← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12776–12815 · переход к 12781.

стр. 12776

والمعاون على كفّ شرهم وهدايتهم بحسب الإمكان له من الأجر والثواب ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فإن المقصود بالقصد الأول هو هدايتهم كما قال الله تعالى كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [١] قال أبو هريرة رضى الله عنه: كنتم خير الناس للناس؛ تأتون بهم فى القيود والسلاسل حتى تدخلوهم فى الإسلام. فالمقصود بالجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هداية العباد لمصالح المعاش والمعاد بحسب الإمكان، فمن هداه الله منهم سعد فى الدنيا والآخرة، ومن لم يهتد كفّ ضرره عن غيره. ومعلوم أن الجهاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو أفضل الأعمال، كما قال ﷺ «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد فى سبيل الله تعالى» وفى الصحيح عنه ﷺ أنه قال: «إن فى الجنة لمائة درجة ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء إلى الأرض أعدها الله تعالى للمجاهدين فى سبيله» [٢] وقال ﷺ ، «رباط يوم وليلة فى سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ومن مات مرابطا مجاهدا وجرى عليه عمله وأجرى عليه رزقه من الجنة وأمن الفتن» [٣] والجهاد أفضل من الحج والعمرة كما قال تعالى أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ. يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ. خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [٤] [والحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين] [٥] .

стр. 12777

ذكر ظهور رجل ادعى أنه محمد بن الحسن المهدى وقتله وفى سابع عشر ذى الحجة سنة سبع عشرة وسبعمائة ظهر رجل من أرض قرطياؤس من عمل جبلة فادعى أنه محمد بن الحسن المهدى، وقال للناس إنه [١] بينما هو يحرث إذ جاءه طائر أبيض فنقب جنبه وأخرج روحه منه، [١١٤] ونقل إليه روح محمد بن الحسن. وصدقوه فيما ادعاه ودعاهم إلى طاعته فاجتمع عليه طائفة من النصيرية تقدير خمسة الآف رجل وأمرهم بالسجود له ففعلوا وأحل لهم شرب الخمر وترك الصلاة وأعلن هو وأصحابه بقولهم لا إله إلا على، ولا حجاب إلا محمد ورفع راية حمراء وشمعة كبيرة توقد بالنهار يحملها شاب أمرد ادعى أنه إبراهيم بن أدهم وأنه أجباه [٢] وسمى [أخاه المقداد بن الأسود الكندى] [٣] وأباه سلمان الفارسى وسمى آخر جبريل وكان يقول له، اطلع إليه فقل له كذا وكذا يشير إلى البارى جلّ وعلا وهو يزعمه على بن أبى طالب فيخرج ذلك المسمى جبريل عنه، ويغيب قليلا ثم يعود فيقول رأيتك أنت ثم جمع هذا الدعى أصحابه ودخل بهم مدينة جبلة فى يوم الجمعة بعد الصلاة الثانى والعشرين من الشهر، وفرق عليهم جماعته ثلاث فرق عليها، فرقة أتت من قبلى البلد مما يلى الشرق فخرج عليهم العسكر المقيم بجبلة فكسرهم وقتل منهم مائة وأربعة وعشرين نفرا واستشهد من المسلمين نفر يسير، وانهزمت هذه الفرقة الثانية التى أتت من قبلى البلد مما يلى الغرب على جانب البحر والفرقة الثالثة أتت من شرقى البلد لجهة الشمال، وكثروا على أهل البلد وكسروهم وهجموا على البلد ونهبوا الأموال وسبوا الحريم والأولاد وقتلوا جماعة من رءوس المسلمين بجبلة وأعلنوا بقول لا إله إلا علىّ ولا حجاب إلا محمد ولا باب الا سلمان وبسب أبى بكر وعمر رضى الله عنهما ولعن هذه الطائفة، وجمع هذا الخارجىّ ما انتهبه أصحابه من جبلة [وقسّمه على أصحابه بقرية] [٤] وجاء الأمير بدر الدين التاجى مقدم العسكر باللاذقية إلى

стр. 12778

جبلة فى آخر هذا اليوم وحماها ومنع الخارجىّ من العود إليها، وكان مما قاله الخارجّى الدعى لأصحابه إنه لا حاجة لكم إلى القتال بالسيوف ولا السلاح وإن الرجل منهم يشير إلى عدوّه بقضيب ريحان فينقطع هو وفرسه، فاتصل ذلك بالأمير شهاب الدين قرطاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية فجرد إلى هذه الطائفة المارقة من العسكر الطرابلسىّ الأمير بدر الدين بيليك العثمانى المنصورى والأمير شرف الدين عيسى البرطاسى والأمير علاء الدين على بن الدربساك التركمانى فى ألف فارس، والتقوا بقرية من عمل جبلة بالجبل فاقتتلوا ساعة من النهار فانجلت الحرب عن قتل الدّعيّ ونحو ستمائة رجل من أصحابه وتفرق بقية ذلك الجمع، ثم استأمنوا فأمّنوا، وعادوا إلى أماكنهم واستمروا على عمل فلاحتهم وطفيت هذه الثائرة وكان بين خروج هذا الدعىّ وقتله خمسة أيام والله أعلم. وفى هذه السنة فى يوم الخميس التاسع من جمادى الآخرة توفى بدمشق قاضى القضاة جمال الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ أبى الربيع سليمان بن سومى الزواوى المالكى [١] وصلى عليه بعد صلاة الجمعة ودفن بمقبرة باب الصغير، ومولده فى سنة ست وعشرين وستمائة وقدم ثغر الإسكندرية فى سنة خمس وأربعين وستمائة قبل احتلامه كما حكى عن نفسه قال: ثم بلغنى وفاة أبى فى سنة سبع وأربعين فلم أعد إلى المغرب [٢] واشتغل بالعلم وولى المناصب بالديار المصرية ثم ولى قضاء دمشق كما تقدم فى عاشر جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وستمائة، وحصل له ارتعاش من سنين كثيرة، ثم ثقل لسانه آخر عمره فعزل عن القضاء كما تقدم ومات عقيب عزله- رحمه الله تعالى. وفيها فى يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان توفى القاضى عماد الدين محمد بن القاضى صفى الدين محمد بن شرف الدين يعقوب النويرى وهو ابن

стр. 12779

خال والدى [١١٥] رحمهما الله وكانت وفاته بطرابلس، وهو يومئذ صاحب الديوان بها وولى قبل ذلك عدة أنظار منها: المملكة الصّفدية مرارا، ونظر المملكة الحموية، ونظر الكرك، وكان كريما شجاعا خيّرا اشتهر بالمكارم وبذل المال والإحسان إلى وليّه وعدوّه، فكان يستديم مودة صديقه ويستجلب خاطر عدوه ويستزيل ما عنده بمكارمه، وكان لا يدخر شيئا رحمه الله تعالى. وتوفى القاضى الرئيس الفاضل شرف الدين أبو محمد عبد الوهاب بن الصاحب جمال الدين فضل الله بن المجلى القرشى العدوى [١] العمرى نسبه متصل بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه متولى ديوان الإنشاء بدمشق وكان قبل ذلك يلى صحابة ديوان الإنشاء بالديار المصرية ثم نقل إلى دمشق وكانت وفاته بها فى يوم الثلاثاء الثانى [٢] من شهر رمضان، ودفن بقاسيون ومولده فى سابع ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وستمائة بدمشق وكان رجلا فاضلا أمينا على أسرار الدولة حافظا لها، يكتمها حتى عن أهله وأخصائه لا يتفوه بسر من أسرارها ولا يشير إليه. وولى ديوان المكاتبات بدمشق بعده القاضى الفاضل شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان الحلبى، وكان أحد كتاب الدّرج الشريف بالأبواب السلطانية فى ديوان البريد، ووصل إلى دمشق فى ثامن عشرين شوال وباشر الوظيفة. وتوفى فى آخر الليلة المسفر صباحها عن يوم الخميس رابع شهر رمضان القاضى [٣] الرئيس الفاضل علاء الدين أبو الحسن على ابن القاضى الرئيس فتح الدين محمد بن القاضى الفاضل محيى الدين عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر بن نشوان بن عبد الظاهر بن على بن نجدة

стр. 12780

السّعدى أحد أعيان كتاب الإنشاء الشريف بالأبواب السلطانية، وأحد من يجلس بين يدى السلطان ويوقع نقله فى دار العدل الشريف ويوقع بين يدى نائب السلطنة الشريفة وكانت وفاته بداره بالقاهرة بدرب [١] شمس الدولة، ودفن بعد الظهر بتربتهم بالقرافة بجوار جامع أبيه، وكان- رحمه الله تعالى- حسن الإنشاء لم يرث ذلك عن كلالة، غزير المروءة، ظاهر الرئاسة أبّى النفس حسن الأخلاق والصحبة وقد ذكرنا من كلامه فى السفر الثامن من كتابنا هذا ما هو مترجم باسمه هناك وذكرت من أوصافه ما استغنى به عن إعادته، ولما مات نتجت قريحتى بأبيات رثيته بها، لولا التزامى أن لا أدوّن شعرا إلىّ لأوردتها، ورثاه القاضى شهاب الدين محمود الحلبى المذكور آنفا بقصيدة أولها. الله أكبر أىّ ظلّ زالا ... عن آمليه وأىّ طود مالا جاء منها أنعى إلى الناس المكارم والندا ... والجود والإحسان والإفضالا أنعى علاء الدين صدر زمانه ... خلقا وخلقا بارعا وجلالا ومهذبا ملأ القلوب مهابة ... والسمع فضلا والألف نوالا وتوفى الأمير بهاء الدين [٢] آرسلان الدوادار فى الثالث والعشرين [١١٦] من شهر رمضان وكان هو والقاضى علاء الدين المذكور صديقين، ومرضا فى وقت واحد بعلة واحدة وخلف بهاء الدين المذكور تركة طائلة استكثرها السلطان على مثله مع قرب مدته فى الوظيفة والإمرة رحمه الله تعالى. وتوفى الصدر الرئيس شرف الدين محمد ابن القاضى الرئيس جمال الدين إبراهيم بن الصدر شرف الدين عبد الرحمن ابن أمين الدين سالم بن الحافظ بهاء الدين أبى المواهب الحسن بن عبد الله بن محفوظ بن صصرى البعلى

