والساحة التى هى أمام المكان المذكور التى هى من حقوقه، وذلك بعد أن كملت عمارة القبة، وقبل أن تكمل عمارة المدرسة، وشرط تكملة عمارتها وإنشاء المئذنة، فقال بعد الوصف لها والتحديد ما معناه [١] بعد ذكر ألفاظه وتحرير مقاصده:
أمّا القبّة فإنه وقفها للقرّاء بها، وشيخ الحديث
والإمام والمؤذنين والقومة والفراشين والخدّام والمترددين والمجتازين [٢] لها للصلوات وأداء الفرائض والواجبات، وسماع [٣] القرآن العظيم وحديث النبى- ﷺ خلا موضع الضّريح الذى بوسط القبة فإنّه مرصد للدّفن، وخلّى بينهم وبين القبّة المذكورة، وأذن لهم فى الدخول إليها والصلاة فيها على العادة فى مثل ذلك، فصار لا حقّ له فيها إلا كسائر الناس أجمعين، وجعل للناظر أن يرتّب بالقبة المذكورة إماما يؤمّ بالمسلمين فى الصلوات الخمس، ويفعل ما يفعله الأئمة على ما يراه الناظر من المذاهب، ويؤدى إليه اجتهاده، ويصرف له فى كل شهر- بالهلال- ثمانين درهما أو ما يقوم مقامها، ويرتّب فيها شيخا لإقراء الحديث النّبوى ينتصب فى المكان الذى يعيّنه الناظر منها فى الوقت الذى يجعله له لمن يقصده، ويشغل عليه به، أو لسماع الحديث وتصحيحه، ويصرف له من ريع الوقف فى كل شهر ثلاثين درهما نقرة ويرتب بها من القراء الحافظين لكتاب الله العزيز خمسة وعشرين نفرا على ما يراه فى ترتيبهم فى النوبة، يقرءون ما تيسر لهم قراءته ليلا ونهارا فى الوقت الذى يعيّنه لهم ويدعون عقيب قراءتهم للواقف ووالديه بالرحمة والرضوان وجميع المسلمين، ويصرف لهم فى كل شهر خمسمائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويرتّب بالقبة والمدرسة من المؤذنين ثمانية نفر يجعل من العدد رئيسين [٤] عارفين بالأوقاف يعلنون بالأذان الشرعى فى المئذنة التى تنشأ على الباب ليلا ونهارا وإقامة الصلوات والتسبيح، والتذكار فى الأسحار
стр. 12567
على ما يراه الناظر متناوبين أو مجتمعين، وعلى ما يراه من ترتيبهم فى القبة والمدرسة، ويصرف لهم فى كل شهر مائتى درهم وثلاثين درهما نقرة يصرف للرئيسين فى كل شهر ثمانين درهما على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويصرف للستّة الباقين فى كل شهر مائة درهم وخمسين درهما على ما يراه من التسوية والتفضيل، ويرتب بالقبة من القومة اثنين يقومان بخدمة القبة المذكورة والإيوان والساحة التى من حقوقها، ووقود مصابيحها، والكنس والتنظيف والغسل للصحن المرخم، ودائره والسقاية التى للقبّة وإماطة الأذى عن ظاهرها كعادة القومة فى مثل ذلك. ويصرف لهما فى كل شهر ثمانية وخمسين درهما نقرة أو ما يقوم مقامها على ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بها ثلاثة من الفراشين الذين خبروا الخدمة، يقومون بفرش القبّة المذكورة، ورفع فرشها فى الأوقات المعهود ذلك فيها، ويفعلون ما يفعله مثلهم فى مثل ذلك، ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم وواحدا [١] وستين درهما نقرة، من ذلك ما يصرف للحاج صبيح القطبى أحد الفراشين مائة درهم نقرة فى كل شهر، أو ما يقوم مقامها من النقود مادام حيّا مباشرا، وباقيها لرفيقيه [٢] بينهما على ما يراه الناظر من التسوية والتفضيل. فإن توفّى صبيح المذكور، أو تعذر مباشرته بسبب من الأسباب وزال استحقاقه عوّض الناظر مكانه غيره من شاء [٣] ، ويصرف له أسوة برفيقيه [١٥] والباقى منه يعود فى مصالح الوقف.
ويرتب بها أربعة من الخدام من عتقاء الواقف، فإن لم يوجد من عتقائه فمن عتقاء والده. ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم وستين درهما على ما يراه الناظر من التسوية والتفضيل، فإن لم يوجد من عتقائه ولا عتقاء والده وتعذرت مباشرة الخدام بوجه من وجوه التّعذّرات رجع ما كان يصرف لهم على المصالح المذكورة.
стр. 12568
ويرتب بها بوّابا حافظا لها يحتاط فى الداخلين والخارجين، ويمنع المرتبات بهم، ومن يكثر الدخول لغير حاجة، ولا يترك الباب [١] إلا لعذر ويستخلف مكانه زمان [٢] غيبته، ويصرف له فى كل شهر عشرين درهما أو ما يقوم مقامها.
ويصرف فى ثمن زيت يستصبح به بالقبة المذكورة وما حوته من الأماكن ما يراه، وفى ثمن حصر من العبادانى الأحمر أو الأبيض بحسب ما يراه، وفيما يحتاج إليه من القناديل والبصّاقات والسلاسل والأباريق والكيزان، وجميع ما يحتاج إليه ما يراه.
وأما الموضع الذى فيه الأواوين الأربعة وما به من البيوت السفلية والعلوية والقاعة المجاورة للإيوان القبلى وما حواه من الأبنية فإنه وقف ذلك على المدرسين بها، والمعيدين والفقهاء المتفقهين بها المشتغلين بالعلم الشريف على مذاهب الأئمة الأربعة، وعلى الإمام والمؤذنين والقومة والبوّاب بهذه المدرسة وغير ذلك، يسكن بها المدرسون والمعيدون والفقهاء والأئمة فى بيوتها للاشتغال بالعلم الشريف، ويؤدى كل واحد منهم ما يلزمه بهذه المدرسة على العادة فى مثلها وعلى المترددين بهذه المدرسة، والمجتازين للصلوات وأداء الفرائض، وخلّى بين المسلمين وبينها تخلية شرعية، وأذن لهم فى الصلاة فيها، وصار حكمها حكم سائر المدارس.
وجعل للناظر أن يرتب بالمدرسة المذكورة فى كل من أواوينها الأربعة مدرسيها على المذاهب الأربعة، ينتصب المدرس المالكى المذهب بالإيوان القبلى، والمعيدون المالكية والطلبة المالكية فى الوقت الذى يعين فيه، وهو ما بين طلوع الشمس إلى زوالها، أى وقت رآه المدرس من ذلك لإلقاء فروع مذهبه، وما تيسر له من إلقائه من تفسير وأصول وغير ذلك، بحيث يلازم الجلوس على العادة فى الوقت المعيّن بعد أن يتيمّن كلّ واحد من المدرسين هو وجماعته بقراءة ما تيسّر من القرآن الحكيم، إمّا من ربعة [٣] أو من
стр. 12569
صدورهم، ويدعون عقيب ذلك للواقف، وسائر المدرسين. ويعيّن من المعيدين المالكية ما يراه الناظر من العدد.
وكذلك ينتصب المدرس الشافعى المذهب بالإيوان البحرى كما حكى بأعاليه هو ومن يعيّنه الناظر من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور.
وكذلك ينتّصب المدرّس الحنفى المذهب ومن معه من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور فى الإيوان الشرقى وكذلك ينتصب المدرس الحنبلى المذهب ومن معه من المعيدين والطلبة فى الوقت المذكور بالإيوان الغربى، ويعين الناظر لكل مدرس منهم من المعيدين والطلبة ما يراه من العدد.
وينتصب كل معيد ممن عيّن فى جهته لأهل مذهبه لاستعراض طلبته، ويشرح لمن احتاج [١] الشرح درسه ويصحح له مستقبله [٢] ، ويرغّب الطلبة فى الاشتغال، ولا يمنع فقيها أو مستفيدا ما يطلب من زيادة تكرار وتفهّم معنى، ولا يقدم أحدا من الطلبة فى غير نوبته إلّا لمصلحة ظاهرة، ويشتغل كل واحد من الطلبة بما [٣] يختاره من أنواع العلوم الشرعية، ويراه المدرس له على مذهبه، ويبحث فى كل ما أشكل عليه من ذلك، ويراجع فيه، وأن ينظر المدرس فى طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال، ويجعل من يختاره نقيبا عليهم، ويقرر له ما شاء.
ويصرف لكل واحد من المدرسين ولمعيديه وطلبته، والداعى عنده والنقيب، فى كل شهر من شهور الأهلة ألف درهم نقرة، من ذلك ما يختص به المدرس عن التدريس مائتا درهم، والمعيدين والطلبة والداعى والنقيب ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بالمدرسة المذكورة بالإيوان القبلى بها إماما [١٦] يؤم بالمسلمين فى الصلوات الخمس على أى مذهب كان من المذاهب الأربعة، يقوم بوظيفة الإمامة كجارى عادة المدارس، ويصرف له فى كل شهر ثمانين درهما.
стр. 12570
ويرتّب من المؤذنين الثمانية المشار إليهم من يختاره كما بين فيه، ويرتب بها أربعة من القومة العارفين بما يلزمهم، من ذلك يقومون بخدمة المدرسة، ووقود مصابيحها، وكنسها وتنظيفها، وتنظيف فسقيتها ودائرها، وتنظيف السقاية وغسل ما بظاهرها من الأوساخ كجارى عادة القومة فى مثلها، ويصرف لهم فى كل شهر مائة درهم بينهم على ما يراه من التسوية والتفضيل.
ويرتب بها شاهدا لخزانة الكتب يحفظ ما فيها [١] من الكتب، ويضبط ما يؤخذ منها للاشتغال بها، بحيث لا تخرج الكتب من المدرسة، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما أو ما يقوم مقامها من النقود.
