ووقف فى الميمنة الأمير حسام الدين لاجين الرّومى أستاذ الدار، والأمير جمال الدين أقش الموصلىّ أمير علم [١] المعروف بقتّال السّبع، والأمير جمال الدين يعقوب الشّهرزورىّ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان ومضافيهم، وفى جناح الميمنة الأمير سيف الدين قبجاق، والعربان أجمع- والله أعلم.
ووقف فى الميسرة الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، والأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى نائب السلطنة بالمملكة الحلبيّة، والأمير سيف الدين أسند مركرجى نائب السلطنة بالفتوحات، والأمير سيف الدين بتخاص [٢] نائب المملكة الصفدية، والأمير سيف الدين بكتمر السّلاح دار، والأمير سيف الدين طغريل الإيغانى [٣] والأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورىّ، والأمير ركن الدين بيبرس الموفقى، وغيره من مقدمى أمراء الشام، وكنت فى الميسرة. وأما غير هؤلاء الذين ذكرناهم من الأمراء مقدمى الألوف من العساكر المصرية وغيرها فلم أتحقق مواقفهم [٤] فأذكرها.
وأقبل التتار وفيهم من مقدمى التمانات قطلوشاه، وقرمشىّ [٥] بن الناق، وسوتاى، وجوبان بن تداون، وأقطاجى، وبولاى [٦] ، وطوغان، وسياومى بن قطلوشاه، وطغريل بن أجاى، وأبشقا، وأولاجقان، وألكان، وطيطق، وهم فى مائة ألف من المغول والكرج والأرمن وغيرهم. ولما جاوزوا منزلة الكسوة [٧] طلّبوا تحت الجبل المسمى كنف المصرى، وحملوا على الميمنة فصدموها بمعظم جموعهم؛ فاضطربت وقاتل من بها قتالا شديدا، فاستشهد
стр. 12532
الأمير حسام الدين الرّومىّ، والأمير مبارز الدين أوليا بن قرمان، والأمير شمس الدين سنقر الكافرى، والأمير جمال الدين أقش الشمسى الحاجب، والأمير عز الدين أيدمر النقيب، والأمير عز الدين أيدمر الرّفّا، والأمير عز الدين أيدمر [١] الشمسى القشاش، والأمير علاء الدين على بن داود التركمانى والأمير حسام الدين على بن باخل، ونحو ألف فارس من مماليك الأمراء وأجنادهم، وانهزم بعض الأمراء، فكان منهم: الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى. فأردف السلطان الميمنة بالقلب حتى ردّ التتار.
وأما الميسرة فقاتلها بولاى فى حماية من التتار، فلم تكن لهم طاقة بملاقاة من فيها من الجيوش؛ فهرب بولاى فى هذا اليوم بعد العصر فى نحو عشرين ألف فارس من غير طائل قتال، وتبعهم بعض الجيش الإسلامى وعادوا، ثم حجز الليل بين الفريقين، فلجأ التتار إلى الجبل، وأضرموا النيران، وأحاطت بهم العساكر الإسلامية طول الليل. فلما أسفر الصباح عن يوم الأحد ثالث شهر رمضان تقدّمت العساكر الإسلامية إلى الجبل، وضايقوهم أشدّ المضايقة، فكان ينزل من شجعانهم طائفة وتتقدّم إلى طلب [٢] من أطلاب العساكر وتقاتل فيردها من يقابلها أقبح ردّ. وكان هذا اليوم بالحصار أشبه منه بالمصافّ، واستمر الحال على ذلك إلى وقت الظهر ففرّج لهم الأمير سيف الدين استدمر كرجى فرجة من رأس الميسرة، فلمّا رأوها بادروا بالفرار، وخرجوا على فرقتين، فالفرقة الأولى فيها جوبان فى نحو ثلاثين ألف فارس حتى أبعد. ثم تلاه قطلوشاه فى نحوها، وبقى منهم فرقة ثالثة فيها طيطق [٣] فى زهاء عشرين ألف فارس، فلما فرّوا حملت العساكر عليهم وأبادوهم قتلا وأسرا، وتبعتهم العساكر بقيّة النهار إلى الليل.
стр. 12533
ولما كان فى يوم الإثنين رابع شهر رمضان جرّد السلطان الأمير سيف الدين سلّار، والأمير عز الدين أيبك الخزندار، وغيرهم من العساكر يقفّون آثارهم. ثم ركب السلطان فى يوم الإثنين من مكان الوقعة وبات بالكسوة ودخل إلى دمشق فى بكرة نهار الثلاثاء خامس الشهر، هو والخليفة، ونزل بالقصر الأبلق [١] ، ثم بالقلعة، ونزل الخليفة بالتّربة الناصرية [٢] ، وأقام السلطان بدمشق إلى ثانى شوّال، ورحل من دمشق فى يوم الثلاثاء الثالث من شوال ووصل إلى القاهرة، ودخل فى الثالث والعشرين منه، وشقّ المدينة، ونزل بالمدرسة المنصورية؛ لزيارة قبر والده السلطان الملك المنصور، ثم ركب وطلع إلى قلعة الجبل، واحتفل الناس لمقدمه احتفالا عظيما، وزيّنت القاهرة بزينة لم يشاهد مثلها فيما مضى، واستمرت الزينة بها بعد وصول الأمير بدر الدين بكتوت الفتّاح بكتاب البشارة، فى يوم الأحد عاشر شهر رمضان، إلى أن قدم السلطان بعد ذلك بأيّام.
وقد ذكر الناس هذه الغزوة نظما ونثرا، ووقفت ممّا عمل فيها على أشياء كثيرة، وقد رأيت أن أورد من ذلك ما نقف عليه من النظم والنثر، فكان ممن عمل فى ذلك القاضى الرئيس الفاضل علاء الدين على بن عبد الظاهر [٣] صنّف فى خبر هذه الوقعة جزءا سماه الرّوض الزاهر فى غزوة الملك النّاصر [٤] ابتدأه بأن قال: الحمد لله الذى أيّد الدين المحمدى بناصره، وحمى حماه بمن مضى هو وسلفه بأداء فرض الجهاد فى أوّل الزمان وآخره، وجعل من الذرّيّة المنصورية من يجاهد فى الله حقّ جهاده، ويسهر فى سبيل الله فيمنع طرف السيف أن يغفى [٥] فى إغماده، ويقدم يوم الوغى والموت من بعوثه للعدى
стр. 12534
وأجناده نحمده على ما وهبنا من نصره، ونشكره على نعمه التى خوّلنا منها بأسا أذاق العدوّ وبال أمره، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة ترفع منار هذا الدين، وتضاعف أجر المجاهدين الذين [١٠] أضحوا فى درج المتقين مرتقين، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه وضروع الكفر حوافل، وربوع البغّى أواهل. فلم يزل يجرّد الصّفاح من مقرّها، ويطلق جياد الغرم فى مجراها وصعاد الحزم فى بحرها، إلى أن أخمد نار الشرك والنفاق، وظهرت معجزاته بإطفاء نار فارس بالعراق، صلى الله عليه وعلى آله الذين جرّدوا بين يديه سيوف الحتوف، فاستغلقت الأعمار، وهاجروا إليه ونصروه فسموا المهاجرين والأنصار، وبعد: فإن الوقائع التى عظمت آثارها فى الآفاق، وحفظت بها دماء المسلمين من أن تراق، وبقى بها الملك والممالك، وأشرق بها سواد الخطب الحالك، وسطّرها الله تعالى فى صحائف مولانا السلطان الملك الناصر، وآتاه فيها من الملك ما لم يبلغه أحد، فأورثه به ظفرا مخلّدا لا يفنى وإن طال المدار والأمد، وأشبه فى ثباته ووثباته بها أباه رضىّ الله عنه، والشبل فى المخبر مثل الأسد، واستقر بها الملك فى مهاد السكون بعد القلق، وتبدلّت بها الملة الإسلامية الأمن بعد الفرق، وأضحى بها وجه الإسلام سافرا بعد تقطيبه، وطلع بها بدر السرور كاملا بعد مغيبه، وعمّت الأيام إحسانا من الملك وحسنى وعلّم المؤمنين بها تحقيق قوله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
[١] حقها [٢] أن يسطر فيها ما يعمر ربوع السرور ويؤنس معاهده، ويقف عليه الغائب فيكون كمن شاهده ويذيع أنباء هذه النّصرة فى الأقطار، ويتحقق أهل الإسلام أن لهم ملكا يناضل عن دين الله بالسّمر الطّوال والبيض القصار، وسلطانا ما أغمد سيفه فى جفنه إلا ليستجم لأخذ الثأر ممّن ثار.
стр. 12535
ولما كانت هذه الغزاة المبرورة، والحركات التى عدت حسناتها فى صحائف القبول مسطورة، والسّفرة التى أسفرت بحمد الله عن الغنيمة والسلامة، وأعلمت الأمة بركة قوله ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتّى ظاهرين على الحقّ لا يضرّهم من خذلهم إلى يوم القيامة» . وكنت ممن شملته نفحات الرحمة فيها، وهبّت عليه رياح النّصر التى كانت ترجّيها [١] ، وشاهدت صدق العزائم الملكية الناصرية، التى طلعت فى سماء النّقع نجوما وقّادة، وشهدت فى محضر الغزو على إقرار العدى بالعجز، وكيف لا وذاك الموطن محلّ الشهادة، ورأيت كيف أثبت السيف لنا الحقّ لأنه القاضى فى ذلك المجال، وكيف نفذت السهام لأجل تصميمه فى الحكم، فلم تمهل حتى أخذت دين الآجال وهو حالّ، وقد أحببت أن أذكر من أمرها ملحة تنشرح منها [٢] الصدور، وآتى بلمعة تعرب عن ذلك النور، وها أنا أذكر نبأ السفر من افتتاحه، وأشرح حديث هذه الغزاة من وقت صباحه، فأقول:
ركب مولانا السلطان الملك [٣] الناصر خلد الله ملكه- بنيّة صالحة أخلصها فى سبيل ربّه، وعزيمة ناجحة ماثلت فى المضاء سمر عواليه وبيض قضبه، من قلعة مصر التى هى كنانة الله فى أرضه، بجيوشه التى نهضت بسنن الجهاد وفرضه، تقدمها أمراؤه الذين كأنهم ليوث غاب، أو غيوث سحاب، أو بدور ليال، أو عقود لآل [٤] معتضدا [٥] ببضعة من الرسول، منتصرا بابن عمه، الذى لا يسمو أحد من غير أهل بيته لشرفه، ولا يطول، ملتمسا بركة هذا البيت الشريف الذى طالما كانت الملائكة من نجده وجنده، مسترسلا بيمنة الإيمان سحب كرمه، مستدعيا صادق وعده. وسار على اسم الله تعالى بالجاريات الجياد، التى تعدو فى سبيل الله النجاد، وتعلو الهضاب، وسرى يقطع المنازل، ويطوى المراحل طىّ السّجلّ للكتاب، والجيوش المنصورة قد أرهفت
стр. 12536
حدّ سيوفها وأشرعت أسنة حتوفها، وهى تسير كالجبال، وتبعث كالصدى [١] ما يرهب من طيف الخيال.
