وتوفى فى دمشق [٤٦] الأمير علاء الدين مغلطاى
البيسرى [١] أحد الأمراء الأعيان بها، فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين ثانى جمادى الأولى، ودفن فى يوم الإثنين بقاسيون، وكان رحمه الله تعالى من أحسن الناس عشرة، وأكملهم مروءة وأوفاهم بحقوق أصحابه كان لا يدّخر عن صاحبه أو قاصده مالا ولا جاها، صحبته مدّة فلم أر أحسن من صحبته ولا مودته، وكان لنا بهذا البيت البيسرى خدمة قديمة، ثم صحبة أكيدة، وتجددت بعد ذلك بينى وبينه بدمشق عند مقدمى إليها فى جمادى الآخرة سنة إحدى وسبعمائة إلى أن عدت إلى الديار المصرية فى رمضان سنة ثلاث وسبعمائة، وكان- رحمه الله تعالى- من أشجع الأمراء، وهو ذو فهم بالحروب والوقائع وترتيب الجيوش، وممن يرجع إليه فى ترتيب المحافل والمهمات، وعرض التقادم وغير ذلك من أحوال الملوك، وكان أيضا قد انفرد فى معرفة طير الجارح وتدريبه والاصطياد به وجيّده ورديئه، ومداواة سقيمه وغير ذلك من أحواله، وكان أصله من مماليك زين الدين الحافظى وزير الملك الناصر صاحب الشام اشتراه الأمير بدر الدين بيسرى الشمسى بعد هروب الزين الحافظى بما ينيف عن أربعين ألف درهم ويقارب الخمسين ألفا وحرص الملك الظاهر ركن الدين على تملّكه فما قدر على ذلك، واجتهد بكل طريق فلم يتهيّا له حتى عزم فى أواخر أمره على القبض على الأمير بدر الدين بيبرس أستاذه ليتمكن من أخذه فمات الملك الظاهر قبل ذلك، ولما اعتقل مخدومه الأمير بدر الدين بيسرى فى أوائل الدولة المنصورية ضبط موجوده وخدم أولاده وربّاهم وحفظهم وكانوا ستة، وانفق عليهم أمواله، ولازم باب أستاذه فى مدة اعتقاله، ورغب السلطان الملك المنصور فى استخدامه ورتبه فى جمداريته، ووعده بالإمرة، وأسكنه بالقلعة فاستعفى من ذلك وكره مفارقة باب أستاذه والاشتغال عن حفظ أولاده، ولم يزل يتنصل من الخدمة حتى أعفى منها، وكان إقطاعه فى جنديته أمير من خاص جماعة من الأمراء، قال لى يوما بدمشق وهو أمير تسعة وستين فارسا: وددت أن إقطاعى الآن وإقطاع أصحابى نظير إقطاعى فى الجندية فسألته عن متحصل إقطاع جنديته، فأخبرنى أنه كان يحصل له منه لخاصة
стр. 12637
ولأربعة أتباع فى كل سنة مائة ألف درهم وخمسة الآف درهم وخمسة الآف إردب غلة ومات- رحمه الله تعالى- وعليه جملة من الديون، صرفها فى المكارم ومحاسنه- ﵀ كثيرة.
وتوفى الأمير ركن الدين بيبرس العجمى الجمدار
الصالحى النجمى المعروف بالجالق [١] أحد الأمراء الأعيان مقدمى الألوف بدمشق وكانت وفاته بظاهر الرّملة [٢] فى العشر الأوسط من جمادى الأولى فى خامس عشر الشهر، وقيل فى تاسع عشرة، ونقل إلى القدس فدفن هناك، وكان- رحمه الله تعالى- أميرا خيّرا ديّنا، كثير البرّ، كان يرصد من ماله جملة يقرضها للجند عند تجريدهم، ويصبر عليهم بذلك إلى أن يتيسّر لهم إعادته، وعدم له جملة كثيرة من أمواله بسبب ذلك، ولا يردّه ذلك عن هذه الحسنة رحمه الله تعالى.
وفيها- فى ثانى جمادى الآخر- كانت وفاة الشيخ الصالح العابد عمر السعودى [٣] بزاويته بالقرافة، ودفن بها- رحمه الله تعالى وفيها توفي الشيخ القاضى شرف الدين محمد بن القاضى فتح الدين عبد الله بن محمد بن أحمد ابن خالد القيسرانى [٤] الحلبى، أحد أعيان كتّاب [٥] الدرّج بالباب الشريف السلطانى، وكانت وفاته بعد العصر من يوم الجمعة، ودفن يوم السبت بالقرافة الصغرى، وكان- رحمه الله تعالى- رجلا جيّدا خيّرا ديّنا متواضعا فاضلا أمينا، لا يغتاب أحدا من الناس، ويكره الغيبة من غيره، ولا يسمعها، [٤٧] وسمع الحديث النبوى الكثير، وكان متمكنا من صناعة الإنشاء، طاهر اللسان والقلم كثير الأدب غزير المروءة- رحمه الله تعالى.
стр. 12638
وفيها فى يوم السبت خامس عشر رجب توفى الشيخ تقى الدين الرجيحى [١] بن سابق بن هلال بن يونس: شيخ الفقراء اليونسية بدمشق، وصلى عليه بجامعها، وأعيد إلى داره فدفن بها، وجلس مكانه فى مشيخة اليونسية ولده الشيخ حسام الدين فضل.
وفيها فى يوم السبت تاسع عشرين شهر رجب الفرد توفى الأمير على ابن الملك القاهر عبد الملك بن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وكانت وفاته بدمشق، ودفن بقاسيون- رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق أيضا الأمير فارس [٢] الدين
الردّادى أحد الأمراء بها فى ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المعظم وتوفى بها الأمير سيف الدين كاوركا [٣] المنصورى، وهى من المماليك المنصورية فى زمن الإمرّة، وكانت وفاته فى الخامس عشر من ذى القعدة.
وتوفى الأمير بهاء الدين أسلم بن دمرداش أحد الأمراء بدمشق فى يوم الجمعة رابع ذى القعدة وتوفى بالكرك الطواشى شمس الدين صواب السهيلى [٤] الخازندار، وقد قارب المائة سنة، وكان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس قد سلّم إليه قلعة الكرك كما تقدم واستمر بها إلى سنة إحدى وثمانين وستمائة فى أيام الملك المسعود [٥] نجم الدين خضر بن الملك الظاهر فتوجه إلى الحجاز الشريف فى جملة الركب الشامى فلما وصل إلى تبوك لحقه الأمير عبيّة أمير بنى عقبة فى نحو مائتى فارس، فقبض عليه وحمله إلى الأبواب السلطانية المنصورية، فلما ملك السلطان الملك المنصور قلعة الكرك أعاده إليها وثوقا بأمانته وديانته، فلم يزل بها إلى أن مات رحمه الله تعالى.
стр. 12639
وتوفى فى ليلة الإثنين حادى عشر شعبان القاضى جمال الدين أبو بكر محمد بن عبد العظيم بن على بن سالم الشافعى المعروف بابن السقطى [١] خليفة الحّكم العزيز بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة وولى نيابة الحكم بالقاهرة نحو أربعين سنة وكان دربا بالأحكام الشرعية، وترك النيابة عن الحكم فى آخر عمره، ومولده فى سنة ثمان وعشرين وستمائة- رحمه الله تعالى-.
وتوفى الأمير بهاء الدين يعقوبا بن نور الدين بدر الشّهرزورىّ أحد الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية قديم الإمرة- وكانت وفاته فى ليلة تسفر عن سابع عشر ذى الحجة.
وتوفى الأمير الطواشى شهاب الدين فاخر المنصورى، مقدم المماليك السلطانية، وأحد الأمراء أصحاب الطبلخاناه، بالديار المصرية فى سابع عشر ذى الحجة وكان- رحمه الله تعالى- ذامهابة وسطوة على المماليك السّلطانيّة يحترمه كبيرهم ويخافه صغيرهم [٢] وكان كريم النفس- رحمه الله تعالى-.
واستهلت سنة ثمان وسبعمائة
فى هذه السنة فى مستهل شهر ربيع الأول أخرج الأمير نجم الدّين خضر الملقب بالملك المسعود ابن الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس من البرج بقلعة الجبل، وسكن مصر على شاطئ النيل بدار الأمير عزّ الدّين، ايبك الأفرم وكانت اشتريت له، ولم تطّل مدّته فإنه توفى خامس شهر رجب بالقاهرة بدار الحلبى.
وتوفى ولده قبل وفاته بيوم، وخلّف ولدّا ذكرا وابنة، رحمه الله تعالى.
وفيها فى ثالث شهر ربيع الآخر فوضت الخطابة بجامع قلعة الجبل لقاضى القضاة بدر الدّين محمّد بن جماعة عوضا عن الشّيخ شمس الدّين محمّد الجزرى.
وفيها وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة المقررة عليه وهديته، ووصل فى جملة ذلك طشت وإبربق ذهب مرصع بالجوهر.
стр. 12640
وفيها فى جمادى الآخرة وصلت طائفة من التّتار الذين هم شرقى الفرات إلى بلد كركر، وأغاروا عليها، [٤٨] وكان هناك سيف الدين بتخاص أحد مماليك الأمير شمس الدين قراسنقر نائب السلطنة بحلب، فتوجّه بجماعة من الرجالة وكبس التتار، وأوقع بهم واستظهر عليهم، وأسر بعضهم وحضر إلى الأبواب السلطانية فأنعم عليه.
ذكر توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك
وإقامته بها وفى هذه السنة أظهر السلطان أنه قد عزم على الحجاز الشريف وأشاع ذلك وأذاعه، وأظهر الاهتمام به وأمر بجهازه: وتجهز معه جماعة من مماليكه الذين اختارهم، وبرز من قلعة الجبل المحروسة فى يوم السبت الرابع والعشرين من شهر رمضان، وركب الأمراء فى خدمته لوداعه فأعاد الأمير سيف الدين سلّار وركن الدّين بيبرس إلى قلعة الجبل، واستقل ركابه، وعيّد عيد الفطر بالصالحية [١] ثم سار ووصل إلى قلعة الكرك فى يوم الأحد العاشر من شوال منها ولما صعد إلى الكرك تقدمت الأثقال والبيوتات السلطانية، ومرت على الجسر الخشب المنصوب على الخندق بباب القلعة، ثم مر السلطان على الجسر المذكور وحوله مماليكه، الخاصكية وأرباب الوظائف، وازدحموا على الجسر فضعف عن حملهم فتكسرت أخشابه، وقد صارت [٢] يدا فرس السلطان داخل باب القلعة وأطراف حوافر رجليه على الجسر فوثب الفرس به فصادر داخل القلعة، فسلم وانكسر الجسر بمن كان عليه من الخاصكية فسقطوا إلى أسفل الخندق، وهو من أعمق الخنادق وأبعدها، فسقط بعضهم على بعض فسلموا كلهم إلا اثنين منهم أحدهما الأمير عز الدين أزدمر الحاج رأس نوبة الجمدارية فإنه انقطع نخاعه، وبطل نصفه مما يلى رجليه، وعاش كذلك إلى أن مات فى سنة عشر وسبعمائة بعد عود السلطان إلى الديار المصرية.