стр. 12781

الدمشقى [١] ، وكانت وفاته فى يوم الجمعه السابع من ذى الحجة حاجا ملبيا محرما بظاهر مكة، ودفن ضحى يوم السبت يوم التروية بمقبرة الحجون على باب مكة- شرفها الله تعالى- وكان قد مرض ببدر، واستمر مريضا سبعة أيام، ومات وله خمس وثلاثون سنة وكان رحمه الله تعالى كثير المكارم والإنفاق والبر والعطاء أنفق أموالا كثيرة وبذل [٢] جملة عظيمة فى المكارم، وكنت إذا قدمت دمشق استحى من كثرة تفضّله وخدمته، وأتجنب النزول عنده فيحضر إلىّ ويحلف علىّ وينقلنى إلى داره، ولا يزال يعاملنى بأنواع البر والإكرام والأدب والخدمة حتى انفصل عن دمشق فإذا فارقتها وتوجهت ركب معى وودعنى إلى ظاهر البلد حتى يبعد وارده وهو يأبى ذلك حتى أحلف عليه فيرجع وختم الله له بخير كثير بوفاته فى هذا المكان الشريف على هذه الحال- رحمه الله تعالى-. وتوفى الشيخ الفاضل (الأديب الكاتب) [٣] شرف الدين محمد أحمد بن يعقوب بن إبراهيم الطيبى الأسدى [٤] أحد كتاب الدرج بطرابلس فى السادس والعشرين من شهر رمضان وكان رجلا فاضلا أديبا شاعرا، وكان فى لسانه عجمة، وفى قلمه فصاحة رحمه الله تعالى. واستهلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة بيوم الأحد الموافق لتاسع برمهات فى هذه السنة فى أوائل صفر توجه القاضى كريم الدين [٥] ناظر الخواص الشريفة السلطانية ووكيلها إلى الشام، فكان وصوله إلى دمشق فى يوم الإثنين سابع الشهر وتلقاه نائب السلطنة وأنزله عنده بدار السعادة، وأحضر من جهته إلى نائب السلطنة هدية جليلة المقدار تساوى جملة عظيمة وأحضر معه كتابا ببرود ليوقفها [٦] على مصالح الجامع الذى عمره نائب السلطنة بالشام الأمير

стр. 12782

سيف الدين تنكز وورد مثال السلطان إلى نائبه بقبول هديته بجملتها فقبلها وجهز له تقدمة لها قيمة كثيرة فلم يقبل كريم الدين منها غير إكديش [١] واحد وأعاد بقيتها وأقام بدمشق أربعة أيام وأمر بإنشاء جامع ينفق على عمارته من ماله- وهو بالقبيبات [٢]- فحصل الشروع فى عمارته وعاد إلى الديار المصرية، وحدث فى غيبته بالأبواب السلطانية حوادث كانت من تقريراته، خرج إلى دمشق قبل إبرازها فنفدت فى غيبته، منها: إرسال الصاحب أمين الدين إلى طرابلس، وعزل الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى عن شاد الدولة، وأعظم من ذلك إخراج الأمير سيف الدين طغاى إلى صفد سنذكر هذه الوقائع مفصلة [١١٧] . ذكر إرسال الصاحب أمين الدين إلى نظر المملكة الطرابلسية وفى يوم الإثنين خامس عشر صفر من هذه السنة رسم السلطان بتفويض نظر المملكة الطرابلسية وما هو مضاف إليها إلى الصاحب أمين الدين عبد الله [٣] وكان قد عزل فى شهور سنة سبع عشرة عن نظر الدواوين والصحبة ولزم داره إلى هذا التاريخ، فرسم له بهذه الوظيفة فاستعفى فلم يعف ورسم أن يتوجه على خيل البريد وخلع عليه تشريف كنجى [٤] وأنعم عليه بدواة ومرملة [٥] ولم يجر بمثل ذلك عادة لناظر هذه المملكة وزيد فى معلومها فاستقر له فى كل شهر نظير ما كان له فى نظر النظار بالديار المصرية، وتوجه فى يوم الثلاثاء سادس عشر صفر ووصل إلى دمشق فى يوم الخميس ثانى شهر ربيع الأول وتوجه منها إلى طرابلس.

стр. 12783

ذكر عزل الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى عن وظيفة الشاد بالديار المصرية وفى يوم الإثنين الثانى والعشرين من صفر عزل الأمير بدر الدين محمد ابن التركمانى عن وظيفة شاد الدواوين بالديار المصرية، وذلك بسؤاله وسعيه واستقر فى جملة الأمراء على عادته ولم يتعرض إليه بطلب مال ولا غيره واستقر القاضى كريم الدين فى النظر وغير ذلك. ذكر إرسال الأمير سيف الدين طغاى نيابة السلطنة بالملكة الصفدية، والقبض عليه ووفاته كان الأمير سيف الدين طغاى [١] الحسامى الناصرى قد تمكن فى هذه الدولة الناصرية تمكنا عظيما وعظم شأنه، وترشح للأمير الكبير، وكثرت أتباعه وعظّمه الأمراء وغيرهم وبلغ من تمكنه أن السلطان أنعم عليه بدار أبيه السلطان الملك المنصور بالقاهرة، وأنعم عليه بغيرها، وميز أقطاعه، فكان من جملته منية [٢] بنى خصيب وغيرها ورتب له على الحوائج خاناه والمطبخ فى كل يوم ما يصرف عليه نحو ثلاثمائة درهم، إلى غير ذلك، وارتفع بعد ذلك عن هذه الرتبة إلى أن حكى أن السلطان فى مرضه فى شهور سنة سبع عشرة أوصى أن يكون الأمر له من بعده وأن [٣] لا يختلف الناس عليه، وكان حسن الوساطة عند السلطان، لا يتكلم إلا بخير، ويحسن إلى من يعرفه ومن لا يعرفه، فاجتمعت عليه قلوب الناس ومالوا إليه، وكان قد تكلم عليه جاولجين [٤] الخازن فى جملة من كلمه [٥] كما تقدم فقبض السلطان على من سواه من الأمراء وأرجأ أمر الأمير سيف الدين هذا، فلما كان يوم الثلاثاء الثالث

стр. 12784

والعشرين من صفر سنة ثمان عشرة وسبعمائة دخل إلى الخدمة السلطانية على عادته، فرسم السلطان له أن يتوجه إلى نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية فلم يمتنع ولا استعفى ولا توقف، بل بادر بتقبيل الأرض بين يدى السلطان ولبس التشريف، وأخرجه السلطان من ساعته، فتوجه وقد ذرفت عيون الأمراء والمماليك السلطانية بالبكاء لخروجه، وتألم السلطان لذلك تألّما شديدا؛ لما فقده من حسن وساطته وجميل اعتنائه، ووصل إلى صفد فى يوم الخميس تاسع عشر شهر ربيع الأول، وأحضر الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب النائب بصفد إلى الأبواب السلطانية، واستمر فى جملة الأمراء مقدمى الألوف، ورسم له بالجلوس فى مجلس السلطان، وأقام الأمير سيف الدين طغاى بصفد إلى جمادى الأولى فأرسل السلطان إليه الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالى المعروف بخرز [١] على خيل البريد وأصحبه تقليدا [١١٨] له بنيابة السلطنة بالكرك وتشريفا وأراد بذلك إخراجه من المملكة الصفدية والقبض عليه، فوصل إلى صفد فى ثامن الشهر فعلم المراد منه فلم يمتنع ولا أحوج إلى إمضاء هذا التدبير، وجاء تحت الطاعة إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد، ولما وصل إلى مدينة بلبيس خرج إليه الأمير سيف الدين قجليس وقيده بأمر السلطان، ونقله إلى قلعة الجبل فكان وصوله إليها فى رابع عشر الشهر، فاعتقل بها أياما ثم رسم بنقله إلى ثغر الإسكندرية فنقل إليه وكان آخر العهد به، فلما كان فى مستهل شعبان أمر (السلطان) [٢] عائلته بعمل عزائه رحمه الله تعالى. ولما أخرج من صفد نقل الأمير سيف الدين أرقطاى الناصرى من نيابة السلطنة بحمص إلى نيابة المملكة الصفدية فتوجّه إليها، وولى نيابة السلطنة بحمص الأمير بدر الدين بكتوت القرمانى، ونقل الأمير عز الدين أيبك الجمالى من نيابة قلعة دمشق إلى نيابة الكرك، واستقر بقلعة دمشق الأمير سيف الدين بهادر الشمسى، وذلك كله فى جمادى الأولى من هذه السنة.

стр. 12785

ثم ولى نيابة السلطنة بقلعة دمشق الأمير علم الدين سنجر الدميثرى [١] وتوجه إلى دمشق على خيل البريد فى عشية يوم الإثنين العشرين من ذى الحجة وخلع عليه بكرة الثلاثاء، وجلس بالقلعة على عادة النواب، والله أعلم. ذكر إنشاء الجامع بقلعة الجبل وفى صفر من هذه السنة رسم السلطان بتوسعة الجامع بقلعة الجبل، وأمر بهدم بعض مساكن الأمراء التى كانت تلى الحائط القبلى من الجامع الأول فهدمت، وهدم الفراش خاناه، والحوائج خاناه، والمطبخ والطشتخاناه وأضاف ذلك كله إلى الجامع، وحصل الشروع فى بنائه فى الشهر المذكور، وتكملت رواقاته القبلية فى شهر رجب من السنة، وصلى فيه ورخّم صدره وجلس السلطان بالجامع فى شعبان، وعرض سائر المؤذنين بالقاهرة ومصر بين يديه واستنطق كل واحد منهم وسمع صوته، واختار للجامع منهم ثمانية عشر مؤذنا وثلاثة رؤساء وجعلهم ثلاث نوب ورتّب فيه أرباب وظائف، ووقف عليه أوقافا أثابه الله تعالى. ذكر وثوب الأمير عز الدين حميضة بن أبى [٢] نمى بمكة شرفها الله تعالى وإخراج أخيه الأمير أسد الدين رميثة منها وفى صفر من هذه السنة وردت الأخبار من مكة شرفها الله تعالى أن الأمير عز الدين حميضة ابن أبى نمىّ بعد عود الحاج من مكة وثب على الأمير أسد الدين رميثة [٣] بموافقة العبيد، وأخرجه من مكة، فتوجه رميثة إلى نخلة وهى التى كان حميضة بها، واستولى حميضة على مكة شرفها الله تعالى وقيل إنه قطع الخطبة السلطانية، وخطب لملك العراقيين، وهو أبو سعيد ابن خربند ابن أرغون بن أبغا بن هولاكو، فلما اتصل ذلك بالسلطان أمر بتجريد جماعة من

стр. 12786

أقوياء العسكر فجرد الأمير صارم الدين الجرمكى والأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى وجماعة من الحلقة وأجناد الأمراء من كل أمير مائة فارس [١] ومن كل أمير طبلخاناه جندى وأمرهم بالمسير إلى مكة وأن لا يعود إلى الديار المصرية حتى يظفروا بحميضة فتوجهوا فى العشر الأواخر من شهر ربيع الأول من هذه السنة، ثم جرد السلطان صحبة الركب الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى إلى مكة فى جماعة مددا لهؤلاء فتوجه وأقام بمكة وقبض على الأمير أسد الدين رميثة وجهزه إلى الأبواب السلطانية، وعاد هؤلاء وكان من أمرهم ما نذكره. وأقام الأمير بدر الدين بن التركماني بمكة- شرفها الله تعالى- إلى أن وصل الأمير عطيفة أميرا على الحجاز الشريف واستقر فى الإمرة فعاد وكان وصوله إلى القاهرة فى يوم الجمعة [١١٩] الرابع والعشرين من شهر رجب سنة تسع عشرة. ذكر حادثة الريح بالجون من طرابلس وفى يوم الأربعاء ثانى صفر سنة ثمان عشرة وسبعمائة ثارث ريح شديدة وقت صلاة الظهر بأرض الجون من بلاد طرابلس ومرت على بيوت الأمير علاء الدين على بن الدربساكى مقدم أمراء التركمان بالجون بين قريتى الوكيل والمعيصرة، وكان خروجها من جهة البحر، فكسرت أخشاب بيوته ثم تقدمت إلى بيوت الأمير علاء الدين طوالى [٢] بن أليكى فلما انتهت إليه تكونت عمودا أغبر متصلا بالسحاب على صورة تنين وبقى ذلك العمود على بيوته ساعة يمر عليها يمينا وشمالا ثم يعود فما ترك ذلك العمود فى البيوت شيئا ولا منها إلا أهلكه واحتمله، فحكى عن طوالى أنه لما عاين ذلك قال: يا رب قد أخذت جميع الرزق، وتركت العيال بغير رزق فأى شى تركت لهم حتى أطعمهم؟ فعاد ذلك العمود من الريح بعد خروجه عنه إلى بيوته فأهلكه وأهلك زوجته وابنته وابنتى ابنته وجاريته وأحد عشر نفسا، وجرح [٣] ثلاثة أنفس من ملاقاة الأخشاب والحجارة عند هبوب تلك الريح وحملت الريح جملين ورفعتهما فى الجو مقدار عشرة أرماح وتقطع القماش والأثاث وحملته الريح حتى غاب عن