فبينما الركاب قد استقلت فى السّرى، ورقمت [٢] فى البيداء من أعناق جيادها سطور من قرأها استغنى بحسنها عن القرى، إذا بالبشير قد وفد ونجم المسرّة قد وقد، وأخبر بأن جمعا من التتار قصدوا القريتين للإغارة، ما علموا أن ذلك مبدأ خمولهم الذى فتح الله به للإسلام باب الهناء والبشارة، وغرتهم الآمال، وساقتهم الحتوف للآجال، فنهض بعض العساكر المؤيدة، فأخدتهم أخذ القرى وهى ظالمة، وأعلمتهم أن السيوف الإسلامية ما تترك لهم بعد هذا العام- بقولة يدا [٣] فى الحرب مبسوطة، ولا رجلا فى المواقف قائمة، وأرى الله العدوّ مصارع بغيه، وعاقبة استحواذه، وتلا لسان الوعد الصادق على حزب الإيمان وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
[٤] ، ووصل مولانا السلطان- خلّد الله ملكه- غزّة، والإسلام بحمد الله قد زاد قوة وعزّة، ثم رحل بحمد الله- بعزم لا يفتر عن المسير، وجيش أقسم النصر أن لا يفارقه وأن يصير معه حيث يصير، إلى أن وصلوا يوم السبت الثانى من شهر رمضان المعظم سنة اثنتين وسبعمائة، وهو أوّل أيام السعود، واليوم الذى جمع فيه الناس ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ
[٥] إلى مرج الصّفّر الذى هو موطن الظّفر، ومكان النصر الذى يحدّث عنه السّمار بأطيب سمر.
والسلطان بين عساكره كالبدر بين النجوم، والملائكة الكرام تحمى الجيوش المؤيدة بإذن الله، وطيور النصر عليها تحوم، وهو- خلّد الله ملكه- قد بايع الله على نصرة هذه الملّة التى لا يحيد عن نصرها ولا يريم، وعاهده على بذل الهمم التى انتظمت فى سبيل الله كالعقد النّظيم، وخضع لله فى طلب النصر
стр. 12537
وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ
[١] ، وقال: رب قد بذلت نفسى فى سبيلك فتقبّلها بقبول حسن، ونويت المصابرة فى نصرة دينك، وأرجو أن أشفع النّيّة بعمل يغدو لسان السّنان فى وصفه ذا لسن، وتلا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ
[٢] واهزم عدونّا فقد بايعناك على المصابرة وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ
. [٣] ، وابتهل إلى الله فى طلب التأييد، وتضرّع إليه فى ذلك الموقف الذى ما رآه إلّا من هو فى الآخرة شهيد، وفى الدنيا سعيد، هذا والسيوف قد فارقت الأغماد، وأقسمت أنها لا تقرّ إلا فى الرؤوس، والأسنة قد أشرعت وآلت أنها لا تروى ظمأها إلا من دماء النفوس، والسهام قد التزمت أنها لا تتخذ كنائنها إلّا من النّحور، ولا تتعوّض عن حنايا القسىّ إلا بحنايا الأضالع أو لترفّعها لا تحلّ إلّا فى الصدور، والدروع قد لزمت الأبطال قائلة: لا أفارق الأبدان حتى تتلى سورة الفتح المبين، والجياد حرّمت وطء الأرض وقالت لفرسانها: لا أطا إلّا جثث القتلى، ورؤوس الملحدين. فلا ترى إلا بحرا من حديد، ولا تشاهد إلا لمع أسّنّة أو بروق سيوف تصيد الصيد [٤] ، والسلطان قد أرهف ظباه [٥] ليسعّر بها فى قلوب العدى جمرا. وآلى أنه لا يورد سيوفه الطلى بيضا إلا ويصدرها حمرا، والإسلام كأنه بنيان مرصوص، ونبأ النصر على مسامع أهل الإيمان مقصوص، والنفوس قد أرخصت فى سبيل الله، وإن كانت فى الأمن غالية، وأرواح المشركين قد أعدّ لها الدّرك الأسفل من النار، وأرواح المؤمنين فى جنة عالية.
ولما كان بعد الظهر أقدم العدو- خذله الله- بعزائم كالسيوف الحداد وجاء على قرب من مقدمنا، فكان هو والخذلان على موافاة، وجئنا نحن والنصر على ميعاد؛ وأتى كقطع الليل المظلم بهمم لا تكاد لولا دفع الله عن بزاتها
стр. 12538
تحجم [١] ، معتقدا أن الله قد بسط يده فى البلاد- ويأبى الله إلا أن يقبضها- متخيّلا أنّ هذه الكرّة مثل تلك- ويأبى الله إلا أن يخلف لهذه الأمة بالنصر ويعوّضها- متوهما أن جيشه الغالب، وعزمه القاهر، متحققا أنه منصور وكيف ذاك ومعنا الناصر!! والتقى الفريقان بعزائم لم يشبها [٢] فى الحرب نكول ولا تقصير، فكان جمعنا ولله الحمد جمع سلامة وجمعهم جمع تكسير؛ وحمى الوطيس، وحمل فى يوم السبت الخميس [٣] على الخميس، ودارت رحا الحرب الزّبون [٤] ، وغنّت السيوف بشرب الكماة كأس المنون، والسلطان قد ثبت فى موقف المنايا، حتى كأنه فى جفن الرّدى وهو نائم، ورأى الأبطال من أوليائه جرحى فى سبيل الله والأعداء مهزومين [٥] . والوجه منه وضّاح والثغر باسم، وقابل العدوّ بصدره وقاتل حتى أفنى حديد بيضه وسمره، وخاطر بنفسه والموت أقرب إليه من حبل الوريد. ونكّب عن ذكر العواقب جانبا، ولم يستصحب إلا سيفه المبيد، واشتد أزرا بامرائه الذين رأوا الحياة فى هذا اليوم مغرما، وعدوّا الممات فيه مغنما وقالوا: لا حياة إلا بنصر الإسلام، ولا استقرار حتى تطأ بين يدى السلطان سنابك الخيول هذه الهام، وما أعددنا العزائم [٣٥] إلا لهذا الموقف، ولا أحددنا الصوارم وخبأناها إلا لنبذلها فى السفك فنسرف [٦] ، وهم بين يدى سلطانهم يحثّون جيوشهم على المصابرة، ويقولون: هذا يوم تصيبنا فيه إحدى الحسنيين: فإما سعادة الدنيا وإما جنة الآخرة، وقالت الملائكة للجيوش المنصورة: يا خيل الله اركبى ويا يد النصر اكتبى، وقامت الحرب على ساق وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ
[٧] ، وأتى العدوّ جملة واحدة، وحمل حملة أمست بالنفوس جائدة، ونكب عن الميسرة وقصد الميمنة
стр. 12539
والقلب، وهاله جمع الإسلام فأراد أن يخلص بانحيازه من شدة ذلك الكرب، واستمرت المناضلة تمتد بين الفريقين وتنتشر، والمؤمنون قد وفّوا بما عاهدوا الله عليه. فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ
[١] ، ومولانا السلطان يردف مواكبه بحملاته، ويقدم فتخشى الأعداء مواقع مهابته وترجو الأولياء منافع هباته، ويرى غمرات الموت ثمّ يزورها، ويمر فى مجال المنايا فيحلوله مريرها ومزورها [٢] ، ويقاسم سيوف العدى شرّ قسمة، فعلى عاتقه غواشيها [٣] وفى صدورهم صدورها.
ولما كان وقت المغرب لجأوا- خذلهم الله [٣٦]- إلى هضاب اعتقدوا أن فيها النجاة، وقالوا: نأوى إلى جبل يعصمنا من الموت ونسوا أنه لا عاصم اليوم من أمر الله.
راموا النجاة وكيف تنجو عصبة مطلوبة بالله والسلطان؟
وحصرتهم العساكر الإسلامية بعزائم كالشهاب أو النار [٤] ، ودارت عليهم كالسّوّار والسّوار [٥] ، وصيّرتهم بقدرة الله فى ربقة الإسار، وقاتلتهم الجيوش المنصورة غير مستجنّة بقرى محصّنة ولا من وراء جدار، تتلظى كبودهم عطشا وجوعا، ويكادون من شدة الهجير يشربون من سيل قتلاهم نجيعا [٦] ، ويودّون لو كانوا أولى أجنحة، ويندمون حين رأوا صفقتهم خاسرة وكان ظنهم أنها تكون مربحة، ويأسفون على فوات النجاة، ويتحيّرون عند مواقعة الجيوش المؤيدة حيث رأوا ما شملها من نصر، ويتضرّمون بنار الخيبة على حركتهم التى أدبرت لهم مآبا، وينظرون فيما أسلفوه من ذنوب ولسان الانتقام يتلو عليهم وْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً
[٧] .
