إغاثة المسلمين وإعانتهم فتقاعد عن نصرتهم واستصعب هذا الأمر فعادوا عنه وقد أيسوا من نصره فلجأ المسلمون إلى الله تعالى وأخذوا فى إصلاح الجزيرة الخضراء وتحصينها واتصل خبر تقاعد المرينى بالفرنج فاستبشروا بذلك [١] وتحققوا أنهم يملكون البلاد ويستأصلون المسلمين، وقدموا فى جيوش عظيمة اشتملت على خمسة وعشرين ملكا منهم صاحب أشبونة [٢] وقشتالة [٣] والفرنتيرة [٤] ، وأرغونة [٥] وطلبيرة [٦] ووصلت إليهم الأثقال والمجانيق والآت الحصار والأقوات فى المراكب التى جهزوها وانتهت المراكب بذلك الى جبل الفتح وطريف لمجاورتهما للجزيرة [٧] الخضراء ووصل إلى الزقاق [٨] ثلاث عشرة جفنا [٩] كبار غزوانية وترددوا بين الجزيرة والمرية [١٠] ووصلت جموع الفرنج إلى أغرناطة [١١] ونزلوا منها على عشرة أميال بموضع يقال له
стр. 12812
قنطرة بينوش بالقرب من جبل البيرة [١] فامتلأت بهم تلك الأرض وامتدت جيوشهم فى طول وادى شنيل [٢] ولم يكن لهم بدّ من النزول على الوادى بطوله بسبب الماء [٣] ولما علم المسلمون بوصولهم [٤] إلى هذا المكان عزم أمير المسلمين على أمير جيشه الشيخ الصالح أبى سعيد عثمان بن أبى العلاء أن يخرج إليهم بأنجاد المسلمين وشجعانهم فى صبيحة يوم الاثنين الخامس عشر من شهر ربيع الآخر سنة تسع عشرة وسبعمائة فتأهب الناس لذلك فى الأحد.
ولما كان فى عشية يوم الأحد أغارت سرية من العدو
على ضيعة من ضياع السلطان القريبة من البلد فخرج إليهم جماعة من فرسان الأندلس الرماة المعروفين برماة الديار فقطعوهم عن الجيش وفروا أمامهم بجهة أرض المسلمين فتبعوهم طول الليل وأصبحوا بأرض لوشة [٥] فاستأصلهم المسلمون بالقتل والأسر، وكان ذلك أول النصر وأصبح المسلمون فى يوم الإثنين وقد غاب من جمعهم هذه الطائفة المشهورة بالشجاعة والرمى، فلم يتوقف الشيخ أبو سعيد عن لقاء العدو بسبب غيبتهم وعزم على الخروج لقتالهم، وذلك يوم عيدهم عيد العنصره وهو الرابع عشرين من حزيران، فخرج إليهم فى طائفة يسيرة من الفرسان مع أبناء أخيه وهما [٦] الشيخان الشقيقان أبو يحيى وأبو معروف أمير جيش مالقة [٧] ابنا الشيخ الشهيد أبى محمد عبد
стр. 12813
الله بن أبى العلاء ومنهم أخوهم الشيخ أبو عامر خالد أمير جيش رنده [١] ومنهم الشيخ العارف أبو مسعود محمد بن الثابتى ومنهم أمير جيش الخضرا، الشيخ المرابط أبو عطية مناف بن ثابت المغراوى وأمير لوشه الشيخ أبو المكارم ريان بن عبد المؤمن ولكل واحد من هؤلاء أولاد وأتباع، وأمر مطاع، وخرج مع هؤلاء الفرسان جماعة رجال أنجاد نحو خمسة آلاف رجل من أهل أغرناطة وسلكوا مع الشيخ أبى سعيد طريق الجبل لكونه أمنع، وأوصاهم، أن يكونوا بموضع عينه لهم ووصل فرسان المسلمين الثالثة من النهار إلى قرب الجيش فلما شاهدهم الفرنج عجبوا من إقدامهم عليهم مع قلتهم بالنسبة إلى كثرة الفرنج، وخرج إليهم وزير ملك الفرنج، فقال ما هذا الذى فعلتموه، وكيف أتيتم والملك فى يوم عيده؟ فارجعوا وابقوا على أنفسكم فإنه إن علم بكم ركب لقتالكم ولا ملجا لكم منه فعند ذلك حصل للشيخ أبى سعيد حال أخرجه عن عقله فنزل عن فرسه باكيا متضرعا إلى الله تعالى، وارتفعت أصوات المسلمين بالدعاء لهم ثم أتاهم من كان قد بقى بأغرناطة من فرسان المسلمين يتبعون آثارهم فحرض الشيخ أبو سعيد المسلمين على قتال عدوهم، وصلى ودعا وبينما هو فى صلاته ركب العدو بجملتهم وحملوا على المسلمين- ولم يعلموا برجال المسلمين التى وصلت من أغرناطة فنزلوا بجهة العلياء من المنزلة الخالية، وقصدوا المسلمين فلم ترعهم كثرتهم واستمر الشيخ أبو سعيد فى صلاته حتى أكملها، ووقف المسلمون ينتظرون ركوبه، ولما رأى العدو ثباتهم توقفوا وتهيئوا وخرج من الفريقين فرسان يحركون القتال فاستشهد أمير رندة فاجتهد أقرباؤه فى أخذ ثأره وأمر الشيخ أصحابه أن يقصدوا طرف المحلة ففعلوا فأفادهم ذلك، ومال الروم [١٣٢] إلى جهة المحلة بجملتهم، فألقى الله الرعب فى قلوبهم فانهزموا أقبح هزيمة وأخذتهم السيوف الإسلامية فما زال المسلمون يقتلونهم من الساعة السابعة إلى الغروب، ولما أظلم الليل أخذ
стр. 12814
الفرنج فى الهرب وتبعهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وغاب الجيش عن أغرناطة [١] ثلاثة أيام وخرج أهل أغرناطة [١] بجمع الأموال وأخذ الأسرى، فاستولوا على الأموال وأسروا وسبوا ما يزيد على خمسة آلاف من الرجال والنساء والأولاد، وأحصى من قتل من العدو فزادوا على خمسين ألفا، ومنهم من قال ستين ألفا، ويقال إنه هلك منهم بالوادى مثل هذا العدد لقلة معرفتهم به وثقلهم بالعدد ولم تبلغ القتلى من المسلمين بالمحلة عشرة وأما الذين قتلوا بالجبال والشعارى وسائر بلاد المسلمين من العدو فلا يحصى عدده كثرة ووجد الملوك الخمسة والعشرون بالمحلة قتلى، منهم دون بطره وعمه دون جوان وعلق دون بطره على باب الحمراء بأغرناطة وأما عمه وكان ممن يخدم المسلمين ففديت جثته بشئ كثير وأسارى وأسر من العدو فى بقية الشهر خلق كثير فكان المسلمون يحتاجون فى كل يوم لقوت الأسرى وقوت من يحرسهم [٢] ويحفظ الدواب خمسة آلاف درهم قال: وزعم الناس أن الذى وجد من الذهب والفضة بالمحلة [كان] [٣] سبعين قنطارا ولم يظهر سوى ربع هذا المقدار وأما الدواب والعدد والأخبية فشئ كثير.
قال ولقد عزم على بيع ما يحصل من ذلك وقسمته فتعذر ذلك، واستمر البيع فى الأسرى [٤] وبعض الأسلاب والدواب ستة أشهر متوالية ولم يكمل قال وبعضها باق إلى الآن وضجر الناس وملوا من كثرة البيع قال ونهاية عدد ما كان من فرسان المسلمين فى ذلك اليوم بعد رجوع الرماة مما كانوا فيه ألفان وخمسمائة ولم يستشهد منهم غير أحد عشر رجلا، منهم خالد بن عبد الله المذكور وعمر بن باحرزت، وكان من خيار المسلمين- رحمه الله تعالى- هذا آخر كلامه فى هذا الفصل وبعضه بمعناه.
وأخبرنى من شهد هذه الوقعة كما زعم
وظاهره غير متّهم فإن عليه آثار الخير أنه شاهد رجلا يقاتل العدو ويقتل منهم فى هذه الوقعة قال فشبهته ببعض من أعرفه فجعلت أحرضه على القتال
стр. 12815
ثم دنوت منه فلم أجده ذاك وشبهته بآخر فحرضته كذلك فلما قربت منه نظر إلى وقال لست فلانا ولا فلانا النصر من عند الله، ثم غاب عني وفى هذا دلالة على أن الله تعالى أمد هذه الطائفة بالملائكة فى هذه الغزاة، فإن القدرة البشرية تضعف عن مقاومة هذه الجموع الكثيرة بهذه الطائفة اليسيرة [١] .
