وفى هذه السنة كملت عمارة الميدان
الذى أمر السلطان بإنشائه تحت قلعة الجبل من الجانب الغربى مما يلى سوق الخيل، وكان الشروع في عمارته فى جمادى الأولى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، وأدخل فيه بعض السور ما يلى باب القرافة إلى جهة القلعة، وجعل الحائط الدائر على هذا الميدان من جهات ثلاث سورا، وردم قرار الميدان بالطين الأبليز، وأمر السلطان بسد باب [١] سارية، وفتح باب إلى جانبه، ثم أمر فى هذه السنة بإدارة السواقى على البئر التى كانت عمرت فى الدولة الأشرفية الصالحية خارج باب القنطرة [٢] بمصر بشادّ الأمير عز الدين الأفرم، فركبّ على فوهتها أربع محال وعمل لها أربع مجارى على السور يجرى الماء فيها إلى حفرة ثانية على شكل بئر فى أثناء الطريق، يتحصل الماء الجارى من البئر الأولى فيها. وركّب عليها ثلاث محال، ويجرى الماء إلى بئر ثالثة تحت القلعة، ولم يزل ينقله إلى أن [٣] جرى الماء العذب من بحر النيل أعلى [٤] إلى قلعة الجبل وقسم على أماكن وقاعات بها،
ذكر تفويض نيابة دار العدل وشد الأوقاف للأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى
وفى هذه السنة فى يوم الخميس السادس عشر من شهر ربيع الأول فوّض السلطان نيابه دار العدل الشريفة وشدّ الأوقاف بالديار المصرية للأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى، أحد الحجاب، وكانت وظيفة نيابة دار العدل قد
стр. 12707
توفّرت منذ نقل الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار منها إلى نيابة السلطنة، وخلع عليه، وبسطت يده فأساء التصرف، ووسع الطلب، وضيّق على الناس، وتعرض إلى العدول والأئمة وغيرهم، فلم تطل أيام ولايته، فإن السلطان اتصل به لسوء فعله فعزله، وأقره على وظيفة دار الحجبة خاصة على عادته الأولى، ولم تكن خرجت عنه، ثم أخرجه السلطان إلى الشام بعد ذلك فمات بدمشق.
ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة وترتيب الأمير بدر الدين بن التركمانى فى الشد
وفى هذه السنة فى مستهل جمادى الآخرة عزل الصاحب أمين عبد الله من الوزارة، وصودر وحمل من أمواله ثلاثمائة ألف درهم، ثم أفرج عنه، ورتّب فى شادّ الدواوين الأمير بدر الدين محمد بن الأمير فخر الدين التركمانى، وكان قبل ذلك يلى الأعمال الجبرية [٨١] وألزم الصاحب أمين الدين داره إلى التاسع والعشرين من ذى الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة، فطلب فى هذا اليوم ورتّب ناظر النّظار والصحبة عوضا عن الصاحب ضياء الدين أبى بكر النشائى، ونقل النشائى إلى نظر الخزانة عن سعد الدين الأقفاصى بحكم وفاته.
ذكر روك [١] الإقطاعات بالشام
وفى هذه السنة رسم بكشف البلاد الشامية والقرى والضياع والنواحى والجهات بدمشق وأعمالها، وحمص وبعلبك وغزّة، والمملكة الصفدية، وانتصب لذلك بدمشق وأعمالها القاضى معين الدين بن هبة الله بن حشيش [٢] ناظر الجيوش بالشام، فكان يتلقّى ما يرد من الكشوف ويحررها، وانتصب معه جماعة من الكتاب، ثم وصل إلى الأبواب السلطانية فى شهر رمضان بعد إنجاز العمل بدمشق، ووصل القاضى شمس الدين عبد الله ناظر الشام، ورسم
стр. 12708
للأمير علم الدين سنجر الجاولى نائب السلطنة بغّزة أن يحضر ذلك، فوصل أيضا فانتصب مباشر والجيوش بالديار المصرية: القاضى فخر الدين، وقطب الدين ابن شيخ السلامية، وجماعة من الكتاب لتحرير الرّوك وقسمة الإقطاعات، وكان جلوسهم لهذا العمل داخل باب القلعة والرحبة فى مكان أفرد لجلوسهم. فلما انتهى العمل حوّلت سنة ثنتى عشرة وسبعمائة الخراجية إلى سنة ثلاث عشرة بحكم دوران السنين وكتبت الأمثلة بالإقطاعات، ثم رسم أن يستمر القاضى فخر الدين محمد فى نظر الجيوش بمفرده على عادته، ورتّب القاضى معين الدين هبة الله بن حشيش صاحب ديوان الجيوش، وأعيد القاضى قطب الدين بن شيخ السلامية إلى نظر جيش الشام على عادته الأولى، وذلك فى ذى الحجة، وخلع على كل منهم. وتوجه قطب الدين إلى دمشق وصحبته الأمثلة، فكان وصوله إليها فى سادس عشرين ذى الحجة وقرنت الأمثلة، وحصل فى تفريقها اختلاف واضطراب، فاعتذر قطب الدين أنّ الرّوك إنما رتبه معين الدين فاقتضى ذلك توجهه إلى دمشق، فتوجه فى سنة أربع عشرة وسبعمائة على خيل البريد، وفرقت الأمثلة بحضوره على ما استقر بالأبواب السلطانية، ثم عاد إلى الديار المصرية.
ذكر تجريد جماعة من الأمراء إلى مكة
وفى هذه السنة جرد السلطان جماعة من الأمراء إلى مكة- شرفها الله تعالى- وهم سيف الدين طقصبا [١] الناصرى وهو المقدم على الجيش، وسيف الدين يلوا [٢] ، وصارم الدين [٣] صاروجا الحسامى، وعلاء الدين أيدغدى الخوارزمى، وتوجهوا فى شوال فى جملة الركب، وجرّد من دمشق الأمير سيف الدين بلبان التترى، وسبب ذلك ما اتصل بالسلطان من شكوى المجاورين والحجاج من أميرى مكة حميضة ورميثة ولدى الشريف أبى نمى، فندب
стр. 12709
السلطان هذا الجيش وجهّز أخاهما الأمير أبا الغيث بن أبى نمىّ، فلما وصل العسكر إلى مكة فارقها حميضة وأقام الجيش بمكة بعد عود الحاج نحو شهرين فقصّر أبو الغيث فى حقهم، وضاق منهم ثم كتب خطه باستغنائه عنهم فعادوا، وكان وصولهم إلى الأبواب السلطانية فى أواخر شهر ربيع الأول سنة أربع عشرة وسبعمائه، ولما علم حميضة بمفارقة الجيش مكة عاد إليها بجمع، وقاتل أخاه أبا الغيث، ففارق أبو الغيث مكة والتحق بأخواله من هذيل بوادى نخلة وأرسل حميضة إلى السلطان رسولا وخيلا للتقدمة، فاعتقل السلطان رسوله [١] .
وفى يوم الإثنين لست بقين من شّوال أمر السلطان بالقبض على الأمير عز الدين أيبك الرومى، واعتقاله فاعتقل.
وفيها فى يوم السبت سادس عشرين ذى الحجة وصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل رسل الملك أزبك [٢] الجالس على كرسى الملكة بصراى [٣] وما معها وهى مملكة بيت بركة، ومعهم رسل الأشكرى [٤] [٨٢] على العادة، فأنزل رسل الملك أزبك بمناظر الكبش، وشملهم الإحسان السلطانى.
وفيها فى ذى الحجة تسحّب جماعة من الجند البطالين يقال إن عدتهم نحو مائتى فارس، وتوجهوا إلى بلاد المغرب، وتقدم عليهم ابن المحسنى [٥] فرسم السلطان للأمير حسام الدين القليجى أن يتوجه خلفهم، فسارفى آثارهم وجدّ السير فلم يدرك منهم إلا رجلا واحدا كان قد ضل عن الطريق فأحضره فى المحرم سنة أربع عشرة فاعتقل.
стр. 12710
وفى هذه السنة فى ذى الحجة أنشا السلطان بقلعة الجبل القصر [١] الأبلق، وهو مطل على الميدان الجديد وسوق الخيل، ولما كملت عمارته عمل السلطان وليمة عظيمة، وجلس فيه وأحضر الأمراء وأنعم عليهم بمبلغ جملته ألف ألف درهم وأربعمائة ألف درهم وذلك فى يوم الإثنين سابع عشر شهر رجب سنة أربع عشرة وسبعمائة
وفى هذه السنة رسم السلطان أن يساق الماء
من عين بلد الخليل إلى القدس الشريف، فتولى ذلك الأمير علم الدين سنجر الجاولى، ووصل الماء إلى القدس، وارتفق الناس به.
وفى سنة ثلاث عشرة أيضا توفى القاضى عماد الدين أبو الحسن على ابن القاضى فخر الدين بن عبد العزيز ابن قاضى القضاة عماد الدين عبد الرحيم [٢] بن السكرى، وكانت وفاته بالمدرسة المعروفة بمنازل العزّ فى سحر يوم الجمعة سادس عشرين صفر ودفن بالقرافة، ومولده فى الخامس والعشرين من محرم سنة ثمان وثلاثين وستمائة، وهو الذى كان قد توجّه فى الرسالة إلى غازان، وكان يلى تدريس مدرسة منازل العزّ هو وأبوه وجده، وتدريس المشهد الحسينى بالقاهرة، وخطابة الجامع الحاكمى، فولى ولده القاضى تاج الدين التدريس بمنازل العز والخطابة وولى تدريس المشهد الحسينى صدر الدين محمد بن المرحّل.
وتوفى الخطيب قطب الدين يوسف ابن الخطيب أصيل الدين محمد بن إبراهيم بن عمر بن على العوفى الأسعردى [٣] ، خطيب الجامع الصالحى خارج باب زويلة فى ليلة السبت العشرين من شهر رجب فجأة ودفن بسفح المقطم وولى الخطابة بعده الشيخ زين الدين عمرو بن مؤنس الكتانى [٤] الشافعى.
стр. 12711
وتوفى الشيخ تاج الدين محمد بن على بن همام بن راجى الله بن أبى الفتوح ناصر بن داود بن عبد الله بن أبى الحسن العسقلانى [١] الشافعى الإمام بالجامع الصالحى، وكانت وفاته بمسكنه بالجامع فى ليلة السبت الحادى عشر من شعبان- رحمه الله تعالى- ومولده فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة سبع وأربعين وستمائة، وولى الإمامة بعده بالجامع ولده القاضى تقى الدين محمد.