стр. 12540
ودخلت ليلة الأحد وهم فى حصرهم وقد أوقعهم الله فى حبائل مكرهم، وأراهم من الحصر والضيق ما لا رأوه مدّة عمرهم، وأيقنوا بالهلاك [٣٧] ، وتحققوا أن لا خلاص لهم من تلك الأشراك، ولو سمعوا ما سبق من الإنذار لما أتوا للمبارزة مظهرين، ولو علموا سوء صباحهم كفروا عشاء ونجوا من قبل أن يتلى فى حقهم فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ
[١] وأصبح الإسلام يوم الأحد فى قوته المنيعة، وأرواح العدى فى أجسادهم وديعة، ومولانا السلطان يصطبح من دمائهم كما اغتبق، ويريهم عزما ينثر عقد اجتماعهم الذى انتظم واتّسق، ويفهمهم أنّه لا مردّ له عن مراد الصّوارم، وأنه لا يفارق الجبل حتى يجعل عوض أحجاره جماجم، وأمراؤه- أعزّ الله نصرهم بين يديه- أولو همم فى الحرب وأولو عزائم، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ
[٢] يعدّون المصابرة فى طاعة الله وطاعة سلطانهم غنيمة جمعت لهم أسباب الفخار؛ ويمتازون بأنّ منهم من هاجر إليه، ومنهم من نصره، فعدّوا- حقا- كونهم مع محمد تابعى المهاجرين والأنصار، وزحف السلطان وبين يديه أمراؤه وعساكره المؤيدة فضيقوا عليهم الخناق، وأحدقوا بهم إحداق الهدب بالأحداق، وراسلوهم بالسهام، وشافهوهم بالكلام لا الكلام، ورفعوا من راياتهم [٣٨] المنصورة ما طاول المنشآت فى البحر كالأعلام، وحمل بها الأبطال، فكلما رآها العدى تهتزّ بتحريك نسيم النّصر سكنوا خوف الحمام، ثم فرّجوا لهم عن فرجة من جانب الجبل ظنّوها فرجا، وخيّل لهم أنّه من سلك تلك الفرجة سلك طريقا مستقيما، وما دروا أنه سلك طريقا عوجا، واستترت لهم الجيوش المنصورة إلى الوطاة لتمكّن سيوفها من سفكهم، ويقرب مدى هلكهم، وتسلمهم إلى الحمام الذى لا ينجى منه خيل ولا جبل، وتملأ الوطاة من دمائهم، فتساوى السهل من قتلاهم بالجبل، وحلّ الحمام بساحتهم، وامتدت الأيدى لاستباحتهم، وضاقت عليهم المسالك، وغلبوا هنالك، وأنزل الله نصره على المؤمنين وأيدهم بجنود لم يروها، واشترى منهم أنفسهم بأنّ لهم الجنة- فيا طيب ما شروها، وفرّت من العدو فرقة،
стр. 12541
وضلّت فى حالة الحرب عن السيف فأدركهم العزم الماضى الغرار [١] وتلا عليهم لسان الحق قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ
[٢] وما انقضى ظهر يوم الأحد إلا والنصر قد خفقت بنوده، والحق- قد صدقت وعوده، وطائر الظفر قد رفرف بجناحه وطار باليمن والسرور [٣٩] ونسيم الريح قد تحمّلت رسالة التأييد، فصارت إلى الإسلام بالصّبا وإلى العدوّ بالدّبور والألطاف- ولله الحمد- قد زادت للإسلام قوّة وتمكينا، ولسان النصر يتلو على السلطان إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[٣] والسيف قد طهّر ديار الإسلام من تلك الأدناس ومولانا السلطان يتلو ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ
[٤] ، وأمست الوحوش تنوش أشلاءهم، والحوائم ترد دماءهم، والعساكر فى أعقابهم تقتل وتأسر، وتبدى فى استئصالهم [٥] كل عزيمة وتظهر، وتنظم أسنتها برؤوس القتلى، وتعقد لها على عقائل النصر فتزفّ لديها وتجلى، إلى أن ناحتهم بالخيف [٦] من مكان قريب، وبسطت فيهم السيف فسأل الأسر أن يسمح له بحظّ فأعطى أيسر نصيب، وملئت من قتلاهم القفار، وأمسوا حديثا فى الأمصار، وعبرة لأولى الأبصار.
ثم رحل السلطان يوم الإثنين الرابع من شهر رمضان المعظم إلى منزلة الكسوة من مكان النصر، وبقاعه تنبئ [٧] على معاليه، وتشهد بمضاء قواضبه ونفوذ عواليه، ودمشق قد أخذت زخرفها وازّيّنت، وتبرّجت محاسنها للنواظر، وما باتت بل تبيتت، وكادت جددها تسعى للقائه، لتؤدّي السّنّة من خدمته والفرض، غير أنها استنابت الأنهار فسعت وقبّلت بين يدى جواده الأرض.
стр. 12542
ثم رحل فى يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان، ودخلها فى هذا اليوم والملائكة تحيّيه عن ربّه بتحيّة وإكرام، وتتلو عليه وعلى جيوشه ادْخُلُوها بِسَلامٍ [١] *
فى موكب كأنه نظام الدّرر، أو روضة كلها زهر، بل هو- حقا- هالة القمر، والدنيا قد تاهت به عجبا، والناس يدعون لسلطان قد شغفوا بدولته حبّا، ويتعجبون من نضارة ملكه الذى سرّ النواظر، ويرون أولياءه فى فلك إنعامه، فيقولون:
أبدّلت الأرض غير الأرض أو صارت سماء وإلا فما هذا القمر حوله النجوم الزواهر! وعادت المآتم بدمشق أفراحا وأعراسا، وربوع الهناء قد عوّضها أمن مقدمه عن الوحشة إيناسا، والقلعة بآلات حصارها مزينة قائلة:
كيف يستباح حماى وأنا بهذا السلطان محصّنة، وبشهادته [٢] محصنة.
هذا والأنهار تساير ركابه وقد صبغت من دماء العدى بأحمر قان، والأشجار تميل طربا بالهناء كما يميل النشوان بين الأغانى، والحمام يطرب بحسن الألحان والتغريد، وقد أقسمت لا تنوح، وكيف تنوح وقد خضّبت كفّها وطوّقت الجيد، والناس يقولون: أيا عجبا فى أوّل رمضان يكون عيد، وفى آخره عيد؟! والعزائم للعدى تردى، وبنصر الله ترتدى، وتهتز [٣] بردى تقول عند تغريد الحمامة:
«يا برد ذاك الذى قالت على كبدى» والأقاليم قد تاهت بسلطانها بهجة وسرورا، وهام الجوزاء تودّ لو كانت منبرا وسريرا، والرعايا تقول: هذا الملك الذى حمى الله بعزائمه الدّيار، وأدار العدى إلى دار البوار، ووقف لا يبتغى إلا وجه ربه، وقابل اليوم بنفسه وبكتائبه، وناضل الأمس بكتبه، والله لدعائهم سامع ومجيب، ومكافئه بكل فتح مبين ونصر قريب.
стр. 12543
ووصل الميدان الأخضر وقد أذاق العدوّ الأزرق الموت الأحمر، فى يوم السعد الأبيض، بعلم النصر الأصفر- إلى القصر الأبلق، وقد طلع شمسا فى سماء الملك أنار به أفق الآفاق وأشرق، ففخر القصر بحلوله فيه، وقال: هذا اليوم الذى كنت أرتجيه، وهذا الوقت الذى ما برحت تبشّرنى به [٤٣] نسمات البكر والأصائل. لأنها تمرّ لطيفة، فأعلم أن معها منه- خلّد الله ملكه- رسائل، وهذا الملك الذى أعرف فيه من الله شمائل؛ فغبطته القلعة المنصورة، وسألته [١] أن لا تبقى بغير الجسد محسورة [٢] ، وفاخرت القصر بمالها من محاسن، وما شرفت به من إشراف على أنضر الأماكن، وامتازت به من حصانتها الذى ما امتطى سواه ذروتها، ولا علا غيره- خلّد الله ملكه- صهوتها، فأراد أن يعظم لقلعته الشأن- فحلّ بها مرة ثم بتلك أخرى، وطاب بحلوله الواديان.
ثم أذهب عن أوليائه وجيوشه مشقة التعب، ببذل الذهب، وأنسى بمكارمه حاتم طيئ، فلو عاش لا ستجدى ممّا وهب، وأمر بعود نوّاب ممالكه إلى أماكنهم المحروسة، وقال: قد خلت ربوعكم هذه المدّة.
وحيث حللنا بالبلاد نبتغى أن تكون مأنوسة، فتضاعف الشكر على إتمام هذه النعمة، وابتهلت الألسن بالمحامد، وكيف لا وقد طلع صبح النصر فجلّى ليل تلك الغمة، وشكر الناس منّة الله التى أعادت إليهم بالأمن الوسن [٣] ، وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [٤]
وأقام بدمشق [٤٤] المحروسة يتبوّأ منها أحسن الغرفات، واستقر من بقاعها [٥] فى جنّات، فحييت به بعد الممات، وعادت بمقدمه إلى جسدها الروح بعد المفارقة، وتمتعت مقلتها من محاسنه بأبهى من رياضها الرائقة، وهو يحمى حماها، ويحلى مواطن ملكها الزواهر رباها، ويزيّنها بمواكبه التى ماثلت الكواكب فى سنائها وسناها، وتطأ سنابك جياده أرضها فيدانى الثريا فى الافتخار ثراها، إلى أن قضى شهر صيامه
стр. 12544
المقبول. وأتاه عيد الفطر مبشرا بإدراك آماله فى عز مستمر ونصر موصول، وأسبغ من عطاياه ما أربى على عدد أمواج البحر، وتعدّدت لدولته المسرّات فى هذا الشهر الميمون، فآخره عيد فطر، وأوّله عيد نحر.
ثم رحل عن دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث شوال، ويعزّ عليها أن تفارقه. أو تبعد عن محيّاه الذى أنار مغارب الملك ومشارقه، أو يسيّر عنها عزمه الذى إن غاب أغنت مهابته، أو حضر أرهف على العدو بوارقه، وأغصان رياضها تحسد بنود سناجقه، وأوراق روحها تودّ لو كانت مكان أعلامه وخوافقه، وزهرها يتمنى لو كان وشيا [٤٥] لحلل [١] جياده، وأرضها النضرة تكاد تنطوى بين يديه لتكون مراكز السعادة [٢] ، وقصرها الأبلق يتوسّل إليه فى أن يتخذه بدل خيامه، وستائره ليسر مسكنه [٣] فيه ومقامه، ومصر تبعث إليه مع النسيم رسائل، وتبذل له فى تعجيل عوده وسائل [٤] ، وكرسىّ سلطنتها يودّ لو سعى من شوق إليه، أو شافهه بالهناء وبالنعمة التى أتمّها الله عليه، فلبّى دعوتها ولم يطل جفوتها، وسار إليها سير الأقمار إلى منازل الضّياء والنور، ووطئ بمواكبه الأرض فظهرت بها من مواطئ جياده أهلّة، ومن آثار أخفاف مطيّه بدور، ووصل ديار مصر المحروسة وقد زفّت عروسا تجلى فى أبهى الحلل، وجمعت أنواع المحاسن، فلا يقال لشىء منها كمل لو أنّ ذا كمل، وفضح الدجى إشراقها، وبهر العيون جمالها، فإلى أقصى حدائق حسنها. رنت أحداقها، وسبت النفوس منازلها، وكيف لا، وهى المنازل التى لم نزل نشتاقها، وشغلت القلوب أبياتها، وكيف لا وقد زانها ترصيعها وطباقها، وحوت من البهاء ما لو حوته البدور لما شانها بعد التمام محاقها، وأمست روضة أثمرت اللآلى والدرر، وفلكا زها بالمشرقات فيه، [٤٦] وكيف لا وفى كل ناحية من وجهها قمر.
