← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12671–12710 · переход к 12676.

стр. 12671

ذكر حادثة الأميرين مظفر الدين موسى ابن الملك الصالح. وسيف الدين بتخاص والقبض عليهما كان القبض على الأمير سيف الدين بتخاص فى سلخ ذى الحجة سنة عشر وسبعمائة، وسبب ذلك أن السلطان بلغه أن المذكور حسّن للأمير مظفر الدين موسى ابن أخيه السلطان الملك الصالح الخروج على عمه السلطان الملك الناصر، وطلب الملك لنفسه، واتفقا على ذلك وعزما على إثارة فتنة، واعتضد بمماليك بيبرس المنعوت بالمظفر، وكانوا قد تفرقوا عند الأمراء، فقرر معهم أن كل مملوك يثب على أميره فيقتله ثم يتجمعون على الأمير مظفر الدين وبتخاص، وتثور الفتنة. فلما تحقق السلطان ذلك جلس فى ليلة الخميس سلخ ذى الحجة، وطلب الأمير سيف الدين بتخاص. وكان يسكن بقلعة الجبل بدار العدل الكاملية. فعلم المراد بطلبه وتحقق أن السلطان بلغه ما اتفقا عليه فأغلق داره وامتنع من الإجابة؛ ووقف مماليكه بأعلى الدار وبأيديهم قسيهم للممانعة عنه، وترددت الرسائل من السلطان فى طلبه وهو لا يجيب إلى الحضور، وقصد خلع الشباك الكبير الذى بالدار المطل على دركات القلعة والخروج منه، فأرسل السلطان جماعة من المماليك الأوشاقية وغيرهم، فوقفوا تحت الشباك، فتعذر عليه ما دبّره وحضر إليه الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى وعنّفه ولامه على ما فعله، وقال له إن السلطان فى هذا الوقت قد طلب سائر الأمراء وطلّبت من جملتهم، فلا تجعل لك ذنبا. وكان قد لبس عدة الحرب فنزعها وخرج وحضر بين يدى السلطان، فأمر بالقبض عليه واعتقاله، وطلب السلطان الأمير مظفّر الدين موسى ابن أخيه الملك الصالح، فهرب من داره بالقاهرة، فرسم السلطان بهدم الأماكن التى يظّن أنه اختفى بهاء وندب لذلك الأمير علاء الدين أيدغدى شقير [١] وغيره، فهدموا بعض الأماكن واشتد الأمر يومى الخميس والجمعة مستهل محرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة إلى بعد الصلاة، فحضر بعض فقهاء المكاتب وذكر أنه أختفى عند سيف الدين بلبان

стр. 12672

أستاذ دار قطز بن الفارقانية فى حارة [١] الوزيرية، فقبض عليه [٤٦] وأحضر إلى السلطان، فأمر أن يسمر الذى أخفاه، فسمر وطيف به على جمل، ثم شفع فيه فأطلق، وأحضر السلطان الأمير موسى وبتخاص [وقررهما] [٢] فأقر كل منهما على الآخر فعرف الأمير [٣] موسى ببعض قاعات القلعة، ثم أخرج منها فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وأشيع أنه جهز إلى اليمن، ثم أظهر السلطان موته فى العشر الأول من صفر سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وأمر بعمل عزائه فعملته أمّه منكبك ابنة الأمير سيف الدين نوكيه، وثبتت وفاته على الحكام، وكان ممن شهد بوفاته الطواشى شجاع الدين عنبر الّلالا، ولما قبض السلطان عليهما أمر بالقبض على جماعة من المماليك الركنية وقطع يد أحدهم، وكان للأمير سيف الدين بتخاص؛ لأنه رمى فردة نشاب عند طلب بتخاص، ثم شفع فى بقيتهم. وفى سنة عشر وسبعمائة توفى قاضى القضاة شمس [٤] الدين أحمد بن إبراهيم بن عبد الغنى السّروجى الحنفى معزولا عن القضاء وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم الخميس ثانى عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة الصّغرى، بقرب تربة الإمام الشافعى، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى. وتوفى القاضى عز الدين الحسن بن الحارث ابن مسكين [٥] الشافعى، بداره بمصر فى ليلة السبت ثامن جمادى الأولى، ودفن من الغد بالقرافة، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، عين لقضاه القضاة ولم يل.

стр. 12673

وتوفى القاضى شهاب الدين أحمد بن علاء الدين بن عبادة وكيل الخواص الشريفة، وكانت وفاته بباب داره بالقاهرة، فى ليلة الأحد سادس عشر جمادى الأولى ودفن من الغد بتربته بالقرافة، وولى وكالة الخواصّ بعده، القاضى كريم الدين عبد الكريم [١] ، وهو الذى كان ناظر ديوان بيبرس الجاشنكير المنعوت بالمظفر، وكان السلطان شديد الكراهية له، وصمم على قتله، ثم انتقل من هذه الرتبة إلى منزلة الخصوصية والتمكن من الدولة وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى. وتوفى القاضى أمين الدين أبو بكر ابن وجيه الدين عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الوقاقى ناظر الدواوين بالديار المصرية فى ليلة الأحد الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربته بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى جيدا خيّرا كثير المروءة والإحسان إلى خلق الله تعالى. وتوفى فى ثالث عشرين [٢] جمادى الأولى الأمير خضر ابن الخليفة [٣] المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، ودفن بتربته بجوار مشهد السيدة نفيسة. وتوفى القاضى بدر الدين أبو البركات عبد اللطيف ابن قاضى القضاء تقى الدين محمد بن الحسين بن رزين الحموى [٤] بالقاهرة فى يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخر، ودفن من يومه عند والده بالقرافة، وكان قاضى العساكر المنصورة، ومولده بدمشق فى تسع وأربعين وستمائة. وتوفى الأمير سيف الدين برلغى الأشرفى [٥] فى ليلة الأربعاء ثانى شهر رجب ودفن، وذلك بعد القبض عليه واعتقاله، ﵀ وتوفي الملك المنصور علاء الدين على ابن الملك الناصر فى ليلة الجمعة المسفرة عن حادى عشر رجب بقلعة الجبل، ودفن من الغد بتربته بالقبة الناصرية بالقاهرة، وكان

стр. 12674

السلطان والده فى الصيد، فنزل نائب السلطنة الأمير سيف الدين بكتمر والأمراء مشاة أمام تابوته إلى أن دفن، وكان عمره ست سنين وشهورا، ولما مات وقفت والدته أردكين ابنة الأمير سيف الدين نوكيه ما خصها بالإرث الشرعى عن زوجها الملك الأشرف وابنتها منه من خان دار [١] الطعم بدمشق وهو ثلاثة أسهم وثلث سهم وربع سهم وثمن سهم وسدس عشر سهم، وشرطت أن يرصد ما يتحصّل من ريع هذه الحصة المذكورة لثمن خبز ويفرق على أهل المكان من القراء والمؤذنين والقومة وغيرهم. وتوفى القاضى بهاء الدين عبد الرحمن ابن القاضى الخطيب [٥٦] عماد الدين على بن عبد العزيز بن السّكرى بمصر عشية الجمعة حادى عشر شهر [٢] رجب، ودفن بالقرافة فى حياة والده رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد ابن الرّفعة [٣] بمصر فى ليلة الجمعة ثامن عشر شهر رجب، ودفن من الغد بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى من فضلاء الشافعية وأكابر المفتين، وصنف كتابا فى الفقة على مذهب الأمام [٤] الشافعى فى نحو عشرين مجلدا. وتوفى الأمير جمال الدين آقش الموصلى [٥] المعروف بقتال السبع، أمير علم أحد الأمراء مقدمى الألوف بالديار المصرية، فى ليلة السبت تاسع عشر شهر رجب رحمه الله تعالى. وتوفي الشيخ العارف كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم بن الحسين [٦] الطبرى شيخ الشيوخ بخانقاة [٧] الملك الناصر صلاح الدين فى ليلة السبت سابع شوال رحمه الله تعالى.

стр. 12675

وتوفى الأمير الطواشى شهاب الدين مرشد الخزندار المنصورى بداره بالقاهرة فى ليلة الخميس ثالث ذى القعدة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان من الخدام المنصورية فى زمن إمرة السلطان الملك المنصور، وكان رجلا جيّدا خيّرا. رحمه الله تعالى. وتوفى الشيخ المسند بهاء الدين أبو الحسن على بن الفقية عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبى [١] المعروف بابن القيم بمنزله بالقاهرة، فى يوم السبت سادس عشرين ذى القعدة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان قد انفرد بالرواية عن الشيخ نجم الدين الفارسى سمع عليه فى سنة عشرين وستمائة وروى عن ابن باقا [٢] وسبط السّلفى، ومولده فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، ومات وقوّته جيّدة، وحواسّه صحيحة رحمه الله تعالى. وتوفى من الأمراء بدمشق الأمير سيف الدين قشتمر الشمسى مملوك الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، كان من الأمراء بدمشق، وتقدم على الجيوش بحلب، وكانت وفاته فى عشية الجمعة رابع عشرين شهر ربيع الأول رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير سيف الدين أقجبا المنصورى بدمشق، فى ليلة الإثنين تاسع عشرين شهر ربيع الآخر، ودفن من الغد بتربته خارج باب الجابية [٣] ، وكان أميرا كبيرا خيّرا أمينا، ولى نيابة السلطنة بدمشق، وتقدمة العسكر بغزة، وولى شاد الدواوين وأستاذ الدوادارية بدمشق رحمه الله تعالى. واستهلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة فى هذه السنة عادت رسل السلطان الملك الناصر من جهة الملك طقطاى فأسرهم الإفرنج هم درسل الملك طقطاى إلى السلطان، وكانوا هم وأتباعهم وغلمانهم نحو ستين نفرا، وذلك فى شهر ربيع الأول ومرّوا بهم على البلاد الساحلية، وقصدوا بيعهم ووصلوا بهم إلى طرابلس الشام، وعرضوا بيعهم بها