стр. 12787

العين وطويت القدور النحاس والصاجات الحديد فصار بعضها على بعض، وحملت الريح جارية طوالى من مكان إلى مكان آخر مسافة وكان إلى جانب بيوت طوالى بيوت عرب فاحتملت الريح لهم أربعة أجمال وارتفعت فى الجو وعادت قطعا، وهلك دواب كثيرة، ووقع بعد ذلك برد ومطر [١] زنة القطعة من البرد ثلاث أواق ودونها ورسم نائب السلطنة بكشف هذه الحادثة، وندب من جهته من توجه لكشفها فكشفت ونظم بصورة الحال محضرا وقع الأشهاد فيه على من شاهده وجهزت نسخة المحضر إلى الأبواب السلطانية وغيرها. ذكر هدم الكنيسة [٢] بحارة الروم وفى يوم الاثنين الخامس من شهر ربيع الآخر أمر السلطان بهدم الكنيسة المعروفة بكنيسة بربارة بحارة الروم بالقاهرة، وكان سبب ذلك أن النصارى أنهوا أنه قد استهدم بعضها وسألوا تمكينهم من [٣] إعادته واعتنى لهم [٤] من اعتنى ممن كان منهم فرسم لهم بذلك فلم يقتصروا على إعادة ما رسم لهم بإعادته بل تحيلوا وتمحلوا وعمروها ظاهرا بالأسرى [٥] والآلات العظيمة والمشدين من جنس المسلمين [٦] تجاهر النصارى بذلك ولا يكتمونه ولا يتحاشون من فعله فانتدب المسلمون لذلك ورفعوا قصصا للسلطان وأنهوا فيها صورة الحال فأمر بهدمها فهدمها العوام [٧] فى ساعة واحدة وبنوا بصدرها محرابا وعلقوا فيه قنديلا وأقاموا شعار الإسلام من الأذان والصلاة والتسبيح وقراءة القرآن، ثم رسم بعد ذلك بمنع المسلمين من الصلاة فيها وسد بابها فى بقية الشهر، وجعلت مزبلة ألقى السكان من المسلمين الذين حولها زبائل بيوتهم فيها، فلما كان فى سلخ جمادى الأولى من السنة رسم [٨] بإعادة ماهدمه المسلمون فيها بالقصب دون البناء وسد بابها وعطلت.

стр. 12788

ذكر الجوامع التى خطب وأقيمت صلاة الجمعة بها بظاهر مدينة دمشق فى هذه السنة وفى هذه السنة خطب بظاهر دمشق فى ثلاثة جوامع مستجدة منها الجامع الذى أنشأه الأمير سيف الدين تنكز [١٢٠] نائب السلطنة بالشام وهو بظاهر دمشق خارج باب النصر فى الشارع المسلوك منه إلى القصر الأبلق بالميدان، وقد تقدم ذكر الشروع فى عمارته وكملت فى هذه السنة وأقيمت الخطبة به فى يوم الجمعة العاشر من شعبان وخطب فيه وصلى بالناس الشيخ نجم الدين [١] على بن داود الحنفى المعروف بالقحفازى، وحضر الصلاة فيه نائب السلطنة وسائر القضاة والأعيان وقراء القرآن وأنشدت المدائح فى بانيه. وخطب أيضا فى يوم الجمعة التى تلى هذه الجمعة فى سابع عشر شعبان بالجامع الذى أنشاه القاضى كريم الدين [٢] وخطب فيه الشيخ شمس الدين محمد ابن الشيخ عبد الواحد بن يوسف بن الوزير الحرانى ثم الآمدى الحنبلى [٣] ثم أجرى إليه الماء من نهر داريا [٤] وعمل له قناة من النهر إلى كفر سوسية [٥] وكان وصول الماء إلى الجامع فى العشر الأول من شوال سنة عشرين وسبعمائة وانتفع أهل تلك الناحية به انتفاعا كثيرا وخطب فى يوم الجمعة السابع عشر من ذى الحجة بالجامع الذى أنشأه شمس الدين عبد الله [٦] ناظر النظار بالشام وهو بظاهر دمشق خارج الباب الشرقى بجوار قبر ضرار بن الأزور وخطب فيه الشيخ المقرئ محمد المعروف بالنيربانى [٧] وكان ابتداء الشروع فى عمارة هذا الجامع فى شعبان من هذه السنة.

стр. 12789

ووقف على كل من هذه الجوامع الثلاثة من الأوقاف ما يعرف ريعها فى مصالحه- أثاب الله تعالى واقفيها وفيها فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى الحجة عقد السلطان بدار السعادة مجلسا حضره القضاة والفقهاء وأحضر الفقيه زين الدين عبد الرحمن ابن عبيدان البعلبكى الحنبلى وأحضر خطه أنه رأى الحق سبحانه وشاهد الملكوت الأعلى ورأى الفردوس ورفع إلى فوق العرش وسمع الخطاب وقيل له قد وهبتك حال الشيخ عبد القادر [١] وأن الله تعالى أخذ شيئا كالرداء فوضعه عليه وأنه سقاه ثلاثة أشربة مختلفة الألوان وأنه قعد بين يدى الله تعالى مع محمد وإبراهيم وموسى وعيسى والخضر ﵈، وقيل له إن هذا مكان لا يجاوزه وليا قط وقيل له إنك تبقى قطبا عشرين سنة وذكر أشياء أخر فاعترف أنه خطه فأنكر عليه فبادر وجدد إسلامه وحكم قاضى القضاة الشافعى بحقن دمه وأمر بتعزيره فعزر وطيف به فى البلد وحبس أياما ثم أفرج عنه، وكان قد أذن له فى الفتيا وعقود الأنكحة فمنع من ذلك. وفى هذه السنة فى يوم الجمعة الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر توفى الأمير شمس الدين سنقر الكمالى [٢] الحاجب كان فى معتقله بقلعة الجبل، وكان قبل ذلك معتقلا بالكرك فرسم بإحضاره وإحضار الأمير سيف الدين كراى فأحضرا وما شكا ولا شك الناس فى الإفراج عنهما، فاعتقلا بقلعة الجبل ببرج فمات الأمير شمس الدين الآن رحمه الله تعالى وتوفى قاضى القضاة زين الدين أبو الحسن على بن الشيخ رضى الدين القاسم مخلوف بن تاج الدين أبى المعالى ناهض المالكى النويرى الجزولى [٣] ، وكانت وفاته فى ليلة الأربعاء الحادى عشر من جمادى الآخرة بمنزله بالقاهرة، ودفن فى يوم الأربعاء عند الزوال بتربته بسفح المقطم- رحمه الله تعالى-

стр. 12790

ومولده فى سنة ست وعشرين وستمائة وكان رحمه الله تعالى كثير المروءة كثير الاحتمال والإحسان إلى الناس يحمل الجفوة من أصحابه ويصبر منهم على كثير من الأذى خصوصا من أهل بلده وكانت أفعاله جميلة، [١٢١] ومقاصده حسنة وولى القضاء بالديار المصرية فى سنة خمس وثمانين وستمائة، وكانت مدة ولايته ثلاثا وثلاثين سنة تقريبا، وعرضت عليه الوزارة فى الدولة المنصورية فأباها وتنصل منها كل التنصل وبالغ فى ردها كل المبالغة وانتهى حاله فى التنصل منها إلى أن حضر إلى الدركاه بباب القلعة وقلع طيلسانه وقلع عمامته وفوقانيته، وبقى بقبع ودلق وهو قائم فقام الأمراء لقيامه وصاروا حوله حلقه وهم لا يعرفون موجب فعله لذلك ثم جاء نائب السلطنة الأمير حسام الدين طرنطاى وهو على هذه الصورة فتألم وسأله عن خبره فقال له أنا إنما وصلت من بلدى بمثل هذا الملبوس الذى علىّ، وأنا أكتسبت بصحبتكم وخدمة السلطان زيادة على ما جئت به هذا الطيلسان وهذه الجبة والعمامة فإن ضمنت لى عند السلطان إعفائى من هذا الأمر الذى طلبنى بسببه وإبقائى على ما أنا عليه وإلا فلا أرجع إلى لباس هذا أبدا وأرجع إلى بلدى بهذه الحالة. فبكى الأمراء وعظموه وألبسه نائب السلطنة قماشة، وضمن له صرف الوزارة عنه واندفعت وأمن بذلك غائلة الأمير علم الدين سنجر الشجاعى فإنه كان [١] إذا ذكر أحد للوزارة أو ذكرها عمل على هلاكه. ولما مات قاضى القضاة زين الدين فوض السلطان القضاء بعده لنائبه القاضى تقى الدين محمد ابن الشيخ شمس الدين ابى بكر ابن عتيق الإخنائى [٢] . وفيها فى عاشر شهر رمضان توفى الأمير علاء الدين أقطوان الساقى [٣] الظاهرى أحد الأمراء بدمشق بها، وصلى عليه بجامعها ودفن بالقبيبات وقد جاوز الثمانين رحمه الله تعالى.

стр. 12791

وتوفى فى ليلة الإثنين سلخ شوال الشيخ العالم كمال الدين أبو العباس أحمد ابن الشيخ جمال الدين أبى بكر محمد بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن سجمان البكرى الوايلى الشريشى [١] بمنزلة الحسابين الكرك ومعان وهو متوجه إلى الحجاز الشريف ودفن بالمنزلة ومولده فى شهر رمضان سنة ثلاث وخمسين وستمائة بمدينة سنجار [٢] وكان شيخا فاضلا من أعيان الشافعية المدرسين المفتيين وولى المناصب الجليلة الدينية بدمشق من التدريس ووكالة بيت المال ونيابة الحكم، وتعين لقضاء القضاة ولم يل ذلك رحمه الله تعالى. وتوفى قاضى القضاة فخر الدين أبو العباس أحمد ابن القاضى تاج الدين أبى الخير سلامة بن القاضى زين الدين أبى العباس أحمد بن سلامة الإسكندرى [٣] المالكى قاضى المالكية بدمشق، وكانت وفاته بالمدرسة الصارمية [٤] فى بكرة الأربعاء غرة ذى الحجة وصلى عليه بالجامع الأموى ودفن بمقابر باب الصغير، ومولده فى شوال سنة إحدى وسبعين وستمائة- رحمه الله تعالى. وتوفى الأمير سيف الدين الشمسى [٥] بقلعة دمشق فى يوم السبت حادى عشر ذى الحجة ودفن بسطح المزة- رحمه الله تعالى.