وحلّ- خلّد الله ملكه- بظاهر القاهرة فكادت تسير لخدمته بأهلها وجدرانها، غير أنّه أثقلها الحلى فأخّرها لتبدو إليه فى أوانها المراد، وما أحسن الأشياء فى أوانها، وهمّ نيلها أن يجرى فى طريقه لكنه أخّره النقص
стр. 12545
والتقصير، واستحيا أن يقابله وهو دون غاية التمام، أو يسير من مواكب أمواجه فى عدد يسير، وخشى أن يتخلّل السبل بين يديه فيحصل فى ريها الخلل، أو تظهر عليه- كونه فى زمن توحمه- حمرة الخجل، وكأنّ عمود مقياسه قد آلى أن لا يضع أصابعه فى اليّمّ إلا بإذن سلطانه، ولا يلبس ثوب خلوق إلّا ما يزره عليه ببنانه، ولا يأتى بزيادة إلا بعد مقدمه، وكيف لا ومدده من إحسانه؟! وركب سحر الإثنين الثالث والعشرين من شوال سنة اثنتين وسبعمائة من ظاهر القاهرة فى موكب حفّ به الظّفر، وأضحى حديثا للأنام وذكرى للبشر، وسيفه المنصور قد أذهب عن الملّة الإسلامية ليل الخطب ومحا، والأمة يترقبون طلوع فجر بدره، ولسان المسرّة يتلو عليهم مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [١]
ودخل البلد وقد تزايدت بمقدمه سرورا [٤٧] وبشرا، وأنشدته:-
أنت غيث إذا وردت إلى الش ... ام ونيل إذا تيمّمت [٢] مصرا
أطلع الشرق من جبينك شمسا ... ليس تخفى ومن محياك بدرا
كان أمر التتار مستصعب الح ... ال فصيّرت عسر ذلك يسرا
وفتحت له أبواب نصرها التى يفضى منها إلى نعمة ونعيم، وشاهدته [٣] عيون أهلها. فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ [٤]
والرعايا قد أصبحوا كما أمسوا بالدعاء له مبتهلين، والألسنة تتلو عليه وعلى أمرائه ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [٥]
وقد
стр. 12546
أظلتّه سماء أديمها الحرير، ونجومها الذهب، وسحبها تنثر اللؤلؤ المكنون، وحيل بين سنابك خيله وبين الأرض بأثواب من استبرق تستوقف العيون، وكوفئت عن وطء الأحجار بالأمس فى سبيل الله بوطء الديباج فى هذا اليوم، وكادت الأيدى تلمس معارفها تبركا بترب الجهاد الذى حملت إليه أكرم قوم، فرأى فيها جنّة أوردت من مناهلها كوثرا، وكان قد أنهى بين يديه حديث زينتها [١] فوجد خبرها يجاوز خبرا، ولم يجد بها عيبا غير أن صباحها حمدت به الأجفان عاقبة السّرى، وتبرّجت عقائلها نزها للنواظر [٤٨] ، وتظهر كلّ واحدة منهن فى وشى أبهى من الزواهر، ولبست جدرانها حلل السرور النّضرة، وأبرزت بعولتهن ما فى ذخائرهم ولم يسألوا نظرة إلى ميسرة- وما ثنت [٢] أعطافها- كما أمست وجوه التهانى بها ضاحكة مستبشرة، ولمّا مر بسبلها حلا له ذلك النّور، ولمّا سلك بين قصريها تحقق الناس أن أيامه زادت على أيام الخلفاء؛ فإنها أنشأت قصرين وهذا أنشأ لها قصورا ما بها من قصور، فمن بروج تمنّت البدور لو كانت لها منازل، ومن قلاع لو تحصّن بها جان لما دارت عليه دوائر الدهر الغوائل، ومن قباب علت وليس لها غير الهمم من عمد، وضربت على السماحة والنّدى فما عدم مشيّدها حسن البناء ولا فقد، ومن عقود عقد لها على عرائس السعود، وتمكّنت فى الصّعود، ومن حلى لو ظفر بها الحسن بن سهل لاتخذ منها لجهاز ابنته على المأمون ما لا ألف مثله فى زمنه ولا عهد، ولو [٣] رآه ابن طولون لاعتضد به فى إهداء عقيلته للمعتضد، ومن أواوين تزرى بإيوان كسرى الذى [٤] تعظّم بناؤه وتحمّد، ويستصغر فى عين من رأى إيوانا واحدا من هذه، وكيف لا وذاك هدم فى زمن [٤٩] محمد- ﷺ وهذا عمّر لنصرة محمد، وذاك أهلك بانيه وزجر، وهذا أيّد بانيه ونصر، ومن سواق
стр. 12547
جوار وجوار سواق، وآلات تبهر عند رؤية حدائقها الأحداق، ومن عروش وأشجار، ورياض نضرة تبهت الأبصار، قد أخذت من كل المحاسن بشطر، وحلت مذاقا. وكيف لا وقد سقيت بالقطر؟! ومن سفائن قد ترفعت حتى مرت فى الجوّ من بحر النسيم فى لجج، ومن عجائب إذا حدّث المرء عنها قيل له:
حدّث عن البحر ولا حرج، ومن شخوص بالألحاظ تغازل، ودمى تسحر العقول بسحر بابل، وصور يخيّل للرائى أنها تنطق، وأشكال وضعت صفة للحرب التى أضحت رايتها فى الآفاق تخفق، ومن هيبة للعدى التى أبادتها الأبطال، وأعدمت حقيقتها فلم يبق منها إلا مثال يبزر فى خيال، ومن جتور [١] ظهرت بها آية ملكه لمّا مرّت بنفسها على رأسه الكريم مر السحاب، وسارت بين السماء والأرض فلم تحتج مع سعادته إلى عمد ولا إلى أطناب، ومن فوسان جمّلّت [٢] الجيوش المنصورة حيث لبست لأمة حربها، وأعتقلت رماحها وبارزت الأقران [٥٠] فكان النصر من حزبها.
ومن أنواع احتفال يعجز عن وصفها البديع الفطن ولولا خوف الإطالة [٣] لقلت ومن ومن إلى أن تنفد كلمة ومن.
والأمة يبذلون فى خدمته الجمل والتفاصيل، ويصنعون له ما يريد من النّزه، ويعملون ما شاءوا من تماثيل، والأسارى قد جعلوا بين يديه مقرنين فى الأصفاد، يشاهدون مدينة ماثلت إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ
[٤] وهو- خلدّ الله سلطانه- يسير الهوينا، وينظر بعين حبره هذا المحفل، ويقبل، وأسراؤه بين يديه كالليث أقبل للفريسة ينقل [٥] ، وهم
стр. 12548
يشكرون حلمه [١] على السلامة من ريب المنون والأفواه تنطق بشكر الله إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ [٢]
وقد بهتوا لما رأوه من نعم الله التى تنوّعت له- خلد الله ملكه- حتى أتت كلّ نعمة فى وقتها، وعظمت فى عيونهم آيات الله سبحانه، ولسان الأقدار يتلو وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها [٣]
فلما نظروا بالأمس فى إنجاد الملائكة للعساكر المنصورة آية كبرى، شاهدوا اليوم من سعادة هذا الملك الذى بنت له الأقدار بين السماء والأرض [٥١] مدينة فقالوا: هذه آية أخرى، واستقلّوا ما مرّوا به من المدائن والأمصار، وغدوا وعيونهم فى جنة وقلوبهم فى نار، واستصغروا ملكهم المخذول وملكه، وقالوا: غير عجيب لمن أقدم على هذا الملك أن يبدد جمعه، ويفرط سلكه، وتحققوا أنه من أوتى هذا السعد لا يؤخّر- إن شاء الله- إمساك كبيرهم وهلكه، ونودوا أن شاطروه فى السلاسل والقيود، والسيف يقول: ليس الأمر لمن يسمى- خديعة- محمودا، محمود ووصل مولانا السلطان تربة والده السلطان الشهيد- قدس الله روحه- وأمراؤه قد بذلوا فى محبته نفائس النفوس، وجزيل الأموال، وأخاير الذخائر، وركبوا بالأمس للمناضلة عن دولته فى سبيل الله، وقد بلغت القلوب الحناجر، وترجّلوا اليوم فى خدمته تعظيما لشعائر سلطنته، وطلعوا فى سماء المعالى كالنجوم الزواهر، وصعد- خلد الله ملكه- تربة والده- رضى الله عنه- وأنوار النصر على أعطاف مجده لائحة، ودخلها فلولا خرق العوائد لنهض من ضريحه وصافحه، وشكر مساعيه التى اتصّلت بها أعماله، وكيف لا وهى أعمال صالحة [٥٢] ، وقصّ مولانا السلطان- خلد الله ملكه- عند قبره المبارك من غزوته أحسن القصص، وأسهم من بركة جهاده أوفر الحصص، فلو استطاع- ﵀ أن ينطق لقال:
هذا الولد البار، والملك الذى خلفنى وزاد فى نصرة الإسلام وكسر التّتار،
стр. 12549
ولو تمكّن- رضى الله عنه- لأخبره بما وجده من ثواب الجهاد فى جنات وعيون، وبشره بما أعدّه الله لمن فقد من المجاهدين فى هذه الغزاة المبرورة بين يديه، وتلا عليه وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[١] ولأثنى على امرائه الذين فعلوا من المصابرة والمحافظة ما أوجبه حسن التهذيب منه- ﵀ وجميل التربية، وشكر عزائمهم التى ما ناداها أهل مملكة لكشف خطب إلا أجابوهم بمواقع التّلبية، واعتدّ بطاعتهم للميّت والحىّ، وموالاتهم التى ذاعت فى كل ناد وحىّ، والقرّاء حول ضريحه يتلون آيات الله التى كان- رضى الله عنه- بها عاملا، ولم يزل ربع تقواه بها آهلا، فشمل مولانا السلطان- خلد الله ملكه- الأنام بالصدقات المتوفرة، [٥٣] وسمح من الذهب والفضة بالقناطير المقنطرة، وازدحمت الأمانى على سيبه كما ازدحمت الأعادى على سيفه، فكان كما قيل:
(قدّاح زند المجد لا تنفكّ من ... نار الوغى إلّا إلى نار [٢] القرى)
وركب من التّربة الشريفة والرعايا يدعون بدوام دولته التى أضحت قواعد الأمن بها متينة، ويرتعون بالمدينة فى لهو ولعب وزينة.