وقد ورد كتاب إلى الديار المصرية من أغرناطة من جهة الشيخ حسين بن عبد السلام تضمن من خبر هذه الغزاة أنه قال جاء دون بطرا وجوان وهما ملكا قشتالة جيشا جيشا هائلا ما رأى المسلمون قط مثله، وعزموا على دخول أغرناطة فأول نزولهم على حصن يقال له طشكر [٢] وفيه صاحبه ابن حمدون فلما نازلوه بعث إليهم صاحب الحصن فى تسليمه على إبقاء المسلمين فأجاب ملك الروم إلى ذلك واستقر أن يسكن المسلمون والروم فى الحصن فواعدهم صاحب الحصن أن يبعثوا إليه فى نصف الليل خمسمائة فارس من الشجعان فبعثهم الملك إليه مع قائد يقال له أرمند فلما دخلوا الحصن فرقهم صاحب المجالس وقتلهم عن آخرهم ولم يشعر بعضهم ببعض فلما علم ملك الروم أنه عذر بهم حلف أن لا يرجع إلى بلاده حتى يدخل مدينة أغرناطة غلبة وقهرا [٣] فنازلها بمن معه على أربعة أميال منها [٤] فلم يخرج إليه أحد ثم تقرب حتى صار منها على ميلين فلما رأى المسلمون قربه من المدينة وقع فى نفوسهم رعب عظيم وتضرعوا إلى الله تعالى، فلما رأى سلطان البلد ما نزل بالمسلمين بعث إلى ملك الفرنج يقول له: ارحل عنى بأجنادك وأنا أعطيك عشرين حملا من المال ولا تفسد زرع البلاد، فامتنع من قبول ذلك وأبى إلا أخذها غلبة وقهرا فبعث إليه ثانيا وبذل له خمسة وعشرين حملا من الذهب، [١٣٣] وفى كل يوم مائة دينار وفى كل جمعة ألف دينار. فامتنع ملك الروم من القبول وحبس رسول المسلمين، فعلم المسلمون حينئذ أنه لا ينجيهم إلا النصر من الله تعالى فبعثوا
стр. 12816
إلى أمير يعرف بأبى الجيوش من بنى مرين وسألوه إنجادهم بنفسه، فجاء ومعه ألف فارس [١] ونزل بموضع يقال له إلبيرة، وخرج عثمان بن أبى العلاء وهو من بنى مرين فى ألف فارس [١] فكمن فى موضع آخر وخرج ملك المدينة بعد خروج عثمان المذكور وخرج بعد الملك أمير يعرف بالمغراوى فى ثلاثمائة فارس من بنى مرين ومع كل طائفة منهم نقارتان [٢] وصناجق ووقع [٣] عليهم ملك المدينة واقتتلوا فانهزم المسلمون أمامهم إلى جهة المدينة استجرارا لهم فتبعهم الفرنج طمعا فيهم ثم عطف المسلمون عليهم وخرج عليهم الكمناء من كل جهة، ورفعوا أصواتهم بذكر الله تعالى، [٤] فهزم الله تعالى الكفار [٤] وألقى الرعب فى قلوبهم فقتل منهم ثمانون ألفا وسبى من الأولاد والنساء تسعة آلاف وأسر ما لا يحصى كثرة قال:
وأما ما وزن من الذهب من المغنم منهم
فثلاثة وأربعون قنطارا [٥] ومن الفضة مائة وأربعون قنطارا [٥] ولم يفلت من الفرنج إلا من نجا به فرسه وقتل الملكان فيمن قتل [٦] وجميع زعمائهم [٦] وحصلت امرأة جوان وأولاده فى الأسر فبذلت فى نفسها مدينة طريف وجبل الفتح وثمانية عشر حصنا فلم يقبل المسلمون ذلك قال: واستشهد من المسلمين سبعة، ثلاثة من بنى مرين وأربعة من الأندلسيين من أعيانهم، قال: ثم وصلنا أنه خرج من إشبيلية أربعة عشر مركبا، ونزلوا على سبتة [٧] فخرج إليهم
стр. 12817
المسلمون فأخذوا منهم أجفانا وأسروا من بها، قال ووقعت الغزوة المباركة فى الخامس عشر من الشهر فكان بين الوقعتين ليلة واحد، هذا ملخص كتابه ومعناه ونقل الشيخ محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحيى الحاكى الأول قال: ولما كان فى يوم الخميس مفتتح سنة عشرين وسبعمائة هكذا قال يوم الخميس مفتتح سنة عشرين [١] وهى استهلت عندنا بيوم الثلاثاء عزم الشيخ أبو يحيى أمير جيش مالقة أن يتوجه إلى رندة ويجتمع فيها بابنه مسعود الذى تولى أمر جيشها بعد عمه الشهيد خالد ويصل إليه الشيخ أبو عطية مناف بن ثابت ويتوجهوا للإغارة على شريش [٢] من بلاد النصارى فعلم بذلك النصارى المجاورون لمالقة ولبلاد المسلمين فعزموا على أن يغيروا على قامرة [٣] وحصن نوح [٤] من شطر [٥] مالقة وبالقرب منها، فارتقبوا يوم انفصاله وكان يوم الخميس، فاجتمعوا فى نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل من أهل استجة [٦] وسبتباله [٧] وأشونة [٨] وستبة [٩] وبلى [١٠] وأليسانه [١١] وقبرة [١٢] ومرشانة [١٣] وكان الفرنج فى الحشد الأول قد خافوا على هذه البلاد المجاورة
стр. 12818
للمسلمين فتركوا أهلها بها لحراستها فوصلوا صبيحة السبت ودخلوا قامرة فأخذوا جميع كسب سلطان المسلمين وكثيرا من كسب الرعية وخرجوا مطمئنين. وكان قد خرج فارسان من المسلمين ليلحقا الجيش فظفر الفرنج بأحدهما وهرب الآخر، فأدرك الشيخ أبا يحيى [١] بحيطين خضر الوزير بن الحكيم يعرفه الحال وهو بجماعة مالقة خاصة فرجع لقصد العدو فحضر على حصن طبية فتبعه من فرسانها نحو ثلاثمائة فارس ممن يعتمد عليهم، وترك الضعفاء والثقلة البقلة ونهض إلى حيث ذكر له الفارس أنه لقيهم فى أول الليل فى دخولهم فوجدهم قد خرجوا بالمغنم بموضع يقال له برجمه من [٢] تحت حصن سم لى [٣] وذلك بعد الظهر فارتفع الفرنج فى كدية عالية، ونزل أنجاد فرسانهم للقتال فقاتلهم المسلمون قتالا شديدا فقتلوا أكثرهم، واستشهد من المسلمين رجل واحد يقال له سعد الهمدانى، ثم ظهرت ساقة المسلمين، فارتفع من سلم من مقاتلة النصارى إلى الكدية وتحصنوا بها بالبرادع والدرق والدواب [٤] وامتنعوا ووصل الرماة من أنتقيرة [٥] وحصن المنشأة، وكان العون من الله تعالى عليهم فما زالوا يجاولونهم [٦] ويقاتلونهم إلى ثلث الليل الآخر فأذعن من سلم من النصارى إلى الإسار، فنزل نيف على خمسمائة فأسروا وقتل بقيتهم بالرماح والسهام ورجع الشيخ أبو يحيى بهم إلى مالقه وجعل منهم أربعمائة أسير اثنين وثمانين أسيرا فى حبل واحد، وسائرهم مثقلون بالخراج وأركبهم على دوابهم وأخذ منهم قاضى النصارى بأستجة [٧] وحمل ما غنم [١٣٤] من عدوهم من السيوف والرماح على خمسة وأربعين جملا ومن القسى على خمسة وأربعين دابة، والدرق على نحو من ثلاث عشرة دابة، وأراح الله تعالى من هؤلاء الأعداء ونصر عليهم وله الحمد والمنة.
стр. 12819
واستهلت سنة عشرين وسبعمائة بيوم [١] الثلاثاء
فى هذه السنة فى شهر المحرم عاد السلطان الملك الناصر من الحجاز الشريف كما قدمنا ذكر ذلك فى سياقة أخبار حجته ولما عاد إلى الديار المصرية شمل نواب السلطان وأكابر الأمراء بالإنعام والتشاريف على عادته.
ذكر تفويض السلطنة بحماة للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل
كان الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل بن الملك الأفضل نور الدين على ابن الملك المظفر تقى الدين محمود ابن الملك المنصور ناصر الدين محمد ابن الملك المظفر تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب قد توجه فى خدمة السلطان إلى الحجاز الشريف فى سنة تسع عشرة وسبعمائة فلما عاد فى هذه السنة رأى السلطان أن يفوض إليه السلطنة بحماة على عادة عمه وأجداده، فأمر بذلك وأركبه بشعار السلطنة فى يوم الخميس السابع عشر من المحرم سنة عشرين وسبعمائة ولبس التشريف بالمدرسة المنصورية التى بين القصرين بالقاهرة وهو بغلطاق [٢] أطلس معدنى أحمر بطرز زركش، بسنجاب مقندز [٣] وقباء تحتانى أطلس معدنى أصفر، وشاش تساعى مقصب بقصبات زركش وكلوته [٤] زركش وسيف وحياصة [٥] ذهب وركب فرسا أشهب من مراكيب السلطان نرنارى أطلس أحمر بداير أصفر برقبة سلطانية مزركشة وسرج سلطانى محلى بذهب وحمل السلاح له الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وحملت الغاشية [٦] السلطانية بين يديه، وركب فى خدمته الجمدارية السلطانية والحجاب، والنقباء
стр. 12820
وحملت العصائب [١] على رأسه، وخلع على أرباب الوظائف من الأمراء الأكابر، وكان يوما ما مشهودا وطلع إلى قلعة الجبل وقبل الأرض بين يدى السلطان وجلس رأس الميمنة ثم أعطى الدستور الشريف فتوجه من يومه على خيل البريد محبورا مجبورا، ووصل إلى دمشق فى يوم الخميس الرابع والعشرين من المحرم وأقام بعض يوم وتوجه إلى حماة والله أعلم.
وفى هذه السنة أعفى الصاحب أمين الدين عبد الله
من نظر المملكة الطرابلسية وكان قد تكرر سؤاله في الإعفاء وأن يكون مقامه بالقدس الشريف فأجيب سؤاله وتوجه من طرابلس إلى القدس فى شهر المحرم ورتب له فى كل شهر ثمانمائة درهم، وأربع غرائر قمحا بكيل القدس، واستقر مقامه بالقدس إلى أن أعيد إلى الوزارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى
ذكر الإفراج عمن يذكر من الأمرآء المعتقلين
وفى العشر الأوسط من صفر من هذه السنة أفرج السلطان عن جماعة من الأمراء المعتقلين الذين اعتقلوا فى ابتداء الدولة وهم الأمير علم الدين سنجر البروانى والأمير علم الدين الشيخ على التبريزى [٢] [١٣٥] والأمير سيف الدين طوغان المنصورى والأمير سيف الدين طاجار تكبرى، والأمير صارم الدين أزبك العينتابى، والأمير علم الدين أيدمر الشيخى، والأمير علاء الدين مغلطاى السيواسى والأمير شمس الدين سنقر الكمالى الصغير والأمير بدر الدين الحاج بيلبك، وسيف الدين منكجار وناصر الدين منكلي وشرف الدين موسى وشهاب الدين غازى أخو حمدان بن صلغاى وخلع عليهم خلع الجند ورتب جماعة منهم فى البحرية ثم أمر بعضهم بطبلخاناه، وقدم بعضهم على رجال الحلقة، ولما أفرج السلطان عن هؤلاء هرب من الاعتقال بثغر الإسكندرية من الأمراء علاء الدين أيدغدى التترى [٣] وسيف الدين بهادر الإبراهيمى فمسكا وجىء بهما إلى السلطان وكان معهما فى الاعتقال أحد المماليك السلطانية واسمه
стр. 12821
رمضان فلم يوافقهم على الهرب فلما جىء بهم أفرج السلطان عنه وأمر بسمل [١] أعين بهادر الإبراهيمى وأيدغدى التترى فسملت أعينهما فى يوم الأربعاء خامس عشرين صفر من السنة.