стр. 12792

ذكر الغلاء الكائن بديار بكر [١] والجزيرة وغيرها من بلاد الشرق وفى هذه السنة وردت الأخبار إلى الشام بما حصل بديار بكر والموصل وإربل وماردين [٢] والجزيرة وميافارقين [٣] وغيرها من الغلاء العظيم والجلاء وخراب البلاد وبيع الأولاد. أما ماردين فبلغ ثمن الرطل الخبز بالدمشقى بها من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم وعدم غالبا مع عدم بقية الأقوات، ومات خلق كثير من أهلها وأكل الناس الميتة، ومنهم من باع أولاده. وأما الجزيرة [٤] العمرية فقيل إنه مات منها من أول هذه السنة إلى سلخ شهر ربيع الآخر خمسة عشر ألفا بالجوع والوباء وأبيع من الأولاد نحو ثلاثة آلاف صبي، وكان الصبى يباع من خمسين درهما إلى عشرة دراهم [١٢٢] ويشتريهم التتار وكان المار بها يمر من باب الجبل إلى باب الشط فلا يجد أحدا إلا أنه يشم روائح الجيف خارجة من البيوت وصارت الكلاب تأكل جيف الناس وتأوى إلى المسجد الجامع، وبطلت الجمعة نحو شهر. وأما ميا فارقين فمات غالب أهلها بحيث إن المار بأسواقها لم يجد غير ستة حوانيت وأما الموصل فكان الغلاء والجلاء وبيع الأولاد فيها أشد من ماردين حتى خلت الدور من أهلها بعد أن باعوا كل عزيز ونفيس وأكلوا الميتة وحكى أن بعض أهلها باع ولده باثنى عشر درهما وقال هذا الولد أنفقت على

стр. 12793

ختانه خمسين دينار وكان المشترون يمتنعون من شراء أولاد المسلمين وكانت المرأة والصبية تقول: إنها نصرانية لتشترى. وأما مدينة إربل فأكل أهلها جميع النبات الموجود ثم أكلوا [لحاء] [١] الأشجار وقلوبها ثم أكلوا الميتة وجاءهم الموت الذريع ثم شرعوا فى الجلاء فنزح منهم جماعة من الحواضر [٢] نحو أربعمائة بيت لقصد مدينة مراغة [٣] فسقط عليهم ثلج وأصابهم برد شديد فماتوا بأجمعهم وخرجت طائفة أخرى أكثر من الأولى من البلد والسواد والفلاحين صحبة أردوا [٤] التتار فوصلوا إلى عقبة فتركهم التتار أسفل العقبة، ومنعوهم من الصعود معهم لعجزهم عن إطعامهم فماتوا بجملتهم ووصل كتاب من البلد إلى الموصل وفيه إنا اعتبرنا جملة من بقى من أهل البلد فكانوا خمسمائة بيت من خمسة عشر ألف بيت المتعينون بمن بقى نحو خمسين بيتا والباقون ضعفاء وفقراء. وأما أهل سنجار فكان أمرهم أخف وكذلك أهل العراق خصوصا بغداد ولم يصل آمرهم إلى بيع الأولاد وأكل الميتة ومما حكى أن رجل دخل ثلاثمائة وستين قرية زرع منها ست قرى وخرب باقيها لانقطاع ماء دجلة عنها والنخل أصابه فى سنة سبع عشرة وسبعمائة برد وسقط عليه ثلج أفسد بعضه وأضعف بعضه وانقطع المطر [فى سنة ثمانى عشرة] [٥] فلم يحصل منه شئ وكان سبب هذا الغلاء أولا بمدينة سنجار وديار بكر ظهور الجراد فى سنة ست عشرة وسبعمائة فأفسد المزروعات. واستهلت سنة سبع عشرة بغير مطر فاشتد الغلاء وتضاعف فلما هلت سنة ثمان عشرة اشتد الغلاء وعظم البلاء لقلة الأمطار وموت الفلاحين وجلاهم من البلاد لما نالهم من جور التتار وغارات كانت ببلادهم من جهة الشام والأكراد ثم ارتفع الوباء فى شهر رجب وشعبان ورمضان وقل الموت لكن الغلاء مستمر

стр. 12794

بالموصل والعراق وما سنجار وماردين فرخص القوت فيهما ونقلت هذه الحادثة من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالى [١] وبعض ألفاظها أوردتها بالمعنى وقال المذكور إنه نقل ذلك من خط عز الدين الحسن بن أحمد ابن ذفر الإربلى الصوفى الطبيب [٢] واختصر بعضه- نسال الله العافية من بلائه. ذكر مقتل الرشيد المتطبب وفى النصف الثانى من جمادى الأولى من هذه السنة قتل رشيد الدولة أبو الفضل فضل الله بن أبى الخير بن غالى الهمدانى الطبيب [٣] وهو الذى كان قد وصل صحبة غازان إلى الشام، وكان يتحدث فى دولته حديث الوزراء، ولما مات خربندا عزل الرشيد من وظائفه ومناصبه، ودارى عن نفسه بجملة كثيرة من الأموال، ثم نسب إليه سقى الملك خربندا السم فمات وطلب على البريد إلى المدينة السلطانية، وأحضر بين يدى جوبان نائب الملك أبى سعيد وقيل له: [١٢٣] أنت قتلت الملك؟ فقال كيف أفعل ذلك وقد كنت رجلا يهوديا عطارا طبيبا ضعيفا بين الناس فصرت فى أيامه وأيام أخيه أتصرف فى أموال المملكة ولا تتصرف النواب والأمراء فى شئ إلا بأمرى وحصلت فى أيامهما من الأموال والجواهر والأملاك ما لا يحصى فأحضر الطبيب الجلال ابن الحزان [٣] طبيب خربندا وسئل عن موت خربندا وقيل له: أنت قتلته فقال إن الملك أصابته هيضة قوية فانسهل بسببها نحو ثلاثمائة مجلس وتقايأ قيئا كثيرا، فطلبنى وعرض على هذا الحال فاجتمع الأطباء بحضور الرشيد على إعطائه أدوية قابضة مخشنة للمعدة والأمعاء فقال الرشيد عنده امتلاء وهو يحتاج إلى الاستفراغ بعد فسقيناه برأيه دواء مسهلا، فانسهل بسببه نحو سبعين مجلسا ومات وصدّقه الرشيد على ذلك فقال جوبان فأنت يا رشيد قتلته، وأمر بقتله فقتل واستأصلوا جميع أملاكه وأمواله [٤] ، وقتلوا قبله ولده إبراهيم

стр. 12795

من أبناء ست عشرة سنة، وحمل رأس الرشيد إلى تبريز ونودى عليه: هذا رأس اليهودى الذى بدل كلام الله، لعنه الله، وقطعت أعضاؤه وحمل كل عضو إلى بلد وأحرقت جثته وقام فى ذلك الوزير تاج الدين على شاه التبريزى، وقتل الرشيد وهو من أبناء الثمانين، وخلف عدة أولاد، وكان يتستر بالإسلام فيما قيل عنه. وفيها فى التاسع عشر أو العشرين من شهر رمضان قتل الحاجى الدلقندى قتله جوبان نائب الملك أبى سعيد وسبب ذلك أنه بلغه أنه اتفق هو وجماعة من الأمراء على قتله وقتل الوزير على شاه فبادر بقتله ودلقند قوية من عمل منسوب إلى مدينة سمنان من مدن خراسان نقلته وما قبله من تاريخ البرزالى. واستهلت سنة تسع عشرة وسبعمائة بيوم الجمعة وفى أول ليلة من المحرم هبت ريح شديدة بمدينة دمشق رمت كثيرا من الستائر [١] والطبلات [٢] وسقط بسببها جدران كثيرة، وهلك تحت الردم جماعة واقتلعت أشجار كثيرة من أصولها وقصفت أغصانا وامتنع كثير من الناس من النوم بسببها واجتمع خلق كثير بالجامع يتضرعون إلى الله تعالى فى سكونها فسكنت، ثم ثارت فى ليلة الثلاثاء المسفرة عن تاسع عشر الشهر، وهو أول الاعتدال الربيعى ولم يبلغ مبلغ الأول. وفى يوم الخميس السابع من المحرم وصل الأمير شمس الدين آق سنقر الناصرى أحد الأمراء من الحجاز الشريف إلى قلعة الجبل بعد أن وقف بعرفة مع الحاج فى سنة ثمان عشرة وسبعمائة وصحب الركب إلى المدينة النبوية، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وصلى بها الجمعة وركب لست بقين من ذى الحجة سنة ثمان عشرة وردت الأخبار معه أنه قبض على الأمير أسد الدين رميثه أمير الحجاز الشريف وعلى الأمير سيف الدين بهادر الإبراهيمى أحد الأمرآء وهو الذى كان قد جرد بسبب الأمير عز الدين حميضة [٣] والذى ظهر لنا فى سبب القبض عليهما أن رميثة نسب إلى مباطنة أخيه حميضة [٣] وأن الذى يفعله

стр. 12796

بحميضة هو القبض عليه ولكنه ركب إليه وتقاربا من بعضهما بعضا، وباتا على ذلك ولم يقدم الإبراهيمى على مهاجمته والقبض عليه فاقتضى ذلك سجنه، واتصل بالسلطان أيضا أن الإبراهيمى ارتكب فواحش عظيمة بمكة شرفها الله تعالى، فرسم بالقبض عليهما ووصل الأمير أسد الدين رميثة ورسم عليه بالأبواب السلطانية أياما، ثم حصلت الشفاعة فيه فرفع عنه الترسيم وأقام يتردد إلى الخدمة السلطانية مع الأمراء إلى أثناء شهر ربيع الآخر من السنة فحضر إلى الخدمة فى يوم الإثنين رابع عشر ثم ركب فى عشية النهار على هجن أعدت له وهرب نحو الحجاز فعلم السلطان بذلك فى يوم الثلاثاء فجرد خلفه جماعة من الأمراء وهم: الأمير سيف الدين أقبغا آص والأمير سيف الدين قطلوبغا [١] المعزى [١٢٤] والأمير ناصر الدين الجرمكى وجماعة من عربان العايد فتوجهوا خلفه وتقدم الأميران المبدأ بذكرها ومن معهما من العربان فوصلوا إلى منزلة [٢] حقلى وهى بقرب أيلة مما يلى الحجاز فأدركوه بالمنزلة فقبضوا عليه وأعادوه إلى الباب السلطانى، فكان وصوله فى يوم الجمعة الخامس والعشرين من الشهر فرسم السلطان باعتقاله فى الجب فاعتقل واستمر فى الاعتقال إلى يوم الخميس الثامن من صفر سنة عشرين وسبعمائة فرسم بالإفراج عنه وخلع عليه. وفى العاشر من صفر نودى بدمشق بالصلاة للاستسقاء وقرئ صحيح البخارى بجامع دمشق تحت النسر فى سبعة أيام واستسقى الخطيب على المنبر فى أيام الجمع مرار ثم برز الناس كافة نائب السلطان والقضاة وغيرهم مشاة إلى ظاهر البلد عند مسجد القدم [٣] فى يوم السبت نصف صفر وهو سابع نيسان، وصلى بهم الخطيب صدر الدين سليمان الجعبرى، وخطب واستسقى وعاد الناس، وأمطروا بفضل الله تعالى ورحمته فى بكرة يوم الأحد ويوم الإثنين حتى خرب المذاريب، ووصلت الأخبار بنزول الغيث على البلاد البرانية، وفى آخر صفر فوضت نيابة السلطنة بحمص للأمير سيف الدين بلبان [٤] البدرى عوضا عن الأمير بدر الدين بكتوت، فتوجه إليها، ووصل القرمانى إلى دمشق فى رابع شهر ربيع الأول، واستقر على عادته فى جملة الأمراء المقدمين.

стр. 12797

وفى هذه السنة فوض السلطان قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام مالك بن أنس للقاضى شرف الدين محمد ابن القاضى معين الدين أبى بكر بن القاضى سديد الدين مظفر الهمدانى المالكى [١] الفيومى وكان ينوب عن قاضى القضاة تقى الدين بن الإخنائى المالكى بالجامع الصالحى خارج باب زويلة فنقل إلى دمشق، وتوجه إليها وكان وصوله يوم الثلاثاء خامس جمادى الآخرة، وكان المعتنى به والقائم فى حقه القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة، وكان قد عين للقضاء بدمشق الشيخ فخر الدين أبو عمر ابن الشيخ القدوة العابد علم الدين يوسف النويرى المالكى وأثنى عليه جماعة من الأمراء والأكابر فى مجلس السلطان منهم الأمير بدر الدين جنكلى [٢] بن البابا واستقرار من أمره فى الولاية ورسم السلطان بذلك وحضر الأكابر إليه وهنئوه بالولاية فنهض القاضى فخر الدين فى ولاية القاضى شرف الدين المذكور وبالغ فى أمره أتم المبالغة وجّود الاعتناء حتى ولى ورسم السلطان بتعويض الشيخ فخر الدين عن القضاء بما يليق به فولى إعادة المدرسة [٣] الناصرية، ونيابة الحكم بالجامع الصالحى نقل إليه من نيابة الحكم بالجامع الطولونى فولى ثم عزل نفسه، واقتصر على حضور الدروس ومشيخة الخانقاه الفخرية بمصر وتعاهد الحج نفع الله به. وفى هذه السنة عاد الأمير سليمان ابن الأمير حسام الدين منها من بلاد العراق وكان قد التحق بالتتار فعاد الآن ووصل إلى دمشق فى ثامن جمادى الآخرة وتلقاه نائب السلطنة وحضر إلى الأبواب السلطانية وأحضر عدة من الخيل الجياد، ومثل بين يدى السلطان وسأل الصفح عن ذنبه وتنصل وأظهر التوبة والندم على ما صدر منه، فشمله [١٢٥] العفو السلطانى والصفح وأنعم عليه بالأموال الجزيلة والتشاريف وأنعم عليه من الأموال بدمشق بمائتى ألف درهم وخمسين ألف درهم وزاده السلطان على إقطاعه الذى كان بيده وعاد إلى دمشق فى شهر رجب.

стр. 12798

ذكر الخلف الواقع بين جوبان [١] نائب سلطنة أبى سعيد بن خدبندا ملك التتار وبين الأمراء مقدمى التوأمين [٢] وقتالهم وانتصار جوبان عليهم وقتلهم. وفى هذه السنة تواترت الأخبار بوقوع الخلف بين مقدمى التتار والحرب بينهم وقد نقل الشيخ علم الدين البرزالى فى تاريخه أن الشيخ محمد بن أبى بكر القطان الإربلى ورد إلى دمشق وأخبره تفصيل ذلك على جليته قال: كان سبب هذه الحرب أن الملك أبا سعيد بن خربندا حصل له الحصار من نائبه جوبان وأنه استقل بتنفيذ الأمور دونه ولم يبق له فى المملكة إلا مجرد التسمية، وأبعد أقواما كانوا مقربين من الملك أبى سعيد وقتل الأمير ربنوا [٣] وهو الذى تولى ترتيب الملك لأبى سعيد فذكر الملك ما حصل له من القلق للأمير إيرنجى [٤] خال أبيه خربندا، والأمير قرمشى ابن التياج [٥] ، والأمير دقماق وهم من مقدمى التمانات فقالوا للملك إن أردت أن نخرج عليه ونكبسه ونقتله فعلنا وإن أحببت أن ننابذه الحرب فعلنا ما أردت، فوقع الاتفاق على أنهم يفعلون به كيف ما تهيألهم فاتفق الحال من الأمراء الثلاثة ومن وافقهم الأمير أرس أخو دقماق، ومحمد هرزه ويوسف بكا وبهاء الدين يعقوبا وهم من أعيان الأمراء على أن يعملوا لجوبان دعوة ويقبضوا عليه فيها، فسأله [٦] قرمشى أن يعمل له دعوة فى نواحى عمله بالقرب من بلاد كرجستان وأرسل إليه تقادم وهدايا كثيرة، فقبلها جوبان وأجاب إلى حضور الدعوة فعمل قرمشى الدعوة فى مكان يسمى سرمارى [٧] من نواحى كرجستان، وهى منزلة قرمشى ومن انضاف إليه، وتهيأ جوبان لحضور الدعوة، فبينما هو على ذلك إذ جاءه رجل اقطى من جماعة قرمشى فى خفية وأخبره بما انطوى عليه الجماعة

стр. 12799

خفية وأخبره بما انطوى عليه الجماعة وأشار عليه بمفارقة مخيمه وقال له: الآن يكبسوك. فرجع جوبان إليه واحتاط لنفسه، وركب لوقته وترك مخيمه وخزائنه وخيوله بحالها، ولم يخبر أحدا من أصحابه، ولم يستصحب غير ولده حسن، وأقبل قرمشى فى عشرة آلاف فارس من التتار والكرج والفرس، فسأل عن جوبان فقيل له، هو جالس فى مخيمه ينتظر حضور الدعوة فقصده وهجم على مخيّمه وشهر السيف وثار أصحاب جوبان وهم لا يدرون ما الخبر، وقاتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين نحو ثلاثمائة فارس، وخلص قرمشى إلى خيمة جوبان فلم يجد غير إنسان اسمه أخى [١] ابو بكر فسأله عن جوبان فقال: هرب ولم يعرفّنا فضرب قرمشى عنق أخى أبو بكر، ونهب مخيم جوبان، وأمواله وخيوله وغير ذلك، وذلك فى جمادى الأولى وساق خلف جوبان فلم يدركه. وأما جوبان فإنه استمر به السير إلى مدينة مرند [٢] فوصل إليها وليس معه غير نفرين من أصحابه، فتلقاه الأمير ناصر الدين ملكها وأمده بالخيل والمال والسلاح، ووصل معه إلى قرية بالقرب من تبريز [٣] تسمى دية صوفيان، ووصل خبره إلى تبريز فخرج إليه الوزير تاج الدين على شاة التبريزى- وزير الملك أبى سعيد- ومعه ألف فارس فأنزله وأكرمه، وأخرج إلى لقائه أهل تبريز بالفرح بمقدمه، ونصبت له القباب، وأمدوه بالخيول والسلاح، فبات بتبريز ليلة واحدة، وتوجّه إلى المدينة السلطانية، وصحبته الوزير على شاه وتقدم الوزير واجتمع بالملك أبى سعيد وتلطّف فى أمر جوبان وأحسن الثناء عليه، وذكر شفقته على الدولة واهتمامه بأمرها وحرمته وغض ممن نازعه، وخرج عليه، وقال: إن هؤلاء يحسدونه ويقصدون أن يتغير خاطر الملك عليه، فإذا قتله تمكنوا من الدولة وفعلوا ما أرادوا، وبلغوا أغراضهم الفاسدة قال: وقد بلغنى عن الأمير إيرنجى أنه يقول إن ابنه عليا أحق بالملك، لأنه من العظم الثانى، وأغراه به غاية، الإغراء فمال إلى قوله ورضى عن جوبان، وأذن له فى الدخول عليه فدخل [١٢٦] ومعه كفنه ويكى بين يدى الملك بكاء شديدا

стр. 12800

أو قال قتلت رجالى وأعوانى الذين انتخبتهم لخدمة القان [١] ونهبت أموالى التى جمعتها من نعمه، وانكسرت حرمتى التى أقامها فإن كان القان يقصد قتلى فها أنا بين يديه، وأنا من جملة مماليكه. فتبرأ أبو سعيد من ذلك وقال: لم أقصد بك سوءا قط وهؤلاء أعداؤك وقد حسدوك على قربك منى وخرجوا على وعليك وقد مكنتك منهم، فإنهم ارتكبوا هذا الأمر بغير أمرى. فأستأذنه فى حربهم فأذن له فسأله، أن يمده بالجيش، فأمده بعشرة آلاف فارس يقدمهم الأمير طاز ابن كتبغانوينّ، الذى قتل بعين جالوت، وركب قراسنقر المنصورى [٢] فى ثلاثمائة فارس بالسلاح التام على عادة العساكر المصرية، وجاء ابنه تمرتاش من جهة ثغر الروم بطائفة كثيرة من الجيوش وركبوا وركب الملك أبو سعيد أيضا [٣] فى خاصته وساق معهم ليتحقق جوبان أنه معه لامعهم. وأما قرمشى وإيرنجى ودقماق فإنهم ساقوا خلف جوبان إلى أن وصلوا إلى بتبريز، فغلقت أبوابها دونهم، وخيف منهم القتل والنهب وخرج إليهم نائبها وهو الحاجى قطق بمأكول ومشروب وعلوفات فعلقوه برجليه وأخذوا منه سبعين ألف دينار- الصرف عن كل دينار ستة دراهم- كون أهل البلد تلقوا جوبان وخدموه وأغلقوا الأبواب دونهم، ثم ساقوا من يومهم حتى وصلوا إلى مدينة من أعمال أذربيجان اسمها ميانه، ثم ساقوا منها إلى مدينة زنكان [٤] ومنها إلى ضيعة اسمها دية منارة فتوافواهم وجوبان فى هذا المكان فلما شاهد الأمير إيرنجى الملك أبا سعيد وأعلامه تحير فى أمره واستشار من معه فيما يفعل فقال له قرمشى لا بدّ من الحرب فإن الملك فى الباطن معنا، فتصاف الجيشان، وخاف إيرنجى أن يبدأ الملك بالحرب، وكذلك من معه إلا قرمشى فإنه سيّر إلى جوبان يقول له اجعل لى إشارة أقصدها وأحضر إلى خدمتك وطاعتك، فرفع له جوبان علما ولم يقف تحته بل تحيز إلى جهة أخرى، فحمل قرمشى على