وتوفى عز الدين بن عبد العزيز بن منصور الكولمى التاجر الكارمى بثغر الإسكندرية فى شهر رمضان، وكان والده من يهود حلب يعرف بالحموى، وأسلم والده فى أول الدولة الظاهرية هو وأخواه [٢] وتوفى أول الدولة المنصورية فجمع عز الدين هذا ما يملكه وتوجّه إلى بغداد ويقال إن جملة ما توجه [٣] خمسة عشر ألف درهم أو دونها، وانحدر من بغداد إلى البصرة، ثم توجه إلى كبش [٤] وركب منها فى الزو [٥] إلى بلاد الصين فدخل الصين وخرج منه خمس مرات ودخل إلى الهند، وكان يحكى عجائب كثيرة يذكر أنه شاهدها، لا يقبل بعضها العقل، والقدوة صالحة أغضينا عن ذكرها، وما كان يتّهم بكذب، ثم عاد من الهند إلى عدن من بلاد اليمن فى الزّو الهندى، وأخذ صاحب اليمن جملة من ماله، وما أحضر من تحف الصين، والصينى زيادة على ما جرت عادتهم بأخذه، ثم وصل إلى الديار المصرية أرى فى سنة أربع وسبعمائة ومعه [٦] ما قيمته أربعمائة ألف دينار عينا، ولما مات خلّف تركة جليلة، وكان كثير الصدقة والمعروف والبر رحمه الله تعالى.
стр. 12712
وتوفى الأمير جمال الدين آقش الكنجى النائب بحصن مصياف [١] به يوم الأحد ثامن عشر ذى [٢] القعدة، وكان قد بلغ تسعين سنة، وولى نيابة الحصن سنين كثيرة، وكان أهل الحصن الفداوية [٣] يحبونه ويجيبون إلى ما أمرهم به من بذل نفوسهم وهو يكرمهم ويبرهم ويحسن إليهم رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة أربع [٨٣] عشرة وسبعمائة
فى أول هذه السنة- فى يوم الأربعاء مستهل محرم الموافق الحادى والعشرين من برمودة القبطى- تغيّر نهر النيل بمصر تغيّرا ظاهرا مائلا إلى الخضرة، وتغير طعمه وريحه حتى شرب كثير من الناس من الآبار العذبة والصهاريج التى يخزن بها الماء والعادة أن يكون ماء النيل فى هذا الفصل فى غاية الصفاء، وما علم سبب تغيّره، ثم عاد إلى صفوه بعد ذلك.
ذكر واقعة الشيخ نور الدين على البكرى [٤] . وغضب السلطان عليه وخلاصه
كان سبب ذلك أن الشيخ نور الدين المذكور انتصب بمصر للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، حسبة من غير ولاية سلطانية ولا إذن حكمى، ورأى أن ذلك قد تعيّن عليه، وهو من أعيان الفضلاء وأكابر المفيدين، واجتمع معه جماعة من البكريّين وغيرهم يأتمرون [٥] بأمره، فاتصل به فى شهر المحرم من السنة أن النصارى بمصر اجتمعوا فى كنيسة من كنائسهم لعيد لهم، وأنهم استعاروا من الجامع العمرى بمصر قناديل وبصّاقات وأطباق وأشعلوها فى
стр. 12713
الكنيسة، فما صبر على ذلك، وجاء إلى الكنيسة ودخلها بمن معه وأخذ ما استعاروه من قناديل الجامع وما عونه، وأعاد ذلك إلى الجامع، وأحضر مباشر الجامع وأنكر عليه إقدامه على عارية ذلك للنصارى، فاعتذر أن الخطيب [١] هو الذى أمر بذلك، فطلبه الشيخ وأنكر عليه، وكلمّه بكلام غليظ فانضم [٢] للخطيب القاضى فخر الدين ناظر الجيش، وأنهى إلى السلطان ما فعل الشيخ بالخطيب، وعرّفه أن الخطيب رجل صالح من بيت كبير، وأن مثله لا يعامل بمثل هذه المعاملة، وأنهى إلى السلطان أن الشيخ نور الدين فيه جرأة عظيمة واطّراح للدولة وغضّ منها، إلى غير ذلك من الإغراء، وطلع الشيخ نور الدين إلى قلعة الجبل فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من شهر محرم، واجتمع بنائب السلطنة وبات عنده ليلة السبت، واجتمع أيضا بالأمير ركن الدين بيبرس الأحمدى أمير جاندار وقصد الاجتماع بالسلطان [وكان] [٣] طلب فى بكرة نهار الخميس الثالث والعشرين من محرم إلى مجلس السلطان، وأحضر قضاة القضاة والعلماء، فحصل للشيخ قوّة نفس، وكلمّ السلطان بما لا يليق أن يكلّم به الملوك عرفا، فكان مما قال له: أنت ولّيت القبط والمسالمة وحكّمتهم فى دولتك وأموال المسلمين، وأضعت أموال بيت المال فى العمائر والإطلاقات التى لا تجوز، إلى غير ذلك من الكلام الخشن الذى لا تصبر الملوك على مثله، فغضب السلطان لذلك غضبا شديدا، وانزعج له انزعاجا عظيما، وظهر منه اضطراب وألفاظ دلت على أنه نقل إليه عن الشيخ ما أوجب انحماله، فكان فيما قال السلطان- فيما بلغنى- إما أنا وإما هذا؟ وقال أما أنا ما أخذت الملك بخلافة وإنما أخذته بسيفى إلى غير ذلك من الكلام الدال على شدة الحرج، وقال السلطان للقضاة، ما الذى يلزم هذا على تجرئه على ما قال؟
فقال قاضى القضاة زين الدين المالكى: هذا لا يلزمه عندى شىء. وقال قاضى القضاة بدر الدين الشافعى يلزمه التعزير بحسب رأى الإمام. فقال الشيخ [٤] لقاضى القضاة بدر الدين كيف تقول هذا القول؟ وقد صحّ
عن رسول الله- ﷺ أنه قال: «أفضل الجهاد كلمة صدق عند سلطان جائر»
ورفع بها صوته، وأشار بيده إلى جهة السلطان،
стр. 12714
بها صوته، وأشار بيده إلى جهة السلطان، فعند ذلك اشتد غضب السلطان، ورسم بقطع لسانه، وما تجاسر أحد أن يشفع فيه إلا [١] الأمير سيف الدين طوغاى، فإنه بالغ فى أمره حتى نزل وانفصل المجلس، ورسم عليه، ثم طلب مرّة ثانية قبل العصر من اليوم إلى مجلس السلطان، فكان المجلس فيما بلغنى أشد من الأول، حتى همّ السلطان بقتله فتقدم إليه الأمير سيف الدين طغاى أيضا [٨٤] وقال: والله لأقتل السلطان هذا أبدا ويكون الصديّق جدّه خصم السلطان عند الله يوم القيامة. فاستكان السلطان لمّا سمع هذا الكلام وأطلقه.
وهذا يدل على حلم السلطان وخيره، ولولا ذلك لما أبقاه لما خاطبه به. وكان القاضى كريم الدين وكيل الخاص الشريف أيضا قد اعتنى به عند السلطان موافقة للأمير سيف الدين طغاى، وخرج هو والشيخ من مجلس السلطان بعد العصر من اليوم المذكور، فشرع بعض الجماعة يقول للشيخ وهو إلى جانب القاضى كريم الدين: ما فعله القاضى كريم الدين فى أمره من الاعتناء به وتسكين حرج السلطان فقال: نعم هو كان من خيار الظلمة، وكريم الدين يسمع ذلك فما أجابه عنه بشىء، واجتمع تحت القلعة خلق كثير من العوام حتى امتلأت بهم تلك الجهة، وهم يظهرون الفرح بسلامة الشيخ نور الدين، فأشار كريم الدين ألا يتوجّه الشيخ إلى مصر بهذا الجمع خشية أن يشاهد السلطان ذلك فيخرج بسببه. فصرفهم وتوجّه من جهة أخرى، وانقطع بمنزله، ولم ينقطع الناس وبعض الأمراء عن التردد إليه وسلامته من هذه الواقعة دلّت على أن قيامه كان لله تعالى.
وفيها فى صفر أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين بلبان الشمسى أمير الحاج واعتقاله، لسوء اعتماده على الحجّاج وكان ساق سوقا مزعجا، ووصل إلى القاهرة بالمحمل قبل الوقت المعتاد بأيام فهلك كثير من المشاة بسبب ذلك فرسم السلطان أن يتوجه جماعة على الهجن بالماء والزاد بسبب من انقطع- والله أعلم.
стр. 12715
وفى هذه السنة أمر السطان بمسامحة البلاد الشامية بحملة كثيرة من البواقى [١] لاستقبال سنة ثمان وتسعين وستمائة وإلى آخر ثلاث عشرة وسبعمائة وقرىء كتاب المسامحة بجامع دمشق فى يوم الجمعة عاشر المحرم بحضور نائب السلطنة بدمشق، ثم قرىء فى يوم الجمعة التى تليها بالجامع بدمشق مثال بإطلاق ضمان [٢] السجون وأن لا يؤخذ ممن يسجن أكثر من نصف درهم يكون أجرة السجانين، وكان قبل ذلك يؤخذ من المسجون ستة دراهم فما دونها، وتضمن المثال أيضا إعفاء الفلاحين من السّخر ومقرّر [٣] القصب، وكان جملة، فتضاعفت الأدعية بسبب ذلك للسلطان، ثم قرىء مثال ثالث فى مستهل صفر بإطلاق ضمان القّواسين ونقابة الشّد والولاية [٤] ، وفى شهر ربيع الأول وصلت الأخبار بإغارة طائفة من العسكر الحلبى على دنيسر [٥] ، وقتل جماعة بها وأسر جماعة، ووصل بعض الأسرى إلى دمشق فى شهر ربيع الآخر.
ذكر وفاة الأمير سيف الدين سودى [٦] نائب السلطنة بحلب وتفويض نيابة السلطنة بها للأمير علاء الدين الطنبغا الحاجب
وفى يوم السبت الثانى والعشرين من شهر رجب ورد الخبر إلى الأبواب السلطانية بوفاة الأمير سيف الدين سودى الجمدار نائب السلطنة بالمملكة الحلبية، وكانت وفاته بعد العصر من يوم السبت منتصف الشهر، ففّوض السلطان للأمير علاء الدين الطّنبغا الصالحى أحد الحجاب نيابة السلطنة بها فى هذا اليوم، وتوجّه على خيل البريد فى يوم الأحد الثالث والعشرين من الشهر.
стр. 12716
وورد الخبر أيضا بوفاة بهاء الدين أبى سوادة [١] كاتب الدرج بحلب، وكانت وفاته فى ضحى منتصف شهر رجب، فرتبّ وظيفته فى القاضى عماد الدين إسماعيل بن القاضى المرحوم شرف الدين بن القصيرانى [٢] ، وتوجه إلى حلب بعد أن سأل [٣] واستعفى من الوظيفة، ثم لما عزل سعى فى الاستمرار فلم يجب.
ذكر عزل الأمير [٨٥] سيف الدين بلبان طرناه
نائب السلطنة بالمملكة الصفدية، والقبض عليه، وتفويض النيابة للأمير سيف الدين بلبان البدرى.