стр. 12676

واشتطوا فى الثمن، وطلبوا ستين ألف دينار عينا ثم توجهوا بهم إلى أياس [١] وعرضوهم على صاحب سيس بهذا الثمن، فامتنع أن يبتاعهم فتوجهوا بهم إلى جزيره [٢] المصطكى، فعند ذلك أمر السلطان بالقبض على تجار الفرنج الذين بثغر الإسكندرية والاحتياط على أموالهم، والتزم أنه لا يطلقهم ولا يفرج عن أموالهم إلا بعد حضور رسله، فخرج سكران الجنوى التاجر إلى المصطكى وخلصهم وأرسلهم إلى الديار المصرية وكان مثولهم بين يدى السلطان فى سادس عشر ربيع الأول سنة ثنتى عشرة وسبعمائة. ذكر انتقال الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى من الوزارة إلى الحجبة وتفويض الوزارة للصاحب أمين الدين عبد الله. فى هذه السنة فى مستهل ربيع الآخر نقل الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى من الوزارة، وتدبير الدولة إلى الحجبة، ورسم للأمير [٦٦] شمس الدين سنقر الكمالى أمير حاجب بالجلوس، فجلس فى رأس الميمنة، وفوض السلطان الوزارة للصاحب [٣] أمين الدين عبد الله بن الغنام وخلع عليه فى سادس الشهر وكان قبل ذلك قد ولى نظر النظار فى وزارة الأمير سيف الدين بكتمر. وفى الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر أعيد قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى إلى قضاء القضاة بالديار المصرية واستقر القاضى جمال الدين الأذرعى قاضى العسكر، وجلس بين قاضى القضاة شمس الدين الحنفى، وقاضى القضاة تقى الدين الحنبلى. وفيها فى مستهل جمادى الأولى فوض السلطان نيابة السلطنة بغزة وتقدمة العسكر بها للأمير علم الدين سنجر الجاولى وقبض على نائب السلطنة بها للأمير [٤] سيف الدين قطلقتمر ولبس الأمير علم الدين فى التّشريف ثالث الشهر.

стр. 12677

ذكر القبض على الأمير سيف الدين بكتمر نائب السلطنة وإلزامه، وتفويض نيابة السلطنة للأمير ركن الدين بيبرس الدوادار. وفى يوم الجمعة سابع عشر جمادى الأول أمر السلطان بالقبض على نائبه الأمير سيف الدين بكتمر وعلى إلزامه فقبض عليه وعلى صهره الأمير سيف الدين بكتمر [١] وصهره الثانى علاء الدين أيدغدى العثمانى، والأمير سيف الدين منكوتمر الطباخى والأمير بدر الدين بكمش [٢] الساقى وعز الدين أيدمر الشمسى المعروف بالصفدى، وذلك بعد صلاة الجمعة، وقبض فى يوم السبت على الأمير عز الدين أيدمر الشيخى واعتقلوا كلهم. وكان سبب ذلك أنه اتصل بالسلطان أنه شرع فى التدبير عليه وطلب الأمر لنفسه، وأن هؤلاء ممن باطنه فقبض عليهم، وقتل [٣] منكوتمر الطباخى لوقته، لأنه فاجأ بالإقرار، وتكلم بكلام قوى فيما قيل، ولما قبض السلطان على الأمير سيف الدين بكتمر فوّض نيابة السلطنة للأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصوري. ذكر جلوس السلطان بدار العدل وفى هذه السنة فى يوم الإثنين العشرين من جمادى الأولى- جلس السلطان بدار العدل الشريف، وجلس معه قضاة القضاء الأربعة بعد أن نودي فى المدينتين. أنه من كانت له مظلمة فليحضر إلى دار العدل، ويرفع قصته ويشكو حاله. فحضر الناس وقرئت قصصهم بين يدي السلطان، وكان جلوسه بالإيوان الذي جدّده فى موضع الإيوان الكبير المنصورى، واستمر الملك يجلس بدار العدل فى كل يوم اثنين إلى هذا الوقت فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة. وفى جمادى الآخرة عزل السلطان قاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف المالكى [٤] عن القضاء، بسبب مكتوب أثبته فأراد السلطان أن يرجع عن إثباته فأبى [٦٧] قاضى القضاة وطعن السلطان فيمن شهد عند قاضى القضاة من الخدام، فلم يرجع قاضى القضاة، وصمم على حكمه، فقال له السلطان: قد

стр. 12678

أعزلتك. فقال: قد راحنى الله، وقام من المجلس ولم يول غيره، وسعى من له تشوّف [١] إلى القضاء، فلما اتصل خبر سعيهم بالسلطان، أعاد قاضى القضاة زين الدين، وخلع عليه فى يوم الأحد سادس شهر رجب من السنة. ذكر عدة حوادث بالشام فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة فى هذه السنة فى ثالث المحرم توجه الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى من دمشق إلى نيابة السلطنة بحلب كما تقدم، ولما توجه رسم للأمير سيف الدين بهادر السّنجرى نائب السلطنة بقلعة دمشق بتنفيذ الأمور إلى أن يصل نائب السلطنة، فجلس بالقلعة، وحضر إليه الصاحب عز الدين وغيره، واستخدم الصاحب المذكور جماعة من المباشرين فى هذه المدة، فتغيّر الأمير سيف الدين كراي عليه عند وصوله بسبب ذلك، ثم وصل نائب السلطنة الأمير سيف الدين كراى إلى دمشق فى يوم الخميس العشرين من المحرم، ونزل بدار الأمير علم الدين سنجر الجاولى المشرفة على الميدان، ونصب بالميدان خيمة، ولبس تشريف النيابة فى يوم الإثنين خامس عشرين الشهر، وفرىء تقليده بالميدان بحضرة الأمراء، ثم قرئ ثانيا فى يوم الجمعة سلخ الشهر بالجامع، ثم توجه الأمير سيف الدين أرغون إلى الأبواب السلطانية فى مستهل صفر، وكان لما عاد من حلب عرّج إلى طربلس، واجتمع بالأمير جمال الدين الأفرم نائب السلطنة بها، وأحضر إليه أمثلة السلطان تتضمن ذكر السبب الموجب القبض على أسندمر، ويطّيب قلبه. ولما حضر تلقّاه نائب السلطنة والأمراء، وبات ليلة واحدة، وركب من الغد فى الموكب، وجلس بدار العدل مع نائب السلطنة، ثم توجه فى بقية يومه، وركب نائب السلطنة والأمراء لوداعه، وسكن خاطر الأمير جمال الدين الأفرم بعد قلق كثير. وفى يوم الخميس ثالث عشر صفر وصل الأمير سيف الدين طوغان المنصورى من الأبواب السلطانية إلى دمشق متوليا وظيفه الشاد بها عوضا عن الأمير فخر الدين إياز وقبض على إياز فى يوم الثلاثاء من عشر الشهر،

стр. 12679

وقّرر عليه ثلاثمائة ألف درهم يحملها إلى بيت المال، وسلمه إلى الأمير سيف الدين طوغان يستخرج منه ذلك. وفى شهر ربيع الآخر رسم للأمير ركن الدين العلائى أن يكون نائب السلطنة بحمص، فتوجه لذلك. ذكر عزل الصاحب عز الدين بن القلانسى عن وزارة الشام وانتداب أعدائه لمرافعته وخلاصه وفى الحادى والعشرين من شهر ربيع الآخر أوقع نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين كراى الحوطة على الصاحب عز الدين حمزة بن القلانسى، ورسم عليه بالدار الحسامية، ومنع الناس من الاجتماع به، وأمر بالكشف عليه ومحاققته على مباشرته [١] ، وهل تعرض للأموال؟ فما وجد فى مباشرته ما يشينه، فعدل عن ذلك إلى مطالبته بما انساق من البواقى [٢] على ضمان الجهات فى مدة مباشرته: وهو أربعون ألف درهم، فحملها إلى بيت المال. ولما ظهر انحمال نائب السلطنة عليه انتدب لمرافعته نجم الدين عبد الرزاق بن الشهاب الدّنيسرى [٣] ، وكتب محضرا يتضمن أنه لما اشترى من وكيل السلطان الحصة من الرمثاء والفضالية، والتوجه [٤] كانت القيمة عن ذلك مائتى ألف درهم وأربعين ألف درهم [٦٨] وأنه ابتاع ذلك بمائة ألف وخمسين درهما، وشهد فى المحضر جمال الدين ابن شمس الدين ابن الشيخ صدر الدين سليمان الحنفى، وشرف الدين، وبهاء الدين أولاد عز الدين بن الشّيرجى، وشمس الدين ابن أفتكين. وقام فى ذلك الملك الكامل ناصر الدين محمد ابن الملك السعيد ابن الملك الصالح إسماعيل [٥] وحضر من حماة وهو الذى كان توكّل عن السلطان فى بيع الحصص المذكورة للرئيس عز الدين، فأحضر

стр. 12680

محضرا يتضمن أنه عزل نفسه قبل البيع من الوكالة السلطانية بخمسة عشر يوما، وثبت ذلك على القاضى نجم الدين الدمشقى، وأشهد عليه فى مستهل جمادى الأولى ببطلان البيع، لأنه بدون القيمة، ولعزل الوكيل [البائع] [١] نفسه قبل صدور المعاقدة، ولوجود ما يوفىّ منه الدين [غير العقار] [٢] ثم نفّذه القضاة فى يوم الجمعة ثالث جمادى الآولى، وأحضر الرئيس عز الدين فى يوم الإثنين سادس الشهر فى مجلس نائب السلطنة، وادعّى عليه بما تحصّل من ريع الملك المذكور منذ تسلمّه، واعتقل بدار السعادة، واستمر بها إلى أن وصل الأمير سيف الدين أرغون وقبض على نائب السلطنة فى ثالث عشر الشهر، فأفرج عنه، ثم وصل تقليده باستمراره على وكالة الخواص الشريفة فى حادى عشرين جمادى الآخرة، وتوجه إلى الأبواب السلطانية فى يوم السبت رابع عشرين الشهر، فشمله الإنعام السلطانى بالتشريف، والإشهاد بإمضاء البيع، والمسامحة بالريع فى المدة الماضية، وعاد إلى دمشق فى يوم الثلاثاء ثانى شعبان من السنة، ثم أثبت على قاضى القضاة تقى الدين الحنبلى [٣] مكتوب بعداوة القاضى نجم الدين الدمشقى له، وإبطال ما حكم به عليه، ورسم السلطان أن يعاد إليه ما كان حمّله منسوبا إلى البواقى، فأعيد إليه كملا [٤] . ذكر طلب أعيان دمشق وما قرر عليهم من استخدام الخيالة وما وقع بسبب ذلك من الفتن [٥] كان سبب هذا الطلب أن الشناعة قويت بحركة العدو المخذول التتار فورد المرسوم السلطانى فى عاشر شهر ربيع الآخر أن يستخدم الأمراء بدمشق على خواصهم نظير عدتهم من الجند، وأن يكونوا على أهبة متى طلبوا، وأن يستخرج من أهل الشام خيل الحجر [٦] المقررة قديما فلما كان فى يوم الأربعاء