ويرتب بالمدرسة بوابا بالباب الكبير الجامع للقبة والمدرسة حافظا محتاطا فى أمور المدرسة والقبة من الداخلين إليها والخارجين، مانعا من يرتاب به، ومن يكثر الدخول لغير حاجة، ويلازم حفظ الباب ليلا ونهارا، وفتحه وغلقه فى الأوقات المعهود ذلك فيها، ولا ينفصل عن الباب إلا بعذر، فإن اتفق له عذر استخلف فى موضعه من يختاره عنه حين غيبته، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما نقرة [٢] وما يقوم مقامها من النقود ويرتب سوّاقا لإدارة الساقية، وإجراء الماء من البئر إلى الصحن أمام إيوان القبة، وإلى الفسقية التى بوسط المدرسة، وإلى الميضأة التى بالمدرسة، ويفعل ما جرت العادة فى مثل ذلك، ويصرف له فى كل شهر ثلاثين درهما، ويصرف فى ثمن ثور لإدارة الساقية المذكورة ما يراه، ويؤدى إليه اجتهاده، ويصرف فى ثمن ما تحتاج إليه الساقية من الخشب والآلات والنّجر والحديد ما يراه.
ويصرف فى ثمن زيت الزّيتون أو ما يقوم مقامه مما يستصبح به فى المدرسة المذكورة، والأواوين الأربعة والمطلع ولسكن الطلبة والميضأة ما يراه ويؤدى إليه اجتهاده.
стр. 12571
ويصرف فيما تحتاج إليه المدرسة المذكورة من الحصر والقناديل والبصاقات الزّجاج والأطباق النحاس والسلاسل والأباريق والجرار وجميع ما يحتاج إليه بالمدرسة المذكورة ما يراه، ويؤدى إليه اجتهاده.
ويصرف الناظر فى كل سنة فى ملء الصهريج من بحر النيل المبارك ثمن ستمائة راوية ما يراه ويؤدى إليه اجتهاده.
وجعل الواقف أعز الله نصره النظر فى هذا الوقف لعتيقه الطواشى شجاع الدّين عنبر بن عبد الله الحرّ الّلالا [١] أيام حياته، ثم من بعده يكون النظر للأمثل فالأمثل من عتقاء الواقف فإن استوى اثنان فأكثر قدّم الأكبر سنا مع ظهور الأهلية لذلك، فإن استووا أقرع بينهم ثم بعدهم يكون النظر لعتقاء والد الواقف للمذكور الأمثل فالأمثل صح منهم فإن استوى اثنان فأكثر قدّم الأكبر سنّا مع ظهور [٢] أهليته لذلك، فإن استووا أقرع بينهم، فإن انقرض عتقاؤه وعتقاء والده أو تعذر نظر أحد منهم كان النظر فى ذلك والولاية عليه لحاكم المسلمين، فإن عاد إمكان نظر من تعذّر نظره عاد النظر إليه، فإن تعذر أيضا كان لحاكم المسلمين يجرى الحال فى ذلك أبد الآبدين.
وفى ظهر كتاب الوقف المذكور إسجال على قاضى القضاة شمس الدين أحمد السّروجى الحنفى، يتضمّن أن الحاكم الآيل النظر إليه يكون مالكّى المذهب. وشرط الواقف أن لكل من له وظيفة فى هذا الوقف المذكور أن يستنيب عنه عند ضرورة لسفر أو مرض، وأن لكلّ من المدرسين والطلبة والمعيدين البطالة المعروفة فى رجب وشعبان ورمضان وعشر ذى الحجة من كل سنة على جارى العادة فى مثل ذلك، وأن من شرط هذا الواقف أن يتعاهد إثباته عند الحكام، ويحفظ بتواتر الشهادات، كل ذلك بعد البدأة بعمادة الوقف ومرمّته وصلاحه وإصلاحه [٣] وما فيه الإفضاء إلى بقاء عينه، ودوام منفعته، ونموّ غلّته، وما فضل بعد ذلك يصرف فى المصارف المعينة فيه على أنّ الناظر فيه يؤجّره وما شاء منه مدة سنة فمادونها بأجرة المثل فما فوقها،
стр. 12572
ولا يزيد على السنة إلّا لمصلحة ظاهرة للوقف، أو ضرورة لابد منها، ويؤجره إذ ذاك مدة تفى أجرتها بالضرورة، ويسلك فى ذلك الاستغلال الشرعى بحيث لا يفّرّط ولا يفرط، ولا يعدل عن السنن المتوسطة، ومهما حصل من ريع الوقف وهو ما ذكره ووصفه وحدّده.
ونحن الآن نذكر الوقف المذكور على القبة والمدرسة بمقتضى كتاب الوقف، ونذكر أجرة كل مكان منه بمقتضى حساب المباشرين، ثم نذكر ما تجدّد من الأماكن الجارية [١٧] فى الوقف المذكور بعد صدور كتاب الوقف المشروح على ما نقف على ذلك إن شاء الله تعالى.
والأماكن الموقوفة بمقتضى الكتاب منها ما هو بالقاهرة المحروسة:
قيسارية أمير [١] . على بخط الشرابشيين [٢] ظاهرها وباطنها، سفلها وعلوها ونربيعيتها، وسائر حقوقها وأجرة هذه القيسارية فى كل شهر على [٣] ما استقر إلى آخر ذى الحجة سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ألف درهم وستمائة درهم وتسعة وخمسون درهما، والقاعة المجاورة للقيسارية المذكورة يتوصل إليها من الزقاق الشارع بدرب قيطون على يسرة السالك فيه إلى أقصاه، وأجرتها فى كل شهر ثمانية وأربعون درهما.
وجميع الرّبع المعروف بالدّهيشة [٤] بخط باب زويلة [٥] . فيما بين البابين
стр. 12573
يعرف سفلها بسكن المجبرين والحريريين، يشتمل على ستة حوانيت ومقاعد فيما بين ذلك، وستة طباق علوية وأجرة ذلك فى كل شهر مائتا درهم وثمانية وستون درهما.
وجميع الحوانيت الثلاثة المتجاورة بخط باب الزهومة [١] ويعرف بسكن العطارين، والسيوفى، ويعلو الحوانيت طبقة ليست من الوقف، وإنما هى من حقوق المسجد المجاور للحوانيت وأجرة هذه الحوانيت فى كل شهر خمسة وسبعون درهما.
وجميع المسمط [٢] والحوانيت التى بظاهره وعدتها سبعة وذلك بالقاهرة بخط باب الخوخة [٣] ، وأجرة ذلك فى كل شهر خمسمائة درهم وخمسة وعشرون درهما.
وجميع الحمام المعروفة بالفخرية [٤] بالقاهرة المحروسة وتجاور المدرسة السيفية [٥] والدار الكبرى المعروفة بالسلطان الملك المنصور، والد الواقف، ويعرف قديما بالسيفى وأجرتها فى كل شهر أربعمائة درهم وتسعون درهما.
وجميع الحمامين المعروفين بالشيخ خضر بظاهر القاهرة بخط بستان ابن صيرم [٦] والجامع الظاهرى، إحداهما لدخول الرجال، والأخرى للنساء وأجرتهما فى كل شهر ألف درهم وخمسمائة درهم وخمسون درهما.
стр. 12574
وجميع خان الطّعم [١] بظاهر دمشق المحروسة، وهو مشهور معروف، وقد وصفه وحدده هكذا «تضمن كتاب الوقف جميع الخان المذكور» وليس كذلك؛ فإن الخان المذكور من جملة الأملاك الموروثة عن السلطان الشهيد الملك المنصور والد السلطان الواقف- قدس الله روحه- والذى كمل للسلطان الملك الناصر- خلد الله ملكه- من الأملاك المخلفة عن والده السلطان الملك المنصور مما جرّه إليه الإرث عن والده السلطان المشار إليه وأخيه الأمير أحمد وأخته جهة عنبر الكمالى، وأخيه الملك الأشرف، وبنات أخيه الملك الأشرف، وأخته داره مختار الجوهرى، وما خصه من نصيب والدته الذى وهبته له ولأخيه الملك الأشرف ولأخته: داره مختار الجوهرى المذكورة، وذلك إلى حين صدور هذا الوقف سبعة عشر سهما ونصف سهم وثمن سهم وسدس عشر سهم وسدس ثمن عشر سهم- هذا الذى لا خلاف فيه ولا نزاع- وهذه الحصة المذكورة هى التى استقرّت فى الوقف من هذا الخان، وإطلاق الكاتب فى كتاب الوقف جميع الخان غلط وغفلة ممن أملاه، أو ذهول ممن عيّن ذلك من المباشرين. وأجرة هذا الخان بجملته فى كل سنة على ما استقر إلى آخر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة تزيد على سبعين ألف درهم، يخص الوقف منها ما يزيد على خمسة وأربعين ألف درهم، ثم تجدد بعد كتاب الوقف المشروح فى الوقف المذكور زيادات منها المقاعد التى أنشئت بالساحة بباب المدرسة، وعدتها ثمانية، ومسطبة ومخزن، أجرتها فى كل شهر مائة درهم وأربعون درهما، ومنها ما اشترى من فائض ريع الوقف وألحق به، وهو نصف وربع وثمن طاحون بمصر.
وأجرة ذلك فى كل شهر سبعة وثمانون درهما، وإسطبل وطبقة بخان السبيل [٢] أجرة ذلك فى كل سنة ستة عشر درهما.
стр. 12575
وجعل الواقف- خلّد الله سلطانه- للناظر فى الوقف المذكور أن يصرف لمباشرى الوقف واستخراجه وصرفه فى مصارفه، ولمباشرى العمارة بالمدرسة والأوقاف، والجابى، والمعمار وغير ذلك ما يراه، ويؤدى إليه اجتهاده. من عدد المباشرين وتسويتهم وتفضيلهم، وجعل للناظر أيضا أن يصرف من ريع الوقف إذا فضل عن المرتب المعين فيه فى ليالى الجمع والأعياد والمواسم وشهر رمضان ما يراه من التوسعة عليهم، فإن تعذّر الصرف لجهة من الجهات عاد الصرف [١٨] إلى باقيها، فإن تعذّر صرف ذلك للفقراء والمساكين من المسلمين أينما كانوا وحيثما وجدوا، فإن زال التعذر عاد على الحكم المذكور، فإن تعذر أيضا كان على الفقراء والمساكين كما تقدم، يصرفه الناظر فيهم على ما يراه من مساواة وتفضيل، وعلى ما يرى صرفه من نقد أو ثوب أو كسوة. أو غير ذلك مما يراه ويؤدى إليه إجتهاده.