وفى شوال من هذه السنة تكررت مطالعات الأمير سيف الدين طرناه نائب السلطنة بالمملكة الصفدية يسأل الإقالة، ثم أنهى عنه أنه قال والله لئن لم يقلنى السلطان من النيابة بصفد حلقت رأسى ولحيتى وتركت الإمارة. وكان سبب ذلك أن المملكة رجع أكثرها إلى دمشق عند الرّوك، وصارت مراسيم السلطنة بدمشق والمشد ترد إلى صفد، فضاق من ذلك. ضيقا كثيرا واستعفى، فبرز المرسوم بعزله، وأن يتوجّه إلى دمشق من جملة الأمراء على إقطاع الأمير سيف الدين بلبان البدرى، وأن يتوجّه البدرى إلى نيابة السلطنة بصفد، فتوجّه إلى دمشق، وكان وصوله فى يوم الخميس حادى عشرين ذى القعدة، فقبض عليه حال وصوله واعتقل، ثم نقل إلى قلعة الجبل فاعتقل بها، وتوجه الأمير سيف الدين بلبان البدرى من دمشق إلى صفد فى يوم الجمعة ثانى عشرين ذى القعدة.
وفى يوم الجمعة سلخ ذى القعدة ثار بالقاهرة رجل اسمه على بن السابق، من سكان الحسينية، [٤] فركب فرسا، وجرّد سيفا، وشقّ المدينة [٥] وصار يضرب بالسيف من يظفر به من اليهود والنصارى، فجرح ثلاثة، منهم من قطع يده، ومنهم من ضربه فى وجهه، ثم قبض عليه خارج باب [٦] زويلة مما يلى جهة القلعة، وسئل عن سبب فعله فقال قمت لأنصر دين الله وأقتل أهل الذمة فأمر السلطان بقتله؟
فضربت عنقه.
стр. 12717
وفى يوم الجمعة تاسع عشرين شهر رجب قتل بدمشق موسى بن سمعان النصرانى الكركى، كاتب الأمير سيف الدين قطلوبك الجاشنكير لتجرئه على رسول الله- ﷺ ، وكان قد استمال رجلا من ضعفة العقول والقلوب من المسلمين ونصّره وكواه على يده مثال صليب، فحكم قاضى القضاة جمال الدين المالكى بقتله فقتل.
وفى ذى الحجة من هذه السنة تسحّب جماعة من الجند البطالين إلى بلاد الغرب، لم نحرر عدّتهم.
وفيه منها جردت العساكر إلى ملطية، وكان من فتحها ما نذكره إن شاء الله تعالى فى سنة خمس عشرة وسبعمائة.
وفى هذه السنة فى ليلة الثلاثاء سادس عشر صفر توفى الشيخ الصالح شرف الدين أبو الهدى أحمد ابن الشيخ الإمام قطب الدين أبى بكر محمد بن أحمد بن على بن محمد بن الحسن بن القسطلانى [١] المالكى وكانت وفاته بزاويته [٢] بالكؤكؤة من القاهرة، ودفن من الغد بالقرافة، ومولده بمكة فى جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وستمائة- رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ الصالح المعمّر محمد حيّاك الله بسلام بن محمود بن الحسين ابن الحسن الموصلى [٣] بزاويته بسويقة [٤] الريش ظاهر القاهرة فى يوم الخميس تاسع شهر ربيع الأول ودفن بكرة نهار الجمعة بالقرافة بقرب مدفن الشيخ محمد ابن أبى حمزة، وكان من الصلحاء الأخيار المعمّرين، عمّر نحو مائة وستين سنة فإنه سئل عن مولده فذكر أنه وصل إلى القاهرة فى أوائل الدولة المعزيّة [٥] وله يومئذ خمس وثمانون سنة، وكان مع ذلك حاضر الحس جيد القوة، وله شعر حسن.
стр. 12718
وفيها توفى الأمير عماد الدين إسماعيل ابن الملك المغيث شهاب الدين عبد العزيز ابن الملك المعظم شرف الدين [٨٦] عيسى ابن الملك العادل سيف الدين أبى أحمد بن [١] أيوب وكانت وفاته [٢] بحماة [٣] فى ثامن عشر شهر ربيع الآخر، سمع الحديث من خطيب مردا [٤] وغيره، وحدّث رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير فخر الدين أقجبا الظاهرى [٥] ، أحد الأمراء بدمشق، فى ليلة الإثنين العشرين من شهر ربيع الآخر، ودفن بقاسيون، وكان رجلا جيّدا ملازما للصلوات الخمس بجامع دمشق، ثابت العدالة قديم الهجرة فى الإمرة رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين ملكتمر الناصرى [٦] المعروف بالدم الأسود أحد الأمراء بدمشق بها فى يوم السبت ثالث عشر جمادى الآخرة وكان ينسب إليه ظلم فاحش فى جهات إقطاعه.
وتوفى القاضى شرف الدين يعقوب بن مجد الدين مظفر ابن شرف الدين أحمد مزهر [٧] بحلب وهو ناظرها فى الثامن والعشرين من شعبان، ومولده فى سنة ثمان وعشرين وستمائة وتنقّل فى الأنظار الكبار فلم تبق مملكة بالشام إلا باشرها وعاد إليها، رافقته بطرابلس مدة، وكان من أرباب المروءات، إذا سئل أجاب، وإذا عوند نفر، وكان أجود ما يكون إذا باشر، وإذا عطّل عن المباشرة أكثر القول فى المباشرين والأكابر رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير سيف الدين كهرداش الزرّاف [٨] أحد الأمراء بدمشق في ليلة الإثنين سلخ شعبان- رحمه الله تعالى- حكى الشيخ شمس الدين الجزرى عنه أنه كان قد حجّ فى صحبة السلطان فى سنة ثنتى عشرة وسبعمائة، فلما
стр. 12719
وصل إلى المدينة النبويّة عاهد الله تعالى أنه لا يشرب الخمر أبدا، ولا يرتكب محرّما، وعقد التوبة، وحلف على ذلك، وغلظ اليمين. فلما عاد إلى دمشق لم يلبث أن نقض التوبة حال وصوله، وفعل ما حلف أنه لا يفعله، فأصابه فالج وبطل نصفه، وعولج بالأدوية فلم ينجح، ومات ولم يصح. قال وربما كان ركب فى بعض الأحيان مع مرضه- سامحه الله تعالى وإيانا.
وتوفى القاضى صدر الدين أحمد بن القاضى مجد الدين عيسى بن الخشاب، وكيل بيت المال بالديار المصرية، وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم الإثنين تاسع شعبان رحمه الله تعالى.
وتوفى الشيخ العالم علاء الدين أبو الحسن على بن محمد خطاب الباجى [١] الشافعى بالقاهرة فى يوم الأربعاء سادس ذى القعدة، ودفن من يومه بالقرافة، وكان رجلا عالما فاضلا يرجع الناس إلى فتاويه، ويعتمدون على نقله رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى سعد الدين محمد بن فخر الدين عبد المجيد ابن صفى الدين عبد الله الأقفهسى [٢] ناظر الخزانة فجاءة فى ليلة الجمعة ثامن عشرين ذى الحجة بعد أن باشر بقلعة الجبل وظيفته إلى آخر نهار الخميس ونزل إلى بيته. فمات رحمه الله تعالى. ونقل الصاحب ضياء الدين النشائى من نظر الدواوين إلى نظر الخزانة فى يوم السبت سلخ ذى الحجة.
واستهلت سنة خمس عشرة وسبعمائة. ذكر إرسال العسكر إلى ملطيّة صحبة الأمير سيف الدين تنكر وفتحها
كان السلطان فى ذى الحجة سنة أربع عشرة قد أمر بتجريد جماعة من الجيوش المنصورة المصرية وهم، الأمير سيف الدين بكتمر الأبو بكرى، والأمير سيف الدين قلىّ، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، والأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى، والأمير ركن الدين بيبرس الحاجب الناصرى، والأمير سيف
стр. 12720
الدين أركتمر الجمدار، ومضافيهم، وكتب إلى الشام أن يتوجّه الأمير سيف الدين تنكز بعساكر الشام، ويتقدم على سائر الجيوش، فندب الجيوش الشامية وأمرهم بالخروج، فتوجهت ميسرة العسكر الشامى فى السابع والعشرين من ذى الحجة، والميمنة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين، ووصل العسكر المصرى [٨٧] فى يوم السبت التاسع والعشرين من الشهر إلى دمشق، وتوجه الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام فى يوم الإثنين مستهل محرم من هذه السنة ببقية العسكر، واستصحب معه قاضى القضاة نجم الدين صصرى، وشرف الدين بن فضل الله، وجماعة من الموقعين، وجردت العساكر الصفدية والطرابلسية والحمصية، وصاحب حماة وعسكرها، وركب الأمير سيف الدين تنكز بالكوسات والعصائب على عادة الملوك، ووصل إلى حلب فى يوم الجمعة ثانى عشر محرم، وترجّل فى خدمته الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة فمن دونه من سائر النواب والأمراء مقدمى الجيوش وغيرهم، ورحل منها فى يوم السبت ثالث عشر، فلما وصل عينتاب [١] أقام قاضى القضاة نجم الدين بها، وتوجّهت العساكر إلى ملطية فى بكرة الأحد الحادى والعشرين من المحرم، وتقدمهم الجاليش [٢] وهو الأمير سيف الدين أركتمر ومن معه، وحاصر ملطية، فتحصن أهلها وضايقها ثلاثة أيام. فلما وصلت العساكر صحبة الأمير سيف الدين تنكز خرج متولىّ [٣] ملطية وقاضيها وسألوا الأمان فأمنوا وفى خلال ذلك فتح الأمير سيف الدين أركتمر [٤] البلد مما يليه عنوة فسير إليه الأمير سيف الدين تنكز يأمره بكف أصحابه عن النّهب، وقال إن البلد قد فتح بالأمان.
فأجاب إننى فتحته بالسيف وحاصرته ثلاثة أيام، وقاتلنى أهله قبل وصول العسكر، ومكّن من معه من الدخول والنّهب، ومنعهم من الازدحام على الباب، فكان يمكنهم من الدخول مرة بعد أخرى حتى دخلوا البلد، فنهبوا وقتل خلق كثير من الأرمن والنصارى، وأسروا خلقا كثيرا منهم حتى تعدّى ذلك
стр. 12721
إلى جماعة من المسلمين، واختفى أكثر الأرمن بالمقابر، وخرّب قطعة من البلد، ورمى النار فيه، ورجع الجيش عنها فى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من المحرم إلى عينتاب، ثم إلى مرج دابق.