стр. 12801

ذلك المكان بمن معه حملة منكرة، ظنا أن جوان ثم فلم يجده فالتحم القتال، وقاتل الأمير طاز وقرا سنقر المنصورى قتالا شديدا، فانهزم إيرنجى ومن معه وانضم أكثرهم إلى عسكر الملك جوبان وقبض على إيرنجى وقرمشى ودقماق وأخيه وغيرهم. وحملوا إلى المدينة السلطانية وعمل لهم يزغو ومعناه عقد مجلس، وسئلوا عن سبب تعديهم وخروجهم وارتكابهم لهذا الأمر العظيم، فقالوا بأجمعهم إنما فعلناه عن أمر الملك وإذنه وقال قرمشى لجوبان أنا جاءنى يوسف بكا، ومحمد هرزه برسالة الملك أبى سعيد فى حربك وقتلك، فأحضرهما جوبان وسألهما عن ذلك فاعترفا به فأنكر الملك ذلك وقال كذبا على فافعل معهما ما يجب عليهما من حد الكذب والافتراء على. فحكم على جميعهم بالقتل بمقتضى ياسا جنكيز خان [١] ، فعند ذلك أخرج إيرنجى من خريطته ورقة وقال للملك أبى سعيد هذا خطّك معى بقتل جوبان. وشتم الملك واجترأ عليه، لأنه خال والده، فأنكر الملك ذلك وقال لجوبان أعمل معهم بمقتضى الياسا؛ فإن هؤلاء خرجوا علىّ وعليك وقصدوا إفساد الحال. فتسلمهم جوبان وقتلهم، وبدأ بإيرنجى وقال هذا ينبغى أن يعذب قبل قتله. فقيدوه [٢] من أضلاعه بقناطير الحديد فبسط لسانه بالسب الفاحش للملك، فأرادوا قطع لسانه فعجزوا عن ذلك، فضربوه بسيخ حديد تحت حنكة خرج من دماغه فمات وبقى مقيدا [٣] يومين ثم قطعوا رأسه وطافوا به بلاد خراسان وأذربيجان، والعراقين والروم، وديار بكر وقتلوا قرمشى ودقماق نقلت ذلك ملخصا، وبعضه بالمعنى من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالى. وقال فى تاريخه ثم [٤] ورد علاء الدين على بن التخت التاجر السّفار من المدينة السلطانية، وأخبرنى بنحو الذى تقدم، وقال كنت بالمدينة المذكورة وجوبان قد تتبع الأمراء الذين خرجوا عليه فقبض منهم من أول جمادى الآخرة

стр. 12802

إلى آخر شوال نحو ستة وثلاثين أميرا فقتلهم، وأخذ أموالهم، وصادر عمالهم وتجارهم، وحصّل من الأموال أضعاف ما عدم له قال وبقى إيرنجى ثلاثة أيام مقيدا ميتا وقتل معه فى يومه دقماق وأخوه أرس والأمير بكتوت. قال وفى اليوم الثانى قتلوا يوسف بكا وأخاه الأمير نوماى، وفى اليوم الثالث قتل لدقماق ابنان عمر كل واحد منهما سبع سنين وفي اليوم الرابع قتلوا ابنا لإيرنجى اسمه وفادار من أبناء خمس عشرة سنة وقتل له ابن فى الوقعة اسمه الأمير على وقطعوا رأسه [١٢٧] وألقوه إلى أمه كيخشك [١] ابنة السلطان أحمد ابن أبغا وكانت حاضرة المصاف، فحملت على أبى سعيد فصرعت وماتت تحت أرجل الخيل قال: وفى اليوم السابع أحضروا قرمشى بن النياج فحلقوا ذقنه وألبسوه طرطورا وسمروه، وطافوا به المدينة السلطانية، ثم أحضروه بين يدى جوبان وقتل بالنشاب إلى أن مات، ثم أحضروا أخاه من ثغر خراسان، وقتل حال وصوله قال وأحضروا بنت إيرنجى واسمها قطلو شاه خاتون وكانت إحدى زوجات الملك [٢] خربندا فقال أبو سعيد هذه سقت أبى السّمّ فقصد قتلها فشفع فيها الوزير، على شاه وزوجها فى الحال بخواجا دمشق أحد أولاد جوبان. قال: وأما امرأة دقماق فتزوجت بالأمير طاز بن كتبغانوين، وولى وظيفة قرمشى على ثغر خراسان، وسكنت الفتنة وأحرق جميع من قتل بالنار ولم يدفنوا. وفى هذه السنة فى الساعة الثانية من يوم السبت الخامس من شهر رمضان الموافق للعشرين من تشرين الأول والثالث عشر من بابه جاء سيل ظاهر مدينة دمشق وارتفع على وجه الأرض مقدار قامة وكان جريانه من جبل عربا وآيل السوق ووادى هريره والحسينية أمطرت هذه الأماكن مطرا عظيما وسال منه هذا السيل وحمل ما كان أمامه من الحجارة حتى سد عين الفيحة وانقطع جريان الماء منها يومين وليلتين، ثم خرجت على عادتها ومر إلى البحيرة.

стр. 12803

وفى عاشر شهر رمضان أمر نائب السلطنة بدمشق بهدم العمائر التى على جسر باب الحديد إلى باب الفراديس [١] فهدم منها إلى حد باب الفرج، ثم أقر ما بقى على حاله. وفى التاسع والعشرين من شهر رمضان جمع القضاة والفقهاء بدار السعادة [٢] فى مجلس نائب السلطنة، وقرئ عليهم مثال سلطانى يتضمن الإنكار على الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية بمسألة الطلاق [٣] وكان أيضا قد تقدم المرسوم قيل ذلك بمنعه من الفتيا بها، فامتنع ثم أفتى بها فحصل الإنكار عليه الآن وتأكد المنع وصنف فى هذه المسألة كلاما كثيرا ليس هذا موضع إيراده. ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف وهى الحجة الثانية وفى هذه السنة أمر السلطان بتجهيز ما يحتاج إليه إلى الحجاز الشريف وأظهر لذلك احتفالا عظيما قبل الخروج إلى الحجاز بستة أشهر وحمل من الإقامات والحوائج خاناه والشعير بالمنازل شيئا كثيرا، وتوجّه فى صحبته جماعة من الأعيان الأمراء والملك عماد الدين صاحب حماه وعدة من أصحاب الوظائف ورسم بجميع من توجه فى خدمته أن تكون كلفهم [٤] وما يحتاجون إليه من المآكل والعليق على البيوت السلطانية والإسطبلات فكان يحتاج فى كل ليلة من العليق خاصة ألف إردب شعير وقيل ألف إردب ومائة إردب. وجهز معه

стр. 12804

فى هذه السفرة ما لم يسافر به ملك قبله- فيما بلغنا- فكان مما حمل معه على الظهر ثلاثة عشر حملا من المحاير [١] المحكمة المقيّرة، وجعل فيها الطين الإبليز وزرع فيه الرياحين والخضراوات وهو بنفسج حملان هندبا ثلاثة أحمال، فجل حمل واحد أسفا ناخ، حمل واحد كسفرة خضراء حمل واحد طرخون: حمل- نعناع: حمل- سلق: حمل- حوائج بقل: حمل- شمار: حمل- وعمل له مطبخ يطبخ عليه وهو محمول على الظهر، وكان يطبخ فيه والجمل سائر فلا يصل إلى المنزلة إلّا وقد تهيأ الطعام، وحمل له من ماء النيل ماء، شربه مدة سفره ومقامه وعوده هو وجماعة ممن معه، وحملت الخراف المسمنة المعلوفة فى المحاير على الجمال وهى تعلف وتسقى فى طول الطريق فى ذهابه ومقامه وعوده، وضحى منها بمنى، ولما عزم على الرحيل أمر نائبه الأمير سيف الدين أرغون بالمقام بقلعة الجبل ورسم لمن تأخر من الأمراء أن يتوجهوا إلى نواحى أقطاعهم فيكون كل منهم ببلاد أقطاعه إلى حين عوده، ولا يجتمع أمير بأمير فى غيبته، وكتب إلى النواب بالشام [١٢٨] أن يستقر كل نائب بمقر مملكته ولا يتوجه إلى صيد إلى حين عوده، فامتثلت أوامره. وكان ركوبه من قلعة الجبل فى يوم السبت مستهل ذى القعدة، وأقام بظاهر القاهرة ما بين قلعة [٢] الجب ومنزلة العش [٣] إلى يوم الخميس السادس من الشهر، واستقل ركابه فى هذا النهار إلى الحجاز الشريف فى أمن الله ورعايته ثم توجه بعد ركاب السلطان الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة فكان توجهه من القاهرة فى يوم الإثنين سابع عشر ذي القعدة وأدرك الحج ووصل والسلطان بمكة شرفها الله تعالى، وتصدق السلطان بمكة- شرفها الله تعالى- بصدقات مبرورة وصلات موفورة وإنعام دان فأغنى بذلك الفقير وسد حاجة ذوى الحاجات وأحسن إلى أهل مكة إحسانا عاما شمل غنيهم وفقيرهم وكبيرهم وصغيرهم.

стр. 12805

واتفق فى هذه السنة وصول ركب من العراق وفيه جماعة من التتار صحبه ثلاثة من أكابر مقدميهم فلما علموا بوصول ركاب السلطان أخفوا أنفسهم خشيه أن يقبض عليهم فاطلع السلطان على ذلك فأمر بإحضارهم فحضروا بين يديه فأحسن إليهم وأنعم عليهم، وشملهم بالخلع السنية بالكلاوت الزركش ومكنهم من العود إلى بلادهم. ولما قضى السلطان مناسك حجه ولم يبق إلا عوده تسحب ثلاثة من مماليك الأمراء الخاصكية مملو كان من مماليك الأمير سيف الدين طقز دمر [١] مملوكا من مماليك الأمير سيف الدين بكتمر الساقى [٢] ، والتحقوا بالأمير عز [٣] الدين حميضة فظن السلطان أنهم انضموا إلى التتار فسار إلى مقدميهم وأمرهم بالكشف عنهم فقام المشار إليه من مقدميهم الثلاثة وأحضر من معه، فلم يجدهم معهم، وأقسموا على ذلك، ثم تحقق السلطان وهو بالمدينة النبوية أنهم التحقوا بحميضة وكان من خبرهم ما نذكره. ولما عاد السلطان من الحجاز الشريف تبعه جماعة من المشاة، فكان السلطان يسوق فى آخر الناس فإذا مر فى طريقه بمن انقطع منهم وعجز عن المشى يقف عنده ويحدثه ولا يفارق مكانه إلى أن يستصحبه معه، فإذا علم ذلك الرجل أنه السلطان انبعثت نفسه ونهض ومن عجز منهم عن المشى أمر بحمله ففعل ذلك حتى حمل على جميع ما معه من الظهر الذى يمكن الحمل عليه ثم مر بعد ذلك بمن عجز عن المشى فتحدث معه على عادته وأمره بالقيام فقال لا أقدر على ذلك فقيل له إن السلطان يحدثك، فقال قد علمت أنه السلطان ولكن على والله لا أستطيع المشى فأمر بحمله، فقيل له إن الظهر قد حمل عليه، فأمر بطرح ما فى المحاير من الطين والخضراوات والبقولات

