العسكر بالأميرين سيف الدين طقصبا، وصارم الدين الجرمكى بعيذاب، وأقاموا بها اثنى عشر يوما، وكان متولى الأعمال قد استصحب معه فيّاضا أمير العرب الذى كانت الفتنة بسبب اعتقاله، ثم رحل الجيش من ثغر عيذاب، وساروا حتى انتهوا إلى سواكن [١] فى اثنى عشر يوما يسلكون رءوس الجبال والأوعار، وحصل لهم ضرر كثير بسبب المياه وقلّتها حتى كادوا يهلكون فى ماء منها [٢] يقال له دنكنام، فإن العربان كانوا قد غوّروا المياه أمام العسكر، فأقام الجيش أربعة أيام، ووصل إلى ذلك الماء فى اليوم الخامس، فوجدوا جفارا [٣] واحدا وهو متغيّر اللون والطعم والريح، فبينما هم كذلك إذ قدمت كشّافة العسكر وكانوا قد قدّموا من يستقرئ لهم خبر تلك الجبال علّهم [٤] يجدون ماء، فأخبروهم أنهم وجدوا مياه [٤] الأمطار بتلك الجبال فرحلوا من هناك وقت المغرب، وانتهوا إلى مياه قد اجتمعت من الأمطار، فأقاموا بها بقية تلك الليلة إلى نصف النهار من اليوم الثانى، وحملوا منها وارتحلوا حتى انتهوا إلى سواكن، فخرج إليهم متملكها بالطاعة والانقياد إلى أوامر السلطان، وقرّر على نفسه قطيعة يحملها إلى الأبواب السلطانية فى كل سنة، وهى من الرقيق ثمانون رأسا، ومن الجمال: ثلاثمائة رأس، ومن العاج: ثلاثون قنطارا، واستقر بسواكن نيابة عن السلطنة، وأقام العسكر بسواكن ستة أيام، واستصحب معه أولاد مهنّا، وكان فضل أحد مقدّمى العرّبان قد التحق بالعسكر فيما بين سواكن وعيذاب وصحبهم، وتوجّه الجيش خلف العربان ودخلوا البرية يتبعون آثارهم، فساروا سبعة عشر يوما، وفى أثناء مسيرهم ظفروا بطوائف من السودان بقرب المياه فى أودية هناك، فقتل العسكر منهم، وأسر وسبى وغنم من مواشيهم من الأبقار والأغنام ما ارتفق به الجند، وأنتهوا إلى وادى إيتريب [٥] فى اليوم السابع عشر، فأقاموا بها يومين، ولم يجدوا من سواكن إلى هذا الوادى غير ماء واحد، وكان شربهم من مياه الأمطار، وأمطرت البرّيّة فى غير الوقت المعتاد، لطفا من الله تعالى بعباده وإبقاء عليهم.
стр. 12742
ثم ساروا إلى أن وصلوا إلى أرنيباب [١] وهو جبل صغير على شاطئ نهر أتبرا [٢] وهو فرع من فروع نيل مصر يخرج من بلاد الحبشة، فأقاموا عليه يوما واحدا، ثم توجهوا يتبعون آثار الغرماء [٣] وهم يسيرون على شاطئ ذلك النهر ثلاثة أيام والنهر على يمين العسكر، ثم فوّزوا ودخلوا البريّة إلى أرض التاله [٤] فانتهوا فى اليوم الثالث من يوم دخولهم المفازة إلى جبل كشلاب [٥] وهو جبل أقرع ليس فى تلك البرية غيره، وجبل ألوس وبين الجبلين واد، وهذا الجبل هو حد بلاد التاله من الحبشة، [٩٨] فلما وصلوا إليه وقد قربوا من الماء، وهم فى أرض صفراء التربة تشبه أرض بيسان من غور الشام، وهى كثيرة الأشجار من السنط وأم غيلان وشجر الإهليلج [٦] والأبنوس والبقس [٧] والحمر [٨] وهو الذى يطرح التمرهندى، إذ طلع عليهم غبار أمامهم، فندبوا من يكشف الخبر، فعاد الكشافة وأخبروهم أن طائفة من السّودان تسمى هلنكة قد اجتمعوا لقتال العسكر، وهم خلق كثير، فتقدم العسكر إليهم وقد عبؤوا أطلابهم، ولبسوا لأمة حربهم، واجتمع العسكر فى أرض خالية من الأشجار، وهى من طرق السيول [٩] وقد صارت مثل البركة ولها فجّة يدخل العسكر منها، فتبعهم الأثقال فسدّت جمال أثقالهم تلك الفجة، وهلنكة من أعلا البركة [١٠] وبأيدى هلنكة الحراب والمزاريق والسيوف، ومع بعضهم النبل، فوقف العسكر وأرسل إليهم: إنّا لم نأت لقتالكم وإنما جئنا فى طلب طائفة من العرب أفسدوا وعصوا وقطعوا السبيل، وأمّنوهم، فردّوا الأمان وأبوا إلا القتال، فقاتلهم
стр. 12743
العسكر ورموهم رشقا واحدا واحدا بالسهام، فقتل من هلنكة أربعمائة وستون نفرا، وجرح منهم خلق كثير، ولم يتمكن العسكر من أسرهم فإنهم كانوا يرون القتل أحب إليهم من الأسر، وقتل منهم اثنان من ملوكهم على ما حكاه من اجتمع بهم من غلمان العسكر، وكان سبب اجتماعهم بهم وسلامتهم منهم أنهم كانوا انقطعوا وراء العسكر وناموا، فلحقهم كشافة هلنكة فمسكوهم وأتوا بهم إلى أكابرهم، فسألوهم من أين أنتم؟ وكان فيهم من يعرف لغة القوم، فقالوا:
نحن تجار أغار علينا هذا العسكر ونهبونا، وأخذوا أموالنا وأسرونا. فلما قاتلتموهم [١] هربنا منهم، فرقّوا لهم وأطلقوهم، وذكروا لهم عدة من قتل منهم.
ولما انهزمت هذه الطائفة من هلنكة تحصنوا بالأشجار وتركوا أحمالهم فأخذ العسكر منها [٢] ما قدروا على حمله من الذرة- وليس لهم طعام غيرها- وحملوا حاجتهم من الماء ورجعوا من هناك من يومهم على آثارهم، وذلك فى سادس شهر ربيع الأول سنة سبع عشرة، وعادوا حتى انتهوا إلى أرنيباب، ولم يمكنهم الرجوع على الطريق الذى دخلوا منه لقلة المياه والأقوات والعلوفات، فعدلوا إلى جهة الأبواب من بلاد النوبة، وأخذوا على نهر أتبرا فساروا على شاطئه عشرين يوما، وكانت دوابهم ترعى من الحلفاء [٣] ، ثم انتهوا إلى قبالة الأبواب فأقاموا هناك يوما وتوجه [٤] سيف الدين أبو بكر بن والى الليل فى الرسلية [٥] من جهة متولى الأعمال القوصية الأمير سيف الدين طقصبا إلى متملك الأبواب، فخاف ولم يأت إلى العسكر، وأرسل إليهم بمائتى رأس بقر وأغنام وذرة، ونهب العسكر ما وجدوه بتلك الجهة من الذرة، وتوجهوا إلى مدينة دنقلة فى سبعة عشر يوما فى أرض كثيرة الأشجار والأفيلة والقرود والنسانيس والوحش الذى يسمى المرعفيف [٦] ، فأقاموا ثلاثة أيام- وملكها عبد الله برشنبوا كما تقدم- وأضاف العسكر وزودّهم، وتوجهوا إلى ثغر أسوان ثم إلى مدينة قوصى، وأقاموا بها خمسة عشر يوما، وحصل للعسكر فى هذه
стр. 12744
السفرة مشقة كثيرة وكلفة عظيمة، حتى أبيعت تطبيقة النعال بينهم بخمسين درهما، وأبيع رطل البقسماط [١] بدرهم ونصف إذا وجد، ونفق أكثر خيل العسكر وجمالهم، ورجع أكثرهم إلى ساحل مصر فى المراكب لأمور، منها: عدم الظهر، ومنها أن النيل كان قد عمّ البلاد، وقطع الطرق إلا الجبال، وكان وصول العسكر إلى القاهرة المحروسة فى يوم الثلاثاء التاسع من جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وسبعمائة.
ذكر الإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب وإرساله إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الصفدية
وفى يوم الخميس الرابع عشر من شوال رسم السلطان بالإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب- كان- وخلع عليه تشريفا كاملا طرد [٢] وحش مذهب، وقباء، وكلّوته زركش، وشاش رقم، وحياصة ذهب، ورسم له نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية والفتوحات الأشرفية، وخلع عليه تشريفا ثانيا كاملا وسيفا وحياصة، وأنعم عليه بمائتى ألف درهم، [٩٩] وتوجّه على خيل البريد فى يوم الإثنين الخامس والعشرين من الشهر إلى دمشق، وكان نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز قد توجّه لزيارة القدس والخليل، وطلب الصيد بجهة الساحل، فاجتمع به ووصل معه إلى دمشق، وتوجّه منها إلى صفد فى عاشر ذى القعدة.
وفى هذه السنة توجه الأمير سيف الدين أرغن
نائب السلطنة الشريفة إلى الحجاز الشريف بعد سفر المحمل بأيام.
стр. 12745
وفى يوم السبت العشرين من ذى الحجة منها وردت مطالعة الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب السلطنة بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية يتضمن أن جماعة من التتار المغول نحو ألف فارس أغاروا على أطراف البلاد الحلبية، وانتهوا إلى قرب قلعة كختا [١] فنزل إليهم من القلعة نحو مائتى فارس ومن انضم إليهم من التركمان، واقتتلوا يوما كاملا حتى حجز بينهما الليل، ثم باكروا القتال واقتتلوا حتى أشرف التتار على أخذهم، وأنهم لما تحققوا الموت صدقوا فى القتال وحملوا حملة رجل واحد فكانت الهزيمة على التتار، فقتل أكثرهم وأسر منهم ستة وخمسون فارسا من أعيانهم، فمنهم: ثلاثة من مقدمى الألوف، واسترجع العسكر ما كانوا نهبوه من أطراف البلاد، وغنموا ما كان معهم من الخيل والعدة، فرسم السلطان بالإنعام والزيادة لهذه الطائفة المجاهدة، وكتب إلى نائب السلطنة بحلب بحمل الأسرى ورءوس القتلى إلى الديار المصرية، وأن يؤدى خمس الغنيمة فى المجاهدين، فوصلت الأسرى فى صفر سنة سبع عشرة وسبعمائة.
وفى ذى الحجة من هذه السنة وردت الأخبار إلى الأبواب السلطانية بوفاة خربندا ملك التتار، وذكر أنه توفى فى سادس شوال من السنة، وأنه كان قد أمر بإشهار النداء أن لا يذكر أبو بكر وعمّر رضى الله عنهما، وكان ذلك فى يوم سبت فمات قبل أسبوع، وذكر أنه كان قد عزم على تجهيز ثلاثة آلاف فارس مع حميضة بن أبى نمىّ إلى المدينة النبوية، لنقل أبى بكر وعمر من مدفنهما، فعجّل الله هلكه، وهذه عادة الله تعالى فيمن طغى وتجبّر.