ولما فتحت ملطية جهّز الأمير سيف الدين قجليس السلاح دار إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد بالبشارة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس الثالث من صفر، وذكر أنه وجد بملطية عند الاستيلاء عليها تسعة عشر ألف نول ينسج الصوف، ونقل أهلها إلى حلب، ولما عادت العساكر عن ملطية نزل بها نائب السلطنة الأمير بدر الدين موسى الأزكشى فى طائفة من العسكر، وبعد توجّه العسكر منها بثلاثة أيام ظهر من كان قد اختفى بها من الأرمن وغيرهم، فوصل إليها أهل كختا [١] وكركر [٢] فأحاطوا بها وقتلوا ثلاثمائة من الأرمن، وأسروا مائة أسير وغنموا جملة كثيرة من الأقمشة والأمتعة، ونقلوا جملة من الغلال والحبوب وجهّز إلى الأبواب السلطانية نائب ملطية وهو بدر الدين ميزامير بن الأمير نور الدين وولده وصهره فى نحو ثلاثين نفرا، فوصلوا فى [٣] صفر ثم وصل قاضى ملطية وحريم نائبها وجماعة منهم فى نحو مائة وخمسين نفرا إلى دمشق فى نصف صفر، ورسم لقاضيها بالإقامة بدمشق، وأحسن السلطان إلى نائب ملطية وولده وصهره، وجعل لكل منهم إقطاعات وعدّة، واستمرت الجيوش مقيمة ببلاد حلب إلى شهر ربيع الأول، فرحلت يوم الخميس ثامن الشهر، ووصل نائب السلطنة إلى دمشق فى يوم الجمعة سادس عشر ربيع الأول، ثم وصلت بقية العساكر إلى الديار المصرية، ودخلوا القاهرة فى يوم الثلاثاء خامس شهر ربيع الآخر، وشملهم السلطان بالإنعام والتشريف.
стр. 12722
وأما ملطية فإنه بعد أن عادت العساكر منها
وصل إليها جوبان نآئب خربندا ملك التتار، وكان خربندا قد أعطاها له فآمن من بقى بها من المسلمين، وسدّ ستّة من أبوابها، وترك بابا واحد، وجرّد بها ألفى فارس يحمونها، وأمرهم بعمارة ما خرب منها.
وفيها بعد عود العسكر من ملطية أغارت طائفة من العسكر الحلبى على بلادسيس [١] مرّة بعد أخرى، وغنموا وقتلوا وسبوا.
ذكر القبض على من يذكر [٨٨] من الأمراء بالديار بالمصرية
وفى يوم الخميس مستهل شهر ربيع الأول أمر السلطان بالقبض على الأميرين سيف الدين بكتمر الحسامى أمير حاجب، وعلاء الدين أيدغدى شقير الحسامى وهما من أمراء المائة مقدمى الألوف، وطلب الأمير سيف الدين بكتمر بعد نزوله من الخدمة. ووصوله إلى داره وطلع إلى دار النيابة فقبض عليه بين يدى نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن، وقبض على أيدغدى شقير بداره بالقلعة واعتقلا، فأما أيدغدى شقير فكان آخر العهد به، واستمر سيف الدين بكتمر فى الاعتقال إلى يوم الخميس ثالث عشر شوال سنة ست عشرة وسبعمائة فأفرج عنه على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفى يوم السبت العاشر من الشهر المذكور
قبض أيضا على الأمير سيف الدين بهادر الحسامى المعروف بالمعزى [٢] وهو أيضا من أمراء المائة، واعتقل بها وإنما أخّر عمن قبض عليه قبله لأنه كان قد توجّه لكشف الصعيد الأعلى، وحفر ترعه وإتقان جسوره، فوصل إلى مدينة إسنا من الأعمال القوصية، فلما عاد ومثل بين يدى السلطان
стр. 12723
وأنهى ما اعتمده وخرج من بين يدى السلطان وقبض عليه واعتقل، وكان السبب فى القبض عليهم أن السلطان كان قبل ذلك بأيام قد قبض على سيف الدين جاولجين الخازن أحد المماليك الخاصكية لأمر أنكره منه وعذّبه عذابا شديدا فأقر على هؤلاء وغيرهم، فلما أيس من [١] الحياة أبرأ الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، وقال للسلطان إنما ذكرته من ألم الضرب والعقوبة، وهو برىء مما قلته، فلا ألقى الله تعالى بذنبه، وأما من عداه ممن ذكرته فلم أقل عنهم إلا الحق، ومات رحمه الله تعالى، وتكلم على الأمير [٢] سيف الدين طغاى فى جملة من تكلم عليه، فأثر كلامه فيه بعد ذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى وأراد السلطان الإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب إثر القبض عليه فلم تقتض سياسة السلطنة ذلك، لكنه كان موسّعا عليه فى اعتقاله ورتب له فى كل يوم من اللحم خمسة وأربعون رطلا يطبخ له من أفخر الأطعمة ودجاج وحلوى وأقسماء [٣] وفاكهة وغير ذلك، ووهبه السلطان نجارية جميلة من جواريه فى معتقله، فاحتملت منه وولدت له ولده محمدا ولم يمنع [٤] فى معتقله غير ركوب الخيل والاجتماع بالناس، وأخبرنى أنه كان يكاتب السلطان فى اعتقاله ويرد عليه الجواب بالخير.
ذكر القبض على الأميرين سيف الدين تمر الساقى [٥]
نائب السلطنة الطرابلسية، وسيف الدين بهادر آص [٦] أحد الأمراء بدمشق وتفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية للأمير سيف الدين كستاى [٧] .
стр. 12724
وفى العشر الأوسط من شهر ربيع الآخر جهّز السلطان الأمير سيف الدين قجليس السلاح دار على خيل البريد، فوصل إلى دمشق فى يوم الخميس رابع عشر الشهر، وتوجّه إلى طرابلس، وكان الأمير سيف الدين تمر النائب بها قد خرج إلى الصيد، فوصل إليه وهو بمخيمه وكان قد أرسل إلى الأمير شهاب الدين قرطاى النائب بحمص أن يوافيه بعسكر حمص فى وقت السّحر إلى منزلة تمر الساقى. فلما وصل الأمير سيف الدين قجليس إليه أظهر أنه حضر لكشف القلاع، وشكا من التعب [٨٩] فأنزله فى خيمة وأرسل إليه بعض مماليكه ليخدموه، وأمرهم أن يحفظوا ما يقول، وكان قد خشى من حضوره، وأدرك قجليس ذلك، فشرع يسأل المماليك عن القلاع والحصون ونوابها، وما يحصل له من جهتهم، لا يزيدهم على هذا فتوجهوا إلى مخدومهم وأعلموه بمقاله، فما شكّ فى ذلك، وطابت نفسه، واطمأن ونام. بخيمته، فما طلع الفجر إلا والأمير شهاب الدين قرطاى النائب بحمص والعسكر قد وافاه بالمنزلة، وأحاطوا بخيمته فقبضوا عليه، ورجع به الأمير سيف الدين قجليس إلى الأبواب السلطانية، فوصل إلى دمشق عائدا فى بكرة الإثنين ثامن عشر الشهر، وقبض على الأمير سيف الدين بهادر آص فى هذا اليوم، واعتقل بالكرك، وتمر الساقى بقلعة الجبل، وفوّض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية إلى الأمير سيف الدين كستاى أمير سلاح، فاستعفى من النيابة، فلم يعف، فتوجه على كره منه، ووصل إلى دمشق فى ثانى عشر جمادى الأولى يطلبه، وتوجّه إلى طرابلس.
وفى مستهل شهر ربيع الآخر رسم السلطان بالإفراج
عن الأمير سيف الدين قجماز بتخاص، وفخر الدين داود، وحسام الدين جيا أخوىّ سلّار وأنعم على الأمير سيف الدين قجماز. بتخاص ذلك بإمرة طبلخاناه.
وفى يوم الأربعاء تاسع عشر جمادى الأولى وصلت رسل صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود بالتقادم والتحف والهدايا والخيول وغير ذلك، فقبلت هديته، وأنعم على رسله وعليه، وكتب جوابه وجهز رسوله بما جرت العادة به من الإنعام والهديا، والله أعلم.
стр. 12725
ذكر وصول السيد الشريف أسد الدين رميثة إلى الأبواب السلطانية وتجريد العسكر معه إلى الحجاز الشريف
وفى [١] هذه السنة فى ثالث جمادى الآخرة- وصل الأمير السيد الشريف أسد الدين أبو عرادة رميثة بن أبى نمى من الحجاز الشريف إلى الأبواب السلطانية، وأظهر التوبة والتنصل والاعتذار من سالف ذنوبه، وأنهى أنه استأنف الطاعة وسأل العفو عنه، وإنجاده على أخيه عز الدين حميضة، فقبل السلطان عذره وعفا عن ذنبه وجرد طائفة من العسكر مقدمهم الأمير سيف الدين دمرخان ابن قرمان [٢] ، والأمير سيف الدين طيدمر الجمدار، فتوجها هما والأمير أسد الدين رميثة إلى الحجاز الشريف فى ثانى شعبان، ورحلوا من بركة الجبّ فى رابعه، فلما وصلوا إلى مكة- شرّفها الله تعالى- فارقها حميضة، فقصدوه وكبسوا أصحابه وهم على غرة فقتلوا منهم ونهبوا، وفر هو فى نفريسير من أصحابه إلى العراق، والتحق بخربندا ملك التتار واستنصر به، فمات خربندا قبل إعانته.
ذكر الإفراج عن الأمير جمال الدين آقش الأفرمى
وفى يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر رجب رسم السلطان بالإفراج عن الأمير جمال الدين آقش الأشرفى المنصورى فأفرج عنه، وخلع عليه على عادة نواب السلطنة تشريفا أطلس أحمر معدنيا بطرززركش، وقباء أطلس أصفر وشاش رقم وكلوتة زركش، وحياصة ذهبا، ونزل إلى داره بالقاهرة واتفقت وفاة الأمير حسام الدين قرالاجين المنصورى أستاذ الدار فى يوم الثلاثاء الثانى عشر من شعبان، فأنعم السلطان عليه بإقطاعه، ووفّرت وظيفة أستاذ الدارية بعد وفاة قرا لاجين، وقام بالوظيفة الأمير سيف الدين [٩٠] بكتمر أحد نواب أستاذ الدارية، ونقصت هذه الرتبة عما كانت عليه بعد أن كانت عظمت إلى الغاية التى تقدم ذكرها.
стр. 12726
وفى أول شعبان من هذه السنة توجّهت
طائفة من العسكر الحلبى، والأمير ناصر الدين العين تابى [١] عليهم إلى حصار قلعة أرفقين وهى قلعة من أعمال آمد، فتسلموها من غير قتال، وقتل أخو مندو [٢] وقطع رأسه وعلق على باب القلعة، وكان الغرض من هذه الإغارة القبض على مندو فلم يوجد هناك، وأغار العسكر على عدة ضياع للأكراد والأرض، ويقال إن الخمس بلغ خمسة الآف رأس غنم وخمسا وعشرين جارية.