وسار جواده بين حلىّ وحلل، فاستوقف الأبصار، فى مسلك حفّت به غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الأنهار.
وعاد إلى قلعته ظافرا عود الحلى إلى العاطل، وغدت ربوعه الموحشة لبعده بقربه أواهل، وطلعها فى أيمن طالع لا يحتاج معه إلى اختبار ولا رصد، وحلّت شمس ملكه فى برجها وكيف لا وهو فى برج الأسد، فالله تعالى يمتع الدنيا بملك حمى شاما ومصرا، وأذاق التتار بعزائمه مصائب تترى.
стр. 12550
وحسبنا الله ونعم الوكيل
ولما صنّف المولى علاء الدين هذه الغزاة، وعرضت [٥٤] على المسامع الشريفة السلطانية شمله الأنعام والتشريف السلطانى، ووفر حظّه من ذلك، وقد سمعت هذه الغزوة من لفظه، ونقلتها من خطه، وقد أتى فيما أورده بالواقعة المشاهدة، ووفّى بقوله: إن الغائب إذا وقف على خبره يكون كمن شاهده.
وقد وقفت أيضا على جملة مما صنّفه الفضلاء فى خبر هذه الغزاة، وهذا الذى أوردته أتمّها وأكملها وأكثرها استيعابا للواقعة من ابتدائها إلى انتهائها.
فلذلك اقتصرت على إيرادها دون ما سواه.
وعمل أيضا الشعراء قصائد كثيرة يطول الشرح بإيرادها، وها نحن نذكر منها قصيدة نظمها القاضى الفاضل جمال الدين أبو بكر عبد القاهر بن الشيخ نجم الدين أبى عبد الله بن محمد بن عبد الواحد بن محمد التبريزى الشافعى قاضى عجلون وخطيبها وهى [١] :
стр. 12551
الله أكبر جاء النّصر والظّفر ... والحمد لله، هذا كنت أنتظر
وأبرز القدر المحتوم بارئه ... سبحانه بيديه النفع والضرر
وهوّن الصّعب بالفتح المبين لكم ... ربّ يهون عليه المقفل العسر
ولم تزل شرعة الإسلام ظاهرة ... أجزم به فبهذا صحّح الخبر
أين النجوم وتأثير القران وما ... تخرّصوا فيه من إفك وما زجروا
قد دبّر الله أمرا غير أمرهم ... وخاب ما زخرفوا فينا وما هجروا
وأقبل العسكر المنصور يقدمه ... من الملائك جند ليس تنحصر
وقد أحفّوا به والأرض من زجل [١] ... ترتجّ إن سبّحوا لله أو ذكروا
كنانة الله مصر جندها ثبتت ... لا ريب فيه وجند الله تنتصر
ثاروا سراعا إلى إدراك ثأرهم ... وهجّروا فى طلاب المجد وابتكروا
وأسهروا أعينا فى الله ما رقدت ... أكرم بقوم إذا نام الورى سهروا
لله كم ديّنوا فى نصر دينهموا ... وأنفقوا فى سبيل الله ما ادّخروا
صانوا الجياد وسنّوا كلّ ذى شطب [٢] ... وجدّدت للقسىّ النّبل والوتر
حماهم الله كم حاموا وكم منعوا ... وكم أغاثوا وكم آووا وكم نصروا
وخلّفوا خلفهم لذّات أنفسهم ... وهاجروا ولذيذ العيش قد هجروا
وأوجفوا نفرا بالخيل ملجمة ... وبالركاب وما [٣] ملّوا ولا فتروا
حتى أتوا جلّقا [٤] فى يوم ملحمة ... فيه الأسود أسود الغاب تهتصر
стр. 12552
لها السّنابك فى الميدان قد حنيت ... صوالجا [١] ولها روس [٢] العدا أكر [٣]
والجوّ أغبر والتاتار [٤] زاحفة ... مثل الجراد على الدنيا قد انتشروا
وددت لو كنت بين الصف منجدلا ... قد ارتوت من دمى الخطية السّمر
وكوثر الحرب قد راقت مشاربه ... تحت العجاجة والأبطال تعتكر [٥٦] [٥]
والسيف ينشى بديعا من فواتره ... والرّمح ينظم والهامات تنتثر
والنّبل يخقط والأقلام كاتبة ... والضرب يعرب والأبدان تستطر
حتى إذا عبّ مثل البحر جحفلنا ... ومدّ فيضا على أعدائنا جزروا
أصلوهم جاحما يشوى الوجوه وقد ... حمى الوطيس ونار الحرب تستعر
وأحرقتهم سراعا كلّ صاعقة ... من السيوف بنيران لها شرر
لاذوا بشمّ شماريخ الجبال فما ... حمتهم قلل منها ولا مغر [٦]
ومزّقوا شردا [٧] بين الزحام فكم ... شلو تنازع فيه الذئب النّمر
أين المفر وقد حام الحمام بهم ... هيهات لا ملجأ يرجى ولا وزر
نادى بهم صارخ أغرى الفناء بهم ... فإن سألت فلا خبر ولا خبر
كم قد سهرتم دجى من خوفهم حذرا ... والآن ناموا فلا خوف ولا حذر
قولوا لغازان يا ذا ما لعلّك أن ... تروع من مخلب الرّئبال يا بقر
стр. 12553
تلك الجموع التى وافى يدلّ بها ... تالله ما بلغوا سؤلا ولا نصروا
جاءوا وقد حفروا من مكرهم قلبا [١] ... ألقاهم الله قسرا فى الذى حفروا
وسكّروا فى أراضينا مباذرة ... والآن قد حصدوا أضعاف ما بذروا
وافى بهم أجل يمشى على مهل ... حتّى محاهم فلا عين ولا أثر
لم ينفروا خيفة من كل قسورة ... وفرّ جمعهم إلّا وهم حمر
أموا الفرات وقد راموا النجاة فكم ... حلّت بهم عبر فيها وما اعتبروا
مرائر القوم من خوف قد انفطرت ... والكلّ من قبل عيد الفطر قد نحروا [٥٧]
جميعهم قتّلوا صبرا [٢] وأعظمهم ... جميعها بضواحى جلّق صبروا
لم يقبروا فى نواويس [٣] ولا جدث ... وإنما فى بطون الوحّش قد قبروا
والطير ترعى نهارا لحمهم فإذا ... ما الليل جنّ ففى أقحافهم تكر
فخذ عزاءك فيهم إنّهم أمم ... هم اللّعاوس [٤] إن قلّوا وإن كثروا
كم كابروا الحسّ فى قصد الشّام وكم ... قد جرّبوا حظّهم بالشام واختبروا
فقاتلوهم جميعا إنّهم تتر ... كم أرسلوا رسلهم تترى وكم مكروا
هبّوا إلى سيس من أحلام رقدتكم ... وسارعوا فى طلاب الثّأر وابتدروا
بكلّ غيران أخذ الرّوح همّته ... فى غير نفس المردّى ما له وطر
أيرقد اللّيل فى أمن وفى دعة ... عن كيد قوم لهم فى شأنكم سهر
стр. 12554
إن تتركوهم فإنّ القوم ما تركوا ... يوما عليكم ولا أبقوا ولم يذروا
أما رأيتم وعاينتم وقد فعلوا ... فى الصّالحيّة ما لا تفعل التّتر
اشفوا صدوركم إن كنتم غيرّا ... على نسائكم يا قوم وادّكروا [١]
كم من عجوز ومن شيخ ومكتهل ... ومن فتاة نماها الحسن والخفر
بيضاء خرعوبة [٢] بكر محجّبة ... لا الشمس تنظرها صونا ولا القمر
وذات بعل مخبّاة مخدّرة ... من دونها تضرب الأستار قد أسروا
ومطفل أثكلوا وجدا بمخولها [٣] ... وحامل أجهضت خوفا وقد ذكروا
ومربع أقفروا من بعد ساكنه ... وعقد شمل نظيم جامع نثروا [٥٨]
وكم أراقوا وكم ساقوا وكم هتكوا ... وكم تملّوا بما نالوا وكم فجروا
وحرّقوا فى نواحيها فواحربا ... وخرّبوا الشامخ العالى وكم دثروا
وجامع التوبة [٤] المحروق مهجته ... يشير لا توبة للقوم إن ظفروا
إشارة تترك الأنفاس صاعدة ... لها الدّموع من الآماق تنحدر
لهم حزازات فى قلبى مخبّاة ... تكاد من حرّها الأكباد تنفطر
فما يثبّطكم [٥] عن أخذ ثأركم ... هبّوا سراعا وخافوا اللّوم يا غير
وفّوهم الحرب إنصافا ومعدلة ... وحرّروا نوب الأيّام واعتبروا
стр. 12555
لا يظلمن بعضكم بعضا بخردلة ... ولا يدع عنده حقّا ولا يذر
وسارعوا واقتلوهم إنّهم قتلوا ... وبادروا وأسروهم مثلما أسروا
جوسوا [١] ديارهم واسبوا حريمهم ... وأوقروا ضعف ما أوعوا وما وقروا
سجلا [٢] بسجل فإنّ الدّهر ذو نوب ... من ذا يغالب ما يأتى به القدر
بزّوهم [٣] الملك قهرا عن جواركم ... وخرّبوا كلّ ما شادوا وما عمروا
فما [٤] يفكر فى أدبار عاقبة ... ويحزم الأمر إلّا من له نظر
ولا يعاف شراب الذّل عن ظمأ ... ويومق [٥] العزّ إلّا من له خطر
فمهّدوا بالظّبا مجرى سوابقكم ... ما يرفع الذّكر إلا الصّارم الذكر
وخلّدوا فى المعالى ما نعنعنه [٦] ... عنكم وتروى به الأخبار والسّير
فكلّ ذنب جناه الدهر معتمدا ... فى جنب ما أبقت الأيّام مغتفر [٥٩]
يا أهل جلّق أمنا فى مساكنكم ... وعاملوا الله ربّ العرش وانزجروا
صوموا وصلّوا وزكّوا وارحموا وصلوا ... وابغوا النّجاة وحجّوا البيت واعتمروا
ذروا [٧] التّكاثر فالدّنيا لمن زويت ... فى جنب ما وعد الرّحمن تحتقر
فالوقت أقرب والأنفاس سائرة ... والعمر [٨] منصرم والمرء محتضر
ولا تخافوا من التاتار مجلبة ... من بعد ما ارتفع التدليس والغرر [٩]
стр. 12556
لم يطلبوا جلّقا بغيا بظلمهم ... إلا وردّوا على الأعقاب وانكسروا
حاشا دمشق من الأسواء [١] تطرقها ... أو أن تغيّرها عن وصفها الغير
ملائك الله تحميها وتحرسها ... تعاقبا ولها من ربّها خفر
وفى جوار خليل الله ما برحت ... وحضرة القدس قل لى: كيف تحتقر
بالله عدوى [٢] على من رامها بأذى ... وبالخليفة والسلطان أنتصر
هما ملاذكم فى كلّ نائبة ... بالرّوح أفديهما والسمع والبصر
إذا [٣] تأمّلت فحوى سر حكمهما ... لم تدر أيّهما فى عدله عمر
ولو رأيتهما يوما لخالك أن ... موسى بن عمران قد وافاك والخضر
هما رضيعا لبان عفّة وتقى ... وحسن ذكر شذاه فائح عطر
فذا [٤] مليك لكم طابت أرومته ... وذا أمير بأمر الله يأتمر
أبو الربيع سليمان الذى شهدت ... بفضله المستفاض [٥] البدو والحضر
وزمزم والصّفا والمأزمان [٦] معا ... والبيت يعرفه والحجر والحجر [٦٠]
خليفة الله فى الدنيا وطاعته ... فرض عليكم وهذا القول مختصر
ما زال مستكفيا بالله معتصما ... مستنصرا مستعينا وهو منتصر
لولاه فى الأرض قد مادت جوانبها ... وما سقاها إذا غيث ولا مطر
стр. 12557
خليفة من بنى العباس باقية ... به إلى الله نستسقى فنمتطر
ضاهت يداه عهاد [١] الغيث فانهملت ... والغيث مندفق الشؤبوب [٢] منهمر
لو مسّ عودا يبيسا بطن راحته ... أعاده وهو رطب يانع خضر
ماذا أقول بمدحيه وقد تليت ... فى مدح آبائه الآيات والسّور
جاءت بنعتهم التوراة معربة ... ومحكم الذّكر والإنجيل والزّبر
به إلى الله ضجّوا فى حوائجكم ... وبعده بالمليك الناصر انتصروا
ملك أعيد به عصر الشّباب لكم ... مسترغدا [٣] صافيا واستؤنف العمر
ترى الملوك صفوفا حوله زمرا ... من فرط هيبته لا يرجع البصر
تذلّ أعناقهم صغرى لطاعته ... وليس يعصونه أمرا إذا أمروا
صونوا جيادكم اللّاتى بكم لجبت [٤] ... فى بارق الحرب والرمضاء تستعر
إنّا لنرجوه من بغداد ينهلها ... بماء دجلة يرويها فتصطدر
ويجمع الشمل فى دار السّلام بمن ... يودّها ويؤدون الذى نذروا
يؤمّها وإمام المسلمين معا ... ثقوا بقولى فهذا منه منتظر
فالشام وافاه مع بغداد فى قرن [٥] ... ومصر فى ملكه والبرّ والبحر [٦١]
والعرب والعجم فى ميمون قبضته ... ومن سطى بأسه قد حارت التتر
تنشّروا فى الفلا سود الوجوه وقد ... طوى بأبيضه البتّار ما نشروا
стр. 12558
فدام للدّين والدنيا يسوسهما ... فكنّ فيه له حزر ومستتر
وعمره الجمّ أعياد مجدّدة ... وأشهر بعزيز النصر تشتهر
على الدّوام ولا زالت مدائحه ... تفشى وغرّ القوافى فيه تبتكر
وافاكم بعزيز النّصر فى نفر ... وقاهم الله. ما أو فاهم نفر
قد [١] أيقنوا أنهم جادوا بأنفسهم ... من أجل ذا ظهر الإسلام مذ ظهروا
كم فرّجوا مأزقا ضنكا بمعترك ... وكابدوا فى مجال الموت واصطبروا
فبيّض الله منهم أوجها كرمت ... فإنّهم بالأيادى البيض قد غمروا
وحاطهم أين ما كانوا ولا برحوا ... فى ذمّة الله إن غابوا وإن حضروا
هذا ما كان من خبر هذه الغزوة المباركة ونبذة مما قيل فيها، فلنرجع إلى سياق حوادث سنة اثنتين وما وقع فيها خلاف ما قدمناه. وفى سنة اثنتين وسبعمائة صام الحنابلة من أول شهر رمضان على عادتهم فى الاحتياط، واستكمل الشافعية والمالكية عدّة شعبان [٦٢] ، فلما مضى ثلاثون يوما من صوم الحنابلة لم ير الهلال فأفطروا تكملة للعدّة من يوم صيامهم، وأقاموا الخطبة، وصلّوا صلاة العيد، وصام من عداهم من الشافعية وغيرهم ذلك اليوم الذى عيّد فيه الحنابلة وعيّدوا فى اليوم الثانى. وأقاموا الخطبة، فحصل الإنكار الشديد من نائب السّلطنة فى الشام على متوّلّى نابلس، وهو يومئذ:
بدر الدين الصّوابى؛ كونه مكّن من ذلك ولم يجمع الناس على يوم واحد، ولم يسمع بمثل هذه الوقائع فى بلد واحد. وأما البلاد المتباعدة فقد تختلف مطالعها.
ومن غريب ما وقع فى شهر رمضان ما حكاه ناصر الدين محمد بن عليا بن محمود ابن سليمة الأغرناطى: أنّ أهل أغرناطة [٢] صاموا فى بعض السنين
стр. 12559
شهر رمضان ستة وعشرين يوما. وذلك أنّ الغيوم تراكمت عندهم عدّة شهور قبل شهر رمضان. فاستكملوا عدتها وصاموا شهر رمضان بعد استكمال شعبان وما قبله. ومن عادة أغرناطة أنّ أهلها يحتفلون فى ليلة السابع والعشرين [١] من شهر رمضان، يوقدون المآذن كما تفعل أهل مصر والشام فى نصف شعبان، فلما صعدوا ليوقدوا المآذن- على عادتهم- أقلعت الغيوم فرأوا الهلال وهو هلال شوال؛ فأفطر الناس وعيّدوا، وقضوا صيام أربعة أيام، وهذا أيضا غريب.
ومن غريب الاتفاق فى رؤية الهلال أن الناس بدمشق طلعوا إلى المئذنة لارتقاب هلال رمضان، والحاكم يومئذ بالشام قاضى القضاة شهاب الدين الحموى، وكانت الغيوم قد عمّت السماء، فطلع الناس للعادة مع تحقيقهم أنهم لا يرون شيئا، فاتفق عند ارتقابهم مطلع الهلال انفراج دائرة من الغيم ظهر من تحتها الهلال، فلما عاينه الناس التأم الغيم لوقته، وصام الناس عن رؤية ويقين، وما علمت كان هذا فى أى سنة وإنما نقله لى ثقة أرجع إلى نقله.
ذكر حدوث الزلزلة
وفى يوم الخميس الثالث والعشرين من ذى الحجة سنة اثنتين وسبعمائة عند طلوع الشمس، حدثت زلزلة عظيمة بالقاهرة ومصر وأعمال الديار المصرية كلها، ودمشق والشام أجمع والسّواحل والجبال الشامية، وكان معظمها بالديار المصرية، فهدمت منائر كثيرة، منها: منائر الجامع الحاكمى وشعّثته، وهدمت بعض جدرانه، وتشقّقت مئذنة المدرسة المنصورية على عظمها، وإتقان بنائها، حتى دعت الضرورة إلى هدمها وإعادتها، وهدمت منارة الجامع الظافرى بالقاهرة [٢] ومنارة الجامع الصالحى وغير ذلك، وشعثت جدر جامع عمرو بن العاص بمصر، وانهدم بسببها كثير من العمائر، وأقامت مقدار مضى خمس درج، وكانت مزعجة، وأثرّت بالإسكندرية أثرا عظيما هدمت أكثر المنارات وبعض الأسواق وغرق جماعة كثيرة عند مده وعوده وعدم قماش التجار وجزر
стр. 12560
البحر الملح حال الزلزلة، وانطرد عن مكانه. ثم مدّ حتى دخل الصناعة، ووصل إلى الأسوار الذى كان عند القصارين بجملته، وأثرّت هذه الزلزلة بصفّد أثرا عظيما، وسقط جانب من قلعتها، وانطرد البحر بعكّا حتى انكشف ما بين عكّا وبرج الذّبّان [١] الذى بالبحر [٢] ومسافته بعيدة، وظهر أنه كان [٣] بساحلها أشياء مما ألقاه أهل عكّا فى البحر لما حاصرها المسلمون، فتبادر من كان هناك بالنزول لأخذ ما ظهر لهم، فجاء الماء أمثال الجبال فغرقوا، ووصل فى مدّه إلى قرب تل الفضول، وخربت دمنهور الوحش- وهذه مدينة أعمال البحيرة- خرابا شنيعا؛ وأبيارا [٤] ، وغير ذلك من البلاد، ولعظم هذه الزلزلة بالديار المصرية أرّخ كثير من العوامّ بها فهم يذكرونها إلى وقتنا هذا.
ولمّا أثّرت هذه الزلزلة بالجوامع ما أثّرت، اهتمّ الأمراء بالديار المصرية بها، فعمرّ الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة ما تشعّث بجامع عمرو بن العاص بمصر، وعمّر ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار، جامع الحاكم بالقاهرة، وجدد مآذنه وسقوفه، وبيّضه وبلّطه، وأصلحه إصلاحا جيّدا حتى عاد أحسن مما كان، ووقف عليه أوقافا متوفرة، ورتّب فيه من الدروس ووجوه البرّ والخير ما نذكره إن شاء الله تعالى فى سنة ثلاث وسبعمائة.
وأعيدت المئذنة المنصورية من مال الوقف ليصرفه، وصرف فى عمارتها فى نصفها الذى هدم وهو من سطح القبّة إلى انتهائها ما عدا ما يقارب تسعين ألف درهم، خارجا عمّا استعمل من أحجارها المنقوضة منها، وعن تفاوت أجر الأسرى وما حمل على ذوات [٥] مرمات الوقف.
стр. 12561
وندب لعمارتها الأمير سيف الدين كهرداش الناصرى، وعادت أحسن ما كانت، وعمّر ما تشعّث من الجامع الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، وعمّر الجامع الصّالحى الذى هو خارج باب زويلة، والجامع الظافرى من الأبواب السلطانية، وعمرت سائر الأماكن والمساجد [١٢] التى تهدمت بالقاهرة ومصر حتى عادت أحسن مما كانت والحمد لله وحده [١] .