стр. 12681

مستهل جمادى الأولى طلب أكابر دمشق وقرر عليهم استخدام ألف وخمسمائة فارس، وكانت العادة المقررة مائتى فارس، فاجتمع الأعيان لتقرير ذلك على الناس، فقرروا استخدام ثمانمائة فارس على نحو ثلاثمائة إنسان، وعجزوا. فسألوا أن يقرروا على أهل الأسواق وخواص البلد، فأجيبوا إلى ذلك، وجلسوا فى خامس الشهر بالمدرسة القليجية لتقرير [١] ذلك، فغلّقت أسواق البلد يومين، وتعطّلت جهات الهلال بسبب ذلك، ثم فتحت الأسواق وحصل الشروع فى تسقيع الأملاك، والأوقاف، وتحقيق أمرها والمطالبة من نسبتها، فضج الناس لذلك، واجتمعوا بالقضاة والخطيب، وتواعدوا كلهم على الاجتماع بنائب السلطنة فلما كان فى يوم الإثنين ثالث عشر جمادى الأولى أخرج الخطيب جلال الدين القزوينى المصحف الكريم العثمانى ونعل [٢] النبى ﷺ ، وصحبه العلماء والفقهاء والقراء والمؤذنون وعامة الناس وحملت صناجق الجامع، وخرجوا بجملتهم من باب الفرج إلى سوق الخيل، وكان قد تقدمهم [٣] العميان واستغاثوا وشكوا أنه قرر على الأوقاف التى عليهم أجرة أربعة شهور. فصرفهم الحاجب وقال قد أعفيتم من الطلب، ثم تلاهم الجذماء وشكوا مثل ذلك، فقيل لهم مثل ذلك، ثم جاء صبيان مكاتب السبيل الأيتام، وهم يرفعون أصواتهم بالتهليل، فبكى الأمراء ومن حضر الموكب من الناس. ثم جاء الجمع الكثير ونقدموا الخطيب إلى الموكب، وهم يستغيثون، فضربهم النقباء بأمر نائب السلطنة [٤] وسقط المصحف الكريم والنعل المكرم النبوى إلى الأرض، والصناجق، ثم رفعت وأعيدت إلى البلد، ورسم أن يتوجه الخطيب إلى القصر فتوجه. فلما حضر إلى نائب السلطنة لكمه بيده ثلاث لكمات، وسبّ قاضى القضاة نجم الدين كونه ما أنهى إليه هذه الصورة قبل وقوعها، ثم توجها إلى بيوتهما [٦٩] ، ومدّ السماط على العادة فما تقدم إليه أحد من الأمراء

стр. 12682

ولا نائب السلطنة ولا حاشيته، ثم تفرق الناس وطلب نائب السلطنة الخطيب جلال الدين، والشيخ مجد الدين التّونسى فضرب التونسى بين يديه تسعين عصاه ضربا وجيعا، ورسم عليه وعلى الخطيب، ثم ضمّن عليهما، وأفرج عنهما، ثم تقرر الحال فى يوم الجمعة سابع عشر الشهر على استخدام أربعمائة فارس، وأن يؤخر استخراج المال إلى أن يحل ركاب السلطان بالشام، وسكن الحال بعض السكون، وتوقع الناس لنائب السلطنة حلول النقمة لما أمر بضرب العوام وحملة المصحف والنعل النبوى، وكان الأمر كما توقعوه. ذكر القبض على الأمير سيف الدين كراى نائب السلطنة بالشام، والأمير سيف الدين قطلوبك نائب السلطنة بالمملكة الصفدية. كان القبض على الأمير سيف الدين كراى فى يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الأولى، وذلك أن الأمير سيف الدين أرغون الدّوادار الناصري وصل على خيل البريد فى يوم الأربعاء الثانى والعشرين من الشهر، ووصل أيضا فى هذا اليوم مملوك نائب السلطنة من الأبواب السلطانية بأجوبة تقادمه، وأحضر لمخدومة تشريفا وحياصة وسيفا، وكان على يد الأمير سيف الدين أرغون عدّة كتب من السلطان إلى الأمراء بالقبض على الأمير سيف الدين كراى. فلما وصل وجد الأمير سيف الدين كجكن [١] بظاهر دمشق وصحبته رسل التتار يتوجه بهم إلى الأبواب السلطانية، فاجتمع به وأوصله كتاب السلطان إليه، والكتب لبقية الأمراء، وردّه إلى دمشق، ففرق كجكن الكتب السلطانية على أربابها من أعيان الأمراء الأمير سيف الدين بهادر آص وغيره فى ليلة الخميس، وقرّر معهم الحال، وركب الأمير سيف الدين كراى فى يوم الخميس بالتشريف السلطانى، وقبّل عتبة باب السر [٢] على العادة، ورجع من الموكب، ومد السماط، وكان قد احتفل به بسبب التشريف، وحضور رسل التتار، فلما رفع السماط رسم للرسل بالانصراف فانصرفوا، ونهض الأمير سيف الدين أرغون والأمراء، وأحدقوا بنائب السلطنة

стр. 12683

وأخرج مثال [١] السلطان فقرئ عليه فإذا هو يتضمن القبض عليه، فأجاب بالسمع والطاعة، وقلع شاش التشريف والكلوته وضرب بهما الأرض، ولبس تخفيفة [٢] ونزع التشريف، وقيد فى المجلس، وحمل على بغل وسلّم للأمير سيف الدين أغرلو وركن الدين بيبرس الشرفى المعروف بالمجنون، فتوجها به من ساعته إلى جهة الكرك، واعتقل بها، ورسم للأمير سيف الدين بهادور آص أن يتحدث فى النيابة إلى أن يصل نائب السلطنة. وقبض على الأمير سيف الدين قطلوبك نائب السلطنة بالمملكة الصفدية فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر، ونقل إلى الكرك أيضا، وما علم الناس ذنبا للأمير سيف الدين كراى فيما سلف وقيل إن القبض عليه إنما وقع خوفا من تغيره بسبب القبض على خوشداشه الأمير سيف الدين بكتمر النائب، ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام للأمير جمال الدين آقش الأشرفى المنصورى، ونيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير سيف الدين بهادر آص. لما قبض على الأميرين التائبين سيف الدين كراي وسيف الدين قطلوبك فوّض السلطان نيابة السلطنة بالشام للأمير جمال الدين آقش الأشرفى المنصوري، وتوجه إلى دمشق، وكان وصوله إليها فى يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الآخرة، ووصل معه لتقريره فى النيابة الأمير عز الدين أيدمر الخطيرىّ، وأحضر على يده مثالا شريفا بالمسامحة بالبواقى، وأبطال ما كان قد قرر على الرعايا، والأحسان إليهم، [٧٠] فقرى فى يوم الجمعة سادس عشر الشهر بالجامع بدمشق، فاطمأن الناس وتضاعفت أدعيتهم للسلطان، ثم خلع على الأمير سيف الدين بهادر آص بنيابة المملكة الصفدية فى يوم الإثنين تاسع عشر الشهر، وتوجه إليها يوم الثلاثاء العشرين من الشهر.

стр. 12684

وفى يوم السبت ثامن شهر رجب قبض بدمشق- على السماط- على الأميرين بدر الدين بكتوت الشّجاعى، وسيف الدين جقّار [١] ، وكانا من أمراء طرابلس، فرسم بنقلهما إلى دمشق على إقطاع الأمير سيف الدين بهادر آص، فقبض عليهما الآن [٢] واعتقلا بقلعة دمشق، ثم سفّر إلى الكرك فى ليلة التاسع والعشرين من شهر رمضان من السنة. وفى ثامن شهر رمضان وصل إلى دمشق بتقليد للأمير بدر الدين بكتوت القرمانى بولاية شاد دمشق، وأستاذ دارية عوضا عن الأمير سيف الدين طوغان، ورسم للأمير زين الدين كتبغا المنصوري رأس نوبة أن يكون حاجبا بالشام عوضا عن الأمير سيف الدين قطلو بك الجاشنكير، وخلع عليهما. وفى ثامن عشر شهر رمضان ورد المرسوم السلطانى إلى دمشق بولاية الأمير سيف الدين بلبان البدرى نيابة قلعة دمشق، عوضا عن الأمير سيف الدين بهادر السنجرى، وكان المرسوم على يد الأمير عز الدين أيدمر الخازن، وتوجّه هو إلى نيابة السلطنة بقلعة المسلمين، وتوجه السنجرى إلى الأبواب السلطانية بالهدايا والتقادم، فرسم له بنيابة قلعة البيرة، وعاد وتوجه من دمشق إليها بعد عوده فى ثانى شوال من السنة. وفيها وصلت رسل متملّك اليمن إلى الأبواب السلطانية بالهدايا والتقادم، فقدمت هديتهم وقبلت فى ثالث ذى الحجة وخلع عليهم فى سابع المحرم. وفيها فى ذى الحجة فوّض السلطان صحابة ديوان الإنشاء للقاضى علاء الدين على ابن القاضى تاج الدين أبى الظاهر أحمد بن سعيد بن محمد بن الأثير الحلبى [٣] عوضا عن القاضى شرف الدين بن فضل الله العمرى، وتوجّه شرف الدين إلى دمشق بمعلومه عوضا عن أخيه الصدر محيى الدين، واستقر محيى الدين فى جملة كتّاب الإنشاء بدمشق بمعلومه، وسبب نقل المذكور إلى دمشق ثقل سمعه وشيخوخته،

стр. 12685

ذكر مفارقة الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى المملكة الحلبية، وخروجه عن الطاعة، ولحاق الأمير جمال الدين آقش الأفرم ومن انضم إليه من الأمراء به، وتجريد العساكر إليهم، وما كان من خبرهم إلى أن توجّهوا للعراق. كانت هذه الحوادث فى سنة إحدى عشرة وبعض شهور سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وقد رأينا أن نسردها بجملتها فى هذا الموضوع إلى نهايتها لتعلق بعضها ببعض، وذلك أن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى كتب إلى السلطان فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة يسأل دستورا إلى الحجاز الشريف، وأرسل فى ذلك مملوكه علاء الدين مغلطاي، فأذن له فى ذلك، وأنعم عليه بألفى دينار عينا، فتوجه من حلب وفوض السلطان نيابة حلب فى غيبته إلى الأمير شهاب الدين قرطاى الحاجب، فلما وصل الأمير شمس الدين إلى أطراف بلاد البلقاء [١] بلغه أن السلطان قد جرد جماعة من مماليكه جرائد بالخيل والهجن، فخشى أن يكونوا جرّدوا لقصده والقبض عليه، فرجع إلى حلب وقصد الدخول إليها، فاجتمع الأمراء مع الأمير شهاب الدين قرطاى ومنعوه من ذلك، وأرسل إليه الأمير شهاب الدين يقول إنك توجّهت إلى الحجاز بدستور سلطانى، ونحن فلا نمكنك من العبور إلا بعد عودك من الحج وبمرسوم سلطانى. فطلب موجوده الذى بحلب فمنع من ذلك، فجاء الأمير حسام الدين مهنا وأرسل إلى الأمراء فى تمكنه من موجوده، وحلف أنهم متى استمروا على منعه منه هجم بمجموعة حلب ونهبها، فمكنوه من أخذ موجوده وانصرف عن حلب، وقصد جهة البرية. ثم جهز ولده الأمير عز الدين فرج ونائبه [٧١] عبدون إلى الديار المصرية، وجهز مع ولده جملة من أمواله، فوصل إلى القاهرة فى أواخر ذى الحجة سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وما علم مراده بذلك ولما وصل ولده عز الدين أحسن السلطان

стр. 12686

إليه وأنعم عليه بإمرة عشرة طواشية، واستقر بالقاهرة بدار أبيه مع أخيه الأمير علاء الدين على- وهو أحد أمراء الطبلخاناه بالقاهرة- وبعد أن أرسل قراسنقر ولده المذكور وأمواله ونائبه أظهر العصيان وتجاهر به، وخلع الطاعة وكاتب الأمراء، وراسل الأمير جمال الدين آقش الأفرم نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، وبذل له الطاعة، وأن يكون هو صاحب الأمر دون قراسنقر، وبذل له المال مع ذلك ليعينه به، فأرسل إليه [١] مرة ثلاثة الآف دينار عينا، ومرة أخرى، ومرة ثالثة فوافقه على ذلك وباطنه وكتب إلى السلطان [بخبره] [٢] بما كاتبه به قراسنقر ومهنّا، وبقى ذلك فى يسّر حسوا فى ارتغاء [٣] ، واستمر الأمير جمال الدين يدافع الأيام، ويقدم رجلا ويؤخر أخرى، ويكاتب السلطان ويرد عليه الأجوبة فى بقية سنة إحدى عشرة وسبعمائة وكنت يوم ذاك- ناظر الجيش الطرابلسى وكان لى عليه إدلال كثير، فشرع يكتم ذلك عنىّ وعن غيرى إلا من علم أنّه يوافقه على رأيه ويباطنه على مقصده، وظهر لى من صفحات وجهه وحركاته واضطراب أمره وشلش [٤] بعض مماليكه ما دلّنى على مراده، فدخلت عليه فى أثناء ذى الحجة وهو بطرابلس، وكاشفته، وتحدثت معه وحذرته عاقبة هذا الأمر، وبذلت له النصيحة فكاد يكشف لى عن باطنه ويخبرنى بما أضمره وعزم عليه، فلحظت بعض أكابر مماليكه وهو يغمزه ويشير إليه أن لا يفعل، فعدل عما أراد أن يخبرنى به، ثم قال لى أنا أتحقق محبتك ونصحك [٥] ، وأنه ما حملك على أن ذكرت ما ذكرت إلا الشفقة على. وجزانى خيرا، ثم قال لى. هذا الأمر الذى لحظته وظننته قد طالعت السلطان مما وقع فيه، وأرسلت إليه ما ورد علىّ من كتب قرا سنقر والعرب، وهذا الذى يظهر لك أننى أفعله هو عن أمر السلطان، وسوف يظهر لك. فما شككت فى قوله، واستكتمنى هذا الأمر فكتمته، ثم ظهر أن الأمر فى باطنه بخلاف ما أظهر لى.

стр. 12687

ولما اتصل بالأبواب السلطانية أظهر قراسنقر العصيان جهز [١] السلطان الأمير حسام الدين قرا لاچين أستاذ الدار والأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصرى، والأمير سيف الدين أيدمر الخطيرى، والأمير حسام الدين لاچين الجاشنكير المعروف بالزيرباج ومضافيهم، فوصلوا إلى دمشق فى العشرين من ذى القعدة، وجرّد معهم من دمشق جماعة من عسكرها، وتوجّهوا إلى حمص ثم إلى حلب لتمهيد البلاد ومنع قراسنقر إن قصد الهجوم على المملكة الحلبيّة، ثم أردف السلطان هذه العساكر المذكورة بالأمير سيف الدين قلىّ السلاحدار، والأمير بدر الدين جنكلى بن البابا، ومضا فيهما فوصلوا إلى حمص فى ذى الحجة، ونزلوا بمرجها، فقلق الأمير جمال الدين الأفرم [٢] غاية القلق، وارتاع لنزولهم بالقرب منه، وخشى أن يقبض عليه، وكان قد حذر منذ قبض على الأمير سيف الدين كراى، والأمير سيف الدين قطلوبك، ورأى أن السلطان قد قبض على من لم يسلف ذنبا ولا وقع منه مخالفة فيما مضى- وإنما مسكا احتياطا لما تقدم من القبض على خوشداشيتهما، فكيف يكون حال من له ذنوب قديمة، ومخالفة فى ابتداء الأمر. فبقى ولا يزال فى الصيد وهو يتنقل فى المملكة الطرابلسية، فتارة يكون بالجون وتارة يكون باللاذقية وجبلة [٣] ، ومرة بالجبال. فلما كان فى مستهل محرم سنة ثنتى عشرة وسبعمائة ركب من طرابلس [٧٢] وتوجه إلى الصيد بمرج جبلة على عادته، ونزل على رأس العين [٤] بالقرب من مدينة طرابلس مما يلى الجبل، فوصل إليه مملوكه مغلطاى الحلبى على خيل البريد بأجوبة السلطان يتضمن. أنه أنعم عليه بنيابة

стр. 12688

السلطنة بالمملكة الحلبيّة، ولم يحضر تقليدا ولا تشريفا، وذكر أن السلطان شافهه بطلبه إلى الأبواب الشريفة ليجدّد عهدا برؤية السلطان، ويلبس التشريف، ويأخذ التقليد، ويتوجه إلى حلب وشافهه عن الأمير علاء الدين أيدغدى شقير الحسامى بكلام ردىء، وهو أنه أخبر عنه أنه قال له: قل له إياك أن تتأخر عن الحضور، فوالله لو اختار السلطان القبض عليك أرسل إليك من قدر [١] وقبض عليك. فارتاع لهذه المشافهة، وخشى عاقبة حضوره، وركب من رأس العين إلى مرج جبل على مرحلتين من طرابلس، فلما استقر بالمرج جاءه الأمير عز الدين أيدمر الزّردكاش المنصورى أحد الأمراء مقدمى الألوف، وكان الأفرم زوج ابنته والأمير سيف الدين أحد أمراء الطبلخاناه وبدر الدين بيسرى الحسامى أحد أمراء العشرات، وكلهم من أمراء دمشق، وكانوا قد خرجوا عقيب المواكب من دمشق فى نيابة الأمير جمال الدين آقش الأشرفى، ولم يجرد خلفهم من يدركهم، وحال وصولهم إليه ذكروا أن الكلمة اجتمعت عليه فركب من المرج لوقته، واستصحب معه من كان فى صحبته من أمراء طرابلس وهم علاء الدين مغلطاى الشيخى، وسيف الدين قطليجا [٢] الجاشنكير من أمراء الطبلخاناه، من أمراء العشرات ستة وهم: علاء الدين أيدغدى التّقوى، وركن الدين بيبرس بن عبد الله، وعز الدين حسن بن يوسف السّيفى الحاجب، وناصر الدين محمد الفارقى، وشمس الدين طشلق [٣] الشيوخى، وعلاء الدين مغلطاى الجمالى ومن أمراء التركمان [٤] أصحاب الطبلخاناه خمسة وهم: علاء الدين على بن الدربساكى مقدم التركمان وعلاء الدين [٥] على بن إلياس الفتقى، وحسام الدين حسن بن أسيجا وسيف الدين أبو بكر بن الحاج طوغان، وسيف [٦] الدين بن إليا، ومن أمراء العشرات منهم صارم الدين صاروجا بن ناصى وتوجه من مرج الجبل إلى مرج الأسل، وحكى أنه تلقّب بالملك الرحيم، وكتب لوقته كتبا إلى الأمراء بطرابلس يتضمن: وصل إلى مخيمنا الكريم

стр. 12689

المقر العالى الأميرى. الغرّى الزردكاش، والجناب العالى الأمير السيفى بلبان الدمشقى، والمجلس العالى الأميرى البدرى البيسرى الحسامى، وقد اجتمعت الكلمة علينا ولم يبق إلا الركوب. ويقول فى كتابه لكل منهم فمن قدم [١] خيّره الله تعالى ويعجل بسرعة الحضور، ليكون [٢] من السابقين الأولين، ويحصل له فضيلة السبق، ويعلم أنا لم نطلبه لحاجة بنا إليه. وإنما عرفناه بما حدده الله لنا لئلا يتأخر ويعتذر حيث لا ينفعه العذر. إلى غير ذلك، وتضمن كتابه للأمير شمس الدين سنقر الرّومى [٣] . وقد حقق الله تعالى [٤] مناماتك التى كنت تراها وتخبرنا بها، ونحو هذا من الكلام. ولما وصلت كتبه إلى الأمراء كنت يومئذ بطرابلس لم أتوجه فى صحبته، وكان قد كتب إلىّ يطلبنى وهو بمرج الجبل، فاعتذرت ولم أتوجّه إليه- لطفا من الله بى- فقمت حين وصلت كتبه واجتمعت بأعيان الأمراء ونهيتهم عن الدخول فى الأمر، وعرفتهم سوء عاقبة الخروج عن الطاعة، ومفارقة الجماعة، وجدّدت على أكثرهم الأيمان للسلطان الملك الناصر فحلفوا، واجتمع جماعة منهم عند الأمير شمس الدين سنقر الرومى. فتأخروا عن اللحاق به [٥] ولم يتوجه من طرابلس إليه غير علاء الدين أيدغدى الأتقوى أحد أمراء العشرات فإنه هرب إليه ولم يشعر به، وكنت قد حذرته هذا الأمر قبل ذلك بيوم أو يومين، وحلفته فحلف، وتوثقت منه أنه لا يفارق الطاعة والجماعة فلذلك أهملته عند وصول المكاتبات إلى الأمراء، وانتظر الأمير جمال الدين وصول العسكر الطرابلسى إليه وهو بمرج الأسل ليكبس بهم العسكر المصرى الذى بحمص، فلم يلتحق به غير أيدغدى الأتقوى المذكور، فلما أيس منه