стр. 12641
ولما استقر السلطان بقلعة الكرك طلب ورقة بالحاصل بخزانتها من الأموال، فكتبت له ورقة بمبلغ مائتى ألف درهم، وكان الحاصل أضعاف ذلك مرارا وإنما كتبت بأمر النائب بها خشية أن السلطان يأخذ ما بها من المال بجملته. فلما أخذ الورقة أظهر ما كان قد أضمره وأخرج النائب بالكرك وهو جمال الدين آقش الأشرفى، وجماعة من البحرية، وجماعة من الرّجّالة، واستقر بها بمماليكه الذين رضيهم، وأعد ما كان قد استصحبه من شعار السلطنة والبيوتات إلى الديار المصرية، والممالك الشامية يعلمهم أنه قد استقرّ بالكرك، ونزل عن السلطنة أو أن يدبّر والأمر على ما يختارونه، وإنما فعل ذلك لما حصل له من الأمير بن سيف الدين سلّار وركن الدين بيبرس من المضايقة والحجر والاستبداد بالأمر دونه ففعل ذلك وتحقق أنهما لا يتفقان بعده، وأن الأمر يؤول إليه كما يختار، فوردت مكاتباته إلى الأمراء بقلعة الجبل فى يوم الجمعة الثانى والعشرين من شوال من هذه السنة.
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس
العثمانى المنصورى لما وصلت كتب السلطان الملك الناصر إلى الأمير سيف الدين سلّار والأمراء بما قدمناه اجتمعوا فى يوم السبت الثالث والعشرين من شوال بدار النيابة، وتشاوروا فيمن ينصب فى السلطنة فمال جماعة إلى الأمير سيف الدين سلّار النائب فقال لمن اختاره أنتم رضيتم بى أن أكون عليكم سلطانا، وأنا قد رضيت لى ولكم هذا وأشار إلى الأمير ركن الدين بيبرس العثمانى أستاذ الدار، وكان ذلك رأى جماعة الأمراء [١] البرجية خواشداشيته، فوافق قوله رأيهم، فاجتمعت الكلمة بالديار المصرية عليه وإنما صرفها الأمير سيف الدين سلّار عن نفسه إليه لعلمه بعاقبة الأمر وأن ذلك لا يتم له، فعند ذلك حلف له الأمراء، وركب من دار النيابة بعد العصر من اليوم المذكور ودخل إلى دور السلطنة داخل باب القلعة والأمراء مشاة فى خدمته إلى
стр. 12642
أن استقر على تخت السلطنة ولقّب بالملك المظفر، وزفّت البشائر، وكتب بذلك إلى سائر الممالك [٤٩] الإسلامية وتوجه إلى الشام الأمير عزّ الدّين أبيك البغدادى والأمير سيف الدين ساطى فوصلا إلى دمشق على خيل البريد فى مستهل ذى القعدة، وخطب له بالقاهرة فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من شوال سنة ثمانى وسبعمائة وحضر الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان وقلده السلطنة بالديار المصرية والبلاد الشامية، وكتب عهده بذلك وقد تقدم ذكر هذا العهد وما اشتمل عليه فيما سلف من كتابنا هذا فى الجزء الثامن منه فى ترجمة القاضى علاء الدين بن عبد الظاهر وركب الملك المظفر فى يوم السبت السابع من ذى القعدة بشعار السلطنة وعليه خلعة الخليفة، وهى خلعة سوداء بطرحة وتقلّد سيفين على العادة، وسيّر فى الميدان الأسود [١] وخلع على الأمير سيف الدين سلّار وأقرّه على نيابة السلطنة وأقر سائر النواب بالممالك الشامية، ولم يغيّر منهم إلا الأمير ركن الدّين بيبرس العلائى النائب بغزة فإنه أعاده إلى الإمرة بدمشق وولّى نيابة غزة الأمير سيف الدين بلبان البدرى وذلك فى المحرم سنة تسع وسبعمائة.
ولما وصل كتاب الملك المظفر إلى دمشق صحبة من ذكرنا توقّف الأمير جمال آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام عن الحلف إلا بعد أن يثبت على حاكم من حكام المسلمين أن السلطان الملك الناصر نزل عن السلطنة، وخلع نفسه، فأحضر كتاب السلطان الملك الناصر الذى قد كان وصل إليه وشهد جماعة من الموقعين أن الكتاب بخط القاضى علاء الدين بن الأثير كاتب السلطان وأن الخط الذى أعلاه خط السلطان الملك الناصر، فثبت ذلك لذلك وعمل بمقتضاه، وحلف الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ومن عنده من الأمراء وغيرهم، وكذلك سائر النواب بسائر الممالك وأقر الملك المظفر الصاحب [٢] ضياء الدين النّشائى على وزارته على عادته- وليس له من الأمر شئ وإنما الأمر لتاج الدين بن سعيد الدولة وزاده بسطة وتمكينا، وكان الملك المظفر لا يكتب على تقليد أو توقيع أو كتاب إلا بعد أن يكتب تاج الدين عليه
стр. 12643
ما مثاله يحتاج إلى الخط الشريف ورسم للدوادارية أن لا يقدموا له ما يعلم عليه إلا بعد خط تاج الدين صح المذكور، وتطاول إلى أن قصد أن يقف على أجوبة البريد إلى النواب وغيرهم ويكتب عليها فقام القاضى شرف الدين بن فضل الله صاحب الديوان فى ذلك وعرّف السلطان ما يترتب على ذلك من المفسدة، من إذاعة أسرار السلطنة وإفشائها، فاستقر الأمر أنه يكتب على ما يتعلق بالأموال والإقطاعات دون ما هو متعلق بسرّ الدولة وكتب الملك المظفر للسّلطان الملك الناصر تقليدا بالكرك، ومنشورا بإقطاع مائة فارس، ثم أبطل المنشور الأول، وكتب منشورا ثانيا بريع [١] المغل ولخاصه ولمائة طواشى وقال فيه بعد إبطال ما كتب به أولا وسيّر المنشور إلى دمشق وكتب عليه النائب ونزل فى الدواوين وكتب عليها الكتّاب ثم لم يلبث [٢] الملك المظفر أن كتب إلى الملك الناصر يطلب منه ما عنده من الأموال الحاصلة بالقلعة، ويطلب إعادة المماليك السلطانية الذين استقروا عنده، وكان عدة من استقر فى خدمة السلطان نحو مائتى مملوك، وطلب أيضا الخيول التى للسلطان معه، وقال إن القلاع لا تحتاج إلى كثرة الخيول ولا الأموال، فأرسل إليه السلطان الملك الناصر مائتى ألف درهم فأعاد الجواب بتجديد طلب [٣] الأموال، فكتب اليه: إن خط نائبكم عندى أنه لم يكن بخزانة الكرك غير مائتى ألف درهم وقد أرسلتها، ولم يرسل غيرها، وأهان رسول الملك المظفر وهو الأمير علاء الدين مغلطاى أبتغلى [٤] وأمر بإخراجه ماشيا من قلعة الكرك إلى الغور وتحقق الملك الناصر سوء رأى الملك المظفر، وأنه لا يبقى عليه، فشرع عند ذلك فى التدبير، فكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 12644
وفى هذه السنة فى ليلة السبت ثانى المحرم
توفى الشيخ الصالح أحمد بن أبى القاسم المراغى بمصر ودفن من الغد بالقرافة رحمه الله تعالى.
وفيها توفى القاضى برهان الدين ابراهيم بن أحمد بن ظافر البرلسى، ناظر بيت المال فى خامس صفر، وكان من الفقهاء الفضلاء [٥٠] المالكية ممّن عين لقضاء القضاة، وكان طاهر اللسان عفيف البد كثير المروءة- رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الثلاثاء تاسع عشر شوال توفى عز الدين أيدمر الرشيدى أستاذ دار الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة، وكان رجلا عاقلا مثريا اتّسعت أمواله، وعرض جاهه، وعلا محله، وكان قد مرض وطال مرضه وحصل له مالينخوليا- ثم مات [١] رحمه الله تعالى.
وفيها توفى الشيخ المحدث شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن سامة [٢] الطائى بمصر فى يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذى القعدة وصلى عليه بجامع عمرو بن العاص ودفن بالقرافة بالقرب من تربة الإمام الشافعى وكان مشهورا بقراءة الحديث والاشتغال به والرحلة إليه ومولده فى سنة اثنتين وستين وستمائة رحمه الله تعالى [٣]
واستهلت سنة تسع وسبعمائة
فى هذه السنة وصل الأمير علاء الدين أيدغدى [٤] التليلى، والأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى من بلاد المغرب، ووصل معهما الشيخ أبو يحيى زكريا الّلحيانى نائب تونس بطرابلس المغرب لقصد الحج وعاد الأميران
стр. 12645
المذكوران وقد نهبت العربان ببلاد المغرب ما كان قد أرسل معهما من الهدية وغيرها وكان فى جملة الهدية من الخيل والبغال والجمال سبعمائة رأس.
وفيها أيضا عاد القاضى شمس الدين محمد بن عدلان الذى كان قد جهز إلى اليمن فى الرسالة فى الدولة الناصرية، ومات رفيقه شمس الدين سنقر السعيدى ببلاد اليمن، بعد انفصالهما من الملك المؤيد صاحب اليمن.
وفيها فى أوائل شهر ربيع الآخر توجّهت من القاهرة إلى الكرك والتحقت بالأبواب السلطانية إلى أن عاد الركاب الشريف السلطانى الملكى الناصرى، وعدت إلى القاهرة فى سلخ رمضان.
ذكر ما كان من أمر النيل فى هذه السنة
كان من خبر النيل فى هذه السنة أن زيادته بمقياس مصر انتهت إلى العشرين من شهر ربيع الأول وهو الموافق للثالث من أيام النسئ إلى أربعة عشر ذراعا ونصف فغلت الأسعار بسبب ذلك وانتهى سعر القمح إلى خمسين درهما ثمن كل إردب واستسقى الناس بالمصلّى بالقرافة الكبرى، وكسر خليج مصر فى التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول بغير وفاء وأيس الناس من زيادة النيل فى هذه السنة، وفات وقته المعتاد، ثم أخذ فى الزيادة فانتهت زيادته الى ستة عشر ذراعا وإصبعين، وذلك إلى آخر الثالث والعشرين من بابه، وزرع الناس على هذه الزيادة.