وفى هذه السنة توفّى فارس الدين ألبكى الساقى المنصورى [٢] ، نائب السّلطنة بحمص، فى يوم الثلاثاء ثامن ذى القعدة بها، وفوضّت نيابة السّلطنة بحمص بعده إلى الأمير عز الدين أيبك الحموى الظاهرى نقل إليها من صرخد.
وتوفّى الأمير سيف الدين سنقر العين تابى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بدمشق فى ليلة الجمعة ثامن عشر ذى القعدة، ودفق بسفح قاسيون ﵀، وتوفّى بدمشق الشيخ الفاضل كمال الدين أبو العباس أحمد بن أبى الفتح محمود الشّيبانى المعروف بابن العطار [٣] ، أحد أعيان كتّاب الدّرج بدمشق، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من ذى القعدة، وصلّى عليه بالجامع، الرابعة من النهار، ودفن بتربته بقاسيون، وكان رحمه الله تعالى فاضلا ديّنا خيّرا، سمع الكثير من الحديث النبوى، وله نظم ونثر.
ذكر وفاة الأمير زين الدين كتبغا المنصورى وهو الملك العادل [٤]
كانت وفاته يوم الجمعة- رحمه الله تعالى- وهو يوم عيد الأضحى من سنة اثنتين وسبعمائة بحماه، ونقل منها ودفن بتربته بجبل الصالحية بدمشق،
стр. 12562
وقد قدّمنا من أخباره وتنقلاته وتقلب الأيام به من الأسر فى حال شبيبته والمبيع، ثم الإمرة ونيابة السلطنة، ثم السّلطنة والخلع، والإمرة والنّيابة عن السّلطنة بحماه ما يستغنى عن إعادته.
ولمّا مات فوّضت نيابة السّلطنة بحماه بعده إلى الأمير سيف الدين فبجاق المنصورى، نقل إليها من نيابة الشوبك- والله أعلم.
واستهلت سنة ثلاث وسبعمائة .
ذكر الجلوس بالمدرسة الناصرية [١] والقبة وأوقاف ذلك وشروطه
فى هذه السنة فى أوّلها فتحت المدرسة المباركة النّاصرية، والقبّة الشريفة، وانتصب المدرسون والفقهاء بالمدرسة، والقراء بالقبّة، وجلس شيخ الحديث برواق القبة- وفوّض التدريس بالمدرسة لمن نذكرهم، وهم: قاضى القضاة زين الدين على المالكى [٢] ، والطائفة المالكية جلسوا فى الايوان القبلى بالمدرسة بمقتضى شرط الواقف لهم، وقاضى القضاة شمس الدّين أحمد السروجى [٣] الحنفى، والطائفة الحنفية جلسوا فى الإيوان الغربى، وقاضى القضاة شرف الدين عبد الغنى الحرانى الحنبلى [٤] ، والطائفة الحنابلة بالايوان الشرقى وكان جلوسهما بهذين الإيوانين بخلاف شرط الواقف، فإنه جعل الإيوان
стр. 12563
الشرقى للحنفية، والإيوان الغربى للحنابلة، فجلسا على عكس الشرط، ولعل ذلك عن غير قصد، ثم انتقض ذلك على ما نذكره.
وجلست كل طائفة منها فى المكان المعيّن لها بشرط الواقف، وجلس القاضى صدر الدّين محمّد بن الشيخ زين الدين المعروف بابن المرحّل [١] ، والطائفة الشّافعية بالإيوان البحرى، وحضر درسه الأمير عز الدين أيبك البغدادى وزير الدّولة ومدبّرها.
وهذه المدرسة والقبة كان أنشأهما الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى فى أيام سلطنته، واشترى أرضهما، وكانت دارا تعرف بالرشيدى، وحمّاما ومساكن، [١٣] فابتاع ذلك وهدمه، وأنشأقبّة ومدرسة. وكملت عمارة القبة، وبنى من المدرسة إيوانها القبلىّ وبعض ما يليه، ثم خلع الملك العادل من السلطنة- كما تقدم- فغلّقت المدرسة وبطلت عمارتها، فلما عاد السلطان الملك النّاصر إلى السلطنة ثانيا فى سنة ثمان وتسعين وستمائة. حسّن له قاضى القضاة زين الدين المالكى ابتياعها وتكملة عمارتها وإتقانها، فابتاعها وعوّض الملك العادل، عن ثمنها حصصا من ضياع من أملاكه بدمشق، وحصل الشروع فى عمارتها، وعيّن لها من الأملاك السلطانية ما يوقف عليها، وكان المعيّن لذلك قاضى القضاة زين الدين المالكى، وهو يومئذ ناظر الأملاك السلطانية التى ورثها السلطان عن والده وإخوته، والمبتاعة من أجر أملاكه، وكانت أجرتها فى كل شهر بالقاهرة وظواهرها خاصة تزيد على ثمانية عشر ألف درهم.
ولما عزم السلطان على الحركة إلى الشام للقاء غازان وحزبه عند طروقه الشام وقف القبّة والمدرسة، ووقف على مصالحهما من أملاكه [٢] ما يذكر،
стр. 12564
وذلك فى الثانى والعشرين من ذى الحجة سنة ثمان وتسعين وستمائة قبل استقلال ركابه الشريف إلى الشام بيومين، وكان قاضى القضاة زين الدين قد رتّب كتاب وقف [١] ، جعل النظر فيه على الوقف، والمدرسة والقبّة لنفسه أيام حياته، ثم من بعده للأرشد فالأرشد من أولاده وأولادهم وذريّتهم، ثم من بعدهم لقاضى القضاة المالكى، وشرط أيضا التدريس فى إيوان المالكية لنفسه ولأولاده من بعده، وكتب الكتاب ووقع الإشهاد على السلطان فيه بذلك، فضاق شهاب الدين أحمد بن عبادة من ذلك، وكان قاضى القضاة زين الدين قد استخدمه مشارفا بالديوان الناصرى، وتقدم عند السلطان، وأوضح للسلطان أمر الوقف وبيّنه له، وقال: إن قاضى القضاة إنّما جعل هذا لنفسه ولأولاده وذرّيّته ولم يجعل للسلطان ولا لعتقائه فى ذلك شيئا، وحسّن للسلطان تغيير كتاب الوقف، وأن يجعل النظر فيه لعتيقه الطواشى شجاع الدين عنبر اللّالا ومن بعده للأمثل فالأمثل من عتقاء الواقف، ثم عتقاء والده؛ ففعل ذلك، وجعل له أن يتناول من ريع الوقف المذكور فى كل شهر ثلاثمائة درهم نقرة [٢] مدة حياته.
وجعل لمن يؤول النظر إليه بعده فى كل شهر مائتى درهم، وأبطل الكتاب الأوّل وثبّت الكتاب الثانى.
وسألت شهاب الدين بن عبادة عن السبب الحامل له على إخراج النظر عن قاضى القضاة ونقله إلى غيره. فقال: إنه جعل النّظر والتّدريس لنفسه ولأولاده من بعده، وما جعل لى منه نصيبا، ولا ذكر لى وظيفة، وكنت طلبت منه أن يجعلنى مشارفا بشرط الواقف فشحّ علىّ بذلك، فأخرجت النّظر عنه وعن ذرّيته.
وقد رأيت أن أذكر ملخّص ما تضمّنه كتاب وقف القبّة والمدرسة، وما رتب فيهما فيه من أرباب الوظائف، وما شرط لهم من المعلوم، وما شرط
стр. 12565
عليهم، والجهات الموقوفة على ذلك، وما يتحصل من أجورها فى كل شهر وألخص المقاصد فيه مع عدم الإخلال بها، ولا أحذف منها إلّا حشو الكتاب الذى لا يخل حذفه بالمعنى، وأورد ذلك بمقتضى كتاب الوقف وارتفاع الجهات الموقوفة بمقتضى حساب المباشرين، والذى حملنى على ذلك وأوجب لى إيراده فى هذا الكتاب مع ما فيه من الإطالة والخروج عن القاعدة التاريخية ما وقع فى مثل ذلك من إخفاء كتب الأوقاف إذا تطاول عليها المدد، وبعد العهد بالأوقاف والشروط، وتداولها النّظّار والمباشرون واستولوا على الأوقاف وغيّروا المصارف عن شروط الواقفين، ونسبوها إلى العادة، فيخرج عن شرط الواقف إلى رأى المباشرين [١] ، وعادة الصرف. ثم بعثنى على ذلك وأكّده عندى ما وقع فى هذه المدرسة المباركة فى ابتداء أمرها مع بقاء واقفها- خلد الله سلطانه- وتوفر الداعى على ملاحظتها، ونصب [٢] قضاة القضاة وأعيان العلماء ونبلاء الفقهاء فى دروسها، ومع ذلك كلّه حصل الخروج فيها عن شرط واقفها فى كثير من أحوالها، واختصر المرتب عن شرط الواقف مع توفّر المال وزيادته عن كفاية الشروط، وإنما ظهر ذلك عند وفاة ناظرها الطواشى شجاع الدين فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وظهور كتاب الوقف، ولعلّ الناظر المذكور لم يفعل ذلك عن علم واطلاع على الشّروط، وإنما فعله عن اغفال وإهمال وجهل وعدم احتفال بإمعان النظر فيما أسند إليه، واعتمد فيه عليه [١٤] ، فلما أسند النّظر إلى أهله، وانتهى إلى من يتحرىّ الصّواب فى قوله وفعله، أجرى الأمور فيها على شرط واقفها، وصرف أموالها فى وجوه مصارفها، وما عدل عن شرط الواقف ولا خرج، ولا اعتمد ما يترتب عليه فيه أدنى حرج [٣] ، والذى تضمنه كتاب الوقف الثانى الصادر عن مولانا السلطان الملك الناصر، ناصر الدنيا والدين أبى المعالى محمد بن السلطان الشهيد الملك المنصور سيف الدنيا والدين قلاوون الصالحى- خلد الله تعالى سلطانه، وأفاض على الكافة عدله وإحسانه- أنه وقف جميع المكان أرضا وبناء، وما هو من حقوقه،
стр. 12566
والساحة التى هى أمام المكان المذكور التى هى من حقوقه، وذلك بعد أن كملت عمارة القبة، وقبل أن تكمل عمارة المدرسة، وشرط تكملة عمارتها وإنشاء المئذنة، فقال بعد الوصف لها والتحديد ما معناه [١] بعد ذكر ألفاظه وتحرير مقاصده:
أمّا القبّة فإنه وقفها للقرّاء بها، وشيخ الحديث
والإمام والمؤذنين والقومة والفراشين والخدّام والمترددين والمجتازين [٢] لها للصلوات وأداء الفرائض والواجبات، وسماع [٣] القرآن العظيم وحديث النبى- ﷺ خلا موضع الضّريح الذى بوسط القبة فإنّه مرصد للدّفن، وخلّى بينهم وبين القبّة المذكورة، وأذن لهم فى الدخول إليها والصلاة فيها على العادة فى مثل ذلك، فصار لا حقّ له فيها إلا كسائر الناس أجمعين، وجعل للناظر أن يرتّب بالقبة المذكورة إماما يؤمّ بالمسلمين فى الصلوات الخمس، ويفعل ما يفعله الأئمة على ما يراه الناظر من المذاهب، ويؤدى إليه اجتهاده، ويصرف له فى كل شهر- بالهلال- ثمانين درهما أو ما يقوم مقامها، ويرتّب فيها شيخا لإقراء الحديث النّبوى ينتصب فى المكان الذى يعيّنه الناظر منها فى الوقت الذى يجعله له لمن يقصده، ويشغل عليه به، أو لسماع الحديث وتصحيحه، ويصرف له من ريع الوقف فى كل شهر ثلاثين درهما نقرة ويرتب بها من القراء الحافظين لكتاب الله العزيز خمسة وعشرين نفرا على ما يراه فى ترتيبهم فى النوبة، يقرءون ما تيسر لهم قراءته ليلا ونهارا فى الوقت الذى يعيّنه لهم ويدعون عقيب قراءتهم للواقف ووالديه بالرحمة والرضوان وجميع المسلمين، ويصرف لهم فى كل شهر خمسمائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويرتّب بالقبة والمدرسة من المؤذنين ثمانية نفر يجعل من العدد رئيسين [٤] عارفين بالأوقاف يعلنون بالأذان الشرعى فى المئذنة التى تنشأ على الباب ليلا ونهارا وإقامة الصلوات والتسبيح، والتذكار فى الأسحار
стр. 12567
على ما يراه الناظر متناوبين أو مجتمعين، وعلى ما يراه من ترتيبهم فى القبة والمدرسة، ويصرف لهم فى كل شهر مائتى درهم وثلاثين درهما نقرة يصرف للرئيسين فى كل شهر ثمانين درهما على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويصرف للستّة الباقين فى كل شهر مائة درهم وخمسين درهما على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويرتب بالقبة من القومة اثنين يقومان بخدمة القبة المذكورة والإيوان والساحة التى من حقوقها، ووقود مصابيحها، والكنس والتنظيف والغسل للصحن المرخم، ودائره والسقاية التى للقبّة وإماطة الأذى عن ظاهرها كعادة القومة فى مثل ذلك. ويصرف لهما فى كل شهر ثمانية وخمسين درهما نقرة أو ما يقوم مقامها على ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بها ثلاثة من الفراشين الذين خبروا الخدمة، يقومون بفرش القبّة المذكورة، ورفع فرشها فى الأوقات المعهود ذلك فيها، ويفعلون ما يفعله مثلهم فى مثل ذلك، ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم وواحدا [١] وستين درهما نقرة، من ذلك ما يصرف للحاج صبيح القطبى أحد الفراشين مائة درهم نقرة فى كل شهر، أو ما يقوم مقامها من النقود مادام حيّا مباشرا، وباقيها لرفيقيه [٢] بينهما على ما يراه الناظر من التسوية والتفضيل. فإن توفّى صبيح المذكور، أو تعذر مباشرته بسبب من الأسباب وزال استحقاقه عوّض الناظر مكانه غيره من شاء [٣] ، ويصرف له أسوة برفيقيه [١٥] والباقى منه يعود فى مصالح الوقف.
ويرتب بها أربعة من الخدام من عتقاء الواقف، فإن لم يوجد من عتقائه فمن عتقاء والده. ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم وستين درهما على ما يراه الناظر من التسوية والتفضيل، فإن لم يوجد من عتقائه ولا عتقاء والده وتعذرت مباشرة الخدام بوجه من وجوه التّعذّرات رجع ما كان يصرف لهم على المصالح المذكورة.
стр. 12568
ويرتب بها بوّابا حافظا لها يحتاط فى الداخلين والخارجين، ويمنع المرتبات بهم، ومن يكثر الدخول لغير حاجة، ولا يترك الباب [١] إلا لعذر ويستخلف مكانه زمان [٢] غيبته، ويصرف له فى كل شهر عشرين درهما أو ما يقوم مقامها.
ويصرف فى ثمن زيت يستصبح به بالقبة المذكورة وما حوته من الأماكن ما يراه، وفى ثمن حصر من العبادانى الأحمر أو الأبيض بحسب ما يراه، وفيما يحتاج إليه من القناديل والبصّاقات والسلاسل والأباريق والكيزان، وجميع ما يحتاج إليه ما يراه.
وأما الموضع الذى فيه الأواوين الأربعة وما به من البيوت السفلية والعلوية والقاعة المجاورة للإيوان القبلى وما حواه من الأبنية فإنه وقف ذلك على المدرسين بها، والمعيدين والفقهاء المتفقهين بها المشتغلين بالعلم الشريف على مذاهب الأئمة الأربعة، وعلى الإمام والمؤذنين والقومة والبوّاب بهذه المدرسة وغير ذلك، يسكن بها المدرسون والمعيدون والفقهاء والأئمة فى بيوتها للاشتغال بالعلم الشريف، ويؤدى كل واحد منهم ما يلزمه بهذه المدرسة على العادة فى مثلها وعلى المترددين بهذه المدرسة، والمجتازين للصلوات وأداء الفرائض، وخلّى بين المسلمين وبينها تخلية شرعية، وأذن لهم فى الصلاة فيها، وصار حكمها حكم سائر المدارس.
وجعل للناظر أن يرتب بالمدرسة المذكورة فى كل من أواوينها الأربعة مدرسيها على المذاهب الأربعة، ينتصب المدرس المالكى المذهب بالإيوان القبلى، والمعيدون المالكية والطلبة المالكية فى الوقت الذى يعين فيه، وهو ما بين طلوع الشمس إلى زوالها، أى وقت رآه المدرس من ذلك لإلقاء فروع مذهبه، وما تيسر له من إلقائه من تفسير وأصول وغير ذلك، بحيث يلازم الجلوس على العادة فى الوقت المعيّن بعد أن يتيمّن كلّ واحد من المدرسين هو وجماعته بقراءة ما تيسّر من القرآن الحكيم، إمّا من ربعة [٣] أو من
стр. 12569
صدورهم، ويدعون عقيب ذلك للواقف، وسائر المدرسين. ويعيّن من المعيدين المالكية ما يراه الناظر من العدد.
وكذلك ينتصب المدرس الشافعى المذهب بالإيوان البحرى كما حكى بأعاليه هو ومن يعيّنه الناظر من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور.
وكذلك ينتّصب المدرّس الحنفى المذهب ومن معه من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور فى الإيوان الشرقى وكذلك ينتصب المدرس الحنبلى المذهب ومن معه من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور بالإيوان الغربى، ويعين الناظر لكل مدرس منهم من المعيدين والطلبة ما يراه من العدد.
وينتصب كل معيد ممن عيّن فى جهته لأهل مذهبه لاستعراض طلبته، ويشرح لمن احتاج [١] الشرح درسه ويصحح له مستقبله [٢] ، ويرغّب الطلبة فى الاشتغال، ولا يمنع فقيها أو مستفيدا ما يطلب من زيادة تكرار وتفهّم معنى، ولا يقدم أحدا من الطلبة فى غير نوبته إلّا لمصلحة ظاهرة، ويشتغل كل واحد من الطلبة بما [٣] يختاره من أنواع العلوم الشرعية، ويراه المدرس له على مذهبه، ويبحث فى كل ما أشكل عليه من ذلك، ويراجع فيه، وأن ينظر المدرس فى طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال، ويجعل من يختاره نقيبا عليهم، ويقرر له ما شاء.
ويصرف لكل واحد من المدرسين ولمعيديه وطلبته، والداعى عنده والنقيب، فى كل شهر من شهور الأهلة ألف درهم نقرة، من ذلك ما يختص به المدرس عن التدريس مائتا درهم، والمعيدين والطلبة والداعى والنقيب ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بالمدرسة المذكورة بالإيوان القبلى بها إماما [١٦] يؤم بالمسلمين فى الصلوات الخمس على أى مذهب كان من المذاهب الأربعة، يقوم بوظيفة الإمامة كجارى عادة المدارس، ويصرف له فى كل شهر ثمانين درهما.
стр. 12570
ويرتّب من المؤذنين الثمانية المشار إليهم من يختاره كما بين فيه، ويرتب بها أربعة من القومة العارفين بما يلزمهم، من ذلك يقومون بخدمة المدرسة، ووقود مصابيحها، وكنسها وتنظيفها، وتنظيف فسقيتها ودائرها، وتنظيف السقاية وغسل ما بظاهرها من الأوساخ كجارى عادة القومة فى مثلها، ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بها شاهدا لخزانة الكتب يحفظ ما فيها [١] من الكتب، ويضبط ما يؤخذ منها للاشتغال بها، بحيث لا تخرج الكتب من المدرسة، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما أو ما يقوم مقامها من النقود.
ويرتب بالمدرسة بوابا بالباب الكبير الجامع للقبة والمدرسة حافظا محتاطا فى أمور المدرسة والقبة من الداخلين إليها والخارجين، مانعا من يرتاب به، ومن يكثر الدخول لغير حاجة، ويلازم حفظ الباب ليلا ونهارا، وفتحه وغلقه فى الأوقات المعهود ذلك فيها، ولا ينفصل عن الباب إلا بعذر، فإن اتفق له عذر استخلف فى موضعه من يختاره عنه حين غيبته، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما نقرة [٢] وما يقوم مقامها من النقود ويرتب سوّاقا لإدارة الساقية، وإجراء الماء من البئر إلى الصحن أمام إيوان القبة، وإلى الفسقية التى بوسط المدرسة، وإلى الميضأة التى بالمدرسة، ويفعل ما جرت العادة فى مثل ذلك، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما، ويصرف فى ثمن ثور لإدارة الساقية المذكورة ما يراه، ويؤدى إليه اجتهاده، ويصرف فى ثمن ما تحتاج إليه الساقية من الخشب والآلات والنّجر والحديد ما يراه.
ويصرف فى ثمن زيت الزّيتون أو ما يقوم مقامه مما يستصبح به فى المدرسة المذكورة، والأواوين الأربعة والمطلع ولسكن الطلبة والميضأة ما يراه ويؤدى إليه اجتهاده.