وفيها فى شعبان وصل إلى الإسطبلات السلطانية مهرة تعرف ببنت الكركا [٣] كان السلطان قد طلبها من العرب، وبذل فى ثمنها مائتى ألف وسبعين درهم وضيعة من بلاد حماه قيل إنها تقّومت على السلطان بستمائة ألف درهم،
وفى هذه السنة فى ثالث شوال ضربت عنق
رجل بدمشق اسمه أحمد الرّويس الأقباعى، وسبب ذلك أنه شهد عليه فى شهر رمضان بارتكاب أمور من العظائم من ترك الواجبات، واستحلال المحرمات، والتهاون بالشريعة والغض من منصب النبوة، وثبت ذلك على قاضى القضاة المالكى، وأعذر إليه فلم يأت يدافع، عن نفسه فحكم بهدر دمه فقتل [٤] .
وفيها فى ثالث شعبان توجّه السلطان إلى الصيد بجهة الصعيد، ووقعت النار فى غيبته فى سابع شهر رمضان فى البرج المنصورى، وطباق السلحدارية بقلعة الجبل، واستمرت طول الليل، ثم أطفئت.
وفيها فى العشر الآخر من شهر رمضان عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك فتوجه رسل السلطان إليه وهم الأمير سيف الدين أرج، وحسام
стр. 12727
الدين حسين بن صارو، وصحبتهم رسل الملك أزبك فتوجّه رسل السلطان إليه إلى الصعيد، ومثلوا بين يديه، وأعاد [١] السلطان إلى قلعة الجبل بعد أن قضى من الصيد وطرا، وكان وصوله فى ثامن عشرين شوّال، واستحضر رسل الملك أزبك، ورسل الاشكرىّ، ورسل صاحب ماردين، وصاحب ماردين، وسمع رسائلهم وأعادهم وسيّر إلى الملك أزبك من جهته الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى، وحسين ابن صارو، وأرسل صحبتهما الهدايا والتحف.
وفى ذى القعدة وردت الأخبار إلى الأبواب السلطانية أن طائفة من العسكر الحلبى توجّهوا وفتحوا قلعة بقرب ملطية تسمى درنده [٢] ، وكان فيها نحو ألف رجل من الأرمن، فقتلوا بجملتهم، وأخربت القلعة وغنم المسلمون ما فيها من الأموال، وسبوا النساء والصبيان.
وفى أواخر ذى القعدة أغار سليمان بن مهنا بن عيسى وجماعته من العرب والتتار تزيد عدتهم على ألف فارس على جماعة من التركمان والقريتين [٣] وذلك بغير رضا من أبيه.
وفى ثامن ذى الحجة ولد لمولانا السلطان الملك الناصر- أعز الله أنصاره- ولد مبارك لم يعلم اسمه، وزفت البشائر لمولده والله أعلم.
ذكر ما أمر السلطان بإبطاله من المكوس والمظالم وما أسقطه من أرباب الوظائف
وفى شعبان سنة خمس عشرة وسبعمائة ندب السلطان أعيان الأمراء لقياس الديار [٤] المصرية وجهز إلى كل عمل أميرا من المقدمين ولبعض الأعمال أمراء
стр. 12728
ورسم أن لا يستخرج على هذا القياس أجرة من الفلاحين ولا غيرهم [١] ورسم لسائر الأمراء أن يكون عودهم إلى قلعة الجبل بعد ما توجهوا بسببه فى نصف شوال [٩١] وتوجه مع كل أمير [٢] مستوف من مستوفيّى [٢] الدولة وتوجه السلطان إلى الصعيد الأعلى ورتب الأمراء والكتاب فى أعمال الوجه القبلى فى مسيرة وأظهر الاحتفال بذلك والاهتمام به فانتهت مساحة الديار المصرية أجمع وتحرير نواحيها فى نحو أربعين يوما فإن الشروع فى ذلك حصل فى مستهل شهر رمضان والعود إلى أبواب السلطان والوصول إلى قلعة الجبل فى نصف شوال وأعان على سرعة ذلك تقسيم البلاد شققا، ولما تكامل هذا الكشف أمر السلطان القاضى فخر الدين ناظر الجيوش ومن عنده من المباشرين ونظار النظار والمستوفين بالانتصاب لتحرير ذلك ورتبه على ما اقتضاه رأيه الشريف وهم بين يديه فانتهى العمل وكتابة الأمثلة فى ذى الحجة من السنة فعند ذلك جلس السلطان لتفرقة الأمثلة بين يديه وجعل لكل أمير بلادا معينة وأضاف إليه جميع ما فى بلاده من الجيوش السلطانية والجوالى [٣] وغير ذلك فصارت البلاد لمقطعيها دربستا [٤] وكذلك جهات الحلقة وأفرد لخاصّيه بلادا ولحاشيته بلادا مقررة مرصدة لجامكياتهم، ولجامكيات نظار الدولة ومباشرى [٥] الباب جهات مقررة لهم وكذلك أرباب الرواتب وجعلت سائر المعاملات بمصر والقاهرة فى جملة الخاصة وكان هذا برأى تقى [٦] الدين ناظر النظار المعروف بكاتب برلغى وترتيبه فأخرج عن الخاص الجوالى التى ما زال الملوك يجعلونها مرصدة لمأكلهم لتحقق حلها، وجعلها فى الأقطاع وأرصد لراتب السماط السلطانى ونفقات البيوتات ودار
стр. 12729
الطراز ومشترى الخزانة جهات المكس التى ما زال الملوك يحذرونها وأكثر المقطعين يتنزهون عنها ويستعفون من أخذها والذى تحققته من أمره وغرضه فى هذا الترتيب أنه من مسالمة القبط ممن أكره على الإسلام فأظهره وجرت عليه أحكامه وكان ميله ورغبته واحتفاله بالنصارى، فأراد تخفيف الجالية عنهم فجعلها فى جملة الأقطاع فانتقل كثير من النصارى من بلد إلى آخر فتعذر على مقطع بلده الذى انتقل منه طلبه من البلد الذى انتقل إليه وإذا طالبه مباشرو البلد الذى انتقل إليها اعتذر أنه ليس من أهل بلدهم وأنه ناقله إليه فضاعت الجوالى بسبب ذلك واحتاج مقطعو كل جهة إلى مصالحة من بها من النصارى النوافل على بعض الجوالى فأخبرنى بعض العدول الثقات شهود دواوين الأمراء أنهم يستأدون [١] من النصرانى [٢] أربعة دراهم ونحوها، وكانت قبل ذلك ستة وخمسين درهما ولما كانت الجوالى جارية فى الخاص السلطانى كانت [٣] الحشار تسافر إلى سائر البلاد ويستأدونها منسوبة إلى جهاتها، وإذا وجد نصرانى فى ثغر دمياط وهو من أهل أسوان أو من أهل حلب أو عكس ذلك أخذت منه الجزية فى البلد الذى يوجد به، ويكتب المباشرون بها له وصلا فيعتد له ببلده ويأخذ [٤] من كل بلدة منسوبة إلى جهتها، فانفرط ذلك النظام، وهى الآن على تقريره، ولعمرى لو ملك هذا التقى المسلمانى البلاد وعليه جريان اسم الإسلام ما تمكن أن يحسن إلى النصارى، ويخفف عنهم بأكثر من هذا.
وأبطل السلطان فى هذه السنة عند عدم الروك جملة عظيمة من الأموال المنسوبة إلى المكوس [٥] والمظالم، منها سواحل الغلال وكان يتحصل منها بساحلى مصر والقاهرة نحو أربعة آلاف درهم نقرة وأبطل نصف السمسرة [٦] ورسوم
стр. 12730
الولاية [١] ونوابهم والمقدمين وتقرير الحوايص [٢] والنعال وحق السجون [٣] وطرح الفراريج [٤] ، ومقرر الفرسان [٥] ورسوم الأفراح [٦] ، وثمن العبى [٧] التى كانت تستأدى من البلاد، ومقرر الأتبان [٨] التى كانت تؤخذ لمعاصر الأقصاب بغير ثمن وحماية المراكب [٩] وزكاة الرجالة بالديار المصرية، وغير ذلك من المظالم سطر الله هذه الحسنات فى صحيفته ورسم بالمسامحة بالبواقى الديوانية والإقطاعية إلى آخر مغل سنة أربع عشرة وسبعمائة، ورسم بإسقاط وظيفتى النظر والاستيفاء من سائر أعمال الديار المصرية، ورسم أن يستخدم فى كل بلد من بلاد الخاص شاهد وعامل، ورتب بالقاهرة ناظر الجهات الهلالية ولمصر ناظرا، ثم استخدم فى بعض الأعمال النظار، وجعل هذا الروك الهلالى لاستقبال صفر
стр. 12731
سنة ست عشرة وسبعمائة والخراجى لاستقبال [١] مغل سنة خمس عشرة وسبعمائة ورسم بإسقاط متوفر الجراريف [٢] السلطانية، وأن يرصد جميعها لعمل الجسور، وكان يتوفر منها [٩٢] بعد عمل الجسور أموال جليلة كثيرة.
وفى سنة خمس عشرة وسبعمائة توفى الشيخ العالم
القاضى شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبى القاسم بن عبد السلام بن جميل العونسى [٣] المالكى بالقاهرة، فى ليلة الإثنين الحادى والعشرين من صفر، ودفن بالقرافة، ومولده فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، وكان قد ولى قضاء الاسكندرية، وكان قبل ذلك ينوب عن الحكم بالحسينية عن قاضى القضاة زين الدين المالكى، وهو أول من درس من المالكية بالمدرسة المنكوتمرية [٤] بالقاهرة، وكان من علماء مذهبه ومن الفضلاء المشهورين رحمه الله تعالى وإيانا.
وتوفى الصدر الرئيس شرف الدين أبو عبد الله
محمد ابن العدل الرئيس جمال الدين أبى الفضل محمد ابن أبى الفتح نصر الله ابن المظفرى أسعد بن حمزة بن أسعد بن على بن محمد التميمى الدمشقى بن القلانسى [٥] ، وكانت وفاته بداره بدمشق، فى ليلة السبت الثانى عشر من صفر، ودفن من الغد بقاسيون بمقبرة بنى صصرى، ومولده بدمشق فى السابع والعشرين من شعبان سنة ست وأربعين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى من أكابر أعيان دمشق، رافقته مدة تزيد على سنتين ونصف فى ديوان الخاص الناصرى بدمشق، وكان حسن العشرة والرفقة، كثير الاحتمال والإغضاء والحياء والسكون، ولما انفصلت عن المباشرة، وعدت إلى الديار المصرية.
ما زالت كتبه ترد تدل على استمرار مودته، وجميل تعهده، وتصل إلى هداياه، وهو ممن سعد فى أولاده، فإنهم من نجباء الأبناء ورؤساء الشام أبقاهم الله تعالى ورحم والدهم.