ولما تم هذا الوقف وكملت عمارة المدرسة، وجلس المدرسون والمعيدون والفقهاء بالمدرسة، وانتصب كل من ذكر فى هذا الوقف وظيفته صرف الناظر للمدرسين خاصة معلومهم الشاهد به كتاب الوقف، وصرف للمعيدين والفقهاء بكل إيوان من الأواوين الأربعة على مذهبه من جملة ما شرط لهم فى كتاب الوقف. وهو ثمانمائة درهم فى كل شهر ثلاثمائة وخمسون درهما صرف منها لمعيدين لكل منهما فى كل شهر ثلاثين درهما، وصرف للطلبة والنقيب والداعى فى كل شهر مائتى درهم وسبعين درهما، وقطع من هذا المرتب المصروف [١] لهم فى كل [٢] سنة ثلاثة شهور. واستمر ذلك مدة طويلة.
واتفق فى غضون ذلك أن باشرت ديوان الخاص السلطانى بالأبواب الشريفة وغيرها، وسكنت بالمدرسة الناصرية، وآطّلعت على متحصل جهات الوقف بالقاهرة وغيرها، ونظرت فى ذلك، فرأيته يفيض على المصروف فى كل
стр. 12576
سنة جملة كثيرة، فقمت فى ذلك قياما أدى إلى أن صرف لهم ذلك مكملا من غير اقتطاع ثلاثة شهور، واستمر الأمر على ذلك إلى أن توفّى الطواشى شجاع الدين ناظر الوقف فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة، وفوض الأمر إلى الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة، فأظهر كتاب الوقف وأذاعه، وحمل الأمر على حكمه على ما نذكر ذلك- إن شاء الله تعالى- فى موضعه.
ونقل السلطان إلى القبة المباركة ما تحتاج إليه من البسط والشمعدانات الكفت [١] ، والأطباق النحاس، وغير ذلك من الآلات مما جعله فى حاصلها، ونقل والدته من مدفنها بالتربة المجاورة لمشهد السيدة نفيسة إلى مدفن هذه القبة، وذلك فى سنة ثلاث وسبعمائة، وهى أول من دفن بمشهد القبة، ثم دفن بعد ذلك ابنة له توفيت صغيرة- رحمها الله تعالى- وقد أخذ هذا الفصل حدّه من الإطالة، فلنذكر خلاف ذلك من الحوادث، والله أعلم.
وفى سنة ثلاث وسبعمائة أفرج عن الأميرين السيدين الشريفين عزّ الدين حميضة وأسد الدين رميثة ولدى الأمير نجم الدين أبى نمىّ وأعيدا إلى مكة- شرفها الله تعالى.
وفيها فوّضت نيابة السّلطنة يحمص إلى الأمير سيف الدين بلبان الجوكندار المنصورى، نقل من نيابة قلعة دمشق إليها عوضا عن عز الدين أيبك الحموى الظاهرى بحكم وفاته، وكانت وفاته فى يوم الأحد تاسع شهر ربيع الآخر من هذه السنة، وتوجّه الأمير سيف الدين إليها فى ثامن [٢] عشر جمادى الأولى وجعل نائب قلعة دمشق الأمير سيف الدين بهادر السنجرى.
стр. 12577
ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس [١]
وفى هذه السنة جرّدت العساكر إلى بلاد سيس؛ وكان سبب ذلك أنّ طائفة من العسكر الحلبى دخلت إلى بلاد الأرمن للإغارة، فلما رجعوا كبسهم التّتار ببلاد سيس، وسلموا؛ فرسم بتجريد العساكر إليها، وجرّد من الديار المصرية فى شعبان الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، وهو المقدّم على الجيش، والأمير شمس الدين سنقر جاه المنصورى، والأمير علم الدين سنجر الصوابى ومضافيهم، فوصلوا إلى دمشق ودخلوا إليها فى ثلاثة أيام، أولها يوم السبت ثانى عشر شهر رمضان، وآخرها يوم الاثنين رابع عشره، وجرّد من دمشق الأمير سيف الدين بهادر آص ومن تبعه فى ألفى فارس، وتوجهوا بجملتهم فى يوم الخميس سابع عشر رمضان، وجرّد [١٩] الأمير سيف الدين قبجق بعسكر حماه، والأمير سيف الدين أسندمر كرجى بعسكر الفتوحات، والأمير سيف الدين بلبان الجوكندار بعسكر حمص، والعسكر الحلبى صحبة الأمير شمس الدين قراسنقر.
ولما وصل العسكر إلى حلب حصل للأمير فخر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح مقدم العسكر المصرى مرض منعه من الدخول إلى سيس؛ فأقام بحلب، وتوجّهت العساكر، وافترقوا فرقتين؛ فتوجّه الأمير سيف الدين فبجق بنصف العسكر من جهة قلعة [٢] الرّوم إلى صوب ملطية [٣] ، والفرقة الأخرى إلى دربند [٤] فأغاروا ونهبوا وقتلوا وأسروا من ظفروا به، ثم رجعوا ونازلوا تل
стр. 12578
حمدون [١] وحاصروها، واستولوا عليها فى يوم الخميس ثالث عشر ذى القعدة، وملكت بالأمان، وكان قد اجتمع بها جماعة من أصحاب القلاع المجاورة لها، وسبب اجتماعهم بها أنّ صاحب سيس أرسل إليهم أن يجتمعوا بتلّ حمدون، ويقبضوا منها نفقة ويعودوا إلى قلاعهم ويحفظوها، ويقول لهم: إن هذه العساكر إنما دخلت للإغارة والعود. فاجتمعوا بتل حمدون لقبض النفقة، وجاء العسكر إليها وحاصرهم بها، فسألوا الأمان، فلما أطلقوا وصل رسول صاحب سيس إلى العسكر يقول: هؤلاء الذين بتّلّ حمدون هم ملّاك القلاع، فإن قبضتم عليهم وأردتم المال بذلوه لكم أو القلاع سلّموها إليكم. وشكا منهم أنهم لا يرجعون إليه ولا يسمعون منه ويخالفونه إذا قصد بذل الطاعة للسلطان، أو إرسال الحمول، ويقولون: إذا حضر العسكر خلّ بيننا وبينه. فعند ذلك أرسل الأمراء من أدركهم قبل وصولهم إلى مأمنهم، وقبضوا عليهم وقتل بقيتهم، وكان الذين قبض عليهم ثمانية من أصحاب القلاع المشار إليهم، منهم أمير اسمه السرمساق صاحب قلعة بخيمة، وبقيتهم لكل منهم قلعة. فلما تحقق السرمساق أن صاحب سيس عمل عليهم أسلم وتلفّظ بالشهادتين المعظمتين، وقال: أنا لى أخ فى خدمة السلطان، وأنا أسلّم قلاعى وألتزم للسلطان بفتح بلاد سيس بألفى فارس من نهر جهان [٢] إلى بلاد [٣] قرمان، فعاد العسكر به وببقية الواصلين، وكان وصولهم إلى دمشق فى الحادى والعشرين من ذى الحجة، ورحل العسكر المصرى منها فى تاسع عشرين الشهر، ووصلوا إلى الأبواب السّلطانية فى المحرم سنة أربع وسبعمائة.
وفى يوم الإثنين تاسع عشر شوال سنة ثلاث وسبعمائة فوضت الوزارة بالديار المصرية للأمير ناصر الدين محمد الشيخى، نقل من ولاية الجيزية إليها عوضا عن الأمير عز الدين أيبك البغدادى، فأحدث الشيخّى مظالم كثيرة، ولم تطل أيامه.
стр. 12579
وفى هذه السنة وصل إلى الخدمة السلطانية من بلاد الشرق الأمير بدر الدين جنكلى [١] بن شمس الدين المعروف بالبابا، وهو أحد مقدمى جيوش التتار، ووصل معه أحد عشر نفرا من ألزامه، منهم أخوه نيروز، ووصل الأمير بدر الدين بأهله، وكان مقامه ببلاد [٢] آمد وكانت مكاتباته ترد على السلطان ببذل النصيحة للإسلام من مدة طويلة، ثم فارق الآن التتار وجاء، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الثلاثاء حادى عشر ذى القعدة، ثم توجه منها بمن معه ووصلوا إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل، وأحسن السلطان إليهم، وشملهم بالخلع والإنعام، وأمّر الأمير بدر الدين جنكلى بطبلخاناه، واستمر من جملة الأمراء، وظهر للسلطان من أدبه وعقله وجميل نيته وحسن طاعته وصدق إخلاصه فى الموالاة [٣] والمصافاة، وعدم اجتماعه واختلاطه بمن يرتاب منه من أهل الأهواء والفتن، وغير ذلك من الأوصاف الجميلة ما أوجب ترقّيه وانتقاله إلى إمرة المائة، وتقدّمة الألف، ثم إلى رتبة الخصوصية والتقريب والدنو، والجلوس فى مجلس السلطان بالقرب منه، واستشارته والرجوع إلى كثير من آرائه، وهو كذلك إلى الآن.
وفيها أيضا وصل إلى الأبواب السلطانية رسول من جهة الرندراكون [٤] البرشنونى صاحب برشنونة يشفع فى النصارى بالديار المصرية [٢٠] أن تفتح كنائسهم على عادتهم، فقبلت شفاعته، ورسم أن يفتح للطائفة اليعاقبة [٥] من
стр. 12580
النصارى كنيسة بحارة زويلة، وللملكيين [١] كنيسة بخط البندقانيين [٢] ، وكتب جوابه وأعيد رسوله وسفر إليه من الأبواب السلطانية مع فخر الدين عثمان الأفرمى فتوجها من الأبواب السلطانية إلى ثغر الإسكندرية، وتجهزا منها وركبا فى المركب فى سنة أربع وسبعمائة، فلما عزما على الإقلاع تفاوضا مفاوضة أدّت إلى أنّ رسول البرشنونى طرح فخر الدين عثمان من المركب إلى القارب الذى خرج يشيعهم من الميناء هو وغلمانه، ولم يعطه شيئا مما كان معه، وأقلع من فوره، وعاد فخر الدين المذكور إلى الأبواب السلطانية فى سنة أربع وسبعمائة. والله أعلم.