ذكر إسماعيل [٢] الزنديق ومقتله
وفى هذه السنة رمى هذا المذكور بالزندقة، وادعى عليه بمجلس الحكم عند القاضى علاء الدين الجوجراى أحد نواب قاضى القضاة تقى الدين بن الإخنائى المالكى، وشهد عليه جماعة كثيرة بأمور شنيعة تقتضى الزندقة نعوذ بالله من ذلك واعتقل مدة حتى استوضح الحاكم أمر الشهود وعرف عدالة بعضهم فقبل شهادته وزكى عنده بقيتهم وتضمن المحضر أقاويل شهد عليه بها لا يصدر مثلها عمن يعتقد بعثا ولا نشورا فثبت ذلك كله على الحاكم المذكور وأعذر إلى إسماعيل المذكور هل له مطعن فى الشهود يدفع به شهادتهم؟
وأمهله ثلاثة أيام أولها يوم الجمعة الثالث والعشرون من صفر فلما انقضى الأجل جلس قاضى القضاة تقى الدين المالكى ونائبه القاضى علاء الدين الجوجراى المذكور، وغيره من نواب الحكم، وجماعة من فقهاء المالكية وغيرهم بالمدرسة الناصرية بالقاهرة فلما صلوا المغرب ودخلت ليلة الإثنين وانقضت مدة الإعذار ولم يأت يدافع حكم عليه النائب بما ثبت عليه عنده من أمره وأشهد عليه أنه هدر دمه ونفذ قاضى القضاة تقى الدين المالكى المذكور ما حكم به نائبه وحكم به، وكان هذا الرجل قد حكى عنه كلام كثير منه ما ثبت بمقتضى المحضر ومنه ما شاع مما تنزه كتابنا عن ذكره وأخبرنى الشيخ زين الدين أبو بكر بن الفرج الهيثمى فى يوم الأحد لخمس بقين من صفر سنة عشرين وسبعمائة قال: رأيت فى الليلة المسفرة عن هذا اليوم رسول الله ﷺ وكأنه بجامع الحاكم فى صحنه مما يلى الدرابزين من الجهة
стр. 12822
القبلية ومعه لوط ﵉ وهما قائمان فسلمت عليهما فردوا على السلام فقال رسول الله- ﷺ قل لتقى الدين بن الإخنائى بقتل هذا أما سمعت ما قال أو ما سمع ما قال الشك من الراوى فى سيدنا رسول الله- ﷺ لوط وكان قد ذكر عن هذا الزنديق فى حق لوط ﵇ كلام شنيع، وقال لى الراوى وغيره ممن أثق بهم أنهم فى تلك الليلة كانوا قد ذكروا عن هذا الرجل ما وقع فيه، فلما نام رأى هذه الرؤيا وقصها على قاضى القضاة تقى الدين وأبلغه رسالة رسول الله- ﷺ وكان ذلك اليوم آخر أيام الإعذار فهدر دمه كما تقدم فلما كان فى يوم الاثنين السادس والعشرين من صفر اجتمع القضاة بدار العدل فى مجلس السلطان على العادة وطولع السلطان بما حكم به من هدر دم إسماعيل المذكور، وكان قد طولع قبل ذلك بخبره فسأل السلطان من الشهود الذين شهدوا عليه؟ وكان بعض الناس قد أراد الاعتناء به فلم يفده ذلك وقال قضاة القضاة بأجمعهم للسلطان، هذا لا بد من قتله إسنادا لحكم الحاكم فأمر السلطان متولى القاهرة يومئذ وهو الأمير علم الدين سنجر الخازن بالركوب فى صحبة القضاة وامتثال ما يأمرونه به فى أمره فاجتمع قضاة القضاة الأربعة وغيرهم من النواب والعلماء [١٣٦] فى المدرسة الصالحية بالإيوان المرصد للمالكية واتفقوا على ضرب عنقه فراجع متولى القاهرة السلطان فى ذلك، فأمره بتنفيذ ما أمر به القضاة، فضرب عنقه بعد صلاة العصر من يوم الإثنين وعرض عليه قبل ذلك أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله لعل ذلك ينفعه فيما بينه وبين الله تعالى إن أخلص فلم يقل ذلك وشرع يخلط فى كلامه ويذكر ألفاظا غير مستقيمة وظن أن ذلك التخليط ينفعه أو يشكل على القضاة بزوال عقله فيؤخروه، فلم يفده ذلك وضربت عنقه كما تقدم وألقيت جثته ورأسه بين القصرين إلى بعد المغرب من يوم مقتله، ثم حمل أعاذنا الله مما قال بمنه وبكرمه.
стр. 12823
ذكر قتل رجل ادعى النبوة بدمشق
وفى هذه السنة ادعى رجل بدمشق اسمه أقجبا رومى الجنس، من مماليك الأمير ركن الدين بيبرس التاجى أنه نبى وتسمى عبد الله وكان قبل ذلك يلازم الجامع بدمشق ويكثر من تلاوة القرآن فادعى ذلك وأصر عليه ورجع فلم يرجع وخوف بالقتل فلم يفد ذلك فاعتقد أولياء الأمر أن يكون قال هذا القول من حاجة مسته أو فاقة، فوعد بإزالة ضرورته وأن يرتب له كفايته، فأبى قبول ذلك وأصر على دعواه فضربت عنقه بظاهر دمشق فى يوم الإثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول.
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى مكة شرفها الله تعالى [١] وخبر مقتل حميضة بن أبى نمى
كان السلطان لما كان بمكه شرفها الله تعالى سأله المجاوزون بمكة ومن بها من التجار أن يخلف بها عسكرا يمنع عز الدين حميضة بن أبى نمى إن هو قصد أهل مكة بسوء، فجرد ممن كان معه الأمير شمس الدين آق سنقر ومعه، مائة فارس فأقام بمكة فلما عاد السلطان إلى قلعة الجبل جرد الأمير سيف الدين بيبرس الحاجب [كان] وهو من الأمراء مقدمى الألوف ببعض عدته وجرد معه جماعة من المماليك السلطانية، فكانت عدة من توجه معه مائة فارس وخرج من القاهرة فى يوم الأربعاء السادس من شهر ربيع الأول من هذه السنة ووصل إلى مكة شرفها الله تعالى، وأقام بها ومنع أهلها من حمل السلاح السكين فما فوقها وبعث إلى الأمير عز الدين حميضة وكان بقرب نخلة تستميله إلى مراجعة الطاعة والتوجه إلى الأبواب السلطانية فسأل رهينة عنده من أولاد الأمير ركن الدين تكون عند أهله ويحضر فأجاب الأمير ركن الدين إلى ذلك وجهز أحد أولاده، وهو الأمير على وجهز معه هدية لحميضة ولم يبق إلا أن يتوجه فأتاه فى ذلك اليوم رجل من العرب وأخبره بقتل حميضة فأنكر وقوع ذلك وظن أن ذلك مكيدة لأمر ما، لكنه توقف عن إرسال ولده حتى يتبين
стр. 12824
له الحال، فلما كان فى مساء ذلك اليوم طرق باب المعلى بمكة ففتح فإذا مملوك اسمه أسندمر، وهو أحد المماليك الثلاثة الذين كانوا قد التحقوا بحميضة من مماليك الأمراء كما تقدم وهو راكب حجرة [١] حميضة التى تسمى جمعة وكان السلطان قد طلبها من حميضة فشح بإرسالها وأخبر أنه قتل حميضة غيلة وهو نائم، وجرد سيفه فإذا به أثر الدم وذلك فى جمادى الآخرة فأرسل الأمير ركن الدين ولديه ناصر الدين محمد وشهاب الدين أحمد إلى الأبواب السلطانية بهذا الخبر فوصلا إلى السلطان فأنعم عليهما وجهزا الأمير ركن الدين من توجه لإحضار سلب حميضة والمملوكين اللذين بقيا فأحضر السلب وأخذا المملوكين وقيل إن الثالث مات وهو مملوك الأمير سيف الدين بكتمر الساقى فألزم صاحب نخلة بإحضاره وتوعده إن تأخر فأحضره واستمر الأمير ركن الدين بمكة إلى أن عاد الجواب السلطانى بطلبه، فتوجه من مكة- شرفها الله تعالى-[١٣٧] فى مستهل شعبان وصحبته المماليك الثلاثة الذين كانوا قد هربوا، وكان وصوله إلى الأبواب السلطانية فى العشر الأول من شهر رمضان، ولما وصل شمله الإنعام والتشريف، وأمر السلطان بقتل أسندمر قاتل حميضه قودا به فى شوال من السنة.
ذكر تجريد جماعة من العساكر الشامية إلى بلاد سيس ورجوعهم
وفى هذه السنة أمر السلطان بتجريد العساكر من الشام والسواحل، فجرد جماعة من دمشق وهم الأمير سيف الدين جوبان المنصورى، والأمير سيف الدين بكتوت القرمانى، والأمير بدر الدين بكتوت الشمسى ومضافيهم والمقدم عليهم جوبان المذكور وتوجهوا فى يوم الإثنين السادس والعشرين من شهر رجب وجرد العساكر بجملتها والعسكر الصفدى وبعض العساكر الحلبية وتوجهوا إلى جهة سيس والمقدم على سائر العساكر الأمير شهاب الدين قرطاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية.
стр. 12825
وسبب ذلك أن الهدنة التى كانت بين السلطان وبين صاحب سيس انقضت فسأل صاحب سيس تجديد هدنته على ما كانت عليه فامتنع السلطان من ذلك وطلب منهم عدة قلاع كانت قد أحدثت فى الأيام المنصورية الحسامية كما تقدم فتوقفوا فى إعطائها ثم بذلوا بعضها فلم يوافق السلطان على ذلك، وجرد هذه العساكر، ودخلوا إلى بلاد سيس، ولما وصلوا إلى نهرجان [١] وأرادوا قطعه غرق من العساكر نحو ألف فارس أكثرهم من عسكر طرابلس والتركمان، ثم دخل العسكر وأغاروا وشعثوا وأقاموا ببلاد سيس سبعة عشر يوما، ثم خرج العسكر وأقام بسليمة [٢] ثم رسم السلطان لهم أن يسوقوا خلف العرب حتى يخرجوهم من المملكة الشامية، ومات فى هذه السفرة من الجيش المجرد من دمشق الأمير بدر الدين بكتوت الشمسى، وكانت وفاته بحلب، ولم يدخل إلى سيس لمرضه- رحمه الله تعالى.
ذكر وصول الخاتون دلنبية وقيل فيها طولونية ابنة [٣] وبناء السلطان الناصر بها
كان السلطان الملك الناصر قد خطب إلى الملك أزبك بن طغولجا بن منكوتمر بن طغان بن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان ملك البلاد الشمالية من تكون الذرية الجنكيز خانية، وجهز إليه الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى وغيره كما تقدم فى سنة ست عشرة وسبعمائة، فلما عرضت كتب السلطان على الملك أزبك قال الترجمان للرسول لما أراد أن يتكلم بالمشافهة:
إن القاضى [٤] يعنى الملك أزبك يقول إن كان فى مشافهتك غير السلام فخاطب به الأمراء، ثم جمعت الأمراء مقدمى التمانات، وهم سبعون أميرا،
стр. 12826
فكلمهم الرسول فى ذلك فنفروا منه، وقالوا هذا لم يقع مثله فيما تقدم من حين ظهور جنكزخان وإلى هذا الوقت. وفى مقابلة ماذا تجهز ابنة ملك من الذرية الجنكزخانية إلى الديار المصرية، وتقطع سبعة بحور؟ ونحو هذا من الكلام، ولم يوافقوا على ذلك فى أول يوم، ثم اجتمعوا فى يوم آخر بعد أن وصلت إليهم هداياهم التى جهزها السلطان إليهم وأعيد الحديث فى ذلك فأجابوا إليه وسهلوه، وقالوا، ما زالت الملوك تخطب إلى الملوك. وملك مصر ملك عظيم يتعين إجابته إلى ما طلب إلا أن هذا الأمر لا يكون إلا بعد أربع [١] سنين سنة كلام، وسنة خطبة، وسنة مهاداة، وسنة زواج، واشتطوا فى طلب المهر والشروط فلما اتصل ذلك بالسلطان فرجع عن الخطبة والحديث فيها وتكررت رسله إلى الملك؛ أزبك ورسل الملك أزبك إليه والسلطان لا يذكر أمر الخطبة ولا تتضمن رسائله غير السلام والمودة على العادة، ثم توجه الأمير سيف الدين أطرجى [٢] من جهة السلطان إلى الملك أزبك بالهدايا والتحف وخلعة سلطانية مزركشة مكللة [١٣٨] فلبسها الملك أزبك ثم ابتدأ الأمير سيف الدين أطرجى بذكر الزواج، وقال: قد جهزت لأخى السلطان الملك الناصر ما كان قد طلب، وقد عينت له ابنة من البيت الجنكزخانى من نسل الملك بركة بن باطوخان بن دوشى خان بن جنكزخان، فقال أطرجى إن السلطان لم يرسلنى فى هذا الأمر، وهذا أمر عظيم لو علم السلطان بوقوعه جهز لهذه الجهة المعظمة ما يليق وما يصلح لها وأراد بذلك رفع الأمر إلى وقت آخر فقال الملك أزبك أنا أرسلها إليه من جهتى فما وسع الرسول إلا مقابلة أمره بالسمع والطاعة فلما استقر هذا الأمر قال الملك أزبك للرسول أحمل مهر هذه الجهة [٣] فاعتذر أنه لا مال معه. فقال نحن نأمر التجار أن يقرضوك ما تحمله فأمرهم بذلك. فاقترض عشرين آلف دينار عينا وحملها ثم قال له إنه لا بد لها من عمل فرح يجتمع فيه الخواتين، فاقترض مالا آخر قيل إنه سبعة آلاف دينار، وعمل الفرح وجهزت الخاتون،
стр. 12827
وصحبها جماعة من الرسل، وعدة فى الخواتين وقاضى مدينة صراى، وتوجهوا من جهة الملك أزبك وركبوا البحر فى ثانى شهر رمضان سنة تسع عشرة وسبعمائة، وحصل لهم مشقة عظيمة إلى أن وصلوا إلى ثغر الإسكندرية فى شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة.
ولما طلعت الخاتون من المركب جعلت فى خركاة مذهبة على عجلة
وجرها المماليك إلى دار السلطنة بالثغر، وأجريت لهم الإقامات المتوفرة، وجهز السلطان إلى خدمتها جماعة من الحجاب وثمان عشرة حراقة [١] فركبت الخاتون فى الحراقة الكبرى السلطانية وركب بقية من معها فى بقية الحراريق، ووصلت الخاتون إلى الساحل المقابل للقاهرة من بحر النيل فى يوم الإثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول سنة عشرين وسبعمائة وفرشت مناظر الميدان السلطانى لنزولها، ولما وصل ركب الأمير سيف الدين أرغون نائب السلطنة الشريفة وجماعة من الأمراء والمماليك السلطانية الأكابر، وتوجهوا إلى خدمتها وحملت من الحراقة فى محفة على أكتاف مماليك نائب السلطنة إلى أن استقرت بقاعة الميدان السلطانى، وضرب لها أيضا بالميدان دهليز أطلس معدنى كان قد عمل للسلطان، ومد لها ولمن معها أسمطة تصلح لمثلها، وأجريت عليهم الإقامات.
فلما كان فى يوم الخميس الثامن والعشرين من الشهر أحضر السلطان الرسل وهم رسل الملك أزبك ورسل ملك الكرج ورسل الأشكرى فمثلوا بين يديه، أو أدوا ما معهم من الرسائل وأحضروا الكتب والتقادم، ثم أمر السلطان نائبه الأمير سيف الدين أرغون والأمير سيف الدين بكتمر [٢] الساقى وهو من أخص مماليكه أن يتوجها إلى الميدان وينظرا الخوند الخاتون الواصلة، فتوجها إليها ورأياها- فيما بلغنى- ونقلت فى بقية النهار إلى قلعة الجبل وحملت
стр. 12828
على عربة [١] يجرها بغل يقوده أحد مماليكها حتى استقرت بقاعة أعدت لها بقلعة الجبل كان السلطان قد أنشأها لم يبن بالمملكة الإسلامية مثلها ثم عقد العقد المبارك فى يوم الإثنين السادس من شهر ربيع الآخر على ثلاثين ألف مثقال عينا حالة منها ما قدم وهو عشرون ألف دينار التى تقدم ذكرها وعقد العقد قاضى القضاة بدر الدين محمد بن ابراهيم بن جماعة وقبل العقد عن السلطان بوكالته نائبه الأمير سيف الدين أرغون وبنى السلطان بها ثم أعاد الرسل ومن حضر فى خدمتها بعد أن شملهم بالإنعام الوافر وجهز معهم الهدايا الجليلة إلى الملك أزبك وغيره وكان عودهم فى شعبان وتأخر منهم قاضى مراى بسبب الحج فحج وعاد إلى بلاده فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة.
ذكر تسحب الأمير حسام الدين مهنا وأولاده
ومن يلوذبه من العربان آل فضل [١٣٩] من البلاد الشامية ولحاقهم بالعراق وإمرة الأمير محمد شمس الدين محمد بن أبى بكر.
وفى سنة عشرين وسبعمائة تسحب الأمير حسام الدين مهنا بن عيسى وأولاده وإخوته وغيرهم ممن يلوذ بهم وينسب إليهم من آل فضل وفارقوا البلاد الشامية وتوجهوا نحو العراق وسبب ذلك أن السلطان الملك الناصر كان قد أحسن إلى هذه الطائفة من العربان وقدمهم على غيرهم، ووصلهم بالعطايا الجزيلة والإقطاعات الوافرة التى لم يسمع بمثلها، ولا يسمح الملوك بها ولا ببعضها الأكابر النواب وأعيان الأمراء، وكان ينعم على الرجل الواحد من أولاد مهنا بثلاثمائة ألف درهم فما دونها وأقطعهم جلّ [٢] الخواص بالبلاد الشامية زيادة على ما بأيديهم ثم طلبوا أكثر خواص القلاع بالممالك الإسلامية فأقطعهم ذلك وأخذوا أيضا بعض إقطاعات الأمراء بالشام وهم لا يطلبون شيئا إلا أنعم عليهم به وأقطعه لهم والسلطان فى غضون هذا الإحسان يقصد وصول الأمير حسام الدين مهنا إلى بابه وهو يأبى ذلك ويمتنع منه، وتكررت
стр. 12829
رسائل [١] السلطان إليه وهو يظهر الطاعة ولا يوافق على الوصول إلى الأبواب السلطانية، ثم خشى عاقبة السلطان، وارتاب من كثرة إنعامه على العربان، فكاتب السلطان مرارا فى استرجاع ما أعطاه لأولاده وإخوته من الزيادات فى الإقطاعات واختصار كثرة الصلات وأن يجرى الأحوال على ما كانت عليه من العوائد والسلطان يأبى ذلك فظن أن الإنعام على هذه الطائفة إنما هو بسببه فلما كان فى شهر ربيع الأول رسم السلطان بتجريد العساكر إلى بلاد سيس فغلب على ظنه أنها تقصده ففارق البلاد ووصل إلى عانة [٢] فأمر السلطان بإيقاع الحوطة على إقطاعات العربان من يومه والاحتراز على متحصلاتها، فوض إمرة العرب للأمير شمس الدين محمد بن أبى بكر بن على بن حذيفه وجهز السلطان الأمير سيف الدين قجليس إلى الشام بنصف عدته وأمر أن يتوجه معه جيش من دمشق لإخراج العربان، فجرد الأمير سيف الدين كجكن فى جماعة من العسكر، ووصل الأمير سيف الدين قجليس إلى دمشق فى حادى عشر جمادى الأولى، فتوجه منها الجمعة ثانى عشر الشهر وصحبته جماعة من العسكر الشامى والأمير شمس الدين محمد بن أبى بكر، واجتمعوا هم والجيوش المجردة إلى بلاد سيس وساقوا خلف العرب حتى أخرجوهم من بلاد الشام، وكانت مدة غيبة الأمير سيف الدين عن دمشق أربعة أشهر، وعاد فى خامس شهر رمضان إلى دمشق، وكان تأخره هذه المدة بسبب ضبط ما يتحصل من أقطاع العربان النازحين.
وأما الجيش المجرد من دمشق إلى سيس فإنه عاد فى يوم السبت حادى عشر جمادى الآخرة ثم ورد الخبر إلى دمشق من الرحبة فى يوم الأحد ثانى شعبان إلى أن جماعة من عرب مهنا وصلوا إلى بلاد الرحبة لرعى زرعها، فجهز جماعة من الأمراء وقدم عليهم الأمير سيف الدين بهادر آص، وتوجهوا فى يوم الأثنين ثالث شعبان.
стр. 12830
وفى جمادى الآخرة من السنة عاد إلى الأبواب السلطانية بعض العربان الذين توجهوا مع مهنا فأمر السلطان بالإفراج عن إقطاعاتهم وإجرائهم على عاداتهم.
ذكر إبطال مكس الملح بالديار المصرية
وفى العشر الآخر من شهر ربيع الآخر رسم السلطان بإبطال مكس الملح [١] وكتب بذلك مثال شريف سلطانى، وقرئ على المنابر فى يوم الجمعة الخامس من جمادى الأولى من سنة عشرين وسبعمائة، وكان المقرر على ذلك جملة كبيرة فى كل سنة فبطلت هذه المعاملة، واجتثت من أصلها وسطر الله هذه الحسنة فى صحائف حسناته. وفى هذه السنة فى يوم الإثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية [١٤٠] رسل صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود بالتقادم والهدايا والتحف، وكان مما أحضروه حمار وحشى أبلق مخططا قدر البغل لم يصل إلى الديار المصرية مثله فيما سلف فقبلت هديتهم وشملهم بالإنعام السلطانى ثم أعيدوا إلى مرسلهم بما جرت العادة به.
وفى هذه السنة تجهز ركب إلى الحجاز الشريف فيه جماعة من الأعيان وطلبة الحديث وغيرهم والمقدم على الركب بأمر السلطان الأمير جمال الدين عمر بن كراي أحد أمراء العشرات وكان رحيل هذا الركب فى السابع عشر من رجب، ووصل إلى مكة- شرفها الله تعالى- فى يوم الأحد مستهل شهر رمضان، ولم يجدوا فى سفرهم إلا خيرا ورفقا [٢] وتيسيرا [٢] والله أعلم [٣] .
ذكر منع الشيخ تقى الدين بن تيمية من الفتيا واعتقاله بقلعة دمشق
قد قدمنا أن المراسم الشريفة السلطانية كانت قد تقدمت بمنع الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية من الفتيا فى مسألة الطلاق وتكررت مرة بعد أخرى، ثم
стр. 12831
اتصل بالأبواب السلطانية أنه لم يمتنع عن ذلك فلما كان فى بكرة نهار الخميس الثانى والعشرين من شهر رجب سنة عشرين وسبعمائة عقد المجلس بدار السعادة بدمشق بحضور نائب السلطنة، وقضاة القضاة الأربعة وجماعة من الأعيان، وحضر الشيخ تقى الدين وسئل عن فتياه فى مسألة الطلاق، وأن المراسيم الشريفه السلطانية تكررت بمنعه من ذلك وهو يفتى بها، فأنكر أن يكون أفتى بها بعد المنع فحضر خمسة نفر ذكروا أنه أفتاهم بها بعد ذلك فأنكر وصمم على الإنكار فشهد عليه تقى الدين به طليس أنه أفتى بها لحّاما [١] اسمه قمر، وأن ذلك كان فى بستان شرف الدين ابن منجا فقام شرف الدين وعلاء الدين أبناء زين الدين بن منجا ليشهدا بخلاف ما شهد به ابن طليس، فقال قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى لهم: أنتما فاسقان لا تقبل شهادتكما ثم أمر بإخراجهما من المجلس فأخرجا، وقيل للشيخ أكتب خطك أنك لا تفتى بها ولا بغيرها فكتب أنه لا يفتى بها، ولم يكتب بغيرها فأمر قاضى القضاة نجم الدين باعتقاله وحكم بذلك، فقال له، حكمك باطل فإنك [٢] عدوى فلم يرجع إلى قوله وحبس بقلعة دمشق واستمر فى الاعتقال إلى يوم عاشوراء سنة إحدى وعشرين وسبعمائة فأفرج عنه حسب الأمر السلطانى، واستمر بداره بدمشق.
ذكر القبض على الأمير علم الدين الجاولى نائب السلطنة بغزة
وفى شعبان سنة عشرين وسبعمائة أمر السلطان بالقبض على الأمير علم الدين سنجر الجاولى [٣] نائب السلطنة ومقدم العسكر بغزة، وكان قد تقدم فى الدولة وعظم شأنه وكثرت أتباعه ومماليكه وميز إقطاعه حتى كان فيما قيل- يقارب إقطاع نائب السلطنة بدمشق، ولم يكاتب من ديوان الإنشاء بما كان يكاتب [٤] به من قبله من النواب، بل ألحق بنواب الممالك الشريفة فى رسم المكاتبة السلطانية وغيرهم وكان قد استأذن على الحج وتجهز لذلك تجهزا عظيما فاتصل بالسلطان عنه من أحد أستاذ دارية المذكور [٥] أمورا أنكرها
стр. 12832
عليه ونسب إلى ما لعله برئ منه فأمر السلطان بالقبض عليه وتوجه الأمير سيف الدين الماس الحاجب لذلك وأظهر أنه إنما توجه لزيارة البيت المقدس والخليل صلوات الله عليه وسلامه، ولما عاد من الزيارة قبض عليه وأوقع الحوطة على موجوده، وذلك فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من شعبان وجهز إلى الديار المصرية، [١٤١] فلما وصل أمر السلطان بإرساله إلى ثغر الإسكندرية واعتقاله، فأرسل من وقته واعتقل بالثغر وكان أحسن الله عاقبته كثير الصدقة على الفقراء المقيمين بغزة والواردين إليها وغيرهم ممن هو بالقدس الشريف وحرم الخليل صلوات الله تعالى عليه وأثر بتلك الجهات أثارا حسنة، فانقطع كثير من الفقراء بسبب اعتقاله، عامله الله تعالى بلطفه وبمنه وكرمه.
ذكر إبطال المعاملة بالفلوس عددا بالديار المصرية وبيعها بالرطل
وفى هذه السنة فى مستهل ذى الحجة رسم بإبطال المعاملة بالفلوس عددا وكانت المعاملة بها حسابا عن كل درهم ثمانية وأربعين فلسا، وكان سبب ذلك أنها كثرت فى أيدى الناس وهم، يتعاملون بها عددا على العادة فضربها الزغلية [١] وخففوها إلى أن صار كل ستة فلوس منها زنة درهم، وكان السلطان قبل ذلك قد رسم بإبطال المعاملة فى الشام بالفلوس على ما كانوا يتعاملون بها بينهم [٢] بالقراطيس [٣] والقرطيس ستة فلوس عدد أخفافا، وكان الناس يتعاملون بها بالشام حسابا عن كل درهم أربعة وعشرون قرطاسا، فأبطلها السلطان وأمر بضرب فلوس جدد ناصرية، زنة كل فلس بها درهم وتعامل الناس بها بالشام على عادة الديار المصرية كل ثمانية وأربعين فلسا بدرهم فنقل الناس تلك الفلوس الخفاف من الشام إلى الديار المصرية [٤]
стр. 12833
وخلطوها مع فلوس المعاملة، فخرجت فيها وتمادت عليها الأيام إلى أن كثرت وقلت الأولى، فتوقف الناس فى المعاملة بها وتزايد الأمر إلى أن غلقت الدكاكين وارتفعت الأسعار وتضاعفت، وكان السلطان قد توجه إلى الصيد بجهة الصعيد، ووصل إلى الأعمال القوصية، فلما عاد أنهى إليه حال الناس ووقوف معائشهم فأمر بأبطالها عددا وأن تدور بين الناس بالميزان حسابا عن كل رطل بالمصرى ثلاثة دراهم، وأمر بضرب فلوس جدد بدار الضرب عليها اسم السلطان وتاريخ ضربها زنة كل فلس منها نصف وربع وثمن، وأن يتعامل الناس بهذه الجدد عددا على العادة فمشت معائش الناس فى شهر ذى الحجة لكن غرم الناس جملة كثيرة فيما بين العدد والميزان، فكان الرطل منها إذا عد يكون سبعة دراهم عددا أو أكثر من ذلك وأقل ثم كان من أمر وقوفها ما نذكره فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وما بعدها.
ذكر خبر الحاج فى هذه السنة
فى هذه السنة وقف الناس بعرفه فى يوم الجمعة بغير خلاف بينهم وحج من الديار المصرية خلق كثير فكانت الركوب [١] التى خرجت من الديار المصرية سبعة وهم ركب توجه فى شهر رجب كما تقدم وأربعة ركوب في شوال على العادة صحبة المحمل، رحل الركب الأول منهم فى يوم الإثنين سادس عشر شوال من بركة الجب، وآخرهم فى يوم الجمعة وتوجه نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون بجماعة فى ذى القعدة وسبق الناس إلى مكة شرفها الله تعالى وتوجه القاضى فخر الدين ناظر الجيوش فى جماعة معه من مصر إلى البيت المقدس ومنه إلى مكة شرفها الله تعالى وتوجه من جهة البحر من ثغر عيذاب خلق كثير واجتمع بالموقف بعرفه ما يزيد على ثلاثين ركبا، ووصل ركب العراق إلى مكة وفيه خلق كثير وجماعة من أمراء التتار ومحمل من جهة الملك أبى سعيد بن خربندا، عليه غشاء أطلس، مرصع بأنواع الجواهر واليواقيت واللآلى والزمرد، وكان إذا وضع عن ظهر البختى ضرب عليه جسر عظيم واحتفال كثير، وكان مع أمراء الركب العراقى [١٤٢] صناجق سلطانية ناصرية وصناجق عليها رقوك [٢] الأمراء فجعل المحمل العراقى
стр. 12834
وصناجقهم، خلف محمل السلطان وصناجقه، ومحمل صاحب اليمن خلف محمل العراق، وكانت عادة الركب العراقى إذا قصد الحج ومرأهله على منازل العربان يأخذون منهم خفرا جملة من الأموال فلما وصل هذا الركب والمحمل فى هذه السنة ومروا على تلك الأعراب دفعوا إليهم ألف دينار وخمسمائة دينار فامتنع العربان من تمكينهم من العبور إلا بثلاثة آلاف دينار فقالوا نحن إنما جئنا بأمر السلطان الملك الناصر صاحب الديار المصرية والحجاز وكتابه إلينا فأعادوا عليهم الذهب وقالوا إذا كنتم جئتم بأمر السلطان فلا نأخذ منكم خفرا ومكنوهم من الجواز بغير شئ فلما اتصل ذلك بالسلطان أحسن إلى تلك [١] الطائفة من العربان وأثابهم على ذلك بجزيل الإنعام والخلع السنية.
وفى هذه السنة توفى الشيخ الفقيه العالم
القاضى زين الدين أبو القاسم محمد ابن الشيخ علاء الدين محمد بن الحسين بن عتيق ابن عبد الله بن رشيق [٢] المصرى المالكى وكانت وفاته بمصر فى ليلة الجمعة الحادى عشر من شهر المحرم سنة عشرين وسبعمائة ودفن فى يوم الجمعة بتربتهم بالقرافة الصغرى، وكان من فضلاء المالكية وأعيانهم ومفتيى المذهب ولى القضاء بثغر الإسكندرية نحو اثنتى عشرة سنة، وولى مرة نحو سنة قبل ولاية القاضى شرف الدين بن الرفقى [٣] ولما عزل من الثغر عاد إلى مصر فكان بها إلى أن مات- رحمه الله تعالى.
وتوفى شيخنا المحدث الفاضل العدل
شرف الدين يعقوب ابن الشيخ الإمام المقرى جمال الدين أحمد بن يعقوب ابن عبد الله الحلبى، المعروف بابن الصابونى، وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر رجب من هذه السنة، ودفن من يومه بمقبرة باب النصر،- رحمه الله تعالى- وليس هو من بنى الصابونى وإنما عرف
стр. 12835
بذلك [١] لتربية الشيخ جمال الدين بن الصابونى له، وكان قد تزوج خالته ورباه وقرأ عليه شيئا من الحديث ولازمه فعرف به، وغلبت عليه [٢] هذه النسبة.
سمعت عليه- رحمه الله تعالى- كتاب السنن لأبى داود وسليمان بن الأشعث السجستانى [٣] بالقاهرة بالمدرسة الناصرية بقراءة ولده الشيخ جمال الدين أحمد فى جماعة.
وسمعت عليه أيضا وعلى الشيخ زين الدين أبى محمد عبد الحق ابن فتيان بن عبد المجيد القرشى [٤] جمعا كتاب الشفاء بتعريف حقوق المصطفى ﷺ بسندها إلى مؤلفه القاضى عياض بن موسى بن عياض اليحصبى، وذلك بالمدرسة الناصرية أيضا بقراءة الشيخ شهاب الدين أحمد بن أحمد بن الحسين الهكارى، فى مجالس ثمانية آخرها فى اليوم الثانى عشر من شعبان عام ثمانية وسبعمائة، وتوفى القاضى زين الدين ابو بكر بن بدر الدين نصر بن شمس الدين الحسين الأسعردى وكيل بيت المال بالديار المصرية وناظر الحسبة بالقاهرة وكانت وفاته بالقاهرة فى يوم الإثنين سادس عشر شهر رمضان وكان كثير السكون والعقل رحمه الله تعالى وإيانا.
ذكر إراقة الخمور بالمدينة السلطانية وتبريز وغيرها من ممالك التتار [٤]
وفى العشر الأول من شعبان أمر أبو سعيد بإراقة الخمور فأريقت، وكان سبب ذلك أنه وقع فى شهر رجب بالمدينة السلطانية برد كبار وزنت واحدة [٥] منها فكانت ثمانية عشر درهما، وأهلك ذلك مواشي كثيرة، وأعقبه سيل خيف منه على البلد، واشتد الخوف ولجأ الناس إلى الله تعالى ثم سلم البلد فسأل
стр. 12836
الملك أبو سعيد الفقهاء عن سبب ذلك، فقالوا: من الجور والظلم، وإظهار الفواحش، وأنه بالقرب من المساجد والمدارس والخوانق خمارات وحانات، فأمر بتيطيل الخمارات والحانات فى سائر مملكته، وأبطل مكس الغلة، ورسم على الخمارين بالمدينة السلطانية، وألزموا بإحضار الخمور فى الظروف إلى تحت القلعة، وأحضرت، فاجتمع منها أكثر من عشرة آلاف ظرف ولما كمل جمعها حضر الوزير تاج الدين على شاة راجلا- وأعوانه، وخواص الدولة معه، وأريقت الظروف جميعها فى الخندق، ثم أحرقت الظروف وبقيت النار تعمل فيها يومين- نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالى المترجم بالمقتفى، وقال فيه:
حكى ذلك تاجر موصلى، حضر الواقعة قال: وسافرت بعد ذلك إلى تبريز، فرأيت الخمور مراقة فى الأزقة وقد فعل من ذلك بتبريز دون ما فعل بالسلطانية.
قال: ثم قدمت الموصل فرأيت الذى فعل بها من ذلك دون ما شاهدته بمدينة تبريز بكثير.
نجز الجزء الثانى والثلاثون [١] .
من كتاب نهاية الأرب فى فنون الأدب والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم
стр. 12837
فهرس موضوعات الجزء الثانى والثلاثين
من كتاب نهاية الأرب للنويري
مقدمة ٥- ١١
واستهلت سنة إحدى وسبعمائة للهجرة النبوية بيوم الأربعاء فى هذه السنة ١٣
ذكر توجه العساكر إلى الصعيد للإيقاع بالعربان ١٦
ذكر فتح جزيرة أرواد ٢١
ذكر وفاة قاضى القضاة تقى الدين ابن دقيق العيد ٢٢
ذكر وصول غازان ملك التتار إلى الرحبه ٢٦
ذكر توجه السلطان الملك التاصر من الديار المصرية ٢٨
ذكر خبر المصاف وهزيمة التتار ٣٠
ذكر حدوث الزلزلة ٥٩
ذكر وفاة الأمير زين الدين كتبغا المنصورى وهو الملك العادل ٦١
ذكر الجلوس بالمدرسة الناصرية والقبة وأوقاف ذلك وشروطه ٦٣
ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس ٧٧
ذكر وفاة الشيخ زين الدين الفارقى ٨١
ذكر عمارة الجامع الحاكمى بالقاهرة ٨٥
ذكر ما وقع فى هذه السنة بدمشق من الحوادث والولايات ٩١
ذكر الإغارة على بلاد سيس وأسر الأمراء ٩٧
ذكر توجه العساكر الشامية إلى بلاد الكسروان وإبادة من بها وتدميرها ٩٩
ذكر حادثة الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية ١٠١
ذكر حادثة غربية ١٢٤
ذكر الوحشة الواقعة بين السلطان الملك الناصر والأمراء ١٢٩
ذكر الاهتمام بقصد اليمن والاحتفال لذلك ١٣٢
стр. 12838
ذكر وفاة الأمير سيف الدين بيبغا المعروف بالتركمانى ١٣٤
ذكر توجه السلطان الملك الناصر إلى الكرك ١٤٠
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس ١٤١
ذكر ما كان من أمر النيل هذه السنة ١٤٥
ذكر اضطراب أمر الملك المظفر ركن الدين بيبرس ١٤٦
ذكر خلع الملك المظفر ركن الدين بيبرس ١٤٨
ذكر سلطنة السلطان الملك الناصر ١٥٠
ذكر استعادة ما أخذه الملك المظفر بيبرس ١٥٨
ذكر ما رتبه السلطان وقرره من النواب ١٥٨
ذكر القبض على المظفر ركن الدين بيبرس وقتله ١٦٠
ذكر الاستبدال بقاضى القضاة الشافعى والحنفى بالديار المصرية ١٦٤
ذكر القبض على الأمير سيف الدين سلار ووفاته رحمه الله تعالى ١٦٥
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسية ١٦٦
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الحموية ١٦٧
ذكر تفويض الوزارة بالديار المصرية للأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب ١٦٨
ذكر تفويض الوزارة بدمشق للرئيس عز الدين حمزة بن القلانسى ١٦٨
ذكر القبض على الأمير سيف الدين أسندمر كرجى ١٦٩
ذكر حادثة الأميرين: مظفر الدين موسى بن الملك الصالح وسيف الدين بتخاص والقبض عليهما ١٧١
ذكر انتقال الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى ١٧٦
ذكر القبض على الأمير سيف الدين بكتمر ١٧٧
ذكر جلوس السلطان بدار العدل ١٧٧
ذكر عدة حوادث بالشام فى إحدى عشرة وسبعمائة ١٧٨
ذكر عزل الصاحب عز الدين بن القلانسى عن وزارة الشام ١٧٩
ذكر طلب أعيان دمشق وما قرر عليهم من استخدام الخيالة وما وقع بسبب ذلك من الفتن ١٨٠
стр. 12839
ذكر القبض على الأمير سيف الدين كراى ١٨٢
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام ١٨٣
ذكر مفارقة الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى ١٨٥
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية ١٩٦
ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس العلائى نائب السلطنة بحمص ومن يذكر من الأمراء بدمشق ١٩٨
ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار ١٩٩
ذكر تفويض نيابة السلطنة بالشام ٢٠٠
ذكر تفويض السلطنة بالباب الشريف للأمير سيف الدين أرغن ٢٠٠
ذكر عرض العساكر والنفقة فيها وتجريدها وتوجه السلطان إلى الشام ٢٠١
ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف ٢٠٢
ذكر تفويض نيابة العدل وشد الأوقاف للأمير بدر الدين محمد بن الوزيرى ٢٠٦
ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة ٢٠٧
ذكر روك الإقطاعات بالشام ٢٠٧
ذكر تجريد جماعة من الأمراء إلى مكة ٢٠٨
ذكر واقعة الشيخ نور الدين على البكرى وغضب السلطان عليه وخلاصه ٢١٢
ذكر وفاة سيف الدين سودى نائب السلطنة بحلب وتفويض نيابة السلطنة بها للأمير علاء الدين الطنبغا الحاجب ٢١٥
ذكر عزل الأمير سيف الدين بلبان طرناه ٢١٦
ذكر إرسال العسكر إلى ملطية صحبة الأمير سيف الدين تنكر وفتحها ٢١٩
ذكر القبض على من يذكر من الأمراء بالديار المصرية ٢٢٢
ذكر القبض على الأمير بن سيف الدين تمر الساقى ٢٢٣
ذكر وصول السيد الشريف أسد الدين رميثة إلى الأبواب السلطانية وتجريد العسكر معه إلى الحجاز الشريف ٢٢٥
ذكر الإفراج عن الأمير جمال الدين آقش الأفرمى ٢٢٥
ذكر ما أمر السلطان بإبطاله من المكوس والمظالم وما أسقطه من أرباب الوظائف ٢٢٦
стр. 12840
ذكر حادثة السيول والأمطار ببلاد الشام وما أثر ما وقع من العجائب التى لم تعهد ٢٣٣
ذكر تفويض إمرة العرب بالشام للأمير شجاع الدين فضل ٢٣٣
ذكر وفاة الأمير سيف الدين كستاى ٢٣٦
ذكر تجريد العسكر إلى النوبة وملك عبد الله برشنبوا النوبة ومقتله ٢٣٧
ذكر تجريد العسكر إلى العرب ببرية عيذاب ودخوله إلى بلاد هلنكة وغيرها وعوده ٢٣٩
ذكر الإفراج عن الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب وإرساله إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الصفدية ٢٤٤
ذكر حادثة السيل ببعلبك ٢٤٩
ذكر حادثة الهواء بالبلاد الحلبية وما حصل بسببه ٢٥١
ذكر توجه السلطان إلى الشام ووصوله إلى الكرك وإفراجه عمن يذكر من الأمراء وعوده ٢٥٣
ذكر خبر النيل المبارك فى هذه السنة ٢٥٤
ذكر إفرار مصر عن قاضى الحنفية ٢٥٥
ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله ٢٥٦
ذكر روك المملكة الطرابلسية وما يتصل بذلك من أبطال الجهات المنكرة بها وأخبار النصيرية ٢٥٧
ذكر ظهور رجل ادّعى أنه محمد بن الحسن المهدى وقتله ٢٧٧
ذكر إرسال الصاحب أمين الدين إلى نظر المملكة الطرابلسية ٢٨٢
ذكر عزل الأمير بدر الدين محمد بن التركمانى عن وظيفة الشاد بالديار المصرية ٢٨٣
ذكر إرسال الأمير سيف الدين طوغاى نيابة السلطنة بالمملكة الصفدية والقبض عليه ووفاته ٢٨٣
ذكر إنشاء الجامع بقلعة الجبل ٢٨٥
ذكر وثوب الأمير عز الدين حميضة بن أبى نمىّ بمكة شرفها الله تعالى ٢٨٥
ذكر حادثه الريح بالجون من طرابلس ٢٨٦
стр. 12841
ذكر هدم الكنيسة بحارة الروم ٢٨٧
ذكر الجوامع التى خطب وأقيمت صلاة الجمعة بها ٢٨٨
ذكر الغلاء الكائن بديار بكر والجزيرة وغيرها من بلاد الشرق ٢٩٢
ذكر مقتل الرشيد المتطبب ٢٩٤
ذكر الخلف الواقع بين جوبان ٢٩٨
ذكر توجه السلطان إلى الحجاز الشريف ٣٠٣
ذكر الحرب الكائنة بجزيرة الأندلس ٣٠٩
ذكر تفويض السلطنة بحماة للملك المؤيد عماد الدين إسماعيل ٣١٩
ذكر الإفراج عمن يذكر من الأمراء المعتقلين ٣٢٠
ذكر إسماعيل الزنديق ومقتله ٣٢١
ذكر قتل رجل ادعى النبوة بدمشق ٣٢٣
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى مكة شرفها الله تعالى وخبر مقتل حميضة ابن أبى نمى ٣٢٣
ذكر تجريد جماعة من العساكر الشامية إلى بلاد سيس ورجوعهم ٣٢٤
ذكر وصول الخاتون دلنبية وقيل فيها طولونية ابنته وبناء السلطان الناصر بها. ٣٢٥
ذكر تسحّب الأمير حسام الدين مهنا وأولاده ٣٢٨
ذكر إبطال مكس الملح بالديار المصرية ٣٣٠
ذكر منع الشيخ تقى الدين بن تيمية من الفتيا واعتقاله بقلعة دمشق ٣٣٠
ذكر القبض على الأمير علم الدين الجاولى نائب السلطنة بغزة ٣٣١
ذكر إبطال المعاملة بالفلوس عددا بالديار المصرية وبيعها بالرطل ٣٣٢
ذكر خبر الحاج فى هذه السنة ٣٣٣
ذكر إراقة الخمور بالمدينة السلطانية تبريز وغيرها من ممالك التتار ٣٣٥
стр. 12842
الجزء الثالث والثلاثون
تقديم بقلم المحقق
هذا هو الجزء الثالث والثلاثون [١] من كتاب: «نهاية الأرب فى فنون الأدب» لمؤلفة أحمد بن عبد الوهاب النويرى، وهو آخر أجزاء هذا الكتاب، وجدير بنا- وقد بلغ الكتاب غايته- أن نسترجع هنا بعض ما ذكره النويرى فى خطبة هذا الكتاب الموسوعة، لنرى الأساس الذى بنى عليه كتابه، والمنهج الذى جرى عليه فى تصنيفه، فقد قال- ﵀ إنه ضمنه من «فنون الأدب خمسة فنون حسنة الترتيب، بيّنة التقسيم والتبويب، كلّ فن منها يحتوى على خمسة أقسام» [٢] وكل قسم يشتمل على أبواب، وهذه الفنون- كما أوردها النويرى- هى:- ١- الفن الأول: فى السماء والآثار العلوية والأرض والمعالم السفلية.
٢- الفن الثانى: فى الإنسان وما يتعلق به.
٣- الفن الثالث: فى الحيوان الصامت، ويعنى به ما عدا الإنسان من سائر الحيوان.
٤- الفن الرابع: فى النبات.
٥- الفن الخامس: فى التاريخ.
وقد استغرقت الفنون الأربعة الأولى الأسفار من الأول حتى نهاية السفر الثانى عشر، أما الفن الخامس- وهو التاريخ- فقد جاء أوسع هذه الفنون وأشملها، ورتّبه- كغيره من الفنون- فى خمسة أقسام، أربعة منها اشتملت عليها الأسفار: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر، وتحدث فيها-
стр. 12843
كغيره ممن سبقوه- عن بدء الخليقة، وخلق آدم وحواء، وأخبار الرسل والأنبياء، وأخبار ملوك الأصقاع، وملوك الأمم والطوائف، ووقائع العرب فى الجاهلية.
وافتتح السفر السادس عشر بالقسم الخامس من فن التاريخ، وقد عقده لأخبار الملّة الإسلامية، وجعله اثنى عشر بابا، أولها: فى سيرة الرسول- ﷺ وآخرها- وهو الباب الثانى عشر الذى افتتح به السفر الثامن والعشرين- ابتدأ به «أخبار ملوك الديار المصرية الذين ملكوا فى خلال الدولة العباسية نيابة عن خلفائها، وهم الملوك العبيديّون.. وما كان من أمرهم، وما ملكوه من بلاد المغرب، وكيف استولوا على الديار المصرية، والبلاد الشامية والحلبية، والثغور والسواحل، وغير ذلك إلى أن انقرضت دولتهم، وقيام الدولة الأيوبية، وأخبار ملوكها بمصر والشام إلى حين انقراضها؛ وقيام دولة الترك، ومن ملك منهم من أبنائهم، وما حازوه من الأقاليم، وما فتحوه من الممالك، وما استقر فى ملك ملوك هذه الدولة، إلى حين وضعنا لهذا التأليف فى سنة [١] ... وسبعمائة فى أيام مولانا الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون.
وقد عاش النويرى حياته فى عهد الملك المنصور قلاوون [٢] ، وعهد ولديه: الملك الأشرف صلاح الدين خليل [٣] ، والملك الناصر [٤] محمد بن قلاوون، فقد ولد النويرى- كما يذكر لنا فى حوادث سنة ٦٧٧ هـ- «فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من ذى القعدة بمدينة إخميم من صعيد مصر» [٥] وكانت ولاية المنصور قلاوون ملك مصر فى السنة التالية، يوم الأحد العشرين من شهر رجب سنة ٦٧٨ هـ، وحين آل الملك إلى ابنه الناصر محمد سنة ٦٩٣ هـ- فى ولايته الأولى- كان عمر النويرى ست عشرة سنة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة- فى ولاية الناصر الثالثة- وعمره ست وخمسون سنة.
стр. 12844
وهذا الجزء هو آخر أجزاء الكتاب، وفيه يواصل النويرى الكلام فى «أخبار الملك الناصر محمد بن قلاوون، مبتدئا بحوادث سنة إحدى وعشرين وسبعمائة التى «استهلت بيوم السبت المبارك» وكان أول ما أرّخ له فيها: «وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة سنة عشرين وسبعمائة فى أول ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين الثالث من المحرم سنة إحدى وعشرين وسبعمائة» وقد مضى فيه على منهجه فى ذكر الوقائع والأخبار، ووفيات الأعيان، سنة بعد أخرى، حتى اختتمه بنهاية حوادث سنة ثلاثين وسبعمائة.
وأغلب الظن أن النويرى رصد ما وقع من الحوادث والأخبار فيما تلا هذا التاريخ، ليجمع منها مادة الجزء الذى يليه، ثم يشرع فى تدوينه حين يصبح لديه من هذه المادة ما يصلح لتصنيف جزء جديد، هكذا صح عزمه، وحالت دونه منيته التى حانت سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، فقد ورد فى آخر هذا الجزء من نسخة كوبريلى ما نصّه: «آخر الجزء الحادى والثلاثين [١] من نهاية الأرب فى فنون الأدب، يتلوه- إن شاء الله تعالى فى أول الجزء الثانى والثلاثين منه-: واستهلت سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة بيوم الأحد، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد نبيه وعلى آله وصحبه..» .
وهكذا يكون النويرى قد أنجز ما وعد به القارئ فى مقدمته من تأليف هذا الكتاب الموسوعة، وأتى على آخر ما أراده فى الباب الثانى عشر من القسم الخامس من فن التاريخ، وهو «ذكر قيام دولة الترك، ومن ملك منهم من أبنائهم بمصر.. إلى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون» .
وقد لاحظنا أن النويرى حين أخذ يؤرخ للحقبة التى عاشها فى دولة المنصور قلاوون، وفى دولتى ابنيه- الملك الأشرف صلاح الدين خليل، والملك الناصر محمد- بدت خطواته بطيئة شيئا ما، حتى رأينا الجزء الحادى والثلاثين لم يشتمل إلا على أخبار اثنتين وعشرين سنة، والجزء الثانى والثلاثين ضم أخبار عشرين سنة، ورأينا هذا الجزء الثالث والثلاثين- يشتمل فقط على أخبار عشر سنوات (من سنة ٧٢١ هـ إلى ٧٣٠ هـ) ويرجع ذلك- فى تقديرنا- إلى أمرين:
стр. 12845
أولهما: أن النويرى لم يكن فيما أورده من تاريخ هذه الفترة مؤرخا فحسب، بل كان شاهدا على عصره، وواحدا من رجال هذه الدولة، حيث قربه إليه الناصر محمد بن قلاوون، فكانت له عنده حظوة كبيرة، حتى وكلّه فى بعض أموره، وتقلب فى الوظائف الديوانية، فولى نظارة البيمارستان المنصورى [١] ، ونظارة الجيش فى طرابلس، ونظر الديوان فى إقليم الدقهلية والمرتاحية.. فأتاح له موقعه أن يشهد من الحوادث، ويعرف من الأخبار ما ضمنه كتابه فى تاريخ هذه الفترة.
وثانيهما: أن النويرى فى هذا الجزء- فى حوادث سنة خمس وعشرين وسبعمائة- استطرد بذكر تاريخ اليمن من الفتح الإسلامى إلى هذه السنة، وذكر أنه اقتبسه من كتاب: «بهجة الزمن فى تاريخ اليمن» لمؤلفه القاضى عبد الباقى بن عبد المجيد اليمانى، الذى قدم إلى الديار المصرية فى هذه السنة، وأطلع النويرى على كتابه هذا، فنقله مختصرا [٢] . وقد استغرق تاريخ اليمن من هذا الجزء أكثر من ثلثه [٣] .
وفى تحقيق هذا الجزء اعتمدنا على نسختين مصورتين عن أصليهما المحفوظين بالآستانة:
١- النسخة الأولى مكتوبة بقلم نسخى معتاد، ومسطرتها ٣٥ سطرا، وعدد صفحاتها ١٠٧ من قطع الربع، وفى صفحتها الأخيرة خاتم نقشه: «هذا ما أوقفه الوزير أبو العباس أحمد بن الوزير أبى عبد الله محمد، عرف بكوبريلى، أقال الله عثارهما» وهى محفوظة بدار الكتب تحت رقم ٥٤٩
стр. 12846
(معارف عامة) وقد رمزنا إليها فى الحواشى بالحرف (ك) ووضعنا أرقام صفحاتها بين قوسين هكذا (فى الهامش وقد اعتمدنا هذه النسخة أصلا للتحقيق.
٢- والنسخة الثانية مكتوبة بخط واضح، وبها بعض هوامش استدراكية، وعدد صفحاتها ٢٨٦ صفحة، وتقع فى قسمين: الأول منهما يضم ١٤٢ صفحة، والثانى ١٤٤ صفحة، ومسطرتها ١٩ سطرا، ومساحة صفحتها ١١ ١٧ سم، وهى مأخوذة بالتصوير الشمسى عن أصلها المخطوط بالآستانة، ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٥٥١ (معارف عامة) وقد رمزنا إليها فى الحواشى بالحرف (أ) ووضعنا أرقام صفحاتها- فى هامش المتن- بين قوسين فى صفحتها.
هذا. وكنت قد فرغت من تحقيق هذا الجزء فى سنة ١٩٦٢ م، وقام بمراجعته سنة ١٩٦٣ م المرحوم الأستاذ الدكتور محمد مصطفى زيادة، فأثنى على ما بذلته من جهد فى تحقيقه، وأجازه للنشر حينذاك، وبقيت بعد ذلك أنتظر صدوره، حتى «طال الأمد على لبد» كما يقولون، وخشيت أن ينقضى العمر قبل أن أراه مطبوعا، ولكن شاء الله- وله الحمد والمنّة- أن يصدر أخيرا برعاية الأستاذ الفاضل الدكتور محمود فهمى حجازى رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، وبعناية الأستاذ السيد حسن عرب المدير العام لمركز تحقيق التراث، ومعاونيه من الباحثين بالمركز، وأخص منهم بالذكر الأستاذ سيد على حسين- الباحث الأول- الذى تابع هذا الجزء، وراجع تجارب المطبعة، والأستاذ مصطفى موسى الباحث بالمركز، فلهم منى جميعا جزيل الشكر، وجزاهم الله عنى خير الجزاء.
وبعد. فلا يفوتنى أن أنبه إلى حاجة هذا الكتاب الجليل إلى فهارس فنية تفصيلية، تيسر الانتفاع به، وتعين الدارسين والباحثين على الإفادة مما حواه من فوائد جمّة، ومعارف عامة، ولم يعد خافيا على أحد ما لهذه الفهارس من قيمة عظيمة فى الكشف عما اشتملت عليه أمثال هذه الكتب من خبايا يصعب
стр. 12847
التهدّى إليها بدونها، فضلا عن اختزالها للوقت، وتوفيرها للجهد، ولعل من أهم هذه الفهارس:
فهرس الأعلام، وتمييز من ترجم لهم، أو ذكر وفياتهم.
فهرس أعلام القبائل والأمم والطوائف.. وما إليها.
فهرس البلدان ونحوها من الحصون والقلاع والقصور.
فهرس أعلام المواضع والجبال والمياه.
فهرس الشعراء.
فهرس القوافى.
فهرس الأمثال.
فهرس الألفاظ الاصطلاحية فى مختلف شئون الحياة الاجتماعية من:
وظائف، وآلات، وأدوات، وآنية، وطعام، وشراب، ولباس ... إلخ فهرس الكتب المنسوبة إلى أصحابها ... إلخ ولا شك أن لكل كتاب طبيعته التى ترشد إلى صنع فهارسه، وما أكثر ما يمكن عمله من فهارس لهذا الكتاب الموسوعة. ومركز تحقيق التراث مأمول للنهوض بهذا العمل الدقيق الذى يحتاج إلى الخبرة الجيدة، والجهد الجهيد، وهو بما لديه من الباحثين الأكفاء قادر- إن شاء الله- على تحقيق هذا الأمل العزيز تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
والله من وراء القصد، وهو الموفق والهادى إلى سبيل الرشاد.
٣ من رجب سنة ١٤١٧ هـ الدقى فى- ١٤ من نوفمبر سنة ١٩٩٦ م عضو مجمع اللغة العربية
стр. 12848
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]
[ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر]
(بسم الله الرحمن الرحيم) (وبه توفيقى) [١]
واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك
ذكر وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة فى سنة عشرين وسبعمائة
واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك، وفى أول ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين الثالث من المحرم من هذه السنة وصل إلى مصر المحروسة القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة الإسلامية من الحجاز الشّريف بعد أن وقف بعرفة فى يوم الجمعة، ولم يبلغنا أن أحدا ممن وقف بعرفة وصل فى مثل هذا التاريخ، وكما وصل الأمير شمس الدين آقسنقر الناصرى شادّ [٢] العمائر من الحجاز فى سابع المحرم سنة تسع عشرة وسبعمائة- كما تقدم- استعظم الناس ذلك، وكان الناس قبل ذلك إذا أسرع من يحضر منهم بالبشارة يصل يوم عاشوراء.
ولما وصل القاضى شمس الدين توجّهت إليه، وسلّمت عليه، وسألته عن خبر سفره فى ذهابه وإيابه، فأخبرنى أنه ركب من داره بمصر المحروسة فى سادس عشر شوال سنة عشرين وسبعمائة، وتوجه إلى زيارة الخليل ﵊، فزاره، وتوجه إلى بيت المقدس، وأقام به أياما، وأحرم من بيت المقدس، ووصل مكّة شرّفها الله تعالى، فأقام بها شهرا كاملا، ووقف يوم الجمعة بعرفة، وتعجّل من منى فى يوم الاثنين ثانى عشر من ذى الحجة، ووصل إلى المدينة النّبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فى يوم الجمعة السادس عشر من الشهر، فصلّى الجمعة، وخرج منها فى يوم السبت السابع عشر، وساق على الدّرب الشامى مراحل، ثم عطف إلى أيلة، ومنها إلى مصر، فكانت مدة مسيرة من منى إلى مصر واحدا وعشرين يوما، منها مقامه بالمدينة النبوية- شرفها الله تعالى.
стр. 12849
ومع هذا السّوق الشّديد، والسّير العنيف، كان من خبره عند وصوله إلى منزله أنه طلب المياومات التى أنفقت فى غيبته، مما يتعلق بالجيوش، فتصفحها، وتأملها، وشطب منها على حسابه ما يحتاج إلى شطبه، ثم ركب [فى الثلث الأخير [١]] من الليلة المذكورة إلى قلعة الجبل المحروسة، وجلس على بابها إلى أن فتحت بعد طلوع الفجر، ودخلها، وانتهى إلى الأبواب السلطانية [٢] ، [فدخل بعض الجمدارية [٣] إلى السلطان] وأخبره بوصوله، فأنكر السلطان ذلك؛ لخروجه عن العادة. فأعيد عليه القول أيضا بوصوله، ثم قيل له: إنه قد وصل إلى الباب الشريف، فأذن له، وعجب من سرعة وصوله، وجلس بين يدى السلطان، وباشر وظيفته على عادته لوقته، ثم خلع عليه فى اليوم الثانى من مقدمه. وتأخر وصول نائب السلطنة إلى يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر المحرم، وهذا السوق الذى ساقه القاضى «فخر الدين» ما ساقه حاجّ قبله.
وأما غير الحاج، فبلغنى من الثقات أن الشيخ شرف الدين بن القسطلانى- رحمه الله تعالى- لما أرسله الشريف الأمير نجم الدين أبو نمى أمير مكة- شرفها الله تعالى- منها إلى السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك المنصور قلاوون، وصل إلى قلعة الجبل المحروسة فى اليوم الثالث عشر من يوم مسيره من مكة، واجتمع بالسلطان، وقرأ كتابه، وكتب جوابه فى يومه.
وسأله السلطان عن راحلته: هل يعود عليها إلى مكة؟ فقال: إنها خلأت [٤] ، فأمره السلطان أن يختار لنفسه راحلة من الهجن السلطانية، فاختار منها هجينا، وترك راحلته، وركب وعاد فى بقية يومه إلى مكة شرفها الله تعالى بعد مضى اثنى عشر يوما، فكانت مدة غيبته عن مكة منذ ركب منها إلى أن عاد إليها ثلاثة وعشرين يوما كوامل، ويوم خروجه/ منها، ويوم دخوله إليها، وهذا ما لم يسمع بمثله، ولا استطاعه أحد قبله، والله أعلم.
стр. 12850
ذكر إبطال المعاملة بالفلوس العتق [١] ، بالقاهرة ومصر، وأعمال الديار المصرية
قد ذكرنا إبطال المعاملة بالفلوس [عددا] [٢] واستقرارها حسابا عن كل [رطل] ثلاثة دراهم، وفى يوم الاثنين العاشر من المحرم توقف أرباب المعايش عن المعاملة بها بهذه القيمة لكثرتها، فرسم بالمعاملة بها حسابا عن كل رطل درهمين ونصف درهم، فتعامل الناس بها، ثم توقفوا فيها، فلما كان يوم الجمعة الحادى والعشرين من المحرم نودى فى المدينتين بالأمر السلطانى بإبطال المعاملة بالفلوس العتق، وأن تكون المعاملة بين الناس بفلوس جدد أمر بضربها بدار الضرب فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا، وأغلق كثير من أرباب المعايش حوانيتهم. وأبيعت [الفلوس] فى بقية يوم الجمعة، وبكرة نهار السبت كل رطل منها بدرهم واحد ونصف درهم. ووقفت معايش الناس، فإنه لم يكن قد ضرب من الفلوس الجدد الناصرية ما يدور فى أيدى الناس. ونودى فى المدينتين فى بكرة نهار السبت أنه من كان عنده شىء من الفلوس يحمله إلى دار الضرب، ويأخذ ثمنه حسابا عن كل رطل درهمين، هذا والناس يتعاملون بها (فيما) [٣] بينهم على حسب اتفاقهم بدرهم ونصف، وأقل منه، وأكثر، وأحوال الناس فى المعاملة بها على غاية الاضطراب، ثم رسم بالمعاملة بها الرطل بدرهمين، والفلوس الجدد عددا على العادة القديمة، وخرجت الفلوس الجدد من دار الضرب، وعلى أحد وجهيها اسم السلطان، وعلى الوجه الآخر مثال بقجة مربعة، وزنة كل فلس منها نصف وربع وثمن درهم، فتعامل الناس بذلك إلى شهر رجب من هذه السنة، إلى أن كثرت الفلوس الجدد، وضربها الزغلية [٤] ، وخففوا وزنها، فصار الفلس منها زنة نصف درهم، ونحو ذلك، فعاد الناس وتوقفوا فى أخذها، فرسم فى يوم السبت السادس والعشرين من شهر رجب بالمعاملة بالفلوس الجدد والعتق، الرطل بدرهمين ونصف، واستمرت الحال إلى سادس المحرم سنة أربع وعشرين وسبعمائة على ما نذكره.