنا أذكر نبأ السفر من افتتاحه، وأشرح حديث هذه الغزاة من وقت صباحه، فأقول:
ركب مولانا السلطان الملك [٣] الناصر خلد الله ملكه- بنيّة صالحة أخلصها فى سبيل ربّه، وعزيمة ناجحة ماثلت فى المضاء سمر عواليه وبيض قضبه، من قلعة مصر التى هى كنانة الله فى أرضه، بجيوشه التى نهضت بسنن الجهاد وفرضه، تقدمها أمراؤه الذين كأنهم ليوث غاب، أو غيوث سحاب، أو بدور ليال، أو عقود لآل [٤] معتضدا [٥] ببضعة من الرسول، منتصرا بابن عمه، الذى لا يسمو أحد من غير أهل بيته لشرفه، ولا يطول، ملتمسا بركة هذا البيت الشريف الذى طالما كانت الملائكة من نجده وجنده، مسترسلا بيمنة الإيمان سحب كرمه، مستدعيا صادق وعده. وسار على اسم الله تعالى بالجاريات الجياد، التى تعدو فى سبيل الله النجاد، وتعلو الهضاب، وسرى يقطع المنازل، ويطوى المراحل طىّ السّجلّ للكتاب، والجيوش المنصورة قد أرهفت