стр. 12806

وغيرها، وأن يحمل على جمالها من عجز عن المشى، فامتثل أمره ورفق بالناس غاية الرفق واتصل به أن كريم الدين وكيله قد ضيق على بعض من معه فى العطاء والرواتب، فنقم عليه وضربه وهمّ بقتله مع تمكنه من دولته ثم استعطف عليه فسكن غضبه ووصل إلى السلطان هدايا النواب وتقادمهم والإقامات الوافرة والفواكه من حين خرج من مكة شرفها الله تعالى. ولما وصل السلطان إلى وادى بنى سالم فى عوده وهو من المدينة على ثلاث مراحل جهز الأمير ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون، والأمير سيف الدين قطلوبغا المعزّى بالبشارة بمقدمه، فوصلا إلى القاهرة فى يوم الثلاثاء مستهل المحرم، وعلى أيديهما كتب البشائر فضربت البشائر [١] وزينت المدينتان أحسن زينة وبات الناس فى حوانيتهم ليالى واستبشروا بسلامته [٢] . وكانت غيبة السلطان الملك ناصر الدين محمد عن القاهرة فى ذهابه وحجه وعوده ثلاثة وأربعين يوما. ثم وصل السلطان إلى قلعة الجبل فى بكرة نهار السبت الثانى عشر من المحرم ستة عشرين وسبعمائة، ولما مر بعقبة أيلة وشاهد ضيقها وصعوبة مسلكها أمر بترتيب جماعة من الحجارين لإصلاح طريقها، وقطع ما بها من الصخور المانعة من السلوك المضيقة على الناس فسطرت هذه المثوبة العظمى فى صحائف حسناته. وفى سنة تسع عشرة وسبعمائة توفى الأمير سيف الدين كراى المنصورى [٣] بمعتقله بالبرج بقلعة الجبل فى يوم السبت سادس عشر المحرم رحمه الله تعالى [١٢٩] . وتوفى الأمير سيف الدين أغزلوا [٤] العادلى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بدمشق، فى يوم الخميس سلخ جمادى الأولى بداره بظاهر دمشق ودفن

стр. 12807

بتربته بقاسيون، وكان أميرا شجاعا مقداما، شهد الحروب وأبلى فيها بلاء حسنا، وقد تقدم ذكر نيابة دمشق فى الأيام العادلية الدينية- رحمه الله تعالى- وتوفى الصدر بدر الدين محمد بن الصدر ناصر الدين منصور بن إبراهيم بن منصور بن [١] الجوهرى الحلبى وكانت وفاته بدمشق بالعادلية يوم السبت سادس عشر جمادى الآخرة ودفن بسفح قاسيون، ومولده بحلب فى ثالث عشر صفر سنة اثنتين وخمسين وستمائة سمع الحديث النبوى وأسمعه، وكان يعد من الرؤساء بالقاهرة، وتمكن فى سلطنة الملك العادل كتبغا تمكنا عظيما وعرض عليه وزارته فأباها، وكان من ذوى الأموال العريضة ثم نفدت [٢] أمواله فى آخر عمره واستدان ومات وعليه جملة من المال- رحمه الله تعالى. وتوفى القاضى فخر الدين أبو عمر وعثمان بن على بن يحيى بن هبة الله ابن على بن ابراهيم بن مسلم بن على الأنصارى الشافعى المعروف بابن بنت أبى سعيد [٣] وكانت وفاته بالقاهرة فى ليلة الأحد الرابع والعشرين من جمادى الآخرة ودفن من الغد بالقرافة ومولده فى الحادى والعشرين من شهر رجب سنة تسع وعشرين وستمائة بقرية داريا من قرى دمشق وكان ﵀ من العلماء الفضلاء الذين يرجع إلي فتاويهم، وكان حسن العشرة والمودة والمذاكرة لطيفا ولى نيابة الحكم بالقاهرة مدة وولى قبل ذلك قضاء الأعمال القوصية وغيرها رحمه الله تعالى. وتوفى الشيخ الصالح العابد العارف العلامة القدوة الورع الزاهد أبو الفتح نصر بن سليمان بن عمر المنيخى تغمده [٤] الله تعالى برحمته ورضوانه بزاويته المشهورة، ومولده تخمينا فى سنة ثمان وثلاثين وستمائة وكان- قدس الله روحه- عالما زاهد عابدا، مخشوشنا فى مأكله ومشربه وملبسه سمع الحديث بحلب على أبى إسحاق إبراهيم بن خليل

стр. 12808

ابن عبد الله الدمشقى وقدم إلى الديار المصرية بعد الستين، وقرأ القرآن على الشيخ كمال الدين بن على بن شجاع وصدره فى مجلسه ثم قرأ على الشيخ جمال الدين بن فارس، والشيخ على الدهان وأجازوه بذلك وأتقن القراءات ووجوهها وعللها وسمع صحيح البخارى على الشيخ كمال الدين الهاشمى وصحيح مسلم على ابن البرهان وكتاب السنن لأبى داود على أبى الفضل محمد ابن محمد البكرى، والسنن للنسائى على أصحاب أبى بكر بن باقا، وسمع علي النجيب الحرانى، وعبد الهادى القيسى وابن عملاق وغيرهم، وأجاز له الرشيد العطار وغيره وحدث بذلك مرار وقرأ عليه القرآن جماعة فأجاز منهم الشيخ أبا عبد الله محمد بن حسن الضرير دون غيره لإتقانه وكان يقول قرأ على خلق من أهل البلد وما جازلى أن أجيز غير أبى عبد الله وقرأ الشيخ ﵀ النحو والتصريف على الشيخ بهاء الدين بن النحاس واشتغل على مذهب الإمام أبى حنيفة واشتغل بأصول الفقه على أبى عبد الله محمد بن الحرانى، وكتب الحديث هذا كله مع الزهد والانقطاع والعبادة وأقبل عليه ملوك عصره وأكابر أمراء [١] الدول والأعيان وترددوا إليه فى الدولة الظاهرية وما بعدها وكان أكثرهم به خصوصية واجتماعا وترددا إليه وامتثالا لأمره ورجوعا إلى إشاراته الأمير ركن الدين بيبرس العثمانى المنصورى الجاشنكير، وهو الذى ملك الديار المصرية ولقب فى سلطنته بالملك المظفر فكان يقضى عنده حوائج الناس، ويصل أرزاقهم واستماله الشيخ إلى الخير وحسن فعله فوقف بأمره وإشارته ما قدمنا ذكره بجامع الحاكم والخانقاه والرباط وغير ذلك من وجوه البر، وكان الشيخ يكره الاجتماع بالأكابر وتلجئه الضرورة إلى ذلك لما يحصل بسبب اجتماعهم به من النفع المتعدى إلى غيره، ومما يدل على كراهته لذلك أنه كان ينقطع عن الاجتماع بالناس ومشافهتهم أربعة أشهر فى السنة وهى رجب وشعبان ورمضان وذو الحجة ثم انقطع ستة أشهر من السنة ثم جعل انقطاعه [١٣٠] فى آخر عمره ثمانية أشهر وفى مدة انقطاعه لا يشافه [٢] بكلامه غير خادمه وابن أخته الشيخ قطب الدين عبد الكريم وأخبرنى المشار إليه أن الشيخ ما زال يسأل الله تعالى أن يخفف عنه تردد الناس إليه فاستجاب الله تعالى له وانقطع الناس عنه قبل وفاته مدة تفرغ فيها لعبادة ربه، وكنت اجتمع به فى بعض الأحيان

стр. 12809

بزاويته وأخلو به فى خلوته فيتحدث معى ويدعو لى وتظهر لى منه دلائل المحبة والميل إلى، وكنت أقصد رؤيته فى زمن انقطاعه عن الاجتماع بالناس فأحضر إلى الجامع الحاكمى فى يوم الجمعة قبل حضوره فإذا جاء قمت إليه وتلقيته وسلمت عليه وصافحته فيرد على السلام الشرعى لا يزيدنى ولا غيرى عن ذلك، وأما فى غير زمن انقطاعه فيسألنى عن حالى وما تجددلى، وأخبرنى الشيخ قطب الدين ابن أخيه نفع الله به أن الشيخ سأله فى الساعة الثالثة من يوم وفاته هل قارب أذان العصر؟ قال فقلت له: يا سيدى بقى للعصر كثير، ثم ذكر ذلك فى الخامسة، ثم أعاده وقت أذان الظهر قال: ورأيته يفرح بأذآن العصر فلما أذن المؤذن بالعصر خرجت روحه الطاهرة المطمئنة ورجعت إلى ربها راضية مرضية- قدس الله تعالى روحه ونفعنا ببركاته. وفى هذه السنة كانت وفاة الملك المعظم شرف الدين عيسى ابن الملك الزاهر مجير الدين داود ابن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه ابن الملك القاهر ناصر الدين محمد ابن الملك المنصور أسد الدين شيركوه الكبير [١] ابن شادى بالقاهرة بدار الشريف ابن ثعلب فى ثامن [٢] عشر ذى القعدة وكان قد حضر إلى الأبواب السلطانية يسعى فى الإمرة، فأنعم عليه بإمرة طبلخاناه بدمشق فمات قبل عوده إلى وطنه ومولده بدمشق فى يوم الثلاثاء ثانى عشرين شهر رمضان سنة خمس وخمسين وستمائة. ذكر الحرب الكائنة بجزيرة الأندلس [٣] بين المسلمين والفرنج وانتصار المسلمين عليهم كانت هذه الوقعة المباركة التي أجلت عن الظفر والغنيمة فى شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة وسبعمائة [٤] ، ووصل الخبر بها إلى الديار المصرية فى سنة عشرين وسبعمائة، واجتمع بى من حضر هذه الوقعة وقص على نبأها وعلقت ذلك منه ثم

стр. 12810

فقدته ورأيت هذه الواقعة قد ذكرها الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه عن الشيخ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى بن ربيع المالقى وملخص ما نقله عنه: أنه لما بلغ النصارى حال، أمير المسلمين بجزيرة الأندلس وهو السلطان الغالب بالله أبو الوليد إسماعيل ابن كبير الرؤساء أبى سعيد فرج بن إسماعيل بن نصر سبط أمير المؤمنين المجاهد الغالب بالله أبى عبد الله محمد ابن أمير المسلمين يوسف بن نصر المعروف بابن الأحمر وأنه أخذ بالعزم فى تحصين البلاد والثغور وإصلاح حال الرعية وحياطتهم كبر ذلك عليهم [١] وعزموا على منازلة الجزيرة الخضراء وانتدب لذلك سلطان قشتالة واسمه دون [٢] بطره وجهز المراكب والرجالة وجاء إلى طليطلة [٣] ، وهى مقام بابهم [٤] الذى يرجع الملوك إليه ويقفون عند أمره، وعرفه ما عزم عليه من غزو الجزيرة الخضراء واستئصال من بها من المسلمين وسأله أن يتقدم أمره لملوك جزيرة الأندلس بمساعدته وإعانته على ذلك فسره ذلك [٥] وتقدم إلى الملوك بالاهتمام فى هذا الأمر وإعانته عليه، واتصل خبر إهتمامهم بأمور المسلمين أبى الوليد إسماعيل فكتب إلى سلطان بلاد المغرب أبى سعيد عثمان بن أبى يوسف يعقوب بن عبد الحق المرينى، وعرفه مادهم المسلمين من هذا العدو الثقيل واجتماعه وكلبه على البلاد الإسلامية، وسأل إنجاده بطائفة من جيشه وسير إليه بكتابه أبا عبد الله الطنجالى محدثا الأندلس وعالمها، وأبا عبد الله الساحلى عابد الأندلس وأبا جعفر بن الزيات الصوفى، وأبا تمام غالب الأغرناطى [٦] التتارى الصالح الزاهد [١٣١] وصحبتهم جماعة من الناس، فتوجهوا إليه فى البحر والبرحتى انتهوا إلى مدينة فاس واجتمعوا به وسألوه

стр. 12811

إغاثة المسلمين وإعانتهم فتقاعد عن نصرتهم واستصعب هذا الأمر فعادوا عنه وقد أيسوا من نصره فلجأ المسلمون إلى الله تعالى وأخذوا فى إصلاح الجزيرة الخضراء وتحصينها واتصل خبر تقاعد المرينى بالفرنج فاستبشروا بذلك [١] وتحققوا أنهم يملكون البلاد ويستأصلون المسلمين، وقدموا فى جيوش عظيمة اشتملت على خمسة وعشرين ملكا منهم صاحب أشبونة [٢] وقشتالة [٣] والفرنتيرة [٤] ، وأرغونة [٥] وطلبيرة [٦] ووصلت إليهم الأثقال والمجانيق والآت الحصار والأقوات فى المراكب التى جهزوها وانتهت المراكب بذلك الى جبل الفتح وطريف لمجاورتهما للجزيرة [٧] الخضراء ووصل إلى الزقاق [٨] ثلاث عشرة جفنا [٩] كبار غزوانية وترددوا بين الجزيرة والمرية [١٠] ووصلت جموع الفرنج إلى أغرناطة [١١] ونزلوا منها على عشرة أميال بموضع يقال له

стр. 12812

قنطرة بينوش بالقرب من جبل البيرة [١] فامتلأت بهم تلك الأرض وامتدت جيوشهم فى طول وادى شنيل [٢] ولم يكن لهم بدّ من النزول على الوادى بطوله بسبب الماء [٣] ولما علم المسلمون بوصولهم [٤] إلى هذا المكان عزم أمير المسلمين على أمير جيشه الشيخ الصالح أبى سعيد عثمان بن أبى العلاء أن يخرج إليهم بأنجاد المسلمين وشجعانهم فى صبيحة يوم الاثنين الخامس عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبعمائة فتأهب الناس لذلك فى الأحد. ولما كان فى عشية يوم الأحد أغارت سرية من العدو على ضيعة من ضياع السلطان القريبة من البلد فخرج إليهم جماعة من فرسان الأندلس الرماة المعروفين برماة الديار فقطعوهم عن الجيش وفروا أمامهم بجهة أرض المسلمين فتبعوهم طول الليل وأصبحوا بأرض لوشة [٥] فاستأصلهم المسلمون بالقتل والأسر، وكان ذلك أول النصر وأصبح المسلمون فى يوم الإثنين وقد غاب من جمعهم هذه الطائفة المشهورة بالشجاعة والرمى، فلم يتوقف الشيخ أبو سعيد عن لقاء العدو بسبب غيبتهم وعزم على الخروج لقتالهم، وذلك يوم عيدهم عيد العنصره وهو الرابع عشرين من حزيران، فخرج إليهم فى طائفة يسيرة من الفرسان مع أبناء أخيه وهما [٦] الشيخان الشقيقان أبو يحيى وأبو معروف أمير جيش مالقة [٧] ابنا الشيخ الشهيد أبى محمد عبد

стр. 12813

الله بن أبى العلاء ومنهم أخوهم الشيخ أبو عامر خالد أمير جيش رنده [١] ومنهم الشيخ العارف أبو مسعود محمد بن الثابتى ومنهم أمير جيش الخضرا، الشيخ المرابط أبو عطية مناف بن ثابت المغراوى وأمير لوشه الشيخ أبو المكارم ريان بن عبد المؤمن ولكل واحد من هؤلاء أولاد وأتباع، وأمر مطاع، وخرج مع هؤلاء الفرسان جماعة رجال أنجاد نحو خمسة آلاف رجل من أهل أغرناطة وسلكوا مع الشيخ أبى سعيد طريق الجبل لكونه أمنع، وأوصاهم، أن يكونوا بموضع عينه لهم ووصل فرسان المسلمين الثالثة من النهار إلى قرب الجيش فلما شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم عليهم مع قلتهم بالنسبة إلى كثرة الفرنج، وخرج إليهم وزير ملك الفرنج، فقال ما هذا الذى فعلتموه، وكيف أتيتم والملك فى يوم عيده؟ فارجعوا وابقوا على أنفسكم فإنه إن علم بكم ركب لقتالكم ولا ملجا لكم منه فعند ذلك حصل للشيخ أبى سعيد حال أخرجه عن عقله فنزل عن فرسه باكيا متضرعا إلى الله تعالى، وارتفعت أصوات المسلمين بالدعاء لهم ثم أتاهم من كان قد بقى بأغرناطة من فرسان المسلمين يتبعون آثارهم فحرض الشيخ أبو سعيد المسلمين على قتال عدوهم، وصلى ودعا وبينما هو فى صلاته ركب العدو بجملتهم وحملوا على المسلمين- ولم يعلموا برجال المسلمين التى وصلت من أغرناطة فنزلوا بجهة العلياء من المنزلة الخالية، وقصدوا المسلمين فلم ترعهم كثرتهم واستمر الشيخ أبو سعيد فى صلاته حتى أكملها، ووقف المسلمون ينتظرون ركوبه، ولما رأى العدو ثباتهم توقفوا وتهيئوا وخرج من الفريقين فرسان يحركون القتال فاستشهد أمير رندة فاجتهد أقرباؤه فى أخذ ثأره وأمر الشيخ أصحابه أن يقصدوا طرف المحلة ففعلوا فأفادهم ذلك، ومال الروم [١٣٢] إلى جهة المحلة بجملتهم، فألقى الله الرعب فى قلوبهم فانهزموا أقبح هزيمة وأخذتهم السيوف الإسلامية فما زال المسلمون يقتلونهم من الساعة السابعة إلى الغروب، ولما أظلم الليل أخذ

стр. 12814

الفرنج فى الهرب وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وغاب الجيش عن أغرناطة [١] ثلاثة أيام وخرج أهل أغرناطة [١] بجمع الأموال وأخذ الأسرى، فاستولوا على الأموال وأسروا وسبوا ما يزيد على خمسة آلاف من الرجال والنساء والأولاد، وأحصى من قتل من العدو فزادوا على خمسين ألفا، ومنهم من قال ستين ألفا، ويقال إنه هلك منهم بالوادى مثل هذا العدد لقلة معرفتهم به وثقلهم بالعدد ولم تبلغ القتلى من المسلمين بالمحلة عشرة وأما الذين قتلوا بالجبال والشعارى وسائر بلاد المسلمين من العدو فلا يحصى عدده كثرة ووجد الملوك الخمسة والعشرون بالمحلة قتلى، منهم دون بطره وعمه دون جوان وعلق دون بطره على باب الحمراء بأغرناطة وأما عمه وكان ممن يخدم المسلمين ففديت جثته بشئ كثير وأسارى وأسر من العدو فى بقية الشهر خلق كثير فكان المسلمون يحتاجون فى كل يوم لقوت الأسرى وقوت من يحرسهم [٢] ويحفظ الدواب خمسة آلاف درهم قال: وزعم الناس أن الذى وجد من الذهب والفضة بالمحلة [كان] [٣] سبعين قنطارا ولم يظهر سوى ربع هذا المقدار وأما الدواب والعدد والأخبية فشئ كثير. قال ولقد عزم على بيع ما يحصل من ذلك وقسمته فتعذر ذلك، واستمر البيع فى الأسرى [٤] وبعض الأسلاب والدواب ستة أشهر متوالية ولم يكمل قال وبعضها باق إلى الآن وضجر الناس وملوا من كثرة البيع قال ونهاية عدد ما كان من فرسان المسلمين فى ذلك اليوم بعد رجوع الرماة مما كانوا فيه ألفان وخمسمائة ولم يستشهد منهم غير أحد عشر رجلا، منهم خالد بن عبد الله المذكور وعمر بن باحرزت، وكان من خيار المسلمين- رحمه الله تعالى- هذا آخر كلامه فى هذا الفصل وبعضه بمعناه. وأخبرنى من شهد هذه الوقعة كما زعم وظاهره غير متّهم فإن عليه آثار الخير أنه شاهد رجلا يقاتل العدو ويقتل منهم فى هذه الوقعة قال فشبهته ببعض من أعرفه فجعلت أحرضه على القتال

стр. 12815

ثم دنوت منه فلم أجده ذاك وشبهته بآخر فحرضته كذلك فلما قربت منه نظر إلى وقال لست فلانا ولا فلانا النصر من عند الله، ثم غاب عني وفى هذا دلالة على أن الله تعالى أمد هذه الطائفة بالملائكة فى هذه الغزاة، فإن القدرة البشرية تضعف عن مقاومة هذه الجموع الكثيرة بهذه الطائفة اليسيرة [١] . وقد ورد كتاب إلى الديار المصرية من أغرناطة من جهة الشيخ حسين بن عبد السلام تضمن من خبر هذه الغزاة أنه قال جاء دون بطرا وجوان وهما ملكا قشتالة جيشا جيشا هائلا ما رأى المسلمون قط مثله، وعزموا على دخول أغرناطة فأول نزولهم على حصن يقال له طشكر [٢] وفيه صاحبه ابن حمدون فلما نازلوه بعث إليهم صاحب الحصن فى تسليمه على إبقاء المسلمين فأجاب ملك الروم إلى ذلك واستقر أن يسكن المسلمون والروم فى الحصن فواعدهم صاحب الحصن أن يبعثوا إليه فى نصف الليل خمسمائة فارس من الشجعان فبعثهم الملك إليه مع قائد يقال له أرمند فلما دخلوا الحصن فرقهم صاحب المجالس وقتلهم عن آخرهم ولم يشعر بعضهم ببعض فلما علم ملك الروم أنه عذر بهم حلف أن لا يرجع إلى بلاده حتى يدخل مدينة أغرناطة غلبة وقهرا [٣] فنازلها بمن معه على أربعة أميال منها [٤] فلم يخرج إليه أحد ثم تقرب حتى صار منها على ميلين فلما رأى المسلمون قربه من المدينة وقع فى نفوسهم رعب عظيم وتضرعوا إلى الله تعالى، فلما رأى سلطان البلد ما نزل بالمسلمين بعث إلى ملك الفرنج يقول له: ارحل عنى بأجنادك وأنا أعطيك عشرين حملا من المال ولا تفسد زرع البلاد، فامتنع من قبول ذلك وأبى إلا أخذها غلبة وقهرا فبعث إليه ثانيا وبذل له خمسة وعشرين حملا من الذهب، [١٣٣] وفى كل يوم مائة دينار وفى كل جمعة ألف دينار. فامتنع ملك الروم من القبول وحبس رسول المسلمين، فعلم المسلمون حينئذ أنه لا ينجيهم إلا النصر من الله تعالى فبعثوا
следующие страницы →