وفى هذه السنة فى ثالث عشر شهر ربيع الآخر فوّض قضاء القضاة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للشيخ سعد الدين مسعود [١] بن أحمد بن مسعود ابن زيد الحارثى، وخلع عليه يوم الأربعاء، وحكم فى يوم الخميس خامس الشهر، وذلك بحكم وفاة القاضى شرف الدين عبد الغنى بن يحيى بن محمد بن عبد الله الحرانى [٢] وكانت وفاته فى ليلة الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول ودفن من الغد بالقرافة ومولده بحران سنة خمس وأربعين وستمائة ﵀
стр. 12646
تعالى، وكان فى مبدأ أمره شافعىّ المذهب إلى آخر الأيام الأشرفية بالحسامية [١] الصلاحية وبعدها، ثم قلّد الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بعد ذلك واستقل وولى القضاء.
ذكر اضطراب أمر الملك المظفر ركن الدين
بيبرس الجاشنكير وما كان من أخباره إلى أن خلع نفسه وفارق قلعة الجبل.
كان ابتداء اضطراب أمر دولته أنه خرج من القاهرة الأمير سيف الدين أبغية قبجق [٢] والأمير علاء الدين مغلطاى القازانى، [٥١] والأمير سيف الدين طقطاى [٣] أمير مجلس، وجماعة من المماليك [٤] السلطانية فارين إلى خدمة السلطان الملك الناصر، وكان خروجهم من القاهرة بعد أذان المغرب من ليلة يسفر صباحها عن يوم الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة ووصولهم إلى خدمة السلطان الملك الناصر إلى الكرك، وطلوعهم إلى قلعتها فى بكرة نهار الأربعاء الثامن والعشرين منه، فأحسن الملك الناصر إليهم، وخلع عليهم، ولما توّجوا أتّهم بعض المماليك السلطانية بمواطأتهم فأمسك منهم نحو ثلاثمائة نفر، وقطعت أخبازهم وأخباز المتسحبين وجرد الأمير سيف الدين برلغى مقدما وصحبته الأمير جمال الدين آقش الأشرفى، والأمير عز الدين أيبك البغدادى والأمير شمس الدين الدكن ومن معهم من مضافيهم، فبرزوا فى يوم السبت التاسع والعشرين من شهر رجب وخيموا بمسجد التين [٥] ، ثم عادوا بعد أربعة أيام وكان سبب عودهم أن
стр. 12647
الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ورد كتابه على يد أستاذ داره سيف الدين الطنقش يتضمن أن الملك الناصر وصل إلى البرج الأبيض [١] قاصدا دمشق، ورجع إلى الكرك، ثم وصلت كتبه بعد ذلك تتضمن أن الأمراء بالشام مالوا إلى الملك الناصر وأنه يخشى من انتقاض الأمر فعند ذلك شرع الملك المظفر فى النفقة العامة على سائر الجيش، وكملت فى سبعة أيام، وكان الجند يأخذون النفقة ويقول بعضهم لبعض: ادعوا للملك الناصر، وأمر الملك المظفر جماعة من مماليكه، فركب منهم من أمراء الطبلخانات سبعة عشر، ومن أمراء العرب ثلاثة عشر وذلك فى مستهل شهر رمضان من السنة.
وفى هذا التاريخ خرج الأمير سيف الدين برلغى [٢] مجّردا فى أربعة آلاف فارس، ثم أردفه بالأمير سيف الدين طغريل الإيغانى فى أربعة آلاف أخر فمرض طغريل فرجع ومات فى عاشر شهر رمضان، وتوفى الأمير عز الدين أيبك الخزندار قبله فى سابع الشهر. ولما خرج هذا العسكر أرسل الملك [٣] المظفر للأمراء نقودا ذهبا غير النفقة الأولى فيقال: إن الذى وصل إلى الأمير سيف الدين برلغى فى هذه الحركة ستون ألف دينار عينا.
وفى يوم الجمعة الثانى عشر من شهر رمضان خرجت جماعة من المماليك السلطانية على الهجن، وقصدوا اللحاق بالسلطان الملك الناصر، فجرّد الملك المظفر فى آثارهم فأدركوهم وقد وردوا الماء بمراكع موسى واقتتلوا فجرح الأمير سيف الدين سموك [٤] أخو سلّار، وصارم الدين الجرمكى، وقتل من الفريقين ونجا المماليك السلطانية، والتحقوا بالسلطان الملك الناصر، فجرد الملك المظفر جماعة من الأمراء لحفظ الطرقات، من جملتهم الأمير جمال الدين آقش الرومى الحسامى، فساق فى إثر هذه الطائفة من المماليك فلم
стр. 12648
يدركهم، فلما رجع نزل ليستريح ويريح، فوثب عليه من مماليكه فقتلوه، وتوجهوا برأسه إلى الملك الناصر وحملت جثته إلى القاهرة، وفى أثناء هذه المدة تجمع خلق كثير من الغوغاء والعامة والسوقة [١] وجاءوا تحت القلعة، وأعلنوا بسبّ الملك المظفر فأمسك بعضهم وضرب وطيف به فلم يرتدعوا، ثم جلس المظفر فى يوم الخميس الحادى عشر من شهر رمضان جلوسا عاما وأحضر الخليفة المستكفى بالله أبا الربيع سليمان، وجدّد البيعة لنفسه والتولية بحضور الحكام والأمراء وكتب كتابا بتجديد البيعة، ورسم بقراءته على المنابر، فلما شرع القارئ له فى قراءته استغاثت العامة من كل جانب ليس لنا سلطان إلّا الملك الناصر، وهموا برجم الخطباء وأخرت قراءة كتاب البيعة وكتب إلى الأمير سيف الدين برلغى ومن معه من الأمراء والمقدمين وغيرهم أن يجددوا الحلف للسلطان، فاجتمعوا بجملتهم وقرئ عليهم كتاب الخليفة، ونسخة البيعة الثانية، وطلب منهم أن يجدّدوا الحلف فامتنع بعضهم وقال بعضهم قد حلفنا وإن كنا لا نفى باليمين الأولى فلا نفى بالثانية، وانفصلوا من المجلس على غير حلف فلما تفرقوا ركب بعض الأمراء وتوجه نحو الشام للقاء السلطان الملك الناصر خدمة، ودخولا فى طاعته وأنقل [٢] الجيش المجرد، فعلم برلغى أن النظام قد انحل وأتاه خبر مقتل آقش الرومى، فعند ذلك ركب وتوجه إلى خدمة السلطان الملك الناصر هو وسائر الأمراء المجردين ورجع بعض الحلقة إلى القاهرة وكان السلطان قد أنفق جملة كثيرة من الأموال، وفرق خيولا كثيرة، وعزم على الخروج بنفسه [٥٢] لحرب السلطان الملك الناصر ودفعه فلما بلغه أن برلغى ومن معه توجهوا إلى السلطان الملك الناصر فت ذلك فى عضده وسقط فى يده وعلم أنه لا بقاء لملكه.
ذكر خلع الملك المظفر ركن الدين بيبرس
الجاشنكير نفسه من السلطنة، ومراسلته الملك الناصر وخروجه من القلعة وتوجهه نحو الصعيد.
стр. 12649
ولما كان فى يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان اجتمع الأمير سيف الدين سلّار والأمير بدر الدين بكتوب الفتّاح أمير جندار، والأمير سيف الدين قجماز [١] بتخاص بالملك المظفر وقالوا له: إنا قد رأينا من المصلحة أن نراسل الملك الناصر وتسأله قلعة تكون بها أنت ومن معك من مماليك وألزامك فوافقهم على ذلك وتقرر أن يتوجه بالرسالة الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى فتوجه ضحى يوم الثلاثاء وكان مضمون سؤاله أن ينعم عليه بأحد ثلاث جهات إما الكرك وأعمالها، أو حماة وبلادها أو صهيون ومضافاتها ونزل عن الملك وخلع نفسه من السلطة، ثم اضطرب أمره فى عشية النهار اضطرابا شديدا، فدخل إلى الخزائن واستصحب معه جملة من الأموال والذخائر، وخرج من القلعة وصحبته مماليكه وهم نحو سبعمائة مملوك، وصحبته من الأمراء الأمير بدر الدين بكتوت الفتاح أمير جندار، والأمير عز الدين أيدمر الخطيرى أستاذ دار والأمير سيف الدين قجماز بتخاص ومماليكهم، وأخذ الخيول الجياد من الاستطبلات السلطانية، وشعر العوام بخروجه فتجمعوا وسبّوه وتبعوه فقيل إنه شغلهم بدراهم نثرها عليهم فاشتغلوا بجمعها، وتوجه بمن معه إلى إطفيح [٢] ثم منها إلى الصعيد: ولما فارق القلعة خرج من بقى من الأمراء والعساكر لتلقى السلطان الملك الناصر، واستقر الأمير سيف الدين سلّار بالقلعة يحفظها للسلطان وأفرج عن المعتقلين من المماليك السلطانية، وطالع السلطان الملك الناصر بما اتفق، وأعلن باسم السلطان والدعاء له على أسوار قلعة الجبل فى صبحة نهار الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان، وخطب له يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر، وانتهت أيام سلطنة الملك المظفر، وكان مدة جريان اسم السلطنة عليه عشرة أشهر وأربعة وعشرين يوما.
стр. 12650
ذكر سلطنة السلطان الملك الناصر
ناصر الدنيا والدين أبى الفتح محمد ابن السلطان الملك المنصور قلاوون الصالحى وعود دولته ثالثا ولنبدأ بسياقة أخباره منذ وصل إلى الكرك إلى أن ملك الممالك الشامية، ثم الديار المصرية.
قد قدمنا آنفا وصول السلطان الملك الناصر إلى الكرك واستقراره بقلعتها وإخراجه الأمير جمال الدين آقش الأشرفى النائب بها، وجماعة من البحرية [١] وبعض الرجال فيها ولما استقر بها اعتبر ما بها من الأموال والذخائر فوجد بها فيما بلغنى سبعة وعشرين ألف دينار عينا، وألف ألف درهم وسبعمائة ألف درهم، فاحترز على ذلك وادخره ولم يصرف منه شيئا فى النفقات وغيرها بل جعله ذخيره لمهماته، واقتصر فى النفقات، وكلف الدولة وأقام المملكة على ما يتحصل من الكرك وأعمالها خاصة وسيّر إلى الديار المصرية من جملة الحاصل ما تقدم ذكره وهو مائتا ألف درهم وكان السلطان قد جّهز زوجته أم ولده وولده وحريمه إلي الحجاز الشريف صحبة الركب، فلما استقر بالكرك أرسل الأمير سيف الدين كستاى فى جماعة من المماليك السلطانية إلى عقبة [٢] أيلة فأحضرهم إلى الكرك وأمر السلطان بالخطبة للملك المظفر بجامعى مدينة الكرك [٥٣] وقلعتها فخطب له، وأمر الحراس بذكره فى الصباح فكانوا يفعلون ذلك وهو يسمعهم، وانتهت حاله فى الأدب معه إلى أن كان يكتب فى الكتب الصادرة عنه بعد البسملة الملكى المظفرى، وسلك معه من التواضع والأدب ما لا يزيد عليه نواب السلطنة، وقصد بذلك أن تكون الأحوال ساكنة، والأمر ماشيا على سداد وانتظام واتفاق هذا والمظفر من جملة مماليك والده وليس من أكابرهم وتنازل معه إلي هذه الغاية وسلك معه مسلك النواب لا الملوك، فلم يرض المظفر منه بذلك، ولا قنع به بل شرع فى الغض من عالى
стр. 12651
رتبته والتضييق عليه، فكان أول ما بدأ به أن كتب إليه يطلب منه الأموال الحاصله بالكراك، والمماليك والخيول التى عنده كما تقدم ذكره، ثم أعاد المكاتبات ثانيا بتجديد الطلب من غير تحاش ولا حياء منه، ولا مراعاة لإحسانه وسالف عتق أبيه، ولا حفظ لحق ولا ذمام فعند ذلك تحقق السلطان سوء رأى المظفر فيه، وآيس من خير يحصل له من جهته، وتوقع منه الشر، فأخذ عند ذلك فى استئناف ما فرط وراسل من يثق بمودته ومحافظته وموالاته من الأمراء وكاتب الأمير حسام الدين مهنا، وأمراء العرب، ووردت عليه أجوبتهم وترددت قصّادهم، ولم يزل الأمر على ذلك سرا إلى أن التحق بخدمة السلطان والأمراء الثلاثة الذين خرجوا من الديار المصرية كما تقدم، ووصلوا إلى خدمته وهم، الأمير سيف الدين أبغية قبجق فى ثمانية وعشرين نفرا من مماليكه والأمير علاء الدين مغلطاى القازانى فى ثلاثة عشر نفرا، والأمير سيف الدين طقطاي أمير مجلس فى اثنى عشر نفرا ومن الماليك السلطانية نحو أربعين فارسا، وكان عدة جمعهم يقارب التسعين نفرا، وكان وصول أوائلهم إلى الكرك يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسع وسبعمائة، ووصلوا والسلطان بالصيد فى برية الكرك، فركب إليه الأمير سيف الدين أيتمس المحمدى أحد مماليكه من القلعة وتوجه إليه وهو يتصيد، وعرفه خبر من وصل فعاد السلطان من الصيد ووصل إلى الكرك فى نصف الليل ففتح له الأمير سيف الدين أرغون نائبه بالقلعة والمدينة وطلع إلى القلعة وأذن فى دخول من وصل إليه ممن ذكرنا فدخلوا إلى الكرك فى بكرة نهار الأربعاء الثانى والعشرين من الشهر، ومثلوا بين يدى السلطان، فأحسن إليهم وخلع عليهم، وكانوا لما خرجوا من القاهرة وجدوا تقدمة الأمير سيف الدين طوغان نائب السلطنة بقلعة البيرة [١] قد وصلت من جهته إلى الملك المظفر، فأخذوها بجملتها، وأحضروها إلى السلطان ودخلوا إلى قطيا [٢] وأخذوا ما بها من المال الحاصل وأحضروه فأنعم السلطان عليهم به وأحضروا معهم أيضا خيل البريد
стр. 12652
التى وجدوها بما مرّوا عليه من المراكز، وكان خروجهم من القاهرة باتفاق من الأمير سيف الدين سلّار ومباطنه، فعند ذلك أظهر السلطان من أمره ما كان يبطنه، وأعلن بما كان يسرّه وخرج بما كان يخفيه ويضمره، وأمر بالخطبة لنفسه فخطب له بجامعى القلعة والمدينة فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر، وأنفق فيمن وصل إلى خدمته وتجهز للمسير وأجمع على قصد دمشق واستقل ركابه العالى من قلعة الكرك بمن عنده من مماليكه، ومن وصل إلى خدمته فى الساعة الثالثة من يوم الإثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة، وترك بقلعة الكرك نائبه الأمير سيف الدين أرغون فى طائفة من المماليك السلطانية حتى انتهى إلى منزله الخمان [١] بالقرب من أذرعات، وكان قد كاتب الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بحلب وغيره من النواب فلما وصل إلى هذه المنزلة وركب منها لقصد دمشق ورد عليه مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المذكور بأجوبة مخدومه تتضمن وفاة ولده [٢] الأمير ناصر الدين محمد وأنه لا يمكنه اللحاق بالسلطان فى هذا الوقت ويقول:
إن كان السلطان قد خرج من الكرك فيعود إليها ويظهر أنه إنما خرج للصيد ونحو هذا من الكلام المخذل له عن القصد ولم يكن قراسنقر كتب ذلك وإنما كتب ببذل الطاعة والنصيحة والموافقة فلما وصل مملوكه إلى دمشق ظفر به الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالشام، فتحيل عليه وبذل له ذهبا وأخذ منه الكتب وغير [٣] ما تضمنته إلى هذا القول، فلما وصل كتاب قراسنقر إلى السلطان بذلك عاد إلى الكرك، وكان قد التحق بركابه فى هذه السفرة من الأمراء بدمشق الأمير ركن الدين بيبرس الشرفى المعروف بالمجنون، والأمير ركن الدين بيبرس العلمى، وغيرهما من أمراء العشرات والجند، فعاد السلطان بهم جميعا إلى الكرك وكان وصوله إليها فى الساعة السابعة من يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رجب فأسكن الأمراء الذين معه بالكرك، ووصلهم بصلات وأنعم عليهم، وشرع فى إعمال الفكرة وتجهز لقصد دمشق ثانيا فلما بلغ
стр. 12653
المظفر عوده إلى الكرك ظنّ أن ذلك عن عجز وخور، فكتب إليه كتبا وسيرها صحبة الأمير علاء الدين مغلطاي ابتغلى يتضمن الإنكار، والوعيد وأنه لابد أن يفعل معه ما فعل بابن الملك المعز أولاد الملك الظاهر، ولم يراقب الله تعالى فى مقالته، ولا خشى غيرة الله تعالى [١] فلما وصل كتابه بذلك حملت السلطان أنفة الملك على أن ضرب مغلطاى أبتغلى ضربا وجيعا واعتقله.
وكان أيضا قد وصل إلى السلطان كتابه
عند وصول الأمراء والمماليك السلطانية إلى الكرك على يد بينجار [٢] يتضمن أن طائفة هربوا من القاهرة خشية من القبض عليهم، وتوجهوا نحو الشام وربما يقصدون الكرك فإن وصلوا إليه، لا يقربوا، ولا يرجع إليهم ويقبض عليهم ويعيدهم فاعتقل السلطان قاصده الأول أيضا، وترادفت المكاتبات والرسل إلى السلطان الملك الناصر من جهة النواب والأمراء تتضمن أنهم على الطاعة والموالاة وبذل النفوس والأموال بين يديه، ولم يبق من النواب ما لم ترد مطالعته بالانقياد والطاعة إلّا الأمير جمال الدين الأفرم فإنه أظهر المخالفة، وأصرّ على الامتناع، وكان قد جرد الأمير سيف الدين قطلوبك وأردفه بالأمير سيف الدين الحاج بهادر فى أربعمائة فارس وأمرهم أن يكونوا بأذرعات يمنعان السلطان الملك الناصر إن قصد دمشق ويكونا بمن معهما يزكا على [٣] تلك الجهة.
فلما كان فى يوم الثلاثاء حادى عشر شعبان استقل ركاب السلطان من الكرك وفى خدمته من التحق به من الأمراء والمماليك السلطانية، وترك الأمير سيف الدين أرغون فى طائفة بقلعة الكرك.
فلما وصل السلطان إلى بركة زيزا [٤] وهى المنزلة الثالثة من الكرك إلى جهة دمشق وصل إلى خدمته الأميران سيف الدين بهادر وسيف الدين قطلوبك ومن معهما، وقبّلا الأرض بين يديه، وبذلا الطاعة والمناصحة والمؤازرة، فسار بهم إلى أذرعات [٥] ورسم بجميع خيل البريد وسياقتها من المراكز إلى دمشق
стр. 12654
فجمعت من بيسان [١] من الغور وما بعدها من المراكز إلى دمشق، وقصد بذلك تعذر وصول البريد من الديار المصرية إلى الشام وترادفت الأمراء من دمشق إلى خدمته أولا فأولا، ولما شاهد الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام ذلك من حال الأمراء، ولم يكن قد قدّم من الخدمة ما يقضى اللحاق بخدمة السلطان والانضمام إلى، ثم أجمع أمره على مفارقة دمشق، وتوجّه بعض مماليكه إلى شقيف أرنون [٢] وكان خروجه من دمشق فى ليلة الأحد سادس عشر شعبان، وصحبه الأمير علاء الدين بن صبح مقدم الجبلي، والتحق بركاب السلطان جماعة من مماليكه، واستمر السلطان على المسير إلى أن وصل إلى دمشق فى الساعة السابعة من يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان ونزل، بالقصر الأبلق وانتظم له الأمر واستوثق.
وكان كتاب الملك المظفر قد وصل إلى سائر
النواب والأمراء بالممالك الشامية: أنه متي استدعاهم الأمير جمال الدين نائب السلطنة بالشام لا يتأخرون عن خدمته، فأوّل من استدعى الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بالشام بالمملكة الصفدية فحضر بعسكر صفد فلما وصل السلطان تلقاه بالطاعة وحلف له، ثم أرسل السلطان الأمير جمال الدين آقش الأفرم فى العود، [٥٥] وبذل له الزمان، ووعده بمضاعفة الإحسان والعفو عما سلف من ذنبه فحضر إلى الخدمة السلطانية فى يوم السبت ثانى عشرين شعبان وهو مشدود الوسط بمنديل فتلقّاه السلطان، وترجل لترجله وأحسن إليه وخلع إليه، وتحدث معه فى النيابة على عادته، ثم ترادف وصول نوّاب السلطنة بالممالك الإسلامية وعساكرها، فوصل الأمير سيف الدين تمر الساقى بعسكر حمص ثم وصل الأمير سيف الدين قبجق نائب السلطنة بحماة، والأمير سيف الدين أسندمر نائب السلطنة بالفتوحات وعساكرهما فى يوم
стр. 12655
الإثنين رابع عشرين الشهر فركب السلطان وتلقاهما، وعاملهما بما عامل به الأمير جمال الدين الأفرم، ثم وصل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بحلب فى يوم الجمعة ثامن عشرين الشهر، فتلقاه السلطان كما تقدم، ووصل العسكر الحلبى فى بكره نهار السبت بأحسن زى وأفخر ملبوس وأكمل عدة، وقدم سائر النواب من الأموال والمماليك والخيول والأقمشة والتحف وغير ذلك ما يخرج عن الإحصاء، وظهر من حسن إخلاصهم ما لا يزيد عليه، وخطب للسلطان الملك الناصر على منابر دمشق فى يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان، وأقيمت الجمعة بالميدان، وحمل إليه منبر وصناجق وخطب خطيب الجامع واستناب عنه، وصلى السلطان الجمعة بالميدان، والقضاة والنواب والأمراء وكذلك أيضا فى الآتية [١] فى خامس شهر رمضان وأعاد السلطان قاضى القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى [٢] ، وكان قد عزل فى أيام المظفر- فأعاده السلطان فى يوم الإثنين رابع عشرين شعبان وخلع عليه فى يوم الأربعاء، وحكم فى يوم الخميس.
ولما تكامل وصول النواب والعساكر أمر السلطان بالنفقة فى سائر الجيوش، وابتدى بها فى يوم الإثنين مستهل شهر رمضان وجرّدت العساكر أولا فأولا، فجرد السلطان الأمير سيف الدين اسندمر والأمير سيف الدين تمر الساقى وأمرهما أن يتقدما إلى غزة بمن معهما، فتوجها، واستدعى السلطان الأمير سيف الدين كراى المنصورى- وكان بالقدس كما تقدم ذكر ذلك- فوصل إلى دمشق مسرعا بهمة عالية، ورغبة فى الخدمة ظاهرة، فرسم السلطان له ولمن معه من مماليكه بالنفقة، فامتنع من قبولها وسأله أن يؤذن له فى النفقة من ماله على جماعة من العسكر فشكر له ذلك، وخلع عليه وسأل أن يتقدم إلى غزة فأذن له بالتقدم بمن معه، وجمع طائفة من العرب ونفق فيهم من ماله ووصل إلى الخدمة السلطانية فى ثامن شهر رمضان من الديار المصرية أربعة من المماليك السلطانية، وأنهوا له الأحوال على جليتّها وأن جماعة من الأمراء المصريين
стр. 12656
يترقبون قرب ركاب السلطان ليحضروا إلى الخدمة وأنهم على وجل أن يعلم بحقيقة حالهم فيقبض عليهم فبرز السلطان بالعساكر والنواب من دمشق فى بكرة نهار الثلاثاء تاسع عشر رمضان، وصحبه قاضيا القضاة نجم الدين الشافعى وصدر الدين الحنفى، والخطيب جلال الدين، وكاتب [١] الدرج وجماعة من الأعيان.
ووصل إلى الخدمة الشريفة بين منزلتى إربد والقصير قبل وصوله الى العقبة جماعة من المماليك السلطانية، وهم يستحثون ركاب السلطان، فساق فى هذا اليوم منزلتين فى منزلة، ثم ترادف وصول المماليك وبعض الأمراء إلى أن حلّ ركاب السلطان بغزة فى يوم الخميس ثامن عشر الشهر، وكانت المياه بها قليلة والعساكر ومن انضم إليها قد طبقت الأرض، وشق على الناس قلة المياه، وازدحموا عليها، فأرسل الله تعالى سحابة فى بقية ذلك اليوم فأمطرت مطرا كثيرا غزيرا إلى أن جرت منه الغدران، واجتمع منه ببركة بغزّة ما شاهدت فى اليوم الثانى منه الخيل تسبح فى البركة، فحصل للعسكر بذلك غاية الرفق.
ولما استقل ركاب السلطان بغزة
وصل إلى باب الدّهليز الشريف الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار والأمير سيف الدين بهادر آص وكان بهادر آص قد توجّه إلى الملك المظفر فى شهر رجب وتأخر عوده فعاد الآن فى ليلة السبت العشرين من الشهر [٥٦] ، وكان وصول الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار بمطالعة المظفر يسأل قلعة كما تقدم، ثم وصل الخبر بعودته.
وفى يوم السبت العشرين من الشهر وصل إلى الخدمة السلطانية الأمراء الذين كانوا جرّدوا من الديار المصرية، وهم الأمير سيف الدين برلغى، والأمير جمال الدين أقش الأشرفى والأمير عز الدين أيبك البغدادى، والأمير شمس الدين الركن وغيرهم من الأمراء فتلقاهم السلطان وأحسن إليهم، وخلع عليهم.
стр. 12657
واستقل ركاب السلطان بسائر العساكر من غزة فى يوم الإثنين الثانى والعشرين من شهر رمضان ثم ترادف الأمراء بعد ذلك فى طول منازل الرمل يصل منهم فى كل منزلة جماعة، والسلطان يشمل من وصل إليه منهم بخلعه وإنعامه، وجهز الأمير سيف الدين سلار إلى السلطان الكوسات [١] والعصائب [٢] ، وكان وصولها بمنزلة السعيدية [٣] ثم وصل السلطان إلى بركة [٤] الجب فى يوم الثلاثاء سلخ شهر رمضان وتلقاه الأمير سيف الدين سلّار وبات السلطان بهذه المنزلة وعيّد بها عيد الفطر، وركب منها ووصل إلى قلعة الجبل فى التاسعة من يوم الأربعاء، وهو يوم العيد وبات بالإسطبل ثم أصبح وصعد إلى القلعة وجلس على تخت السلطنة بقلعة الجبل فى يوم الخميس ثانى شوال، وسأل الأمير سيف الدين سلّار دستورا فى التوجه إلى الشّوبك وكانت جارية فى إقطاعه- فأجيب إلى ذلك وخلع عليه خلعة العزل من النيابة وأنعم عليه بحياصة [٥] من الذهب مجوهرة وكان توجهه إلى الشوبك فى يوم جمعة ثالث شوال، وودعه الأمراء فكانت مدة نيابته عن السلطان منذ فوضها السلطان إليه فى يوم الإثنين سادس جمادى الأولى سنة ثمان وتسعين وستمائة وإلى أن عزل إحدى عشرة سنة وأربعة أشهر وستة وعشرين يوما ورسم بإقامة ولده علاء الدين أميرا على الأبواب السلطانية، وأنعم عليه بأمره عشرة طواشية.
وفى يوم الخميس سادس عشر شوال جلس السلطان بالإيوان الكبير بقلعة الجبل وحضر الأمراء إلى الخدمة على العادة، فأمر بالقبض على اثنين وعشرين أميرا من جملتهم عز الدين أيبك البغدادى، وسيف الدين بتاكز [٦] وغيرهم واعتقلوا.
стр. 12658
ذكر استعادة ما أخذه الملك المظفر بيبرس
من أموال الخزائن وعود الأمراء الذين توجهوا صحبته والقبض عليهم.
ولما استقر [السلطان الناصر] [١] بقلعة الجبل أرسل الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى والأمير سيف الدين بهادر آص إلى المظفر ركن الدين بيبرس فتوجها إلى الأعمال الإخميمية من الصعيد وحلفاه للسلطان واستعادا ما اعترف أنه التمسه من أموال الخزائن وتسلمها الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار وحضر بها فى البحر، وسافر المظفر بيبرس ومن معه والأمير سيف الدين بهادر آص فى البر الشرقى ليتوجه إلى صهيون [٢] فلما وصل إلى إطفيح فارقه الأمراء الذين كانوا معه وهم الأمير بدر الدين بكتوت المفتاح والأمير عز الدين الخطيرى والأمير سيف الدين قجماز بجاص وحضروا إلى الأبواب السلطانية وصحبتهم من مماليك المذكور نحو ثلاثمائة مملوك والخيل التى كان قد أخذها من الإسطبلات السلطانية، فخلع السلطان على الأمراء الثلاثة، وأمر بسياقة الخيل والبغال إلى الإسطبلات، وفرق أكثر المماليك على الأمراء، وأقر بعضهم فى الخدمة السلطانية، ثم أمر بالقبض على الأمراء الثلاثة واعتقلهم.
ذكر ما رتبه السلطان [٥٧] وقرره من النواب
والوزارة وأرباب الوظائف بأبوابه وممالكه الشريفة [٣] لما عزل الأمير سيف الدين سلار وتوجه إلى الشّوبك جلس الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى فى مرتبة النيابة من غير تقليد ولا تفويض، ثم رسم له بنيابة السلطنة بالشام عوضا عن الأمير جمال الدين الأفرم، ونقل الأمير جمال الدين المذكور إلى صرخد وأنعم عليه بمائة فارس، وفوّض السلطان نيابة السلطنة بمقر مملكته وكرسى سلطنته للأمير سيف الدي بكتمر الجوكندار وأمير جنداركان [٤] وفوض الوزارة للصاحب فخر الدين عمر بن عبد العزيز بن الخليلى [٥] وذلك فى الثانى
стр. 12659
والعشرين من شوال وعوّق النشائى [١] عوضا عن الصاحب ضياء الدين النشائى بالقلعة أيّاما [١] ، ثم أفرج عنه من غير مصادرة، وفوضت نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية للأمير سيف الدين قبجاق المنصورى، ونيابة السلطنة الحموية للأمير سيف الدين أسند مركرجى، ونيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات للأمير سيف الدين الحاج بهادر الحلبى، ونيابة السلطنة بالمملكة الصّفديّة للأمير سيف الدين قطلوبك المنصورى، وعيّن للأمير سيف الدين أبغية قبجق إقطاع الأمير سيف الدين قطلوبك بدمشق، واقتطع ما كان فيه من الزيادات وأقرّ السلطان الأمير شمس الدين سنقر الكمال فى الحجبة على عادته، والأمير سيف الدين بلبان المحمدّى المعروف طرناه أمير جندار، والأمير حسام الدين قر الاجين أمير مجلس إستاد دار العالية، والأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورى فى نيابة دار العدل الشريفة، ونظر الأحباس والأوقاف بالديار المصرية والبلاد الشامية.
وفى يوم الأربعاء الخامس عشر من شوال أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء الذين اعتقلوا فى الأيام الزينية [٢] كتبغا وهم: الأمير علاء الدين الشيخ على، وسيف الدين جاورشى [٣] قنقز وموسى وغازى ملك أخوا حمدان [٤] ابن صلغاى، أخوا حمدان وناصر الدين منكلى التتارى، وسيف الدين منكجار وغيرهم، وأنعم عليهم بالإقطاعات بالشام، وأفرج عن الشيخ تقى الدين بن تيمية وقد تقدم ذكر ذلك.
وفى الشهر المذكور أيضا حضر ناصر الدين محمد بن الأمير جمال الدين آقش الرومى الحسامى مطالبا بدم أبيه فأمر السلطان بالقصاص ممّن قتله فقتلوا- وكانوا سبعة-.
стр. 12660
وفى نفس الشهر أمّر السلطان جماعة من مماليكه وغيرهم منهم من المماليك السلطانية الأمير سيف الدين تنكز، والأمير سيف الدين طغاي والأمير سيف الدين خاص ترك، والأمير عز الدين أيدمر الخازن، ثم أمّر طائفة أخرى بعد هذه منهم: الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، ولم يؤخره عن هؤلاء إلا أنه كان قد تأخر بالكرك حتى أحضر أدر [١] السلطان وولده الملك المنصور علاء الدين على.
ذكر القبض على المظفر ركن الدين بيبرس
وقتله لما فارقه الأمراء والمماليك من إطفيح كما تقدم توجّه وصحبته الأمير سيف الدين بهادر آص، وعز الدين أيدمر الشجاعى إلى قصد صهيون، وساروا على الطريق البرية [٢] فلما انتهى إلى شرقى غزة على أميال منها اعترضه [٣] الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى نائب السلطنة بالشام ومن معه من الأمراء، وقبضوا عليه وعلى من معه من المماليك من غير ممانعة ولا مدافعة، وعاد به الأمير شمس الدين المذكور بشرذمة يسيرة من مماليكه، وهو على بغل مشدود الوسط بمنديل، ووصل به إلى منزلة الخطارة- وهى على مسافة يومين من القاهرة- فوافاه لها الأمير سيف الدين أسندمر كرجى نائب السلطنة بحماة [٥٨] وقد جرّد من الباب الشريف فى جماعة من المماليك السلطانية- فتسلمهّ بهذه المنزلة من الأمير شمس الدين، وعادبه إلى القاهرة، ووصل إلى قلعة الجبل سحر يوم الخميس رابع عشر ذى القعدة سنة تسع وسبعمائة، وأدخل من باب الإسطبل السلطانى، ومثل بين يدى السلطان فى مجلس خلوة حضره الأمراء الخاصكية، ويقال إن السلطان وبّخه وأنكر عليه تجرّيه وتطاوله إلى ما لا يستحقه من الملك وآخر الأمر أن السلطان سأله [٤] عن مغلطاي السّويدى أحد رجّاله الحلقة، وكان قد حضر بين يدى نائب السلطنة الأمير سيف الدين سلّار وتضرر من ضعف إقطاعه فعارضه بيبرس فى حال إمرته، فقال له السّويدى: أنت قد وسّع الله عليك أو أعطاك ما أعطاك، وأنا
стр. 12661
رجل جندىّ أشكو لنائب السلطان ضعف إقطاعى، فما يحل لك أن تتعصّب عليّ فغضب منه وأحضره إلى داره وضربه بالدبابيس ضربا مؤلما فمات ويقال إن بيبرس أعترف بذلك، فأمر السلطان بقتله قودا بمغلطاي السّويدى، فقتل خنقا فى بقية يوم الخميس المذكور، ودفن ليلة الجمعة منتصف ذى القعدة، وأخرج من باب السّرّ من جهة القرافة وعفّى أثر قبره، ثم أمر السلطان فى سابع وعشرين الشهر بنقله إلى تربته التى بالقرافة، فنقل إليها ودفن بها ليلا، ثم أمر السلطان بنقل الأمراء الذين قبض عليهم من قلعة الجبل إلى ثغر الإسكندرية، فتوجه بهم الأمير ناصر الدين بن أمير سلاح.
وفى هذه السنة أمر السلطان بالقبض
على الأمير علاء الدين مغلطاي القازانى أحد من توجه إليه إلى الكرك، وسبب ذلك أنه شرع يدل بخدمته، وأنعم السلطان عليه بإقطاع بالديار المصرية فرده فإعطاه غيره فرد الثانى والثالث فنقم السلطان عليه ذلك، وأمر باعتقاله له بالزردخاناه [١] ثم نقله إلى البرّج فى عشية النهار إلى الجب، ثم إلى الإسكندرية، وبلغه أيضا عن الأميرين سيف الدين أبغيه قبجق وركن الدين بيبرس العلمى بدمشق أنهما تطاولا على الرعيّة ومد أيديهما إلى الظلمّ فأمر بالقبض عليهما:
فقبض علي أبغية فى يوم الأحد ثالث عشرين ذى الحجة وقبض على بيبرس العلمى فى يوم الإثنين رابع عشرين الشهر، واعتقلا بقلعة دمشق، فمات أبغية فى معتقله فى جمادى الآخرة سنة عشر وسبعمائة.
وفيها فى العشر الآخر من ذى الحجة رسم السلطان للأمير سيف الدين سلّار بأمرة مائة طواشى وعيّن لخاصة وأصحابه من بلاد الكرك أجود ضياعها مضافا إلى الشّوبك، فنظر إلى ذلك مع كثرته فوجده يسيرا بالنسبة إلى ما كان بيده بالديار المصرية.
стр. 12662
وفى هذه السنة توفى القاضى عز الدين بن عبد العزيز ولد القاضى شرف الدين بن محمد بن القيسرانى [١] أحد أعيان كتاب الدرج الشريف وفضلائهم، والمدرس بالمدرسة الفخريّة، وكانت وفاته فى يوم الخميس عاشر صفر، ودفن بكرة نهار الجمعة بالقرافة رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير شمس الدين سنقر الأعسر المنصورى [٢] بداره بالقاهرة فى شهر ربيع الأول، ودفن بتربته التى أنشأها خارج باب النصر، وكان من الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالديار المصرية.
وتوفى الشيخ العارف العالم تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله بن عبد الرحمن بن محمد بن الحسن الجذامى الإسكندري [٣] فى ليلة السبت حادى عشر جمادى الآخرة، وكان من الصلحاء، يتكلم على كرسيّ ويعظ الناس، وله معرفة بكلام الصوفية وأرباب الطريق والسلف، وله كلام حسن مفيد فى هذا الشأن- رحمه الله تعالى-.
وتوفى القاضى نبيه الدين حسن بن بدر الدين نصر بن الحسن الإسعردى [٤] [٥٩] بالقاهرة فى مستهل جمادى الآخرة، وكان قد ترشّح للمناصب العالية- رحمه الله تعالى-.
وتوفى الأمير عز الدين أيبك الخزندار المنصورى فى سابع شهر رمضان وكان من أكابر أمراء الديار المصرية مقدمى الألوف ومن المماليك المنصورية فى زمن الإمرة.
وتوفى الأمير سيف الدين طغريل [٥] الإيغانى فى عاشر الشهر وقد تقدم ذكر ذلك.
стр. 12663
وتوفى من الأمراء بدمشق الأمير شرف الدين قيران الدوادارى المنصورى المشد- كان- بدمشق فى يوم الجمعة سابع عشرين شهر ربيع الآخر ودفن يقاسيون وكان بعد انفصاله من شد الشام ونكبته قد أمّر بحلب، ثم قطع خبزه، وحضر ليتوجه إلى الأبواب السلطانية فأدركته منيته، فمات رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين بلغاق ابن الأمير بدر الدين كونجك الخوارزمى فى سابع جمادى الأولى بقرية المغاربة من عمل بيروت الجارية فى أوقاف القدس، وحمل إلى قاسيون فدفن به، وكان أميرا صالحا جيدا سمع الحديث وولى آخر عمره نظر أوقاف القدس والخليل- رحمه الله تعالى.
وتوفى أيضا الأمير علاء الدين أقطوان الدوادارى [١] بدمشق.
واستهلت سنة عشر وسبعمائة
فى هذه السنة فى المحرم ولى الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب نيابة السلطنة وتقدمة العسكر بغزة، عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان البدرى، وتوجّه إلى دمشق فى رابع عشرين الشهر، واجتمع بنائب السلطنة، وتوجه إلى غزة فى يوم الجمعة سابع عشرين الشهر.
وفيها فوّضت وزارة دمشق لنجم الدين البصروى [٢] على عادة تقى الدين توبة التكريتى [٣] فوصل إلى دمشق سابع صفر.
وفى هذه السنة رسم لى أن أتوجه إلى المملكة الطرابلسية صاحب الديوان بها وكتب توقيعى بذلك وهو من إنشاء المولى الفاضل شهاب الدين محمود الحلبى، وبخط ولده القاضى جمال الدين إبراهيم، وهو مؤرخ فى الخامس عشر من المحرم، وتوجهت فى مستهل صفر، ووصلت إلى طرابلس وباشرت الوظيفة ثم انتقلت [٤] إلى نظر الجيوش [٥] بها فى مستهل شوال من السنة عوضا عن
стр. 12664
نجم الدين القصير، واتّفقت وفاته فى سابع شوال قبل وصول توقيعى بذلك فباشرت فى أول هذه السنة عوضا عن التاج الطويل، وفى آخرها عوضا عن النجم القصير.
ذكر الاستبدال بقاضى القضاة الشافعى والحنفى بالديار المصرية
وفى هذه السنة فى يوم السبت التاسع والعشرين من صفر عزل قاضى القضاة بدر [١] الدين ابن جماعة عن القضاء بالديار المصرية وفوض ذلك إلى نائبه القاضى جمال الدين سليمان بن عمر بن سالم الأذرعى المعروف بالذرعى [٢] وخلع عليه واستقلّ بالقضاة، وطلب قاضى القضاة شمس الدين محمد ابن الشيخ صفى الدين الحريرى الحنفى من دمشق إلى الديار المصرية لولاية قضاء القضاة على مذهب أبى حنيفه فوصل البريد بطلبه إلى دمشق فركب منها فى العشرين من شهر ربيع الأول، ووصل القاهرة، وفوض إليه قضاء القضاة الحنفية فى رابع شهر ربيع الآخر عوضا عن القاضى شمس الدين أحمد السّروجى وخلع عليه ولم تطل مدة القاضى شمس الدين السّروجى بعد العزل فإنه مات فى هذه السنة على ما يذكر إن شاء الله تعالى.
وفيها بلغ السلطان عن إخوة الأمير سيف الدين سلّار ما أوجب القبض عليهم واعتقالهم وكتب إلى أخيهم [٦٠] يعرفه ذلك وقبض [٣] أيضا على جماعة من الأمراء بالديار المصرية، وكتب إلى الشام بالقبض على جماعة من أمراء دمشق فى شهر ربيع الأول؛ فقبض على سبعة منهم الأمير علاء الدين أقطوان الأشرفى، والأمير سيف الدين الأقوش، والأمير علاء الدين الشيخ على التتارى وغيرهم وكتب إلى طرابلس بالقبض على الأمير حسام الدين طرنطاى المحمدى، وناصر الدين منكلى، وسيف الدين منكجار [٤] ومرسى وغازى أولاد صلغاى.
стр. 12665
ذكر القبض على الأمير سيف الدين سلار ووفاته رحمه الله تعالى
وفى هذه السنة قبض على الأمير سيف الدين سلّار المنصورى الصالحى العلائى وسبب ذلك أن السلطان اتصل به أنه كاتب جماعة من الأمراء، وشرع فى استفسادهم وإثارة فتنة، فبادر السلطان بالقبض على من ذكرنا من الأمراء ممن اتهم بمباطنته، وكتب إلى الأمير سيف الدين سلّار المذكور يستدعيه إلى الأبواب السلطانية، وجهز إليه الأمير ناصر الدين محمد بن أمير سلاح، فتوقّف واعتذر عن الحضور، فأرسل إليه الأمير علم الدين سنجر الجاولى، ثم الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورى، فحضر وكان حضوره فى سلخ شهر ربيع الآخر تحت الطاعة، وحال وصوله اعتقل واسترجع السلطان قرية المعيصرة والإسطبل من قرى المرج بدمشق، وكان السلطان قد ملّكه من هذه القرية الذى انتقل إليه من ميراث الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى وزوجته الأشرفيه، وهو الربع والسدس في سنة ثلاث وسبعمائة، ثم ابتاع سلّار من الورثة ما بقى منها، فاسترجعها السلطان منه الآن بمكتوب شرعى، ولم تطل مدة اعتقال سلّار فإنه توفى إلى- رحمة الله تعالى- فى رابع عشرين جمادى الأولى من السنة، ودفن فى الخامس والعشرين من الشهر بتربته التى أنشأها بجوار الكبش بظاهر القاهرة، ووقعت الحوطة على موجوده وأمواله وحواصله وذخائره، ووصل طلبه [١] من الشّوبك [٢] فقرّقت مماليكه على الأمراء ثم ماتت والدته بعده بأيام يسيرة ودفنت عنده.
وسلّار هذا- رحمه الله تعالى- كان من مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى أيام إمرته، وهو من كسب التتار فى وقعة ابلستين [٣] فى أواخر الدولة الظاهرية، وأعطاه السلطان لولده الملك الصالح علاء الدين،
стр. 12666
فاختص به وخدمه وتقدم عنده، أخبرنى الأمير بدر الدين بكتوب الشرفى المنصورى، وكان من الدّواداريّة المنصورية- قال: توجه الملك الصالح ابن السلطان الملك المنصور إلى الصيد فأرسل إلى السلطان من صيده خمسين حملا، وأرسل إلى الأمير حسام الدين طرنّطاى خمسة أحمال، وأرسل إلى غيره وأرسل بذلك الأمير سيف الدين سلّار قال ففرح السلطان بذلك فرحا شديدا، وحضر الأمير حسام طرنطاى إلى خدمة السلطان والصيد بين يديه، فأراه ذلك وقال له أى شئ تنعم به على سلّار، فقال له طرنطاى، سلّار مملوك مولانا السلطان ومملوك ولده الملك الصالح، والسلطان الملك الصالح يحبّ أن يفرح بمملوكه أمير عشرة، قال فنظر إليه السلطان وقال: يا طرنطاى، والله إن دولة يكون فيها سلّار أمير عشرة دولة كذا وأمر له بخمسة آلآف درهم إنعاما ولم يسمح له بإمرة عشرة، ثم أمّر بعد ذلك، وبلغ فى نيابته من التمكن ونفاذ الكلمة والاستقلال بالأمر وكثرة الإقطاعات، وسعة الأموال والمتاجر وغير ذلك ما لم يبلغه نائب سلطنة قبله، وكان يعد من الشجعان، ومن عقلاء الناس- رحمه الله تعالى.
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية
للأمير جمال الدين الأفرم [٦١] فى هذه السنة فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكه الطرابلسية والفتوحات للأمير جمال الدين آقش الأفرم وسبب ذلك أن الأمير سيف الدين بهادر الحلبى الحاج- نائب السلطنة بها- توفى إلى رحمة الله تعالى فى يوم الأحد- العاشرة من النهار- ثامن عشر ربيع الآخر بطرابلس، ودفن بها، وطولع السلطان بذلك، فرسم للأمير جمال الدين المذكور أن يتوجه إليها من صرخد، فاستعفى من ذلك، فرسم بعود الأمير سيف الدين أسندمر كرجى إليها، فاستعفى أيضا، وصمم أن لا يعود إلى طرابلس، فرسم ثانيا للأمير جمال الدين أن يتوجه إليها وكتب تقليده بالنيابة ومنشوره بالإقطاع، وتوجّه إليه بذلك من الأبواب السلطانية الأمير ركن الدين بيبرس الأوحدى، فنقله من صرخد إلى طرابلس، وكان وصوله إليها فى نصف شهر رجب سنة عشر وسبعمائة.
стр. 12667
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الحموية للأمير عماد الدين إسماعيل وانتقال الأمير سيف الدين أسدمر إلى حلب .
وفى هذه السنة وصل الأمير حسام الدين مهنّا [١] إلى الأبواب السلطانية فعامله السلطان بالإحسان والقبول على عادته فشكا من الأمير سيف الدين أسندمر كرجى نائب السلطنة بحماة أو ذكر سوء اعتماده، ففوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحموية للأمير عماد الدين إسماعيل ابن الملك الأفضل على، ورسم بانتقال الأمير سيف الدين أسندمر إلى طرابلس، فتوقف عن العود إليها، ووصل الأمير عماد الدين إلى مدينة حماة ونزل بظاهرها فى أواخر جمادى الآخرة، وما أمكنه الدخول إليها، والأمير سيف الدين أسندمر بها، واتفقت وفاة الأمير سيف الدين قبجق المنصورى نائب بالمملكة الحلبية، فتوجه أسندمر من حماة إلى جهة حلب، وكتب إلى السلطان يقول: إن المواعيد الشريفة تقدمت للملوك أنه متى شغرت نيابة حلب تكون للمملوك، وقد شغرت الآن وتوجّه المملوك إليها حسب المواعيد الشريفة فأجابه السلطان إلى ذلك وأدركه تقليد النيابة ومنشور الإقطاع قبل دخوله إلى حلب، واستقر بها الأمير عماد الدين بحماة.
وفى شهر ربيع الأول قبض على الأمير فخر الدين إياز
نائب السلطنة بقلعة المسلمين [٢] ، وأوقعت الحوطة على موجوده، ووصل إلى دمشق فى أواخر الشهر، ونسب إلى أنه كان يظهر الطاعة ويضمر العصيان ثم فوض إليه شاد الدواوين بدمشق عوضا عن الأمير سيف الدين كتبغا المنصورى رأس نوبه، ووصل إلى دمشق فى يوم الإثنين رابع عشر رمضان، وباشر فى يوم الخميس سابع عشر الشهر، وكان كتبغا قد ولى شاد الشام فى الثالث والعشرين من شوال سنة تسع وسبعمائة، عوضا عن الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى.
стр. 12668
ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب
فى هذه السنة استدعى الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى من نيابة السلطنة بغزة إلى الأبواب الشريفة، وفوّضت إليه الوزارة وتدبير الدولة [٦٢] فى حادى عشر رمضان، وعزل الصاحب فخر الدين عمر الخليلى من الوزارة، وولى نيابة [١] غزة الأمير سيف الدين قطلقتمر [٢] وفيها وصلت رسل الأشكرى وصحبتهم رسل الكرج [٣] إلى الأبواب السلطانية يسألون إعادة كنيسة المصلبية بالقدس الشريف إليهم وكان الشيخ خضر قد انتزعها فى الدولة الظاهرية وجعلها زاوية- كما تقدم- فأعيدت إليه بمقتضى فتاوى العلماء أنه لا يجوز اغتصابها ... وسأل الأشكرى إجراء أهل الذمة بالديار المصرية على عادتهم، وفتح كنائسهم، فأجيب إلى ذلك وفتحت لهم كنيستان للملكية واليعاقبة، وكنيسة لليهود بمصر، ورسم لهم بالاستواء، فى الركوب وكانوا قبل ذلك يركبون عرضا من جهة واحدة.
ذكر تفويض الوزارة بدمشق للرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى
وفى ذى القعدة من سنة عشر وسبعمائة وصل تقليد الوزارة بدمشق للرئيس عز الدين بن القلانسى فتوقف عن القبول واستعفى فألزم بالمباشرة، ولبس التشريف فى يوم الخميس ثالث ذى القعدة وركب من داره وشاد الدواوين فى خدمته، وأرباب الدولة وتوجه إلى نائب السلطنة وباشر وجلس بالدار الحسامية المشرفة على الديوان.
стр. 12669
ذكر القبض على الأمير سيف الدين أسندمر
كرجى وتفويض نيابة السلطنة بحلب للأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى وتفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير سيف الدين كراى.
وفى هذه السنة اتصل بالسلطان عن الأمير سيف الدين أسندمر نائب السلطنة بحلب أشياء لا يمكن الإقرار [١] عليها من الظلم والعسف وأخذ الأموال وأضاف إليها ما اعتمده بحماة، فجرّد السلطان من الديار المصرية الأمير سيف الدين كراى المنصورى والأمير شمس الدين سنقر الكمالى الحاجب، والأمير سيف الدين باينجار [٢] والأمير عز الدين أيبك الرّومى ومضافيهم، وجعل التقدمة على الجيش للأمير سيف الدين كراى المذكور، وتوجهوا ووصلوا إلى دمشق فى يوم الأحد ثالث عشر ذى القعدة، ونزلوا بمنزلة [٣] القابون، وجرّد من دمشق جماعة والمقدم عليهم الأمير سيف الدين بهادر آص، وتوجهوا بجملتهم وجرّد جماعة من الجيش الطرابلسى واجتمعوا بجملتهم على حمص ووقعت الشائعة أن قصد العسكر الدخول إلى بلاد الأرمن، ثم ركب هذا الجيش من حمص فى ليلة عيد النحر قبل غروب الشمس، فساقوا طول الليل ونهار العيد بجملته، وثلث الليلة المستقبلة، فوصلوا إلى حلب وقد تقطعت أكثر الجيوش لشدة السوق، ووصلوا والأمير سيف الدين أسندمر بدار السلطنة، فأحاطوا بها، وكان الخبر قد وصل إليه فأغلق باب الدار، وكان بالقرب من دار السلطنة أخشاب وعجل قد هيئت لجرّ أعواد المجانيق إلى سيس، فأمر الأمير سيف الدين كراى بجرها إلى رحبة باب الدار وتوعير الطريق بها خوفا من أن يركب ويهجم على العسكر، واستمرت العساكر تتواصل فى طول تلك الليلة، ثم أرسل إليه ناصر الدين أمير سلاح فدخل عليه واجتمع به، ودخل إليه أيضا غيره من الأمراء، ثم خرج هو فى بكرة نهار السبت حادى عشر ذى الحجة، ونقل إلى
стр. 12670
قلعة حلب وقد أوقعت الحوطة على موجوده، ثم جهز إلى الأبواب السلطانية صحبه جماعة من الأمراء منهم الأمير سيف الدين منكوتمر الطباخى، فوصلوا به فاعتقل بقلعة الجبل، ثم نقل إلى الإسكندرية، ثم إلى قلعة الكرك ومات بها.
وفيها أيضا بعد القبض على أسندمر قبض على الأمير سيف الدين طوغان نائب قلعة [١] البيرة [٦٣] وكان القبض عليه باتفاق من رجّالة القلعة.
وذلك أن الأمراء كتبوا إليه أن بعض مماليك أسندمر قد هربوا فركّب مماليكك ومن تثق به خلفهم إلى أن تعيدهم، ففعل ذلك، وبقى بالقلعة وحده، فقبض عليه رجال القلعة واعتقلوه إلى أن حضر من العسكر من تسلّمه وسيّر إلى الأبواب السلطانية تحت الاحتياط.
ولما قبض على الأمير سيف الدين أسندمر رسم بنقل الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى من نيابة السلطنة بالشام إلى حلب بسؤاله لذلك، وتوجّه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصرى إلى الشام بتقليدين أحدهما للأمير شمس الدين قراسنقر بنيابة السلطنة بحلب، والثانى للأمير سيف الدين كراي المنصورى بنيابة السلطنة بدمشق، فوصل إلى دمشق فى يوم السبت خامس عشر ذى الحجة، فتجهز الأمير شمس الدين للسفر، فلما كان فى يوم الثلاثاء ورد عليه كتاب من أحد مماليكه بحلب يذكر أن الأمير شمس الدين سنقر الكمالى تحدث فى نيابة السلطنة بحلب، فخشى قراسنقر أن يكون الغرض القبض عليه فشاع أنه فرّق ما فى خزانته من الذهب على مماليكه، وعزم على الهرب، ونقل حريمه من القصر إلى داره التى بدمشق داخل باب الفراديس، واتصل هذا الخبر بالأمراء فركب الأمير ركن الدين بيبرس العلائى وجماعة من العسكر وأحاطوا بالقصر الأبلق فى ليلة الأربعاء فلما أصبح اجتمع هو والعلائى وسأله عن السبب الحامل له على ما فعل، فذكر ما بلغه عنه، ثم توجّه الأمير شمس الدين إلى حلب من دمشق فى يوم الأحد ثالث محرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة وتوجه الأمير سيف الدين أرغون إلى حلب لإحضار الأمير سيف الدين كراى إلى دمشق، فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة على ما نذكره.
стр. 12671
ذكر حادثة الأميرين مظفر الدين موسى ابن الملك الصالح. وسيف الدين بتخاص والقبض عليهما
كان القبض على الأمير سيف الدين بتخاص فى سلخ ذى الحجة سنة عشر وسبعمائة، وسبب ذلك أن السلطان بلغه أن المذكور حسّن للأمير مظفر الدين موسى ابن أخيه السلطان الملك الصالح الخروج على عمه السلطان الملك الناصر، وطلب الملك لنفسه، واتفقا على ذلك وعزما على إثارة فتنة، واعتضد بمماليك بيبرس المنعوت بالمظفر، وكانوا قد تفرقوا عند الأمراء، فقرر معهم أن كل مملوك يثب على أميره فيقتله ثم يتجمعون على الأمير مظفر الدين وبتخاص، وتثور الفتنة. فلما تحقق السلطان ذلك جلس فى ليلة الخميس سلخ ذى الحجة، وطلب الأمير سيف الدين بتخاص. وكان يسكن بقلعة الجبل بدار العدل الكاملية. فعلم المراد بطلبه وتحقق أن السلطان بلغه ما اتفقا عليه فأغلق داره وامتنع من الإجابة؛ ووقف مماليكه بأعلى الدار وبأيديهم قسيهم للممانعة عنه، وترددت الرسائل من السلطان فى طلبه وهو لا يجيب إلى الحضور، وقصد خلع الشباك الكبير الذى بالدار المطل على دركات القلعة والخروج منه، فأرسل السلطان جماعة من المماليك الأوشاقية وغيرهم، فوقفوا تحت الشباك، فتعذر عليه ما دبّره وحضر إليه الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى وعنّفه ولامه على ما فعله، وقال له إن السلطان فى هذا الوقت قد طلب سائر الأمراء وطلّبت من جملتهم، فلا تجعل لك ذنبا. وكان قد لبس عدة الحرب فنزعها وخرج وحضر بين يدى السلطان، فأمر بالقبض عليه واعتقاله، وطلب السلطان الأمير مظفّر الدين موسى ابن أخيه الملك الصالح، فهرب من داره بالقاهرة، فرسم السلطان بهدم الأماكن التى يظّن أنه اختفى بهاء وندب لذلك الأمير علاء الدين أيدغدى شقير [١] وغيره، فهدموا بعض الأماكن واشتد الأمر يومى الخميس والجمعة مستهل محرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة إلى بعد الصلاة، فحضر بعض فقهاء المكاتب وذكر أنه أختفى عند سيف الدين بلبان
стр. 12672
أستاذ دار قطز بن الفارقانية فى حارة [١] الوزيرية، فقبض عليه [٤٦] وأحضر إلى السلطان، فأمر أن يسمر الذى أخفاه، فسمر وطيف به على جمل، ثم شفع فيه فأطلق، وأحضر السلطان الأمير موسى وبتخاص [وقررهما] [٢] فأقر كل منهما على الآخر فعرف الأمير [٣] موسى ببعض قاعات القلعة، ثم أخرج منها فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وأشيع أنه جهز إلى اليمن، ثم أظهر السلطان موته فى العشر الأول من صفر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وأمر بعمل عزائه فعملته أمّه منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وثبتت وفاته على الحكام، وكان ممن شهد بوفاته الطواشى شجاع الدين عنبر الّلالا، ولما قبض السلطان عليهما أمر بالقبض على جماعة من المماليك الركنية وقطع يد أحدهم، وكان للأمير سيف الدين بتخاص؛ لأنه رمى فردة نشاب عند طلب بتخاص، ثم شفع فى بقيتهم.
وفى سنة عشر وسبعمائة
توفى قاضى القضاة شمس [٤] الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغنى السّروجى الحنفى معزولا عن القضاء وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم الخميس ثانى عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة الصّغرى، بقرب تربة الإمام الشافعى، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى عز الدين الحسن بن الحارث ابن مسكين [٥] الشافعى، بداره بمصر فى ليلة السبت ثامن جمادى الأولى، ودفن من الغد بالقرافة، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، عين لقضاه القضاة ولم يل.
стр. 12673
وتوفى القاضى شهاب الدين أحمد بن علاء الدين بن عبادة وكيل الخواص الشريفة، وكانت وفاته بباب داره بالقاهرة، فى ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى ودفن من الغد بتربته بالقرافة، وولى وكالة الخواصّ بعده، القاضى كريم الدين عبد الكريم [١] ، وهو الذى كان ناظر ديوان بيبرس الجاشنكير المنعوت بالمظفر، وكان السلطان شديد الكراهية له، وصمم على قتله، ثم انتقل من هذه الرتبة إلى منزلة الخصوصية والتمكن من الدولة وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وتوفى القاضى أمين الدين أبو بكر ابن وجيه الدين عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الوقاقى ناظر الدواوين بالديار المصرية فى ليلة الأحد الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربته بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى جيدا خيّرا كثير المروءة والإحسان إلى خلق الله تعالى.
وتوفى فى ثالث عشرين [٢] جمادى الأولى الأمير خضر ابن الخليفة [٣] المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، ودفن بتربته بجوار مشهد السيدة نفيسة.
وتوفى القاضى بدر الدين أبو البركات عبد اللطيف ابن قاضى القضاء تقى الدين محمد بن الحسين بن رزين الحموى [٤] بالقاهرة فى يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخر، ودفن من يومه عند والده بالقرافة، وكان قاضى العساكر المنصورة، ومولده بدمشق فى تسع وأربعين وستمائة.
وتوفى الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى [٥] فى ليلة الأربعاء ثانى شهر رجب ودفن، وذلك بعد القبض عليه واعتقاله، ﵀ وتوفي الملك المنصور علاء الدين على ابن الملك الناصر فى ليلة الجمعة المسفرة عن حادى عشر رجب بقلعة الجبل، ودفن من الغد بتربته بالقبة الناصرية بالقاهرة، وكان
стр. 12674
السلطان والده فى الصيد، فنزل نائب السلطنة الأمير سيف الدين بكتمر والأمراء مشاة أمام تابوته إلى أن دفن، وكان عمره ست سنين وشهورا، ولما مات وقفت والدته أردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه ما خصها بالإرث الشرعى عن زوجها الملك الأشرف وابنتها منه من خان دار [١] الطعم بدمشق وهو ثلاثة أسهم وثلث سهم وربع سهم وثمن سهم وسدس عشر سهم، وشرطت أن يرصد ما يتحصّل من ريع هذه الحصة المذكورة لثمن خبز ويفرق على أهل المكان من القراء والمؤذنين والقومة وغيرهم.
وتوفى القاضى بهاء الدين عبد الرحمن ابن القاضى الخطيب [٥٦] عماد الدين على بن عبد العزيز بن السّكرى بمصر عشية الجمعة حادى عشر شهر [٢] رجب، ودفن بالقرافة فى حياة والده رحمه الله تعالى.
وتوفي الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد ابن الرّفعة [٣] بمصر فى ليلة الجمعة ثامن عشر شهر رجب، ودفن من الغد بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى من فضلاء الشافعية وأكابر المفتين، وصنف كتابا فى الفقة على مذهب الأمام [٤] الشافعى فى نحو عشرين مجلدا. وتوفى الأمير جمال الدين آقش الموصلى [٥] المعروف بقتال السبع، أمير علم أحد الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية، فى ليلة السبت تاسع عشر شهر رجب رحمه الله تعالى.
وتوفي الشيخ العارف كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم بن الحسين [٦] الطبرى شيخ الشيوخ بخانقاة [٧] الملك الناصر صلاح الدين فى ليلة السبت سابع شوال رحمه الله تعالى.
стр. 12675
وتوفى الأمير الطواشى شهاب الدين مرشد الخزندار المنصورى بداره بالقاهرة فى ليلة الخميس ثالث ذى القعدة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان من الخدام المنصورية فى زمن إمرة السلطان الملك المنصور، وكان رجلا جيّدا خيّرا. رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ المسند بهاء الدين أبو الحسن على بن الفقية عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبى [١] المعروف بابن القيم بمنزله بالقاهرة، فى يوم السبت سادس عشرين ذى القعدة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان قد انفرد بالرواية عن الشيخ نجم الدين الفارسى سمع عليه فى سنة عشرين وستمائة وروى عن ابن باقا [٢] وسبط السّلفى، ومولده فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، ومات وقوّته جيّدة، وحواسّه صحيحة رحمه الله تعالى.
وتوفى من الأمراء بدمشق الأمير سيف الدين قشتمر الشمسى مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، كان من الأمراء بدمشق، وتقدم على الجيوش بحلب، وكانت وفاته فى عشية الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأول رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى بدمشق، فى ليلة الإثنين تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد بتربته خارج باب الجابية [٣] ، وكان أميرا كبيرا خيّرا أمينا، ولى نيابة السلطنة بدمشق، وتقدمة العسكر بغزة، وولى شاد الدواوين وأستاذ الدوادارية بدمشق رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة
فى هذه السنة عادت رسل السلطان الملك الناصر من جهة الملك طقطاى فأسرهم الإفرنج هم درسل الملك طقطاى إلى السلطان، وكانوا هم وأتباعهم وغلمانهم نحو ستين نفرا، وذلك فى شهر ربيع الأول ومرّوا بهم على البلاد الساحلية، وقصدوا بيعهم ووصلوا بهم إلى طرابلس الشام، وعرضوا بيعهم بها