وفى سنة ثلاث أيضا وقع فناء عظيم فى الخيول بالشام. حتى كاد يأتى عليها، ونفقت أكثر خيول الناس، وكنت يومئذ بدمشق، وكنت أملك عشرة أرؤس من الخيل الجياد أو أكثر، فنفقت بجملتها، واحتجت إلى ابتياع ما أركبه، وكانت الخيل قبل ذلك قد كثرت بالشام وهانت، وقلّت أثمانها، لما هرب التتار من مرج الصفر، حتى أبيع الإكديش [٣] من خيل التتار فى موضع الوقعة بخمسة دراهم، ثم تزايد ثمنها، ثم أبيع الفرس منها بدمشق بثلاثين درهما، فلما فنيت الآن وارتفع الفناء غلت أثمانها بدمشق لقلتها.
وفيها فى شهر رمضان توجّهت من دمشق إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية مفارقا لمباشرة أملاك الخاص الشريف، وكان وصولى إلى القاهرة فى يوم الأحد السابع والعشرين من شهر رمضان بعد الظهر، وباشرت ديوان الخاصّ والبيمارستان المنصورى، وما معه من الأوقاف المنصورية فى بقية اليوم الذى وصلت فيه، ورفع إلىّ حساب المياومة قبل غروب الشمس من اليوم المذكور.
стр. 12581
وفيها توجّه الأمير سيف الدين سلّار نائب السّلطنة إلى الحجاز الشريف، وتصدّق صدقات كثيرة بمكة والمدينة، سدّ بها حاجة ذوى الحاجات، ووسّع على المجاورين والمقيمين.
وفيها فى أواخر شهر رمضان ولد لمولانا السلطان الملك الناصر ولد من زوجته أردكين آبنة الأمير سيف الدين نوكيه، سمّاه عليّا، ونعت علاء الدين، ثم لقّب بعد بالملك المنصور.
وفى هذه السّنة كانت وفاة الأمير سيف الدين بكتمر السلاح دار الظاهرى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالديار المصرية، وهو أحد من كان توجّه إلى غازان ملك التتار وعاد كما تقدم ذكر ذلك.
ذكر وفاة الشيخ زين الدين الفارقى وما اتفق بسبب مناصبه بدمشق .
وفى هذه السّنة فى يوم الجمعة تاسع عشر صفر توفى الشيخ الإمام العالم زين الدين أبو محمد عبد الله بن مروان بن عبد الله الفارقى [١] الشافعى الخطيب بدمشق بقاعة الخطابة بالجامع الأموى، وجهّز وصلّى عليه فى بكرة نهار السّبت فى ثلاثة أماكن، فصلّى عليه بجامع دمشق قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى الشافعى، وصلّى عليه بسوق الخيل قاضى القضاة شمس الدين الحنفى، وصلّى عليه بباب جامع الجبل قاضى القضاة تقى الدين الحنبلى، ودفن بتربة أهله، وكانت جنازته مشهورة. ومولده فى المحرم سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وكان بيده من المناصب خطابة الجامع الأموى، وتدريس دار الحديث [٢] الأشرفية، ولى مشيختها سبعة وعشرين سنة، وتدريس المدرسة [٣]
стр. 12582
الشامية البرانية، ولما مات- رحمه الله تعالى- كان نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقش الأفرم بالضّفة القبلية، فوصل إلى دمشق فى شهر ربيع الأوّل، فتكلم الناس معه فى مناصب الشيخ زين الدين المشار إليه، فعيّن الخطابة للشيخ شرف الدين الفزارى، [٢١] وتدريس المدرسة الشامية البرانية، ودار الحديث الأشرفية للشيخ كمال الدين الشريشى بحكم أن تؤخذ منه المدرسة الناصرية بدمشق فيليها الشيخ كمال الدين بن الزّملكانى [١] ، واستقر ذلك.
ولما اتصل خبر وفاته بالأبواب السلطانية سعى الشيخ صدر الدين محمد ابن الوكيل المعروف بابن المرحل فى مناصبه بالشام، وأن يعاد إليه معها ما كان بيده قبل انتقاله إلى الديار المصرية، وهو تدريس المدرسة [٢] الشامية الجوانية، والمدرسة العذراوية [٣] فأجيب إلى ذلك، وكتب توقيعه به.
وولى بعده تدريس المدرسة الناصرية بالقاهرة القاضى مجد الدين عيسى ابن الخشاب، وكان تدريسها قد عيّن له قبل تكملة عمارتها، ثم وليه الشيخ صدر الدين كما تقدم، فوليه القاضى مجد الدين بعده، وجهز توقيع الشيخ صدر الدين صحبة البريد إلى دمشق فزين مكاتبات من اعتنى به من الأمراء إلى نائب السلطنة بإمضائه، فوصل البريد بذلك إلى دمشق فى يوم الاثنين منتصف شهر ربيع الأول، فكتب نائب السلطنة عليه، وبطل ما كان قد تقرّر من الولايات لمن ذكرنا، ثم وصل الشيخ صدر الدين فى يوم الاثنين الثانى والعشرين من الشهر إلى دمشق على خيل البريد، وعلى يده أمثلة سلطانية، فاجتمع بنائب السلطنة، وأمضى ولايته، وركب من غده وجاء إلى الجامع الأموى بعد الظهر،
стр. 12583
ودخل دار الخطابة وصلّى بالناس صلاة العصر بالجامع [١] فتألم الناس لذلك تألما [٢] شديدا لاجتماعهم [٣] على الشيخ شرف الدين الفزارى، واتفق الأعيان على أنهم لا يصلّون خلفه، واجتمع جماعة كثيرة [٤] فى يوم الأربعاء رابع عشرين الشهر مع الشيخ تقى الدين ابن تيمية وتوجهوا إلى نائب السلطنة، وتحدّثوا معه فى المطالعة إلى الأبواب السلطانية فى أمر صدر الدين وأن لا يخطب إلا بعد ورود الجواب، وثلبوه بأمور كثيرة، فأجاب نائب السلطنة سؤالهم، ومنع صدر الدين من الخطابة والإمامة حتى يرد جواب السلطان، وطالع فى أمره، وذكر ما قاله العلماء والأكابر وما صمّموا عليه من الامتناع عن الصلاة خلفه، وما شرطه الواقفان لدار الحديث الأشرفية، والشامية البرانية فى أمر التدريس، واستنيب فى الإمامة الشيخ أبو بكر الجزرى، وفى الخطابة الشيخ تاج الدين الجعبرى، وأمضى نائب السلطنة ولاية صدر الدين فيما عدا ذلك من المدارس، فجلس فى بكرة نهار الأحد الثامن والعشرين من الشهر، وألقى الدروس بالمدارس، وهى الشامية البرانية، والجوانية، ودار الحديث الأشرفية، والمدرسة العذراوية، وكانت مع جلال الدين القزوينى، والشامية الجوانية مع كمال الدين بن [٥] الزملكانى، واستمر الحال على ذلك إلى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر، فعاد البريد بالأجوبة أن يولّى الخطابة والإمامة بدمشق من يتّفق المسلمون عليه ويرضونه، وأن يسلك فى أمر الشامية ودار الحديث ما شرط واقفاها، فتولىّ تدريس الشامية البرانية الشيخ كمال الدين ابن [٥] الزملكانى، وذكر الدرس فى مستهل جمادى الأولى، وفوّضت الخطابة للشيخ شرف الدين الفزارى، وخطب فى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأولى، وخلع عليه فى يوم الجمعة ثامن جمادى الآخرة.
стр. 12584
وفيها فى ليلة الجمعة خامس عشرين شهر ربيع الآخر توفى الصدر فتح الدين عبد الله ابن الصاحب معين الدين محمد بن أحمد بن أحمد بن خالد القيصرانى [١] بالقاهرة- رحمه الله تعالى.
وفيها فى يوم الاثنين تاسع شهر رجب الفرد الفرد توفى الأمير ركن الدين بيبرس التلاوى [٢] أستاذ الدار العالية، وشاد الدواوين المعمورة بالشام، وكان ظالما عسوفا متكبّرا، فابتلاه الله تعالى- بالأمراض الشديدة، وكانت مدّة ولايته الوظيفة ثلاثة عشر شهرا وتسعة عشر يوما، مرض منها سبعة أشهر وأياما، ولما مات ولى شدا الشام بعده الأمير شرف الدين قيران الدوادارى، فى يوم الخميس حادى عشر شعبان، نقل من شدّ طرابلس إلى دمشق.
وفى هذه السنة توفى الشيخ الصالح العارف القدوة السيد الشريف أبو فارس عبد العزيز عبد الغنى بن سرور بن سلامة بن بركات بن داود بن أحمد ابن يحيى بن زكريا بن القاسم بن أبى عبد الله بن إبراهيم الغمر طباطبا بن إسماعيل الديباج بن إبراهيم الغمر بن الحسن المثنى بن الحسن بن على بن أبى طالب رضى الله عنهم، وهو المعروف بالمنوفى [٣] وكانت وفاته بمصر فى ليلة الاثنين خامس عشر ذى الحجة، ودفن بكرة النهار بالقرافة، وكان من الصلحاء المعمرين، [٢٢] مات عن مائة وعشرين سنة، وهو من أصحاب الشيخ أبى الحجاج الأقصرى، وله- رحمه الله تعالى- نظم حسن اجتمعت به فى سنة ست وتسعين وستمائة بمدينة قوص، وكان قد توجّه لزيارة شيخه الشيخ أبى الحجاج، ومرض بمدينة الأقصرين [٤] فى هذه السفرة، فرآه القاضى جمال الدين يحيى بن يحيى الأرمنتى [٥] أحد السعداء فى الصعيد فوجده قد أغمى عليه، فلما أفاق قال له جمال الدين: كيف تجدك؟ فأنشده:
هذى الجفون وإنما أين الكرى ... منها وهذا الجسم أين الرّوح
ومتّع- رحمه الله تعالى مع طول عمره- بعقله وحواسه.
стр. 12585
واستهلت سنة أربع وسبعمائة
فى هذه السنة عزل الأمير سيف الدين بنخاص من نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية، وأحضر إلى الأبواب السلطانية، واستقر فى جملة الأمراء مقدمى الألوف، وفوّضت نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير شمس الدين سنقرجاه المنصورى، فتوجّه إليها، وكان من الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية.
ذكر عمارة الجامع الحاكمى بالقاهرة وما رتّب فيه من الدروس والطوائف .