стр. 12690

ركب من مرج الأسل، ونزل إلى منزل القصب بالقرب من حمص ومرّ [١] على جانب خيام [٢] العسكر المصرى، وقصد جهة البرية، فركب بكتمر خلفه الأمير سيف الدين [٧٣] وبكتمر [٣] الجمدار الناصرى فى شرذمة يسيرة، وتتبعه فلحق أثقاله فأخذها ورجع، واستمر السير بالأفرم ومن معه حتى دخل البرية. ولما بلغ الأمير شمس الدين قراسنقر دخوله إلى البرية خلفه ظن أن ذلك مكيدة عليه، وتقدم فى البرية، وبقى الأفرم إذا نزل منزلة وجد قراسنقر قد رحل عنها، فاستمر كذلك أياما، ثم أرسل إليه من أدركه وأعلمه أنه [٤] إنما جاء فى ميعاده، فأرسل إليه يقول، إن كان الأمر كذلك فتحضر إلى عندى بمملوكين، وتؤخر هذا الجمع حتى نجتمع. فركب إليه على الهجن هو ومملو كان من مماليكه، وأدركه واجتمعا. فلما تحقق قراسنقر أنه حضر لموافقته اطمأن إليه، وتربّص حتى التحق به بقية أصحاب الأفرم، فاختار الأفرم ممن معه ومع قراسنقر أربعمائة فارس، وأمرهم أن يتوجهوا ويكبسوا الأمير سيف الدين أرغن الناصرى ليلا فى خيامه ويقتلوه، وكان الأمير سيف الدين أرغن بقرب حلب- وقال: إنه إذا قتل هذا احتاج من معه إلى الانضمام إلينا خوفا من السلطان كون مملوكه قتل بينهم، وتمّ لنا الأمر بهذا ولا يختلف علينا أحد بالشام، فتوجّه أولئك غير بعيد ثم ردّهم قراسنقر وجهّز الأفرم لمضاء [٥] هذا الأمر [٦] فلم يوافق عليه، ثم قال له قراسنقر، إن هذا الجمع الذى معك لا نقدر أن نملك بهم البلاد، ولا نلقى [٧] بهم الجيوش، وهؤلاء يضيقون علينا، ويأكلون ما معنا، ولا يحصل لنا بهم انتقاع، والمصلحة تقتضى أن نردهم. فأعمل الأفرم الحيلة وجردهم على أن

стр. 12691

يكونوا يزكا فى مكان عيّنه لهم، وقال، لا تفارقوا هذا المكان حتى نأتيكم [١] بما تعتمدونه، وركب هو وقراسنقر ومماليكها والأمراء الثلاثة الذين وصلوا من دمشق ومغلطاى الشيخى [وقطليجا الجاشنكير] [٢] وتوجهوا هم والأمير حسام الدين مهنا إلى الرحبة، وعاد بقية الأمراء العشرات، وأمراء التركمان الى طرابلس ثم [٣] فارق الأمير جمال الدين الأفرم جماعة من أعيان مماليكه وعادوا إلى طرابلس [٤] وتبع العسكر الناصرى الأفرم وقراسنقر ومن معهما إلى الرهبة ففاتوا ولزموا البرية، ثم كتب الأفرم وقراسنقر إلى خربندا ملك التتار يستأذناه فى الوصول إليه بمن معهما، وسيّرا بذلك بدر الدين بيسرى [٥] الحسامى، فتوجّه إليه وعاد بجوابه إليها وخلعه عليهما، فتوجها إليه وصحبتهما بعض مماليكهما والأمير عز الدين الزردكاش والأمير بلبان الدمشقى وبيسرى الحسامى [٦] ورجع بقية الأمراء الذين كانوا مع الأفرم. فأما أمراء التركمان وأمراء العشرات الذين ليسوا من مماليك السلطان وهم. حسن السيفى، ومحمد الفارقى وطشلق الشويخى، فاستمروا فى الخدمة بطرابلس على عادتهم، وقبض على أمراء التركمان ثم أفرج عنهم واستمروا فى الخدمة. وأما بيبرس بن عبد الله، وأيدغدى الأتقوى فورد المرسوم بالقبض عليهما، فقبض عليهما وسيّرا إلى الأبواب السلطانية، فماتا فى محبسهما، واما قطليجا [٧] الجاشنكير فإنّه غيّر هيأته واختفى إلى أن وصل إلى الأبواب السلطانية، فما شعر السلطان به إلا وهو قائم بين يديه فى الإيوان، فأمر باعتقاله، ثم نقل إلى ثغر الإسكندرية، وقيل إنه مات.

стр. 12692

وأما علاء الدين مغلطاى الشّيخى فإنه توجّه إلى الأمير فضل بن عيسى ودخل إليه، فحضر به إلى الأبواب السلطانية وشفع فيه، فأمر السلطان بإرساله إلى مدينة قوص، ثم إلى ثغر أسوان، ورتب له كل يوم أربعة دراهم، فأقام هناك مدة، ثم طلب إلى الأبواب السلطانية، ورتّب فى جملة المماليك أرباب الجامكيات [١] ثم أنعم عليه بإقطاع، وجعل من جملة مقدمى الحلقة، هذا ما كان من أمر هؤلاء.

стр. 12693

وأما الأمراء الذين توجهوا إلى خربندا فإنه أكرمهم وأقاموا فى خدمته مدة [٧٤] ، فأعطى الأمير جمال الدين الأفرم همذان، فتوجّه إليها ومات بها ودفن بها. وبلغنا أنه عمّر له تربة، ووقف عليها فى كل سنة جملة من أموال همذان. ومات الزّردكاش، وبيسرى الحسامى فيما بلغنا واستمر قراسنقر عند التتار إلى أن مات فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة على ما نذكره إن شاء الله تعالى. نعود إلى سياقة الأخبار فى سنة إحدى عشرة وسبعمائة فيها كانت وفاة القاضى مجد الدين أبى الرّوح عيسى بن عمر بن عبد المحسن بن الخشاب المخزومى الشافعى [١] بالقاهرة، فى يوم الإثنين ثامن شهر ربيع الأول، ودفن بتربته بالقرافة، وكان من أعيان الفقهاء الشافعية، ومن رجال الدهر دهاء، وولى المناصب الجليلة: وكالة بيت المال سنين كثيرة، وولى نظر الحسبة بالقاهرة، ودرس بأجلّ المدارس، وعين [٢] للقضاء مرار وحرص على ذلك فلم ينله، وفرقت مناصبه بعده، فولى القاضى بدر الدين محمد بن جماعة تدريس الناصرية، وولى ولده صدر الدين أحمد وكالة بيت المال، وولى الصاحب ضياء الدين النشائى تدريس زاوية الشافعى بمصر. وتوفى القاضى جمال الدين أبو الفضل محمد بن الشيخ الإمام جلال الدين أبى العز المكرم بن على بن [٣] أحمد بن أبى القاسم الأنصارى الخزرجى الأفريقى الأصل من ولد رويفع [٤] بن ثابت [الأنصارى] رضى الله عنه، وكانت وفاته بالقاهرة فى حادى عشر شعبان، ودفن بالقرافة، ومولده بالقاهرة فى يوم

стр. 12694

الإثنين الثالث والعشرين من محرم سنة ثلاثين وستمائة، وكان من أعيان كتاب الإنشاء وفضلائهم، روى الحديث النبوى، وكان عالى السّند [١] رحمه الله تعالى، وله شعر وقصائد. وتوفى الصاحب الوزير فخر الدين عمر ابن الشيخ مجد الدين عبد العزيز ابن الحسن الخليلى التيمى الدّارمى [٢] وكانت وفاته فى يوم عيد الفطر، معزولا عن الوزارة- ودفن بالقرافة الصغرى، ومولده فى سنة أربعين وستمائة، وقد تقدم ذكر مناصبه وولايته الوزارة، رحمه الله تعالى. وتوفى الحكيم الفاضل الرئيس شرف الدين عبد الله بن شهاب الدين أحمد بن محيى الدين رشيد ابن الشيخ جمال الدين أبى عمر وعثمان بن أبى الحوافر فى ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال، ودفن من الغد بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى من أجود الناس صحبة، وأكثرهم مروءة، وأحسنهم أخلاقا وأصحهم عقيدة- رحمه الله تعالى وتوفى تاج الدين عبد الرحمن المعروف بالطويل [٣] ناظر النظار بالديار المصرية، وكانت وفاته فى ليلة السبت الثانى والعشرين من ذى القعدة، وهو من مسالمة [٤] القبط، وكان علم صناعة الكتابه الديوانية انتهى إليه فى زمانه. وتوفى القاضى محيى الدين قاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف [٥] المالكى ليلة الخميس حادى عشر ذى الحجة، وكان رحمه الله تعالى ينوب عن والده فى القضاء فى حياته، ورسم باستقلاله بعد وفاته، فمات قبل والده [٦]- أصيب- وكان يعد من نجباء الأبناء رحمه الله تعالى.

стр. 12695

وتوفى قاضى القضاة الشيخ الأمام الحافظ سعد الدين أبو محمد مسعود ابن محمد بن مسعود بن زيد الحارثى الحنبلى [١] بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ذى الحجة، ودفن من يومه بالقرافة رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير بدر الدين بكتوت أمير شكار [٢] متولى ثغر الإسكندرية- كان- فى ثامن عشرين شهر رجب، وكانت وفاته بالقاهرة بعد أن نكب وصودر. وتوفى فى التاريخ المذكور الشيخ الصالح محمد العريان رحمه الله تعالى. وتوفى بدمشق الأمير شجاع الدين يوسف نقيب نقباء العساكر المنصورة بالشام [٧٥] ، فى يوم الثلاثاء رابع عشر جمادى الأولى، بمولده فيما قيل وفى ثلاثة عشرة وستمائة، ولى نقابة العساكر بدمشق فى الأيام الناصرية إلى أن توفى، وكان عدلا مقبول القول عند قضاة القضاة- رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير شمس الدين سنقر [٣] جاه الظاهرى بدمشق فى يوم الإثنين ثامن ذى الحجة، ودفن بكرة الثلاثاء بمقابر الصوفية- رحمه الله تعالى. واستهلت سنة ثنتى عشرة وسبعمائة فى هذه السنة كملت عمارة الجامع [٤] الناصرى بساحل مصر فى صفر، وكان موضعه بشونة التبن، وكان الابتداء بعمارته فى بعض شهور سنة إحدى

стр. 12696

عشرة وسبعمائة، وولى خطابته قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى، ورسم أن يبنى فى سطح الجامع المذكور بيوتا لشيخ وجماعة من الصوفية، وطهارة [١] ومزملة، وبنى فى أسفله مزملة، ولما كملت عمارته حضر إليه السلطان وشاهده، ووقف على مصالحه مواضع من أملاكه، منها قيسارية [٢] العنبر بالقاهرة، وحمام [٣] ابن سويد، وأنشا ربعا بجواره، ووقفه عليه، وعمّر بظاهره طهارة للسبيل، وبها فسقية، وساقية ورتب السلطان بالجامع إماما ومؤذنين وقومة وشيخهم وشحنة [٤] وبوابا، وجعل لكل منهم جامكية وجراية، ورتب بالخانقاه الشيخ قوام الدين الشيرازى شيخا للصوفية، وثمانين صوفيا أربعين مجردا بسطح الجامع فى البيوت التى عمّرت لهم وأربعين متأهلين، ورتّب لكل صوفى منهم فى كل شهر خمسة عشر درهما، وفى كل يوم ثلاثة أرطال من الخبز العلامة، وللمجردين خاصة فى كل يوم ثلث رطل لحم مطبوخ، وزبدية مرق، ورتب للشيخ مثل ما رتب للصوفيين منهم، وأفرد للصوفية مقصورة بالجامع بحائطه الغربى. وهو البحرى، يجتمعون فيها لصلاة العصر فى كل يوم، ويقرءون القرآن بعد الصلاة، ويدعون للواقف، وينصرفون ويحضرون أيضا لصلاة الجمعة، وليس بشرط. ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية والمملكة الطرابلسية للأميرين سيف الدين سودى [٥] الجمدار، وسيف الدين تمر الساقى [٦] .

стр. 12697

وفى هذه السنة فوّض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية للأمير سيف الدين سودى الجمدار فى صفر، وتوجه إليها من الديار المصرية، ووصل إلى دمشق فى ثامن شهر ربيع الأول. وفوّض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية للأمير سيف الدين تمر الساقى، فوصل إلى دمشق فى ثامن عشرين شهر ربيع الأول بطلبه [١] وجماعته، ووصل إلى طرابلس فى العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر. وكان سبب تأخره هذه المدة توجّهه إلى حمص للقبض على نائبها على ما نذكره. وفيها: فى عاشر ربيع الأول أمر السلطان بالقبض على القاضى فخر الدين ناظر الجيوش، وكان قد تقدّم عنده وعظم شأنه، وارتفع محله وعلت كلمته، فحسد على ذلك، ونقل إلى السلطان عنه ما غيّر خاطره عليه، فأمر بالقبض عليه ومصادرته، فأخذ من أمواله- فيما قيل- أربعمائة ألف درهم، وفوّض نظر الجيوش للقاضى قطب الدين ابن شيخ السلامية ناظر جيش الشام نقله إلى الديار المصرية، فلم يقم مقام القاضى فخر الدين، ولا نهض بسد الوظيفة وتصحّفت عليه أسماء البلاد، ثم أفرج السلطان عن القاضى فخر الدين فى خامس عشر شهر ربيع الآخر، واستقر صاحب ديوان الجيوش مدّة، ثم شركه فى النظر، فصارا ناظرين بغير صاحب ديوان، ثم أعاده إلى النظر مستقلا به منفردا، وأعاد قطب الدين إلى الشام على عادته، على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها [٧٦] فى عاشر شهر ربيع الأول فوّض قضاء القضاة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل للقاضى تقى الدين أحمد بن قاضى القضاة عز الدين عمر بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى.

стр. 12698

ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس العلائى نائب السلطنة بحمص ومن يذكر من الأمراء بدمشق كان الأمير ركن الدين بيبرس العلائى المذكور فى هذه السنة قد طالع الأبواب السلطانية وسأل دستورا فى الحضور إلى الأبواب، فأذن له، فحضر على خيل البريد فى العشر الأخر من صفر وشمله الإنعام السلطانى بالتشريف، وعاد إلى نيابته فى العشر الأول من شهر ربيع الأول، ثم تحقق السلطان منه سوء طويّته وخبث نيته وأنه كان قد باطن الأمير شمس الدين قراسنقر، والأمير جمال الدين الأفرم، وأنه كان يظهر خلاف ما يبطن. فكتب السلطان إلى الأمير سيف الدين تمر الساقى قبل وصوله إلى طرابلس أن يتوجه إلى حمص ويقبض عليه، وكتب بمثل ذلك إلى الأمير بدر الدين بكتوب القرمانى أحد الأمراء بدمشق، وكان مجردا بجهة حمص، فتوجّها إليه وقبضا عليه فى بكرة نهار الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر، وتوجّها به إلى دمشق، ورسم عليه الأمير سيف الدين كجكن، وقبض على جماعة من الأمراء بدمشق، وهم: الأمير ركن الدين بيبرس الشّرفى المعروف بالمجنون، والأمير علم الدين سنجر البروانى [١] ، والأمير سيف الدين طوغان المنصورى، والأمير ركن الدين بيبرس التاجى، وذلك فى يوم الإثنين عاشر شهر ربيع الآخر، وصل فى هذا اليوم إلى دمشق الأمير ركن الدين بيبرس العلائى، وحال وصوله قبض [٢] عليه الأمير سيف الدين كجكن، وهو المرسم عليه، وسيّروا فى ليلة الأربعاء ثانى عشر الشهر إلى قلعة الكرك، واعتقلوا بها وفيها فى سادس شهر ربيع الآخر.

стр. 12699

ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار المنصورى نائب السلطنة بالباب الشريف، والآمير جمال الدين آقش الأشرفى نائب السلطنة بالشام وغيرهما من الأمراء بالديار المصرية. وفى هذه السنة استدعى السلطان الأمير جمال الدين آقش الأفرمى نائب السلطنة بالشام إلى الأبواب العالية، فحضر على خيل البريد، وكان ركوبه من دمشق فى ثانى شهر ربيع الأول، ووصل إلى الأبواب السلطانية يوم السبت تاسع الشهر، ولما وصلا إلى الأبواب السلطانية أكرمه السلطان وأحسن إليه وشمله بالإنعام، واستقر عوده إلى نيابة السلطنة بالشام. فأنهى إلى السلطان عنه أنه كان ممن باطن الأمراء [المنسحبين] [١] الثلاثة الذين لحقوا بالأمير جمال الدين الأفرم، وأنه كان يقدر على التجريد خلفهم والقبض عليهم وما فعل، وإنما كان امتنع من التجريد خلفهم [٢] أنه توهم من كثير من الأمراء بدمشق مباطنة الأمراء المخالفين فخشى إن هو جرّد من يردّ هؤلاء أن يلتحق بهم فيضطرب الأمر وتعم المفسدة، فاقتصر على حفظ من بقى عنده، وترك الإرسال خلفهم [٣] ، لهذا الأمر وبلغهم وبلغ السلطان أيضا عن جماعة من الأمراء مثل ذلك، فأمر بالقبض عليهم، وهم: هذا المقدم الذكر والأمير شمس الدين سنقر الكمالى الحاجب- كان- والأمير علاء الدين مغلطاى المسعودى، والأمير شمس الدين الدكن الأشرفى والأمير حسام الدين لاچين الجاشنكير، والأمير سيف الدين باينجار وكل هؤلاء من مقدمى الألوف بالديار المصرية، وقبض أيضا على الأمير حسام الدين لاچين العمرى، وذلك فى يوم الإثنين ثالث شهر ربيع الآخر من السنة، وشغرت نيابة السلطنة بالباب السلطانى بقية الشهر والله أعلم.

стр. 12700

ذكر تفويض [٧٧] نيابة السلطنة بالشام للأمير سيف الدين تنكز [١] وفى هذه السنة بعد القبض على الأمير جمال الدين فوض السلطان نيابة السلطنة بالشام للأمير سيف الدين تنكز وتوجه إلى دمشق على خيل البريد، فكان وصوله إلى دمشق فى الخميس العشرين من شهر ربيع الآخر، ووصل معه جماعة من المماليك السلطانية على أخبار الأمراء المعتقلين منهم الأمير سيف الدين الحاج أرقطاى الجمدار [٢] . وفيها أمر السلطان بعرض أجناد الحلقة بالديار المصرية، وانتصب لذلك بنفسه وأعرضوا بين يديه، وابتدىء بالعرض فى خامس عشر شهر ربيع الآخر وكمل فى مستهل جمادى الآخرة، وأبقى منهم من صلح للخدمة على إقطاعه، وقطع من ظهر عجزه، ورتب للمشايخ العاجزين عن الخدمة الرواتب ذكر تفويض السلطنة بالباب الشريف للأمير سيف الدين أرغن وفى هذه السنة فى يوم الإثنين مستهل جمادى الأولى فوض السلطان نيابة السلطنة بأبوابه الشريفة لمملوكه وعتيقه وغذىّ نعمته، ومن نشأ من صغره فى خدمته، وقرأ القرآن معه، الأمير سيف الدين أرغن الدوادار، وهو من المماليك المنصورية السيفية وكان السلطان الملك المنصور قد ابتاعه هو وأمه، وخصّه بخدمة السلطان الملك الناصر ولده من صغره وحال طفولتيه، فنشأ معه ولم يفارق خدمته فى وقت من الأوقات، وتوجّه فى خدمته إلى الكرك فى السفرتين، ففوض السلطان إليه نيابة السلطنة الآن، وهو أعرف الناس بخلق السلطان، وأكثرهم سياسة وسكونا وديانة وخيرا وعفة وطهارة، واشتغل بالعلوم الشرعية، وسمع الحديث وكتب صحيح البخارى بيده، وحصل الكتب النفسية، وهو مستمر فى نيابة السلطنة إلى وقتنا هذا فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وجرت أحوال الدولة فى مدة أيام نيابته على أحسن سداد وأكمل نظام.

стр. 12701

وفى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة أيضا فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية للأمير سيف الدين بلبان [١] ظرنا أمير جاندار ورسم بعود الأمير سيف الدين بهادر آص إلى دمشق أميرا على عادته فكان وصوله إلى دمشق فى تاسع عشر الشهر. وفى يوم الخميس ثامن عشر جمادى الأولى ولى نيابة قلعة دمشق الأمير عز الدين أيبك الجمالى عوضا عن الأمير سيف الدين بلبان البدرى. ثم رسم فى شهر رمضان من السنة أن يكون الأمير سيف الدين بهادر الشمسى فى القلعة شريكا للأمير عز الدين الجمالى، فدخلها فى سادس عشر شهر رمضان. وفى هذه السنة حصل انفصالى [٢] من نظر الجيش بالمملكة الطرابلسية فى منتصف جمادى الأولى، فتوجهت إلى الديار المصرية، فكان وصولى القاهرة فى العشرين من شهر رجب من السنة. وفى شهر رجب فى أواخره وصلت رسل الأشكرى، ومثلوا بين يدى السلطان فى عاشر شعبان بقلعة الجبل، وقدموا ما معهم من الأقمشة والسكلاط [٣] والطيور الجوارح ذكر عرض العساكر [٧٨] والنفقة فيها وتجريدها وتوجه السلطان إلى الشام . كان السلطان قد توجه إلى الصيد فى شهر رجب، وأقام بمنزلة الأهرام، وكثر الإرجاف وتواترت الأخبار بوصول خربندا ملك التتار بجيوشه وقصده الشام، فعاد السلطان إلى قلعة الجبل وجرد الاهتمام ونفق فى عامة العساكر، واستخدم جماعة، وأقطعهم ساحل الغلة [٤] فى شعبان، وأمر الأمراء والمقدمين

стр. 12702

بالعرض فى سوق الخيل والخروج إلى الشام فابتدأ الجيش بالعرض والخروج فى حادى عشر رمضان، واستمر ذلك إلى يوم الثلاثاء ثانى شوال، فركب السلطان فى هذا اليوم من قلعة الجبل وتوجّه لقصد الشام ولقاء العدوّ ودفعه. فلما وصل إلى منزلة السعيدية وهى على مسافة يومين من القاهرة وردت مطالعة الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام قرين مطالعة نائب الرحبة يخبر أن جيش التتار كان قد نازل الرّحبة فى ثانى عشرين شعبان، وأنه فى يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رمضان عاد التتار إلى بلاد الشرق، وما علم سبب عودهم وأن النائب بالرحبة ركب فى آثارهم، وحمل إلى القلعة ما كانوا قد أعدّوه [١] من آلات الحصار، وما تركوه من أثقالهم وخيلهم، وكانوا قد حاصروا الرحبة وأشرفوا على أخذها، فاستمر السلطان على المسير، ووصل إليها فى يوم الثلاثاء سادس عشر شوال. ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف لما وصل السلطان إلى دمشق وتعذّر عليه الغزو، لعود التتار. صرف ذلك إلى الحج وقضاء الفرض الواجب عليه حين أمكنه، فأقام بدمشق أياما وجرد عساكره إلى الجهات بالشام صوب [٢] حلب وحمص وحصن الأكراد وغيرهما أرغون نائب السلطنة ونزل الأمير سيف الدين أرغون [٣] نائب السلطنة بدمشق، والصاحب أمين الدين لتحصيل الأموال وتقرير المصالح، وتوجّه السلطان بجماعة من مماليكه وأمرائه، وانتقل ركابه الشريف من دمشق فى يوم السبت ثانى ذى القعدة، ووصل إلى الكرك، ومنها إلى المدينة النبوية فزار ثم توجّه إلى مكه- شرفها الله تعالى- يقضى فرض الحج ومناسكه، وتصدق وعاد إلى المدينة النبوية، وزار رسول الله ﷺ ثانيا، وعاد على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة.

стр. 12703

وفى ذى الحجة ورد البريد من دمشق بإيقاع الحوطة على دار الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، وحمل ما يوجد بها من خزائنه، فوقعت الحوطة عليها وأخذ منها صناديق كانت وصلت مع ولده عز الدين فرج، فوجد فى أحدها فيما قيل اثنان وثلاثون ألف دينار عينا، وفى بعضها مائة ألف درهم وخمسون ألف درهم، وعدة سروج مسقطة محلاة بالذهب والفضة وغير ذلك فحمل إلى بيت المال. وفى هذه السنة توفى الشيخ تاج الدين عبد الرحيم ابن تقى الدين عبد الوهاب بن الفضل بن يحيى بن السنهورى أحد النظار بالديار المصرية- كان- وكانت وفاته بمصر فى سابع عشر ربيع الآخر، وكان من الأمراء الأخيار، والكتاب المشهورين، الذين يرجع الكتّاب إلى قولهم، وتنقّل من المباشرات فى عمره إلى أن انتهى إلى نظر النظار، وعين للوزارة مرارا فكرهها، وكان الوزراء يرجعون إلى قوله، ولا يخرجون عن رأيه فى جليل الأمر ولا حقيره، ثم عطّل قبل وفاته عن المباشرة [٧٩] ، وتجاوز المائة سنة أخبرنى والدى- ﵀ غير مرّة أنه أسن منه بخمس عشرة سنة، وكان مولد والدى فى سنة ثمانى عشرة وستمائة فعلى هذا يكون عمره مائة سنة وتسع سنين تقريبا رحمه الله تعالى. وتوفى القاضى شهاب الدين غازى بن أحمد بن [١] الواسطى ناظر حلب بها فى ثامن عشر ربيع الآخر، وكان يتنقل فى المناصب الجليلة، ولى نظر الدواوين بالديار المصرية، ونظر الصحبة [٢] ، ونظر دمشق وحلب وطرابلس، وكتب بديوان الإنشاء مدة- رحمه الله تعالى-. وتوفى القاضى تاج الدين أحمد ابن القاضى عماد الدين محمد بن هبة الله الشيرازى [٣] الدمشقى ببستانه [٤] بالمزة فى رابع عشر رجب، ودفن بقاسيون- ﵀ وكان من أعيان أهل دمشق، وولى نظر الدواوين بها وغير ذلك.

стр. 12704

وتوفى الملك المظفر شهاب الدين غازى بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب [١] بالقاهرة بعد العصر من يوم الإثنين ثانى عشر رجب. وتوفيت زوجته وهى ابنة عمة الملك المغيث ابن الملك المعظم وقت عشاء الآخرة، وخرجت جنازتهما جميعا فى يوم الإثنين، وكان قد حج وزار البيت المقدس، وتوجه إلى دمشق ثم عاد إلى القاهرة، فأقام نحو خمسة أيام ومات- رحمه الله تعالى- وكان من خيار المسلمين محترما مبجلا معظما فى صدور الناس، متواضعا فى نفسه، له فضيلة تامة، وروى الحديث، ومولده فى ليلة السبت عاشر جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وستمائة بقلعة الكرك وتوفى القاضى نور الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين عبد الرحيم، بن عز الدين بن عبد الله بن رواحة الحموى الأنصارى كان رأس كتاب الدرج بطرابلس، فلما هرب الأمير جمال الدين الأفرم فى هذه السنة استصحبه معه، ثم رجع من البرية ووصل إلى طرابلس ومرض، فلما وصل الأمير سيف الدين تمر الساقى إلى نيابة طرابلس عزله، فتوجه إلى حماة فمات بها فى سادس عشر شعبان- رحمه الله تعالى- وكان رجلا صالحا جيدا أمينا طاهر القلم، رافقته مدة فى السفر والحضر، فلم أر منه إلا خيرا وعفة وأمانة ونزاهة رحمه الله تعالى. وتوفى فى يوم الإثنين خامس عشرين شعبان بالقاهرة شرف الدين محمد ابن خليل المقدسى [٢] الكاتب المنشىء، كان كاتبا فاضلا متمكنا من صناعة الإنشاء، حسن النظم جيدّ النثر، لكنه كان كثير الهجاء- سامحه الله تعالى وإيانا. وتوفى الأمير سيف الدين قطلوبك الشيّخى [٣] المنصورى أحد الأمراء بدمشق فى خامس عشر شهر ربيع الآخر، وهذه النسبة إلى الشيخ عمر بن الشيخ جاه.

стр. 12705

وتوفى الآمير علاء الدين مغلطاى البهائى [١] أحد الأمراء بطرابلس فى حادى عشر شهر ربيع الآخر، وكان قد رسم بالقبض عليه، فوصل البريد بذلك بعد وفاته بيوم أو يومين رحمه الله تعالى. واستهلت سنة ثلاث عشرة وسبعمائة والسلطان الملك الناصر- خلّد الله سلطانه- ببرية الحجاز عائدا. ففى يوم السبت مستهل محرم وصل إلى دمشق الأمير سيف الدين قجليس السلاح دار الناصرى، وبشّر بعافية السلطان وعوده من الحجاز بعد أن قضى فريضة الله فى الحج، وأخبر أنه فارقه من المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- ثم وصل البريد [٨٠] بعد ذلك وأخبر أن السلطان وصل إلى الكرك فى ثانى محرم، ثم وصل السلطان إلى دمشق فى يوم الثلاثاء حادى عشر المحرم ونزل بالقصر الأبلق، وصلى الجمعة فى رابع عشر بجامع دمشق، وكذلك الجمعة التى تليها ولعب بالكرة بالميدان الأخضر فى يوم السبت خامس عشر المحرم، وفوّض نظر الدواوين بالشام لشمس الدين عبد الله ابن غبريال، فى سادس عشر الشهر، وكان قبل ذلك يلى نظر البيوت السلطانية، وتوجّه فى خدمة السلطان إلى الحجاز [٢] فرأى منه نهضة وكفاية فنقله إلى نظر دمشق، وولى فخر الدين أياز [٣] الشمسى شدّ الدواوين بالشام نقله من شدّ مصر إليها، عوضا عن الأمير بدر الدين القرمانى، وولى القرمانى نيابة الرحبة عوضا عن الأمير بدر الدين [٤] موسى الأزكشى، ثم توجه السلطان إلى الديار المصرية، وكان استقلال ركابه من دمشق فى بكرة نهار الخميس سابع عشرين المحرم، وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى الساعة الثالثة من يوم الجمعة ثانى صفر.

стр. 12706

وفى هذه السنة كملت عمارة الميدان الذى أمر السلطان بإنشائه تحت قلعة الجبل من الجانب الغربى مما يلى سوق الخيل، وكان الشروع في عمارته فى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، وأدخل فيه بعض السور ما يلى باب القرافة إلى جهة القلعة، وجعل الحائط الدائر على هذا الميدان من جهات ثلاث سورا، وردم قرار الميدان بالطين الأبليز، وأمر السلطان بسد باب [١] سارية، وفتح باب إلى جانبه، ثم أمر فى هذه السنة بإدارة السواقى على البئر التى كانت عمرت فى الدولة الأشرفية الصالحية خارج باب القنطرة [٢] بمصر بشادّ الأمير عز الدين الأفرم، فركبّ على فوهتها أربع محال وعمل لها أربع مجارى على السور يجرى الماء فيها إلى حفرة ثانية على شكل بئر فى أثناء الطريق، يتحصل الماء الجارى من البئر الأولى فيها. وركّب عليها ثلاث محال، ويجرى الماء إلى بئر ثالثة تحت القلعة، ولم يزل ينقله إلى أن [٣] جرى الماء العذب من بحر النيل أعلى [٤] إلى قلعة الجبل وقسم على أماكن وقاعات بها، ذكر تفويض نيابة دار العدل وشد الأوقاف للأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى وفى هذه السنة فى يوم الخميس السادس عشر من شهر ربيع الأول فوّض السلطان نيابه دار العدل الشريفة وشدّ الأوقاف بالديار المصرية للأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى، أحد الحجاب، وكانت وظيفة نيابة دار العدل قد

стр. 12707

توفّرت منذ نقل الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار منها إلى نيابة السلطنة، وخلع عليه، وبسطت يده فأساء التصرف، ووسع الطلب، وضيّق على الناس، وتعرض إلى العدول والأئمة وغيرهم، فلم تطل أيام ولايته، فإن السلطان اتصل به لسوء فعله فعزله، وأقره على وظيفة دار الحجبة خاصة على عادته الأولى، ولم تكن خرجت عنه، ثم أخرجه السلطان إلى الشام بعد ذلك فمات بدمشق. ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة وترتيب الأمير بدر الدين بن التركمانى فى الشد وفى هذه السنة فى مستهل جمادى الآخرة عزل الصاحب أمين عبد الله من الوزارة، وصودر وحمل من أمواله ثلاثمائة ألف درهم، ثم أفرج عنه، ورتّب فى شادّ الدواوين الأمير بدر الدين محمد بن الأمير فخر الدين التركمانى، وكان قبل ذلك يلى الأعمال الجبرية [٨١] وألزم الصاحب أمين الدين داره إلى التاسع والعشرين من ذى الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة، فطلب فى هذا اليوم ورتّب ناظر النّظار والصحبة عوضا عن الصاحب ضياء الدين أبى بكر النشائى، ونقل النشائى إلى نظر الخزانة عن سعد الدين الأقفاصى بحكم وفاته. ذكر روك [١] الإقطاعات بالشام وفى هذه السنة رسم بكشف البلاد الشامية والقرى والضياع والنواحى والجهات بدمشق وأعمالها، وحمص وبعلبك وغزّة، والمملكة الصفدية، وانتصب لذلك بدمشق وأعمالها القاضى معين الدين بن هبة الله بن حشيش [٢] ناظر الجيوش بالشام، فكان يتلقّى ما يرد من الكشوف ويحررها، وانتصب معه جماعة من الكتاب، ثم وصل إلى الأبواب السلطانية فى شهر رمضان بعد إنجاز العمل بدمشق، ووصل القاضى شمس الدين عبد الله ناظر الشام، ورسم

стр. 12708

للأمير علم الدين سنجر الجاولى نائب السلطنة بغّزة أن يحضر ذلك، فوصل أيضا فانتصب مباشر والجيوش بالديار المصرية: القاضى فخر الدين، وقطب الدين ابن شيخ السلامية، وجماعة من الكتاب لتحرير الرّوك وقسمة الإقطاعات، وكان جلوسهم لهذا العمل داخل باب القلعة والرحبة فى مكان أفرد لجلوسهم. فلما انتهى العمل حوّلت سنة ثنتى عشرة وسبعمائة الخراجية إلى سنة ثلاث عشرة بحكم دوران السنين وكتبت الأمثلة بالإقطاعات، ثم رسم أن يستمر القاضى فخر الدين محمد فى نظر الجيوش بمفرده على عادته، ورتّب القاضى معين الدين هبة الله بن حشيش صاحب ديوان الجيوش، وأعيد القاضى قطب الدين بن شيخ السلامية إلى نظر جيش الشام على عادته الأولى، وذلك فى ذى الحجة، وخلع على كل منهم. وتوجه قطب الدين إلى دمشق وصحبته الأمثلة، فكان وصوله إليها فى سادس عشرين ذى الحجة وقرنت الأمثلة، وحصل فى تفريقها اختلاف واضطراب، فاعتذر قطب الدين أنّ الرّوك إنما رتبه معين الدين فاقتضى ذلك توجهه إلى دمشق، فتوجه فى سنة أربع عشرة وسبعمائة على خيل البريد، وفرقت الأمثلة بحضوره على ما استقر بالأبواب السلطانية، ثم عاد إلى الديار المصرية. ذكر تجريد جماعة من الأمراء إلى مكة وفى هذه السنة جرد السلطان جماعة من الأمراء إلى مكة- شرفها الله تعالى- وهم سيف الدين طقصبا [١] الناصرى وهو المقدم على الجيش، وسيف الدين يلوا [٢] ، وصارم الدين [٣] صاروجا الحسامى، وعلاء الدين أيدغدى الخوارزمى، وتوجهوا فى شوال فى جملة الركب، وجرّد من دمشق الأمير سيف الدين بلبان التترى، وسبب ذلك ما اتصل بالسلطان من شكوى المجاورين والحجاج من أميرى مكة حميضة ورميثة ولدى الشريف أبى نمى، فندب

стр. 12709

السلطان هذا الجيش وجهّز أخاهما الأمير أبا الغيث بن أبى نمىّ، فلما وصل العسكر إلى مكة فارقها حميضة وأقام الجيش بمكة بعد عود الحاج نحو شهرين فقصّر أبو الغيث فى حقهم، وضاق منهم ثم كتب خطه باستغنائه عنهم فعادوا، وكان وصولهم إلى الأبواب السلطانية فى أواخر شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبعمائه، ولما علم حميضة بمفارقة الجيش مكة عاد إليها بجمع، وقاتل أخاه أبا الغيث، ففارق أبو الغيث مكة والتحق بأخواله من هذيل بوادى نخلة وأرسل حميضة إلى السلطان رسولا وخيلا للتقدمة، فاعتقل السلطان رسوله [١] . وفى يوم الإثنين لست بقين من شّوال أمر السلطان بالقبض على الأمير عز الدين أيبك الرومى، واعتقاله فاعتقل. وفيها فى يوم السبت سادس عشرين ذى الحجة وصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل رسل الملك أزبك [٢] الجالس على كرسى الملكة بصراى [٣] وما معها وهى مملكة بيت بركة، ومعهم رسل الأشكرى [٤] [٨٢] على العادة، فأنزل رسل الملك أزبك بمناظر الكبش، وشملهم الإحسان السلطانى. وفيها فى ذى الحجة تسحّب جماعة من الجند البطالين يقال إن عدتهم نحو مائتى فارس، وتوجهوا إلى بلاد المغرب، وتقدم عليهم ابن المحسنى [٥] فرسم السلطان للأمير حسام الدين القليجى أن يتوجه خلفهم، فسارفى آثارهم وجدّ السير فلم يدرك منهم إلا رجلا واحدا كان قد ضل عن الطريق فأحضره فى المحرم سنة أربع عشرة فاعتقل.

стр. 12710

وفى هذه السنة فى ذى الحجة أنشا السلطان بقلعة الجبل القصر [١] الأبلق، وهو مطل على الميدان الجديد وسوق الخيل، ولما كملت عمارته عمل السلطان وليمة عظيمة، وجلس فيه وأحضر الأمراء وأنعم عليهم بمبلغ جملته ألف ألف درهم وأربعمائة ألف درهم وذلك فى يوم الإثنين سابع عشر شهر رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة وفى هذه السنة رسم السلطان أن يساق الماء من عين بلد الخليل إلى القدس الشريف، فتولى ذلك الأمير علم الدين سنجر الجاولى، ووصل الماء إلى القدس، وارتفق الناس به. وفى سنة ثلاث عشرة أيضا توفى القاضى عماد الدين أبو الحسن على ابن القاضى فخر الدين بن عبد العزيز ابن قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحيم [٢] بن السكرى، وكانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العزّ فى سحر يوم الجمعة سادس عشرين صفر ودفن بالقرافة، ومولده فى الخامس والعشرين من محرم سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وهو الذى كان قد توجّه فى الرسالة إلى غازان، وكان يلى تدريس مدرسة منازل العزّ هو وأبوه وجده، وتدريس المشهد الحسينى بالقاهرة، وخطابة الجامع الحاكمى، فولى ولده القاضى تاج الدين التدريس بمنازل العز والخطابة وولى تدريس المشهد الحسينى صدر الدين محمد بن المرحّل. وتوفى الخطيب قطب الدين يوسف ابن الخطيب أصيل الدين محمد بن إبراهيم بن عمر بن على العوفى الأسعردى [٣] ، خطيب الجامع الصالحى خارج باب زويلة فى ليلة السبت العشرين من شهر رجب فجأة ودفن بسفح المقطم وولى الخطابة بعده الشيخ زين الدين عمرو بن مؤنس الكتانى [٤] الشافعى.
следующие страницы →