стр. 12746
وفى هذه السنة فى مستهل شهر رجب توفّى القاضى عز الدين أحمد بن جمال الدين محمد بن أحمد بن ميسّر المصرى [١] بدمشق، ودفن بقاسيون، ومولده بمصر فى ليلة يسفر صباحها عن الحادى والعشرين من شهر رمضان سنة تسع وثلاثين وستمائة، وكان رجلا ساكنا، ولى المناصب الجليلة: نظر الدواوين بالشام، ونظر المملكة الطرابلسية، ونظر النّظّار بالديار المصرية، وغير ذلك، وكان سيّئ التدبير ردئ التصرف فى حق نفسه، لا يزال يزرع الأقصاب لنفسه بالديار المصرية، ويدولب المعاصر وهو يغرم ولا يستفيد، ويقترض الأموال ويعيد الدّولبة ويغرم، ولم يزل على ذلك إلى أن مات وعليه جملة كثيرة من الديون الشرعية أصلها من المتاجر والدّواليب، ولو اقتصر على معلوم مباشراته كان يزيد على كفايته- رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الخميس عاشر شعبان توفى الطواشى الأمير ظهير الدين مختار المنصورى المعروف بالبلبيسى [٢] أحد الأمراء والخزندار بدمشق، وكان شهما شجاعا زكيا ديّنا خبيرا [٣] رماحا كريما، حسن الشكل واللباس، يتلو القرآن بصوت حسن، وفرق أمواله وجواريه وخيوله وعدده على عتقائه قبل وفاته، ووقف أملاكه على تربته وعتقائه، وقد رافقته بدمشق فى ديوانه الخاص، فكان حسن الرّفقة- رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى [٤] أحد الأمراء المقدمين بدمشق فى يوم الأربعاء سادس عشر شعبان، [١٠٠] ودفن برأس ميدان الحصى- رحمه الله تعالى-.
стр. 12747
وتوفيت شيختنا أم محمد وزيرة [١] ابنة الشيخ عمر بن أسعد بن منجّا الشّوخيّة بدمشق فى الليلة المسفرة عن ثامن عشر شعبان سنة عشر وسبعمائة، ومولدها فى سنة أربع وعشرين وستمائة- كذا نقلته من خط الشيخ علم [٢] الدين البرزالى.
وقال الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه سنة ثلاث وعشرين، روت صحيح البخارى عن ابن الزبيدى، وسمعته عليها بالقاهرة فى جمادى الأولى سنة خمس عشرة وسبعمائة، وسمع عليها وعلى الحجّار فى هذه السنة بقلعة الجبل والقاهرة وظاهرها ومصر خمس مرات، أوّلها بقلعة الجبل بدار النيابة بالطبقة الحسامية فى السادس والعشرين من صفر، وآخرها بالقلعة فى أواخر جمادى الآخرة وأوائل شهر رجب- رحمها الله تعالى.
وفى هذه السنة- فى يوم الثلاثاء رابع عشر شعبان- توفى القاضى جمال الدين أبو محمد عبد الله ابن شيخنا قاضى القضاة بدر الدين أبى عبد الله [٣] محمد ابن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن سعد الله بن جماعه الكنانى الشافعى، وكانت وفاته بجامع الأقمر [٤] عند آذان العصر ودفن من الغد بتربة والده بالقرافة الصغرى بخط الخندق، وكان رحمه الله تعالى شابا حسن الصورة والعشرة كريما كثير التردد إلى الناس والاستمالة لخواطرهم، وكان يدأب فى
стр. 12748
نسج المودة بين والده والأكابر، ويجتهد فى قضاء حوائج الناس، وكان يتصدق على الفقراء- رحمه الله تعالى-[١] وأصيب والده فيه فصبر صبرا جميلا [١] .
وتوفى الصاحب ضياء الدين أبو بكر بن عبد الله النشّائى [٢] فى الليلة المسفرة عن تاسع شهر رمضان بالقاهرة بحارة الجودرية [٣] ، وهو يومئذ ناظر الخزانة، ودفن بالقرافة- رحمه الله تعالى. ولما مات ولى نظر الخزانة بعده قاضى القضاة تقى الدين أحمد ابن قاضى القضاة عز الدين الحنبلى.
وتوفى القاضى محب الدين على ابن شيخنا الإمام العالم العلامة تقى الدين محمد بن وهب بن على القشيرىّ المعروف بابن دقيق العيد [٤] ، وكانت وفاته فى ليلة يسفر صباحها عن العشرين من شهر رمضان، ودفن بالقرافة فى تربة والده- رحمهما الله تعالى- وكان قد انقطع بعد وفاة والده انقطاعا حسنا، وأكبّ على الاشتغال بالعلم الشريف، وكان يدرس بالمدرسة الكهارية [٥] ، ومولده بمدينة قوص فى ثانى صفر سنة سبع [٦] وخمسين وستمائة.
وفيها فى عاشر ذى القعدة توفى الشيخ الكاتب المجيد المحمود نجم الدّين موسى بن علىّ بن محمد الحلبى ثم الدمشقى المعروف بابن البصيص [٧] ، ودفن بمقابر باب الصغير [٨] ، ومولده سنة إحدى وخمسين وستمائة، وكان شيخ الكتابة بدمشق، كتب وهو صغير، يقال: إنه كتب نحو خمسين سنة [٩] رحمه الله تعالى.
стр. 12749
وتوفى الشيخ صدر الدين أبو عبد الله محمد ابن الشيخ زين الدين عمر بن مكى بن عبد الصمد العثمانى الشافعى المعروف بابن المرحّل وابن الوكيل وابن الخطيب [١] ، وكانت وفاته فى بكرة نهار الأربعاء الرابع والعشرين من ذى الحجة بالقاهرة، ودفن بالقرافة بتربة القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة، ومولده بثغر دمياط فى تاسع عشرين شوال سنة خمس وستين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى عالما فاضلا كريما حسن الأخلاق والعشرة [٢] رقيق الشعر [٢] جيد البديهة- رحمه الله تعالى.
واستهلت سنة سبع عشرة وسبعمائة بالأربعاء
فى هذه السنة [١٠١] فى صفر حصل الشروع فى إنشاء جامع بظاهر مدينة دمشق خارج باب النصر، أمر بإنشائه الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام، وحضر القضاة والموقتون لتحرير سمت القبلة به، وتكرروا مرارا حتى وضعوا محرابه وضعا صحيحا، وذلك فى الخامس والعشرين من الشهر.
ذكر حادثه السيل ببعلبك
وفى هذه السنة فى العشر الأول من شهر ربيع الأول ورد إلى الأبواب السلطانية مطالعة نائب السلطنة بدمشق تتضمن: أنه لما كان فى يوم الثلاثاء السابع والعشرين من صفر جاءت سيول عظيمة إلى مدينة بعلبك، فهدمت أسوارها ودور المدينة، وأحصى من دفن إلى يوم تسطير مطالعة نائب بعلبك إلى نائب السلطنة بالشام فكانوا ألفا وخمسمائة نفر- خارجا من هو تحت الردم.
وحكى الشيخ [٣] شمس الدين [٣] محمد إبراهيم الجزرى فى تاريخه: أن هذه الحادثة لما وقعت جهّز نائب السلطنة بدمشق الشيخ جمال الدين بن الشّريشى وكيل بيت المال إلى بعلبك لكشفها وإيقاع الحوطة على موجود
стр. 12750
من هلك بسبب السيل ولا وارث له غير بيت المال، وأن الشيخ توجّه لذلك وعاد فى شهر ربيع الأول، وأحضر أوراقا بصورة الكشف، قال: وقفت عليها ونقلها [١] فى تاريخه، وملخصها: أن الذى هدمه السيل الواقع بمدينة بعلبك فى التاريخ المذكور، وسعته من الجامع والمساجد والسور والدور والحوانيت والحمامات والطواحين والاصطبلات، وما عدم فيه من الرجال والنساء والأطفال والخيول والدواب وغير ذلك، وخصّ بيت المال منه نصيب، وذلك مما أمكن ضبطه من المعروفين، خارجا عن الغرباء الذين كانوا بالجامع والمساجد والطرقات ولم يعرفوا، وذلك خارجا عن الكروم والبساتين ظاهر المدينة، ما عدّته من الرجال والنساء والأطفال: مائة وسبعة وأربعون [٢] نفرا، وبيوت ثمانمائة وخمسة وسبعون [٣] بيتا «خرابا» أربعمائة وواحد وثمانون، ومشعثة:
أربعمائة وأربعة عشر بيتا، حوانيت: مائة وواحد وثلاثون حانوت خراب: أربعة وخمسون، ومشعثة: سبعة وسبعون. بساتين داخل البلد: أربعة وأربعون، الجامع المعمور والمدارس والمساجد: ثلاثة عشر عددا أفدنه سبعة عشر دمن [٤] خراب: اثنتان، قنى السيل أربعة، طواحين: إحدى عشرة: خراب:
اثنتان ومشعثة: تسع، المدبغة: مشعثة، خيل: أربعة وبغال: إثنان ودواب:
خمسة وباقر [٥] رأس واحد، وذكر فى الأوراق تفصيل ذلك بحاراته وبقاعه، وهدم من السور برجا كاملا ذرعه ثلاثة عشر ذراعا فى السّفل وارتفاعه ثمانية وثلاثون ذراعا وبعض بدنتين [٦] ، وذكر أشياء كثيرة من هذا النوع، وهذا لا ينافى ما تضمنته المطالعة الواردة إلى الأبواب السلطانية، فإن الأوراق إنما اشتملت على من لبيت المال نصيب فى ميراثه، والمطالعة شاملة [٧] .
стр. 12751
ذكر حادثة الهواء بالبلاد الحلبية وما حصل بسببه
وفى يوم الأربعاء ثالث عشر شهر ربيع الأول فى الساعة الثامنة من النهار ثار بمدينة حلب هواء عظيم مزعج أثار غبارا عظيما، واقترن ببرق مترادف ورعد قوى، وأظلم الجوّ حتى لا يبصر الإنسان رفيقه إلى جانبه، ولا يستطيع أن يفتح عينه، حتى تيقّن الناس الهلاك، ثم وقع مطر عظيم وبرد مع وجود الهواء، وامتدّ الهواء والمطر على إقليم جبل سمعان غربى مدينة حلب، فاقتلع أشجارا كثيرة [١] رومانيّة من البلّوط والزيتون والكروم، وكان يقتلع الشجرة العظيمة من الأرض بعروقها، وأهلك [١٠٢] من [٢] مرّ عليه من [٢] المسافرين، وما مرّ على بلد إلا خرّبه خرابا فاحشا، فأخرب عشر قرى [٣] وهى: تذبل، وكفر عمه [٤] وكفر جور، وبالا، وأم تحنين، والربيعية، ومعاد، وعين جارا، وبراطون [٤] والأبزمو وأهلك من بهذه القرى من الناس والدواب والوحش والطير، واجتمع من المطر سيل عظيم مرّ على وادى العسل وهو واد كبير فيه الدّرب السلطانى، يسلكه المارون من مدينة حلب إلى جميع إقليم جبل سمعان، وإلى أعمال حارم وغيرها، فامتلأ وغرّق ما مرّ عليه من الناس والدواب، وامتنع من سلوكه مدة، وخرج من الهواء المذكور عمود يرمى بشرر من نار، وجاء إلى كنيسة الربيعية، وهى كنيسة قديمة رومانية مبنية بحجارة هرقلية كل حجر منها لا يشيله عشرة من العتالين، محكمة البناء، ودخل العمود إلى هذه الكنيسة واقتلعها من أساسها وحملها فى الجو صعدا مقدار رمية نشاب وأكثر، وهى بحالها لم يتغير حجر عن حجر، وشاهدها على ذلك من سلم من الناس ممن كان خارجا عن هذا العمود من الهواء، وجعلوا يستغيثون ويجأرون إلى الله تعالى، ويسبحونه ويستغفرونه، ولما انتهت الكنيسة فى العلو إلى هذه الغاية انتقضت أحجارها وتساقطت إلى الأرض، فمن الحجارة ما غاص فى الأرض وغاب، ومنها ما غاص نصفه وأقل من ذلك وأكثر، وبقى مكان أساس الكنيسة شبه الخنادق.
стр. 12752
أخبرنى بذلك الأمير علاء الدين أيد غدى الشهرزورى المتقدم ذكره عن كتاب شهاب الدين أحمد ولده إليه، قال: ولما وصل إلى كتابه بذلك أعدت جوابه أسأله عن تحقيق هذا الأمر، فكتب إلى: هذا أمر محقق وإن نائب السلطنة جهّز جماعة لكشف [١] هذه الحادثة، وكان هو ممن ندب لكشف [١] ذلك، وقد بلغتنى هذه الواقعة من غير الأمير علاء الدين المذكور، واشتهرت، وآيات الله تعالى ومعجزاته كثيرة، نعوذ بالله تعالى من سخطه، ونسأله رضاه وعفوه ومغفرته.
وفى هذه السنة فى شهر ربيع الأول أيضا ورد كتاب الأمير أسد الدين رميثه أمير مكة إلى الأبواب السلطانية يتضمن: أن أخاه عز الدين حميضة قدم من بلاد العراق، وكان قد تسحّب إليها والتحق بخربندا كما تقدم، وأنه وصل الآن على فرس واحد ومعه اثنان من أعيان التتار، وهما: درقندى- وقيل فيه دلقندى [٢]- وملك شاه ومعهم ثلاث وعشرون راحلة، وأنه كتب إلى أخيه رميثة يستأذنه فى دخول مكة؛ فمنعه إلا بعد إذن السلطان. فكتب السلطان إلى حميضة أنه إن حضر إلى الديار المصرية على عزم الإقامة بها فله الأمان ويسامحه بذنوبه السالفه، وأما الحجاز فلا يقيم فيه، وكتب إلى درقندى وملكشاه بالأمان، وأن يحضرا، وأخبر من وصل أنهم لقوا فى طريقهم شدة من العراق إلى الحجاز، وأن العربان نهبوهم، فنهب لدرقندى أموال جمة وأنه وصل على فرس واحد مسافة عشرين ليلة، وقد حكى عن الأمير محمد بن عيسى أخى مهنّا أن الملك خربندا كان قد جهّز دلقندى المذكور فى جمع كثير مع عز الدين حميضة قبل وفاته إلى الحجاز لنقل الشيخين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما من جوار رسول الله- ﷺ وأن الأمير محمد المذكور جمع من العربان نحو أربعة آلاف فارس وقصد المقدم المذكور وقاتله ونهبه، وكسب العرب منه جملة عظيمة من الذهب والدارهم، حتى إن فيهم جماعة حصل للواحد منهم نحو ألف دينار غير الدواب والسلاح وغير ذلك، وأخذوا الفئوس والمجارف التى كانوا قد هيئوها لنبش قبر [٣] [الشيخين] أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، وكان ذلك فى الحجة سنة ست عشرة وسبعمائة،
стр. 12753
ولما ورد كتاب الأمير أسد الدين رميثة إلى السلطان بما تقدم ندب السلطان إلى مكة- شرفها الله تعالى- الأميرين سيف [١] الدين أيتمش المحمدى، وسيف الدين بهادر السّعيدىّ [٢] أمير علم، وأمرهما أن يستصحب كلّ واحد منهما عشرة من عدته وجرّد معهما من كل أمير مائة جنديّين، ومن كل أمير طبلخاناه جنديا واحدا، وتوجّها إلى مكة لإحضار حميضة ومن حضر من التتار، فتوجها فى يوم السبت [١٠٣] سادس عشر ربيع الأول بمن معهما، ووصلا إلى مكة وأرسلا إلى حميضة فى معاودة الطاعة، وأن يتوجّه معهما إلى الأبواب السلطانية، فاعتذر أنه ليس معه من المال ما ينفقه على نفسه ومن معه فى سفره، وطلب منهما ما يستعين به على ذلك، فلما قبض المال تغيّب، وعادا إلى القاهرة فوصلا فى يوم الأحد السادس والعشرين من جمادى الآخرة من السنة.
وفى هذه السنة فوّض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام مالك بن أنس للقاضى فخر الدين أحمد ابن القاضى تاج الدين سلامة بن سلامة الإسكندرىّ المالكى، فى الثالثة والعشرين من شهر ربيع الآخر، عوضا عن قاضى القضاة جمال الدين الزواوى، وكان قد عجز عن القضاء، واشتدت به الرعشة، وثقل لسانه، فعزل بسبب ذلك، وتوجّه القاضى فخر الدين إلى دمشق، فوصل إليها فى السابع والعشرين من جمادى الأولى، ولم تطل مدّة القاضى جمال الدين بعد وصوله، فإنه مات فى تاسع جمادى الآخرة على ما نذكر إن شاء الله تعالى.
ذكر توجه السلطان إلى الشام، ووصوله إلى الكرك، وإفراجه عمن يذكر من الأمراء، وعوده
وفى يوم الخميس رابع جمادى الأولى من السنة توجّه السلطان إلى جهة الشام، وكان قد كتم مقصدة عن سائر الناس حتى عن خواصه، وأظهر أن مقصده بسبب الصيد واستكثر من الروايا فكان معه لخاصّه ما يزيد على ألف راوية، وحمل الأمراء كل أمير بحسب حاجته من ثمانين راوية إلى عشرين،
стр. 12754
وكذلك من معه من مقدمى الحلقة المنصورة، وصحبته جماعة من الأمراء والمقدمين، وتوجّه فوصل إلى غزة فى الثامن عشر من الشهر، وتوجّه إلى زيارة القدس والخليل ﵇، ثم إلى الكرك، وحضر إلى خدمته بالكرك الأمير سيف الدين تنكر نائب السلطنة بالشام، ثم توجّه السلطان من الكرك إلى الشّوبك وتصيّد هناك، وأفرج فى هذه السّفرة عن الأميرين [١] ركن الدين بيبرس الدّوادار، وسيف الدين بهادر آص المنصوريين فى يوم الخميس ثانى جمادى الآخرة، وعاد السلطان إلى مقرّ ملكه، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى الساعة الأولى من نهار الأربعاء خامس عشر جمادى الآخرة من السنة، ووصل الأميران إلى قلعة الجبل، فخلع السلطان عليهما، وأمّر كلّ واحد منهما وقدّمه على ألف على [٢] عاداته.
واستقر الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار بالديار المصرية، وجلس رأس الميسرة، وأعيد الأمير سيف الدين بهادر آص إلى دمشق على عادته، فكان وصوله إليها فى يوم الإثنين رابع شهر رجب.
ذكر خبر النيل المبارك فى هذه السنة
وإنما خصصنا هذه السنة بذكره لأنه وقع فيه من الغرائب فى أمره ما لم تجر بمثله عادة، وذلك أن النيل المبارك وفّى بمقياس مصر فى يوم السبت الثالث عشر من جمادى الأولى الموافق التاسع عشرين أبيب ستّة عشر ذراعا، وحصل التخليق وكسر سدّ [٣] الخليج فى هذا اليوم، وما وقع مثل ذلك فى هذا العصر؛ فإن العادة فى غالب السنين أن يكون الوفاء فى الآخر من مسرى وفى الأوسط منه، وربما تأخّر عن ذلك فيكون فى أيام النسىء وأوائل توت، ثم زاد بعد ذلك وأخذ فى النقص والزيادة، فكانت زيادته إلى آخر مسرى ذراعا واحدا، [١٠٤] ثم وقف مدة وزاد أخرى، فبلغت زيادته إلى آخر يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من جمادى الآخرة الموافق لتاسع توت سبعة عشر ذراعا وتسع أصابع، وزاد فى يوم الأربعاء عاشر توت خمس أصابع، وفى بكرة الخميس الذى يليه تسع أصابع، وفى يوم الجمعة ثانى عشر توت خمس أصابع، وفى
стр. 12755
يوم السبت والأحد أربع أصابع فى كل يوم أصبعين؛ فكملت زيادته بمقياس مصر ثمانية عشر ذراعا وست أصابع، ولما غلق الذراع الثامن عشر غرّق كثيرا من الأدر [١] المجاورة له بساحل مصر والروضة، وغرّق الأقصاب والبساتين، وقطع الطريق فيما بين القاهرة ومصر فى عدة مواضع، فأمر السلطان بقطع الخلجان التى عادتها تكسر فى عيد الصّليب، مثل بحر أبى الرّجا [٢] والكينونة وغيرها، وذلك قبل الوقت المعتاد، والعادة جارية أن هذه الخلجان إذا قطعت ينقص بحر النيل بسبب قطعها نحو ثلثى ذراع؛ لما ينصب فيها منه، فلم يضطرب النيل لقطعها ولا توقّف، بل زاد ما ذكرناه، ولعله لو لم تقطع هذه الخلجان العظيمة كان بلغ فى الزيادة إلى أكثر مما انتهى إليه، وعم فساده، ثم ثبت النيل بعد ذلك على البلاد ثبوتا حسنا إلى حد الاستغناء عنه، فأخذ فى النقص، فكان ينقص قليلا، ثم يثبت مدة، ثم ينقص، حتى أخذت الأراضى حاجتها من الرى وهبط والحمد لله.
ذكر إفراد مصر عن قاضى الحنفية [٣]
وفى يوم الثلاثاء التاسع عشر من شهر رجب فوّض قضاء القضاة الحنفية بمصر للقاضى سراج الدين عمر ابن شهاب الدين محمود، وخلع عليه بطرحه على عادة القضاة، وجلس بجامع مصر، وحكم فى هذا اليوم، واختزل ذلك من ولاية قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الحريرى الحنفى، واستقر بالقاهرة خاصة، وصار القضاة الأصول خمسة، وهم: قاضى القضاة بدر الدين الشافعى، وقاضى القضاة زين الدين على بن مخلوف، وقاضيا القضاة الحنفيان المذكوران، وقاضى القضاة تقى الدين أحمد الحنبلى، وكان السبب فى ولاية سراج الدين المذكور القضاء أن قاضى القضاة شمس الدين الحنفى المذكور
стр. 12756
طلب منه أن يحكم بتعويض الورثة الظاهرية [١] عن قرار إسطبل الأمير سيف الدين بكتمر السّاقى المطلّ على بركة الفيل بظاهر القاهرة. ويمكّن هو قرار إسطبله. فامتنع من ذلك، ووافق سراج الدين على الحكم بصحة ذلك إن هو ولّى، فولّى لذلك، ولم تطل مدته فى القضاء فإنه توفى إلى رحمة الله تعالى فى الثالث والعشرين من شهر رمضان من السنة، وأعيد قاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى إلى ولاية القضاء بمصر على عادته، وخلع عليه، ونفعه الامتناع من الحكم بما فيه شبهة وما ضرّه العزل- وجزاه الله خيرا.
[٢] وفى هذه السنة فى أواخر شعبان [٢] قطع جماعة من التتار الفرات إلى جهة الشام، ووصل إلى دمشق فى سادس شهر رمضان مقدّم ألف من التتار اسمه طاطى [٣] ، كان منشؤه من العراق وديار بكر بمكان يعرف بقفر ابن زغل [٤] ووصل صحبته نحو مائة فارس بنسائهم وأولادهم، ثم تجهزوا من دمشق فى الشهر المذكور فوصلوا إلى القاهرة فى شوال من السنة.
ذكر [٥] عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك [٥] ووصول رسله
وفى شهر رمضان من هذه السنة عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك، وهم الأمير [١٠٥] علاء الدين أيدغدى الخوارزمى ومن معه، وصحبهم رسل الملك أزبك، فمثلوا بين يدى السلطان فى يوم الخميس رابع الشهر، وكان السلطان قد خطب إلى الملك أزبك امرأة من بنات الملوك من البيت الجنكزخانى، وبعث مع رسله هدية طائلة جليلة المقدار، فلما جاءت الرسل اشتطوا فى المهر فطلبوا مائة طمان من الذهب، والطمان عشرة آلاف دينار،
стр. 12757
فيكون جملة ذلك ألف ألف دينار، وألف ألف فرس، وألف عدة كاملة للحرب، وغير ذلك، واشترطوا أن يحضر لتسليمها جماعة من الأمراء الأكابر ونسائهم، وغير ذلك من الشروط التى لا يمكن الإجابة إليها، فنزل السلطان عن هذه الخطبة وعدل عنها إلى ما جرت العادة به من المكاتبات بينه وبين الملك أزبك، ثم كان من خبر إرسال المخطوبة من غير استدعاء من السلطان والصلة بما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر روك المملكة الطرابلسية وما يتصل بذلك [١] من إبطال الجهات المنكرة بها وأخبار النصيرية [٢]
وفى سنة سبع عشرة وسبعمائة رسم السلطان بروك المملكة الطرابلسية وما أضيف إليها من الأعمال والقلاع والحصون والثغور، فكشفت النواحى، ونصب لتحريك ذلك وإتقانه القاضى شرف الدين يعقوب ناظر المملكة الحلبية، فحضر إلى طرابلس حسب الأمر الشريف، وانتصب لتحرير ذلك، وفى خدمته جماعة من الكتاب، ولم يعتمد فيه على ناظر المملكة الطرابلسية شرف الدين يعقوب الحموى، ولما تكامل ذلك حضر القاضى شرف الدين يعقوب ناظر المملكة الحلبية ومعه المكتوب إلى الأبواب السلطانية، وجلس القاضى فخر الدين ناظر الجيوش ومن معه من المباشرين، وانتصبوا لقسمة الإقطاعات وتقرير الخواص، وأفراد جهات القلاع والحصون، وكلت المملكة، فكمل ذلك فى شهر رمضان [٣] من السنة واستقر لاستقبال شهر رمضان فى الهلالى والخراجى لاستقبال فعل [٣] سنة سبع عشرة وسبعمائة وتوفر بسبب هذا الرّوك ما أقيم عليه ستّة أمراء أصحاب طبلخاناه وثلاثة أمراء أصحاب عشرات، وخمسون نفرا من البحرية والحلقة، ورسم بإبطال جهة الأفراج والسجون، وغير ذلك بالمملكة الطرابلسية فأبطلت، وجملة ذلك نحو مائة ألف درهم وعشرة آلاف درهم فى كل
стр. 12758
سنة، رسم أن يبنى بقرى النصيرية فى كل قرية مسجد ويفرد من أراضى القرية رزقة [١] برسم المسجد، وتمنع النصيرية من الخطاب ومعناه أن الصبى إذا بلغ الحلم وأنس منه الرشد يتطاول إلى المخاطبة ويتوسل إلى أبيه وقرائبه [٢] فى ذلك مدة، فيجمعون له مجتمعا [٣] ، يجتمع فيه أربعون من أكابرهم، ويذبح هو أووليه رأس بقر وثلاثة أرؤس من الغنم، ويفتح لهم خابيه من الخمر فيأكلون ويشربون، فإذا خالطهم الشراب أخذ كل واحد منهم يحكى حكاية عمن خوطب، وباح بما خوطب به أنه قطعت يده، أو عمى أو سقط من شاهق فمات أو ابتلى بعاهة، كل ذلك تحريض للمخاطب على كتمان ما يودع إليه من الذهب. فإذا استوثق منه تقدّم إليه المعلم فحلّفه أربعين يمينا على كتمان ما يوجب إليه، ثم يوضح له الخطاب وكيفيته على ما نقل بإلهيّة [٤] على بن أبى طالب- رضى الله عنه- وأن محمدا بن عبد الله كان حجابا عليه بواسطة جبريل، ويسمون رسول الله ﷺ بالسيد صندل [٥] ويرفع عن المخاطب التكليف وعرّفه [٦] أن لا صلاة ولا زكاة ولا صوم ولا حج إلا إلى مكان يزعمون أن فيه ضريح على بن أبى طالب رضى الله عنه، وأن الروح الإلهى الذى كان فيه ينتقل فى واحد واحد [٧] وأنه الآن فى هذا العصر فى رجل يسميه المخاطبه ويعرفه بأن يقف عند ما يأمره به وينهاه عنه، ويحل له ويحرم عليه، ثم يعرفه أن لا غسل من جنابة، ويأخذ عليه العهد أن لا ينصح مسلما فى أكل ولا شرب ولا يسايره ولا يعامله، ويعرفه أن مال المسلمين فئ له إن استطاع ولهم سلام بينهم يعرف بعضهم بعضا به عند المصافحة والمكالمة له.
وأخبرنى من أثق به فى هذه السنة، أن الذى تزعم النصيرية أن الروح الإلهّى حلّ به رجل اسمه شرف، وهو رئيس قرية سلغنو [٨] من عمل صهيون.
стр. 12759
ومن ظريف ما بلغنى عن شرف هذا أن بعض أهل تلك الناحية مرض فجاءه ولد المريض وسأله أن يعافى أباه فوعده بذلك، وأن أباه لا يموت فى هذه المرضة فاشتد به الوجع [١٠٦] فعاوده فأجابه بمثل ذلك، ثم مات المريض، فجاءه ابنه وقال له: لا أدعك حتى تعيده حيّا كما وعدتنى فقال له شرف: دع هذا فإن الدولة ظالمة ولا تفتح هذا الباب فإنه يؤدى إلى إلزامنا بإحياء من أرادوا إحياءه ممن يموت.
وأخبرنى المخبر أنّ شرفا هذا المذكور فيه كرم نفس وخدمة لمن يرد عليه من الأضياف وغيرهم.
ولما رسم بإبطال ما ذكرناه وبناء المساجد بقرى النّصيريّة كتب مرسوم شريف سلطانى من إنشاء القاضى كمال الدين بن الأمير مضمونه.
بسم الله الرحمن الرحيم «الحمد لله الذى جعل الدين المحمدىّ فى أيامنا الشريفة قائما على أثبت عماد واصطفانا لإشادة أركانه وتنفيذ أحكامه من بين العباد، وسهل علينا من إظهار شعائره ما رام من كان قبلنا تسهيله فكان عليه صعب الانقياد، وادّخر لنا من أجور نصره أجلّ ما يدّخر ليوم يفتقر فيه لصالح الاستعداد، نحمده على نعم بلغت من إقامة منار الحق المراد، وأخمدت نار الباطل بمظافرتنا ولولاها لكانت شديدة الاتقاد [١] ونكّست رءوس الفحشاء فعادت على استحياء إلى مستسنّها أقبح معاد. ونشكره على أن سطّر فى صحائفنا من غرر السّير ما تبقى بهجته ليوم المعاد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يجدها العبد يوم يقوم الأشهاد، وتسرى أنوار هديها فى البرايا فلا تزال آخذه فى الازدياد ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذى بعثه الله بالإنذار ليوم التناد والإعذار إلى من قامت عليه الحجة بشهادة الملكين فأوضح له سبيل الرشاد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه- الذين منهم من ردّ أهل الرّدّة إلى الدين القويم أحسن ترداد [٢] ومنهم من عم بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر سائر العباد والبلاد، ومنهم من بذل ماله للمجاهدين ونفسه فى الجهاد، ومنهم من دافع عن الحق فلا برح فى جدال عنه وفى جلاد صلاة تهدى إلى السداد ويقوّم المعوج وتثقف [٣] المياد، وسلم تسليما كثيرا وبعد
стр. 12760
فإن الله تعالى منذ ملكنا أمور خلقه، وبسط قدرتنا فى التصرف فى عباده، والمطالبة بحقه، وفوّض إلينا القيام بنصرة دينه، وفهّمنا أنه تعالى قبض قبل خلق الخلائق قبضتين فرغبنا أن نكون من قبضة يمينه، وألقى إلينا مقاليد المماليك، وأقام [١] الحجة علينا بتمكين البسطة [١] وعدم التشاقق فى ذلك ومهّد لنا من الخير ما على غيرنا توعّر، وأعد [٢] لنا من النصر ما أجرانا فيه على عوائد لطفه، لا عن مرح فى الأرض ولا عن خدّ مصعر وألهمنا إعلاء كلمة الإسلام، وإعزاز الحلال وإذلال الحرام، وأن تكون كلمة الله هى العليا وأن لا نختار علي الدار الآخرة دار الدنيا، وأن ندور مع الحقّ حيث دار، ونرغب عن هذه الدار بما أعدّه الله من جنّاته فى تلك الدار، فلم نزل [٣] نقيم للدين شعارا ونعفى المنكر [٤] ونعلن فى النصيحة لله ورسوله ونسرّ إسرارا، ونتتبع أثر منكر نعفّيه، وممطول بحقه نوفّيه ومعلم قربه نشيّده [٥] ومخذولا استظهر عليه الباطل نؤيّده، وذا كربة نفرّجها وغريبة فحشاء استطردت بين أدواء الحيل نخرجها وميتة سيئة تستعظم النفوس زوالها فنجعلها هباء منثورا، وجملة عظيمة أسست على غير التقوى مبانيها فيحطمها كرمنا إذا الجزاء عنها كان موفورا.
فآستقصينا ذلك فى ممالكنا الشريفة مملكة مملكة واستطردنا فى إبطال كل فاحشة موبقة مهلكة، فعفّينا من ذلك بالديار المصرية ما شاع خبره، وظهر بين الأنام أثره، وطبّقت محاسنه الآفاق ولهجت به ألسنة الرعايا والرفاق، من مكوس أبطلناها، وجهات سوء عطّلناها، ومظالم رددناها إلى أهلها، وظلمة زجرناها عن ظلمها وغيها وبواق تسامحنا بها وسمحنا وطلبات خففنا عن العباد بتركها وأرحنا، ومعروفا أقمنا دعائمه وبيوتا لله آثرنا منها كل نائية، ثم بثثنا ذلك فى سائر الممالك الشامية المحروسة، وجنينا ثمرات النصر من شجرات العدل التى هى بيد يقظتنا مغروسة» .
стр. 12761
ولما اتصل بعلومنا الشريفة أن بالمملكة الطرابلسية آثار سوء ليست فى غيرها ومواطن [١٠٧] فسق لا يقدر غيرنا على دفع ضررها وضيرها، ومظان آثام يجد الشيطان فيها مجالا فسيحا، وقوى لا يوجد بها من [١] كان إسلامه مقبولا ولا من كان دينه [١] صحيحا، وخمورا يتظاهر بها، ويتّصل سبب الكبائر بسببها، وتشاع فى الخلائق تجاهرا وتشاع على رءوس الأشهاد فلا يوجد لهذا المنكر منكرا، ويحتج فى ذلك [٢] بمقررات سحت لا تجدى نفعا، وتبقى بين يدي آخذها كأنها حية تسعى [٢] .
ومما أنهى إلينا أن بها حانة عبّر عنها بالأفراح قد تطاير شررها، وتفاقم ضررها، وجوهر فيها بالمعاصى وآذنت- لولا حلم الله وإمهاله- بزلزلة الصياصى [٣] وغدت لأولى الأهوية [٤] مجمعا، ولذوى الفساد مربعا ومرتعا، يتظاهر فيها بما أمر بستره من القاذورات، ويؤتى ما يجب تجنبه من المحذورات، ويسترسل فى الانشراح فيها إلى ما يؤدى إلى غضب الجبار وتتهافت النفوس بها كالفراش على الاقتحام فى النار.
ومنها أن السجون إذا سجن بها أحد يجمع عليه بين السجن وبين الطلب وإذا أفرج عنه ولو فى يومه- انقلب إلى أهله من الخسارة أسوأ [٥] منقلب، فهو لا يجد سرورا بفرجه ولا يحمد [٦] عقبى مخرجه.
ومنها أن بالأطراف القاصية من هذه المملكة قرى سكانها يعرفون بالنّصيريّة لم يلج الإسلام لهم قلبا ولا خالط لهم لبّا، ولا أظهروا له بينهم [٧] شعارا، ولا أقاموا له منارا، بل يخالفون أحكامه، ويجهلون حلاله وحرامه، ويخلطون ذبائحهم بذبائح المسلمين، ومقابرهم بمقابر أهل الدين، وكل ذلك
стр. 12762
مما يجب ردعهم عنه شرعا، ورجوعهم فيه إلى سواء السبيل أصلا وفرعا، فعند ذلك رغبنا أن نفعل فى هذه الأمور ما يبقى ذكره مفخرة على ممرّ الأيام وتدوم بهجته بدوام دولة الإسلام ونمحو منه فى أيامنا الشريفة ما كان على غيرها عارا، ونسترجع للحق من الباطل ثوبا طالما كان لديه معارا ونثبت فى سيرة [١] دولتنا الشريفة عوارف لا تزال مع الزمن تذكر ونتلو على الأسماع قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ
[٢] .)
فلذلك رسم بالأمر الشريف العالى المولوى
السلطانى الملكى الناصرى- لا زال بالمعروف آمرا، وعن المنكر ناهيا وزاجرا، والامتثال لأوامر الله مسارعا ومبادرا- وأن يبطل من المعاملات بالمملكة الطرابلسية ما يأتى ذكره، وهو جهات الأفراح المحذورة بالفتوحات خارجا عما لعله يستقر من ضمان الفرح الخيّر [٣] وتقديرها سبعون ألف درهم، السجون بالمملكة الطرابلسية خارجا عن سجن طرابلس بحكم أنه أبطل بمرسوم شريف متقدم التاريخ، وتقديرها عشرة آلاف درهم سخر [٤] الأقصاب المحدث ما بين أقصاب الديوان المعمور التى كان فلاحو الكورة [٥] بطرابلس يعملون بها، ثم أعفوا عن العمل، وقرر عليهم فى السنة تقدير ألفى درهم أقصابا؛ أقصاب الأمراء بحكم أن بعض الأمراء كانت لهم جهات تزرع الأقصاب، وقدروا على بقية فلاحيهم العمل بها أو القيام بنظير أجرة العمل، وتقدير ذلك، ثلاثة آلاف درهم، عفاية النيابة بكورة طرابلس وأنفه [٦] البثرون [٧] وما معه
стр. 12763
بحكم أن المذكورين كانوا يبيتون على المراكز بالبحر، فلما سدّت المراكز بالعساكر المنصورة قرر علي كل نفر فى السنة ستة دراهم، وتقدير ذلك عشرة آلاف درهم حق الديوان بصهيون [١] وبلاطنس [٢] عمن كان يعانى حصيها [٣] وتقدير متحصل ذلك ثلاثة الآف درهم. هبة البيادر بنواحى الكهف، مستجدة مما كان يستأدى عن كل فدان ثلاثة دراهم، وتقدير متحصله ألف درهم ضمان المستغل بطرابلس مما كان أولا بديوان النيابة بالفتوحات ثم استقر فى الديوان المعمور [١٠٨] فى شهور سنة ست عشرة وسبعمائة وتقديره أربعة الآف درهم.
ما استجد فى إقطاعات بعض الأمراء على الفلاحين مما لم تجربه عادة من حقّ حشيش وملح وضيافة، وتقديره ستة آلاف درهم فليبطل ذلك على مرّ الأزمنة والدهور إبطالا باقيا إلى يوم النشور، لا يطلب ولا يستأدى ولا يبلغ الشيطان فى بقائه مرارا وليقرأ مرسومنا هذه على المنابر ويشاع ويستجلب لنا به الأدعية الصالحة فإنها نعم المتاع.
وأما النصيرية فليعمّ فى بلادهم بكل قرية مسجد وليطلق له من أرض القرية المذكورة قطعة أرض تقوم به، وبمن يكون فيه للقيام بمصالحه على حسب الكفاية، بحيث يستنيب الجناب العالى الأميرى الكبيرى العالمى العادلى الزعيمى الكافلى الممهدى المشيّدى الذخرى الشهابى نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والحصون المحروسة ضاعف الله نعمته- من جهته من يثق إليه لأفراد الأراضى المذكورة، وتحديدها وتسليمها لأئمة المساجد المذكورة، وفصلها عن أراضى المقطعين، ويعمل بذلك أوراق ويخلّد بالديوان المعمور حتى لا يبقى لأحد من المقطعين فيها كلام، وينادى فى
стр. 12764
المقطعين وأهل البلاد المذكورة بصورة ما رسمنا به فذلك وكذلك رسمنا أيضا بمنع النصيرية المذكورين من الخطاب وأن لا يمكنوا بعد ورود [١] مرسومنا هذا من الخطاب جملة كافة [٢] وتؤخذ الشهادة على أكابرهم، ومشايخ قراهم بأن لا يعود أحد إلى التظاهر بالخطاب، ومن تظاهر به [٣] قوتل أشد مقاتلة فلتعتمد مراسمنا الشريفة ولا يعدل عن شئ منها، ولتجر المملكة الطرابلسية مجرى بقيّة الممالك المحروسة فى عدم التظاهر بالمنكرات وتعقبه آثار الفواحش وإقامة شعائر الدين القويم فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
[٤] والاعتماد على الخط الشريف أعلاه إن شاء الله .
كتب فى السابع من شوال سنة سبع عشرة وسبعمائة حسب المرسوم الشريف والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
هذا ما تضمنه المرسوم السلطانى ومنه نقلت وقد كانت كتبت فتيا فى أمر النصيرية وتضمنت اعتقادهم وما هم عليه، وأجاب عن ذلك الشيخ تقى الدين ابن تيمية، وقد رأينا أن نذكر نص الفتيا والجواب فى هذا الموضع، لما فى ذلك بيان ما تعتقده هذه الطائفة الملعونة، والذى كتب هذه الفتيا التى تذكر، شهاب الدين أحمد بن محمود بن مرى الشافعى ونسختها بعد البسملة.
ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضى الله عنهم أجمعين، وأعانهم على إظهار الحق المبين وإخماد [٥] شغب المبطلين، فى النصيرية القائلين باستحلال الخمر، وتناسخ الأرواح، وقدم العالم، وإنكار البعث والنشور، والجنة والنار فى غير الحياة الدنيا وبأن الصلوات الخمس عبارة عن خمسة أسماء [٦] وهى: على، وحسن، وحسين، ومحسن، وفاطمة، فذكر هذه الأسماء الخمسة
стр. 12765
على رأيهم يجزيهم عن الغسّل من الجنابة والوضوء وبقية شروط الصلوات الخمسة وواجباتها وبأن الصيام عندهم عبارة عن اسم ثلاثين رجلا واسم ثلاثين امرأة يعدونهم فى كتبهم، ويضيق هذا الموضع عن إيرادهم [١] وبأن إلههم الذى خلق السموات والأرض هو، علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه فهو عندهم إله فى السماء والإمام فى الأرض، وكانت الحكمة [١٠٩] فى ظهور اللاهوت بهذا الناسوت على رأيهم أنه يؤنس خلقه وعبيده وليعلمهم كيف يعرفونه ويعبدونه.
وبأن النصيرى عندهم لا يصير نصيريا مؤمنا يجالسونه ويشربون معه الخمر ويطلعونه على أسرارهم، ويزوّجونه من نسائهم حتى يخاطبه معلمه.
وحقيقة الخطاب عندهم أن يحلّفوه على كتمان دينه ومعرفة شيخه [٢] وأكابر أهل مذهبه وعلى أن لا ينصح مسلما ولا غيره إلا من كان من أهل دينه وعلى أن يعرف ربّه وإمامه بظهوره فى أكواره [٣] وأدواره فيعرف انتقال الاسم والمعنى فى كل حين وزمان فالاسم عندهم فى أول الناس آدم، والمعنى شيث [٤] والاسم هو يعقوب والمعنى يوسف، ويستدلون على هذه الصورة- كما يزعمون- بما فى القرآن العزيز حكاية عن يعقوب ويوسف ﵉، فيقولون: أما يعقوب فإنه كان الاسم فما قدر أن يتعدى منزلته فقال سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي
[٥] وأما يوسف فإنه كان المعنى المطلوب، فقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
[٦] فلم يعلّق الأمر بغيره لأنه علم أنه هو الإله المتصرف، ويجعلون موسى هو الاسم ويوشع هو المعنى ويقولون يوشع [٧] ردت له الشمس لما أمرها فأطاعت أمره. وهل ترد الشمس إلا لربها؟! ويجعلون سليمان هو الاسم
стр. 12766
وآصف [١] هو المعنى ويقولون سليمان عجز عن إحضار عريش بلقيس، وقدر عليه آصف؛ لأن سليمان كان الصورة وآصف كان المعنى القادر المقتدر، وقد قال قائلهم: هابيل سام يوسف يوشع آصف شمعون الصفا حيدر.
ويعدون الأنبياء والمرسلين واحدا واحدا على هذا النمط إلى زمن رسول الله ﷺ فيقولون: محمد هو الاسم وعلى هو المعنى ويوصلون العدد على هذا الترتيب فى كل زمان إلى وقتنا هذا.
فمن حقيقة الخطاب والدين عندهم أن يعلم أنّ عليا هو الرّبّ وأن محمدا هو الحجاب، وأن سليمان [٢] هو الباب وأنشدنا بعض أكابر رؤسائهم وفضلائهم لنفسه فى شهور سنة سبعمائة فقال:
أشهد أن لا إله إلا ... حيدرة الأنزع البطين
ولا حجاب عليه إلا ... محمد الصادق الأمين
ولا طريق إليه إلا ... سليمان [٢] ذو القوة المتين
ويقولون إن ذلك على هذا الترتيب لم يزل ولا يزال، وكذلك الخمسة الأيتام، والإثنا عشر نقيبا، وأسماؤهم مشهورة عندهم ومعلومة [٣] من كتبهم الخبيثة فإنهم لا يزالون يظهرون مع الرب والحجاب والباب فى كل كور ودور أبدا سرمدا على الدوام والاستمرار، ويقولون إن إبليس الأبالسة هو عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- ويليه [٤] فى رتبة الإبليسية أبو بكر ثم عثمان رضى الله عنهم أجمعين وشرفهم وأعلى رتبتهم على أقوال الملحدين، وانتحال أنواع الغالين [٥] والمفسدين فلا يزالون موجودين فى كل وقت دائما حسبما ذكر من الترتيب. ولمذاهبهم الفاسدة شعب وتفاصيل ترجع إلى هذه الأصول المذكورة.
стр. 12767
وهذه الطائفة الملعونة استولت على جانب كبير من بلاد الشام، فهم معروفون مشهورون متظاهرون بهذا المذهب وقد حقق أحوالهم كلّ من خالطهم وعرفهم من عقلاء المسلمين وعلمائهم، ومن عامة الناس أيضا في هذا الزمان، لأن أحوالهم كانت مستورة عن أكثر الناس وقت استيلاء الفرنج [المخزولين] [١] على البلاد الساحلية، فلما صارت بلاد الإسلام [٢] انكشف حالهم وظهر ضلالهم، والابتلاء بهم كثير جدا. فهل يجوز لمسلم أن يزوجهم أو يتزوّج منهم أو يحل أكل ذبائحهم والحالة هذه أم لا؟ وما حكم الجبن المعمول من أنفحة ذبيحتهم؟ وما حكم أوانيهم وملابسهم؟ وهل يجوز دفنهم بين المسلمين أم لا؟
وهل يجوز استخدامهم فى ثغور المسلمين وتسليمها إليهم، أم يجب على ولى الأمر قطعهم واستخدام غيرهم من المسلمين الكفاة [٣] ؟ وهل يأثم إذا أخر طردهم؟ أم يجوز له التمهل [مع أن فى عزمه ذلك] [٤] وإذا استخدمهم وقطعهم، أولم يقطعهم هل يجوز له صرف أموال بيت المال عليهم؟ وإذا صرفها وتأخر لبعضهم بقية من معلومه المسمى فأخره ولى الأمر عنه وصرفه على غيره من المسلمين أو المستحقين، أو أرصده لذلك، هل يجوز له فعل هذه الصور؟
أم يجب عليه؟ [٥] وهل دماء النصيرية المذكورين مباحة وأموالهم فئ حلال أم لا؟ وإذا جاهدهم ولى الأمر أيده الله تعالى بإخماد باطلهم، وقطعهم من حصون المسلمين، وتحذير أهل الإسلام من مناكحتهم وأكل ذبائحهم وأمرهم [٦] بالصوم والصلاة، ومنعهم من إظهار دينهم الباطل- وهم الذين [٧] يلونه من الكفار هل ذلك أفضل وأكثر أجرا من التصدىّ والترصد لقتال التتار فى بلادهم وهدم بلاد سيس، وديار الفرنج على أهلها أم هذا أفضل؟ وهل يعدّ مجاهد النّصيريّة المذكورين مرابطا؟ [١١٠] ويكون أجره كأجر المرابط فى الثغور
стр. 12768
على ساحل البحر خشية قصد الفرنج أكبر أم هذا أكثر أجرا؟ وهل يجب على من عرف المذكورين ومذاهبهم أن يشهّر أمرهم ويساعد على إبطال باطلهم، وإظهار الإسلام بينهم فلعل الله تعالى أن يهدى بعضهم إلى الإسلام، وأن يجعل من ذريتهم وأولادهم ناسا مسلمين بعد خروجهم من ذلك الكفر العظيم، أم يجوز التغافل عنهم والإهمال؟ وما قدر أجر المجتهد على ذلك والمجاهد فيه، والمرابط له والعازم عليه؟ وليبسطوا القول فى ذلك مثابين مأجورين إن شاء الله تعالى إنه على كل شئ قدير، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فآجاب الشيخ تقى الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحّرانى عن هذه الفتيا.
الحمد لله رب العالمين، هؤلاء القوم المسمون بالنصرية هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمّة محمد ﷺ أعظم من ضرر الكفار المحاربين، مثل كفار التتار والفرنج وغيرهم، فإن هؤلاء يتظاهرون عند جهال المسلمين بالتشيع، وموالاة أهل البيت، وهم فى الحقيقة لا يؤمنون بالله، ولا برسوله ولا بكتابه ولا بأمر ولا بنهى، ولا ثواب ولا عقاب، ولا جنة ولا نار، ولا بأحد من المرسلين [١] قبل محمد ﷺ ولا بملة من الملل السالفه، بل يأخذون كلام الله ورسوله المعروف عند [علماء] [٢] المسلمين يتأولونه على أمور يفترونها يدّعون أنها علم الباطن، من جنس ما ذكره السائل ومن غير هذا الجنس، وأنهم ليس لهم حدّ محدود مما يدّعونه من الإلحاد فى أسماء الله وآياته وتحريف كلام الله ورسوله عن مواضعه، ومقصودهم إنكار الإيمان وشرائح الإسلام بكل طريق، مع التظاهر بأن لهذه الأمور حقائق يعرفونها من جنس ما ذكره السائل؛ من جنس قولهم: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، و «الصيام المفروض» كتم أسرارهم، و «حج البيت العتيق» زيارة شيوخهم وإن [٣] «يدا أبى لهب» هما أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وإن النبأ العظيم والإمام المبين على بن أبى طالب رضى الله عنه، ولهم فى معاداة
стр. 12769
الإسلام وأهله وقائع مشهورة وكتب مصنفة، فإذا كانت لهم مكنة سفكوا دماء المسلمين، كما قتلوا مرّة الحجّاج وألقوهم فى بئر زمزم وأخذوا مرّة الحجر الأسود فبقى عندهم مدّة، وقتلوا من علماء المسلمين ومشايخهم وأمرائهم وجندهم ما لا يحصى عدده إلا الله تعالى [١] وصنفوا كتبا كثيرة بها ما ذكره السائل وغيره وصنف علماء المسلمين كتبا فى كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وبينوا فيها ما هم عليه من الكفر والزندقة، والإلحاد الذى هم فيه أكبر من اليهود والنصارى، ومن براهمة الهند الذين يعبدون الأصنام، وما ذكره السائل فى وصفهم قليل من الكثير الذى يعرفه العلماء فى وصفهم.
ومن المعلوم عندهم أن السواحل الشامية إنما استولى عليها النصارى من جهتهم، وهم دائما مع كل عدوّ للمسلمين، فهم مع النصارى على المسلمين، ومن أعظم المصائب عندهم [٢] فتح المسلمين للسواحل وانقهار النصارى؛ بل ومن أعظم المصائب عندهم [٢] انتصار المسلمين على التتار ومن أعظم أعيادهم إذا استولى- والعياذ بالله تعالى- النصارى على ثغور المسلمين، فإن ثغور المسلمين ما زالت بأيدى المسلمين حتى جزيرة قبرص يسّر الله فتحها من حين فتحها المسلمون فى ولاة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى الله عنه، فتحها معاوية بن أبى سفيان، ولم تزل تحت حكم المسلمين إلى أثناء المائة الرابعة فإن هؤلاء المحاربين لله ورسوله كثروا بالسواحل وغيرها، فاستولى النصارى على الساحل، ثم بسببهم استولوا على القدس الشريف وغيره، فإن أحوالهم كانت من أعظم الأسباب فى ذلك. ثم لما أقام الله ملوك المسلمين المجاهدين فى سبيل الله تعالى؛ كنور الدين الشهيد وصلاح الدين وأتباعهما وفتحوا السواحل من النصارى وممن كان بها منهم، وفتحوا أيضا أرض مصر، فإنهم [٣] كانوا مستولين عليها نحو مائتى سنة، واتفقوا هم والنصارى فجاهدهم المسلمون حتى فتحوا البلاد، ومن ذلك التاريخ انتشرت دعوة الإسلام بالديار المصرية والشامية.
стр. 12770
ثم إن التتار ما دخلوا ديار الإسلام، وقتلوا خليفة بغداد وغيره من ملوك الأمصار [١] الا بمعاونتهم ومؤازرتهم، فإن منجّم هولاكو الذى كان وزيره وهو النّصير الطّوسى [٢] كان وزيرا لهم بالموت [٣] وهو الذى أمرهم بقتل الخليفة وبولاية هؤلاء ولهم [٤] ألقاب معروفة عند المسلمين تارة يسمون [١١١] الملاحدة، وتارة يسمون القرامطة [٥] وتارة يسمون الباطنيّة، وتارة يسمون الإسماعيلية وتارة يسمون النّصيريّة، وتارة يسمون الخرمية [٦] وتارة يسمون المحمرة [٧] ، وهذه الأسماء منها ما يعمّهم ومنها ما يخصّ بعض أصنافهم كما أن الإسلام والإيمان يعمّ المسلمين، ولبعضهم اسم يخصّه، إما لنسب، وإمّا لمذهب، وإما لبلد، وإما لغير ذلك. وشرح مقاصدهم يطول كما قال بعض العلماء فيهم ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض، وحقيقة أمرهم أنهم لا يؤمنون بنبىّ من الأنبياء والمرسلين، لا نوح ولا إبراهيم ولا موسى، ولا عيسى، ولا محمد صلوات الله عليهم، ولا بشئ من الكتب [٨] المنزلة؛ لا التوراة، ولا الإنجيل، ولا القرآن، ولا يقرّون بأن للعالم خالقا خلقه ولا بأن له دينا أمر به، ولا أن له دارا يجرى الناس فيها على أعمالهم غير هذه الدار.
стр. 12771
وهم تارة يبنون قولهم على مذاهب الفلاسفة الطبيعيين والإلهيين، وتارة يبنونه على قول المجوس الذين يعبدون النّور [١] ويضمون إلى ذلك الرفض، ويحتجون لذلك من كلام النبوات، إما بقول مكذوب ينقلونه؛ كما ينقلون [٢]
عن النبى ﷺ أنه قال: أول ما خلق الله العقل
. والحديث موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، ولفظه أن الله لما خلق العقل قال، له أقبل فقال، له أدبر. فأدبر، فيحرفون لفظه ويقولون أول ما خلق الله العقل ليوافق قول المتفلسفة اتباع أرسطو فى أن [٣] أول الصادرات [٤] عن واجب الوجود هو العقل، وإمّا بلفظ أنابت عن النبى ﷺ فيحرفونه عن مواضعه كما يصنع أصحاب رسائل إخوان الصفا ونحوهم، فإنهم من أئمتهم، وقد دخل كثير من باطلهم على كثير من المسلمين، وراج عليهم حتى صار ذلك فى كتب طوائف من المنتسبين إلى العلم والدين وإن كانوا لا يوافقونهم على أصل كفرهم؛ فإن هؤلاء لهم إظهار دعوتهم الملعونة التى يسمونها [٥] الدعوة الهادية. وهى درجات متعددة، ويسمون النهاية البلاغ الأكبر والناموس الأعظم ومضمون البلاغ الأكبر جحد الخالق تعالى، والاستهزاء به وبمن يقّر به حتى قد يكتب أحدهم اسم الله فى أسفل رجله، وفيه أيضا جحد شرايعة ودينه وما جاء به الأنبياء، ودعوى أنهم كانوا من جنسهم طالبين للرئاسة فمنهم من أحسن فى طلبها ومنهم من أساء فى طلبها حتى قتل. ويجعلون محمدا وموسى من القسم الأول، ويجعلون المسيح من القسم الثانى، وفيه من الاستهزاء بالصلاة والزكاة، والصوم والحج وتحليل نكاح ذوى المحارم وسائر الفواحش ما يطول شرحه.
ولهم إشارات ومخاطبات يعرف بها بعضهم بعضا، وهم إذا كانوا فى بلاد المسلمين التى يكون [٦] فيها أهل الإيمان فقد يخفون على من لا يعرفهم وأما إذا كثروا فإنه يعرفهم عامة الناس فضلا عن خاصتهم.
стр. 12772
وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا يجوز مناكحتهم ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم.
وأما الجبن المعمول بأنفحتهم ففيه قولان مشهوران للعلماء كسائر أنفحة الميتة، وكأنفحة ذبيحة المجوس، وذبيحة الفرنج، الذين يقال عنهم إنهم لا يذكون الذبائح، فذهب أبو حنيفة، وأحمد فى إحدى الروايتين أنه يحل هذا الجبن، لأن أنفحة الميتة طاهرة على هذا القول، لأن الأنفحة لا تموت بموت البهيمة، وملاقاة الوعاء النجس فى الباطن لا ينجس، ومذهب مالك والشافعى، وأحمد فى الرواية الأخرى: أن هذا الجبن نجس؛ لأن الأنفحة عند هؤلاء نجسة، لأن لبن أنفحتها عندهم نجس، ومن لا تؤكل ذبيحته فذبيحته كالميتة. وكل من أصحاب القولين يحتج بآثار ينقلها عن الصحابة فأصحاب القول الأول نقلوا أنهم إنما أكلوا جبن المجوس وأصحاب القول الثانى نقلوا أنهم إنما أكلوا ما كانوا يظنون أنه من جبن النصارى فهذه مسألة اجتهاد للمقلد أن يقلد من يفتى بأحد القولين.
وأما أوانيهم وملابسهم فكأوانى المجوس وملابس المجوس على ما عرف من مذاهب الأئمة والصحيح فى ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها فإن ذبائحهم ميتة فلا بد أن يصيب أوانيهم [١١٢] المستعملة ما يطبخونه من ذبائحهم فيتنجس بذلك. فأما الآنية التى لا يغلب على الظن وصول النجاسة إليها فتستعمل من غير غسل كآنية اللبن التى لا يضعون فيها طبيخهم أو يغسلونها قبل وضع اللبن فيها، (وقد توضأ عمر بن الخطاب) [١] رضى الله عنه من جرة نصرانية فما شك فى نجاسته ولم يحكم بنجاسته بالشك ولا يجوز دفنهم بين [٢] مقابر المسلمين ولا يصلى على من مات منهم؛ فإن الله تعالى نهى نبيه ﷺ عن الصلاة على المنافقين كعبد الله بن أبىّ ونحوه وكانوا يتظاهرون بالصلاة والزكاة والصيام، والجهاد مع المسلمين ولا يظهرون مقالة تخالف دين المسلمين، لكن يسرون ذلك فقال الله تعالى وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ
[٣] فكيف بهؤلاء الذين هم مع الزندقة والنفاق يظهرون الكفر والإلحاد؟
стр. 12773
وأما استخدام مثل هؤلاء فى ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر، وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعى الغنم فإنهم من أغش [١] الناس للمسلمين ولولاة أمورهم، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة وهم شر من المخامر الذى يكون فى العسكر، فإن المخامر قد يكون له غرض، إما مع أمير العسكر وإما مع العدو وهؤلاء لهم غرض مع الملة ونبيها ودينها وملوكها وعلمائها وعامتها، وخاصتها، وهم أحرص الناس على تسليم الحصون إلى عدو المسلمين وعلى إفساد الجند على ولى الأمر وإخراجهم عن طاعته.
ويجب على ولاة الأمور قطعهم من دواوين المعاملة، ولا يتركون فى ثغر ولا فى غير ثغر، وضررهم فى الثغور أشدّ. وأن يستخدموا بدلهم من يحتاج إلى استخدامه من الرجال المأمونين على دين الإسلام، وعلى النّصح لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، بل إذا كان ولّى الأمر لا يستخدم من يغشّه وإن كان مسلما، فكيف يستخدم من يغشه ويغش المسلمين كلهم؟! ولا يجوز له تأخير هذا الواجب مع القدرة عليه، بل أى وقت قدر على الاستبدال بهم وجب عليه ذلك.
وإما إذا استخدموا وعملوا العمل المشروط عليهم فلهم إما المسمى وأما أجرة المثل، لأنهم عوقدوا على ذلك، فإن كان العقد صحيحا وجب المسمى، وإن كان فاسدا وجب أجرة المثل، وإن لم يكن استخدامهم من جنس الإجازة فهو من جنس الجعالة الجائزة، لكن هؤلاء لا يجوز استخدامهم فالعقد عقد فاسد فلا يستحقون الا قيمة عملهم، فإن لم يكونوا عملوا عملا له قيمة فلا شئ لهم، لكن دماؤهم [٢] مباحة وكذلك أموالهم إذا لم يكن لهم ورثة من المسلمين وإن كان لهم ورثة من المسلمين فقد يقال إنهم بمنزلة المرتدين، والمرتد هل يكون ماله لورثته المسلمين؟ فيه نزاع مشهور. وقد يقال إنهم بمنزلة المنافقين، والمنافقون يرثهم ورثتهم المسلمون فى أصح القولين لكن هؤلاء المسئول عنهم لا يكاد يكون لهم وارث من المسلمين [٢] وإذا أظهروا التوبة ففى قبولها منهم نزاع بين العلماء فمن قبل توبتهم إذا التزموا شريعة الإسلام أقر أموالهم عليهم.
стр. 12774
ومن لم يقبلها لم تنقل إلى [١] ورثتهم من [٢] جنسهم، فإن مالهم يكون فيأ لبيت المال، لكن هؤلاء إذا أخذوا فإنهم يظهرون التوبة إذ أصل مذهبهم التقية وكتمان أمرهم، وفيهم من يعرف ومن قد لا يعرف. فالطريق فى ذلك أن يحتاط فى أمرهم، ولا يتركون مجتمعين، ولا يمكّنون من حمل السلاح، ولا أن يكونوا من المقاتلة، ويلزمون بشرايع الإسلام من الصلوات الخمس وقراءة القرآن ويترك بينهم من يعلّمهم دين الإسلام، ويحال بينهم وبين معلّميهم، فإن أبا بكر الصديق رضى الله عنه وسائر الصحابة لما ظهروا على أهل الرّدّة وجاءوا إليه قال لهم الصديق. اختاروا منّى إما الحرب المجلية وأما السلم المخزية؟ قالوا يا خليفة رسول الله هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية؟ قال تدون قتلانا ولا ندى قتلاكم، وتشهدون أن قتلانا فى الجنة وقتلاكم فى النار ونغنم [٣] ما أصبنا من أموالكم وتردّون ما أصبتم من أموالنا، وننزع منكم الحلقة والسلاح وتمنعون من ركوب الخيل، وتتركون تتبعون أذناب الإبل، حتى يرى الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا يعذرونكم به فوافقه الصحابه فى ذلك إلا في تضمين قتلى المسلمين، فإن عمر بن الخطاب رضى الله قال: هؤلاء قتلوا فى سبيل الله وأجورهم على الله؛ يعنى هم شهداء فلادية لهم فاتفقوا على قول عمر فى ذلك.
وهذا الذى اتفق الصحابة عليه هو مذهب أئمة العلماء، الذى تنازعوا فيه تنازع [١١٣] فيه العلماء فذهب أكثرهم أن من قتله المرتدون المجتمعون المحاربون لا يضمن كما اتفقوا عليه آخر، وهو مذهب أبى حنيفه وأحمد فى إحدى الروايتين، ومذهب الشافعى وأحمد فى الرواية الأخرى: هو القول الأول.
فهذا الذى فعله الصحابة، فأولئك المرتدين [٤] بعد عودهم إلى الإسلام يفعل بمن أظهر الإسلام والتهمة ظاهرة فيه فيمنع من أن يكون من أهل الخيل
стр. 12775
والسلاح والدروع التى يلبسها المقاتلة، فلا يترك فى الجند [١] كما لا يتّرك فى الجند [١] من يكون يهوديا ولا نصرانيا، [٢] ويلزمون بشرائع [٢] الإسلام حتى يظهر ما يفعلونه من خير أو شر، من كان من أئمة ضلّالهم وأظهر التوبة أخرج عنهم، وسيّر إلى بلاد المسلمين الذين ليس لهم بها ظهور فإما أن يهديه الله تعالى وإما أن يموت على نفاقه من غير مضرة المسلمين [٣] . ولا ريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين، والصديق وسائر الصحابة بدءوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب فإن هؤلاء [٤] من جنس جهاد المرتدين، والصديق وسائر الصحابة بدأوا بجهاد المرتدين قبل جهاد الكفار من أهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء [٤] حفظ لما فتح من بلاد الإسلام، وينبغى أن يدخل فيه من أراد الخروج عنه، وجهاد من لم يقاتلنا من المشركين وأهل الكتاب من زيادة إظهار الدين، وحفظ رأس المال مقدم على الربح.
وأيضا فضرر هؤلاء على المسلمين أعظم من ضرر أولئك بل ضرر هؤلاء من جنس ضرر من يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، وضررهم فى الدين على كثير من الناس أشد من ضرر المحاربين من المشركين وأهل الكتاب.
ويجب على كل مسلم أن يقوم فى ذلك بحسب ما يقدر عليه من الواجب فلا يحل لأحد أن يكتم ما يعرفه من أخبارهم بل يفشيها ويظهرها ليعرف المسلمون حقيقة حالهم، ولا يحل لأحد أن يعاونهم على بقائهم فى الجند والمستخدمين ولا يحل لأحد أن ينهى عن القيام بما أمر الله به ورسوله، فإن هذا من أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والجهاد فى سبيل الله تعالى، وقد قال الله تعالى لنبيّه ﷺ . يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ*
[٥] وهؤلاء لا يخرجون عن الكفار والمنافقين،
стр. 12776
والمعاون على كفّ شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم كما قال الله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ
[١] قال أبو هريرة رضى الله عنه: كنتم خير الناس للناس؛ تأتون بهم فى القيود والسلاسل حتى تدخلوهم فى الإسلام.
فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان، فمن هداه الله منهم سعد فى الدنيا والآخرة، ومن لم يهتد كفّ ضرره عن غيره.
ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو أفضل الأعمال، كما قال ﷺ «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله تعالى» وفى الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «إن فى الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله تعالى للمجاهدين فى سبيله» [٢] وقال ﷺ ، «رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مجاهدا وجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتن» [٣] والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ.
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ. خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
[٤] [والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين] [٥] .
стр. 12777
ذكر ظهور رجل ادعى أنه محمد بن الحسن المهدى وقتله
وفى سابع عشر ذى الحجة سنة سبع عشرة وسبعمائة ظهر رجل من أرض قرطياؤس من عمل جبلة فادعى أنه محمد بن الحسن المهدى، وقال للناس إنه [١] بينما هو يحرث إذ جاءه طائر أبيض فنقب جنبه وأخرج روحه منه، [١١٤] ونقل إليه روح محمد بن الحسن. وصدقوه فيما ادعاه ودعاهم إلى طاعته فاجتمع عليه طائفة من النصيرية تقدير خمسة الآف رجل وأمرهم بالسجود له ففعلوا وأحل لهم شرب الخمر وترك الصلاة وأعلن هو وأصحابه بقولهم لا إله إلا على، ولا حجاب إلا محمد ورفع راية حمراء وشمعة كبيرة توقد بالنهار يحملها شاب أمرد ادعى أنه إبراهيم بن أدهم وأنه أجباه [٢] وسمى [أخاه المقداد بن الأسود الكندى] [٣] وأباه سلمان الفارسى وسمى آخر جبريل وكان يقول له، اطلع إليه فقل له كذا وكذا يشير إلى البارى جلّ وعلا وهو يزعمه على بن أبى طالب فيخرج ذلك المسمى جبريل عنه، ويغيب قليلا ثم يعود فيقول رأيتك أنت ثم جمع هذا الدعى أصحابه ودخل بهم مدينة جبلة فى يوم الجمعة بعد الصلاة الثانى والعشرين من الشهر، وفرق عليهم جماعته ثلاث فرق عليها، فرقة أتت من قبلى البلد مما يلى الشرق فخرج عليهم العسكر المقيم بجبلة فكسرهم وقتل منهم مائة وأربعة وعشرين نفرا واستشهد من المسلمين نفر يسير، وانهزمت هذه الفرقة الثانية التى أتت من قبلى البلد مما يلى الغرب على جانب البحر والفرقة الثالثة أتت من شرقى البلد لجهة الشمال، وكثروا على أهل البلد وكسروهم وهجموا على البلد ونهبوا الأموال وسبوا الحريم والأولاد وقتلوا جماعة من رءوس المسلمين بجبلة وأعلنوا بقول لا إله إلا علىّ ولا حجاب إلا محمد ولا باب الا سلمان وبسب أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ولعن هذه الطائفة، وجمع هذا الخارجىّ ما انتهبه أصحابه من جبلة [وقسّمه على أصحابه بقرية] [٤] وجاء الأمير بدر الدين التاجى مقدم العسكر باللاذقية إلى
стр. 12778
جبلة فى آخر هذا اليوم وحماها ومنع الخارجىّ من العود إليها، وكان مما قاله الخارجّى الدعى لأصحابه إنه لا حاجة لكم إلى القتال بالسيوف ولا السلاح وإن الرجل منهم يشير إلى عدوّه بقضيب ريحان فينقطع هو وفرسه، فاتصل ذلك بالأمير شهاب الدين قرطاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية فجرد إلى هذه الطائفة المارقة من العسكر الطرابلسىّ الأمير بدر الدين بيليك العثمانى المنصورى والأمير شرف الدين عيسى البرطاسى والأمير علاء الدين على بن الدربساك التركمانى فى ألف فارس، والتقوا بقرية من عمل جبلة بالجبل فاقتتلوا ساعة من النهار فانجلت الحرب عن قتل الدّعيّ ونحو ستمائة رجل من أصحابه وتفرق بقية ذلك الجمع، ثم استأمنوا فأمّنوا، وعادوا إلى أماكنهم واستمروا على عمل فلاحتهم وطفيت هذه الثائرة وكان بين خروج هذا الدعىّ وقتله خمسة أيام والله أعلم.
وفى هذه السنة فى يوم الخميس التاسع
من جمادى الآخرة توفى بدمشق قاضى القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبى الربيع سليمان بن سومى الزواوى المالكى [١] وصلى عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بمقبرة باب الصغير، ومولده فى سنة ست وعشرين وستمائة وقدم ثغر الإسكندرية فى سنة خمس وأربعين وستمائة قبل احتلامه كما حكى عن نفسه قال: ثم بلغنى وفاة أبى فى سنة سبع وأربعين فلم أعد إلى المغرب [٢] واشتغل بالعلم وولى المناصب بالديار المصرية ثم ولى قضاء دمشق كما تقدم فى عاشر جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وستمائة، وحصل له ارتعاش من سنين كثيرة، ثم ثقل لسانه آخر عمره فعزل عن القضاء كما تقدم ومات عقيب عزله- رحمه الله تعالى.
وفيها فى يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان توفى القاضى عماد الدين محمد بن القاضى صفى الدين محمد بن شرف الدين يعقوب النويرى وهو ابن
стр. 12779
خال والدى [١١٥] رحمهما الله وكانت وفاته بطرابلس، وهو يومئذ صاحب الديوان بها وولى قبل ذلك عدة أنظار منها: المملكة الصّفدية مرارا، ونظر المملكة الحموية، ونظر الكرك، وكان كريما شجاعا خيّرا اشتهر بالمكارم وبذل المال والإحسان إلى وليّه وعدوّه، فكان يستديم مودة صديقه ويستجلب خاطر عدوه ويستزيل ما عنده بمكارمه، وكان لا يدخر شيئا رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى الرئيس الفاضل شرف الدين
أبو محمد عبد الوهاب بن الصاحب جمال الدين فضل الله بن المجلى القرشى العدوى [١] العمرى نسبه متصل بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه متولى ديوان الإنشاء بدمشق وكان قبل ذلك يلى صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية ثم نقل إلى دمشق وكانت وفاته بها فى يوم الثلاثاء الثانى [٢] من شهر رمضان، ودفن بقاسيون ومولده فى سابع ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بدمشق وكان رجلا فاضلا أمينا على أسرار الدولة حافظا لها، يكتمها حتى عن أهله وأخصائه لا يتفوه بسر من أسرارها ولا يشير إليه.
وولى ديوان المكاتبات بدمشق بعده القاضى الفاضل شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبى، وكان أحد كتاب الدّرج الشريف بالأبواب السلطانية فى ديوان البريد، ووصل إلى دمشق فى ثامن عشرين شوال وباشر الوظيفة.
وتوفى فى آخر الليلة المسفر صباحها عن يوم الخميس
رابع شهر رمضان القاضى [٣] الرئيس الفاضل علاء الدين أبو الحسن على ابن القاضى الرئيس فتح الدين محمد بن القاضى الفاضل محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن على بن نجدة
стр. 12780
السّعدى أحد أعيان كتاب الإنشاء الشريف بالأبواب السلطانية، وأحد من يجلس بين يدى السلطان ويوقع نقله فى دار العدل الشريف ويوقع بين يدى نائب السلطنة الشريفة وكانت وفاته بداره بالقاهرة بدرب [١] شمس الدولة، ودفن بعد الظهر بتربتهم بالقرافة بجوار جامع أبيه، وكان- رحمه الله تعالى- حسن الإنشاء لم يرث ذلك عن كلالة، غزير المروءة، ظاهر الرئاسة أبّى النفس حسن الأخلاق والصحبة وقد ذكرنا من كلامه فى السفر الثامن من كتابنا هذا ما هو مترجم باسمه هناك وذكرت من أوصافه ما استغنى به عن إعادته، ولما مات نتجت قريحتى بأبيات رثيته بها، لولا التزامى أن لا أدوّن شعرا إلىّ لأوردتها، ورثاه القاضى شهاب الدين محمود الحلبى المذكور آنفا بقصيدة أولها.
الله أكبر أىّ ظلّ زالا ... عن آمليه وأىّ طود مالا
جاء منها
أنعى إلى الناس المكارم والندا ... والجود والإحسان والإفضالا
أنعى علاء الدين صدر زمانه ... خلقا وخلقا بارعا وجلالا
ومهذبا ملأ القلوب مهابة ... والسمع فضلا والألف نوالا
وتوفى الأمير بهاء الدين [٢] آرسلان الدوادار فى الثالث والعشرين [١١٦] من شهر رمضان وكان هو والقاضى علاء الدين المذكور صديقين، ومرضا فى وقت واحد بعلة واحدة وخلف بهاء الدين المذكور تركة طائلة استكثرها السلطان على مثله مع قرب مدته فى الوظيفة والإمرة رحمه الله تعالى.
وتوفى الصدر الرئيس شرف الدين محمد ابن القاضى الرئيس جمال الدين إبراهيم بن الصدر شرف الدين عبد الرحمن ابن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين أبى المواهب الحسن بن عبد الله بن محفوظ بن صصرى البعلى