стр. 12732
وتوفى الشيخ العالم صفى الدين محمد
ابن عبد الرحيم بن محمد الأرموى، المعروف بالهندى الشافعى، بمنزله بالمدرسة الظاهرية بدمشق فى ليلة الثلاثاء ثالث [١] عشرين صفر، ودفن من الغد بمقابر الصوفية، ومولده فى ليلة الجمعة ثالث شهر ربيع الآخر سنة أربع وأربعين وستمائة وكان رجلا فاضلا، وله تصانيف مفيدة فى الأصول، ﵀. تعالى.
وتوفى الأمير عز الدين الحسين بن عمرو بن محمد بن صبرة بطرابلس، وكان قد نقل إليها من دمشق، وكانت وفاته فى يوم الإثنين تاسع عشر شهر رجب، وكان قبل ذلك ولى حجبة الشام مدة، وكان حسن العشرة كثير البسط ﵀ وتوفى الأمير بدر الدين موسى ابن الأمير سيف الدين أبى بكر محمد الأزكشى، بداره بميدان الحصى ظاهر دمشق، فى يوم الجمعة ثامن شعبان، ودفن عند القبيبات، وكان أميرا شهما شجاعا مقداماء أظهر فى مصاف مرج الصفر عن شهامة وفروسية وإقدام، وكان يومئذ من مقدمى الحلقة المنصورة الشامية فلما شاهد السلطان فعله أمّره بطبلخاناه، وولاه نيابة قلعة الرحبة رحمه الله تعالى [٢] .
وتوفى قاضى القضاة تقى الدين أبو الفضل
سليمان بن حمزة بن أحمد بن عمر بن الشيخ أبى عمر محمد بن أحمد بن قدامة [٣] المقدسى قاضى الحنابلة بدمشق فى ليلة الإثنين الحادى والعشرين من ذى القعدة بعد صلاة المغرب بمنزله بقاسيون، ودفن بكرة الإثنين بتربة جده، ومولده فى نصف شهر رجب سنة ثمان وعشرين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى حسن الأخلاق، غزير الفضيلة، سمع الحديث وأسمعه.
стр. 12733
واستهلت سنة [٩٣] ست عشرة وسبعمائة بيوم الجمعة
فى هذه السنة فى يوم السبت الثالث والعشرين من المحرم الموافق للثانى والعشرين من برمودة من شهور القبط بعد العصر سمع بالقاهرة هدّة عظيمة تشبه الصاعقة ورعد وبرق، ووقع مطر كثير وبرد على قلعة الجبل والقاهرة وضواحيها ولم يكن مثل ذلك بمصر، وقع مطر كثير بمدينة بلبيس حتى خرّب كثيرا من البنيان بها، وكان ذلك كلّه فى مضىّ ساعة ونصف ساعة.
وفى هذه السنة فوّض قضاة القضاء الحنابلة
بدمشق إلى شمس الدين أبى عبد الله محمد ابن الشيخ الصالح محمد بن مسلم بن مالك ابن مزروع [١] الحنبلى أعاد الله من بركته ووصل إليه بتقليد القضاء من الأبواب السلطانية فى يوم السبت ثامن صفر، وقرئ بجامع دمشق بحضور القضاة والأعيان، وخرج القاضى شمس الدين المذكور من الجامع ماشيا إلى دار السعادة، فسلم على نائب السلطنة ثم نزع الخلعة السلطانية وتوجّه إلى جبل الصالحية، وجلس للحكم فى سابع عشر صفر وما غير هيئته ولا عادته فى مشيه وحمل حاجته، ويجلس للحكم على مئزر غير مبسوط، بل يضعه [٢] بيده ويجلس عليه، ويكتب فى محبرة زجاج، ويحمل نعله بيده فيضعه على مكان، وإذا قام من مجلس الحكم حمله بيده أيضا حتى يصل إلى آخر الإيوان فيلقيه ويلبسه، هكذا أخبرنى من أثق بأخباره، واستمر على ذلك، وهذه عادة السلف.
ذكر حادثة السيول والأمطار [٣] ببلاد الشام وما أثر [٤] ما وقع من العجائب التى لم تعهد
وفى هذه السنة فى أوائل صفر وقع بالشام مطر عظيم على جبال قارا [٥] وبعلبك، وعلى مدينة حمص والمناصفات، وامتد إلى بلاد حماه، وحلب، وسقط مع المطر برد كبار، البردة منها قدر النارنجة وأكثر منها وأصغر، ووزن بعضها بعد يومين أو ثلاثة فكان وزن البردة ثلاث أواقى [٦] بالشامى، وجرى من ذلك
стр. 12734
المطر سيل عظيم من سائر تلك الجبال، وملأ الأودية وتحامل وجاء على جوسية [١] إلى قرية الناعمة وقدس، وانصب فى بحرة حمص ففاضت منه، ومرّ السيل بقرية جسمل، وهى بالقرب من الناعمة، فاقتلعها بجميع ما فيها من الغلال والحواصل، وأهلك أهل القرية، ولم يسلم منهم إلا خمسة أنفس: ثلاثة رجال وصبى وصبيّة وكانت سلامتهم من الغرائب، وذلك أنهم وجدوا ثورا عائما فى السيل فتعلق رجلان بقرنيه، وركب الصبى والصبية على ظهره، ثم أدركه رجل ثالث فتعلق بذنبه، وحملهم الثور وهو عائم إلى أن انتهوا إلى أرض جلدة مرتفعة، فوقفوا عليها وسلموا، وحمل هذا السيل عدّة كثيرة من خركاهات [٢] التركمان، وبيوت العرب والأكراد الذين بتلك الأرض، فاحتملهم وأهلكهم، وأهلك مواشيهم، وألقاهم ببحرة حمص، وعلق خلق كثير من الغرقاء والدواب بأشجار جوسيّة لمّا مرّ بهم السيل عليها.
وأما البرد الذى سقط فإن معظمه وقع فى واد بين جبلين فملأه، وبقى كذلك مدة، وخرج إليه الولاة والقضاة من حمص وبعلبك وشاهدوه، هكذا نقل الأمير جلال الدين الصّفدى أحد الأمراء البريدية بالديار المصرية، وكان قد توجّه إلى الشام فى بعض المهمات السلطانية، وهو ثقة فيما ينقله.
وأخبرنى الأمير العدل علاء الدين أيدغدى الشهرزورى [٩٤] أستاذ دار الأمير شمس الدين قراسنقر المصرى- وهو عدل ثقة فى أجناده- أن كتاب والده شهاب الدين أحمد وصل إليه من حلب أنه وقع إليه فى التاريخ المذكور مطر عظيم على مدينة غرار، وهو المطر الذى تقدم ذكره، وأنه سقط مع المطر سمك كبار وصغار، وجمع منه شىء كثير وأكل، وأن المطر الذى وقع فى التاريخ على بلد [٣] سرمين [٤] وحارم سقط فيه ضفادع فيها [٥] الرّوح باقية، وأنه شاهد ذلك.
стр. 12735
ذكر تفويض إمرة العرب بالشام للأمير شجاع الدين فضل
وانفصال الأمير حسام الدين مهنّا، ودخوله إلى بلاد التتار، وعوده وإعادة الإمرة إليه.
وفى شهر ربيع الآخر سنة ست عشرة وسبعمائة فوض السلطان الملك الناصر إمرة العرب بالشام للأمير شجاع الدين فضل ابن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنّا، وخلع عليه تشريفا أطلس معدنيا [١] بطرد [٢] وحش، على عادة أخيه مهنا، وأقطعه خبز مهنّا، وعاد إلى الشام، وكان وصوله إلى دمشق فى يوم الثلاثاء تاسع عشر شهر ربيع الآخر، وأقام بدمشق إلى يوم الخميس غرة جمادى الأولى، وتوجّه إلى بلاده.
وسبب ذلك أن الأمير حسام الدين مهنّا كان قد امتنع من الحضور إلى الأبواب السلطانية منذ أعان الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى ووافقه كما تقدم، وعلم أنه أسلف ذنبا كبيرا، وجرما عظيما لا يتجاوز الملوك عن مثله، فخاف على نفسه إن هو حضر أن يقابل على ذلك بالقتل وإن شمله الإحسان فالاعتقال، واجتهد السلطان فى ملاطفته، والإحسان إليه وتأمينه، وزيادة فى الإقطاعات، وشموله بالإنعام، ووسّع على أولاده وأهله وألزامه فى الإنعامات والإطلاقات والزيادات، وفعل فى ذلك ما لم يفعله ملك قبله مع أمثالهم، وراسله مرارا فلم يزدد إلا تماديا على إصراره، فلما آيس منه جعل الإمرة لأخيه الأمير شجاع الدين هذا، وتوجّه الأمير حسام الدين مهنّا إلى العراق، وتلقّى من جهة التتار وأكرم غاية الإكرام ببغداد، ثم توجه إلى الأردو [٣] واجتمع بالملك خربندا فأكرمه وأحسن إليه وأقطعه، وخيّره فى المقام ببلاده أو العود، فاختار العود إلى الشام لإصلاح ذات البين، وعاد واجتاز الفرات فى شهر رمضان،
стр. 12736
ونزل بالقرب من أخيه فضل، ووصل أخوه الأمير شمس الدين محمد بن عيسى إلى الأبواب السلطانية فى سنة سبع عشرة، وأخبره بمراجعة الأمير حسام الدين أخيه الطاعة، فأنعم عليه بجملة عظيمة من الأموال، وكذلك على أخيه الأمير حسام الدين مهنّا، وكتب تقليده بالإمرة على عادته، وجهّز إليه وقرينه [١] الخلع، وذلك فى أوائل شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة وسبعمائة.
وفى يوم الإثنين السادس والعشرين من جمادى الأولى سنة ست عشرة- ولى قاضى القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى مشيخة الشيوخ بدمشق، وجلس بالخانقاه السميساطية، وقرئ تقليده، وكانت ولايته بسؤال الصوفية لذلك، وذلك بعد وفاة شيخ الشيوخ السيد الشريف شهاب الدين أبى القاسم محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله الكاشغرىّ، وكانت وفاته فى يوم الإثنين تاسع عشر الشهر المذكور- رحمه الله تعالى [٢] .
ذكر وفاة الأمير سيف الدين كستاى [٣]
نائب السلطنة بالفتوحات، وتفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية وحمص والكرك لمن يذكر.
كانت وفاة الأمير سيف الدين كستاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية فى ليلة الأربعاء تاسع عشرين جمادى الآخرة بطرابلس، ودفن بها، وكانت مدّة مرضه نحو عشرين يوما، وكان قبل ذلك قد توجّه من طرابلس [٩٥] لكشف المملكة الطرابلسية وما هو مضاف إليها من الحصون، وأظهر النّزاهة عن قبول تقادم النواب، فكان من قدّم له شيئا من الخيل والقماش عرضه وأمر بكتابته، وأعاده على من قدّمه، ولما سمع نوّاب الحصون بذلك أكثروا فى التقادم، وأرادوا بذلك التجمل عنده، وعلموا أن ذلك يعود إليهم، وكان من عزم على تقدمة شىء ضاعفه، واستعار بعضهم من بعض، ولم يزل الأمر على ذلك إلى أن وصل إلى ثغر لاذقية، وهو آخر العمل، فقدم له الأمير بدر الدين بكتوت
стр. 12737
التاجى مقدم العسكر بالثغر تقدمة جليلة من الأقمشة والبخاتى وغير ذلك، وتجمل وظن أن ذلك يعاد إليه كما أعيد على غيره، فقبل جميع ذلك وقال:
أنت خوشداشى ولا يليق أن أرد عليك، ولما عاد من لاذقية مر على واد هناك به عدة من البخاتى للأمير بدر الدين بكتوت التاجى المذكور، فانتقى ثلاثين بختيا من خيارها، وأرسل إليه يقول: إننى مررت على جمالك وأخذت [١] منها خمسة قطر لضرورة التقدمة للسلطان [٢] ، فأرسل ولدك لتقرير ثمنها وقبضه. ثم كتب إلى سائر من كان قد قدم له تقدمه يطلبها بجملتها، وكان من استعار من النواب قماشا من صاحبه قد أعاده عليه، فاضطروا إلى إرسال قصادهم إلى حماه وغيرها، لابتياع عوض ما كانوا استعاروه وكملوا تقادمهم وأرسلوها إليه، وحصل لهم الضرر بذلك، ولم تطل مدته بعد ذلك ووعد الجميع فى تركته، وكانت تركه طائلة، وورثه أخواه الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وسيف الدين أولاق وزوجته، ولم يتعرض السلطان من تركته إلى شىء.
ولما مات فوض السلطان نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات للأمير شهاب الدين قرطاى الصالحى العلائى. نقله من نيابة حمص إليها، وفوض نيابة السلطنة بحمص للأمير سيف الدين أرقطاى [٣] الجمدار أحد مقدمى الألوف بدمشق، فتوجه إليها فى يوم الأحد السابع من شهر رجب، واستناب بالكرك الأمير سيف الدين طقطاى الناصرى، أحد الأمراء بدمشق، فتوجه فى شهر رجب، ونقل الأمير سيف الدين بيبغا الأشرفى من نيابة الكرك إلى الإمرة بدمشق، وجعله من أمراء المائة مقدمى الألوف بها.
ذكر تجريد العسكر إلى النوبة وملك عبد الله برشنبوا [٤] النوبة، ومقتله .
وفى شهر رجب الفرد سنة ست عشرة وسبعمائة رسم بتجريد طائفة من الأمراء إلى بلاد النوبة، وهم: الأمير عز الدين أيبك الجهاد كسى عبد الملك، وهو المقدم على العسكر، والأمير صلاح الدين طرخان ابن الأمير المرحوم بدر الدين بيسرى، والأمير علاء الدين على الساقى، والأمير سيف الدين قيران
стр. 12738
الحسامى، كل أمير منهم بنصف عدته، ورسم أن يكون سفرهم فى العشرة الآخرة من شعبان، فبرزوا من القاهرة مطلبين فى يوم الإثنين الثالث والعشرين من شعبان من السنة، وصحبتهم سيف الدين عبد الله برشنبوا النوبى، وهو ابن أخت داود ملك النوبة، وكان قد ربّى فى البيت السلطانى من جملة المماليك السلطانية، فرأى السلطان أن يقدمه فى ذلك الوقت على أهل بلاده ويملكه عليهم، واتصل خبر هذه الحادثة بالملك كرنبس [١] متملك النوبة، فأرسل ابن أخته [٢] كنز الدولة ابن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز إلى الأبواب السلطانية، وسأل شموله بالإنعام السلطانى فى توليته الملك، وقال:
إذا كان يقصد مولانا السلطان بأن يولى البلاد لمسلم، فهذا مسلم وهو ابن أختى والملك ينتقل إليه بعدى، فوصل كنز الدولة إلى الأبواب السلطانية فلم يجب إلى ما طلب، ورسم السلطان بمنعه من العود إلى بلاده، فأقام بالأبواب السلطانية، [٩٦] وتوجه العسكر وصحبته عبد الله برشنبوا، فلما وصلوا إلى دنقلة فارقها متملكها كرنبس [٣] وأخوه إبرام، وتوجها إلى جهة الأبواب، واستجار كرنبس [٣] متملكها فقبض عليه، وتركه فى جزيرة، وكتب إلى مقدم العسكر فخبره أنه قبض عليه وعلى أخيه واحترز عليها، وسأل أن يسير إليه من يتسلمهما فسير إليه جماعة من رجال الحلقة، فتسلموهما وأحضروا إلى الأبواب السلطانية تحت الاحتياط، واعتقلا، وملك عبد الله برشنبوا دنقلة، واستقر ملكه، وعاد العسكر إلى القاهرة. فكان وصوله فى جمادى الأولى سنة سبع عشرة وسبعمائة، ولما وصل متملك النوبة وأخوه إلى الأبواب السلطانية سأل كنز الدولة الإذن له فى العود إلى ثغر أسوان، وأنهى أن له بالثغر سواقى وعليه خراجا للديوان السلطانى، فرسم بعوده إلى بلده، فتوجه إلى الثغر ثم توجه منه إلى جهة دنقلة، وكان عبد الله برشنبوا لما ملك غيّر قواعد البلاد، وتعاطى نوعا من الكبر لم تجر عادة ملك النوبة بمثله، وعامل أهل البلاد بغلظة وشدة، فكرهوا ولايته. فلما قصدهم كنز الدولة ووصل إلى بلد الدو-
стр. 12739
وهى أول بلاد النوبة- استقبله أهل البلاد بالطاعة وحيوّه بتحية الملك، وهى قولهم: موشاى موشاى، وهذه [١] لفظة لا يخاطب بها غير الملك، وانضموا إليه ودخلوا تحت طاعته، فتقدم إلى دنقلة، فخرج إليه برشنبوا والتقوا، فقتل برشنبوا، وملك كنز الدولة بلاد النوبة إلا أنه لم يضع تاج الملك [٢] على رأسه رعاية لحق أخواله، وتعظيما لهم، وحفظا لحرمتهم. ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية بقتل برشنبوا فى شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة، فعند ذلك رسم السلطان بالإفراج عن إبرام أخى كرنبس وأرسله إلى النوبة، وأمره أن يحتال فى القبض على ابن أخته [٣] كنز الدولة وإرساله إلى الأبواب السلطانية، ووعده أنه إذا فعل ذلك أفرج عن أخيه كرنبس وملكه وأرسله، وتوجه إبرام إلى دنقلة فاستقبله ابن أخته كنز الدولة بالطاعة، وسلم إليه الملك، وصار فى خدمته، وخرجا لتمهيد البلاد مما يلى ثغر أسوان، فلما قرب إلى الدو قبض إبرام على الكنز الدولة وقيده، وعزم على إرساله، فمرض إبرام وهلك بعد ثلاثة أيام من حين القبض على ابن أخته، فاجتمع أهل النوبة على كنز الدولة وملكوه عليهم، فملك البلاد حينئذ ولبس تاج الملك، واستقل بالمملكة، وضم إليه العرب واستعان بهم على من ناوأه، وكان من خبره بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى فى مواضعه على ما نقف عليه.
ذكر تجريد العسكر إلى العرب ببرية عيذاب [٤] ودخوله إلى بلاد هلنكة [٥] وغيرها وعوده
وفى سنة ست عشرة وسبعمائة أمر السلطان بتجريد جماعة من العسكر إلى جهة الصعيد، وأن يتوجهوا خلف العرب حيث كانوا من البرّيّة. فجرد الأمير علاء الدين مغلطاى أمير مجلس وهو المقدم على الجيش، وهو من جملة
стр. 12740
مقدّمى الألوف، والأمير عز الدين أيدمر الدّوادار، والأمير علم الدين سنجر الدّميثرى، والأمير علاء الدين على ابن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى، والأمير سيف الدين بهادر التّقوى، والأمير سيف الدين الدمياطى، والأمير صارم الدين الجرمكى، والأمير سيف الدين طقصبا متولى الأعمال القوصيّة والإخميمية، وسبعة من مقدمى الحلقة المنصورة، وتوجهوا فى نحو خمسمائة فارس، وكان رحيلهم من القاهرة فى يوم الأربعاء العشرين من شوال من السنة، وكان سبب ذلك أن العربان ببرّيّة عيذاب قطعوا الطّريق على رسول اليمن الواصل إلى الأبواب السلطانية، وأخذوا ما كان معه من التقادم ومن رافقه من غلمان التّجّار، والذى حملهم على ذلك أن الأمير سيف الدين طقصبا [١] متولى الأعمال القوصيّة اعتقل فيّاضا أمير هذه الطائفة من العرب، فحملت أصحابه الحميّة على فعل ذلك، فلما اتصل فعلهم بالأبواب السلطانية جرّد هذا العسكر فى طلبهم، ورسم أن يتوجهوا إلى مدينة قوص [٩٧] ويتوجهوا منها إلى البريّة ويتبعوا العرب حيث كانوا، فأخبرنى الأمير عز الدين الدّوادار أحد الأمراء الذين توجّهوا- وهو الثقة فى أخباره- أنهم توجّهوا فى التاريخ المذكور حتى انتهوا إلى مدينة قوص، فأقاموا بظاهرها خمسة وخمسين يوما، وفى مدة مقامهم توجّه متولى الأعمال، والأمير صارم الدين الجرمكى إلى البرّيّة ليجتمعا بالعربان فى ردّ ما أخذوه من الأموال، ومراجعة الطاعة، فاجتمعا بهم ولم تتهيأ الموافقة على ما أرادوا ولما توجّها طولع السلطان بتوجههما [٢] وأنّ العسكر تأخّر لقلة الظّهر [٣] وسعة البرية، وقلّة الماء، وجهز بذلك الأمير بدر الدين بكتمش [٤] الحسامى أحد مقدمى الحلقة المنصورة.
فلما وصل إلى الأبواب السلطانية
حصل من السلطان الإنكار الشديد بسبب تأخّر العسكر عن دخول البرّيّة، فعندها توجّه العسكر من مدينة قوص فى العشر الأول من المحرم سنة سبع عشرة ودخلوا إلى البرية فانتهوا إلى ثغر عيذاب فى خمسة عشر يوما، واجتمع
стр. 12741
العسكر بالأميرين سيف الدين طقصبا، وصارم الدين الجرمكى بعيذاب، وأقاموا بها اثنى عشر يوما، وكان متولى الأعمال قد استصحب معه فيّاضا أمير العرب الذى كانت الفتنة بسبب اعتقاله، ثم رحل الجيش من ثغر عيذاب، وساروا حتى انتهوا إلى سواكن [١] فى اثنى عشر يوما يسلكون رءوس الجبال والأوعار، وحصل لهم ضرر كثير بسبب المياه وقلّتها حتى كادوا يهلكون فى ماء منها [٢] يقال له دنكنام، فإن العربان كانوا قد غوّروا المياه أمام العسكر، فأقام الجيش أربعة أيام، ووصل إلى ذلك الماء فى اليوم الخامس، فوجدوا جفارا [٣] واحدا وهو متغيّر اللون والطعم والريح، فبينما هم كذلك إذ قدمت كشّافة العسكر وكانوا قد قدّموا من يستقرئ لهم خبر تلك الجبال علّهم [٤] يجدون ماء، فأخبروهم أنهم وجدوا مياه [٤] الأمطار بتلك الجبال فرحلوا من هناك وقت المغرب، وانتهوا إلى مياه قد اجتمعت من الأمطار، فأقاموا بها بقية تلك الليلة إلى نصف النهار من اليوم الثانى، وحملوا منها وارتحلوا حتى انتهوا إلى سواكن، فخرج إليهم متملكها بالطاعة والانقياد إلى أوامر السلطان، وقرّر على نفسه قطيعة يحملها إلى الأبواب السلطانية فى كل سنة، وهى من الرقيق ثمانون رأسا، ومن الجمال: ثلاثمائة رأس، ومن العاج: ثلاثون قنطارا، واستقر بسواكن نيابة عن السلطنة، وأقام العسكر بسواكن ستة أيام، واستصحب معه أولاد مهنّا، وكان فضل أحد مقدّمى العرّبان قد التحق بالعسكر فيما بين سواكن وعيذاب وصحبهم، وتوجّه الجيش خلف العربان ودخلوا البرية يتبعون آثارهم، فساروا سبعة عشر يوما، وفى أثناء مسيرهم ظفروا بطوائف من السودان بقرب المياه فى أودية هناك، فقتل العسكر منهم، وأسر وسبى وغنم من مواشيهم من الأبقار والأغنام ما ارتفق به الجند، وأنتهوا إلى وادى إيتريب [٥] فى اليوم السابع عشر، فأقاموا بها يومين، ولم يجدوا من سواكن إلى هذا الوادى غير ماء واحد، وكان شربهم من مياه الأمطار، وأمطرت البرّيّة فى غير الوقت المعتاد، لطفا من الله تعالى بعباده وإبقاء عليهم.
стр. 12742
ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى أرنيباب [١] وهو جبل صغير على شاطئ نهر أتبرا [٢] وهو فرع من فروع نيل مصر يخرج من بلاد الحبشة، فأقاموا عليه يوما واحدا، ثم توجهوا يتبعون آثار الغرماء [٣] وهم يسيرون على شاطئ ذلك النهر ثلاثة أيام والنهر على يمين العسكر، ثم فوّزوا ودخلوا البريّة إلى أرض التاله [٤] فانتهوا فى اليوم الثالث من يوم دخولهم المفازة إلى جبل كشلاب [٥] وهو جبل أقرع ليس فى تلك البرية غيره، وجبل ألوس وبين الجبلين واد، وهذا الجبل هو حد بلاد التاله من الحبشة، [٩٨] فلما وصلوا إليه وقد قربوا من الماء، وهم فى أرض صفراء التربة تشبه أرض بيسان من غور الشام، وهى كثيرة الأشجار من السنط وأم غيلان وشجر الإهليلج [٦] والأبنوس والبقس [٧] والحمر [٨] وهو الذى يطرح التمرهندى، إذ طلع عليهم غبار أمامهم، فندبوا من يكشف الخبر، فعاد الكشافة وأخبروهم أن طائفة من السّودان تسمى هلنكة قد اجتمعوا لقتال العسكر، وهم خلق كثير، فتقدم العسكر إليهم وقد عبؤوا أطلابهم، ولبسوا لأمة حربهم، واجتمع العسكر فى أرض خالية من الأشجار، وهى من طرق السيول [٩] وقد صارت مثل البركة ولها فجّة يدخل العسكر منها، فتبعهم الأثقال فسدّت جمال أثقالهم تلك الفجة، وهلنكة من أعلا البركة [١٠] وبأيدى هلنكة الحراب والمزاريق والسيوف، ومع بعضهم النبل، فوقف العسكر وأرسل إليهم: إنّا لم نأت لقتالكم وإنما جئنا فى طلب طائفة من العرب أفسدوا وعصوا وقطعوا السبيل، وأمّنوهم، فردّوا الأمان وأبوا إلا القتال، فقاتلهم
стр. 12743
العسكر ورموهم رشقا واحدا واحدا بالسهام، فقتل من هلنكة أربعمائة وستون نفرا، وجرح منهم خلق كثير، ولم يتمكن العسكر من أسرهم فإنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر، وقتل منهم اثنان من ملوكهم على ما حكاه من اجتمع بهم من غلمان العسكر، وكان سبب اجتماعهم بهم وسلامتهم منهم أنهم كانوا انقطعوا وراء العسكر وناموا، فلحقهم كشافة هلنكة فمسكوهم وأتوا بهم إلى أكابرهم، فسألوهم من أين أنتم؟ وكان فيهم من يعرف لغة القوم، فقالوا:
نحن تجار أغار علينا هذا العسكر ونهبونا، وأخذوا أموالنا وأسرونا. فلما قاتلتموهم [١] هربنا منهم، فرقّوا لهم وأطلقوهم، وذكروا لهم عدة من قتل منهم.
ولما انهزمت هذه الطائفة من هلنكة تحصنوا بالأشجار وتركوا أحمالهم فأخذ العسكر منها [٢] ما قدروا على حمله من الذرة- وليس لهم طعام غيرها- وحملوا حاجتهم من الماء ورجعوا من هناك من يومهم على آثارهم، وذلك فى سادس شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة، وعادوا حتى انتهوا إلى أرنيباب، ولم يمكنهم الرجوع على الطريق الذى دخلوا منه لقلة المياه والأقوات والعلوفات، فعدلوا إلى جهة الأبواب من بلاد النوبة، وأخذوا على نهر أتبرا فساروا على شاطئه عشرين يوما، وكانت دوابهم ترعى من الحلفاء [٣] ، ثم انتهوا إلى قبالة الأبواب فأقاموا هناك يوما وتوجه [٤] سيف الدين أبو بكر بن والى الليل فى الرسلية [٥] من جهة متولى الأعمال القوصية الأمير سيف الدين طقصبا إلى متملك الأبواب، فخاف ولم يأت إلى العسكر، وأرسل إليهم بمائتى رأس بقر وأغنام وذرة، ونهب العسكر ما وجدوه بتلك الجهة من الذرة، وتوجهوا إلى مدينة دنقلة فى سبعة عشر يوما فى أرض كثيرة الأشجار والأفيلة والقرود والنسانيس والوحش الذى يسمى المرعفيف [٦] ، فأقاموا ثلاثة أيام- وملكها عبد الله برشنبوا كما تقدم- وأضاف العسكر وزودّهم، وتوجهوا إلى ثغر أسوان ثم إلى مدينة قوصى، وأقاموا بها خمسة عشر يوما، وحصل للعسكر فى هذه
стр. 12744
السفرة مشقة كثيرة وكلفة عظيمة، حتى أبيعت تطبيقة النعال بينهم بخمسين درهما، وأبيع رطل البقسماط [١] بدرهم ونصف إذا وجد، ونفق أكثر خيل العسكر وجمالهم، ورجع أكثرهم إلى ساحل مصر فى المراكب لأمور، منها: عدم الظهر، ومنها أن النيل كان قد عمّ البلاد، وقطع الطرق إلا الجبال، وكان وصول العسكر إلى القاهرة المحروسة فى يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة.
ذكر الإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب وإرساله إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الصفدية
وفى يوم الخميس الرابع عشر من شوال رسم السلطان بالإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب- كان- وخلع عليه تشريفا كاملا طرد [٢] وحش مذهب، وقباء، وكلّوته زركش، وشاش رقم، وحياصة ذهب، ورسم له نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية والفتوحات الأشرفية، وخلع عليه تشريفا ثانيا كاملا وسيفا وحياصة، وأنعم عليه بمائتى ألف درهم، [٩٩] وتوجّه على خيل البريد فى يوم الإثنين الخامس والعشرين من الشهر إلى دمشق، وكان نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز قد توجّه لزيارة القدس والخليل، وطلب الصيد بجهة الساحل، فاجتمع به ووصل معه إلى دمشق، وتوجّه منها إلى صفد فى عاشر ذى القعدة.
وفى هذه السنة توجه الأمير سيف الدين أرغن
نائب السلطنة الشريفة إلى الحجاز الشريف بعد سفر المحمل بأيام.
стр. 12745
وفى يوم السبت العشرين من ذى الحجة منها وردت مطالعة الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب السلطنة بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية يتضمن أن جماعة من التتار المغول نحو ألف فارس أغاروا على أطراف البلاد الحلبية، وانتهوا إلى قرب قلعة كختا [١] فنزل إليهم من القلعة نحو مائتى فارس ومن انضم إليهم من التركمان، واقتتلوا يوما كاملا حتى حجز بينهما الليل، ثم باكروا القتال واقتتلوا حتى أشرف التتار على أخذهم، وأنهم لما تحققوا الموت صدقوا فى القتال وحملوا حملة رجل واحد فكانت الهزيمة على التتار، فقتل أكثرهم وأسر منهم ستة وخمسون فارسا من أعيانهم، فمنهم: ثلاثة من مقدمى الألوف، واسترجع العسكر ما كانوا نهبوه من أطراف البلاد، وغنموا ما كان معهم من الخيل والعدة، فرسم السلطان بالإنعام والزيادة لهذه الطائفة المجاهدة، وكتب إلى نائب السلطنة بحلب بحمل الأسرى ورءوس القتلى إلى الديار المصرية، وأن يؤدى خمس الغنيمة فى المجاهدين، فوصلت الأسرى فى صفر سنة سبع عشرة وسبعمائة.
وفى ذى الحجة من هذه السنة وردت الأخبار إلى الأبواب السلطانية بوفاة خربندا ملك التتار، وذكر أنه توفى فى سادس شوال من السنة، وأنه كان قد أمر بإشهار النداء أن لا يذكر أبو بكر وعمّر رضى الله عنهما، وكان ذلك فى يوم سبت فمات قبل أسبوع، وذكر أنه كان قد عزم على تجهيز ثلاثة آلاف فارس مع حميضة بن أبى نمىّ إلى المدينة النبوية، لنقل أبى بكر وعمر من مدفنهما، فعجّل الله هلكه، وهذه عادة الله تعالى فيمن طغى وتجبّر.