قد قدمنا أن الجامع الحاكمى بالقاهرة تداعت أركانه وسقط بنيانه، وأن الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار العالية انتدب لعمارته، فحصل الشروع فيها فى أوائل سنة ثلاث وسبعمائة، ووقع الاهتمام بأمر العمارة حتى عاد أحسن ما كان، وانصرف عليه جملة كثيرة، وتكاملت عمارته فى هذه السنة، ووقف الأمير ركن الدين من أملاكه على مصالحه- التى تذكر- أملاكا يتحصل من ريعها جملة فى كل شهر، ورتّب به من الدروس والتصدرات وغير ذلك من جهات البرّ ما نذكره، وقدّر لهم من المعلوم، وهو: دروس الفقه على المذاهب الأربعة: الشافعية، والمالكية، والحنفية، والحنابلة، وولّى تدريس ذلك قضاة القضاة الأربعة وهم: قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى [١] ، وقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف [٢] المالكى، وقاضى القضاة شمس الدين أحمد السروجى [٣] الحنفى، وقاضى القضاة شرف الدين عبد الغنى الحرّانى الحنبلى [٤] ، ورتّب لكل واحد منهم عن وظيفة التدريس فى كل شهر مائة درهم وثلاثين درهما نقرة، وجعل لكلّ درس معيدين، ورتّب لكل واحد منهما فى كل شهر خمسين درهما، ورتّب للطلبة لكل مذهب فى كل شهر ثلاثمائة نقرة، ورتّب درس حديث فرض تدريسه للشيخ سعد الدين مسعود [٥] الحارثى وجعل له ولمعيدين ولطلبة نظير ما لطائفة من الطوائف المذكورة.
ورتب فيه ميعادا للعامة جعل شيخه القاضى مجد الدين بن الخشاب، ورتب له
стр. 12586
فى كل شهر مائة وثلاثين درهما. ورتّب متصدرين [١] لأقراء القرآن، لكل منهما ستون درهما. ورتّب متصدرين [١] لإلقاء العلوم وهما الشيخ علاء الدين القونوى [٢] والشيخ زين الدين بن الكتانى [٣] ورتّب لكل منهما فى كل شهر ستين درهما. ورتّب متصدرين لإلقاء النحو، وهما الشيخ أثير الدين [٤] أبو حيّان، وتاج الدين محمد البار نبارى [٥] . رتّب لكل منهما فى كل شهر ثلاثين درهما، ورتّب ملقّنين للقرآن العظيم، رتّب لكل منهما فى كل شهر ثلاثين درهما، ورتّب لعشرين متلقّن لكل واحد منهم فى كل شهر عشرة دراهم.
ورتّب عشرين مقرئا يتلون كتاب الله تعالى عقب صلاة الصبح وصلاة الظهر وصلاة العصر وصلاة المغرب، ورتّب لكل واحد منهم عشرة دراهم.
ورتّب ثلاثة أئمة على ثلاثة مذاهب: مالك بن أنس، وأبى حنيفة، وأحمد ابن حنبل، [٢٣] يصلون بالجامع، ورتّب لكل واحد منهم فى كل شهر ثلاثين درهما.
стр. 12587
ورتّب فقيهين يعلمان عدّة من الصبيان الأيتام، ورتّب لهما فى كل شهر خمسين درهما. ولعدة من الصّبيان ما يكفيهم على العادة.
وأنشأ بالجامع خزانة كتب، وقف بها نحو خمسمائة مجلّد من كتب العلوم، والآداب، والتواريخ وغير ذلك، وختمات شريفة، وربعات، وغير ذلك، ورتّب لشاهدها فى كل شهر ثلاثين درهما، واستنسخ ختمة شريفة سبعة أجزاء، فى ورق بغدادى كامل كتبت بالذهب المحلول، بخط شرف الدين بن [١] الوحيد، حلّ له جملة من الذهب، وصرف عليها جملة فى أجرة كاتب وترميل [٢] ، وتذهيب آيات وأعشار وسور وفواتح وتجليد، ووقفها بالجامع يقرأ منها فى كل جمعة قبل الخطبة، ورتّب للقارئ فى كل شهر معلوما.
ورتّب غير ذلك من وجوه البر والقربات، وجلس المدرسون المذكورون وغيرهم من أرباب الوظائف بالجامع الحاكمى المذكور فى أول شهر ربيع الأول من هذه السنة- أثابه الله تعالى- وكان الذي حسّن له ترتيب ذلك وحثّه عليه الشيخ العارف نصر المنبجى [٣] نفع الله به- وكان الأمير ركن الدين لا يخرج عن إشارته.
وفى هذه السنة عاد الأمير سيف الدين قطايا بن يوسف [٤] أمير بنى كلاب، وسلطان، وجماعة من مشايخهم إلى الخدمة السلطانية.
وكان قد خرج عن الطاعة من مدة طويلة، وتوجّه إلى بلاد الشرق، ولحق بالتتار، فعاد الآن بمن معه، فأحسن السلطان إليهم، وشملهم بالإنعام والإقطاعات، وفرقهم فى بلاد الشام وعفا عن ذنوبهم السالفة، ولم يؤاخذهم.
стр. 12588
وفيها فى شهر ربيع الأول وصل رسل [١] الملك طقطاى صاحب صراى [٢] وبلاد القبجاق [٣] ، فأكرمهم السلطان وأحسن إليهم، وأنزلهم بمناظر الكبش، وأعادهم إلى مرسلهم صحبة رسوله إليه وهو الأمير سيف الدين بلبان الصّرخدى [٤] وذلك فى شهر رجب.
وفيها فى جمادى الأولى وفد إلى الأبواب السلطانية جماعة من التتار نحو مائتى فارس بنسائهم وأولادهم، وكان وصولهم إلى دمشق فى تاسع الشهر، وقيل: إن منهم أربعة من سلاح سارية الملك غازان.
وفيها عاد القاضى بدر الدين محمد بن فضل الله العمرى [٥] من بلاد التتار، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الأربعاء الثالث والعشرين من جمادى الآخرة، وكان ممن استصحبه وزير غازان معه إلى بلاد الشرق فى سنة تسع وتسعين وستمائة فعاد الآن.
وفيها فى شهر رمضان عاد رسل السلطان الذين كانوا توجهوا إلى غازان، وهما: الأمير حسام الدين أزدمر المجيرى [٦] ، والقاضى عماد الدين بن السكرى وصحبتهما رسول خربندا ملك التتار [٧] القائم بعد أخيه غازان، وكان وصولهم إلى دمشق فى يوم الأحد رابع عشرين شعبان، فتلقاهم نائب السلطنة بالشام وسائر الجيش بظاهر دمشق بأحسن زينة وأفخر ملبوس. ثم توجهوا إلى الأبواب
стр. 12589
السلطانية فى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من الشهر، وكان مضمون رسالتهم- فيما بلغنى- طلب الصلح والموادعة، وكفّ الغارات من الجهتين، وانتظام الصلح، واجتماع كلمة الاتفاق. فأحسن السلطان إلى رسله وأكرمهم، وأعادهم صحبة رسوله علاء الدين على بن الأمير سيف الدين بلبان القليجى أحد مقدمى الحلقة المنصورة، والقاضى سليمان المالكى الشبرايريقى، وشيرايريق قرية من قرى الغربية بالديار المصرية، وهو أحد نوّاب الحكم، وتوجهوا فى ذى القعدة وعادوا فى شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة، ومعهم رسل الملك خربندا.
وفيها عزل الأمير ناصر الدين محمد الشيخى [١] عن الوزارة فى أواخر شعبان، ورسم بمصادرته، وصودر وضرب بالمقارع بين يدى عز الدين أيبك الشجاعى شاد الدواوين [٢] إلى أن مات، وكان قد أحدث مظالم كثيرة وقصد تجديد ما هو أشنع منها وأفحش من المكوس المنكرة والحوادث التى ما سمع بمثلها، [٢٤] فما أمهله القدر، وأخذه الله تعالى شر إخذة، وأراح الناس من شره.
وكان ناصر الدين فى ابتداء أمره يخيط الأقباع بالقاهرة فى كل يوم بنصف درهم، ثم خدم الأمير شمس الدين بن التيتى [٣] وحضر معه من بلاد التتار فى الدولة المنصورية، ثم توصّل وخدم جنديا من الحلقة فأعطى إقطاعا بساحل الغلّة، فبذل فى شد الجهة بذلا ووليها، فظهر منه اجتهاد، ثم نقل إلى شدّ الدواوين مدة، ثم نقل إلى ولاية القاهرة، وتأمّر بطبلخاناه، ثم ولى الجيزية، ومنها إلى الوزارة.
стр. 12590
ولما عزل فوضت الوزارة إلى القاضى سعد الدين بن عطايا [١] ، وكان يلى نظر البيوت السلطانية [٢] فنقل إلى الوزارة، وخلع عليه فى يوم الأربعاء ثانى عشر شهر رمضان، وكان الذى اعتنى بأمره وعيّنه لهذا المنصب الأمير علم الدين سنجر، الجاولى [٣] أستاذ الدار العالية. ولقد شاهدت الصاحب سعد الدين هذا قبل وزارته بثلاثة أيام وهو قائم بين يدى الأمير علم الدين المذكور وهو يقرأ عليه ورقة حساب لعلها تتعلق بديوان البيوت، فلما ولى الوزارة حضر الأمير علم الدين معه إلى مجلس الوزارة، وجلس بين يديه ووقّع الصاحب، وكتب بالامتثال فرمّل على خطه فيما بلغنى.
وفى هذه السنة وصل رسول من جهة أبى يعقوب [٤] المرينى صاحب بلاد المغرب: وهو علاء الدين الشهرزورى [٥] وأصله من أولاد الشهرزورية الذين نفوا فى الدولة الظاهرية، وحضر صحبته هدايا جليلة كثيرة، كثير من الخيل والبغال بالسروج، وجملة من القماش والذهب على سبيل الهدية والأمداد، فقبلت هديّته، وأنعم على رسول له. فى سنة خمس، وأعيد إلى مرسله على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 12591
وفيها وصل متملّك [١] دنقلة وبلاد النوبة إلى الأبواب السلطانية، وأحضر صحبته التّقدمة الجارى بها العادة، والبقط [٢] من الرّقيق والهجن والثمار والسنباذج [٣] وغير ذلك، وسأل السلطان معه عسكرا لينهض به على أعدائه الذين يؤخرون مطيعه؛ فجرّد معه الأمير سيف الدين طقصبا فى طائفة من العسكر فتوجّه بهم وأغار وأوغل فى بلاد النّوبة وعاد.
ذكر ما وقع فى هذه السنة بدمشق من الحوادث والولايات
كان مما وقع فى هذه السنة بدمشق أن نائب السلطنة بها الأمير جمال الدين آقش [٤] الأفرم أمر بعقد مجلس لنجم الدين أبى بكر ابن القاضى بهاء الدين خلّكان، وسماع ما يدّعيه، وكان قد تكرر منه أنه حكيم الزمان، وأنه يخاطب بكلام يشبه الوحي بزعمه، وذكر ألفاظا يدّعى أنه خوطب بها وهى:
يا أيها الحكيم افعل كذا، وأشباه ذلك، وادعى أنّه قد آطلع على علوم كثيرة؛ منها: عمل طبل إذا ضرب به انهزم جيش العدوّ، وعمل طلسم إذا كان مع الملك وأحضر إلى مجلسه السّم حصل للملك أعراض، يعلم ذلك منها، وأشباه هذا من الأعمال، فأحضر بين يدى نائب السلطنة وحضر المجلس الشيخ صدر الدين ابن الوكيل [٥] والشيخ كمال الدين بن الزملكانى [٦] خاصّة، وطولب بإقامة البرهان على صّحة دعواه، فلم يأت بما يدل على ذلك، فاعتذر عنه عند
стр. 12592
نائب السلطنة أنّه من بيت رياسة، ورجل فقير، وأنه قليل الاجتماع بالناس، وأن هذا الذى يعرض له نوع من الوسواس، وتاب هو إلى الله تعالى مما كان يدّعيه، واستمر مدّة ثم عاد إلى ما كان عليه من الدعوى فعقد له مجلس فى ثالث شهر رمضان سنة سبع وسبعمائة بدمشق أيضا [٢٥] بحضور نائب السلطنة المشار إليه وقضاة القضاة والعلماء، وحصل البحث فى أمره فأفتى بعض العلماء بقتله، وأفتى بعضهم باستتابته وتعذيره، فجدّد عليه مكتوب بالتوبة عن الكلام فى المغيّبات، واعتنى به الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب كما أخبرنى فأقامه من المجلس وقال: هذا رجل مجنون وأرسله إلى البيمارستان [١] النورى، فأقام به مدة ثم خرج منه، ثم عاد إلى ما كان عليه، وهذا المذكور مستمر على دعواه لا يرجع عنها إلى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وهو بالقاهرة لا يزال يذكر هذا القول ويلهج به ويدّعيه وحضر إلىّ مرارّا ونهيته عنه فلم ينته ولا يرجع، ويقول: إنه حكيم الزمان، وإنه يخاطب بما صورته بيأيها الحكيم، ويذكر السلطان الملك الناصر ويقول: إنّه أرسل إليه، وإنه إذا اجتمع به له من الأوفاق والطلمسات أشياء كثيرة ذكرها لي يطول شرحها، وهو يتردّد إلى قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعى، ويعرض عليه أقواله، ويسأله الحديث له مع السلطان، فيصرفه عن ذلك، ويصرف له من الصدقات الحكمية ما يرتفق به.
ولما تكرر هذا القول منه وشاع وذاع عنه اتّصل بالأمير سيف الدين ألجاى الدوادار الناصرى فى سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة وأحضره وطالبه بإقامة البرهان على صحة ما يدّعيه فذكر أن الذى يذكره إنما يظهر ويفيد بين يدي السلطان، فقال له: انا أجمع بينك وبين السلطان، فقال نجم الدين: إنما أمرت أن يتحدّث لى مع السلطان قضاة القضاة، ولم أومر بك، فقال، أنا أدع القضاة، يتكلّمون مع السلطان فى أمرك، وحصره وضايقه بكل طريق وأقام
стр. 12593
عنده بمنزله بالقلعة أياما ثم عرض عليه التوبة والرجوع عن هذه الأقوال فتاب ورجع عنها بحضوره، وأخذ منه كتابا كان يدّعى أنّه جميعه ممّا خوطب وأطلقه ثم اجتمع بى بعد ذلك فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة وهو باق على دعواه مصّر على مقالته- عافاه الله تعالى- وهذا الرجل كان قبل هذه الدعوى ينوب عن القضاة بالشام، وناب عن القاضى بدر الدين بن جماعة فى بعض الأعمال، فلما غلب عليه هذا الحال ترك الولايات الحكمية وأخذ فى هذا النوع.
وفى هذه السنة رسم للأمير ركن الدين بيبرس العلائى أحد الأمراء بالشام أن يكون حاجيا بدمشق رفيقا للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى، فامتنع من ذلك، وسأل الإعفاء، ثم أجاب ولبس التشريف السلطانى ووقف فى الخدمة وآستمر فى الحجبة هو والأمير سيف الدين بكتمر وذلك فى منتصف جمادى الآخرة، وكانا حاجبين كبيرين.
وفيها فى يوم الإثنين سادس عشرين شهر رجب توجه الشيخ تقى الدين ابن تيمية وجماعة إلى مسجد التاريخ [١] ظاهر دمشق، وأحضر جماعة من الحجّارين وقطع صخرة هناك كان الناس يزورونها وينذرون لها، وكان للناس فيها أقاويل، فأزالها.
وفى يوم الثلاثاء خامس عشرين شهر رمضان ضرب عنق الكمال الأحدب رئيس قلعة جديا من غوطة دمشق، وسبب ذلك أنه حضر إلى قاضى القضاة جمال الدين المالكى مستفتيا [٢] وهو لا [٣] يعلم أنه قاضى القضاة فاستفتاه فى رجل خاصم رجلا فقال أحدهما للآخر: تكذب ولو كنت رسول الله فسأله القاضى، من قال هذا؟ قال: أنا. فأشهد عليه من حضر مجلسه وذلك فى يوم الإثنين رابع عشرين الشهر، وحكم فى يوم الثلاثاء بإراقة دمه فى دار العدل، فضربت عنقه بسوق الخيل، ثم غسّل وكفّن وصلّى عليه ودفن.
стр. 12594
وفيها فى يوم الجمعة سادس عشرين من شوال حكم قاضى القضاة جمال الدين المالكى بدمشق بإراقة دم أبى السرور السامرى كاتب الأمير سيف الدين أسندمر كرجى نائب السلطنة بالفتوحات، وأن ماله فيئ للمسلمين، وأشهد على نفسه بذلك بعد أن شهد عنده على المذكور بما يقتضى الحكم عليه بذلك من العظائم، وكان هذا الكاتب المذكور قد تمكّن من الأمير سيف الدين أسندمر بطرابلس تمكنا عظيما، فكان يركب معه فى الموكب الخيل المسوّمة [٢٦] بالسروج المذهبة، والكتابيش [١] الحرير، ويسايره فى المواكب، وإذا قرب من دار السلطنة وترجّل الأمراء فى الخدمة تقدّم هو بفرسه والأمراء وغيرهم مشاة، وهو مستمر الركوب إلى باب دار السلطنة، وقصد الأمير سيف الدين بالوج [٢] الحسامى أحد [٣] الأمراء بطرابلس قتله ورتّب له من يقتله، فضربه بالسيف بعد المغرب فوقعت عمامته، فظن الضارب أنه ضرب عنقه، وجرى فذلك أمور يطول شرحها أوجبت اعتقال بالوج.
ولما اتّصل خبره بالأبواب السلطانية رسم بطلبه فأخفاه مخدومه وادّعى هربه، وخشى أنه إن أرسله تكلّم عليه بما يؤذيه، فاقتضى رأيه أنه جهّزه إلى دمشق مختفيا صحبه عزّ الدين أيدمر أحد مماليكه، وأمره أنه إذا قرب من دمشق يقتله ليلا، ففعل ذلك ووجد مقتولا، وعرف بأثر كان فى جسده.
وفيها فى يوم الخميس ثانى ذى القعدة بعد العصر حكم قاضى القضاة جمال الدين المالكى أيضا بإراقة دم شمس الدين محمد ابن الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الباجريقى [٤] وعدم قبول توبته، وكان قد شهد عليه بأمور توجب ذلك، وكان الذين شهدوا عليه الشيخ مجد الدين التونسى، وعماد الدين محمد
стр. 12595
ابن القاضى شرف الدين بن مزهر، والشيخ أبو بكر ابن شرف الصالحى، وجلال الدين ابن البخارى خطيب [١] الزنجيلية ومحيى الدين محمد الرفاعى، وإبراهيم ابن إسماعيل اللبنانى [٢] فهرب المذكور خوفا من القتل، فلما كان فى السابع عشر من رمضان سنة ست وسبعمائة نهضت بينه عند القاضى تقي الدين سليمان الحنبلى أن بين شمس الدين المذكور وبين من شهد عليه عداوة توجب إسقاط شهادتهم فى حقه، وشهد بذلك الشيخ ناصر الدين ابن عبد السلام، والشريفان زين الدين ابن عدلان، وأخوه وقطب الدين بن شيخ السلامية، وشهاب الدين الرومى، وشرف الدين قيران الشمس وغيرهم، قريبا من عشرين شاهدا، فحكم القاضى تقي الدين عند ذلك بحقن دمه وإبطال ما حكم به فى حقه، ونفّذ حكمه القاضى شمس الدين الأذرعى الحنفى، فأنكر المالكي ذلك وأشهد على نفسه أنّه باق على حكمه بإراقة دمه، ولم يظهر ابن الباجريقىّ بسبب هذا الاختلاف.
وفى هذه السنة توفى السيد الشريف
عز الدين جمّاز [٣] بن شيحة أمير المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وكان، قد أضر فى آخر عمره، وأقام بإمرة المدينة بعده ولده الأمير ناصر الدين منصور وتوفى الصاحب أمين الدين أحمد ابن الصاحب فخر الدين محمد ابن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم المعروف جدّه بابن حنّا، وكانت وفاته فى ليلة الخميس ثامن صفر، وكان فقيها شافعيا ديّنا خيّرا كثير البر والصّدقة والمعروف والإيتار مع تخلّيه عن المناصب، ودفن فى قبر كان قد حفره لنفسه بقرب الشيخ ابن أبى حمزة- رحمهما الله تعالى [٤] وتوفّى بدمشق فى يوم الأربعاء ثالث عشرين جمادى الآخرة الأمير ركن الدين بيبرس الموفقى المنصورى [٥] ، أحد الأمراء مقدمى الألوف بدمشق، وظهر بعد وفاته أنّ مماليكه خنقوه وهو سكران، ولم يخلف وارثا غير من يرثه
стр. 12596
بالولاية، فادعى أولاد الأمير شمس الدين سنقر الأشقر أنّه مملوك أبيهم باق على رقّه وأن عتق السلطان الملك المنصور له لم يصادف محلّا، فطولبوا بالإثبات فعجزوا عنه، وشهد الأمير شجاع الدين نقيب العساكر بدمشق أن ركن الدين المذكور كان مملوك الموفق نائب الرّحبة وأنّه جهزّه فى جملة تقدمة إلى السلطان الملك المنصور فى ابتداء سلطنته، فوصل إلى دمشق وقد استولى الأمير شمس الدين سنقر الأشقر عليها فوضع يده على التقدمة وأخذ بيبرس هذا فى جملة ما أخذ، فلما أخرج الأمير شمس الدين من دمشق استعيد بيبرس هذا، وأحضر إلى السلطان، وقال الموفق إنه إنما سيّره السلطان الملك المنصور فورثه السلطان الملك الناصر بالولاء الشرعى، ودفع أولاد سنقر الأشقر عن ميراثه.
وتوفى الأمير شمس الدين محمد ابن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبى سعد [١] الآمدى المعروف بابن التيتى فى أحد الجمادين وكان رجلا فاضلا سمع الحديث وأسمعه، وولى نيابة [٢٧] دار العدل مدة فى الدولة المنصورية الحسامية، وفيها قتل الأمير سيف الدين بهادر شمس المنصورى [٢] أحد الأمراء بدمشق، وكان قد توجه فى خدمة نائب السلطنة إلى الصيد بالمرج فكبسهم طائفة من عرب غزنة، ولم يعلموا أن نائب السلطنة بالعسكر، فركب بهادر سمز هذا وحمل، على العرب وجعل يرميهم بالنّشّاب ويقول أنا بهادر دمشق، فرماه بعض العرب بحربة وقال: خذها وأنا عصفور بن عصفور فقتله، وحمل إلى تربة قبر ابن الست [٣] فدفن هناك، وقتل أكثر العرب، ولم ينج منهم الّا من أسرع به فرسه، ولما مات ورثه أخوه بهادر الجمالى مملوك نائب السلطنة أثبت أخوّته، ولم يحصل له من ميراثه إلّا نحو عشرين ألف درهم، فإنه ظهر عليه من الديون ما يقارب ثلاثمائة ألف درهم، فبيع موجوده ووفّيت ديونه وتسلم أخوه ما بقى.
стр. 12597
واستهلت سنة خمس وسبعمائة
فى هذه السنة عاد علاء الدين أيدغدى رسول المرينى ملك المغرب والحجاز [١] الشريف، وكتب جوابه وجهّز إلى مرسله، وأرسل معه الأمير علاء الدين أيدغدى التليلى والأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمىّ، وجهز معهما إلى الملك ما يليق به من الهدايا النّفيسة، وجهّز له خمسة عشر مملوكا من التتار الذين أسروا فى وقعة مرج الصّفّر وخمسة مماليك أتراكا وفيها وصل رسول الملك المؤيد هزبر الدين داود [٢] وصاحب اليمن ومعه الهدايا والتقادم من البهار والقتا والأقمشة والتحف، وغير ذلك، فعرضت هديّته وقوبلت بما جرت العادة به من هديتهم فكانت أقلّ منها، فصدرت إليه الأمثلة السلطانية بالإنكار والتهديد والإغلاظ له فى القول [٣] وأرسلت فعاد الرسول بغير جواب فأوجب ذلك ما نذكره من الاهتمام بقصد اليمن وإرسال الرسل والله أعلم.
ذكر الإغارة على بلاد سيس [٤] وأسر الأمراء
وفى هذه السنة فى شهر المحرم أغارت العساكر الحلبية على بلاد سيس وكان الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى قد جرّد طائفة من العسكر الحلبى فى ذى الحجة سنة أربع وسبعمائة، وقدم عليهم مملوكه الأمير سيف الدين قشتمر، وكان ولد قطلوشاه بأطراف الروم فى ثلاثة آلاف فارس فأرسل إليهم صاحب سيس، وبذل لهم مالا جزيلا يقال إنه بذل لكل واحد سبعمائة درهم وكان عنده جمع من الفرنج فاجتمعوا هم والتتار فى ستة آلاف فارس، فلما كان فى مستهلّ هذه السنة بلغ العسكر الحلبى اجتماعهم، فذكر الأمراء ذلك لمقدمهم الأمير سيف الدين قشتمر وأشاروا عليه أنهم يرحلون بالغنائم قبل أن يلحقهم
стр. 12598
العدو، فلم يرجع إلى رأيهم وقال: أنا بمفردى [١] ألتقى [٢] هذا الجمع فراجعوه فلم يرجع، ففارقه بعض الأمراء فى نحو ربع [٣] العسكر، وساق تلك الليلة جميعها ونجا بمن معه، وبقى بقية العسكر فجاءهم التتار ومن انضم إليهم من الأرمن، فانهزم من بقى من العسكر الحلبى من غير قتال، فأسر التتار منهم وقتلوا، وأسروا من الأمراء بحلب فتح الدين صبّرة المهمندار، وشمس الدين آقسنقر الفارسى، وسيف الدين قشتمر النّجيبى، وسيف الدين قشتمر المظفرىّ فى جماعة من العسكر وأرسلوا إلى الأردو [٤] وسلم الأمير سيف الدين قشتمر الشّمسىّ مقدم الجيش فى جماعة، ووصلوا إلى حلب.
ولما وقع ذلك ندم صاحب سيس وخشى غائلة العساكر، وكتب إلى الأمير شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بحلب يبذل له الطاعة والأموال، ويسأل الصفح عن ذنبه، وأنه يقوم بالقطيعة المقررة عليه، فطالع قراسنقر الأبواب السلطانية فى ذلك فأجيب سؤاله [٢٨] .
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل ملك الكرج [٥] وكان وصولهم من جهة القسطنطينيّة، وجهزهم الأشكرى صحبة رسله، فوصلوا إلى الأبواب السلطانية، وكان مضمون رسالتهم سؤال السلطان أن تعاد عليهم كنيسة معروفة بهم بالقدس تسمى المصالبة [٦] كانت قد أخذت منهم فأعيدت إليهم وفيها وصل إلى الأبواب السلطانية من بلاد التتار سيف الدين حنا وفخر الدين داود إخوة، الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة الشريفة، ووصلت والدته أيضا معهما فأنعم السلطان عليهما وأمرهما طبلخانات.
стр. 12599
ذكر توجه العساكر الشامية إلى بلاد الكسروان [١] وإبادة من بها وتمهيدها
كان أهل جبال الكسروان قد كثروا وطغوا واشتدت شوكتهم، وتطرقوا إلى أذى العسكر الناصرى [٢] عند انهزامه فى سنة تسع وتسعين وستمائة، وتراخى الأمر وتمادى وحصل إغفال أمرهم فزاد طغيانهم وأظهروا الخروج من الطاعة، واغترّوا بجبالهم المنيعة، وجموعهم الكثيرة، وأنه لا يمكن الوصول إليهم، فجهّز إليهم الشريف زين الدين بن عدنان، ثم توجّه بعده فى ذى الحجة سنة أربع وسبعمائة الشيخ تقى الدين ابن تيمية، والأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى، وتحدثا معهم فى الرجوع إلى الطاعة فما أجابوا إلى ذلك، فعند ذلك رسم بتجريد العساكر إليهم من كل جهة ومملكة من الممالك الشامية، وتوجّه نائب السلطنة الأمير جمال الدين آقوش الأفرم من دمشق بسائر الجيوش فى يوم الإثنين ثانى المحرم وجمع جمعا كثيرا من الرجال فيقال إنه اجتمع من الرجالة نحو خمسين ألفا وتوجهوا إلى جبال الكسروانيين [٣] والجرديين وتوجه الأمير سيف الدين أسندمر بعسكر الفتوحات من الجهة التى تلى بلاد طرابلس، وكان قد نسب إلى مباطنتهم، فكتب إليه فى ذلك، فجرّد العزم وأراد أن يفعل فى هذا الأمر ما يمحو عنه أثر هذه الشناعة التى وقعت وطلع إلى جبل الكسروان [٤] من أصعب مسالكه واجتمعت عليهم العساكر فقتل منهم خلق كثير، وتبدد شملهم وتمزقوا فى البلاد، واستخدم الأمير سيف الدين أسندمر جماعة منهم بطرابلس بجامكية وجراية من الأموال الديوانية، وسمّاهم رجال الكسروان [٤] وأقاموا على ذلك سنين وأقطع بعضهم أخبارا من حلقة طرابلس، وتفرق بقيتهم فى البلاد واضمحل أمرهم وخمل ذكرهم، وعاد نائب السلطنة إلى
стр. 12600
دمشق فى رابع عشر صفر من السنة وأقطع جبال الكسروانيين والجرديين لجماعة من الأمراء التركمان وغيرهم منهم: الأمير علاء الدين بن معبد البعلبكى وعز الدين خطاب، وسيف الدين بكتمر الحسامى، وأعطوا الطبلخانات وتوجّهوا لعمارة إقطاعهم وحفظ ميناء البحر من جهة بيروت.
وفى هذه السنة فى شهر ربيع الأول نقل الأمير. سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب من الحجبة بدمشق إلى شد الدواوين وأستاذ الدارية بالشام فامتنع من ذلك ثم الزم فاشترط شروطا فطولع بها فأجيب إليها وباشر الوظيفة، وأوقعت الحوطة على الأمير شرف الدين قيران المشد وفيها أفرج عن الأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى وأنعم عليه بإمرة بدمشق، وتوجه إليها وكان فى الاعتقال من الأيام المنصورية الحسامية والله أعلم [٢٩] .
وفى هذه السنة كانت بدمشق فتنة بين جماعة من الفقراء الأحمدية والشيخ تقى الدين بن تيمية وذلك أنهم اجتمعوا فى يوم السبت تاسع جمادى الأولى عند نائب السلطنة وحضر الشيخ تقى الدين فطلبوا منه أن يسلم إليهم حالهم وأن تقى الدين لا يعارضهم ولا ينكر عليهم وأرادوا أن يظهروا شيئا مما يفعلونه فقال لهم الشيخ: إن اتّباع الشريعة لا يسع الخروج عنه، ولا يقرّ أحد على خلافه، وهذه البدع التى تفعلونها من دخول النار وإخراج الزبد من الحلق لها [١] حيل ذكرها وقال: من أراد منكم دخول النار فليغسل جسده فى الحمام ثم يدلكه بالخل ثم يدخل بعد ذلك فإن قدر على الدخول دخلت معه ولو دخل بعد ذلك لم يرجع إليه بل هو فعل من أفعال الدجال فانكسرت حدّتهم وانفصل المجلس على أنهم يخلعون الأطواق الحديد من أعناقهم، وعلى أن من خرج منهم عن الكتاب والسنة قوبل بما يستحقه وضبط المجلس المذكور وما وقع فيه وما التزم الفقراء الأحمدية الرفاعية به [٢] ، وصنف الشبخ جزءا يتعلق بهذه الطائفة وأفعالهم.
стр. 12601
ذكر حادثة الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية
وما اتفق لطائفة الحنابلة، واعتقال تقى الدين وما كان من خبره إلى أن أفرج عنه أخيرا كانت هذه الحادثة التى نذكرها فى سنة خمس وسبعمائة وانتهت فى أواخر سنة تسع وسبعمائة وكان لوقوعها أسباب وموجبات ووقائع اتفقت بالقاهرة ودمشق وقد رأينا أن نذكر هذه الواقعة ونشرح أسبابها من ابتداء وقوعها إلى انتهائها ولا نقطعها بغيرها وإن خرجت سنة ودخلت أخرى السبب المحرك لهذه الواقعة الموجب لطلب الشيخ تقى الدين المذكور إلى الديار المصرية فقد أطلعت عليه من ابتدائه وهو أن بعض الطلبة واسمه عبد الرحمن العينوسى [١] سكن بالمدرسة الناصرية التى تقدم ذكرها بالقاهرة وكنت بها وبها قاضى القضاة زين الدين المالكى وغيره، فاتفق اجتماعى أنا والقاضى شمس الدين محمد بن عدلان الكنانى القرشى الشافعى بمنزلى بالمدرسة المذكورية فى بعض الليالى وهو أيضا ساكن بالمدرسة ومعيد بها فحضر عبد الرحمن المذكور إلينا ومعه فتيا وقد أجاب الشيخ تقى الدين عنها فأخرجها من يده وشرع يذكر الشيخ تقى الدين وبسط عبارته وعلمه وقال هذه من جملة فتاويه ولم يرد فيما ظهر أذاه وإنما قصد والله أعلم نشر فضيلته فتناولها القاضى شمس الدين ابن عدلان منه وقرأها فإذا مضمونها.
بسم الله الرحمن الرحيم ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين أن يبينوا ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة وأبينها من أن ما فى المصاحف هو كلام الله القديم أم هو [٢] عبارة عنه لا نفسه وأنه هو حادث أو قديم وأن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[٣] هو استواء حقيقة أم لا؟ وأن كلام الله بحرف وصوت أم كلامه صفة قائمة لا تفارق وأن الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول [٤] شيئا منه ويقول أو من به كما أنزل هل يكفيه ذلك فى الاعتقاد أم يجب عليه التأويل وأن السائل رجل متحير لا يعرف شيئا وسؤاله بجواب ليّن ليقلد قائله افتونا مأجورين رحمكم الله.
стр. 12602
فأجاب الشيخ تقى الدين ما صورته: الحمد لله رب العالمين الذى يجب على الإنسان اعتقاده فى ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله على من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذى أنزله الله على محمد عبده ورسوله كلام الله وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه قرآن كريم فى كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وأنه قرآن مجيد [٣٠] فى لوح محفوظ وأنه فى أم الكتاب لدى الله تعالى حفيظ وأنه فى الصدور كما
قال النبى- ﷺ «استذكروا القرآن فهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها»
وقال:
«الجوف الذى ليس فيه شئ من القرآن كالبيت الخرب» أن ما [١] بين لوحى المصحف الذى كتبه الصحابة كلام الله كما
قال النبى ﷺ : «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم»
فهذه الجملة [٢] تكفى المسلم فى هذا الباب وما تفصيل ما وقع فى ذلك من النزاع فكثير منه [٣] يكون كلام [٤] الاطلاقين خطأ ويكون الحق فى التفصيل ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما ينكر حق صاحبه وهذا من التفرق والاختلاف الذى ذمه الله ونهى عنه: فقال: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
[٥] قال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
[٦] وقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[٧] وقال: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
[٨] فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله- ﷺ وسنة خلفائه الراشدين والسابقين [٩] من الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا فإن مواقع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن
стр. 12603
اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى، وقد بسطت القول من جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذى اتفق عليه العقل [١] والسمع وبيان ما يدخل فى هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط فى مواضع متعددة ولكن نذكر هنا جملة مختصرة بحسب حال السائل، والواجب أمر العامة بالحمل على الثابت [٢] بالنص والإجماع ومنعهم من الخوض فى التفصيل الذى يوقع بينهم الفرقة والاختلاف فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله، والتفصيل المختصر [٣] فنقول: من اعتقد أن المداد الذى فى المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهذا ضال مخطئ مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين وسائر علماء المسلمين ولم يقل أحد قط [٤] من علماء المسلمين إن ذلك [٥] قديم لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم [٦] ومن نقل قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم فهو مخطئ فى هذا النقل أو متعمد الكذب بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أئمة أصحابه تبديع [٧] من قال لفظى بالقرآن غير مخلوق كما جهموا من قال اللفظ بالقرآن مخلوق، وقد صنف أبو بكر المروزى أخص أصحاب الإمام أحمد به فى ذلك رسالة كبيرة مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال فى كتاب السنة الذى جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من السنة فى أبواب الاعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظى بالقرآن غير مخلوق فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال ذلك وأخبر أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف من يزعم أن صوت العبد قديم وأقبح من ذلك من يحكى عن بعض العلماء أنّ المداد الذى فى المصحف قديم، وجميع أئمّه أصحاب الإمام أحمد وغيره أنكروا ذلك، وما علمت أنّ عالما نقل ذلك إلّا
стр. 12604
ما بلغنا عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم وقد ميزّ الله- تعالى- فى كتابه بين الكلام والمداد، فقال: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[١] فهذا خطأ من هذا الجانب، وكذلك من زعم أنّ القرآن محفوظ فى الصدور، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه متلو بالألسن، كما أن الله مذكور بالألسن، وأنه مكتوب فى المصحف، كما أنّ الله مكتوب فى المصحف، وجعل ثبوت القرآن فى الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات [٢] الله فى هذه المواضع، فهذا أيضا مخطئ فى ذلك، فإنّ الفرق بين ثبوت الأعيان فى المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بيّن واضح، فإن الأعيان لها أربع مراتب: مرتبه فى الأعيان، ومرتبه [٣١] فى الأذهان، ومرتبة فى اللسان، ومرتبة فى البيان، فالعلم يطابق العين، واللفظ يطابق العلم، والخط يطابق اللفظ، فإذا قيل: إن العين فى الكتاب كما فى قوله: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[٣] فقد علم أن الذى فى الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم فبين الأعيان وبين المصحف مرتبتان وهى اللفظ والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة غيرهما بل نفس الكلام يجعل فى الكتاب، وإن كان بين [٤] الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من [٥] غير وجه آخر الا إذا أريد أن الذى فى المصحف هو ذكره والخبر عنه، مثل قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
[٦] إلى قوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
[٧] فالذى فى زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد. إن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله ولكن فى زبر الأولين صح ذكر القرآن وخبره، كما فيها ذكر محمد وخبره، كما أن أفعال العباد فى الزبر كما قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[٨] فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء
стр. 12605
فى الزبر وبين كون الكلام نفسه فى الزبر، كما قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
[١] وقال: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً. فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
[٢] فمن قال: إنّ المداد قديم فقد أخطأ، ومن قال: ليس فى المصحف كلام الله وإنما فيه المداد الذى هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ، بل القرآن فى المصحف، كما أنّ سائر الكلام فى الأوراق كما عليه الأمة مجتمعة، وكما هو فى نظر المسلمين، فإنّ كلّ مرتبة لها [٣] حكم يخصها، وليس وجود الكلام من الكتاب لوجود الصفة بالموصوف، مثل العلم والحياة بمحلها حتى يقال: إنّ صفة الله حلت بغيره أو فارقته، ولا وجوده فيه كالدليل المحض، مثل وجود العالم الدال على البارى تعالى، حتى يقال: ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله، بل هو قسم آخر ومن لم يعط كل مرتبة فيما يستعمل فيها أداء الطرق حقها فيفرق بين وجود الجسم فى الحيز وفي المكان، ووجود العرض بالجسم، والصورة بالمرآة ويفرق بين رؤية الشئ بالعين يقظة ورؤيته بالقلب يقظة ومناما، ونحو ذلك، وإلا اضطرب عليه الأمر [٤] ولذلك سؤال السائل عما فى المصحف، هل هم حادث أو قديم، سؤال مجمل. فإنّ لفظ القديم أولا مأثور عن السلف [ليس] [٥] وأما الذى اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله حيث تلى وحيث كتب وهو قرآن واحد وكلام وإن تنوعت الصور التى يتلى بها، وتكتب من أصوات العباد ومدادهم، فإن الكلام كلام من قاله مبتدءا، لا كلام من بلغه مؤديا، فإذا سمعنا محدثا يحدث
بقول النبى- ﷺ «إنما الأعمال بالنيات»
قلنا هذا كلام رسول الله لفظه ومعانيه، مع أن علمنا أن الصوت صوت المبلغ لا صوت رسول الله وهكذا كل من بلغ كلام غيره من نظم ونثر ونحن إذا قلنا هذا كلام الله لما نسمعه من القارئ من قرأه فى المصحف فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع