(معارف عامة) وقد رمزنا إليها فى الحواشى بالحرف (ك) ووضعنا أرقام صفحاتها بين قوسين هكذا (فى الهامش وقد اعتمدنا هذه النسخة أصلا للتحقيق.
٢- والنسخة الثانية مكتوبة بخط واضح، وبها بعض هوامش استدراكية، وعدد صفحاتها ٢٨٦ صفحة، وتقع فى قسمين: الأول منهما يضم ١٤٢ صفحة، والثانى ١٤٤ صفحة، ومسطرتها ١٩ سطرا، ومساحة صفحتها ١١ ١٧ سم، وهى مأخوذة بالتصوير الشمسى عن أصلها المخطوط بالآستانة، ومحفوظة بدار الكتب المصرية تحت رقم ٥٥١ (معارف عامة) وقد رمزنا إليها فى الحواشى بالحرف (أ) ووضعنا أرقام صفحاتها- فى هامش المتن- بين قوسين فى صفحتها.
هذا. وكنت قد فرغت من تحقيق هذا الجزء فى سنة ١٩٦٢ م، وقام بمراجعته سنة ١٩٦٣ م المرحوم الأستاذ الدكتور محمد مصطفى زيادة، فأثنى على ما بذلته من جهد فى تحقيقه، وأجازه للنشر حينذاك، وبقيت بعد ذلك أنتظر صدوره، حتى «طال الأمد على لبد» كما يقولون، وخشيت أن ينقضى العمر قبل أن أراه مطبوعا، ولكن شاء الله- وله الحمد والمنّة- أن يصدر أخيرا برعاية الأستاذ الفاضل الدكتور محمود فهمى حجازى رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، وبعناية الأستاذ السيد حسن عرب المدير العام لمركز تحقيق التراث، ومعاونيه من الباحثين بالمركز، وأخص منهم بالذكر الأستاذ سيد على حسين- الباحث الأول- الذى تابع هذا الجزء، وراجع تجارب المطبعة، والأستاذ مصطفى موسى الباحث بالمركز، فلهم منى جميعا جزيل الشكر، وجزاهم الله عنى خير الجزاء.
وبعد. فلا يفوتنى أن أنبه إلى حاجة هذا الكتاب الجليل إلى فهارس فنية تفصيلية، تيسر الانتفاع به، وتعين الدارسين والباحثين على الإفادة مما حواه من فوائد جمّة، ومعارف عامة، ولم يعد خافيا على أحد ما لهذه الفهارس من قيمة عظيمة فى الكشف عما اشتملت عليه أمثال هذه الكتب من خبايا يصعب
стр. 12847
التهدّى إليها بدونها، فضلا عن اختزالها للوقت، وتوفيرها للجهد، ولعل من أهم هذه الفهارس:
فهرس الأعلام، وتمييز من ترجم لهم، أو ذكر وفياتهم.
فهرس أعلام القبائل والأمم والطوائف.. وما إليها.
فهرس البلدان ونحوها من الحصون والقلاع والقصور.
فهرس أعلام المواضع والجبال والمياه.
فهرس الشعراء.
فهرس القوافى.
فهرس الأمثال.
فهرس الألفاظ الاصطلاحية فى مختلف شئون الحياة الاجتماعية من:
وظائف، وآلات، وأدوات، وآنية، وطعام، وشراب، ولباس ... إلخ فهرس الكتب المنسوبة إلى أصحابها ... إلخ ولا شك أن لكل كتاب طبيعته التى ترشد إلى صنع فهارسه، وما أكثر ما يمكن عمله من فهارس لهذا الكتاب الموسوعة. ومركز تحقيق التراث مأمول للنهوض بهذا العمل الدقيق الذى يحتاج إلى الخبرة الجيدة، والجهد الجهيد، وهو بما لديه من الباحثين الأكفاء قادر- إن شاء الله- على تحقيق هذا الأمل العزيز تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ
والله من وراء القصد، وهو الموفق والهادى إلى سبيل الرشاد.
٣ من رجب سنة ١٤١٧ هـ الدقى فى- ١٤ من نوفمبر سنة ١٩٩٦ م عضو مجمع اللغة العربية
стр. 12848
[تتمة الفن الخامس في التاريخ]
[تتمة القسم الخامس من الفن الخامس في أخبار الملة الإسلامية]
[تتمة الباب الثاني عشر من القسم الخامس من الفن الخامس أخبار الديار المصرية]
[ذكر ما اتفق بعد مقتل الملك المنصور ونائبه منكوتمر، من الحوادث والوقائع المتعلقة بأحوال السلطنة بمصر والشام، إلى أن عاد السلطان الملك الناصر]
(بسم الله الرحمن الرحيم) (وبه توفيقى) [١]
واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك
ذكر وصول أوائل الحاج الذين وقفوا بعرفة فى سنة عشرين وسبعمائة
واستهلت سنة إحدى وعشرين وسبعمائة بيوم السبت المبارك، وفى أول ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين الثالث من المحرم من هذه السنة وصل إلى مصر المحروسة القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة الإسلامية من الحجاز الشّريف بعد أن وقف بعرفة فى يوم الجمعة، ولم يبلغنا أن أحدا ممن وقف بعرفة وصل فى مثل هذا التاريخ، وكما وصل الأمير شمس الدين آقسنقر الناصرى شادّ [٢] العمائر من الحجاز فى سابع المحرم سنة تسع عشرة وسبعمائة- كما تقدم- استعظم الناس ذلك، وكان الناس قبل ذلك إذا أسرع من يحضر منهم بالبشارة يصل يوم عاشوراء.
ولما وصل القاضى شمس الدين توجّهت إليه، وسلّمت عليه، وسألته عن خبر سفره فى ذهابه وإيابه، فأخبرنى أنه ركب من داره بمصر المحروسة فى سادس عشر شوال سنة عشرين وسبعمائة، وتوجه إلى زيارة الخليل ﵊، فزاره، وتوجه إلى بيت المقدس، وأقام به أياما، وأحرم من بيت المقدس، ووصل مكّة شرّفها الله تعالى، فأقام بها شهرا كاملا، ووقف يوم الجمعة بعرفة، وتعجّل من منى فى يوم الاثنين ثانى عشر من ذى الحجة، ووصل إلى المدينة النّبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- فى يوم الجمعة السادس عشر من الشهر، فصلّى الجمعة، وخرج منها فى يوم السبت السابع عشر، وساق على الدّرب الشامى مراحل، ثم عطف إلى أيلة، ومنها إلى مصر، فكانت مدة مسيرة من منى إلى مصر واحدا وعشرين يوما، منها مقامه بالمدينة النبوية- شرفها الله تعالى.
стр. 12849
ومع هذا السّوق الشّديد، والسّير العنيف، كان من خبره عند وصوله إلى منزله أنه طلب المياومات التى أنفقت فى غيبته، مما يتعلق بالجيوش، فتصفحها، وتأملها، وشطب منها على حسابه ما يحتاج إلى شطبه، ثم ركب [فى الثلث الأخير [١]] من الليلة المذكورة إلى قلعة الجبل المحروسة، وجلس على بابها إلى أن فتحت بعد طلوع الفجر، ودخلها، وانتهى إلى الأبواب السلطانية [٢] ، [فدخل بعض الجمدارية [٣] إلى السلطان] وأخبره بوصوله، فأنكر السلطان ذلك؛ لخروجه عن العادة. فأعيد عليه القول أيضا بوصوله، ثم قيل له: إنه قد وصل إلى الباب الشريف، فأذن له، وعجب من سرعة وصوله، وجلس بين يدى السلطان، وباشر وظيفته على عادته لوقته، ثم خلع عليه فى اليوم الثانى من مقدمه. وتأخر وصول نائب السلطنة إلى يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر المحرم، وهذا السوق الذى ساقه القاضى «فخر الدين» ما ساقه حاجّ قبله.
وأما غير الحاج، فبلغنى من الثقات أن الشيخ شرف الدين بن القسطلانى- رحمه الله تعالى- لما أرسله الشريف الأمير نجم الدين أبو نمى أمير مكة- شرفها الله تعالى- منها إلى السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن السلطان الملك المنصور قلاوون، وصل إلى قلعة الجبل المحروسة فى اليوم الثالث عشر من يوم مسيره من مكة، واجتمع بالسلطان، وقرأ كتابه، وكتب جوابه فى يومه.
وسأله السلطان عن راحلته: هل يعود عليها إلى مكة؟ فقال: إنها خلأت [٤] ، فأمره السلطان أن يختار لنفسه راحلة من الهجن السلطانية، فاختار منها هجينا، وترك راحلته، وركب وعاد فى بقية يومه إلى مكة شرفها الله تعالى بعد مضى اثنى عشر يوما، فكانت مدة غيبته عن مكة منذ ركب منها إلى أن عاد إليها ثلاثة وعشرين يوما كوامل، ويوم خروجه/ منها، ويوم دخوله إليها، وهذا ما لم يسمع بمثله، ولا استطاعه أحد قبله، والله أعلم.
стр. 12850
ذكر إبطال المعاملة بالفلوس العتق [١] ، بالقاهرة ومصر، وأعمال الديار المصرية
قد ذكرنا إبطال المعاملة بالفلوس [عددا] [٢] واستقرارها حسابا عن كل [رطل] ثلاثة دراهم، وفى يوم الاثنين العاشر من المحرم توقف أرباب المعايش عن المعاملة بها بهذه القيمة لكثرتها، فرسم بالمعاملة بها حسابا عن كل رطل درهمين ونصف درهم، فتعامل الناس بها، ثم توقفوا فيها، فلما كان يوم الجمعة الحادى والعشرين من المحرم نودى فى المدينتين بالأمر السلطانى بإبطال المعاملة بالفلوس العتق، وأن تكون المعاملة بين الناس بفلوس جدد أمر بضربها بدار الضرب فاضطرب الناس لذلك اضطرابا شديدا، وأغلق كثير من أرباب المعايش حوانيتهم. وأبيعت [الفلوس] فى بقية يوم الجمعة، وبكرة نهار السبت كل رطل منها بدرهم واحد ونصف درهم. ووقفت معايش الناس، فإنه لم يكن قد ضرب من الفلوس الجدد الناصرية ما يدور فى أيدى الناس. ونودى فى المدينتين فى بكرة نهار السبت أنه من كان عنده شىء من الفلوس يحمله إلى دار الضرب، ويأخذ ثمنه حسابا عن كل رطل درهمين، هذا والناس يتعاملون بها (فيما) [٣] بينهم على حسب اتفاقهم بدرهم ونصف، وأقل منه، وأكثر، وأحوال الناس فى المعاملة بها على غاية الاضطراب، ثم رسم بالمعاملة بها الرطل بدرهمين، والفلوس الجدد عددا على العادة القديمة، وخرجت الفلوس الجدد من دار الضرب، وعلى أحد وجهيها اسم السلطان، وعلى الوجه الآخر مثال بقجة مربعة، وزنة كل فلس منها نصف وربع وثمن درهم، فتعامل الناس بذلك إلى شهر رجب من هذه السنة، إلى أن كثرت الفلوس الجدد، وضربها الزغلية [٤] ، وخففوا وزنها، فصار الفلس منها زنة نصف درهم، ونحو ذلك، فعاد الناس وتوقفوا فى أخذها، فرسم فى يوم السبت السادس والعشرين من شهر رجب بالمعاملة بالفلوس الجدد والعتق، الرطل بدرهمين ونصف، واستمرت الحال إلى سادس المحرم سنة أربع وعشرين وسبعمائة على ما نذكره.
стр. 12851
ذكر وصول هدية الملك أبى سعيد بن خربندا ملك التتار [١] إلى الأبواب السلطانية
وفى هذه السنة وصل مجد الدين إسماعيل بن [محمد] [٢] بن ياقوت السّلامى التاجر إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد، وعلى يده كتاب الملك أبى سعيد ملك التتار، ثم وصلت الهدية فى يوم السبت التاسع والعشرين من المحرم من هذه السنة إلى قلعة الجبل، وهى ختمة شريفة [ستون جزءا كبارا] [٣] ، وخركاه [٤] عظيمة مكلّلة، وغير ذلك من التحف الجليلة والنفائس، فقبلت الهدية، وجهز [السلطان] له هدية تليق به.
ذكر تفويض نظر أوقاف الجامع الطولونى للقاضى كريم الدين [٥] وكيل الخواص الشريف [٦]
وفى شهر ربيع الأول فوض السلطان نظر أوقاف الجامع الطولونى الذى هو بظاهر القاهرة المحروسة للقاضى كريم الدين عبد الكريم ناظر الخواص الشريفة السلطانية ووكيلها، [كان النظر] فى ذلك على شرط الواقف لقاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، وكان بيده من سنين كثيرة، فرفعت يده الآن عنه.
стр. 12852
وكان سبب ذلك أن الوقف ضاق ريعه عن المرتب عليه، فأراد قاضى القضاة اختصار بعض المرتّبين، ليتسع الريع على من بقى، وعزم على قطع درس الطب وغيره، فقام فى ذلك مدرس الطب بالمكان، وهو علم الدين الشوبكى [١] ، وسعى فى مباشرة الوقف، ووقع فى ذلك تشنيع كثير، وشكاوى ممن حصل الغرم على توفيرهم، واتصلت الشكاوى بعلم السلطان، ففوض النظر فيه وفى أوقافه لوكيله المشار إليه، ففعل فى أمر الوقف ما لا يتمكن القاضى بدر الدين من فعله ولا يمكنه، وذلك أنه نجّز توقيعا شريفا سلطانيا بمسامحة الوقف بما على ناحية «منية اندوانة» من عمل الجسور السلطانية وغيرها مما كان يحمل إلى بيت المال، وهو فى السنة نحو عشرة آلاف درهم، ووفر جامكية [٢] جماعة من المباشرين بشرط الواقف، وتقديرها نحو ذلك، واسترجع جهات من الوقف كانت مؤجّرة بأجاير شرعية، فأخذها ممن هى فى يده بالإيجار الشرعى وحماها، فتميز ريعها، وتحدث مع السلطان فى عمارة الجامع من أموال الخاص، فرسم بذلك، فعمر، ووقف/ السلطان عليه وقفا من جهته، وحمى أوقافه المسقفة، ونقل السكان إليها، فحصلت الزيادة فيها جملة فى كل سنة، فاتسع المال بهذه الأسباب، وفاض المتحصل عن كفاية المرتبين عليه، وعلم القاضى كريم الدين أنه لا يستحق جامكية النظر التى شرطها الواقف للناظر، وهى فى كل شهر أربعمائة درهم، فامتنع من أخذها، وبعثها إلى قاضى القضاة بدر الدين، فردها ولم يقبلها، فتوفرت هى وجامكية نيابة النظر، وهى فى كل شهر مائة درهم، وكان قد تأخر فى مدة قاضى القضاة للمدرسين والمعيدين والطلبة خمسة أشهر، فامتنع كريم الدين من صرف ذلك إليهم، [لاستقبال] [٣] مباشرته، واستمر الصرف لهم كل شهر فى مستهل الشهر الذى يليه.
стр. 12853
ذكر حفر البركة الناصرية
وفى هذه السنة أمر السلطان الملك الناصر بحفر بركة بخط الزهرى ظاهر القاهرة المحروسة مساحتها [سبعة أفدنة] [١] وأن يجرى الماء إليها من نهر النيل المبارك، وأن يحكّر ما حولها بنسبة بركة الفيل وغيرها من البرك، وكان فى جملة هذه الأرض سبعة أفدنة جارية فى وقف، فأمر السلطان وكيله باستئجارها للسلطان بأجرة معلومة، وكانت أرض هذه البركة قبل ذلك مقاطع يقطع منها الطين الإبليز برسم العماير، ثم رمى الناس فيها زبايلهم، فصار فى مواضع منها كيمان كثيرة، وفى بعضها حفر من آثار القطع، ورسم السلطان أنه مهما قطع من أتربة تلك البركة يرمى فى البركة المجاورة للميدان التى هى مقاطع الطين الإبليز، وأن يمهد ويضاف إلى الميدان توسعة له، فحصل الشروع فى حفرها فى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول، ورسم للأمراء بحفرها، فوزعت عليهم على قدر مراتبهم، وندب الأمراء أجنادهم، والأجناد غلمانهم، وعملوا بأنفسهم وبأتباعهم، وأخرج كل أمير صنجقة [٢] وطبلخاناه، وجماله وبغاله، واهتموا بحفرها اهتماما عظيما، ورتب السلطان الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب مشدّا على حفرها، فنزل بها ولازمها، إلى أن كمل حفرها، ونجزت فى أقرب مدة [٣] .
وفى أثناء حفر هذه البركة وقعت حادثة الكنايس، وكان بسبب ذلك من الحوادث ما نذكره إن شاء الله.
ذكر حادثة الكنايس [٤]
وفى يوم الجمعة- بعد الصلاة- التاسع من شهر ربيع الآخر من سنة إحدى وعشرين وسبعمائة اجتمع جماعة من الغلمان والعوام والفعلة، الذين كانوا
стр. 12854
يحفرون البركة المستجدة الناصرية، وتقدموا إلى كنيسة كانت مجاورة للبركة المذكورة، وارتقوا عليها، وحركت طبلخاناة الأمراء حربيا، فكان ذلك على صفة الزحف، فهدمها أولئك، ولم يتمكن الأمير ركن الدين بيبرس المندوب لحفر البركة، ولا الأمير شهاب الدين أحمد بن المهمندار [١] أمير النقباء من ردّهم، ولا قدروا على منعهم؛ لكثرتهم، ونهبوا ما كان فى الكنيسة بعد تشعيثها [٢] بالهدم، وكسرت أبوابها وما كان بها من الأوانى، وأريق ما بها من الخمور.
ولما اتصل خبر هدمها بالسلطان غضب، لانتهاك حرمة السلطنة، وتجرّى العوام وإقدامهم على هذا الأمر، ثم لم يكتف العوام بذلك إلى أن تقدموا إلى عدة كنايس، بالقاهرة ومصر، فنهبوها، ونبشوا قبور بعض أموات النصارى وحرقوهم، وشعّثوا الأبنية، واجتمع بعض عوام مصر، وتوجهوا إلى الكنيسة المعلّقة [٣] ، وقصدوا هدمها، فما مكّنوا من ذلك، فاشتد حرج السلطان، وأمر بالقبض على من أقدم على ذلك، فمسك بعض العوام وحبسوا، واستفتى السلطان القضاة فيما يلزم هؤلاء الذين انتهكوا الحرمة، فأفتوه بتعزيرهم بحسب رأى الإمام، فضرب بعضهم، وشق مناخير بعض، وأخرج من الاعتقال من أرباب الجرايم من وجب عليهم القتل، فوسّط منهم جماعة، وعلقوا فى أماكن تخويفا للعوام، ثم أعقب هذه الحادثة من الفتن ما نذكره.
ذكر خبر الحريق بالقاهرة ومصر [٤]
لما وقع ما ذكرناه/ من هدم الكنايس، وقع أثر ذلك الحريق بمصر المحروسة، فكان أول ذلك أن احترقت دار الوكالة بالقاهرة فى شهر ربيع الآخر [٥] ، وهى التى عند باب البحر، وتعرف بفندق الخزّ، فاحترق فيها متاجر الناس من الزيت والعسل والأصناف، فعدم لهم جملة كثيرة، وظن الناس أن ذلك
стр. 12855
عن غير قصد، وأنها إنما احترقت على جارى العادة فى وقوع النيران فى أماكن على سبيل الغلط وعدم التحفظ والاحتراز، ثم سكن ذلك إلى يوم السبت الخامس عشر من جمادى الأولى، فوقع الحريق فى القاهرة ومصر، وكان أول الحريق بخط حارة الدّيلم [١] ، فاحترقت دار الشريف بدر الدين نقيب الأشراف، وما يجاورها من دور [الأشراف] [٢] والمسلمين، فكان جملة ما احترق من الدور المتجاورات ما ينيف على ثلاثين دارا يقارب المائة مسكن، واشتدت النار وعظمت، واستمرت بذلك المكان أياما، وخيف أن تتصل بدار «القاضى كريم الدين» ناظر الخواص السلطانية ووكيلها، وبها أموال السلطان والأقمشة وغير ذلك من التحف، وهو يوم ذاك بثغر الإسكندرية، فرسم السلطان بركوب الأمراء لذلك، فحضر الأمراء وغلمانهم، والسقايين والقصارين وغيرهم، وركب نائب السلطنة والحجاب وأمير جاندار [٣] ، وغيرهم من أعيان الأمراء، واجتهدوا فى أمر النار إلى أن طفيت، بعد أن هدم وعدم بسببها من الدور والأموال والأقمشة والأصناف ما لا تحصى قيمته.
واختلفت الأقاويل، فقائل يقول: إنها من السماء، وقائل يقول: لعلها من قبل الملوك والأعداء، وآخر يقول: إنما فعله البطالون من الجند والحرافيش [٤] لقصد النهب، وقائل يقول: إنما هو من فعل النصارى. وترادف الحريق، وتوالى، فاحترقت عدة دور من مساكن الأمراء، وكانت النيران تقع فى أعالى الدور والباذهنجات [٥] ، فاحتفل الناس لذلك وتأهبوا، واستكثروا من الدّنان والخوابى، وملئوها ماء، ووضعوها فى الطرقات وعلى أبواب الحوانيت
стр. 12856
والأسواق والقياسير والاصطبلات والدروب والدور، والحريق لا يفتر، وهو لا يقع غالبا إلا فى النهار، وصار الناس يسهرون طول الليل بالنوبة، خصوصا على دور الأمراء، فإن مماليكهم وغلمانهم كانوا يبيتون على أسطحة دورهم، ويضربون الطبول بازات، ويصرخ بعضهم لبعض، وامتنع كثير من الناس من حضور الجمعة لملازمتهم أسطح بيوتهم.
ولقد صلّيت فى [بعض] [١] الجمع بالجامع الحاكمى مع أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف، وكانت عادته أن يصلى معه من مماليكه وألزامه جماعة كثيرة، فرأيت الذين حضروا إلى الجامع نحو الربع ممن كان يحضر، فسألته عن سبب تخلّفهم عن الحضور، فأخبرنى أنه تركهم لحراسة داره [٢] خوفا أن تقع النار فيها، فيتداركوها بالإطفاء قبل تمكّنها.
فلما كان فى يوم الخميس العشرين من الشهر وجد ثلاثة من النصارى فى حارة العطوف، وقد رموا نارا فى بعض الدور، فما شك الناس عند ذلك أن الحريق من النصارى، وانتقلوا من الظن والاختلاف إلى اليقين والإجماع، وضرب هؤلاء وقرّروا، فاعترفوا بالحريق، ثم اعتنى بهم، فقيل: إنهم من الفلاحين، وإنهم لم يفعلوا ذلك، وإنما أقروا لما حصل لهم من ألم الضرب، فأطلقوا، هذا والسلطان ينكر أن يكون ذلك من فعل النصارى؛ لما يلقيه إليه من له اعتناء خاص بهم، ويقول المعتنى بهم: النصارى أضعف أبدانا وقلوبا من الإقدام على هذا الأمر الكبير، ويستدلون على ذلك ويوجهونه، فيقولون: إن النار غالبا إنما تقع فى رءوس الباذهنجات، وأعالى الدور، ودور أكابر الأمراء، ومن أين يصل النصارى إلى ذلك؟ فيرجع السلطان إليهم، ويقول: هذا لا يتوصل إليه إلا بالنّشّاب، وأشاع بعضهم أنه رأى بعض الجند بمصر يرمى النشاب إلى بعض الدور، وأن السهم لما أبعد عن القوس وأصابه الهواء أورى نارا، وكان السلطان قبل ذلك قد عرض جماعة من الجند، وقطع أخباز [جماعة منهم
стр. 12857
نحو] [١] السبعين، واعتقلهم بخزانة البنود لما بلغه عنهم من اللعب والتفريط فى إقطاعاتهم، وصرفها فى المحرّمات، فكان اعتقالهم لطفا بهم، ولو كانوا فى بيوتهم ما شك السلطان أن هذا من فعلهم، ثم أمسك فى يوم الجمعة الحادى والعشرين من الشهر أربعة من النصارى الروم الملكيين [٢] فاعترفوا أنهم أحرقوا الدور والأماكن، ولم يتحاشوا ولا توقفوا، بل أقروا بذلك من غير ضرب ولا تهديد، وقالوا: نحن فعلنا هذا فى مقابلة هدم كنائسنا، ونحن جماعة خرجنا عراة، واعترفوا على رهبان دير البغل [٣] ،/فأنهى إلى السلطان أن هؤلاء من النصارى العرب الملكيين، وأنهم ليسوا من اليعاقبة [٤] الذين هم نصارى البلاد، وإنما فعل هؤلاء هذا لجهلهم، وحسّن من له اعتناء باطن بالنصارى وميل إليهم أن يأمر بقتلهم، وإنما قصد تعجيل إعدامهم خشية أن يقرّوا على غيرهم، فأمر السلطان بهم، فحرقوا فى يوم السبت الثانى والعشرين من الشهر، والسلطان بالميدان.
ثم قيل للعوام والناس: هؤلاء الذين كانوا يحرّقون حرّقناهم، فمن احترقت بعد هذا داره فليمسك جاره ونحن نقابله، فاشتد ذلك على الناس، واستغاث العوام، واتهموا القاضى كريم الدين وكيل السلطان بالاعتناء بالنصارى والذّب عنهم، وكان ذلك يظهر عليه، فلما ركب من الميدان بعد الظهر للانصراف إلى داره شغب جماعة من العوام عليه، واستغاثوا ورفعوا أصواتهم بسبه، ورجموه بالحجارة والطوب، فعطف نحو الميدان، وركض فرسه وخلص منهم، وأنهى ذلك إلى السلطان، فحرج السلطان حرجا كثيرا، واشتد غضبه، وانضاف ذلك إلى ما عنده من الحرج على العوام، فإنه لما كان ركب من القلعة إلى الميدان فى بكرة
стр. 12858
نهار السبت المذكور استغاث العوامّ والحرافيش، وبلغنى من جماعة أنهم رفعوا أعلاما ثلاثة: أحدها أبيض، والثانى أحمر، والثالث عليه صليب، فتغافل السلطان عن ذلك، ولم يأمر فيهم بشىء، فلما وقع منهم هذا الفعل اشتد غضبه، وجرّد جماعة من الحجّاب والنقباء والمماليك حتى أوصلوا كريم الدين إلى داره.
ثم ذكر السلطان هذه الواقعة لأكابر الأمراء كل منهم على انفراده، فبدأ بالأمير سيف الدين بكتمر الأبى بكرى [١] ، واستشاره فيما يفعل فى ذلك، والمذكور رجل تركى جافى الطبع، عديم السياسة، فقال للسلطان: المصلحة أن السلطان يرسل إلى العوام فيقول لهم: يا خوشداشيّة [٢] أنتم رعايانا والسواد الأعظم، وإن كنتم قد كرهتم هذا الخنزير عزلناه عنكم، وولينا غيره، ونطيّب خواطرهم، فغضب السلطان من كلامه، وشتمه واستقل عقله، وسفّه رأيه، وواجهه بالسب، ونفر فى وجهه، وكان من أمره ما نذكره بعد إن شاء الله تعالى.
ثم استشار الأمير جمال الدين آقش الأشرفى [٣] بعده، ولم يعلم ما قاله الأمير سيف الدين المذكور، ولا ما قيل له، فقال: يا مولانا السلطان، الناس قد كرهوا هذين الرجلين- يشير إلى كريم الدين الوكيل، وكريم الدين الناظر- والمصلحة عزلهما، وصدقات السلطان كثيرة تشملهما فى العطلة كما تشملهما فى العمل- أو نحو هذا ومعناه من الكلام- وإذا عزلهما السلطان سكنت هذه الفتنة، فكره السلطان كلامه أيضا، لكنه لم يواجهه بما واجه به الأبى بكرى، بل قال له: والله لا بد أن آمر بوضع السيف فى العوامّ، وسفك دمائهم، حتى لا يتجرّأ من بعدهم من العوام على الملوك.
стр. 12859
ثم استدعى الأميرين: سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب. كان. وسيف الدين الملك الحاج [١] . وهما من الأمراء الأكابر الخصّيصين بخدمة السلطان ويعرفان أخلاقه، ويبتغيان مراضيه، فسايراه بالميدان، فذكر لهما ما فعله العوامّ بكريم الدين، وقال: هذا الرجل هو وكيلى ووزيرى، والمتصرف فى دولتى، وحرمته من حرمتى، وقد تجرأ العوام عليه، ورجموه وأخرقوا [٢] حرمته، فما الذى تريان أن أفعله فى ذلك؟ فاستعظما فعل العوام، وقالا: لقد وقع العوامّ فى أمر عظيم ما سبقهم أمثالهم إلى مثله، وكان ينبغى أنهم لما فعلوا ذلك أن يمسك منهم جماعة، ويوقع بهم من النّكال ما يكفّ غيرهم عن التجرّى والتعدّى.
فرسم السلطان أن يتوجّه الحاجب ونقيب النقباء، وجماعة معهم، ويقبضوا على من ظفروا بهم من العوام، فأخبرنى الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى المشار إليه قال: والله لما قال السلطان ذلك دخل علىّ وعلى رفيقى من الألم ما علمه الله تعالى، وعلمنا أننا قد تكلمنا بكلام أوجب سفك دماء جماعة من المسلمين، فتلطّفنا بالسلطان، وقلنا: إن الذى فعل هذا الفعل، وأقدم على هذا الأمر العظيم علم أنه صاحب ذنب وهرب، واختلط المذنب بالبرىء ونخشى أن نمسك من لا أذنب ولا أقدم على هذا الأمر، فنعاقب البرىء بذنب المجرم، فيكون ذلك فى ذمة السلطان، ونحن لا نختار هذا، ولكن المصلحة أن يخرج القاضى كريم الدين على عادته، وتتفرق جماعة من المماليك السلطانية، فيكونوا بالقرب منه، لعل البعض يتعرض إليه، فيمسك منهم من فعل ذلك، ويعاقب المذنب حقيقة، ويسلم البرىء، وتبرأ ذمة السلطان، قال: ولم نزل نتلطف به، ونسكن غضبه، إلى أن سكن حرجه بعض السكون.
ولما قرب وقت انصراف السلطان من الميدان أمر الحاجب [٣] والنقباء قبل خروجه بضرب العوامّ والحرافيش، وطردهم عن طريق السلطان فيما بين
стр. 12860
الميدان والقلعة، فطردوا، وركب السلطان إلى القلعة وهو على غاية الحرج، والحدّة والغضب، وكان قد أمر بالقبض على العوام، فمسك منهم جماعة كثيرة، فأحضر السلطان القضاة فى يوم الأحد الثالث والعشرين من الشهر، واستفتاهم فى أمرهم، وأنهم انتهكوا الحرمة، وتعدّوا على وكيله، مع جلالته عنده، ورجموه، فأفتوه بتعزير من ثبت عليه أنه رجم، فلم يرضه ذلك، فأمر بقطع أيدى من عرف بالفساد منهم، فقطعت أيدى أربعة، وجرّسوا [١] ، ولم يحسم أيديهم، فمات بعضهم، وأمر السلطان أن يقيد بقية من مسك، ويستعملوا فى جسور الجيزية، ففعل ذلك بهم، والعوام لا يرتدعون ولا [يتركون] [٢] العاثة.
وفى يوم الأحد المذكور أمسك بالجامع الظاهرى ثلاثة من النصارى قد لبسوا العمائم البيض، وتراءوا فى زى [٣] المسلمين، ودخلوا الجامع، وقصدوا إحراقه، فجىء بهم إلى متولّى القاهرة الأمير علم الدين سنجر الخازن [٤] ، فأنكر على نائبه بالحسينية- وهو الذى أحضرهم- وقال: من يشهد على هؤلاء أنهم حرقوا؟ وشتمه، وإنما فعل ذلك [رعاية [٥]] لخاطر من يعتنى بهم، فتوجه النائب المذكور، وهجم بيوت هؤلاء النصارى الذين وجدوا فى الجامع، فوجد فيها آلات الحريق، وفتايل قد عملت بالزيت والكبريت، وغير ذلك من الأصناف المحرقة، فضرب أولئك ضربا خفيفا، فاعترف اثنان، وأنكر الثالث، فاعتنى بهم فأطلقوا، ولم ينه خبرهم إلى السلطان، وقرر عنده أنه لم يحرق من النصارى إلا أولئك الغرب الذين حرقوا، وهو لا يشك فى ذلك.
ولما كان فى يوم الاثنين الرابع والعشرين من الشهر جلس السلطان بدار العدل على العادة، [وحضر القضاة والأمراء وغيرهم على جارى العادة] [٦] ،
стр. 12861
فاستفتى القضاة فى أن يلبس النصارى العمائم البيض على عادتهم القديمة، وقال: هذا إنما جدّد عليهم فى أيامى، وقد رأيت أن أعيدهم إلى ما كانوا عليه، فقالوا له: هذه سنة [كانت] [١] أميتت، وقد أحياها الله تعالى فى أيام السلطان، ولا ينبغى إزالتها، وقال له قاضى القضاة، شمس الدين الحنفى:
«مذهب أبى حنيفة أن السلطان إذا قرر شيئا على أهل الذمة فليس له ولا لغيره نقضه؛ وقرأ له النص فى ذلك، فسكت ولم يرضه ذلك.
وكان سبب ذلك أن من له اعتناء بالنصارى حسّن ذلك للسلطان، وقال:
إن النصارى يحمّلون على ذلك ما لا، فتكلم فى ذلك فأجيب بهذا الجواب.
ولما انقضى مجلس دار العدل، وانصرف القضاة، وقدّم إلى السلطان طعام الطارئ، أخرج الأمير جمال الدين يغمور، أحد أستاذ داريّة السلطان، من صولقه فتيلة من الفتايل التى أخذت من النصارى الذين وجدوا بالجامع الظاهرى، ورآها الأمير ركن الدين بيبرس [٢] الأحمدى أمير جندار [٣] ، فتقدم بها أمير جاندار إلى السلطان، وعرضها عليه، فسأله عنها، فقال: هذه مما وجد مع النصارى الذين قصدوا إحراق الجامع الظاهرى، ولم يكن السلطان أطلع على ذلك، فغضب وسأل عنهم، فقيل: إنهم أطلقوا، فألزم متولى [٤] القاهرة بإحضارهم، فأحضرهم، فاعترف اثنان أنهم حرقوا، وقالوا: إنهم جماعة كبيرة، منهم من يحرق المدينة، [ومنهم] من خرج إلى الأرياف ليحرق الزروع، وأنكر الثالث، فسلمه السلطان للأمير سيف الدين «الدمر» أمير جاندار، فقرّره، فأقر، بالتهديد والتخويف قبل الضرب، واعترف على راهب بالخندق، فما شك السلطان عند ذلك فى أن الحريق من قبل النصارى اليعاقبة، فغضب عند ذلك، وأنكر غاية الإنكار، ثم قبض على جماعة من النصارى، وجىء بهم، وهم
стр. 12862
يعترفون، ومنهم من اعترف على بعض كتّاب ومتولّى النصارى أنهم أعانوهم بالمال حتى أقدموا على ذلك، فلم يزادوا على الاعتقال، لتظافر العناية بهم ممن تقدم إسلامه من القبط.
فلما كان فى يوم الخميس السابع والعشرين من الشهر جلس السلطان على العادة، وحضر الأمراء وغيرهم إلى الخدمة، فخاطب السلطان أكابر الأمراء فى هذا الأمر، وقال: قد قررت على النصارى مضاعفة الجزية/ فيؤخذ منهم جزيتان، وأمر أن ينادى فى المدينتين أن يلبسوا الثياب الزّرق مضافة إلى العمائم، وأن يشدوا الزنانير فوق ثيابهم، وأن يميّزوا إذا دخلوا الحمام بجلجل يجعلونه فى أعناقهم، وألا يستخدموا فى الدواوين السلطانية، ولا فى دواوين الأمراء، ولا فى الأعمال والبرور، فنودى بذلك.
وخرجت الأمثلة الشريفة السلطانية به، وقرئت على المنابر بالمدينتين، وأنفذت إلى العاملين، وتضمن المثال المجهّز [١] منها إلى الوجه القبلى الذى قرىء على منابر المدن ما مثاله- بعد البسملة:
«الحمد لله مظهر هذا الدين المحمدى على كل دين، ومؤيد بنا الإسلام وأهله وما حق [٢] بنا المشركين، الذى قهر بتأييدنا جميع الأعداء، وحقن بعفونا وحلمنا دماء الكافرين، نحمده على ما أولانا من فضله العميم، ونصره المبين، ونشكره شكرا نستزيد به من كرمه، وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ
، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة خالصة باليقين، ونشهد أن سيد البشر محمدا عبده ورسوله سيد المرسلين، وخاتم الأنبياء الذين أرسلهم إلى العاملين، وأن عيسى ابن مريم عبده ورسوله الذى بشر بمبعثه، وآمن برسالته قبل ظهور دينه المبين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه [٣] خصوصا على مؤيد شرعه أول خلفاء المسلمين، وعلى من فتح البلاد، وضرب الجزية على أهل الكتاب فى كل ناد، وأعلن بالتأذين [٤] ، وعلى من جهز جيش العسرة
стр. 12863
وثوقا بضمان سيد المرسلين، وعلى ممزّق جموع الكفر وجامع شمل المسلمين، صلاة باقية مستمرة إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
وبعد: فإن الله تعالى لما أقامنا لنصرة الإسلام وأهله، وصرفنا فى عقد كل أمر وحلّه، وأيّدنا بنصره وعصمنا بحبله، لم نزل نعلى كلمة الإيمان، ونظهر شعائر الإسلام فى كل مكان، ونقف عند الأوامر الشرعية، لتكون كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هى العليا، وكان جماعة من مفسدى النصارى قد تعدوا وطمعوا، وتمادوا فى المخالفة إلى ما يقتضى نقض العهود، وبغوا، وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً
فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً
، وتعرضوا لرمى نيران أطفأها الله بفضله، ومكروا مكرا سيئا، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
اقتضى رأينا الشريف أن نأخذهم بالشرع الشريف فى كل قضية، ونجدد عليهم العهود العمرية، وأن يقرر على من شمله عفونا ممن ضعف منهم ضعف الجزية ما تكون به أنفسهم تحت سيوفنا مرتهنة، ونضرب عليهم فى لباسهم وحرماتهم الذّلة والمسكنة، فلذلك رسم بالأمر الشريف العالى المولوى السلطانى الملكى الناصرى، لا يزال ناصر الدين بجوده [وعدله] [١] ، مظهر دين الحنيفية على الدين كلّه، أن تستقر الجزية على سائر النصارى بالوجه القبلى ضعف ما عليهم الآن، فيؤخذ من كل نصرانى ماليّتان: المستقرة أولا واحدة، والزيادة نظير ذلك، للخاص الشريف، مهما كان مستقرّا بسائر النواحى فى الوجه القبلى فى الإقطاع حسب ما قررت فى الرّوك المبارك الناصرى، يكون للمقطعين، والزيادة الثانية المضاعفة الآن تكون للخاص الشريف، وأن يلبس سائر النصارى عمائم زرقاء، وثيابا [٢] زرقا، ويشدوا الزنّار [٣] فى أوساطهم، وألا يستخدم أحد من النصارى فى جهة من الجهات الديوانية، والأشغال السلطانية، وكذلك لا يستخدم أحد من الأمراء أحدا من النصارى عنده، وأن يبطلوا جميعهم من الجهات التى كانوا يخدمون بها، والحذر ثم الحذر من أن أحدا منهم يخرج عما رسمنا به، ومن فعل ذلك منهم
стр. 12864
كانت روحه قبالة ذلك، ولا ينفعه بعدها فدية ولا جزية، ويحسم مادة فسادهم، وينكشف بذلك ما أظهروه من سوء اعتمادهم، فليثبت [حكم] [١] هذا المرسوم الشريف، وليدخل تحت أمره المطاع كل قوى وضعيف، وليستقر ضرب هذه الجزية استقرارا بلا زوال، مستمرّا بدوام الأيام والليال [٢] ، باقية بدوام الأعوام والسنين، مخلّدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فإنها حسنة ساقها الله تعالى لدولتنا الشريفة ومثوبة، وذخيرة صالحة لم تزل فى صحائفنا الطاهرة مكتوبة، ومعدلة نشرها الله تعالى على يدينا فى الآفاق، وأجر يكون ثوابه عند الله باق، وسبيل كل واقف عليه- واليا ونائبا، وحاضرا وغائبا، وناهيا وآمرا، وشادّا وناظرا، ومأمورا وأميرا، وكبيرا/ وصغيرا- الانتهاء عند هذا التحذير، فيبادرون إلى امتثال هذا المرسوم الشريف ويسمعونه، ويسارعون إلى العمل بما فيه وينفذونه، ويقفون عند حكمه ويمتثلونه، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ
، والله تعالى يعلى منار الإسلام ويزيده قوة وإظهارا، ويجعل الدائرة على أعداء الدين، ولا يذر على الأرض من الكافرين ديّارا، يعدّ الخط الشريف أعلاه حجة بمقتضاه، وكتب فى سابع عشرين جمادى الأولى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة حسب الأمر الشريف [٣] .
ولما برز هذا المثال، وغيره من الأمثلة، لم ينفذ حكمها، ولا طولب نصرانى بزيادة، ومنع النصارى من المباشرات أياما قلائل، وأسلم بعض كتّاب الأمراء، فاستقروا على وظائفهم، ثم استقر سائر المباشرين من النصارى على مباشراتهم، وذلك أن كريم الدين الناظر أنهى إلى السلطان أن جماعة منهم فى الأشغال السلطانية، ومتى صرفوا قبل انتهاء السنة فسدت الأحوال، وتعطلت المصالح، وسأل أن يستمرّوا بقية هذه السنة، وينفصلوا بعد رفع الحساب، ووافقه السلطان على ذلك، وتدافعت الأيام فاستمروا.
ولما رسم فى حقهم بما رسم، ونودى بما تقدم ذكره، كفّ عوام المسلمين أيديهم عن النصارى، وظهروا بعد استتارهم، وكان عوامّ المسلمين فى هذه
стр. 12865
الأيام المتقدمة يضربون من ظفروا به من النصارى الضرب الذى يبلغ بهم حد الموت، مع إشهار النداء بالأمر السلطانى ألا يتعرض أحد إلى ذمة السلطان للنصارى، ومن تعرض إليهم بأذيّة سفك دمه، والعوام لا يزيدهم ذلك إلا تماديا، وحصل للسلطان حرج على العوام شديد، فلما شاع هذا الأمر أمسكوا عنهم.
ونودى فى يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الأولى ألا يفتح أرباب المعايش حوانيتهم التى على طريق الميدان ما بين الميدان والقلعة فى يوم السبت خاصة، وذلك بسبب ركوب السلطان إلى الميدان، وألا تفتح طاقات الدور التى ينظر سكانها إلى الطريق الذى يسلكه السلطان فى مروره إلى الميدان وعوده، ومنع العوام من الخروج لرؤية السلطان، وركب السلطان إلى الميدان فى يوم السبت سلخ الشهر، ولعب بالكرة على جارى عادته.
وفى اليوم المذكور، وقع الحريق بقلعة الجبل فى الدار المعروفة بسكن الأمير سيف الدين ألماس الحاجب، وكان ذلك والسلطان بالميدان، ثم طفيت.
[وأنكر السلطان على متولى القلعة أشد إنكار كونه أهمل هذا الأمر، وأحضر نائب السلطنة والأمراء الخاصّكيّة، فاجتمعوا للفكرة فى هذا الأمر] [١] .
ووقعت النار أيضا فى ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة بقيساريّة بقلعة الجبل أيضا، وهى سكن جماعة من المماليك السلطانية تجاور باب القرافة، ففتح باب القلعة ليلا، واجتمع الأمراء الذين بالقلعة، والمماليك السلطانية واجتهدوا فى إطفائها، فطفيت، وهدم ما حول ذلك المكان من الدروب، ورسم السلطان أن ينتقل من بالقلعة فى المكان المعروف بخراب التّتر [٢] إلى المدينة.
ثم وقعت النار فى وقت الظهر فى يوم الاثنين التاسع من جمادى الآخرة بدار نائب السلطنة بقلعة الجبل، فاحترق منها مكان يعرف بالمنظرة الحسامية بأعلى الدار، فتبادر الأمراء والمماليك السلطانية وغيرهم من الغلمان والسقّايين إلى إطفائها فطفئت، وسكن أمر الحريق بعد ذلك.
стр. 12866
وفى يوم الأحد مستهل جمادى الآخرة منع المنجّمون وأرباب الخلق من المشعوذين وغيرهم من الانتصاب لذلك، ورسم بغلق قاعات العلاج وغيرها، ورسم أيضا بالقبض على جماعة من الحرافيش، وأن يعملوا بالجسور السلطانية بالجيزية، فقبض على جماعة منهم، وعملوا فى الجسور إلى يوم الثلاثاء العاشر من الشهر، ثم أمر السلطان بإطلاقهم، فأطلقوا.
وفى يوم الاثنين الثانى من جمادى الآخرة سمّر اثنان من النصارى، وطيف بهم على الجمال، أما أحدهما: فإنه كان قد أسلم تبعا لأبيه، واستمر فى دين الإسلام مدة تزيد عن عشر سنين، ثم ارتدّ، فأحضر فى هذا الوقت، وسئل فاعترف أن أباه أسلم وهو دون البلوغ، وعرض عليه الآن الإسلام فأباه، فرسم السلطان بتسميره، وأما الآخر: فإنه من النصارى الذين اعترفوا بالحريق/ وماتا على ذلك.
وفى يوم الاثنين التاسع من جمادى الآخرة ظهر النصارى بعد استتارهم، وفتحوا دكاكينهم، وانتصبوا فى معايشهم على عادتهم قبل وقوع هذه الحادثة.
[وفيها [١] ، فى يوم الخميس السادس والعشرين من جمادى الآخرة أمر السلطان بالقبض على الأمير صلاح الدين طرخان بن الأمير المرحوم بدر الدين بيسرى الشمسى الصالحى، النجمى والده، ولم يكن لذلك سبب إلا أنه حصل بينه وبين ابن أخيه علاء الدين على بن فارس الدين ألكبيه محاكمة شرعية، فرسم له بإرضائه، فامتنع أن يعطيه إلا ما يثبت له شرعا، فرسم بالقبض عليه.
وأودع الزّردخاناه [٢] ، ثم نقل إلى البرج، ثم إلى الإسكندرية، ورسم ببيع موجوده، وإعطائه لابن أخيه المذكور، فابيع من موجوده بمبلغ تسعين ألف
стр. 12867
درهم، وقبضت لابن أخيه المذكور، واستمر الأمير صلاح الدين فى الاعتقال أحسن الله تعالى خلاصه بمنه وكرمه] .
وفى هذه السنة أمر السلطان أن يتوجه الأمير شرف الدين حسين بن جندر [بك] [١] الرومى أمير شكار [٢] ، أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بالديار المصرية إلى دمشق وكان قبل ذلك من أمراء الطّبلخاناه بها، فلما عاد السلطان إلى الديار المصرية فى سنة تسع وسبعمائة حضر فى خدمته، فأمّره [٣] فى الديار المصرية، ثم جعله من أمراء المائة مقدمى الألوف، وأمير شكار، وتقدم عند السلطان، وقرب منه، ووفر إقطاعه وميّزه، ثم أعاده الآن إلى الشام على إقطاع الأمير سيف الدين جوبان المنصورى، وكان نائب السلطنة بدمشق قد غضب على جوبان لأمر صدر منه، وضربه، فطلب إلى الأبواب السلطانية، وأقرّ فى جماعة الأمراء بها، وأعطى إمرة ستين فارسا، وتوجه الأمير شرف الدين حسين بن جندر إلى دمشق، فكان وصوله إليها فى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شهر رجب سنة إحدى وعشرين.
وفيها فى يوم الأربعاء ثامن عشر شوال جلس قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة لإلقاء الدروس بزاوية الإمام الشافعى بجامع مصر عوضا عن شهاب الدين أحمد بن محمد الأنصارى، وذلك أن الفقهاء بالزاوية المذكورة شكوا منه، وقالوا: إنه استولى على الوقف، واختص بأكثره، فعزل من هذه الزاوية وغيرها، ثم اعتنى به فولى وكالة بيت المال بحلب، فتوجه فى ذى القعدة من السنة، ولم يطل مقامه بها.
ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله صحبتهم وعودهم
وفى هذه السنة- فى ذى القعدة- عادت رسل السلطان الذين كان قد بعثهم إلى الملك أزبك، وهم: الأمير سيف الدين طقصبا الظاهرى [٤] ، ومن
стр. 12868
معه، وحضر صحبتهم رسل الملك أزبك، ومثل طقصبا بين يدى السلطان حال وصوله، وأرجأ السلطان الرسل إلى أن عاد من الصيد، واستقر بقلعة الجبل، ثم استحضر الرسل فى يوم الإثنين ثامن ذى الحجة، فأدوا الرسالة ولم يكونوا على عادة أمثالهم من رسل مرسلهم، ولا خلع عليهم، وعادوا إلى المكان الذى رسم بإنزالهم فيه، وهو مناظر الكبش، ثم أحسن السلطان إليهم بعد ذلك، وخلع عليهم، وأعادهم إلى مرسلهم صحبة رسله.
ذكر توجه أدر السلطان إلى الحجاز الشريف ومن توجه فى خدمتهم
وفى هذه السنة- فى شوال- توجهت الخوند [١] طغاى [٢] المحمودية، وهى إحدى زوجتى السلطان، إلى الحجاز الشريف، وجهزت أعظم جهاز سمع الناس بمثله وجهز لها عدة أربات [٣] ومحفّات، والأربات: مقاعد من الخشب يجلس عليها، وهى مركبة على عجل أمثال أتراس السواقى، تجر بكديش [٤] واحد، أو جمل بختىّ، وتسرع فى المرور غاية الإسراع، وجهّز فى خدمتها عدة من نساء الأمراء، وجماعة من الأمراء المشار إليهم، منهم: الأمير سيف الدين قجليس [٥] ، وتوجه أيضا القاضى كريم الدين وكيل السلطان، وجهز معها عدة أحمال/ من الكوسات والصناجق الخليفتية والسلطانية.
وتوجه أيضا من الشام إلى الحجاز- الأمير سيف الدين تنكز، واستناب السلطان عنه بدمشق فى مدة غيبته الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب (كان) ،
стр. 12869
فتوجه من الأبواب السلطانية إلى دمشق، فوصل إليها فى سابع شوال، ونزل بالمدرسة النّجيبيّة ظاهر دمشق، وكان يحضر إلى دار السعادة فى يومى الخميس والاثنين، ويجلس وكتاب الإنشاء بين يديه، ويقف الحجاب وغيرهم، وتقضى الأشغال، ويمد السّماط، ثم يركب فى الرابعة من النهار ويعود إلى النّجيبية، وينتصب بها فى بقية النهار لقضاء الأشغال، ولم يزل كذلك إلى أن بلغه عود الأمير تنكز من الحجاز، ففارق دمشق فى يوم الأحد تاسع عشر المحرم سنة اثنتين وعشرين، وتوجه إلى الديار المصرية، والتقى الأمير سيف الدين تنكز [١] بها بمنزلة الصمّان [٢] ، وسلم عليه وودعه، فخلع تنكز [٣] عليه، وأنعم عليه بمال، وتوجه إلى الأبواب السلطانية بالديار المصرية.
ذكر وصول بعض من وقف بعرفة فى هذه السنة إلى القاهرة المحروسة
وفى يوم الجمعة السادس والعشرين من ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وصل إلى القاهرة المحروسة سيف الدين أوجى [٤] ، أحد مماليك الأمير سيف الدين قجليس، وحسام الدين طرنطاى أحد مماليك القاضى كريم الدين بعد أن وقفا بعرفة، فذكر لى حسام الدين طرنطاى المذكور أن خروجهما من مكة- شرفها الله تعالى- كان فى يوم السبت ثالث عشر الشهر بعد العصر، وأن الوقوف بعرفة كان فى يومى الثلاثاء والأربعاء، ونحروا يوم الخميس، فكانت مسافة مسيرهما من مكة إلى القاهرة اثنى عشر يوما ونصف وربع يوم، على التحرير، وحضرا بين يدى السلطان، وتضمنت الكتب سلامة الأدر السلطانية، فخلع السلطان عليها، وأنعم عليهما من بيت المال بخمسة
стр. 12870
آلاف درهم، وعادا إلى مرسلهما فى اليوم الثانى بالأجوبة السلطانية، ولم يسمع أن أحدا ممن وقف بعرفة وصل إلى القاهرة فى سنته، وفيما مضى من الزمان وإلى الآن، وقد صغر ذلك ما كان استعظم من مجىء من تقدم ذكره فى ليلة ثالث المحرم.
ذكر حوادث كانت بدمشق فى هذه السنة
فى يوم الجمعة ثالث عشر جمادى الآخرة أقيمت الخطبة، وصلاة الجمعة بمسجد القصب خارج باب السلامة ظاهر دمشق، وخطب فيه وصلى بالناس علاء الدين على الباخلى وهو من أولاد الجند، منسوب إلى ابن باخل.
وفيها- فى يوم الجمعة خامس عشر شهر رمضان- أقيمت الخطبة وصلاة الجمعة بجامع استجدّه القاضى كريم الدين وكيل مولانا السلطان بأرض القابون [١] ظاهر دمشق، وكان الشروع فى عمارته، والاجتماع على تحرير محرابه فى مستهل جمادى الأولى من هذه السنة وكمل، وخطب به فى التاريخ المذكور، وفوضت خطابته للشيخ الصالح جمال الدين عبد الوهاب التركمانى الحنفى إمام القابون، وحضر الخطبة قضاة القضاة والأعيان.
ذكر هدم كنيسة اليهود القرّائين بدمشق
وفى هذه السنة برزت المراسيم السلطانية بهدم كنيسة اليهود القرّائين بدمشق بدرب الفواخير، فهدمت فى يوم السبت التاسع عشر من شهر رجب، وسبب ذلك: أن جماعة من المسلمين ادعوا أنها محدثة، فأثبت اليهود أنها قديمة مستمرة بأيديهم- عند بعض الحكام- فأقرت بأيديهم، ونجزوا مرسوما سلطانيا بالحمل على ما ثبت وإبقائها، فعارضهم المسلمون بإثبات عند حاكم أنها محدثة، فورد المرسوم السلطانى/ بالحمل على ما ثبت آخرا، وهدمها.
قال الشيخ شمس الدين الجزرىّ فى تاريخه: إن هذه الكنيسة كانت من نحو مائة سنة بيتا يجتمع فيه طائفة من اليهود القرّائين، ثم أضيف إليها شىء
стр. 12871
بعد شىء، حتى كبرت واتسعت، وأصلحت عمارتها، فلما كان فى سنة تسع وتسعين وستمائة عند دخول التتار إلى دمشق تمكن اليهود من إصلاحها؛ وعملوا بها منبرا، كل ذلك والمسلمون لا يعلمون؛ وذلك أنها بدرب الفواخير وغالب سكانه اليهود، وهى فى درب داخل درب جوار سور باب كيسان، والباب يومئذ مسدود، وبذلك تمكنوا من عمارتها وما شعر بهم المسلمون، ثم ظهرت فى ذلك الوقت، فهدمت.
وفى هذه السنة- فى الثامن من شهر ربيع الأول- توفى القاضى الخطيب مجد الدين أحمد بن القاضى معين الدين أبى بكر بن ظافر الهمدانى [١] المالكى الخطيب والمدرس بمدينة الفيوم، وكانت صورته كبيرة عند الأكابر، وولى قضاء القضاة بدمشق فى سنة عشر وسبعمائة، وخلع عليه، ولبس التشريف، ثم امتنع من ذلك واستعفى فأعفى، وكان رحمه الله تعالى رجلا كريما سمحا مشهورا بالمكارم، تزيد مكارمه على ريع أملاكه، وتأبى نفسه الاختصار، فاحتاج إلى أن استدان الأموال، واضطر إلى وفاء الدّين بالدّين، كل ذلك رغبة فى المكارم.
وكان رحمه الله تعالى جميل الصورة كامل الخلق، حسن الزى والملبس والمركب، جيد الشّعر، أرسل إلىّ مرة يلتمس أن يقف على مقدمة كتابى هذا الذى ألفته، فأرسلت إليه المجلدة الأولى، فوقف عليها وكتب إلىّ بيتين من نظمه وهما:
وتوفى القاضى تاج الدين أبو الهدى أحمد بن محيى الدين أبى الفضل محمد بن الشيخ كمال الدين على بن شجاع بن سالم القرشى الهاشمى
كتاب جلّ أن نحصيه وصفا ... حوى علما وآدابا وظرفا
رأينا منه عنوانا بديعا ... وعنوان المحاسن ليس يخفى
стр. 12872
العباسى، المعروف بابن الأعمى [١] ، والأعمى- الذى عرف به- هو جده الشيخ كمال الدين المقرئ وكانت وفاته بداره بمنشاة المهرانى، ودفن بالقرافة، ومولده فى سنة اثنتين وأربعين وستمائة، وكان يلى نظر ديوان الملك الأشرف بن السلطان الملك المنصور قبل سلطنته، ثم عزل بالصاحب شمس الدين محمد بن السّلعوس [٢] وعطل مدة، ثم ولى نظر الكرك، وعزل فى سنة ثمان وسبعمائة، وحضر إلى الديار المصرية، فولى نظر بيت المال مدة لطيفة، ثم عطل عن الخدمة، ورتب له فى آخر عمره راتب، فكان يتناوله إلى أن مات رحمة الله عليه، وكانت وفاة جده الشيخ كمال الدين الضرير فى سنة إحدى وستين وستمائة.
وتوفى الصدر الرئيس شهاب الدين أحمد بن محمود بن أبى الفتح بن الكويك [٣] التاجر الكارمى، وكانت وفاته بداره بمصر فى ليلة الأربعاء التاسع عشر من شوال، وترك دنيا عريضة وأملاكا، وورثه أولاده، وكان من بقايا أعيان التجار الكارميّة، ومشايخهم يرجعون إليه ويقتدون برأيه، رحمه الله تعالى.
وتوفى القاضى الفاضل كمال الدين محمد بن القاضى عماد الدين إسماعيل بن القاضى تاج الدين أحمد بن سعيد بن الأثير الحلبى، أحد أعيان كتّاب الإنشاء [٤] ، وكانت وفاته بالقاهرة فى بكرة نهار الاثنين للنصف من ذى الحجة، وصلى عليه تحت القلعة، ودفن بالقرافة، وكان ﵀ فاضلا خيّرا لطيفا حسن العشرة والمذاكرة، جيد الإنشاء، قد ذكرنا من إنشائه فى أثناء هذا التاريخ ما يقف عليه من يقصده، رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير زين الدين كتبغا [٥] الصغير المنصورى رأس نوبة الحاجب بالشام فى آخر نهار الجمعة الثامن والعشرين من شوال بداره بظاهر دمشق
стр. 12873
ودفن من الغد بتربته برأس ميدان الحصار، رحمه الله تعالى، وولى الحجبة [١] بعده الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى، جهز من الأبواب السلطانية على إقطاع سنقر الإبراهيمى، فقدم دمشق فى يوم الأحد عاشر صفر سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وتوفى فى يوم الاثنين السادس عشر من ذى الحجة- عز الدين إبراهيم ابن الملك الحافظ غياث الدين محمد بن الملك السعيد شاهنشاه بن الملك الأمجد بهرام شاه بن عزّ الدين فرخان شاه بن شاهنشاه بن أيوب، وكانت/ وفاته بقرية جسرين من غوطة دمشق، ودفن بتربتهم بباب الفراديس، ومولده فى الخامس من ذى الحجة سنة خمس وثلاثين وستمائة بحمرانيسان [٢] عند مرجعهم من القدس، سمع الحديث من إسماعيل العراقى، ورواه عنه، وكان رحمه الله تعالى كثير التواضع والاحتمال حسن المودّة.
وتوفى الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر شمس الدين يوسف ابن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول صاحب [٣] اليمن، وكانت وفاته فى مستهل ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وحصل بعد وفاته من الاختلاف والفتن بين ولده وأخيه ما نذكره بعد- إن شاء الله تعالى- عند ذكرنا لأخبار اليمن.
وتوفى الشيخ الصالح العابد نجم الدين عبد الله بن محمد الأصفهانى بمكة شرفها الله تعالى [٤] ، وورد الخبر بوفاته فى شعبان، وكان شخصا جليلا صالحا فاضلا مشهورا مقصودا للزيارة منقطعا عن الناس، جاور بمكة سنين كثيرة رحمه الله تعالى.
стр. 12874
ذكر ما وصل إلينا من الحوادث الكائنية ببغداد فى هذه السنة
فى نصف شهر ربيع الأول سنة إحدى وعشرين وسبعمائة كبس الحراميّة [١] بغداد وقت الظهر ونهبوا سوق الثلاثاء، وخرج الناس، وقتلوا منهم نحو المائة وأسر منهم جماعة، وكان ذلك جرأة عظيمة منهم. نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى، وقال: كنت قرأت ذلك فى كتاب وصل إلى شمس الدين ابن منتاب البغدادى، وفيها أيضا ورد كتاب من بغداد من جهة أحمد البالوادى إلى شمس الدين بن منتاب بدمشق، وهو مؤرخ بالحادى والعشرين من جمادى الآخرة، وكان وصوله إلى دمشق فى مدة عشرين يوما، وفيه «..
والذى أعرفكم به أنه جرى فى بغداد شىء ما جرى فى زمان الخليفة إلى هذا التاريخ: خرّبوا البازار [٢] من أوله إلى آخره، وما يعلم ما عزموا عليه إلا الله تعالى، وما خلّوا فى البلد خاطية إلا توّبوها وزوجوها، وما خلّوا أحدا يعصر فى البلد شرابا، وبدّدوا الشراب العتيق، ولو بدّدوه من الشط غرقت بغداد، وبعد ذلك نادت المنادية أن كل من تخلّف عنده شىء من الشراب يكون دمه وماله للسلطان، وطلع بعد ذلك عند شخص من العقبة جرّه، فعلّقوها فى حلقه، وقتلوه فى باب النوبة، وطلع عند عبد الله بن الجبّار الذى من درب دينار جرّتين من الشراب فقطعوا رأسه فى باب النوبة، وجعلوا جرة عند رأسه، وجرة عند رجليه، ودفع فيه ألف وخمسمائة دينار فما خلاه محمد حسيناه، وعلّموا [٣] اليهود والنصارى، وأسلم الرّفى الجوهرى، وبركة، وإبراهيم الكاغدى، والعماد الصيرفى، وكل يوم جمعة يسلم أربعة خمسة» نقلته من تاريخ الشيخ علم الدين البرزالى أيضا.
واستهلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة يوم الأربعاء الموافق الخامس والعشرين [٤] من طوبة من شهور القبط .
стр. 12875
ذكر وصول أدر السلطان من الحجاز الشريف
كان وصول الأدر السلطانية من الحجاز الشريف فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من المحرم، فركب السلطان لتلقيهم، ومد سماطا، ثم طلعت الأدر السلطانية إلى قلعة الجبل على أربة، وتقدمها نساء الأمراء على الأربات، والكوسات تضرب، والعصائب منشورة، وكان يوما مشهودا [١] .
ذكر تجريد العساكر إلى بلاد سيس [٢] ، وفتح مدينة آياس [٣] وأبراجها
وفى هذه السنة رسم السلطان بتجريد العساكر إلى جهة سيس، فجرّد من الأمراء المقدمين بالديار المصرية خمسة وهم: الأمير جمال الدين أقش [٤] الأشرفى، وهو مقدّم/ الجيوش، والأمير علم الدين سنجر الجمقدار، والأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب، والأمير سيف الدين طرجى أمير مجلس، الأمير سيف الدين أصلم السلاح دار، ومضافيهم من أمراء الطبلخانات، وهم: قلبرس بن طيبرس محمد ابن أمير سلاح الدمر أمير جندار أيدمر العمرى، [و] أروم [٥] بغا، قطلوبغا الجمالى، [و] طرمحى الساقى، [و] خضر بن نوكيه، [و] طيفر الجمدار، وطرنطاى السلاح دار، [و] أيدغدى البلبلى، أراق السلاح دار، خاص ترك الجمدار، بيلك الجمدار، أقسنقر السلاح دار، بيبرس السلاح دار، أيبك عبد الملك، سنقر السعدى، بهادر الغنمى، وأمير العراواب خليل بن الأربلى، على بن دامر بن على بن سلار، على بن التركمانى، ومحمد بن ملكشاه، كجكن الكرمونى، [و] بهادر بن قرمان، ومحمد بن أيبك الخزندار، وما جار فتحى بكا [٦] ، وجماعه من الحلقة [٧]
стр. 12876
المنصورة، والمماليك السلطانية [١] ، وكان خروجهم من القاهرة المحروسة فى يوم السبت الثانى من صفر.
وجرد من الشام الأمير سيف الدين بهادر والأمير سيف الدين كجكن [٢] ، والأمير شرف الدين حسين بن جندر، ومضافيهم، والعسكر الحلبى بكماله، والأمير شهاب الدين قرطاى نائب السلطنة بالمملكة الطرابلسية، وجماعة من العسكر الطرابلسى، وخرج المرسوم السلطانى لهم أن يتوجهوا إلى بلاد سيس، ولا ينتظروا مرسوما، ولا يقيموا بمدينة من مدن الشام.
وكان سبب إرسال [٣] هذه الجيوش أن السلطان كان قد أرسل الأمير بدر الدين محمد بن الحاج أبى بكر- أحد الأمراء بطرابلس- رسولا إلى متملك سيس فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، فتوجه وأخذ منه القطيعة المقررة على بلاده، وهى ألف ألف درهم ومائتا ألف درهم فضة حجر، والمقرّر من الخيل والبغال وتطابيق النعال والمسامير وغير ذلك، وجهزها إلى الأبواب السلطانية من غير عهد ولا عقد، ولا تقرير هدنة، فأخبرنى الأمير بدر الدين المذكور عند وصوله إلى الأبواب السلطانية أنه لما توجه [إلى سيس] [٤] اجتمع بمتملك بلاد الأرمن وهو صغير يكون عمره نحو ثمان سنين جمع [متملك بلاد سيس] [٤] أكابر مملكته وحضر خليفتهم بزعمهم واستشاروه فى إرسال القطيعة قبل تقرير [الهدنة واليمين] [٥] فأشار عليهم بدفعها، وإطفاء الثائرة. وتعريف السلطان أنهم بأجمعهم دخلوا تحت طاعته وانتسبوا إلى غلمانيته وعبوديته، وخلعوا طاعة من سواه من التتار وغيرهم. وسألوا مراحم السلطان، وبذلوا له الرغبات، فكان مما عرضوه على الرسول المذكور أن قالوا له: إن اختار السلطان أن
стр. 12877
يقاسمنا على متحصل البلاد، وأن يقرّر علينا الجزية عن كل إنسان دينارين حتى على رأس الملك فمن دونه فعلنا ذلك، ويرسل إلينا نوّابه يستخرجون ذلك، وإن أحب أن يسلّم إلى نوابه ما هو قاطع نهرجهان [١] مما يلى المملكة الحلبية من القلاع والبلاد فعلنا ذلك على أن يضع عنا فى مقابلة هذه القلاع والأعمال ثلث المال المقرّر، وهو أربعمائة ألف درهم فضة.
وأرسل [٢] الأرمن امرأة من عند الملك تسأل مراحم السلطان، فلم تمكن من الوصول إلى الأبواب السلطانية وأعيدت من حلب.
وجرّد السلطان هذه العساكر وأرسل الأمير بدر الدين المذكور على خيل البريد أمام العسكر المنصور ليطالبهم بتسليم البلاد والقلاع وتقرير الهدنة على ذلك، فإن سلموها تسلمها نواب السلطان، وكفّ العسكر عنهم، وإن شغبوا أو توقّفوا أدخل العسكر إلى بلادهم.
وكان موجب خروجهم عن طاعة التتار وغيرهم أن مقدم التتار بالروم- وهو تمرتاش بن جويان- اجتمع هو وابن قرمان ودخلوا إلى بلاد سيس فى أواخر سنة إحدى وعشرين، وغاروا وشعّثوا ونهبوا، وعادوا إلى بلادهم، فتوجه العسكر الآن ووصل إلى دمشق فى يوم الخميس الثامن والعشرين من صفر، ثم توجه منها إلى حلب فوصل إليها فى العشر الأول من شهر ربيع الأول. وتوجهت العساكر منها إلى مدينة آياس فى أوائل شهر ربيع الآخر، واستصحبوا المجانيق من بغراس محمولة على العجل وأعناق الجند.
ولما وصل العسكر إلى ثغر آياس وجد أهلها قد أخلوا المدينة من الأموال والرجال وغير ذلك، وبقيت/ خالية، فدخلها العسكر بغير ممانع ولا مدافع، وانتقل أهلها إلى القلعة، وهى قلعة مستجدة عمرها الأرمن فى أول المائة
стр. 12878
السابعة، ولها باب من جهة البر وبقيتها فى البحر، فتقدم العسكر لمحاصرتها وأخذ النقّابون فى النقوب يوما وليلة، فانتقل من كان بها إلى قلعة هناك فى وسط البحر تسمى قلعة أطلس، وإلى أبراج ثلاثة، منها برج مثمّن وأشعلوا النيران بالليل فيها، وأحرقوا [١] ما تركوه بها من أعواد المجانيق والأمتعة وغير ذلك، فملكها المسلمون، وارتفع الصنجق السلطانى عليها، وشرع العسكر فى إخرابها فعلّقها النقابون، وأطلقت فيها النيران، فهدمت فى البحر وحصر الأرمن بالقلعة والأبرجة التى فى البحر، والوصول إليها متعذر لبعدها عن البر، فنصبت المجانيق السلطانية على القلعة الكبرى، ونصب الأرمن أيضا مجانيقهم على العسكر، وتراموا بها فاتفق الأمراء على أن العسكر يردم ما بين المدينة وبين القلعة والأبرجة من البحر، فتعذر عليهم لعمق البحر، وبعد المسافة، فنصبوا جسورا من الأخشاب والبتاتىّ، فانتهت إلى مقدار ثلثى المسافة إليها، هذا والمجانيق ترمى بأحجارها من كل من الطائفتين ووصل النقابون إلى البرج المثمّن، فسأل من به الأمان على أن يسلّموه فأجيبوا إلى ذلك، ثم نكثوا، ورجعوا عن التسليم، فوصل المسلمون إليه، وشرع النقابون فى تعليقه ثم يسر الله تعالى الفتح، فحصل الاستيلاء على ذلك برا وبحرا فى يوم الأحد والعشرين من شهر ربيع الآخر، ودخل العسكر إلى بلاد سيس، وأغاروا ووصلوا إلى قلعة كوارا، ثم عادت العساكر المنصورة إلى مستقرها من الممالك، ولما حصل هذا الحصار أمر الباب [٢]- وهو الحاكم على ملوك الفرنج- من تحت يده وطاعته منهم أن يتوجهوا إلى ثغر اللاذقية ويحاصروه لعلهم ينالون [٣] منه منالا، لاشتغال العساكر الإسلامية بثغر آياس، فعمّر الفرنج نحو تسعين شينيا وشحنوها بالرجال والمقاتلة، وقصدوا ثغر اللاذقية وبه يومئذ الأمير شرف الدين عيسى بن البرطاسى فاجتهد فى أمر الثغر، واحترز فأقامت تلك الشوانى أياما فى البحر قبالة ثغر اللاذقية، ثم عادت إلى أماكنها ولم يظفروا بشىء، وكفى الله تعالى شرهم وله الحمد والمنة؛ ولنذكر خلاف ذلك ما اتفق.
стр. 12879
ذكر اجتماع المماليك السلطانية وشكواهم وما حصل بسبب ذلك
وفى يوم الخميس الثامن والعشرين من صفر اجتمع جماعة من المماليك السلطانية الساكنين بالطّباق [١] بباب السلطان، واستغاثوا وشكوا إلى السلطان أنهم نقصوا من مرتبهم، وغيرت عادتهم فى طعامهم وتأخرت جامكيّتهم عنهم وكساويهم، وبالغوا فى الشكوى والأساة، فأرسل السلطان إليهم أن يختاروا من أعيانهم من يعبر إليه، ويشكوا ضررهم، ويشافهوه بحالهم، فامتنعوا من ذلك، وكانوا فى جمع كثير، فخرج السلطان إلى الرحبة، وسمع شكواهم، ولطف بهم، وقابل جهلهم بحلمه وسياسته ووعدهم إزالة ضررهم، وأنه يتولى ذلك بنفسه، وصرفهم إلى أماكنهم فانصرفوا إليها وكشف عمن حملهم على الجرأة ممن يعلم أحوال المماليك، فعين جماعة من المماليك أرباب الاقطاعات، فرسم بإخراجهم من القلعة وإسكانهم المدينة، فخرجوا فى يوم السبت سلخ صفر، وأخرج أيضا جماعة من الخدّام المقدمين والسواقين، ورسم بالنفقة فى أرباب الجامكيّات، وزيادة مرتبهم، وإصلاح أطعمتهم، ففعل ذلك، وسكنت أمورهم [٢] .
ذكر وصول الأمير «علاء الدين الطنبغا» [٣] نائب السلطنة/ بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية وعوده
وفى يوم السبت سلخ صفر وصل الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة بالمملكة الحلبية إلى الأبواب السلطانية، وكان قد رسم بحضوره، فأرجف الناس به، وظن كثير منهم أنه لا يحضر، وأنه إذا حضر اعتقل، فلما وصله شمله الإنعام السلطانى بالتشريف والخيل والإحسان، وقدم له أعيان الأمراء التقادم [٤] ، وبالغ القاضى كريم الدين وكيل السلطان فى خدمته وإكرامه، وأرسل إليه عدة كثيرة
стр. 12880
من الأقمشة والتعابى والتشاريف ليخلعها على من يحضر إليه بتقادم الأمراء، وأعطاه خيلا وجملة من المال، وحضر هو صحبة القاضى كريم الدين إلى داره، وترجّل عند قربه من الدار، ومشى والقاضى كريم الدين مستمر الركوب على ما هو عليه إلى أن نزل فى مكانه المعتاد، هكذا أخبرنى جماعة ممن ذكروا أنهم شاهدوا ذلك، ثم رسم بعود الأمير المذكور إلى المملكة الحلبية، فعاد فى يوم السبت ثانى شهر ربيع الأول على خيل البريد، وأدرك العسكر بحلب، ودخل معهم إلى آياس.
ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد ملك التتار
وفى العشر الآخر من ربيع الأول وصلت رسل الملك أبى سعيد بن خربندا- ملك العراقين وخراسان وما والى ذلك- إلى الأبواب السلطانية، وهم: الأمير حسن بن شادى بن سونجاق، ومعه أمير آخور، وقاضى قضاة تبريز نصر الدين محمد بن محمد القزوينى الشافعى، فأمر السلطان بإنزالهم فى قلعة الجبل، ومثلوا بين يديه فى يوم الاثنين مستهل ربيع الآخر، فاستقبلهم بدر الدين بيبرس الصالحى [١] .
стр. 12881
[ذكر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فى يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر قبض على كريم الدين الكبير [١]]
[بعد [٢] ما تجهز ليسافر يوم الجمعة خامس عشره إلى الشام، فعندما طلع إلى القلعة على العادة، ووصل إلى الدّركاه منع من الدخول إلى السلطان، وعوق بدار النيابة هو وولده علم الدين عبد الله، وكريم الدين أكرم الصغير ناظر الدولة، ووقعت الحوطة على دور كريم الدين الكبير خاصة التى بالقاهرة وبركة الفيل، ونزل شهود الخزانة بولده إلى داره ببركة الفيل، وحملوا ما فيها إلى القلعة، وتوالت مصادرته، فوجد له شىء كثير جدا] [٣] (٣٤) [ووجد له عدة من المماليك والجوارى الأتراك، وكان من مماليكه جماعة قد أخذ لهم الإقطاعات الوافرة فى جملة رجال الحلقة المنصورة، فأمر السلطان بقطع أخبازهم، وبيع المماليك الأرقاء والجوارى، وأنعم على ثلاثة منهم بأخباز غير ما كان بأيديهم قليلة العبرة بالنسبة إلى ما كان بأيديهم، وعادت الخزانة التى كان قد جهزها إلى ثغر اللاذقية فى يوم الاثنين ثامن عشر الشهر، فعرض ذلك على السلطان، وكان فى جملة ما وجد بها ثلاثة حوايص ذهبا مجوهرة كان قد أعدها لمن نذكر فى جملة خلعه عليهم، وهم: الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماه، والأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام والأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بحلب.]
ولما رسم بالحوطة عليه [٤] ، وقعت الحوطة على أملاكه وأوقافه وحواصله وغير ذلك، فاعترف أن ساير الأملاك التى أنشأها وابتاعها وما وقفه كان قد اشتراها وعمرها من مال السلطان دون ماله، فأفاد هذا الاعتراف فى الأملاك،
стр. 12882
فحكم أنها ملك السلطان دون ملكه [١] وشهد جماعة من المعدّلين أن الأملاك التى وقفها ابتاعها من أموال السلطان دون ملكه فحكم بإبطال أوقافه، ونقضت بعد ما أبرمت، وكتبت بذلك مكاتبة حكمية ثبتت على قضاة القضاة.
ولما اشتد الطلب عليه وخشى على نفسه أن يقتل، أرسل إلى السلطان يقول: إن أموال السلطان [٢] كثيرة، وهى مفرّقة فى أقطار الأرض، منها ما/ (٣٥) سفّرته إلى بلاد الإفرنج ومنها ما أرسلته إلى العراق وإلى اليمن وإلى الهند، ومنها ما هو مفرّق بأعمال الديار المصرية بالوجهين القبلى والبحرى، ومنها ما هو بالشام، وإذا عدمت عدم ذلك كلّه، وطمع فيه من هو عنده، فاقتضى ذلك إبقاءه، وأفرج عنه السلطان، ورسم أن يستقر [٣] مقامه بتربته التى أنشأها بالقرافة، فنزل إليها هو وولده علم الدين، وأقام بها، ثم شملته عواطف السلطان، وأنعم عليه بمبلغ عشرين ألف درهم، فقبضها، وأرسل إليه فرسين من جملة خيله، وقماش ملبوسه، والخلع التى كان السلطان قد خلعها عليه، وأعيدت إلى الخزانة عند إيقاع الحوطة، وأفرج عن معصرتين من معاصر الأقصاب التى كانت له بالوجه القبلى، ثم رسم السلطان بعد ذلك بسفره إلى الشّوبك [٤] يقيم هناك، ورتب له فى كل شهر ألف درهم على حكم الراتب، فتوجه هو وولده وأهله وألزامه، وكان خروجهم فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة، فأقام بالشوبك إلى أثناء شهر رمضان من السنة، وطالع الأمير سيف الدين أرغون [٥] نائب السلطنة، وسأله أن ينتقل إلى القدس، فلم يجب إلى ذلك أولا، ثم تلطّف نائب السلطنة فى أمره إلى أن رسم بانتقاله إلى
стр. 12883
القدس الشريف، فكان وصوله إلى القدس فى يوم الجمعة تاسع عشر شوال، وأقام إلى أن تغيّر خاطر السلطان عليه لأسباب نقلت عنه.
فلما كان فى يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الأول سنة أربع [١] وعشرين وسبعمائة/ (٣٦) رسم السلطان بتجديد الحوطة عليه، وعلى أسبابه، وتوجه لإحضاره من القدس الأمير سيف الدين قطلوبغا المغربى الناصرى، وكان وصوله إلى قلعة الجبل هو وولده عشية نهار الخميس الخامس والعشرين من الشهر، ولما وصل سلم للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، فأنزله بداره، وسلّم ولده عبد الله ومملوكه طوطاج إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى استادار، وطولب بحمل المال، فاعتذر بأنه لم يبق له ما يحمله إلا ثمن الأملاك التى كان السلطان قد أفرج له عنها، فأمر ببيعها، فبيعت بمبلغ أربعمائة ألف درهم، وحمل عنها، واستمر على ذلك إلى يوم الجمعة الحادى عشر من شهر ربيع الآخر، فرسم باعتقاله، فاعتقل فى برج الأتابكى [٢] بقلعة الجبل بمفرده بغير غلام يخدمه، وسدّدت المرامى والمناور، ورتب له فى كل يوم ثمانية أرطال لحم وكماجه، واستمر بالبرج إلى يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر، فأخرج من البرج وسفرّ إلى الصعيد الأعلى، ورسم باستقراره بثغر أسوان، وكان قد سفر ولده عبد الله قبله، وقطع السلطان أخباز مملوكيه طرنطاى، وطوطاج من الحلقة.
فلما كان فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين حادى عشريه حضر إلى الصاحب أمين الدين من ذكر أن [لكريم الدين] [٣] وديعة عند رجل موّان نصرانى، فطلب، وطولب بالوديعة، فأحضر صندوقا ضمّنه من المصوغ والجوهر ما قيمته- فيما بلغنى- نحو عشرين ألف دينار.
ولما استقرّ كريم الدين بثغر أسوان أمر السلطان أن يرتّب له ولولده/ (٣٧ فى كل شهر ستماية درهم وستة أراد ب لنفسه، ولولده عبد الله ماية درهم وإردبان، واستمرت إقامته بثغر أسوان إلى أن مات به، وكانت وفاته
стр. 12884
فى ليلة الخميس العشرين من شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الاثنين مستهل ذى القعدة، وأنه شنق نفسه، ووجد فى بكرة النهار وهو معلق بسلبة [١] فى الدار التى كان قد نزل بها، وتعرف بدار «ابن يحيى» . هذا هو الذى ظهر من أمر وفاته.
وأخبرنى متولّى ثغر أسوان [٢]- وهو أحد من تولّى قتله- أنه وصل إلى الثغر فى ليلة الأربعاء ركن الدين بن موسك، نائب متولّى الأعمال القوصية، وصحبته بعض مماليك متولى الأعمال، فأقام بالثغر يوم الأربعاء، وأظهر أنه إنما حضر لتحرير ما سقط من النخل فى شهر رمضان بسبب هواء كان قد هب فسقط لهبوبه نخل كثير، وطلب أرباب السواقى فى ذلك اليوم، وشاع أنه إنما وصل إلى الثغر بسبب ذلك.
فلما كان فى ليلة الخميس توجه المتولى بالثغر، وابن موسك ومن معهما إلى داره، وطرق المتولى الباب على كريم الدين فخرج إليه غلام، فقال له من وراء الباب: من هذا؟ فقال: عرّف القاضى أن مملوكه فلان حضر «يعنى المتولى نفسه» فأعلمه الغلام، وعاد ففتح الباب فقال متولى الثغر: فلما صرت من داخل الباب أرسلت الغلام الذى فتح لى الباب إلى الاعتقال، وخرج غلام ثان ففعلت به كذلك، فدخل غلام آخر وأخبر كريم الدين بذلك، ودخلت/ (٣٨) فى إثره فوجدت كريم الدين على تخت [٣] ، وابنه عبد الله عنده فسلمت عليه، وقلت لولده عبد الله: يا علم الدين تعالى إلىّ أعرفك، فلما جاء إلىّ أخذته وخرجت من عند أبيه، فصرخ بى كريم الدين، وجعل يقول: يا شمس الدين، يا شمس الدين، يكرر هذا القول، فلم ألتفت إليه، ودخل عليه أولئك القوم
стр. 12885
فخنقوه، وعلقوه بسلبة بعد أن أغلقوا بينه وبين نسائه بابا، وأغلق باب الدار من داخله وتوجه القوم فعرّفت ولده الحال، وقررت معه أن يقول فى بكرة النهار إذا طلب: إنه تخاصم مع أبيه وخرج من عنده، وأنه حرج منه، ففعل ذلك بنفسه، قال: فلما كان من بكرة النهار توجه المتولى وابن موسك إلى باب دار كريم الدين، وطرقوا الباب، فلم يجبهم أحد، فتوجه المتولى إلى دار قاضى البلد، وهو القاضى شرف الدين شعيب بن القاضى جمال الدين يوسف السيوطى [١] وهو يصرخ ويقول: هرب كريم الدين، والله لئن تم هربه لأشنقن بنى الكنز، وأخذ القاضى وجماعة من العدول وحضروا إلى الدار، وكسروا الباب، ودخلوا الدار، فوجدوا كريم الدين مشنوقا، فأخبر القاضى شرف الدين المذكور حاكم الثغر بأنه وجد فى عنقه سلبة ليف كانت وشيجة [٢] لفرس، وعليها آثار زبل الدواب، وطلب ولده، وسئل عن خبره، فقال ما لقّنه؛ أنه تخاصم معه بالأمس وخرج من عنده، وقد أغضبه، فكأنه وجد [٣] فى نفسه من ذلك فشنق نفسه، فنظم بذلك مشروح وسير إلى الأبواب السلطانية فى التاريخ المذكور. ودفن بثغر أسوان/ (٣٩) ولما وصل الخبر بوفاته إلى الأبواب السلطانية رسم بطلب ولده من ثغر أسوان، ولما تحقق الناس موته، وعلموا طلب ولده خشى من كان عنده وديعة له أن ولده إذا وصل يعترف عليهم، فظهر من ودائعه جملة عظيمة منها ما أحضره الأمير علاء [٤] الدين على بن هلال الدولة- فيما بلغنى- ذهب مصكوك بثمانية عشر ألف دينار، ومصوغ، وزركش وجوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار، أحضر صارم الدين أستاذ دار كريم الدين- وهو الذى كان استاذ دار الأمير علم الدين سنجر الجاولى- صندوقا كبيرا ضمنه من الجواهر والحوايص المجوهرة والفصوص وغير ذلك ما قيمته- فيما قيل- ماية ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك.