ذكر حادثة الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية
وما اتفق لطائفة الحنابلة، واعتقال تقى الدين وما كان من خبره إلى أن أفرج عنه أخيرا كانت هذه الحادثة التى نذكرها فى سنة خمس وسبعمائة وانتهت فى أواخر سنة تسع وسبعمائة وكان لوقوعها أسباب وموجبات ووقائع اتفقت بالقاهرة ودمشق وقد رأينا أن نذكر هذه الواقعة ونشرح أسبابها من ابتداء وقوعها إلى انتهائها ولا نقطعها بغيرها وإن خرجت سنة ودخلت أخرى السبب المحرك لهذه الواقعة الموجب لطلب الشيخ تقى الدين المذكور إلى الديار المصرية فقد أطلعت عليه من ابتدائه وهو أن بعض الطلبة واسمه عبد الرحمن العينوسى [١] سكن بالمدرسة الناصرية التى تقدم ذكرها بالقاهرة وكنت بها وبها قاضى القضاة زين الدين المالكى وغيره، فاتفق اجتماعى أنا والقاضى شمس الدين محمد بن عدلان الكنانى القرشى الشافعى بمنزلى بالمدرسة المذكورية فى بعض الليالى وهو أيضا ساكن بالمدرسة ومعيد بها فحضر عبد الرحمن المذكور إلينا ومعه فتيا وقد أجاب الشيخ تقى الدين عنها فأخرجها من يده وشرع يذكر الشيخ تقى الدين وبسط عبارته وعلمه وقال هذه من جملة فتاويه ولم يرد فيما ظهر أذاه وإنما قصد والله أعلم نشر فضيلته فتناولها القاضى شمس الدين ابن عدلان منه وقرأها فإذا مضمونها.
بسم الله الرحمن الرحيم ما تقول السادة الفقهاء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين أن يبينوا ما يجب على الإنسان أن يعتقده ويصير به مسلما بأوضح عبارة وأبينها من أن ما فى المصاحف هو كلام الله القديم أم هو [٢] عبارة عنه لا نفسه وأنه هو حادث أو قديم وأن قوله تعالى: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[٣] هو استواء حقيقة أم لا؟ وأن كلام الله بحرف وصوت أم كلامه صفة قائمة لا تفارق وأن الإنسان إذا أجرى القرآن على ظاهره من غير أن يتأول [٤] شيئا منه ويقول أو من به كما أنزل هل يكفيه ذلك فى الاعتقاد أم يجب عليه التأويل وأن السائل رجل متحير لا يعرف شيئا وسؤاله بجواب ليّن ليقلد قائله افتونا مأجورين رحمكم الله.
стр. 12602
فأجاب الشيخ تقى الدين ما صورته: الحمد لله رب العالمين الذى يجب على الإنسان اعتقاده فى ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله على من اتبعهم وذم من اتبع غير سبيلهم وهو أن القرآن الذى أنزله الله على محمد عبده ورسوله كلام الله وأنه منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود وأنه قرآن كريم فى كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون وأنه قرآن مجيد [٣٠] فى لوح محفوظ وأنه فى أم الكتاب لدى الله تعالى حفيظ وأنه فى الصدور كما
قال النبى- ﷺ «استذكروا القرآن فهو أشد تفلتا من صدور الرجال من النعم من عقلها»
وقال:
«الجوف الذى ليس فيه شئ من القرآن كالبيت الخرب» أن ما [١] بين لوحى المصحف الذى كتبه الصحابة كلام الله كما
قال النبى ﷺ : «لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم»
فهذه الجملة [٢] تكفى المسلم فى هذا الباب وما تفصيل ما وقع فى ذلك من النزاع فكثير منه [٣] يكون كلام [٤] الاطلاقين خطأ ويكون الحق فى التفصيل ومنه ما يكون مع كل من المتنازعين نوع من الحق ويكون كل منهما ينكر حق صاحبه وهذا من التفرق والاختلاف الذى ذمه الله ونهى عنه: فقال: وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ
[٥] قال: وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ
[٦] وقال: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
[٧] وقال: وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ
[٨] فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله- ﷺ وسنة خلفائه الراشدين والسابقين [٩] من الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا فإن مواقع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن
стр. 12603
اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى، وقد بسطت القول من جنس هذه المسائل ببيان ما كان عليه سلف الأمة الذى اتفق عليه العقل [١] والسمع وبيان ما يدخل فى هذا الباب من الاشتراك والاشتباه والغلط فى مواضع متعددة ولكن نذكر هنا جملة مختصرة بحسب حال السائل، والواجب أمر العامة بالحمل على الثابت [٢] بالنص والإجماع ومنعهم من الخوض فى التفصيل الذى يوقع بينهم الفرقة والاختلاف فإن الفرقة والاختلاف من أعظم ما نهى الله عنه ورسوله، والتفصيل المختصر [٣] فنقول: من اعتقد أن المداد الذى فى المصحف وأصوات العباد قديمة أزلية فهذا ضال مخطئ مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين الأولين وسائر علماء المسلمين ولم يقل أحد قط [٤] من علماء المسلمين إن ذلك [٥] قديم لا من أصحاب الإمام أحمد ولا من غيرهم [٦] ومن نقل قدم ذلك عن أحد من علماء أصحاب الإمام أحمد ونحوهم فهو مخطئ فى هذا النقل أو متعمد الكذب بل المنصوص عن الإمام أحمد وعامة أئمة أصحابه تبديع [٧] من قال لفظى بالقرآن غير مخلوق كما جهموا من قال اللفظ بالقرآن مخلوق، وقد صنف أبو بكر المروزى أخص أصحاب الإمام أحمد به فى ذلك رسالة كبيرة مبسوطة، ونقلها عنه أبو بكر الخلال فى كتاب السنة الذى جمع فيه كلام الإمام أحمد وغيره من السنة فى أبواب الاعتقاد وكان بعض أهل الحديث إذ ذاك أطلق القول بأن لفظى بالقرآن غير مخلوق فبلغ ذلك الإمام أحمد فأنكر ذلك إنكارا شديدا وبدع من قال ذلك وأخبر أن أحدا من العلماء لم يقل ذلك فكيف من يزعم أن صوت العبد قديم وأقبح من ذلك من يحكى عن بعض العلماء أنّ المداد الذى فى المصحف قديم، وجميع أئمّه أصحاب الإمام أحمد وغيره أنكروا ذلك، وما علمت أنّ عالما نقل ذلك إلّا
стр. 12604
ما بلغنا عن بعض الجهال من الأكراد ونحوهم وقد ميزّ الله- تعالى- فى كتابه بين الكلام والمداد، فقال: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً
[١] فهذا خطأ من هذا الجانب، وكذلك من زعم أنّ القرآن محفوظ فى الصدور، كما أن الله معلوم بالقلوب، وأنه متلو بالألسن، كما أن الله مذكور بالألسن، وأنه مكتوب فى المصحف، كما أنّ الله مكتوب فى المصحف، وجعل ثبوت القرآن فى الصدور والألسنة والمصاحف مثل ثبوت ذات [٢] الله فى هذه المواضع، فهذا أيضا مخطئ فى ذلك، فإنّ الفرق بين ثبوت الأعيان فى المصحف وبين ثبوت الكلام فيها بيّن واضح، فإن الأعيان لها أربع مراتب: مرتبه فى الأعيان، ومرتبه [٣١] فى الأذهان، ومرتبة فى اللسان، ومرتبة فى البيان، فالعلم يطابق العين، واللفظ يطابق العلم، والخط يطابق اللفظ، فإذا قيل: إن العين فى الكتاب كما فى قوله: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[٣] فقد علم أن الذى فى الزبر إنما هو الخط المطابق للفظ المطابق للعلم فبين الأعيان وبين المصحف مرتبتان وهى اللفظ والخط وأما الكلام نفسه فليس بينه وبين الصحيفة مرتبة غيرهما بل نفس الكلام يجعل فى الكتاب، وإن كان بين [٤] الحرف الملفوظ والحرف المكتوب فرق من [٥] غير وجه آخر الا إذا أريد أن الذى فى المصحف هو ذكره والخبر عنه، مثل قوله تعالى: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ
[٦] إلى قوله: وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ. أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ
[٧] فالذى فى زبر الأولين ليس هو نفس القرآن المنزل على محمد. إن هذا القرآن لم ينزل على أحد قبله ولكن فى زبر الأولين صح ذكر القرآن وخبره، كما فيها ذكر محمد وخبره، كما أن أفعال العباد فى الزبر كما قال: وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ
[٨] فيجب الفرق بين كون هذه الأشياء
стр. 12605
فى الزبر وبين كون الكلام نفسه فى الزبر، كما قال: إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ.
فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ
[١] وقال: يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً. فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
[٢] فمن قال: إنّ المداد قديم فقد أخطأ، ومن قال: ليس فى المصحف كلام الله وإنما فيه المداد الذى هو عبارة عن كلام الله فقد أخطأ، بل القرآن فى المصحف، كما أنّ سائر الكلام فى الأوراق كما عليه الأمة مجتمعة، وكما هو فى نظر المسلمين، فإنّ كلّ مرتبة لها [٣] حكم يخصها، وليس وجود الكلام من الكتاب لوجود الصفة بالموصوف، مثل العلم والحياة بمحلها حتى يقال: إنّ صفة الله حلت بغيره أو فارقته، ولا وجوده فيه كالدليل المحض، مثل وجود العالم الدال على البارى تعالى، حتى يقال: ليس فيه إلا ما هو علامة على كلام الله، بل هو قسم آخر ومن لم يعط كل مرتبة فيما يستعمل فيها أداء الطرق حقها فيفرق بين وجود الجسم فى الحيز وفي المكان، ووجود العرض بالجسم، والصورة بالمرآة ويفرق بين رؤية الشئ بالعين يقظة ورؤيته بالقلب يقظة ومناما، ونحو ذلك، وإلا اضطرب عليه الأمر [٤] ولذلك سؤال السائل عما فى المصحف، هل هم حادث أو قديم، سؤال مجمل. فإنّ لفظ القديم أولا مأثور عن السلف [ليس] [٥] وأما الذى اتفقوا عليه أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو كلام الله حيث تلى وحيث كتب وهو قرآن واحد وكلام وإن تنوعت الصور التى يتلى بها، وتكتب من أصوات العباد ومدادهم، فإن الكلام كلام من قاله مبتدءا، لا كلام من بلغه مؤديا، فإذا سمعنا محدثا يحدث
بقول النبى- ﷺ «إنما الأعمال بالنيات»
قلنا هذا كلام رسول الله لفظه ومعانيه، مع أن علمنا أن الصوت صوت المبلغ لا صوت رسول الله وهكذا كل من بلغ كلام غيره من نظم ونثر ونحن إذا قلنا هذا كلام الله لما نسمعه من القارئ من قرأه فى المصحف فالإشارة إلى الكلام من حيث هو هو مع قطع
стр. 12606
النظر عما اقترن به البلاغ من صوت المبلغ ومداد الكاتب، فمن قال: صوت القارئ ومداد [١] الكاتب كلام الله الذى ليس بمخلوق فقد أخطأ، وهذا الفرق الذى بينه الإمام [أحمد] [٢] لمن سأله وقد قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
[٣] فقال:
هذا كلام الله غير مخلوق؟ فقال نعم فنقل السائل عنه أنه قال: لفظى بالقرآن غير مخلوق قد عابه أحمد وزبره زبرا [٤] شديدا وطلب عقوبته وتعذيره [٥] وقال: أنا قلت لك لفظى بالقرآن غير مخلوق؟ فقال: لا ولكن قلت لى لما قرأت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
هذا كلام الله غير مخلوق، فقال: فلم تنقل عنى ما لم أقله بين الإمام أحمد أن القائل إذا قال لما يسمعه من المبلغين والمؤذنين هذا كلام الله، فالإشارة إلى الحقيقة التى تكلم بها الله وإن كنا إنما سمعناها ببلاغ المبلغ وحركته وصوته فإذا أشار إلى شئ من صفات المخلوق لفظه أو صوته أو فعله وقال هذا غير مخلوق فقد ضل وأخطأ، فالواجب أن يقال: القرآن كلام الله غير مخلوق، والقرآن فى المصاحف كما أن سائر الكلام فى المصحف ولا يقال إن شيئا من المداد والورق غير مخلوق، بل كل ورق ومداد فى العالم فهو مخلوق، ويقال أيضا: القرآن الذى فى المصحف كلام الله غير مخلوق والقرآن الذى يقرؤه المسلمون كلام الله غير مخلوق.
وتبيين هذا الجواب عن المسألة الثانية [٣٢] وهو قوله: أن كلام الله هل هو بحرف وصوت أم لا فإن [٦] إطلاق الجواب فى هذه المسألة نفيا وإثباتا خطأ، وهى من البدع المولدة الحادثة بعد المائة الثالثة لما قال قوم من متكلمة الصفاتية: إنّ كلام الله الذى أنزله على أنبيائه كالتوراة، والإنجيل والقرآن، والذى لم ينزله، والكلمات التى [٧] كون بها الكائنات والكلمات المشتملة على أمره، ونهيه وخبره ليس إلا مجرد معنى واحد هو صفة واحدة قامت بالله إن عبر عنها بالعبرية [٨] كانت
стр. 12607
التوراة، وإن عبر عنها بالعربية كانت القرآن، وأن الأمر [١] ، والنهى والخبر صفات لها لا أقسام لها وأن حروف القرآن مخلوقة خلقها الله تعالى ولم يتكلم بها وليست كلامه؛ إذ كلامه لا يكون بحرف وصوت عارضهم آخرون من المثبتة فقالوا: بل القرآن هو الحروف والأصوات وتوهم قوم أنهم يعنون بالحروف المداد وبالأصوات أصوات العباد وهذا لم يقله عالم، والصواب الذى عليه سلف الأمة كالإمام أحمد والبخارى صاحب الصحيح فى كتاب خلق أفعال العباد وغيره وسائر الأئمة قبلهم وبعدهم اتباع النصوص الثابتة وإجماع سلف الأمة وهو أن القرآن جميعه كلام الله تعالى: حروفه ومعانيه ليس شيئا من ذلك كلاما لغيره ولكن أنزله على رسله وليس القرآن اسما لمجرد المعنى ولا لمجرد الحرف بل لمجموعهما وكذلك سائر الكلام ليس هو الحروف فقط ولا المعانى فقط بل مجموعهما كما أن الإنسان المتكلم الناطق ليس هو مجرد الروح ولا مجرد الجسد بل مجموعهما وأن الله تعالى يتكلم بصوت كما جاءت به الأحاديث الصحاح، وليس ذلك هو أصوات العباد، لا صوت القارئ ولا غيره فإن الله ليس كمثله شئ لا فى ذاته ولا فى صفاته، ولا فى أفعاله، وكما لا يشبه علمه وقدرته وحياته علم المخلوق وقدرته وحياته فكذلك لا يشبه كلامه كلام المخلوق ولا معانيه تشبه معانيه ولا حروفه تشبه حروفه، ولا صوت الرب يشبه صوت العبد فمن شبه الله بخلقه فقد ألحد فى أسمائه وآياته، ومن حجد ما وصف به نفسه فقد ألحد فى أسمائه وآياته وقد بينت فى الجواب المبسوط مراتب مذاهب أهل الأرض فى ذلك وأن المتفلسفة تزعم أن كلام الله ليس له وجود إلا فى نفس الأنبياء تفيض عليهم المعانى من العقل الفعال فتصير فى نفوسهم حروفا كما أن ملائكة الله عندهم ما يحدث فى نفوس الأنبياء من الصور النورانية، وهذا من جنس قول [٢] فيلسوف قريش الوليد بن المغيرة إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ
فحقيقة قولهم إن القرآن تصنيف الرسول لكنه كلام شريف صادر عن نفس
стр. 12608
صافية، وهؤلاء هم الصابئة [١] فنفرت منهم الجهمية [٢] فقالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم ولا قام به كلام وإنما كلامه ما يخلقه من الهواء أو غيره فأخذ بعض ذلك قوم من متكلمة الصفات [٣] فقالوا: بل نصفه، وهو المعنى [٤] كلام الله ونصفه وهو الحروف ليس كلام الله بل هو خلق من خلقه وقد تنازع الصفاتية القائلون بأن القرآن غير مخلوق هل يقال: إنه قديم لم يزل لا متعلق المشيئة؟ أم يقال يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء على قولين مشهورين فى ذلك وفى السمع والبصر ونحوهما ذكرهما الحارث المحاسبى عن أهل السنة، وذكرهما أبو بكر عن أهل السنة من أصحاب أحمد وغيرهم وكذلك النزاع بين أهل الحديث والصوفية وفرق الفقهاء من المالكية والشافعية والحنفية بل وبين فرق المتكلمين والفلاسفة فى جنس هذا الباب وليس هذا موضع بسط ذلك الفصل.
وأما سؤاله عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[٥] فهو حق أخبر الله به، وأهل السنة متفقون على ما قاله ربيعة بن أبى عبد الرحمن ومالك بن أنس وغيرهما من الأئمة أن الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عن الكيف بدعة فمن زعم أن الله مفتقر إلى عرش يقله أو أنه محصور فى سماء تظله أو أنه محصور فى شئ من مخلوقاته، أو أنه تحيط به جهة من جهات مصنوعاته فهو مخطئ ضال ومن قال إنه ليس على العرش رب ولا فوق السموات خالق بل ما هنا لك إلا العدم المحض والنفى الصرف فهو معطل جاحد
стр. 12609
لرب العالمين مضاه [١] لفرعون الذى قال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ. أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً
[٢] بل أهل السنة والحديث وسلف الأمة متفقون على أنه فوق سماواته على عرشه بأين من مخلوقاته ليس فى ذاته شئ من مخلوقاته [٣٣] ولا فى مخلوقاته [٣] شئ من ذاته وعلى ذلك نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمة السنة بل على ذلك جميع المؤمنين من الأولين والآخرين وأهل السنة وسلف الأمة متفقون على أن من تأول استوى بمعنى استولى أو بمعنى آخر ينفى أن يكون الله فوق السموات فهو جهمى ضال مضل.
وأما سؤاله عن إجراء القرآن على ظاهره فإنه إذا آمن بما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله من غير تحريف ولا تكييف فقد اتبع سبيل المؤمنين ولفظ الظاهر فى عرف المستأخرين قد صار فيه اشتراك فإن أراد بإجرائه علي الظاهر الذى هو فى خصائص المخلوقين حتى يشبه الله بخلقه فهذا ضلال بل يجب القطع بأن الله ليس كمثله شئ لا فى ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله بل قد قال ابن عباس رضى الله عنهما [٤] ليس فى الدنيا مما فى الآخرة إلا الأسماء يعنى أن موعود الله فى الجنة من الذهب والحرير والخمر واللبن يخالف حقا بقية حقائق هذه الأمور الموجودة فى الدنيا فالله تعالى أبعد عن مشابهة مخلوقاته بما لا تدركه العباد؛ إذ ليست حقيقته كحقيقة شئ منها وأما إن أراد بإجرائه على الظاهر [الذى هو الظاهر] [٥] فى عرف سلف الأمة بحيث لا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يلحد فى أسماء الله تعالى ولا يفسر القرآن والحديث بما يخالف تفسير سلف الأمة وأهل السنة بل يجرى ذلك على ما اقتضته النصوص وتطابق عليه دلائل الكتاب والسنة وأجمع عليه سلف الأمة فهذا مصيب فى ذلك وهو الحق وهذه جملة لا يسع هذا الموضع تفصيلها والله أعلم.
стр. 12610
فلما وقف القاضى شمس الدين بن عدلان على هذه الفتيا أنكر منها مواضع وعرضها على القاضى زين الدين المالكى فقال قاضى القضاة أحتاج أن يثبت عندى أن هذا خط تقى الدين المذكور فإذا ثبت ذلك رتبت عليه مقتضاه، وانفصل المجلس فى تلك الليلة على هذا، ثم شهد جماعة عند قاضى القضاة أن الجواب المذكور بخط تقى الدين المذكور فثبت ذلك عنده وأشهد على نفسه به فى شعبان من السنة واجتمع قاضى القضاة زين الدين بالأمراء وعرفهم ما أنكره من فتياه فرسم بطلبه إلى الأبواب السلطانية وتوجه البريد بذلك فتوقف نائب السلطنة بالشام الأمير جمال الدين فى إرساله واتفق وصول الأمير سيف الدين الطنقش الجمالى أستاذ دار نائب السلطنة بالشام إلى الأبواب السلطانية فى الشهر المذكور فى بعض المهمات وملك السلطان مخدومه من أملاكه بالشام أماكن أحتاج إلى إثباتها على قاضى القضاة زين الدين المالكى فاجتمع بى بسبب ذلك فدخلت على قاضى القضاة وعرفته مكانة سيف الدين المذكور ومنزلته من أرباب الدولة، ومحل مخدومه والتمست منه الإذن له فى الدخول وإكرامه إذا دخل عليه فأذن له فى الدخول فلما دخل عليه اطرحه ولم يكترت لدخوله وكلمه بكلام غليظ فكان مما قال له عند دخوله عليه: أنت أستاذ دار جمال الدين؟ قال: نعم: قال: لا بيّض الله وجهه. وحمله رسالة لمخدومه فقال: قل له عنى أنت تعرف كيف كنت، وأننى اشتريتك للسلطان الملك المنصور وكنت على حال من الضرورة فى جنديتك وإمرتك ثم خوّلك الله تعالى من نعمه وأفاض عليك منها ما أنت عليه الآن وألحقك بأكابر الملوك ونعتّ بملك الأمراء، ثم أنت تدافع عن رجل طلبته لقيام حق من حقوق الله عليه، والله لئن لم ترسله ليعجلن الله تعالى [١] هلاكك إلى غير ذلك مما قاله فى وقت خروجه فالتزم الأمير سيف الدين الطنقش أنه عند وصوله إلى دمشق لا يبيت ابن تيمية بها، ويرسله إليه، ثم لم يقنع قاضى القضاة بذلك إلى أن اجتمع بالأمراء، وجدد معهم الحديث فى أمر تقى الدين فاقتضى ذلك إرسال الأمير حسام الدين لاجين العمرى أحد الحجاب بالأبواب السلطانية إلى دمشق بمثال شريف سلطانى بطلبه فتوجه ووصل إليها فى خامس شهر رمضان.
стр. 12611
هذا هو السبب الموجب لطلبه وانحمال [١] قاضى القضاة زين الدين المالكى عليه نقلته عن مشاهدة واطلاع واتفق [٢] فى هذه المدة له وقائع بدمشق نحن نوردها ملخصة بمقتضى ما أورده الشيخ شمس الدين محمد بن إبراهيم [٣] الجذرى [٣٤] فى تاريخه ليجمع بين أطراف هذه الحادثة وأسبابها بمصر والشام وهو أنه لما كان فى يوم الإثنين ثامن شهر رجب عقد مجلس بين يدى نائب السلطنة بدمشق حضره القضاة والعلماء والشيخ تقى الدين المذكور وسئل عن عقيدته فأملى شيئا منها ثم أحضر عقيدته الواسطية [٤] وقرئت فى المجلس وحصل البحث فى مواضيع منها وأخرت مواضيع إلى مجلس آخر ثم اجتمعوا فى يوم الجمعة ثانى عشر الشهر وحصل البحث وسئل عن مواضيع خارجة عن العقيدة وندب للكلام معه الشيخ صفي الدين الهندى [٥] ثم عدل عنه إلى الشيخ كمال الدين بن الزملكانى [٦] فبحث معه من غير مسامحة فأشهد الشيخ تقى الدين على نفسه من حضر المجلس أنه شافعى المذهب يعتقد ما يعتقد الإمام الشافعى فحصل الرضى منه وعنه بهذا القول وانفصل المجلس ثم حصل بعد ذلك من بعض أصحاب الشيخ تقى الدين كلام وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا فأحضر الشيخ [٧] كمال الدين القزوينى نائب قاضى القضاة نجم [٨] الدين أحدهم إلى المدرسة العادلية وعزره وفعل قاضى القضاة الحنفى مثل ذلك باثنين من أصحابه فلما كان يوم الإثنين ثانى عشرين الشهر قرأ الشيخ جمال الدين المزى [٩] فصلا فى الرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد من كتاب
стр. 12612
البخارى وكان ذلك بالجامع الأموى تحت النسر [١] فى المجلس العام المعقود لقراءة صحيح البخارى فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وقال نحن قصدنا بهذا التكفير فبلغ ما قاله قاضى القضاة نجم الدين الشافعى فأحضره ورسم باعتقاله فبلغ ابن تيمية الخبر فقام حافيا وتبعه أصحابه وأخرجه من الحبس فغضب القاضى [٢] وتوجه إلى نائب السلطنة واجتمع هو وتقى الدين فاشتط تقى الدين عليه وذكر نائبه جلال الدين وأنه آذى أصحابه فرسم نائب السلطان بإشهار النداء فى البلد بالكف عن العقائد والخوض فيها، ومن تكلم فى ذلك سفك دمه ونهب ماله. وأراد بذلك تسكين هذه الفتنة ثم عقد مجلس فى ثانى يوم الثلاثاء سلخ رجب بالقصر الأبلق بحضور نائب السلطنة والقضاة والفقهاء وحصل البحث فى أمر العقيدة وطال البحث فوقع من الشيخ صدر الدين كلام فى معنى الحروف فأنكره الشيخ كمال الدين بن [٣] الزملكانى فأنكر صدر الدين القول، فقال كمال الدين لقاضى القضاة نجم الدين بن صصرى: ما سمعت ما قال؟
فتغافل عن إجابته لتنكسر الفتنة فقال ابن الزملكانى ما جرى على الشافعية قليل إذ [٤] صرت رئيسهم يريد بذلك ابن الوكيل فيما يزعم فظن قاضى القضاة أنه أراده بكلامه فأشهد عليه أنه عزل نفسه عن القضاء وقام من المجلس فرسم نائب السلطنة بعوده فأدركه الأمير ركن الدين بيبرس العلائى الحاجب وغيره من الأمراء وأعادوه إلى المجلس، وجرى كلام كثير ثم ولاه نائب السلطنة القضاء وحكم قاضى القضاة الحنفى بصحة ولايته ونفذها المالكى فلما وصل إلى داره انقطع عن الحكم وطالع نائب السلطنة فى أمره فعاد الجواب السلطانى باستمراره فى القضاة فى ثامن عشرين شعبان.
ثم وصل الأمير حسام الدين لاجين العمرى فى خامس شهر رمضان بطلب قاضى القضاة نجم الدين وتقى الدين بن تيمية وتضمن المثال السلطانى بأن [٥] يطالع بما وقع من أمر تقى الدين المذكور فى سنة ثمان وتسعين وستمائة بسبب عقيدته وأن تكتب صورة العقيدتين الأولى والثانية فأراد نائب السلطنة
стр. 12613
أن يدافع عنه ويكتب فى حقه فوصل مملوكه سيف الدين الطنقش من الديار المصرية وأخبر باشتداد الحال عليه وقيام الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وذكر له كلام قاضى القضاة زين الدين فعند ذلك أمر بإرساله وإرسال قاضى القضاة نجم الدين فتوجها فى يوم الإثنين ثانى عشر شهر رمضان فتوجه القاضى نجم الدين فى الخامسة من النهار وتوجه تقى الدين فى التاسعة وصحبته جماعة من أصحابه منهم تقى الدين بن سنقر [١] وزين الدين بن زين الدين بن منجا وشمس الدين التدمرى وفخر الدين وعلاء الدين أولاد شرف الدين الصايغ وابن بحبح وشرف الدين عبد الله أخو الشيخ وكان وصولهم إلى القاهرة فى يوم الخميس ثانى عشرين شهر رمضان وعقد مجلس بدار النيابة بقلعة الجبل وحضره الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير وغيره من الأمراء والقضاة والعلماء وذلك بعد صلاة الجمعة الثالث والعشرين من الشهر [٣٥] فادعى القاضي شمس الدين محمد بن عدلان [٢] دعوى شرعية على تقى الدين فى عقيدته عند قاضى القضاة زين الدين [٣] فى المجلس وطالبه بالجواب فنهض تقى الدين قائما وقال: الحمد لله وأراد أن يذكر خطبة ووعظا، ويذكر عقيدته فى أثناء ذلك فقيل له أجب عما أدعى عليك به ودع هذا فلا حاجه لنا بما تقول فأراد أن يعيد القول فى الخطبة فمنع وطولب بالجواب فقال: عند من الدعوى علىّ؟ فقيل عند قاضى القضاة زين الدين المالكى فقال هو عدوى وعدو مذهبى فلم يرجع إلى قوله ولما لم يأت بجواب أمر قاضى القضاة زين الدين باعتقاله على رد الجواب فأقيم من المجلس واعتقل هو وأخواه شرف الدين عبد الله وعبد الرحمن وحبسوا فى برج فتردد إليه بعض الناس فاتصل ذلك بقاضى القضاة زين الدين فأمر بالتضييق عليه، فنقل إلى الجب فى ليلة عيد الفطر وكتب مثال شريف سلطانى وسير إلى دمشق فى أمر تقى الدين والحنابلة ونسخته [٤] .
стр. 12614
(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله الذى تنزه عن التشبيه والتنظير، وتعالى عن المثيل فقال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
[١] نحمده على أن ألهمنا العمل بالسنة والكتاب، ورفع فى أيامنا أسباب الشك والارتياب، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يرجو بإخلاصه حسن العقبى والمصير وينزه خالقه عن التحييز فى جهة لقوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[٢] ونشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذى نهج سبيل النجاة لمن سلك طريق مرضاته، وأمر بالتفكر فى آلآء الله، ونهى عن التفكر فى ذاته- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه- الذين علا بهم منار الإيمان وارتفع وشيد الله بهم من قواعد الدين الحنيف ما شرع، وأخمد بهم كلمة من حاد عن الحق ومال إلى البدع، وبعد: فإن العقيدة الشرعية [٣] وقواعد الإسلام المرعية وأركان الإيمان العلية ومذاهب الدين المرضية هى الأساس الذى يبنى عليه، والموئل الذى يرجع كل أحد إليه، والطريق الذى من سلكها فقد فاز فوزا عظيما ومن زاغ عنها فقد استوجب عذابا أليما فلهذا يجب أن تنفذ أحكامها، ويؤكد دوامها وتصان عقائد هذه الأمة عن الاختلاف وتزان قواعد الأمة بالائتلاف وتغمد [٤] بواتر البدع ويفرق من فرقها ما اجتمع، وكان التقى ابن تيمية فى هذه المدة قد بسط لسان قلمه ومد عنان كلمه وتحدث فى مسائل الذات والصفات ونص فى كلامه على أمور منكرات وتكلم فيما سكت عنه الصحابة والتابعون وفاه بما تجنبه السلف الصالحون وأتى فى ذلك بما أنكره أئمة الإسلام واتفق [٥] على خلافه إجماع العلماء والحكام وشهر من فتاويه فى البلاد ما استخف به عقول العوام وخالف فى ذلك علماء عصره وفقهاء شامه ومصره وبعث رسائله إلى كل مكان وسمى فتاويه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان.
стр. 12615
ولما اتصل بنا ذلك وما سلكه مريدوه من هذه المسائل وأظهروه من هذه الأحوال وأشاعوه وعلمنا أنه استخف قومه فأطاعوه حتى اتصل بنا أنهم صرحوا فى حق الله بالحرف والصوت والتجسيم قمنا فى الله تعالى مشفقين [١] من هذا النبأ العظيم وأنكرنا هذه البدعة وأنفنا [٢] أن يشيع [٣] عمن تضمه ممالكنا هذه السمعة وكرهنا ما فاه به المبطلون وتلونا قوله: سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ*
[٤] فإنه ﷻ تنزه عن العديل والنظير لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ
[٥] وتقدمت مراسمنا باستدعاء ابن تيمية المذكور إلى بابنا عندما سادت فتاويه شاما ومصر وصرّح فيها بألفاظ وضعها ذوقهم إلا وتلا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
[٦] ولما وصل إلينا أمرنا بجمع أولى الحل والعقد وذوى التحقيق والنقد وحضر قضاة الإسلام وحكام الأنام وعلماء الدين وفقهاء المسلمين وعقد له مجلس شرع فى ملأ من الأئمة وجمع فثبت عند ذلك عليه جميع ما نسبه إليه [٣٦] بمقتضى خط يده الدال على منكر معتقده وانفصل ذلك الجمع وهم لعقيدته منكرون، وآخذوه بما شهد به قلمه عليه تالين سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
[٧] وبلغنا أنه كان استتيب فيما تقدم وأخره الشرع الشريف لما تعرض لذلك وأقدم ثم عاد بعد منعه ولم تدخل تلك النواهى فى سمعه ولما ثبت ذلك فى مجلس الحكم العزيز المالكى حكم الشرع الشريف بأن يسجن هذا المذكور ويمنع من التصرف والظهور ومرسومنا هذا يأمر بأن لا يسلك أحد ما سلكه المذكور من هذه المسالك، وينهى عن التشبه به فى اعتقاد مثل هذا أو يغدو له فى هذا القول متبعا ولهذه الألفاظ مستمعا أو يسرى فى التجسيم مسراه أو أن يفوه بجهة العلو مخصصا أحد كما فاه أو يتحدث إنسان فى صوت أو حرف أو يوسع القول فى ذات أو وصف أو ينطق
стр. 12616
بتجسيم أو يحيد عن طريق الحق المستقيم أو يخرج عن آراء الأئمة أو ينفرد عن علماء الأمة أو يحيز الله فى جهة أو يتعرض إلى حيث أو كيف فليس لمن يعتقد هذا المجموع [١] عندنا إلا السيف فليقف كل أحد عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد، وليلزم كل من الحنابلة بالرجوع عما أنكره الأئمة من هذه العقيدة أو الخروج من هذه المشتبهات الشديدة ولزوم ما أمر الله تعالى به من التمسك بمذهب أهل الإيمان الحميدة فإنه من خرج عن أمر الله تعالى فقد ضل سواء السبيل وليس له غير السجن الطويل من مستقر ولا مقيل.
رسمنا بأن ينادى فى دمشق المحروسة والبلاد الشامية وتلك الجهات بالنهى الشديد والتخويف والتهديد لمن يتبع ابن تيمية فى الأمر الذى أو ضحناه ومن تبعه فيه تركناه فى مثل مكانه وأحللناه ووضعناه من عيون الأمم كما وضعناه ومن أصر على الدفاع وأبى إلا الامتناع أمرنا بعزلهم من مدارسهم ومناصبهم وإسقاطهم من مراتبهم وأن لا يكون لهم فى بلادنا حكم ولا قضاء ولا إمامة ولا شهادة ولا ولاية ولا رتبة ولا إقامة فإننا أزلنا دعوة هذا المبتدع من البلاد وأبطلنا عقيدته التى أضل بها كثيرا من العباد أو كاد ولتكتب المحاضر الشرعية على الحنابلة بالرجوع عن ذلك وتسير إلينا بعد إثباتها على قضاة الممالك وقد أعذرنا وحذرنا، وأنصفنا حيث أنذرنا وليقرأ مرسومنا هذا على المنابر ليكون أبلغ واعظ وزاجر وأحمد ناه وآمر والاعتماد على الخط الشريف أعلاه وكتب فى ثامن عشرين شهر رمضان سنة خمس وسبعمائة.
ولما وصل هذا المثال الى دمشق قرئ على المنابر كما رسم فيه وأشهر وأعلن [٢] وأما قاضى القضاة نجم الدين ابن صصرى فإنه عومل بالإكرام وخلع عليه ونزل بدار الحديث الكاملية بقاعة التدريس بها وأذن له السلطان أن يحكم بالقاهرة فأثبت مكاتيب كثيرة وجلس كتاب الحكم بين يديه، وخرجت إسجالاته وشهدت عليه في بعضها، ثم عاد إلى دمشق على خيل البريد، وكان وصوله إليها فى يوم الجمعة سادس ذى القعدة وفى أثناء هذه الحادثة فى غضون هذه
стр. 12617
المدة كان للحنابلة فى القاهرة مع قاضى القضاة زين الدين المالكى وقائع أهين فيها بعض أعيانهم واعتقل وعزر بعضهم.
وكان ممن تعصب لتقى الدين ابن تيمية فى هذه الواقعة بالشام قاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الحريرى الحنفى وأثبت محضرا له مما هو عليه من الخير وكتب فى أعلاه بخطه ثلاثة عشر سطرا يقول فى جملتها إنه منذ ثلاثمائة سنة ما رأى الناس مثله وأرانى قاضى القضاة زين الدين المالكى هذا المحضر وغضب منه وسعى فى عزل قاضى القضاة الحنفية بدمشق شمس الدين ابن الحريرى [١] فعزل وفوض قضاء القضاة الحنفية بدمشق بعده لقاضى القضاة شمس الدين محمد بن إبراهيم الأذرعى الحنفى [٢] مدرس المدرسة الشبلية فوصل تقليده إلى دمشق فى ثانى ذى القعدة [٣] .
وأما تقى الدين فإنه استمر فى الجب بقلعه الجبل إلى أن وصل الأمير حسام الدين مهنا إلى [٤] الأبواب السلطانية فى شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة فسأل السلطان في أمره وشفع فيه فأمر بإخراجه فأخرج فى يوم الجمعة [٣٧] الثالث والعشرين من الشهر وأحضر [٥] إلى دار النيابة بقلعة الجبل وحصل بحث مع بعض الفقهاء ثم اجتمع جماعة من أعيان العلماء ولم تحضره القضاة وذلك لمرض قاضى القضاة زين الدين المالكى ولم يحضر غيره من القضاة، وحصل البحث وكتب خطه ووقع الإشهاد عليه وكتب بصورة المجلس مكتوب مضمونه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
شهد من يضع خطه
стр. 12618
آخره أنه لما عقد مجلس لتقى الدين أحمد بن تيمية الحرانى الحنبلى بحضرة المقر الأشرف العالى المولوى الأميرى الكبيرى العالمى العادلى السيفى ملك الأمراء سلار الملكى الناصرى نائب السلطة المعظمة أسبغ الله ظله، وحضر فيه جماعة من السادة العلماء الفضلاء أهل الفتيا بالديار المصرية بسبب ما نقل عنه ووجد بخطه الذى عرف به قبل ذلك من الأمور المتعلقة باعتقاده أن الله تعالى يتكلم بصوت وأن الاستواء على حقيقته وغير ذلك مما هو مخالف لأهل الحق، انتهى المجلس بعد أن جرت فيه مباحث معه ليرجع عن اعتقاده فى [١] ذلك إلى أن قال بحضرة شهود: أنا أشعرى ورفع كتاب الأشعرية على رأسه وأشهد عليه بما كتب به خطا وصورته: الحمد لله الذى أعتقده أن القرآن معنى قائم بذات الله، وهو صفة من صفات ذاته القديمة الأزلية وهو غير مخلوق وليس بحرف ولا صوت، كتبه أحمد بن تيمية والذى أعتقده من قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
[٢] أنه على ما قاله الجماعة أنه ليس على حقيقته وظاهره ولا أعلم كنه المراد منه بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى. كتبه أحمد بن تيمية، والقول فى النزول كالقول فى الاستواء أقول فيه ما أقول فيه ولا أعلم كنه المراد به بل لا يعلم ذلك إلا الله تعالى وليس على حقيقته وظاهره كتبه أحمد بن تيمية وذلك فى يوم الأحد خامس عشرين شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة.
هذا صورة ما كتب به خطه وأشهد عليه أيضا أنه تاب إلى الله تعالى مما ينافى [٣] هذا الاعتقاد فى المسائل الأربع المذكورة بخطه وتلفظ بالشهادتين المعظمتين وأشهد عليه أيضا بالطواعية والاختيار فى ذلك ووقع ذلك كله بقلعه الجبل المحروسة من الديار المصرية حرسها الله تعالى بتاريخ يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة وشهد عليه فى هذا المحضر جماعة من الأعيان المقنتين والعدول، وأفرج عنه واستقر
стр. 12619
بالقاهرة بدار شقير ثم عقد له مجلس ثالث بالمدرسة الصالحية [١] بالقاهرة فى يوم الخميس سادس عشر شهر ربيع الآخر وكتب بخطه نحو ما تقدم ووقع الإشهاد فيه عليه أيضا وسكن الحال مدة ثم اجتمع جماعة من المشايخ والصوفية مع الشيخ تاج الدين بن عطاء الله [٢] فى نحو خمسمائة نفر وتبعهم جمع كثير من العوام وطلعوا إلى قلعة الجبل فى العشر الأوسط من شوال من السنة واجتمع الشيخ المذكور وأعيان المشايخ بنائب السلطان وقالوا إن تقى الدين يتكلم فى حق مشايخ الطريقة وإنه يقول: لا يستغاث بالنبى ﷺ فرد الأمر إلى قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى واقتضى الحال أن رسم بتسفيره إلى الشام على خيل البريد فتوجه وكان قاضى القضاة زين الدين المالكى فى ذلك الوقت فى حال شديدة من المرض وقد أشرف على الموت، فبلغه ذلك عقيب أفاقة من غشى كان قد حصل له فأرسل إلى الأمير سيف الدين سلار وسأله فى رده فأمر برده إلى القاهرة فتوجه البريد وأعاده من [٣] مدينة بلبيس فوصل وقاضى القضاة زين الدين مغلوب بالمرض فأرسل إلى نائبه القاضى نور الدين الزواوى فحضر به إلى مجلس قاضى القضاة بدر الدين وحررت الدعوى عليه فى أمر اعتقاده وما وقع منه فشهد عليه الشيخ شرف الدين بن الصابونى، وقيل إن الشيخ علاء الدين القونوى يشهد عليه فاعتقل بسجن الحاكم [٤] بحارة الديلم [٥] وذلك فى ثامن عشر شوال سنة سبع وسبعمائة واستمر به إلى سلخ صفر سنة تسع وسبعمائه فأنهى عنه أن جماعة
стр. 12620
يحضرون إليه بالسجن وأنه يعظهم ويتكلم فى أثناء وعظه بما يشبه ما تقدم من كلامه، فأمر بنقله إلى ثغر الإسكندرية واعتقاله هناك فجهز إلى الثغر فى هذا التاريخ وحبس ببرج شرقى واستمر به إلى أن عادت الدولة الناصرية ثالثا فتحدث مع السلطان فى يوم السبت ثامن عشر شوال سنة تسع وسبعمائة فأكرمه السلطان وجمع القضاة وأصلح بينه وبين قاضى القضاة زين الدين المالكى فأشرط عليه قاضى القضاة أن يتوب عما تقدم الكلام فيه [٣٨] ويتوب عنه ولا يعود إليه فقال السلطان: قد تاب وانفصل المجلس على خير وسكن الشيخ تقى الدين بالقاهرة ببعض القاعات وتردد الناس إليه واستمر إلى أن توجه السلطان إلى الشام فى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، فتوجه بنية الغزاة، وأقام بدمشق إلى أن سطرنا هذه الأحرف فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وكان له فى غضون هذه المدة بدمشق وقائع نذكرها [١] فى مواضعها إن شاء الله تعالى ولنرجع إلى تتمة سياقة الحوادث فى سنة خمس وسبعمائة.
وفيها فى العشر الأوسط من ذى الحجة
وفر الأمير بدر الدين بكتاش البدرى الصالحى النجمى أمير سلاح من الخدمة، وقطع خبره وجعل له مرتب فى كل شهر وأقر مماليكه وأجناده على إقطاعاتهم، الشاهد بها مدرج [٢] عرضه إلى آخر وقت وجعلوا فى جملة رجال الحلقة المنصورة، وأضيفوا إلى مقدمين من أعيانهم وارتجع خاصة إلى الخاص السلطانى، ورسم بمسامحته بما يلزمه من التفاوت فيما بين السنة الشمسية والقمرية وكان جملة كثيرة لو طولب لها استغرقت أمواله وموجوده ولم يف بها، وكا ولده الأمير ناصر الدين محمد قد علم عجز والده عن الخدمة وضعف نظره وتحقق من حال الأمراء أنهم عزموا على قطع خبزه فسعى هو معهم فى ذلك وذكر عجز والده فأجيب إلى ملتمسه وتألم [٣] الأمير بدر الدين المذكور لذلك ألما [٤] شديدا وسب ولده الأمير ناصر الدين والذى حضر بالرسالة أيضا، وهو
стр. 12621
الأمير بدر الدين الوزيرى الحاجب وأرسل إلى الأمراء يقول: إننى لم أتاخر عن الخدمة ولا انقطعت عن مهمّ من مهمات السلطان وما زلت أتوجه إلى الغزوات والشباب من الأمراء موفرون من ذلك فأمسكوا عن جوابه ولم تطل مدة حياته بعد قطع خبزه فإنه مات فى حادى عشرين ربيع الآخر سنة ست وسبعمائة ودفن بتربته خارج باب النصر [١] رحمه الله تعالى.
وفى سنة خمس وسبعمائة أيضا توفى الملك الأوحد تقى الدين شادى ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن ناصر الدين محمد ابن أسد الدين شيركوه ابن شادى بن مروان فى يوم الأربعاء ثانى [٢] صفر بجبال الجرديين [٣] وحمل إلى قاسيون فدفن بتربة والده، وكان من جملة أمراء الطبلخاناه بدمشق رحمه الله تعالى. وتوفى شيخنا الإمام الحافظ شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف بن الحسن بن العفيف بن شرف بن الخضر الدمياطى [٤] وكانت وفاته بالقاهرة المحروسة فى يوم الأحد خامس عشر ذى القعدة سنة خمس وسبعمائة من غير مرض وذلك أنه حضر الميعاد بالقبة المنصورية على عادته ثم قام بعد الميعاد ومشى إلى منزله بالمدرسة الظاهرية فمات من ساعته- رحمه الله تعالى- ودفن من الغد بمقابر باب النصر وكانت جنازته مشهودة وهو آخر من بقى من الحفّاظ ويقال: إنه ما رأى مثل نفسه [٥] فى فنه وشهرته ومشايخه، ورحلته أشهر [٦] من أن يأتى عليها وشرح ذلك يطول وفيما أشرت [٧] إليه كفاية.
стр. 12622
واستهلت سنة ست وسبعمائة
فى هذه السنة فى شهر المحرم عزل الأمير علم الدين سنجر الجاولى [١] أستاذ الدار من وظيفته وقطع خبزه وسفره إلى دمشق بغير إقطاع وذلك لتغير حصل من الأمير ركن [٢] الدين عليه ثم أنعم عليه بعد وصوله إلى دمشق بإمرة طبلخاناه [٣٩] .
وفيها عزل الصاحب سعد الدين عطايا [٣] من الوزارة فى الشهر المذكور وصودر على مائة ألف درهم خرجت فى ديوان البيوت السلطانية فى مدة نظره، فحمل من ذلك الى بيت المال ثمانين ألف درهم وسومح بما بقى وأفرج عنه ولزم داره ولما عزل فوضت الوزارة لتاج الدين بن سعيد الدولة الناظر وألبس التشريف السلطانى على كره منه وجلس فى المجلس إلى آخر النهار وقام وتوجه إلى بيته بعد العصر ومنع من لهم عادة بالركوب فى خدمة الوزير من الركوب معه ولما وصل إلى داره حضر قضاة القضاة للسلام عليه وتهنئته بالوزارة فلم يأذن لهم فى الدخول، وخرج غلامه إليهم وإلى من حضر ببابه فقال:
من كان له حاجة فليطلع إلى القلعة. فانصرفوا من غير اجتماع به، وهرب هو في تلك الليلة واختفى وأعاد خلعة الوزارة واستمر فى اختفائه إلى أن رسم بإعفائه واستقراره على عادته وكان الحامل له على ذلك والذى أوجب له كراهة الوزارة أنه توهم من الأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة كراهة ذلك فخاف عاقبته وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار شديد الاعتناء به وفوضت الوزارة بعد ذلك للصاحب ضياء الدين أبى بكر بن عبد الله النشائى، وكان أحد [٤] النظار فلم يكن له الوزارة إلا مجرد التسمية والمعلوم [٥] وما عدا ذلك من الأمر والنهى والاستخدام والعزل فهو لتاج الدين بن سعيد الدولة لا يخرج عن إشارته ورضى بذلك.
стр. 12623
وفى هذه السنة عادت رسل السلطان
الملك الناصر من عند الملك طقطاى [١] ملك التتار بالبلاد الشمالية: وهم الأمير سيف الدين بلبان الصرخدى، وسيف الدين بلبان الحكيمى وفخر الدين أمير آخور الشمسى وصحبتهم رسول من الملك طقطاى واسمه نامون فبولغ فى إكرامه وأعيد بالجواب وسفر مع الأمير بدر الدين بكتمش الخزندارى وفخر الدين محمود أمير آخور الشمسى وفيها في شهر ربيع الأول وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة عليه، وأطلق من أسرى المسلمين مائتين وسبعين أسيرا وأوصلهم إلى مدينة حلب.
وفى هذه السنة كتب تقليد شريف سلطانى لقاضى القضاة شمس الدين الحنفى الأذرعى [٢] بدمشق وتوجه به البريد فوصل الى دمشق فى يوم العشرين من شهر ربيع الآخر فظن البريدى أن التقليد [٣] للقاضى شمس الدين محمد بن الحريرى المعزول فتوجه به إليه إلى المدرسة الظاهريه، وشاع ذلك وحضر الناس لتهنئته بالعود واتصل ذلك بالقاضى شمس الدين الأذرعى وهو بمجلس حكمه ففارقه جميع من كان فى المجلس من الشهود وغيرهم والمتحاكمون والوكلاء والرسل ولم يبق عنده غير نقيبه، وتوجهوا كلهم إلى القاضى شمس الدين بن الحريرى فلما اجتمع الناس عنده أمر الشيخ علم الدين البرزالى بقراءة التقليد على من حضر من الناس فقرأه رافعا به صوته فلما انتهى إلى ذكر الاسم والنسب سكت فقال له النقيب اذكر ألقاب سيدنا قاضى القضاة ونعوته وقال له القاضى شمس الدين: اقرأ فقال: يا مولانا ما هو لك، هو للأذرعى وطواه وتفرق ذلك الجمع وأخذه البريدى وتوجه به إلى القاضى شمس الدين الأذرعى وهو بمجلس الحكم لم يقم منه وعاد إلى مجلسه من كان قد فارقه وغيرهم وحصل له جبر بعد كسر وخجل القاضى [٤٠] شمس الدين بن الحريرى من الناس للمبادرة بقراءة التقليد قبل تحقيق الحال فيه.
стр. 12624
ذكر حادثه غريبة
وفى هذه السنة وردت مطالعة نائب السلطان بحماة تتضمن أن [١] أراضى بارين [٢] من بلد حماه جبلين بينهما واد يجرى الماء فيه وانتقل [٣] نصف الجبل الواحد من موضعه إلى الجبل الآخر والتصق ولم يسقط فى الوادى الذى بينهما شئ من حجارته وأن النائب بحماة كشفه بالقاضى ببارين وعمل به محضرا وطول النصف الذي انتقل من الجبل مائة ذراع وعشرة أذرع وعرضه خمسة وخمسون ذراعا ومسافة الوادى الذى بين الجبلين مائة ذراع وقرئت المطالعة بمحضر نسخته بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*
لما اشتهر فى البلاد وانتشر فى الحاضر والباد أن يعمل حصن الأكراد جبلا بوادى بارين قد أفضى بعضه الى التحويل ولم يكن ذلك فى القدرة الإلهية بمستحيل واتصل ذلك بالمسامع الشريفة المولوية السيفية كافل الممالك الشريفة الحموية شنفها الله تعالى بما تحب أن تسمع وطوقها بلطائف الخير أجمع فأحب- أعلى الله له شأنا وملا قلبه نورا وإيمانا- أن يعلم حقيقة ذلك إيقانا وأن يكشف كنهه وضوحا وبيانا انتدب لتحقيق هذه الصورة الجناب العالى الحسامى نقيب العساكر المنصورة وعلى يده المرسوم الكريم إلى المجلس العالى الشهابى متولى بارين المعمورة أن يخرجا والحاكم الذى سيضع خطه أعلاه ومعهم [٤] من الشهود من سيرقم شهادته أدناه وأن ينتهوا إلى الوادى المشار إليه ويشاهدوا هذا الجبل ويقفوا عليه وأن يحققوا فى ذلك قصة الحال أحق ما قيل عنه أو محال؟ فبادروا الى امتثال [٥] ما رسم لهم به مسرعين وخرجوا نحو الجبل مهرعين، وحضروا جميعا بقرية بقعبرا وسألوا أهلها ما حدث على الجبل وطرأ فإذا برجلين قد دخلا فى واد بين جبلين وقالا [٦] هذا الجبل الذى نزل به ما نزل وفى قعر الوادى الماء
стр. 12625
يترقرق ويسيل ويتدفق ووقفوا عند عرقوب فى الجبل القبلى ناتئ مستعل صفته بين الانضمام والانسطاح وقد تحلق على صفحة الجبل المقابل له وطاح ولم يقع منه فى قعر المسيل الا النزر القليل مع أن أصله تراب أن هذا الشئ عجاب وبقى ما انسلخ منه متقعرا فى الجبل كهيئة محراب [١] وسفل الوادى على حاله لم يتغير والماء جار على العادة فيه يتكسر ويتحدر لم يحصل له سدة ولا احتقان ولا انتقل جريانه من مكان إلى مكان على أن ما انقلع منه طولا عشرة أذرع ومائة جملة وتفصيلا، وعرضا نصف ذلك قليلا، وعفا مثل نصف العرض تقريبا ومدي الحذف [٢] كالطول أو يكون منه قريبا، وذكر من حضر من أهل المكان أن وقوع ذلك فى أواخر رجب وأوائل شعبان ومن وقف على أثر هذا المكان ورآه وعلم من هذا الكتاب فحواه وضع به خطه أدناه وكان ذلك فى نهار الخميس ثامن عشرين شعبان سنة ست وسبعمائة وبذيل المحضر خط شهود وما علاه خط الحاكم ببارين ومثاله: الحمد لله حمدا يرضاه وقفت على الوادى المذكور وشاهدت العرقوب الذى انقلع ونقل ترابه وفيه نبات وحجارة على صفحة الجبل الذى قابله والتأم فى ذرعه [٣] وعدم وقع التراب فى مسيل الماء كما شرح فيه، كتبه أبو بكر بن نصر الهاشمى المعاد [٤] الشافعى العباسى الحاكم ببارين- عفا الله عنه وفيها فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من شوال خطب بالجامع الجديد الغربى بسفح جبل قاسيون الذى أنشأه الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة الشريفة بالشام مقابل الرباط الناصرى وخطب فيه القاضى شمس الدين بن المعز الحنفى.
وفى هذه السنة ولى قاضى القضاة صدر الدين أبو الحسن على بن الشيخ صفى [٤١] الدين أبى القاسم بن محمد الحنفى البصروى [٥] القضاء بدمشق عوضا عن القاضى شمس الدين الأذرعى الحنفى، وكان وصوله إلى دمشق فى تاسع عشرين ذى القعدة.
стр. 12626
وفيها فى يوم الثلاثاء ثامن عشر ذى الحجة أعيد الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى إلى الحجبة بالشام وولى وظيفة الشد بدمشق الأمير جمال الدين آقصى الرستمى نقل من ولاية الولاة بالضفة القبلية إلى هذه الوظيفة ببذل وهو ثمانمائه ألف درهم فى أربع سنين واشترط أنه لا يحدث حادثا ولا يجدد رسما وباشر الوظيفة في يوم الخميس العشرين من الشهر وحضر الأمير سيف الدين بكتمر معه إلى الديوان حتى رتبه فى الوظيفة وتوجه الأمير عز الدين حسين بن صبرة إلى الضفة القبلية والى الولاة وكان خروجه لذلك فى ثامن المحرم سنة سبع وسبعمائة.
وفى سنة ست وسبعمائة أيضا فى تاسع جمادى الأولى ورد إلى دمشق فقير أعجمى اسمه براق فى جمع كثير من الفقراء، وشعارهم أنهم يحلقون لحاهم ويبقون شواربهم ويلبسون على رءوسهم كلاوت من اللباد الأبيض يتعممون فوقها وفوق الكلاوت قرون ومعهم أجراس فأنزلهم نائب السلطنة بالمنيبع [١] ورتب لهم راتبا كثيرا ثم توجه براق ومن معه إلى القدس وقصد دخول الديار المصرية فلم يؤذن له فى ذلك فرجع، ومن سنة هؤلاء أنه [٢] من تأخر منهم عن صلاة فى وقتها ضرب أربعين سوطا وفيها توفى الطواشى عز الدين دينار الغزنوى [٣] الخزندار الظاهرى الدوادار الناصرى، كان دوادار السلطان الملك الناصر، وناظر الأوقاف الظاهرية، وكانت وفاته فى يوم الثلاثاء سابع شهر ربيع الأول، وكان ديّنا خيّرا، كثير المطالعة، لين الجانب، يحب أهل الخير ويكرمهم- رحمه الله تعالى-[٤] .
وفيها توفى الأمير عز الدين أيبك الطويل الخازندار المنصورى بدمشق فى حادى عشر شهر ربيع الأول، ودفن بقاسيون وكان مشكور السيرة والديّانة- رحمه الله تعالى-.
стр. 12627
وفيها فى ذى الحجة توفى الأمير سيف الدين بلبان الجوكان [١] دار المنصورى نائب السلطنة بحمص- رحمه الله تعالى- وهو من المماليك السلطانية فى زمن إمرة السّلطان الملك المنصور، وكان رجلا جيّدا أمينا ثقة ما رأيت فى أبناء جنسه ممن اختبرته فى الأمانة والعفة مثله، رافقته مدّة فى ديوان الخاص بدمشق واطّلعت منه على أمانة غزيرة، ونزاهة وافرة ومعرفة تامة وكان يوم ذاك ينوب عن السلطنة بقلعة دمشق وفوض إليه السلطان شد ديوان أملاكه بالشام، وكتبت يومئذ مباشرها، وذلك فى شوال سنة اثنتين وسبعمائة إلى أن نقل إلى نيابة السلطنة بحمص فاطلعت من أمانته ونزاهته ومعرفته على ما أشرت إليه، وكان قد اشتهر عنه فى مباشرة شدّ الدواوين عدم المعرفة والغفلة والبلادة، فلما رافقته ظهر لى منه معرفة تامة، وخبرة واطلاع ينافى ما كان قد اشتهر عنه، فسايرته يوما وانفردت بمسايرته، وجرى بنا الحديث فسألته عن ذلك، وعرّفته ما ظهر لى منه وما كان قد اشتهر عنه، فتبسّم وقال: والله ما لمح أحد من أمرى ما لمحته، وما سألنى أحد عنه قبلك، وأنا أخبرك عن ذلك، وهو أننى والله ما ولّيت للسلطان ولاية قطّ وأنا راض بها، وشرع يذكر لى ولايته وتنقلاته من الجندية وما بعدها، ثم قال: ولما نقلت من نيابة قلعة صفد إلى دمشق ووليت شاد الدواوين وأستاذ دارية كرهت ذلك أشدّ كراهة واستعفيت منه فلم أعف، والله كان إذا أحضرت إلىّ النفقة المقررة لى على بيت المال عن وظيفة الشد. وهى فى كل يوم خمسة وسبعون درهما- ووضعت بين يدى يخيّل لى أنها عقارب تلدغنى ولقد والله كنت أعرض على نفسى أنواع البلاء والعاهات، وولاية الشد [٤٢] فيسهل على أن ابتلى ببعض العاهات ولا أكون مشدّا، إلا العمى فإنى كنت أستصعبه وأختار الشد عليه، وأما لو خيرت أن يبطل إحدى يدى أو رجلىّ أو عينىّ تزول إحدهما وأبصر بالأخرى وأعفى من الشد لا خترت ذلك، ورضيته على الشد فقصدت إظهار عدم المعرفة والتغافل عن المهمات والمصالح حتى شاع ذلك عنى واتصل بأبواب السلطنة ورجوت بذلك الخلاص من وظيفة الشد، فلم يجد ذلك لى نفعا ولا عزلت، ففكرت بعض
стр. 12628
الليالى فى أمر أفعله يكون سبب خلاصى، فألهمنى الله تعالى أنه لا يخلصنى من الشد إلا أن أردّهم عن المظالم، وألّا أوافق على فعلها، واتّفق فى غضون ذلك أنّ القاضى شرف الدين بن مزهر [١] ناظر الدواوين حضر إلىّ وقد عين أسماء جماعه من الولاة والمباشرين بالأعمال البرانية أن يستخرج منهم مبلغ ثمانين ألف درهم لبيت المال، فلم أوافقه على ذلك، ورددته عنه، وقبحت عليه فعله، ففارقنى واجتمع بنائب السلطنة الأمير جمال الدين، وشكا إليه ذلك، وكتب تذكرة، وعلم نائب السلطنة عليها وسلمها إلىّ فى المجلس وقال لى استخرج مبلغها من هؤلاء. فقلت والله لا أفعل هذا أبدا ولا أوافق عليه، وإنما أنا أطلب هؤلاء الذين عينوا فى هذه التذكرة، ويحاققهم هذا الناظر وجماعة المستوفيين، فمن ظهرت خيانته استعدت منه ما التمسه، وأدّبته أدبا شافيا، ومن ظهرت أمانته خلعت عليه وأحسنت إليه وأعدته إلى جهته، أو نقلته إلى أجود منها، وأما خلاف هذا فلا أفعل. فطالع شرف الدين بن مزهر الأبواب السلطانية بذلك، فوصلت تذكرة سلطانية من الديار المصرية باستخراج المال المذكور عن ممّن عيّن، ووصل إلى قرينها [٢] كتاب السلطان باعتماد ما تضمنه، واستخراج المال وحمله، فامتنعت من ذلك وصممت على أن لا أتحدث فيه أبدا ولا أوافق عليه إلا بعد المحاققة. فلما علموا منى معارضتهم ودفعهم عما يقصدونه من المظالم صرفت من الشّدّ، وأفادنى هذا الرأى. فلما ولّيت ديوان الخاص هذا. وهو أملاك ومواريث شرع ليس فيه مظلمة ولا مكس انبعثت لمباشرته، وطابت نفسى بالحديث فيه، وأظهرت ما أعرفه فهذا هو السبب. واستكتمنى- رحمه الله تعالى- ذلك، فكتمته مدّة حياته، ثم ذكرته بعد وفاته. وكان ﵀ حسن الرّفقة لا ينفرد برأى، ولا يستقل بأمر قبل أن يعرضه على رفقته، ولقد كانت تأتيه كتب السلطان له فيما يتعلق بديوان الخاص فلا يفتحها حتى أحضر ويخرجها إلىّ مختومة فأقرأها عليه- وكان يحسن القراءة- ثم اتّفق معه على الجواب عنها وأكتبه عنه ويكتب عليه،
стр. 12629
وكان يخصنى بذلك دون بقية الرفقة- هذا إذا كنت بدمشق- وأما إن توجّهت لكشف جهة أو قسمتها فإنه يكتب الجواب إلى من يراه ولمامات ولى بعد وفاته نيابة السلطنة بحمص الأمير سيف الدين بكتمر الساقى المنصورى وتوجه إليه فى المحرم سنة سبع وسبعمائة
واستهلت سنة سبع وسبع مائة .
ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الناصر والأمراء
فى هذه السنة فى أول المحرم ظهرت الوحشة بين السلطان والأمير سيف الدين سلّار، والأمير ركن الدين بيبرس، وكان السلطان قد امتنع [١] من العلامة أياما، وظنّ الناس أن ذلك لمرض اعتراه ثم عبرا له فى ثالث الشهر فتنكر لهما وسبهما، فاستعطفاه وألانا له وقالا: نحن مماليك السلطان ومماليك والده السلطان الشهيد وبناة دولته إلى غير ذلك مما استعطفاه، فخلع عليهما وعلى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جندار. وخرجا من عنده فلما صار بظاهر باب القلعة [٢] قويت نفوسهما، وشرعا فى إظهار ما عندهما، وتركا باب القلعة فى تلك الليلة مفتوح الأقفال، ورسما بأن تركب جماعة من العسكر تحت القلعة، فركب الأمير شمس الدين سنقر الأعسر فى جماعة من مماليكه بعد العشاء الآخرة مظهرين السلاح وشقّ المدينة وخرج من باب زويلة إلى تحت القلعة، وكان قبل ذلك قد انقطع فى داره، وادّعى المرض، فلما كانت [٤٣] هذه الفتنة كان أوّل من ركب وكان ممن ركب أيضا أخوه الأمير سيف الدين سلار فخرج لهم بعض المماليك السلطانية الأوشاقية [٣] من الإسطبل، فراشقهم [٤] بالسهام ورمى الأمير سيف الدين سموك [٥] أخو سلار بسهم فوصل إلى الشباك الذى يجلس فيه السلطان، فشق ذلك على السلطان وكبر لديه،
стр. 12630
وبات الأمراء الأكابر فى تلك الليلة على مساطب الدّركاه بباب القلعة متلازمين، ولما فتح باب القلعة وقف أمامه مماليك الأمراء الأكابر وهم مكيّزون [١] سهامهم فى قسيّهم، وظنوا أن المماليك السلطانية يخرجون عليهم إذا فتح الباب، فلم يقع ذلك فصرف الأمراء أكثر مماليكهم، وجلس الأمراء بالدّركاه بباب القلعة [٢] وترددت الرسائل بينهم وبين السلطان على لسان الأمير جمال الدين أقش الموصلى والأمير سيف الدين كراي، والأمير بهاء الدين يعقوب الشهرزورى [٣] ، وسألوا رضا السلطان والتمسوا [٤] منه تسليم بعض الخاصكية [٥] الذين نسبوهم إلى تغيير خاطر السلطان، فما وسع السلطان إلا إخماد هذه الفتنة الثائرة فسيّرهم إليهم بعد مراجعات وأيمان أنهم لا ينالهم من الأمر أذى وهم سيف الدين بيبغا التركمانى، وكان من أخص الناس بالسلطان وأقربهم عنده وسيف الدين خاص ترك وسيف الدين بيتمر الحاج فأنزلهم الأمراء لوقتهم من القلعة وتوجهوا إلى جهة القدس ثم دخل الأمراء إلى الخدمة على عادتهم، ولما اتصل خبر هذه الحادثة بالأمير جمال الدين أقش الأفرم كتب إلى الأمراء يلومهم ويعنّفهم على ما وقع من إخراج هؤلاء المماليك ويلتمس إعادتهم، ويقسم أنهم متى لم يعادوا إلى خدمة السلطان حضر هو بهم، وكتب إلى السلطان مطالعة يقول: إن المملوك بلغه أن الخواطر الشريفة تغيّرت على فلان وفلان والمملوك يسأل عود العواطف الشريفة عليهم، وشمولهم بالمراحم السلطانية وإعادتهم إلى الخدمة أو نحو هذا ولما وصل كتاب نائب الشام إلى الأمراء بذلك سألوا السلطان فى إعادة المماليك المذكورين فرسم بإعادتهم
стр. 12631
فعادوا، ولم يسكن الأمير سيف الدين بيبغا بالقلعة وإنما سكن بداره بسويقة [١] العزى وما لبث أن مرض ومات فى هذه السنة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وفيها فى يوم الإثنين خامس عشر محرم بعد إخراج المماليك السلطانية رسم بإخراج الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار أمير جنذار فأخرج من ساعته، وقطع خبره، وبات فى تلك الليلة بظاهر القلعة، ورحل فى يوم الثلاثاء، وولى وظيفة الأمير جاندارية بعده الأمير بدر الدين بكتوت الجوكندار، المعروف بالفتاح، وتوجه الأمير سيف بكتمر إلى الشام بغير إقطاع، فلما وصل إلى غزة عيّنت له الصّبيبة [٢] فتوجه إليها واسترخمها وكره المقام بها، فكتب إلى الأبواب السلطانية وإلى الأمراء شكا من وخمها، وسأل نقلته إلى غيرها فعين له صرخد، [٣] ثم اتفقت وفاة الأمير شمس الدين سنقرجاه المنصورى نائب السلطنة بصفد فى شعبان فكتب منشورة بإقطاعه وتقليده بنيابة السلطنة بها، فتوجّه إليها، ثم كان من خبره ما نذكره وفيها وصل الأمير فتح الدين بن صبرة من أسر التتار، وقد تقدم ذكر أسره فى بلاد سيس.
وفى هذه السنة طلع النيل بالديار المصرية طلوعا عاما وروى البلاد وزرع وطلع الزرع طلوعا حسنا، فلما كان فى شوال الموافق لبرمهات- وهو وقت كمال الغلال- هبّت ريح جفّفت الزّرع قبل أن يشتد فهاف جميع ما مرت عليه تلك الريح، وهو أكثر الزّرع حتى ترك أكثره بغير حصاد وارتفعت أسعار الغلال بسبب ذلك فبلغ سعر القمح كل أردب تسعين درهما وفيها جرّد جماعة من العسكر الشامى إلى الرحبة فتوجه الأمير علاء الدين أيدغدى شقير فى طائفة من العسكر فى ثانى جمادى الأولى، ثم تلاه الأمير سيف الدين قطلوبك
стр. 12632
المنصورى فى رابع عشر الشهر وتوجه الأمير سيف الدين بهادر آحى فى التاريخ المذكور.
وفيها فى يوم الإثنين العشرين من شهر رجب توجه الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام إلى القدس الشريف لقصد الزيارة وتوجّه معه جماعة من أعيان دمشق [٤٤] وعاد إلى دمشق فى تاسع شعبان.
وفيها توجه ركب من الديار المصرية إلى الحجاز الشريف فى السابع والعشرين من شهر رجب صحبة الأمير ركن الدين الكوندكي وجماعة المشار إليه منهم الشيخ نجم الدين بن عبّود ونجم الدين بن الرفعه [١] وغيرهم ووصلوا إلى مكة فى سادس شهر رمضان.
ذكر الاهتمام بقصد اليمن والاحتفال لذلك وتعيين العساكر المجردة إليه وتأخير ذلك وإرسال الرسل
وفى هذه السنة حصل عزم الأمراء ولاة الأمر على قصد اليمن وتجريد العساكر وتقرر أن يتوجه الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة بالجيوش، وعيّن من يتوجه معه، وعرض رجال الحلقة واحتفل لذلك احتفالا عظيما، ورسم لكل أمير مقدم ألف ومضافيه أن ينشئوا مركبا كبيرا وفلوه [٢] برسم حمل الأزواد وحصل الشروع فى ذلك وندب الأمير عز الدين أيبك الشجاعى شاد الدواوين لعمل المراكب فتوجّه إلى الوجه القبلى، وقطع الأخشاب لذلك، وكان سبب هذا العزم ما حصل للملك المؤيد هزبر الدين داود [٣] صاحب اليمن من اختصار الهدايا، وإعادة الرسول المتوجه إليه من الأبواب السلطانية بغير جواب، ولما حصل هذا العزم سأل أعيان الكارم [٤] مراحم السلطان فى الإمهال [٥] إلى أن يتوجه إليه الرسل من الأبواب السلطانية ويعود جوابه، ودخل فى هذا السؤال جماعة من المشايخ فأجيبوا إلى ذلك، وكتب لصاحب
стр. 12633
اليمن عن الخليفة المستكفى بالله أمير المؤمنين العباسى والسلطان، وتوجه القاضى شمس الدين محمد بن عدلان الشافعى أحد المفتيين بالقاهرة، وشمس الدين سنقر السعيدى أحد مقدمى الحلقة المنصورة، فتوجها وحملا مشافهة إليه، وتأخر تجهيز العسكر.
وفيها نزل الأمير سيف الدين كراي المنصورى عن إقطاعه بالديار المصرية، وكان إقطاع إمرة مائة فارس، وذلك أنه توجه للصعيد لكشف إقطاعه، وانتهى إلى مدينة إسنا من الأعمال القوصية- وهى من جملة إقطاعه وتجهز منها، وحمل ما يحتاج إليه من الروايا والقرب وغير ذلك، وتوجه هو ومن معه فى البرية لقصد بلاد التاكة [١] فوردت مطالعة متولّى الأعمال القوصية بذلك، فقطع خبره، وأنعم به على الأمير سيف الدين بتخاص، وكان إخراج الإقطاع هو غرض الأمير سيف الدين كراى، ثم رجع الى الأبواب السلطانية بعد أن أوغل فى البرية، وسأل الإعفاء من الإمرة والخدمة، وأن يتوجه إلى القدس الشريف ويقيم هناك- وما علم موجب ذلك- فأذن له فتوجه بحريمه ومماليكه وأقام بالقدس.
وفيها اهتم الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير أستاذ الدار [٢] بعمارة دار الوزارة خانقاه ورباطا وتربة لدفنه- اهتماما عظيما، فعمر ذلك عمارة متقنة وحصّل الرخام من كل جهة، ودلّه الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح. على أن بظاهر دورهم بالقصر فساقى من الرخّام الأبيض مدفونة تحت الرّدم، وأخرج منه فسقيتان من الرخام على غاية الكبر والحسن وإتقان الصنعة، وكل منهما قطعة واحدة، وهى طويلة عميقة متسعة الجوف والوسط، ثم تنخرط من طرفها إلى أن ترقّ فيكون طرفها كالمجراة، فأخرجتا [٣] وعمل لإخراجهما آلات معينة على ذلك، وحصل التعب فى جرّهما، ثم نشرتا [٤] ألواحا وفرش بهما أرض المكان ووقف الأمير ركن الدين على هذا المكان أوقافا متوفرة جليلة المقدار، وعيّن فى هذا الوقف عدّة كثيرة من الفقراء الصوفية، والجند البطالين وغيرهم، ورتّب أن يكون بالمكان شيخين [٥] أحدهما بالخانقاه والآخر بالرباط وأئمة ومؤذنين ومقرئين وغير ذلك، وكملت
стр. 12634
عمارتها [٤٥] والأوقاف عليها فى سلطنته، وخلع ومات قبل فتحها؛ فأغلقت مدة ثم أمر السلطان الملك الناصر بفتحها ففتحت، ورتب فيها جماعة من الصوفية وغيرهم بالخانقاه والرباط، وأما القبة التى بها المدفن فإنها مغلقة على ما هى عليه لم تفتح إلى أواخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة ولم تستقر جملة الأوقاف على هذا المكان؛ فإن منها ما حلّ ورجع إلى بيت المال، واستقر بعضها فصرف لمن استقر بها من الصوفية وغيرهم.
ذكر وفاة الأمير سيف الدين بيبغا المعروف
بالتركمانى وأنشأ تربته وما وقف عليها وفى هذه السنة فى العشر الأخير من شعبان توفى الأمير سيف الدين بيبغا الناصرى المعروف بالتركمانى أحد أمراء العشرات بالديار المصرية، وهو من أكابر أخصّاء المماليك السلطانية وأحد من أخرج فى هذه السنة إلى الشام وأعيد، وكان متمكنا عند السلطان خصّيصا بخدمته، لا يتقدم عليه غيره فى وقته، وكان السلطان قد ملّكة جملة من أملاكه بالقاهرة من ذلك [١] تربيعة الجمالون بخط الشرابشين وأجرتها فى كل شهر ألف درهم ومائة درهم واشتريت هذه التربيعة للسلطان بمائتى ألف درهم وأربعين ألف درهم، وحمامى [٢] ابن سويد، وقيسارية أخرى وغير ذلك وأنعم عليه بجملة كثيرة من الأموال، والحوايص الذهب والجواهر مما لا يدخل تحت الإحصاء. ولما مات كنت يومئذ فى خدمة السلطان فأمرنى والأمير عزّ الدين الحاج أزدمر رأس نوبة الجمدارية بإيقاع الحوطة على موجوده ففعلت وحرّرت ذلك وعرضت الأوراق على مولانا السلطان وحملت من موجوده وذخائره إلى السلطان ما أمر [٣] بحمله ثم أمر لى ببقيّة بيع الموجود أو أن أعمر به تربة
стр. 12635
بالقرافة، وقبة على قبره فبادرت إلى امتثال أمره، وشرعت فى ذلك، وجمعت جماعة من المهندسين والصنّاع لقسمة [١] التربة ووضع الأساس، وحضر السلطان إلى التربة بالقرافة، ونزل عن فرسه، ووقف وقسم التربة وخطّها بعصا فى يده ورتبها على حسب ما اقتضاه رأيه الشريف ثم رسم إلى أن أوقف عنه على هذه التربة من الأملاك المذكورة آنفا التى ورثها عن بيبغا، وهى مما كان قد وهبه له، فوقفت تربيعة الجملون وغيرها على مصالح تربة سيف الدين بيبغا بطريق الوكالة عن السلطان، وذلك بمجلسه بحضور قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى وجماعة من العدول، ولما شرعت فى ترتيب الوقف سألت السلطان- خلّد الله ملكه- أن أرتبه وأوقفه على أيسر الوجوه وأهنئها، وأطيبها فأذن لى فى ذلك، فشرطت فى الوقف أن من مرض من أهل الوقف من إمام ومؤذن ومقرئين وغيرهم أورمد يصرف له معلومه الشاهد به كتاب الوقف بجملته ويستناب عنه فى مدّة مرضه أو رمده من يقوم بوظيفته بنظير نصف معلومه من مال الواقف، وأنّ من حجّ من أهل الوقف يجعل له معلوم أربعة أشهر، ويستناب عنه بنظير نصف معلومه فى مال الوقف، وغير ذلك من التيسيرات، وعرضت، ذلك على السلطان- خلد الله ملكه- فأمر لى بإمضائه، فوقفته على هذا الحكم، وهو باق على ذلك والحمد لله تعالى- والوقف ينمو ويزيد إلى وقتنا هذا.
وفى هذه السنة فى ليلة يسفر صباحها
عن يوم السبت خامس جمادى الآخرة وقت السحر توفى الصاحب الوزير تاج الدين محمد بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب الوزير بهاء الدين على بن محمد بن سليم المعروف جده بابن حنا [٢] بداره ببركة الحبش، ودفن بتربته بالقرافة- رحمه الله تعالى- ومولده فى التاسع من شعبان سنة أربعين وستمائة.
стр. 12636
وتوفى فى دمشق [٤٦] الأمير علاء الدين مغلطاى
البيسرى [١] أحد الأمراء الأعيان بها، فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين ثانى جمادى الأولى، ودفن فى يوم الإثنين بقاسيون، وكان رحمه الله تعالى من أحسن الناس عشرة، وأكملهم مروءة وأوفاهم بحقوق أصحابه كان لا يدّخر عن صاحبه أو قاصده مالا ولا جاها، صحبته مدّة فلم أر أحسن من صحبته ولا مودته، وكان لنا بهذا البيت البيسرى خدمة قديمة، ثم صحبة أكيدة، وتجددت بعد ذلك بينى وبينه بدمشق عند مقدمى إليها فى جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعمائة إلى أن عدت إلى الديار المصرية فى رمضان سنة ثلاث وسبعمائة، وكان- رحمه الله تعالى- من أشجع الأمراء، وهو ذو فهم بالحروب والوقائع وترتيب الجيوش، وممن يرجع إليه فى ترتيب المحافل والمهمات، وعرض التقادم وغير ذلك من أحوال الملوك، وكان أيضا قد انفرد فى معرفة طير الجارح وتدريبه والاصطياد به وجيّده ورديئه، ومداواة سقيمه وغير ذلك من أحواله، وكان أصله من مماليك زين الدين الحافظى وزير الملك الناصر صاحب الشام اشتراه الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى بعد هروب الزين الحافظى بما ينيف عن أربعين ألف درهم ويقارب الخمسين ألفا وحرص الملك الظاهر ركن الدين على تملّكه فما قدر على ذلك، واجتهد بكل طريق فلم يتهيّا له حتى عزم فى أواخر أمره على القبض على الأمير بدر الدين بيبرس أستاذه ليتمكن من أخذه فمات الملك الظاهر قبل ذلك، ولما اعتقل مخدومه الأمير بدر الدين بيسرى فى أوائل الدولة المنصورية ضبط موجوده وخدم أولاده وربّاهم وحفظهم وكانوا ستة، وانفق عليهم أمواله، ولازم باب أستاذه فى مدة اعتقاله، ورغب السلطان الملك المنصور فى استخدامه ورتبه فى جمداريته، ووعده بالإمرة، وأسكنه بالقلعة فاستعفى من ذلك وكره مفارقة باب أستاذه والاشتغال عن حفظ أولاده، ولم يزل يتنصل من الخدمة حتى أعفى منها، وكان إقطاعه فى جنديته أمير من خاص جماعة من الأمراء، قال لى يوما بدمشق وهو أمير تسعة وستين فارسا: وددت أن إقطاعى الآن وإقطاع أصحابى نظير إقطاعى فى الجندية فسألته عن متحصل إقطاع جنديته، فأخبرنى أنه كان يحصل له منه لخاصة
стр. 12637
ولأربعة أتباع فى كل سنة مائة ألف درهم وخمسة الآف درهم وخمسة الآف إردب غلة ومات- رحمه الله تعالى- وعليه جملة من الديون، صرفها فى المكارم ومحاسنه- ﵀ كثيرة.
وتوفى الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجمدار
الصالحى النجمى المعروف بالجالق [١] أحد الأمراء الأعيان مقدمى الألوف بدمشق وكانت وفاته بظاهر الرّملة [٢] فى العشر الأوسط من جمادى الأولى فى خامس عشر الشهر، وقيل فى تاسع عشرة، ونقل إلى القدس فدفن هناك، وكان- رحمه الله تعالى- أميرا خيّرا ديّنا، كثير البرّ، كان يرصد من ماله جملة يقرضها للجند عند تجريدهم، ويصبر عليهم بذلك إلى أن يتيسّر لهم إعادته، وعدم له جملة كثيرة من أمواله بسبب ذلك، ولا يردّه ذلك عن هذه الحسنة رحمه الله تعالى.
وفيها- فى ثانى جمادى الآخر- كانت وفاة الشيخ الصالح العابد عمر السعودى [٣] بزاويته بالقرافة، ودفن بها- رحمه الله تعالى وفيها توفي الشيخ القاضى شرف الدين محمد بن القاضى فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد ابن خالد القيسرانى [٤] الحلبى، أحد أعيان كتّاب [٥] الدرّج بالباب الشريف السلطانى، وكانت وفاته بعد العصر من يوم الجمعة، ودفن يوم السبت بالقرافة الصغرى، وكان- رحمه الله تعالى- رجلا جيّدا خيّرا ديّنا متواضعا فاضلا أمينا، لا يغتاب أحدا من الناس، ويكره الغيبة من غيره، ولا يسمعها، [٤٧] وسمع الحديث النبوى الكثير، وكان متمكنا من صناعة الإنشاء، طاهر اللسان والقلم كثير الأدب غزير المروءة- رحمه الله تعالى.
стр. 12638
وفيها فى يوم السبت خامس عشر رجب توفى الشيخ تقى الدين الرجيحى [١] بن سابق بن هلال بن يونس: شيخ الفقراء اليونسية بدمشق، وصلى عليه بجامعها، وأعيد إلى داره فدفن بها، وجلس مكانه فى مشيخة اليونسية ولده الشيخ حسام الدين فضل.
وفيها فى يوم السبت تاسع عشرين شهر رجب الفرد توفى الأمير على ابن الملك القاهر عبد الملك بن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون- رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق أيضا الأمير فارس [٢] الدين
الردّادى أحد الأمراء بها فى ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم وتوفى بها الأمير سيف الدين كاوركا [٣] المنصورى، وهى من المماليك المنصورية فى زمن الإمرّة، وكانت وفاته فى الخامس عشر من ذى القعدة.
وتوفى الأمير بهاء الدين أسلم بن دمرداش أحد الأمراء بدمشق فى يوم الجمعة رابع ذى القعدة وتوفى بالكرك الطواشى شمس الدين صواب السهيلى [٤] الخازندار، وقد قارب المائة سنة، وكان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس قد سلّم إليه قلعة الكرك كما تقدم واستمر بها إلى سنة إحدى وثمانين وستمائة فى أيام الملك المسعود [٥] نجم الدين خضر بن الملك الظاهر فتوجه إلى الحجاز الشريف فى جملة الركب الشامى فلما وصل إلى تبوك لحقه الأمير عبيّة أمير بنى عقبة فى نحو مائتى فارس، فقبض عليه وحمله إلى الأبواب السلطانية المنصورية، فلما ملك السلطان الملك المنصور قلعة الكرك أعاده إليها وثوقا بأمانته وديانته، فلم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى.
стр. 12639
وتوفى فى ليلة الإثنين حادى عشر شعبان القاضى جمال الدين أبو بكر محمد بن عبد العظيم بن على بن سالم الشافعى المعروف بابن السقطى [١] خليفة الحّكم العزيز بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة وولى نيابة الحكم بالقاهرة نحو أربعين سنة وكان دربا بالأحكام الشرعية، وترك النيابة عن الحكم فى آخر عمره، ومولده فى سنة ثمان وعشرين وستمائة- رحمه الله تعالى-.
وتوفى الأمير بهاء الدين يعقوبا بن نور الدين بدر الشّهرزورىّ أحد الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية قديم الإمرة- وكانت وفاته فى ليلة تسفر عن سابع عشر ذى الحجة.
وتوفى الأمير الطواشى شهاب الدين فاخر المنصورى، مقدم المماليك السلطانية، وأحد الأمراء أصحاب الطبلخاناه، بالديار المصرية فى سابع عشر ذى الحجة وكان- رحمه الله تعالى- ذامهابة وسطوة على المماليك السّلطانيّة يحترمه كبيرهم ويخافه صغيرهم [٢] وكان كريم النفس- رحمه الله تعالى-.
واستهلت سنة ثمان وسبعمائة
فى هذه السنة فى مستهل شهر ربيع الأول أخرج الأمير نجم الدّين خضر الملقب بالملك المسعود ابن الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس من البرج بقلعة الجبل، وسكن مصر على شاطئ النيل بدار الأمير عزّ الدّين، ايبك الأفرم وكانت اشتريت له، ولم تطّل مدّته فإنه توفى خامس شهر رجب بالقاهرة بدار الحلبى.
وتوفى ولده قبل وفاته بيوم، وخلّف ولدّا ذكرا وابنة، رحمه الله تعالى.
وفيها فى ثالث شهر ربيع الآخر فوضت الخطابة بجامع قلعة الجبل لقاضى القضاة بدر الدّين محمّد بن جماعة عوضا عن الشّيخ شمس الدّين محمّد الجزرى.
وفيها وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة عليه وهديته، ووصل فى جملة ذلك طشت وإبربق ذهب مرصع بالجوهر.
стр. 12640
وفيها فى جمادى الآخرة وصلت طائفة من التّتار الذين هم شرقى الفرات إلى بلد كركر، وأغاروا عليها، [٤٨] وكان هناك سيف الدين بتخاص أحد مماليك الأمير شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بحلب، فتوجّه بجماعة من الرجالة وكبس التتار، وأوقع بهم واستظهر عليهم، وأسر بعضهم وحضر إلى الأبواب السلطانية فأنعم عليه.
ذكر توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك
وإقامته بها وفى هذه السنة أظهر السلطان أنه قد عزم على الحجاز الشريف وأشاع ذلك وأذاعه، وأظهر الاهتمام به وأمر بجهازه: وتجهز معه جماعة من مماليكه الذين اختارهم، وبرز من قلعة الجبل المحروسة فى يوم السبت الرابع والعشرين من شهر رمضان، وركب الأمراء فى خدمته لوداعه فأعاد الأمير سيف الدين سلّار وركن الدّين بيبرس إلى قلعة الجبل، واستقل ركابه، وعيّد عيد الفطر بالصالحية [١] ثم سار ووصل إلى قلعة الكرك فى يوم الأحد العاشر من شوال منها ولما صعد إلى الكرك تقدمت الأثقال والبيوتات السلطانية، ومرت على الجسر الخشب المنصوب على الخندق بباب القلعة، ثم مر السلطان على الجسر المذكور وحوله مماليكه، الخاصكية وأرباب الوظائف، وازدحموا على الجسر فضعف عن حملهم فتكسرت أخشابه، وقد صارت [٢] يدا فرس السلطان داخل باب القلعة وأطراف حوافر رجليه على الجسر فوثب الفرس به فصادر داخل القلعة، فسلم وانكسر الجسر بمن كان عليه من الخاصكية فسقطوا إلى أسفل الخندق، وهو من أعمق الخنادق وأبعدها، فسقط بعضهم على بعض فسلموا كلهم إلا اثنين منهم أحدهما الأمير عز الدين أزدمر الحاج رأس نوبة الجمدارية فإنه انقطع نخاعه، وبطل نصفه مما يلى رجليه، وعاش كذلك إلى أن مات فى سنة عشر وسبعمائة بعد عود السلطان إلى الديار المصرية.