[ذكر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة فى يوم الخميس رابع عشر ربيع الآخر قبض على كريم الدين الكبير [١]]
[بعد [٢] ما تجهز ليسافر يوم الجمعة خامس عشره إلى الشام، فعندما طلع إلى القلعة على العادة، ووصل إلى الدّركاه منع من الدخول إلى السلطان، وعوق بدار النيابة هو وولده علم الدين عبد الله، وكريم الدين أكرم الصغير ناظر الدولة، ووقعت الحوطة على دور كريم الدين الكبير خاصة التى بالقاهرة وبركة الفيل، ونزل شهود الخزانة بولده إلى داره ببركة الفيل، وحملوا ما فيها إلى القلعة، وتوالت مصادرته، فوجد له شىء كثير جدا] [٣] (٣٤) [ووجد له عدة من المماليك والجوارى الأتراك، وكان من مماليكه جماعة قد أخذ لهم الإقطاعات الوافرة فى جملة رجال الحلقة المنصورة، فأمر السلطان بقطع أخبازهم، وبيع المماليك الأرقاء والجوارى، وأنعم على ثلاثة منهم بأخباز غير ما كان بأيديهم قليلة العبرة بالنسبة إلى ما كان بأيديهم، وعادت الخزانة التى كان قد جهزها إلى ثغر اللاذقية فى يوم الاثنين ثامن عشر الشهر، فعرض ذلك على السلطان، وكان فى جملة ما وجد بها ثلاثة حوايص ذهبا مجوهرة كان قد أعدها لمن نذكر فى جملة خلعه عليهم، وهم: الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماه، والأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام والأمير علاء الدين الطنبغا نائب السلطنة بحلب.]
ولما رسم بالحوطة عليه [٤] ، وقعت الحوطة على أملاكه وأوقافه وحواصله وغير ذلك، فاعترف أن ساير الأملاك التى أنشأها وابتاعها وما وقفه كان قد اشتراها وعمرها من مال السلطان دون ماله، فأفاد هذا الاعتراف فى الأملاك،
стр. 12882
فحكم أنها ملك السلطان دون ملكه [١] وشهد جماعة من المعدّلين أن الأملاك التى وقفها ابتاعها من أموال السلطان دون ملكه فحكم بإبطال أوقافه، ونقضت بعد ما أبرمت، وكتبت بذلك مكاتبة حكمية ثبتت على قضاة القضاة.
ولما اشتد الطلب عليه وخشى على نفسه أن يقتل، أرسل إلى السلطان يقول: إن أموال السلطان [٢] كثيرة، وهى مفرّقة فى أقطار الأرض، منها ما/ (٣٥) سفّرته إلى بلاد الإفرنج ومنها ما أرسلته إلى العراق وإلى اليمن وإلى الهند، ومنها ما هو مفرّق بأعمال الديار المصرية بالوجهين القبلى والبحرى، ومنها ما هو بالشام، وإذا عدمت عدم ذلك كلّه، وطمع فيه من هو عنده، فاقتضى ذلك إبقاءه، وأفرج عنه السلطان، ورسم أن يستقر [٣] مقامه بتربته التى أنشأها بالقرافة، فنزل إليها هو وولده علم الدين، وأقام بها، ثم شملته عواطف السلطان، وأنعم عليه بمبلغ عشرين ألف درهم، فقبضها، وأرسل إليه فرسين من جملة خيله، وقماش ملبوسه، والخلع التى كان السلطان قد خلعها عليه، وأعيدت إلى الخزانة عند إيقاع الحوطة، وأفرج عن معصرتين من معاصر الأقصاب التى كانت له بالوجه القبلى، ثم رسم السلطان بعد ذلك بسفره إلى الشّوبك [٤] يقيم هناك، ورتب له فى كل شهر ألف درهم على حكم الراتب، فتوجه هو وولده وأهله وألزامه، وكان خروجهم فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة من السنة، فأقام بالشوبك إلى أثناء شهر رمضان من السنة، وطالع الأمير سيف الدين أرغون [٥] نائب السلطنة، وسأله أن ينتقل إلى القدس، فلم يجب إلى ذلك أولا، ثم تلطّف نائب السلطنة فى أمره إلى أن رسم بانتقاله إلى
стр. 12883
القدس الشريف، فكان وصوله إلى القدس فى يوم الجمعة تاسع عشر شوال، وأقام إلى أن تغيّر خاطر السلطان عليه لأسباب نقلت عنه.
فلما كان فى يوم الأربعاء السابع عشر من ربيع الأول سنة أربع [١] وعشرين وسبعمائة/ (٣٦) رسم السلطان بتجديد الحوطة عليه، وعلى أسبابه، وتوجه لإحضاره من القدس الأمير سيف الدين قطلوبغا المغربى الناصرى، وكان وصوله إلى قلعة الجبل هو وولده عشية نهار الخميس الخامس والعشرين من الشهر، ولما وصل سلم للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، فأنزله بداره، وسلّم ولده عبد الله ومملوكه طوطاج إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى استادار، وطولب بحمل المال، فاعتذر بأنه لم يبق له ما يحمله إلا ثمن الأملاك التى كان السلطان قد أفرج له عنها، فأمر ببيعها، فبيعت بمبلغ أربعمائة ألف درهم، وحمل عنها، واستمر على ذلك إلى يوم الجمعة الحادى عشر من شهر ربيع الآخر، فرسم باعتقاله، فاعتقل فى برج الأتابكى [٢] بقلعة الجبل بمفرده بغير غلام يخدمه، وسدّدت المرامى والمناور، ورتب له فى كل يوم ثمانية أرطال لحم وكماجه، واستمر بالبرج إلى يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر، فأخرج من البرج وسفرّ إلى الصعيد الأعلى، ورسم باستقراره بثغر أسوان، وكان قد سفر ولده عبد الله قبله، وقطع السلطان أخباز مملوكيه طرنطاى، وطوطاج من الحلقة.
فلما كان فى ليلة يسفر صباحها عن يوم الاثنين حادى عشريه حضر إلى الصاحب أمين الدين من ذكر أن [لكريم الدين] [٣] وديعة عند رجل موّان نصرانى، فطلب، وطولب بالوديعة، فأحضر صندوقا ضمّنه من المصوغ والجوهر ما قيمته- فيما بلغنى- نحو عشرين ألف دينار.
ولما استقرّ كريم الدين بثغر أسوان أمر السلطان أن يرتّب له ولولده/ (٣٧ فى كل شهر ستماية درهم وستة أراد ب لنفسه، ولولده عبد الله ماية درهم وإردبان، واستمرت إقامته بثغر أسوان إلى أن مات به، وكانت وفاته
стр. 12884
فى ليلة الخميس العشرين من شوال سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ووصل الخبر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الاثنين مستهل ذى القعدة، وأنه شنق نفسه، ووجد فى بكرة النهار وهو معلق بسلبة [١] فى الدار التى كان قد نزل بها، وتعرف بدار «ابن يحيى» . هذا هو الذى ظهر من أمر وفاته.
وأخبرنى متولّى ثغر أسوان [٢]- وهو أحد من تولّى قتله- أنه وصل إلى الثغر فى ليلة الأربعاء ركن الدين بن موسك، نائب متولّى الأعمال القوصية، وصحبته بعض مماليك متولى الأعمال، فأقام بالثغر يوم الأربعاء، وأظهر أنه إنما حضر لتحرير ما سقط من النخل فى شهر رمضان بسبب هواء كان قد هب فسقط لهبوبه نخل كثير، وطلب أرباب السواقى فى ذلك اليوم، وشاع أنه إنما وصل إلى الثغر بسبب ذلك.
فلما كان فى ليلة الخميس توجه المتولى بالثغر، وابن موسك ومن معهما إلى داره، وطرق المتولى الباب على كريم الدين فخرج إليه غلام، فقال له من وراء الباب: من هذا؟ فقال: عرّف القاضى أن مملوكه فلان حضر «يعنى المتولى نفسه» فأعلمه الغلام، وعاد ففتح الباب فقال متولى الثغر: فلما صرت من داخل الباب أرسلت الغلام الذى فتح لى الباب إلى الاعتقال، وخرج غلام ثان ففعلت به كذلك، فدخل غلام آخر وأخبر كريم الدين بذلك، ودخلت/ (٣٨) فى إثره فوجدت كريم الدين على تخت [٣] ، وابنه عبد الله عنده فسلمت عليه، وقلت لولده عبد الله: يا علم الدين تعالى إلىّ أعرفك، فلما جاء إلىّ أخذته وخرجت من عند أبيه، فصرخ بى كريم الدين، وجعل يقول: يا شمس الدين، يا شمس الدين، يكرر هذا القول، فلم ألتفت إليه، ودخل عليه أولئك القوم
стр. 12885
فخنقوه، وعلقوه بسلبة بعد أن أغلقوا بينه وبين نسائه بابا، وأغلق باب الدار من داخله وتوجه القوم فعرّفت ولده الحال، وقررت معه أن يقول فى بكرة النهار إذا طلب: إنه تخاصم مع أبيه وخرج من عنده، وأنه حرج منه، ففعل ذلك بنفسه، قال: فلما كان من بكرة النهار توجه المتولى وابن موسك إلى باب دار كريم الدين، وطرقوا الباب، فلم يجبهم أحد، فتوجه المتولى إلى دار قاضى البلد، وهو القاضى شرف الدين شعيب بن القاضى جمال الدين يوسف السيوطى [١] وهو يصرخ ويقول: هرب كريم الدين، والله لئن تم هربه لأشنقن بنى الكنز، وأخذ القاضى وجماعة من العدول وحضروا إلى الدار، وكسروا الباب، ودخلوا الدار، فوجدوا كريم الدين مشنوقا، فأخبر القاضى شرف الدين المذكور حاكم الثغر بأنه وجد فى عنقه سلبة ليف كانت وشيجة [٢] لفرس، وعليها آثار زبل الدواب، وطلب ولده، وسئل عن خبره، فقال ما لقّنه؛ أنه تخاصم معه بالأمس وخرج من عنده، وقد أغضبه، فكأنه وجد [٣] فى نفسه من ذلك فشنق نفسه، فنظم بذلك مشروح وسير إلى الأبواب السلطانية فى التاريخ المذكور. ودفن بثغر أسوان/ (٣٩) ولما وصل الخبر بوفاته إلى الأبواب السلطانية رسم بطلب ولده من ثغر أسوان، ولما تحقق الناس موته، وعلموا طلب ولده خشى من كان عنده وديعة له أن ولده إذا وصل يعترف عليهم، فظهر من ودائعه جملة عظيمة منها ما أحضره الأمير علاء [٤] الدين على بن هلال الدولة- فيما بلغنى- ذهب مصكوك بثمانية عشر ألف دينار، ومصوغ، وزركش وجوهر قيمته اثنا عشر ألف دينار، أحضر صارم الدين أستاذ دار كريم الدين- وهو الذى كان استاذ دار الأمير علم الدين سنجر الجاولى- صندوقا كبيرا ضمنه من الجواهر والحوايص المجوهرة والفصوص وغير ذلك ما قيمته- فيما قيل- ماية ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك.
стр. 12886
ولما حضر ولده علم الدين طولب بالمال، وسعط بالخل والجير [١] ، فاعترف أن له وديعة عند صارم الدين أستاذ دار والده، فطلب فأحضر نحو عشرة آلاف دينار، وأنكر عليه كونه أخّر إحضار هذا المال، فقال: هذا كان وديعة عندى لهذا، وقد أحضرته الآن، فلم يؤاخذ بذلك. ثم أفرج عن ولده [علم الدين] [٢] عبد الله بعد ذلك، واستقر بحارة الدّيلم بدار أبيه الصغرى.
هذا ما كان من خبر القبض على كريم الدين ووفاته. فلنذكر خلاف ذلك من أخباره.
ذكر شىء من أخبار كريم الدين المذكور وابتداء أمره «وتنقّلاته وما كان قد انتهى إليه من القرب من السلطان والتمكّن من دولته»
(٤٠) /كان كريم الدين المذكور فى ابتداء أمره فى حالة شبيبته فى خدمة خاله تاج الرياسة [٣] بن سعيد الدولة، وكان معه بمدينة قوص لما كان كاتبا للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى البريدى متولى الأعمال القوصية- كان- فى الدولة المنصورية السيفية، وكان هو وخاله إذ ذاك- وبعده بسنين كثيرة- على دين النصرانية، وتوجّه معه إلى الأعمال القوصية، ورتب كريم الدين فى كتابة المسطبة بقوص، وهى كتابة نائب الولاية، ثم خدم بعد ذلك الأمراء، فكان ممن خدمه منهم: الأمير سيف الدين جاورشى الحسامى، والأمير سيف الدين قجقرا وغيرهما، وباشر بعد ذلك وظيفة كتابة فى البيوت السلطانية، ثم أسلم فى الدولة الناصرية، وباشر نظر ديوان الأمير ركن الدين بيبرس أستاذ دار العالية؛ إذ تمكّن منه، وظهر اسمه، وشاع ذكره ونوّه الناس به، وأظهر
стр. 12887
المكارم، وبذل ماله، فمدحه الشعراء، ورغب الناس فى صحبته والاجتماع به، ولم يزل على ذلك وحاله تتزايد إلى أن استقر بيبرس الجاشنكير فى السلطنة كما تقدم، فعظم عند ذلك شأنه [١] ، وارتفع مكانه، وعلت رتبته، وسمت همّته، وهو مع ذلك تبع لخاله تاج الدين بن سعيد الدولة، يأتمر بأمره، ويتصرف عن رأيه، ويقف بين يديه، وإذا خاطبه تاج الدين لا ينعته غالبا بل يكنّيه بأبى الفضايل لا يزيده على ذلك، سمعته يخاطبه بذلك، وكان تاج الدين المذكور قد تمكن فى دولة بيبرس الجاشنكير المنعوت بالملك المظفّر، وكان يباشر نظر الدولة، ويجلس إلى جانب نائب السلطنة الأمير سيف الدين/ (٤١) سلّار بدركاة باب القلّة، ويكتب على ساير ما يكتب عليه السلطان قبل خط السلطان ما مثاله «يحتاج إلى الخط الشريف» ولا تقدم الدّواداريّة للعلامة إلا بعد مشاهدة خطّه بذلك، إلا كتب البريد خاصة، وكانت كتب السلطان الملك المظفر إلى النواب والولاة وغيرهم بالشام وغيره لا تختم إلا بعد عرضها عليه إذا كان فيها ذكر الأموال، فلما مات تاج الدين بن سعيد الدولة فى سنة تسع وسبعماية فى سلطنة المظفر بيبرس استقر كريم الدين فى وظيفته، فلم تطل المدة إلى أن خلع بيبرس من السلطنة كما ذكرناه، فكانت هذه الولاية كسحابة صيف، أو زيارة طيف.
ولما توجه المظّفر بيبرس إلى الصعيد توجه كريم الدين معه، فلما استقر السلطان الملك الناصر بقلعة الجبل حضر كريم الدين إلى الأبواب السلطانية برسالة مخدومه، وأعاد الخزانة التى كانت معه، فخلع السلطان عليه بسبب ذلك، ثم قبض عليه لما قبض على بيبرس، ورسم بمصادرته، وسلّمه السلطان للأمير جمال الدين آقش الأشرفى، وأمره باستصفاء أمواله، وإعدامه بعد ذلك من الوجود، لما كان يبلغ السلطان عنه فى زمن خدمته لبيبرس الجاشنكير، عند ذلك بذل كريم الدين الأموال، وفرّقها فيمن يقبلها من مماليك السلطان وغيرهم، فأعطى مالا كثيرا، فيقال: إنه أعطى للأمير سيف الدين بكتمر الجوكاندار
стр. 12888
نائب السلطنة يومئذ عشرة آلاف دينار، وأعطى غيره، وأقلّ ما بذل خمسماية دينار عينا فيما بلغنى، فمال إليه المماليك السلطانية، واعتنوا به، وتكلم الأمير جمال الدين/ (٤٢) آقش الأشرفى مع السلطان فى أمره، وتلطف غاية التلطف من غير أن يأخذ منه مصانعة، ولا قبل له بذلا، ولا حسّن للسلطان إبقاءه، وقال للسلطان: هذا مطّلع على أموال بيبرس ومتاجره، وهى كثيرة ببلاد الفرنج وغيرها، ومتى مات ضاعت على السلطان، فلم يزل يتلطف إلى أن رسم السلطان بالإفراج عنه، ورسم له أن ينظر الخاصّ بالوجه القبلى وهو الخاصّ الذى كان لبيبرس فى زمن إمرته، وأقرّ له فى السلطنة، فسأل كريم الدين المذكور شهاب الدين أحمد بن (على بن) [١] عبادة- وكيل الخاص الشريف السلطانى- أن يكون وكيله فيما يختص بنفسه، فأجابه إلى ذلك ووكّله، وكان يتردد إلى خدمته فى كل يوم، ويسلك معه من الآداب ما لا مزيد عليه، ولا يخرج عن أمره، وهو مع هذا يجتمع بالمماليك السلطانية، ويتقرب إليهم بالهدايا والألطاف، ويبذل لهم الرغبات، فرسم له بنظر ديوان الملك المنصور «علاء الدين على» [٢] ولد السلطان.
ثم مرض شهاب الدين أحمد بن عبادة ومات فى سنة عشر وسبعماية، فتكلم الأمراء المماليك السلطانية مع السلطان فى أمره، فوكّله وجعله ناظر خواصّه على عادة شهاب الدين بن عبادة، وذلك فى جمادى الأولى سنة عشر وسبعماية، فباشر هذه الوظيفة، وخدم الأمراء، وبالغ فى ذلك، وأفرد السلطان لخاصّة ثغر الإسكندرية، فاستقل كريم الدين بمباشرته، وانفرد به دون وزير الدولة وغيره، وأخذ من السلطان مالا للمتجر، فحصل منه فوايد كثيرة، وأخذ أمره فى/ (٤٣) التّمكّن، وانتمى إلى الأمير سيف الدين طغاى الحسامى [٣] الناصرى، فكان يحمل إليه الألطاف والتحف، ويبالغ فى خدمته، وهو يقربّه من
стр. 12889
السلطان، ويشكره، ويذكر محاسنه، واحتفاله بالمصالح، وحسن مباشرته، فتمكن بذلك عند السلطان، وظهر اسمه وعلت رتبته، فعلم أنه لا يستقيم له ما يرومه، ويحصل تمكنه على ما فى نفسه مع بقاء الوزير، فتلطف إلى أن كان من عزل الصاحب أمين الدين ما ذكرناه، وحسّن للسلطان اختصار الوزارة، وأنّ السلطان يشاور فى جميع الأمور، ويتصرف فيها عن أمره، ويطّلع على أحوال دولته، ما قرب منها وما بعد، فوقع ذلك من السلطان بموقع، ووافق عليه، واختصرت الوزارة، وأضاف السلطان إلى كريم الدين ما كان بيد الصاحب أمين الدين من نظر البيمارستان المنصورى والقبة والمدرسة، ومكتب السّبيل، وأوقاف ذلك، فعندها استقل كريم الدين بالأمر، وأظهر القوة برفق، ولم يزل أمره يأخذ فى الازدياد والظهور والتقدم وعلو الشأن، وهو مع ذلك يراجع الأمير سيف الدين طغاى؛ ويتردد إليه، ولا يخالف أمره، ثم مال إلى غيره من الأمراء المماليك السلطانية، ورأى فى نفسه أنه قد كبر على مراجعة طغاى أو غيره، فظهر ذلك لطغاى، فتنكر له، وغضب لميل كريم الدين إلى غيره، فأعمل كريم الدين الحيلة والتلطف إلى أن كان من إخراج طغاى إلى نيابة صفد والقبض عليه ما قدّمنا ذكره، فلم يبق له عند ذلك منازع ولا مشارك فى الكلمة، ومال السلطان إليه ميلا عظيما، وقرب منه قربا ما قربه منه أحد، ولا سمع بمثله، حتى ولا ما بلغنا عن الرشيد والبرامكة ما لو شرحناه لطال، وزاده السلطان فى التشاريف، فكان يخلع عليه أولا «كنجى» (٤٤) مطلق ثم خلع عليه «كنجى» منقوشا ثم رفعه عن هذه الرتبة فخلع عليه أطلسا معدنيا أبيض، وتحتانية أطلس أخضر بطرززركش على الفرجتين، ولم يخلع مثل ذلك على متعمّم قبله، ولا على نائب سلطنة، وبلغنى أنه رسم له أن يلبس فى خلعته الشاش المثمر الذى لا يخلع إلا على صاحب حماة، وهو شاش سكندرى مقفّص بحواش زرق بقبضات ذهب مصرى، فاستعفى من ذلك.
ثم فوّض السلطان إليه بعد ذلك جميع ما بيده من التصرّف فى الأموال والولايات، والبيع والابتياع والنكاح والعتق وغير ذلك، أقامه فى جميع ذلك مقام نفسه، وقال السلطان فى مجلس عام: «فوّضت إليه ما هو مفوّض إلىّ» .
стр. 12890
وزاد معلومه المقرّر له على الدولة، فقرر له ما لم نعلم أنه قرّر لمتعمّم قبله، وكان يستدعى من الحوايج خاناه والمطبخ السلطانى ما يحتاج إليه من الطارى، فيحمل إليه من غير استئذان أحد، وأضاف السلطان إليه النظر على أوقاف الجامع الطولونى عوضا عن قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة الشافعى، وكان قاضى القضاة يلى ذلك بشرط الواقف، فانتزعه منه، وفوضه إلى كريم الدين، فباشره أحسن مباشرة، وحصل له من السعادة فى مباشرته أنه كان إذا اختلت جهة من الجهات ففوضت إليه صلح أمرها، وتميّزت أموالها، وصار هو الآمر فى الدولة مصرا وشآما، وكان أمره يصدر لفظا لا خطا، ولا يراجع إذا أمر بولاية أو عزل أو طلاق أو منع أو زيادة أو توفير، فكان يرسل إلى القاضى علاء الدين [١] على بن الأثير صاحب ديوان الإنشاء أن يوقع بكذا، أو يكتب بكذا، فيفعل ذلك من غير مراجعة ولا توقف على استئذان السلطان، بل يكتب لوقته ما يأمر به، ويكتب فى آخر/ (٤٥) المرسوم أو التوقيع حسب الأمر الشريف، فتصرّف كريم الدين فى أموال المملكة وولاياتها ووظايفها بلفظه، فكان ساير أرباب الوظايف يتصرفون عن أمره.
ولقد انتهى أمره فى التعاظم إلى أن حضر الأمير علاء الدين الطنبغا [٢] ، نائب السلطنة بحلب إلى الأبواب السلطانية فى سنة اثنتين وعشرين وسبعماية، وركب فى خدمة كريم الدين إلى داره، فلما قرب من الدار ترجل عن فرسه ومشى وكريم الدين راكب ما تغير عن حاله إلى أن انتهى إلى المكان الذى عادته أن يركب منه وينزل فيه، وانتهى تمكنه إلى أن ركب السلطان إلى داره، مرارا، فركب مرة إلى تربته بالقرافة، ونزل ودخل الخانقاه التى أنشأها كريم الدين بها، وأكل طعامه فيها، وركب مرة ثانية إلى داره التى أنشأها ببركة الفيل، ووقف السلطان بنفسه، وقسّمها المهندسون بحضوره، والسلطان يشاركهم فى الهندسة والقسمة.
стр. 12891
ولقد مرض قبل أن يأمر السلطان بالقبض عليه بأيام، فأظهر السلطان عليه من القلق والألم ما لا مزيد عليه، وكان يرسل إليه فى كل يوم جماعة من مماليكه الأمراء الخاصّكية يسألون عنه، ويعودون إلى السلطان بخبره، ثم يرسل آخرين بعدهم، هذا دأبه فى طول نهاره، وأرسل إليه جملة من المال يتصدق بها فى مرضه. ولما عوفى زينت له القاهرة أحسن زينة، كما تزين للفتوحات الجليلة، ولعود السلطان من الغزوات المنصورة عند هزيمة أعدائه، وبات الناس بالأسواق، ونصب فى بعض الجهات أبراج من الخشب، ولبست الأطلس، والذهب وغيره، وكانت الملاهى فى عدة مواضع من القاهرة بالأسواق أياما، وبظاهر القبة المنصورية، وفعل مثل ذلك/ (٤٦ فى مرضه عند عافيته فى غير هذه المرة، وإنما كانت أكثرها احتفالا المرة الأخيرة.
ولما عوفى من المرضة الأخيرة أمر أن يتصدّق بقمصان بالبيمارستان من وقفه، فاجتمع الفقراء لذلك، وازدحموا قبل وصوله إلى البيمارستان، فمات منهم من شدة الازدحام ثلاثة عشر إنسانا من الرجال والنساء، وتأخر عن الحضور فى ذلك اليوم. هذه حاله فى أمر الدولة والتمكّن منها، والقرب من السلطان، ونفوذ الكلمة.
وأما حاله فى نفسه وأمواله ومتاجره، فإنه اتسعت أمواله ونمت، وكثرت أملاكه، وتضاعفت متاجره، إلى أن منع التجار أن يتّجروا فى صنف من الأصناف إلا أن يبتاعوه من حواصله بما يختاره من الثمن، واحتكر الأصناف قليلها وكثيرها حتى حبال القنب للورّاقات وقصب الغاب، وقش الحصر، وما بين ذلك إلى المسك والعنبر والعود، وماء الورد، وساير الأصناف، لا يستثنى منها شيئا؛ وكان فى كل مدة ينادى بجمع التجار إلى داره واصطبله لحضور حلقة البيع، فتغلق الأسواق، ويحضر الناس على اختلاف طبقاتهم، فيخرج الأصناف من الأقمشة وغيرها، فيبيعها عليهم بما يختاره هو أو أتباعه، لا يقدر أحد منهم على الامتناع.
стр. 12892
فلما كثرت الشّناعة فى ذلك صار يجمع الناس ويخرج إليهم من القماش الكمخا والصوف والنّصافى [١] وغير ذلك، فينادى منه على خمسة قطع أو عشرة من أجوده، ويقول للتجار: اشتروا بالقيمة، فينتهى إلى قيمتها/ (٤٧) ثم ترفع إلى حاصله، ويخرج من جنسها ما يساوى أقل من نصف قيمتها، فيعطاه الناس بما انتهت إليه قيمة الجيّد منه، ويفرق عليهم، فكان الذى يأخذه الناس لا يقوم لهم بنصف الثمن الذى يعطونه، ومنه ما لا يحفظ الثلث- وحكى لى بعض من أثق به من التجار العدول كثيرا من ذلك- ثم يستخرج الثمن منهم بأشد طلب وأعنفه، فتضرّر الناس لذلك، وانكسر جماعة منهم، وغلّقوا دكاكينهم، ومنهم من تسحب.
ثم خرج عن هذا الحد إلى تعطيل الأحكام الشرعية، والعمل بغير حكم الله تعالى وسنة رسوله ﷺ ، فكان يخرج ما لا فى بعض الأوقات إذا برض [٢] ، ويرسم أن يصالح أرباب الديون على مالهم فى ذمة من اعتقلوه، ويفرج عنهم، فيطلب المعتقل ومن اعتقله، ويسأل رب الدين عن دينه، ويلزم باحضار وثيقته، فإن اعتذر عن إحضارها رسم عليه حتى يحضرها، فإذا أحضرها أخذت منه، وأمر أن يصرف له عشر مبلغها، أو أقل منه، أو أكثر بيسير، فإن رضى بذلك وإلا قطعت وثيقته، وأفرج عن المعتقل، ويرسم فى بعض الأوقات على بعض أرباب الديون حتى يشهدوا عليهم ببراءة غرمائهم فإذا تكامل ذلك أمر كريم الدين أن تغلق أبواب السجون الحكمية، ويمنع نواب الحكام من سماع الدعاوى فى الديون الشرعية، فتعطلت الأحكام الشرعية، وتضرر الناس، وكان هذا الفعل من أشد ما فعله، ولا يتجاسر أحد أن يذكر ذلك له، ولا يعيبه عليه، حتى صار المنكر لذلك ينكره بقلبه، وهو أضعف الإيمان.
وكان كثير من المرائين يحسنون/ (٤٨) له فعله، ويشكرونه عليه، ويدعون له، فحصل للناس التضرر التام، حتى كادت المعاملات أن تنقطع من بين الناس.
стр. 12893
وعمل نوابه مع بعض من اعتنوا به من التجار عكس هذا، فكان بعض التجار يبيع السلعة الكاسدة على بعض المضرورين من التجار وغيرهم إلى الأجل الطويل، فيرغبون فى ابتياعها لطول المدة، ويرجون بذلك أن يتسببوا فيها لصلاح أحوالهم، ويشترونها بمثلى القيمة، فإذا استقر البيع، وتسلم المشترى السلعة، وأشهد على نفسه بالثمن أحال التاجر البائع إلى ديوان كريم الدين بالثمن، فيطلب المشترى، ويرسم عليه، ويستخرج الثمن بالضرب والاعتقال، ولا يحملون فيه على حكم الشرع، ولا يستنكف نوابه من ذلك ولا يتحاشون، فتضرر الناس من هذا الوجه أيضا، حتى كان منهم من يبيع السلعة بعينها بنصف ما ابتاعها به من الثمن، ويعطيه، ويكلف ما بقى، فيستدينه ويعطيه.
وأما غير ذلك من حال كريم الدين فإنه كان قد تعاظم فى نفسه، فيخلع الخلع السنية أشرف من خلع السلطان، فكان السلطان إذا خلع على أحد ملونا خلع كريم الدين مصمتا، وإن خلع مصمتا خلع هو طردوحش، وإن خلع طردوحش خلع طردوحش مقصّبا، وإن خلع السلطان مقصّبا خلع الأطلس المعدنى بالطرز الزركشى، وأنعم بالحوايص الذهب والكلّوتات الزركشى وغير ذلك، وإذا خلع على من يخلع السلطان عليه الأطلس/ (٤٩) بطرز الزركش خلع عليه المزركش المكلّل باللّؤلؤ والمرصّع بالجوهر، وأنعم عليه بالخيول المسوّمة، وبغالى الأقمشة وغير ذلك، وإذا أنعم السلطان بمال أنعم بأضعافه، فكان ذلك مما حقده السلطان عليه، وذكره من عيوبه، وتعاطيه ما لا يصلح.
وكان مما فعله أنه جعل لنفسه بيوتات نحو بيوت السلطان من شرابخاناه، وطست خاناه، وفراش خاناه وغير ذلك، وفى كل بيت منها من الآلات المناسبة له ما لا يكون مثله إلا عند أكابر الملوك، ثم أخذ لنفسه أخيرا بما يفعله الملوك، فكان يمدّ سماطه وأمامه أستاذ الدار، ومقدم المماليك، والجاشنكير، والمشرف، ويأكل من ذلك الطعام من حضر من الأكابر وغيرهم، وهو بارز عنه لا يأكل منه شيئا، فإذا رفع ذلك السماط استدعى الطارى بعد ذلك فيأكل منه، وكان فى ليالى شهر رمضان سنة اثنتين وعشرين وسبعماية يمد بين يديه
стр. 12894
السماط الذى لا يمد لنائب سلطنة مثله، ويتقدمه المشروب، ويأكل من حضر السماط من الأعيان وغيرهم، فيأكلون بعد المشروب، ثم تمدّ الحلوى بعد السماط، وهو جالس على مرتبته لا يأكل من ذلك شيئا، ثم يؤذن للناس فى الانصراف، ويمد له طعام الطارى فيأكل منه، وبلغنى أنه كان يفعل ذلك فى أسفاره إلى الشام وغيره، وكانت رواتبه وافرة لم يكن لنائب سلطنة نظيرها، وعطاياه وصلاته وإنعامه وتشاريفه متواصلة بمن يتعلق بالسلطان من خواصه وأمرائه/ (٥٠) ومماليكه وغلمانه، لا ينقضى يوم إلا وقد أنعم فيه بالجمل الكثيرة.
وكان الذى أعانه على ذلك أنه تخوّل [١] فى أموال الدولة، واتسع جاهه، وكثرت متاجره، وتقرب الناس إليه ببذل فوائد المتاجر، وضايق الناس فيما بأيديهم حتى كان يرسل كل سنة إلى تجّار الكارم- عند وصولهم من اليمن إلى ثغر عيذاب- من يأخذ منهم جملة من الفلفل بأقل من قيمته بعدن، ويلزمهم بحمله والقيام بما عليه من الحقوق والمكوس [٢] إلى أن يصل إلى ساحل مصر، ويقبض منهم، فإذا وصل تجّار الكارم إلى ثغر الإسكندرية لا يمكنون من البيع على تجار الفرنج إلا بعد بيع ما عنده، وحواصله كثيرة جدا فأضر ذلك بالتجار من الكارمية والفرنج حتى لو استمرت ولايته لأدت إلى انقطاع الواصل عن الديار المصرية، وكانت له عدة معاصر أقصاب، ودواليب [٣] بالوجه القبلى والبحرى، بحيث أنه لا يخلو إقليم من أقاليم الديار المصرية، ولا بلد كبير إلا وله فيه تعلق من دواليب أقصاب وبساتين، أو زراعة أو متجر أو مسلف أو معاملة أو مخرج على صنف من الأصناف التى تكون بذلك البلد.
ولما عزله السلطان أمر بإبطال هذه المتاجر، ومكن الناس من ابتياع الأصناف وبيعها، ورفع عنهم الحجر فى ذلك، فاستبشر الناس بذلك، وانبسطت
стр. 12895
آمالهم، وطابت نفوسهم، وتحقّقوا عدل السلطان، وانحلت أسعار الأصناف التى كان يحتكرها، فتضاعفت الأدعية بدوام دولة السلطان، وعلموا أن تلك الأفعال الشنيعة لم تكن عن أمر السلطان، ولا برضاه، وقد كان يوهم الناس ويصرح/ (٥١) لبعضهم أنه لولا ما يفعله من إرضاء السلطان بما يحصل له من فايدة المتاجر والدواليب، وسدّ ما يحتاج إليه السلطان بتدبيره كان السلطان قد استصفى ما فى أيدى الناس من الأموال، فعلم الناس الآن أن الأمر ليس كذلك، فرجوا من الله تعالى دوام الخير، وزيادة العدل والإنصاف.
ولما عزله السلطان فوّض ما كان بيده لمن نذكر: فوّض نظر خواصّه ووكالته للقاضى تاج الدين أبى إسحاق إبراهيم وكان قبل ذلك يلى نظر الدواوين بالديار المصرية، وفوّض النظر على البيمارستان المنصورى والقبّة والمدرسة ومكتب السبيل وأوقاف ذلك للأمير جمال الدين آقش الأشرفى، وهو رأس الميمنة، وفوّض نظر الجامع الطولونى وأوقافه للأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح.
ذكر تفويض الوزارة للصاحب الوزير أمين الدين عبد الله «وهى الوزارة الثانية له» [١]
قد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا أن الصاحب الوزير أمين الدين عبد الله بعد عزله من الوزارة فى سنة ثلاث عشرة وسبعماية فوض إليه نظر النظار والصحبة، ثم عزل عن ذلك، ولزم داره، ثم رسم له بنظر المملكة الطرابلسية، ورتّب له على هذه الوظيفة نظير معلومه الذى كان له على وظيفة نظر النظار
стр. 12896
بالديار المصرية، فتوجه إليها كارها فى سادس عشر صفر سنة ثمانى عشرة وسبعماية، وأقام بها إلى أن سأل أن يفسح له فى التوجه إلى الحجاز الشريف، فأذن له فى/ (٥٢) ذلك، فحج ولم يعد إليها، واستعفى من المباشرة، فرسم له بالإقامة بالقدس الشريف، فأقام هناك، ورتّب له على سبيل الراتب فى كل شهر ثمانمائة درهم وثمانية غراير [١] ، فلم يزل بالقدس الشريف إلى أن قبض على كريم الدين كما تقدم، فرسم السلطان بطلبه إلى الأبواب العلية، وكتب بذلك إلى نائب السلطنة الشريفة بالشام على يد الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، فتوجه إلى دمشق، وأرسل إليه البريد منها، فحضر إلى الأبواب السلطانية.
وكان وصوله فى بكرة نهار الأحد الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وعشرين وسبعماية، فمثل بين يدى المقام الشريف، فأقبل عليه غاية الإقبال، والبسه تشريفا، ونزل إلى داره، فلم يستقر به الجلوس حتى طلبه ثانيا، ففوض إليه الوزارة، وأنعم عليه بالدواة والبغلة، وأقام بالقلعة إلى عشية النهار ينفّذ الأشغال، ثم ركب منها إلى داره واجتمع الناس ببابه، وامتلأت الأزقة والشوارع والرحبة التى أمام الدار على سعتها، وازدحموا حتى كاد يعجز عن الوصول إلى باب داره والدخول إليها إلا بجهد كبير.
وأصبح فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، وركب فى موكب الوزارة، وجلس بدار العدل الشريف مع السلطان إلى أن انقضى المجلس، وقام إلى قاعة الوزارة، وفتح له الشبّاك بها، وكان قد أغلق بعد عزله عن الوزارة، فلم يفتح إلا فى هذا اليوم، فجلس فيه، وأظهر الإحسان إلى الناس، ونشر فيهم العدل، ووعدهم عن نفسه وعن السلطان بكل جميل، فسر الناس بمقدمه، وازدحموا عليه حتى منعوه من تنفيذ أشغال الدولة، فكانت قلعة الجبل تغص بالناس من أرباب/ (٥٣) الأشغال والوظايف والبطّالين والمتفرّجين، إلى أن رسم بمنع كثير من العوام من طلوع القلعة، وأقام على ذلك أياما حتى خف الناس، ولما ركب إلى مصر فى يوم الثلاثاء السادس والعشرين من الشهر تلقاه الناس بالفرح والسرور والدعاء له، وازدحموا عليه فيما بين مصر والقاهرة، حتى امتلأت بهم الطرق.
стр. 12897
ولما استقر فى الوزارة رسم للقاضى شرف الدين عبد الهادى [١] بن زنبور مستوفى الصحبة أن يكون ناظر النظار والصحبة، رفيقا للقاضى موفق الدين [٢] ، ورتب فى استيفاء الصحبة القاضى شمس الدين بن قروينة [٣] وهو صهر الصاحب أمين الدين على ابنته، وأحضر الصاحب جماعة من أصحاب كريم الدين وألزامه، فصادرهم بمال حمل من جهتهم إلى بيت المال، وكان فى الطلب لين، ثم أفرج عنهم فى أثناء جمادى الآخرة.
ذكر القبض على كريم الدين الصغير [٤] «وشىء من أخباره»
كان كريم الدين هذا يخدم الأمراء الأصاغر، وكان ممن خدمه الأمير علاء الدين أيدغدى التليلى أستاذ دار الأمير شمس الدين سنقر الأشقر، وهو من أمراء الأربعين، ثم توصل إلى أن باشر من جملة عمال الجيش بالديار المصرية، فلما قوى أمر كريم الدين- وهو من أقاربه- نقله من عمالة الجيش إلى نظر النظار والصحبة ليس بين ذلك وظيفة أخرى، فباشر مدة، ثم عزل عن نظر النظار خاصة، ثم أعيد إلى/ (٥٤) الوظيفة ثانيا كما تقدم، فلما باشر عسف بالناس وظلمهم، واستخف بالأكابر، وشدّد على المباشرين والتجار والرعايا، وعاقب بين يديه، واقترح نوعا من العقوبة سماه «المقترح» ، وبسط يده ولسانه فى أبشار الناس وأعراضهم حتى ضاقوا بذلك ذرعا، وبلغت منهم القلوب الحناجر، وهو لا يزداد إلا تماديا، واستخفافا بخلق الله تعالى، ثم ترقّى عن ذلك إلى الاستخفاف بأمراء الدولة الأكابر مقدّمى الألوف، وتزايد ظلمه وتفاحش، وضرب جماعة بين يديه حتى ماتوا، وكان إذا علم أنه يشتكى إلى السلطان من أمر من الأمور بادر بالدخول إلى السلطان، وأنهى إليه أنه فعل
стр. 12898
كذا وكذا مما يعود نفعه على الدولة، وأن الناس قد كرهوه وربما شكوه، وأنه لا غرض له إلا فى مصلحة السلطان، ويقرر معه ذلك، فإذا اشتكى للسلطان لا يسمع فيه شكوى، ولا يلتفت إلى قول قائل، ويقرر فى ذهن السلطان أنه أنصح الناس له، وأن سائر الناس كرهوه بسبب نصحه للسلطان، وتحصيل أمواله، فبقى لا يسمع فيه شكوى، فكف الناس عن شكواه.
فلما قبض السلطان على كريم الدين الكبير، استمر هذا على وظيفته فى النظر إلى آخر يوم الأحد السابع عشر من شهر ربيع الآخر، فرتبه السلطان فى صحابة ديوان الجيوش المنصورة عوضا عن القاضى معين الدين هبة الله بن حشيش [١] ، وخلع عليه على عادة من تقدمه، وباشر الوظيفة فى يوم الاثنين الثامن عشر من الشهر، وأعيد القاضى معين الدين إلى نظر الجيوش بالشام عوضا عن قطب الدين/ (٥٥) بن شيخ السلامية، واستمر كريم الدين فى هذه الوظيفة، وهو مع ذلك يكتب على عادته فى نظر الدواوين، وينفذ الأشغال إلى أن حضر الصاحب أمين الدين وفوضت إليه الوزارة، فمنع من ذلك، واستمر فى صحابة ديوان الجيوش، والناس فى أشد ألم بسبب سلامته.
فلما كان فى يوم السبت سلخ ربيع الآخر أمر السلطان بالقبض عليه، فقبض عليه هو وولده سيف الدين، وألزم بالحمل، واعتقل بالبرج بباب القرافة، ولو تمكن الناس منه أو ظهر لهم قتلوه، وكان ولده سيف الدين يخرج فى الترسيم ويركب حمارا، ويبيع قماش أبيه، ويحمل الثمن عنه، وأبيعت أملاكه، ثم سأل أن يحمل أربعماية ألف درهم، ويتصدق السلطان عليه بالإفراج عنه، فأجيب إلى ذلك، ثم نقل من البرج إلى القرافة، فأقام هناك بتربة الأمير سيف الدين طقتمر [٢] الدمشقى، بجوار تربة كريم الدين الوكيل، واستمر على ذلك إلى أن رسم بتوجهه إلى مباشرة نظر المملكة الصّفدية، فتوجه إلى ذلك فى يوم السبت الثانى عشر من جمادى الآخرة من السنة، وخرج من القرافة ليلا خوفا
стр. 12899
على نفسه أن يقتل، وضمن على ولده «سعد الدين فرج الله» أن يبيع بقية أملاك والده، ويحمل عنها ليكمّل ما قرّر على أبيه، ولم يكن طلبه شديدا على العادة فى مثل ذلك إذا طولب أمثاله بحمل الأموال.
واستمر بصفد إلى أن رسم بإحضاره منها عند ما أحضر كريم الدين الوكيل من القدس، فعزل منها فى شهر ربيع الأول سنة أربع وعشرين، وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس العاشر/ (٥٦) من شهر ربيع الآخر منها، وعند وصوله اعتقل بالبرج بباب القرافة بقلعة الجبل، وطولب بحمل المال، فحمل من جهته ماية ألف درهم، وأفرج عنه فى يوم السبت السادس والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة، وكان من أمره بعد ذلك ما نذكره إن شاء الله تعالى [١] .
ذكر وصول رسل متملك الأرمن إلى الأبواب السلطانية
وفى سنة ثلاث وعشرين وسبعماية فى العشر الاخر من جمادى الأولى وصل رسل متملّك الأرمن إلى الأبواب السلطانية، وفيهم الخليفة عليهم بزعمهم، وأم الملك، وجماعة من أكابرهم يسألون مراحم السلطان فى الكفّ عنهم، وأن يحملوا إلى الخزانة السلطانية قطيعة [٢] فى كل سنة ألف ألف درهم ومائتى ألف درهم، وما جرت به العادة من البغال المساقة إلى الإسطبلات، والنعال الحديد، وغير ذلك من التقادم، وسألوا أن يأذن لهم فى عمارة ثغر آياس، وأن يكون ما يتحصّل منه مناصفة بين السلطان وبينهم، فامتنع السلطان من إجابتهم إلى المناصفة إلا أن يبذلوا عن الثغر فى كل سنة ثمانمائة ألف درهم لتكملة ألفى ألف درهم.
ثم وصلت رسل الملك أبى سعيد ملك التتار، وكان فى جملة رسالتهم سؤال السلطان فى أمرهم [٣] ، والشفاعة فيهم، فاستقر حالهم على حمل القطيعة المذكورة، ولم تحصل الموافقة على عمارة ثغر آياس، وأعيدوا إلى بلادهم.
стр. 12900
(٥٧) ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان وغير ذلك، وكان وصولهم إلى قلعة الجبل فى يوم الاثنين الرابع عشر من جمادى الآخرة، ومثلوا بين يدى المقام الشريف فى هذا اليوم، وكانوا ثلاثة، المشار إليه منهم من مقدمى التّوامين [١] .
ولما وصل هذا الرسول إلى حلب، أظهر كبرا عظيما، وحمقا زائدا، فتلطف الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة بحلب به، وأكرمه وعامله بنهاية الإكرام والاحترام والأدب، فتمادى على حمقه، ولما وصل إلى حمص تلقاه نائبها، فمد يده إلى النايب ليقبلها، واتصلت هذه الأخبار بالأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام المحروس، فأرسل للقائه الأمير سيف الدين جوبان أحد الأمراء المقدّمين، فلما قدم على الرسول لم يكرمه، ولم يقم له، بل مد إليه يده ليقبلها، فصرف الأمير جوبان يده، وولّى ولم يسلم عليه.
ولما قرب الرسول من دمشق المحروسة أمر نائب السلطنة بها العسكر الشامى بالركوب فى أتم زينة، فركبوا بالكلاوت الزّركش والطّرز الزركش والخيول المسوّمة، والعدد المذهبة والمزركشة، والكنابيش الحرير المذهبة، وخرجوا فى أحسن زى وأجمله، وأمرهم أن يقفوا سماطين [٢] من القابون [٣] إلى باب دار السعادة، وهى سكن نائب السلطنة، ففعلوا ذلك وما ركب نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز للقائه، ولا خرج من دار السعادة، ولما حضر الرسول قدم بين يدى/ (٥٨) نائب السلطنة، وقد حفت به الحجاب، فلم يتحرك له ولا نظر إليه كل النظر، وأوقف بين يديه، فسأله عن جوبان نائب الملك أبى سعيد، وعن الأمراء، فأجابه الرسول أنهم فى عافية، ثم أمر بإخراجه ليستريح، فأخرج، وأنزل بالميدان فى جتر [٤] أمر بنصبه له، فلما صار الرسول بالدّهليز سأل العود إلى نائب السلطنة فاستؤذن على ذلك، فلم يؤذن له،
стр. 12901
فأرسل الرسول إليه يقول: أنا إنما أتيت من قبل الملك، ولم أجىء من قبل جوبان النائب، ولا الأمراء، فكيف سألنى نائب السلطان عنهم، ولم يسألنى عن الملك؟
فأجابه الأمير سيف الدين (تنكز) بقوله: أنا نائب سلطنة لا أسأل إلا عن نائب سلطنة مثلى أو أمير، وأما الملك فإنما يسأل عنه السلطان خلّد الله ملكه، ثم أرسل إليه يعنّفه على ما صدر منه من الحمق والترفع على الأمير الذى سيره للقائه، وقال: «إن ما وراء الفرات من البلاد الحادثة فى مملكتكم هى بلاد كفر ونفاق وخوارج، وأما ما وراء الفرات مما يلى الشام فهى بلاد إسلام، ومساكن أنبياء، ومقر العبّاد والصّلحاء والعلماء والفقهاء، فينبغى لمن يحضر إليها أن يتأدب بأدب الله تعالى» ، فاستعظم الرسول نائب السلطنة بالشام، وتهذبت أخلاقه وتأدب بعد ذلك مع من يصل إليه، ثم أمره بالمسير إلى الأبواب السلطانية، فتوجه وطالع نائب السلطنة السلطان بصورة الحال، فشكر فعله.
ولما وصل الرسل إلى الأبواب السلطانية، ومثلوا بين يدى السلطان أحسن إليهم وأكرمهم، وأجلسهم فى مجلسه، وأدوا الرسالة، فكان مضمونها طلب الصلح، والحلف على ذلك، فحلف لهم السلطان/ (٥٩) .
وكان الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى لما توجه فى الرسالة إلى الملك أبى سعيد حلفه أيضا على انتظام الصلح، وإطفاء نايرة الحرب، وكف الغارات من الجهتين، وأحضر الرسل معهم هدية من جهة الملك إلى السلطان حياصتين وقماشا، فقبل السلطان تقدمتهم، وذكروا أن التقادم واصلة صحبة تاجر الملك أبى سعيد، فأقبل السلطان عليهم، وأنزلهم برواق بدار النيابة بقلعة الجبل، ورتب لهم الرواتب الوافرة من المأكل والحلويات والفواكه وأنواع الأشربة المباحة وغير ذلك، ثم أحضرهم يوم الخميس وخلع عليهم؛ فخلع على المشار إليه منهم أطلسا معدنيا بطرززركش، وحياصة وكلّوتة وسيفا محلى بالذهب، وخلع على الاثنين [الآخرين] طردوحش مقصبا بذهب وحوايص وكلّوتات، وخلع على من معهم من الأتباع والكبلجية والغلمان ما يناسبهم.
ولما كان فى يوم السبت تاسع عشر جمادى الآخرة أمر السلطان بركوبهم بين يديه إلى الميدان، وأنعم عليهم بثلاثة أرؤس خيل، فركبوا فى خدمته
стр. 12902
وشاهدوا مواكبه العظيمة، فرأوا ما لم يروا مثله، ثم أحضرهم السلطان فى يوم الاثنين الحادى والعشرين من الشهر، وخلع عليهم ثانيا نظير تلك الخلع، وأجابهم عن رسالتهم، وأنعم عليهم بالأموال الكثيرة، وأحسن إليهم غاية الإحسان.
وكان فى جملة رسالتهم سؤال السلطان أن يزوج ابنته من ابن الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد، فاعتذر السلطان عن ذلك بصغرها، وقال: إن هذه عمرها خمس سنين، وإذا صلحت للتزويج أجبنا سؤالكم إن شاء الله تعالى، وأعادهم مكرمين، فكان توجههم من قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء/ (٦٠) الثانى والعشرين من الشهر، وتوجه معهم الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى حتى أوصلهم إلى غزة، هذا ما كان من خبرهم.
ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى بلاد النوبة
وفى هذه السنة- فى شوال منها- أمر السلطان بتجريد طائفة من العسكر المنصور المصرى إلى بلاد النوبة، فجرد ثلاثة من الأمراء [١] وهم: سيف الدين طقصبا [٢] الناصرى الحسامى، وهو المقدم على العسكر، وعلاء الدين على بن قرا [٣] سنقر المنصورى، وعز الدين أيدمر الكبكى [٤] ، وجرّد جماعة من المماليك السلطانية، ومن الحلق، ومن أجناد الأمراء، من كل أمير ماية جنديان، ومن كل أمير طبلخاناه جندى، فبلغت عدتهم نحو خمسماية فارس، وكان خروجهم من القاهرة فى مستهل ذى الحجة.
стр. 12903
وسبب تجريد هذا العسكر أن كنز الدولة بن شجاع الدين نصر بن فخر الدين مالك بن الكنز، لما تملك النوبة بعد وفاة خاله إبرام أخى كرنبس [١]- كما تقدم- واستقل بالملك، واتصل ذلك بالسلطان أفرج عن كرنبس، وجهزه إلى النوبة، وجرّد هذا العسكر لنصرته فتوجهوا، فلما قاربوا البلاد فارقها كنز الدولة، وتوجه وصحبته من انضم إليه من العربان، فتبعه العسكر إلى الأبواب، فلم يظفروا به، فلما حصل أمانهم منه، عادوا إلى دنقلة [٢] ، وملكوا كرنبس بها، وعاد العسكر وتركه، ولما علم كنز الدولة بعود العسكر جمع العربان وعاد إلى دنقلة، وأخرج كرنبس منها، واستقل بملكها، ووصل كرنبس إلى ثغر أسوان، فرسم له بالمقام به، فأقام به إلى أواخر/ (٦١) سنة ست وعشرين وسبعمائة، وكان من أمره ما نذكره إن شاء الله تعالى.
وفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة أيضا، فى ليلة يسفر صباحها عن نهار الثلاثاء ثالث المحرم توفى الملك المجاهد أنس [٣] بن الملك العادل زين الدين كتبغا المنصورى الضرير بالقاهرة، ودفن بتربة والده بالقرافة، وقد جاوز خمسين سنة، وكانت زوجته ابنة الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحى] [٤] قد اشترت منه ما يخصه من الدار المعروفة بإنشاء والده بالقاهرة، وحصل بينها وبينه خصام قبل وفاته أوجب انتقالها عنه إلى دار الشريف بن ثعلب، وسكنتها بالأجرة، فلما مات حصل بينها وبين إخوته خصام، فباعت ما ملكته من الدار الزينية لوكيل زوجة السلطان طغاى أم ولده، واشترى الوكيل من بقية الورثة ما يخصهم من الدار بستمائة ألف وثلاثين ألف درهم، وأخرج أولاد العادل منها، وتفرقوا بالقاهرة، وسكنوا فى عدة مساكن بالأجرة.
стр. 12904
وتوفى الصدر الأمير نجم الدين محمد بن الشيخ فخر الدين عثمان بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم بن محمد بن عثمان البصروى [١] الحنفى، وكانت وفاته بمدينة بصرى [٢] فى يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان، ودفن بها، وهو من أبناء الخمسين، وكان قد تقدم واشتهر بتحصيل الخيول الجياد، وسياقتها إلى الأبواب السلطانية، وتقدمتها إلى أعيان الأمراء، فأوجب له ذلك التقدم، فولى نظر الحسبة بدمشق، ثم نظر الخزانة، ثم وزر بالشام، ثم سعى فى إقطاع فأنعم عليه بإمرة عشرة، وأقطع إقطاعا جيدا، وكان قبل ذلك مدرسا ببصرى، وكان يذكر بكرم رحمه الله تعالى/ (٦٢) .
وفى يوم الخميس الحادى والعشرين من شعبان توفيت [٣] بدمشق محمودة خاتون ابنة الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن [أيوب توفيت بدارها] [٤] وتعرف بدار كافور، وصلى عليها بجامع دمشق عقيب صلاة المغرب من ليلة الجمعة ودفنت بالمدرسة الصالحية داخل دمشق بتربة جدتها، وكانت جليلة، ولم تتزوج قط، ولم يكن فى بيت العادل من هو فى درجتها رحمها الله تعالى. نقلت وفاتها من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى.
واستهلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة بيوم الجمعة الموافق للثالث من طوبة من شهور القبط .
وفى يوم الأربعاء السادس من المحرم نودى بالقاهرة ومصر المحروستين أن يتعامل الناس بالفلوس حسابا عن كل رطل درهمين [٥] ، وكانت قبل ذلك
стр. 12905
/ بدرهمين ونصف، فجرت على ذلك، تضرب بدار الضرب فلوس جدد، زنة كل فلس منها أرجح من درهم [١] ، مكتوب على أحد وجهيه «لا إله إلا الله محمد رسول الله» ، وعلى الوجه الآخر- بدائرة- «السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين محمد» فى وسط حلقة مستديرة فى وسط الفلس، واستمر الأمر على ذلك إلى يوم الخميس الحادى عشر من شهر ربيع الأول من السنة، فرسم السلطان بإبطال المعاملة بالفلوس العتق جملة. ونودى بذلك، وأن من كان عنده شىء منها يحمله إلى دار الضرب ويتعوض عنه [٢] ، وأن يتعامل الناس بالفلوس الجدد الناصرية عددا وحسابا، عن كل درهم ثمانية وأربعين فلسا على ما كانت عليه قديما.
وإنما أوردنا ذكر الفلوس فى كل واقعة منها؛ لأن كل دفعة من/ (٦٣) إبطال المعاملة بها غرم الناس فيها الجمل الكثيرة من أموالهم، حتى اضمحلت أموال بعضهم، وكانت قد كثرت بالقاهرة عند أرباب الأموال ودواوين الأمراء، حتى اجتمع عند بعضهم منها مائة ألف درهم وأكثر من ذلك وأقل، وهى باقية محفوظة عند أكثر الناس يرجون أن يتعامل بها عددا.
ذكر وفاة الخوند أردكين ابنة نوكاى [٣] زوج السلطان الملك الناصر
كانت وفاتها فى يوم السبت عشية النهار الثالث والعشرين من المحرم من هذه السنة بدارها بالقاهرة، وكان السلطان قبل ذلك قد أخرجها من القلعة، وأنزلها بدارها التى بالقاهرة التى بحارة زويلة، وأجرى عليها فى كل شهر خمسة آلاف درهم ومائة وخمسين درهما، وفى كل يوم من اللحم والتوابل والفواكه والقلويات والسكر والحلوى والكساوى وغير ذلك ما تزيد قيمته فى كل شهر على خمسة عشر ألف درهم، ولما خرجت من القلعة شاع عند الخواص
стр. 12906
والعوام أن السلطان طلقها [١] ، إلا أن السلطان ما صرّح بطلاقها، فلما توفيت حضر أخوها الأمير جمال الدين خضر بن نوكية إلى دارها، وقصد عرض ما خلّفته، وطلب الجوارى المتسلمات قماشها ومالها، وتهددهن بالقتل إن عدم من مالها شىء، فبينا هو على ذلك إذ دخل الطواشى شجاع الدين عنبر أمير لا لا [٢] ، وزمام الأدر، وأنكر عليه فعله، وأخرجه من الدار، فتوجه إلى منزله،/ (٦٤) ولم يشهد جنازتها، ثم ورد مرسوم السلطان قبل دفنها- وكان السلطان يتصيد بأعمال الجيزية- بمنع الأمير جمال الدين أخوها [٣] من التعرض إلى تركتها والإنكار عليه، والاحتراز على الموجود وضبطه، وإقرار ما كان باسمها من المرتب على جواريها، وخدمها إلى أن يعود السلطان إلى القلعة.
ولما كان فى يوم الأحد مستهل صفر أرسل السلطان إلى أخيها المذكور مائة ألف درهم وعشرة آلاف درهم، ووقع الإشهاد عليه بالبراءة من جميع ما خلفته أخته من الأموال والمصوغ والأملاك وسائر الأصناف على اختلافها، وأشهد عليه أنه وصل إلى حقه من ذلك كله، وأبرأ ذمة السلطان.
وفى هذه السنة أمر السلطان بحفر خليج الذكر [٤] من فمه مما يلى نهر النيل إلى أن ينتهى إلى الخليج الحاكمى، فقسم ذلك على الأمراء، وحفر حفرا جيدا حتى نبع الماء فى بعضه، وأصرف [٥] الأمراء على هذا الحفر الحفير جملة كثيرة من أموالهم وكان الشروع فى الحفر فى العشر الأخر من جمادى الآخرة فلما فتح كادت القاهرة أن تغرق لكثرة المياه الجارية منه وحدتها، فاقتضى ذلك سد القنطرة التى عليه وكان قد بنى لها عضادتان [٦] مما يلى البحر؛
стр. 12907
ليدفعا عنها صدمة الماء، فتحامل الماء على القنطرة فاقتلعها، ولم يفد ما عضّدت به، ولم يحصل منه من الإفادة ما كان يظن به، فأمر السلطان بحفر خليج مستجد، على ما نذكره فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة.
ذكر خبر النيل فى هذه السنة
(٦٥) وفى سنة أربع وعشرين وفى النيل المبارك بمقياس مصر فى يوم الأربعاء تاسع شعبان الموافق للثامن من مسرى، وحصل التحليق والكسر فى يوم الخميس عاشر الشهر، ثم أخذ فى الزيادة على تدريج إلى أن انتهى إلى ثمانية عشر ذراعا وتسعة عشر أصبعا بمقياس مصر، ولم ينتهى [١] فى الزيادة فى هذا العصر إلى مثل هذه الغاية، فغرقت البساتين والأقصاب، وفاض الماء على الجروف حتى أخبرنى جماعة ممن حضر من الصعيد الأعلى أنهم سافروا من مدينة قوص إلى ساحل مصر لم يجدوا من السواحل ما يضرب فيه أوتاد المراكب إلا ساحل أخميم، وكوما بمنية بنى خصيب، وما عدا ذلك من السواحل فإن الماء طما عليها، وثبت الماء على ذلك زمنا، حتى خشى الناس من بقائه، ثم أخذ فى الهبوط عند الحاجة إلى نقصه، فانكشفت الأراضى، وزرع الناس، ولولا هذا الثبات- الذى كره الناس- كان قد شرق جملة من الأراضى مع وجود هذه الزيادة العظيمة، فإن سائر الجسور التى تحبس المياه تقطعت وخرج الماء منها، فلما حصل ثبات النيل بقى الماء على المزارع، حتى استوفت حقها من الرى، فسبحان اللطيف الخبير القادر [٢] .
وقد ذكرنا فى سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة- فى أيام الحافظ عبد المجيد [٣]- أن زيادة النيل انتهت إلى تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع
стр. 12908
بمقياس مصر، وبسبب هذه الزيادة العظيمة فى سنتنا هذه شرق [١] إقليم الفيّوم، لأن سكر [٢] النهر انقطع، وخرج الماء بجملته إلى البحيرة، فغرق ما حولها، وشرق ما سوى ذلك، واجتهد السلطان بعد ذلك فى إصلاح السّكر، وندب لذلك الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب/ (٦٦) كان- وهو من أكابر أمراء المشورة الذين يجلسون فى مجلس السلطان، فأصلحه وأتقنه إتقانا جيدا، فتدارك الناس بسبب إصلاحه زراعة الصيفى خاصة بإقليم الفيوم.
وفيها- فى شهر ربيع الآخر- وصلت رسل الملك أزبك [٣] متملك صراى [٤] والبلاد الشمالية إلى الأبواب السلطانية، ومثلوا بين يدى السلطان، وأحضروا ما معهم من الهدايا فقبلت، وشملهم الإنعام، وأعيدوا إلى مرسلهم بالهدايا صحبة رسل السلطان إليه.
وفيها وصل إلى الديار المصرية الملك موسى [٥] متملك بلاد التّكرور [٦] لقصد الحج، وتوجه إلى الحجاز الشريف، ورجع إلى بلاده فى سنة خمس وعشرين، وكان قد أحضر صحبته جملة كثيرة من الذهب، فأنفقها بجملتها وفرّقها، وتعوّض ببعضها قماشا، واحتاج إلى أن استدان جملة من التجار وغيرهم قبل سفره.
стр. 12909
ذكر عزل الصاحب أمين الدين عن الوزارة
وصرف من نذكر من ولاة المناصب [١] ، وتفويض الوزارة إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى وترتيب من نذكر.
وفى يوم الخميس الثامن من شهر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة عزل الصاحب أمين الدين عبد الله [٢] عن الوزارة، وسبب ذلك أنه لما فوّض إليه أمر الوزارة ألان جانبه للناس، وكفّ لسانه ويده عن أذاهم، وأخذ نفسه بالتأنى والسكون وعدم القلق، فطمع الناس، وقصر الولاة والمباشرون/ (٦٧) فى استخراج الأموال، وتحصيل الغلال، فانساق بعضها إلى الباقى، واتصل ذلك بالسلطان، فأجمع رأيه على عزله، وشاع ذلك بين الناس فى أوائل الشهر، فلما كان فى هذا اليوم رسم السلطان بانفصاله، وعامله حالة العزل بإحسان كثير، وذلك أنه رسم له فى يوم الخميس هذا تنفيذ الأشغال والكتابة على عادته إلى ما بعد صلاة العصر، ثم قام من مجلس الوزارة، وخرج وحجابه بين يديه، ومن جرت العادة بركوبه فى موكبه من أرباب المناصب، وركب والناس يدعون له، ويستبشرون ببقائه واستمراره، فلما وصل إلى داره بالقاهرة، واستقر بها خرج خادمه، وصرف من على بابه من الغلمان والمقدمين والسعاة وغيرهم، وأعلم من كان على الباب بانفصاله، ولم يستقر فى خدمته من غلمانه إلا من كان فى خدمته من قبل وزارته، وانقطع بداره ولم يركب/ فى يوم الجمعة إلى الجامع، ولا أذن لأحد فى الدخول عليه، ثم رسم السلطان ألا يتعرض إليه، وأقر باسمه ما كان قد رتب له عند انفصاله من طرابلس، وأذن له أن يتصرف ويركب فى مصالحه.
واستوزر السلطان بعده مملوكه الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى، وهو يومئذ أستاذ الدار العالية [٣] ، وأقره فى الوظيفتين، وخلع عليه فى يوم الجمعة
стр. 12910
التاسع من الشهر، وأمر السلطان بصرف ناظرى النظار، وهما: القاضى موفق الدين والقاضى شرف الدين بن زنبور [١] ، ورتب القاضى شهاب الدين بن سعد الدين الأقفاصى [٢] فى نظر الدواوين، وكان يلى نظر البيوت السلطانية، وخلع عليه بغير طرحه، وكتب إلى الشام بطلب القاضى شمس الدين غبريال [٣] ناظر الشام، فحضر على خيل البريد، وكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس/ (٦٨) الثانى والعشرين من الشهر فرتب ناظر النظار والصحبة، وخلع عليه.
ورتب كريم الدين عبد الكريم المعروف بالصغير فى نظر الشام عوضا عن شمس الدين غبريال [٤] ، وخلع عليه فى يوم السبت الرابع والعشرين من شهر [٥] رمضان، وتوجه من الشام على خيل البريد فى يوم السبت السادس [٦] عشر من شوال، فوصل إلى دمشق فى يوم السبت الثالث والعشرين من الشهر، وخلع عليه بدمشق أيضا فى يوم الأحد، وباشر الوظيفة.
وكان قد رسم بطلب الأمير علم الدين سنجر الحمصى- شادّ الدواوين بحلب- ليرتب فى شد الدواوين بالأبواب العالية، فحضر، وخلع عليه، ورتب فى وظيفة الشد، وحضر مع الوزير فى المجلس وشاركه فى الكلمة والتنفيذ، فرسم له ألا يتعدى عادة المشدين فى الجلوس على باب دار الوزارة، فامتنع من ذلك، فلما وصل القاضى شمس الدين من الشام رتب علم الدين المذكور فى ولاية الجيزية، وأظهر له أن الوظيفتين معه ورسم له أن يتوجه إلى الجيزية، ويحضر إلى القلعة فى يومى الخميس والاثنين، ويعود فى بقية النهار إلى
стр. 12911
الجيزية، وندب معه شهاب الدين الناظر، ثم رسم بعد ذلك أن يتوجه الأمير علم الدين المذكور إلى طرابلس على وظيفة [١] الشد بها، فتوجه وباشر الوظيفة المذكورة مدة يسيرة ثم عزل عنها.
وأما ناظرا النظار المنفصلان فإن القاضى شرف الدين بن زنبور لما أفصل من النظر، رتب فى نظر خزائن السلاح، وخلع عليه، ونقل ناظر خزائن السلاح- وهو القاضى علاء الدين بن القاضى برهان الدين البرلسى [٢]- إلى نظر بيت المال على عادته القديمة، وأعيد القاضى تاج الدين بن السكرى ناظر بيت المال إلى شهادة الخزانة/ (٦٩) .
وفى ذو القعدة من السنة طولب الصاحب أمين الدين والقاضى موفق الدين ناظر النظار- كان- بتفاوت ثمن كتان كان الصاحب قد رسم بأخذه من بعض فلاحى الجيزية من جملة ما عليهم من البواقى بمبلغ مائة ألف درهم، ولم يحفظ القيمة وقرر على الصاحب أمين الدين خمسون ألف درهم، وعلى القاضى موفق الدين خمسة وعشرون ألف درهم [٣] ، ورسم باستخراج جامكية شهرين من سائر مباشرى الدواوين السلطانية، فاستخرج ذلك منهم.
وفى هذه السنة سقط من منارة الإسكندرية أكثرها، وكان سقوط ذلك شيئا فشيئا، وفيها- فى ذى الحجة- وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد صاحب خراسان والعراقين وما مع [٤] ذلك، ومثلوا بين يدى المقام الشريف السلطانى بقلعة الجبل المحروسة فى يوم الاثنين ثامن الشهر، وأحضروا صحبتهم من التقادم والهدايا ما لم تجر بمثله عادة لكثرته، وخلع السلطان عليهم، وشملهم بالإنعام الوافر، ورسم بعودهم فى يوم الخميس حادى عشر الشهر.
стр. 12912
ذكر متجددات وحوادث كانت بالشام
فى هذه السنة غلت أسعار الغلال بالشام وانتهت غرارة [١] القمح بدمشق إلى مائة وعشرين درهما، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الناصر- خلد ملكه [٢]- برز أمره المطاع بما أوجب انحطاط الأسعار/، وذلك أنه رسم بإبطال ما على الغلال من المكس فى سائر البلاد الشامية، وذلك فى شهر ربيع الآخر، ثم رسم للنائب بالكرك المحروس أن ينقل إلى دمشق المحروسة/ (٧٠) جملة من الغلال التى بها، فانحلت الأسعار، ثم رسم لسائر الأمراء بالديار المصرية أن يحملوا الغلال إلى دمشق، وقرر على كل أمير حمل جملة معينة من الغلال، وأن يحضر نائبه ما يدل على وصول ذلك إلى دمشق، فحملت الغلال، وانحطت الأسعار انحطاطا كثيرا، ولله الحمد.
وفيها- فى شهر ربيع الآخر- رسم بعزل قاضى القضاة بالشام جمال الدين الزّرعى [٣] بسبب شكوى نائب السلطنة الأمير سيف الدين تنكز [٤] منه، فوصل المثال السلطانى إلى دمشق بعزله فى الخامس والعشرين من الشهر، وعرض القضاء على الشيخ برهان الدين بن الشيخ تاج الدين فامتنع عن الإجابة إلى ذلك، واعتذر بالعجز والمرض، وصمم على الامتناع، فعند ذلك طلب الخطيب القاضى جلال الدين محمد بن قاضى القضاة سعد الدين عبد الرحمن بن قاضى القضاة إمام الدين عمر القزوينى [٥] ، فوصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل المحروسة فى يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى، واجتمع بمولانا
стр. 12913
السلطان وخطب بجامع القلعة، وصلى بالسلطان فى يوم الجمعة، وفوض إليه القضاء بالشام، وخلع عليه فى يوم الخميس ثالث عشر من جمادى الآخرة، وأنهى إلى السلطان أن عليه دينا شرعيا، فأنعم عليه بألف دينار ومائة دينار وستين دينارا عينا، وأرسل الذهب صحبة البريد إلى نائب السلطنة بالشام [وكره] [١] أن يحضر أرباب الديون، ويعطوا أموالهم بمقتضى حججهم، ففرق ذلك عليهم، وتوجه القاضى جلال الدين المذكور من الأبواب السلطانية إلى دمشق فى يوم الاثنين الرابع والعشرين من جمادى الآخرة، ووصل إلى دمشق فى خامس شهر رجب، وفوض قضاء العسكر الشامى للقاضى جمال الدين أحمد بن القاضى الصدر المرحوم شرف الدين/ (٧١) محمد بن محمد القلانسى التميمى [٢] ، وخلع عليه فى سادس شهر رجب بدمشق، وخوطب بقاضى القضاة، هكذا ذكر الشيخ علم الدين البرزالى [٣] فى تاريخه [وأقام القاضى جمال الدين الزرعى بدمشق بعد أن عزل عن القضاء إلى أواخر سنة ست وعشرين ففارقها، وحضر إلى القاهرة المحروسة فوصل إليها فى يوم الأربعاء منتصف ذى الحجة منها، واجتمع بالسلطان فى تاسع المحرم سنة سبع وعشرين، ولم يفوض إليه ولاية، وسكن قرب السلمية خارج باب النصر] [٤] .
وفيها فوض السلطان قضاء القضاة بحلب المحروسة للقاضى كمال الدين ابن الزّملكانى [٥] ، وجهز إليه التقليد السلطانى بالولاية إلى دمشق، فوصل فى يوم السبت تاسع عشر شعبان، فامتنع من قبول ذلك، فطولع السلطان بذلك، فغضب منه، وأمر بعزله من مناصبه بدمشق، ثم شفّع فيه، فعاد المرسوم بتوجهه، ووصل المثال بذلك إلى دمشق فى ثانى عشر شهر رمضان، فقبل
стр. 12914
الولاية، وتوجه إلى حلب فى يوم الخميس رابع عشر شوال، ووصل إلى حلب فى السادس والعشرين منه، وكان سبب هذه الولاية [١] أن قاضى القضاة زين الدين عبد الله بن محمد بن عبد القادر الأنصارى [٢] الشافعى قاضى حلب توفى إلى رحمه الله تعالى بحلب [فى يوم الخميس تاسع عشر شهر رجب منها] [٣] .
وفى هذه السنة يوم الاثنين- عند الزوال- سابع شهر ربيع الآخر توفى الشيخ الإمام العالم نور الدين على بن يعقوب بن جبريل بن عبد المحسن بن يحيى بن الحسن بن موسى بن يحيى بن يعقوب بن نجم بن عيسى بن شعبان بن عيسى بن داود بن محمد بن نوح بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق رضى الله عنه [٤] ، وكانت وفاته بمصر بدار القاضى فخر الدين بن مسمار المعروف بابن شكر، ودفن بالقرافة الصغرى فى بكرة نهار الثلاثاء بتربة ابن عم والده الشيخ عبد المؤمن بن إسماعيل بن عبد المحسن البكرى، ويعرف بالطواشى عطا [الله، وكان رحمه] [٥] / (٧٢) الله تعالى من العلم بالمكان الذى لا يجهل وله مصنفات منها: شرح التسهيل لابن مالك فى مجلدين، وكتاب فى علم البيان، وغير ذلك مما لم يكمله رحمه الله تعالى وإيانا.
وفيها توفى الطواشى الأمير شجاع الدين عنبر أمير لالا الخزندار، وزمام الأدر [٦] ، السلطانية، وكانت/ وفاته بقلعة الجبل فى ليلة الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى، ودفن بتربته التى أنشأها بالقرافة بجوار الدينورى، وكان يتولى نظر المدرسة الناصرية والمدرسة الأشرفية والتربة الخاتونية ونظر الأحواض، ومشيخة الخدام النبوية، وله إمرة عشرة طواشيه، وكان سىّء الخلق، كثير
стр. 12915
الحمق شحيحا، يستقل لنفسه الكثير، ويستكثر لغيره القليل، وكان كثير التحصيل يبيع ما يهدى إليه من [المآكل] [١] وغيرها، ومع ذلك فلم يوجد له طائل موجود، ولما ولى نظر المدرسة الناصرية حجب كتاب وقفها أن يطّلع عليه أحد من مستحقى الوقف، ولم يسلك فيها شرط واقفها، وصرف للفقهاء والمعيدين [٢] نصف ما شرط لهم فى كتاب الوقف، واقتطع مما صرفه أولا فى كل سنة ثلاثة أشهر، فلما مات وفوض السلطان نظر المدرسة لنائبه الأمير سيف الدين أرغن الناصرى [٣] أظهر كتاب الوقف، وتتبع ما شرطه السلطان الواقف فيه، وصرف بمقتضاه، وزاد عدة الفقهاء، وضاعف معلومهم، أثابه الله تعالى.
وفيها توفى القاضى بهاء الدين أبو المنصور محمد بن أحمد [بن أحمد] [٤] بن الشيخ صفى الدين الحسين بن على بن ظافر بن حسين الأنصارى الخزرجى المعروف بابن أبى المنصور المصرى المالكى،/ (٧٣) وكانت وفاته بمصر فى العشر الأخر من جمادى الآخرة، ودفن بالقرافة رحمه الله تعالى.
وتوفى الأمير نصر [٥] الدين محمد بن الأمير بدر الدين بكتاش الفخرى أمير سلاح، أحد أمراء الطبلخانات، وكانت وفاته بداره بالقاهرة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من جمادى الآخرة، ودفن بتربة حميه الأمير شمس الدين قشتمر العجمى خارج باب النصر، وكان ﵀ حسن المعاملة، كثير الصدقة من بقايا الخير.
стр. 12916
وتوفى الأمير محمد بن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وكانت وفاته بسلمية [١] فى يوم السبت سابع شهر رجب، ودفن عند والده بقرية الأساود [٢] رحمه الله تعالى.
وفيها ورد الخبر بوفاة الوزير تاج الدين على شاه بن أبى بكر التبريزى وزير الملك [٣] أبى سعيد بن خربندا، وأن وفاته كانت فى ثامن جمادى الآخرة بأرجان [٤] ، وحمل إلى تبريز، فدفن بتربته، وكان شيخا جليلا، ولى الوزارة بعد مقتل سعد الدين الساوى فى شوال سنة إحدى عشرة وسبعمائة، واستمر فى الوزارة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الثلاثاء الثانى والعشرين [٥] من شعبان توفى الشيخ المحدّث نجم الدين أبو بكر عبد الله بن على بن عمر بن سبل بن رافع بن محمود الصنهاجى الحمزى بالقرافة الصغرى ودفن بها، ومولده فى سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة، سمع الكثير من الحديث، وأسمع قبل وفاته، وكان سهلا فى الإسماع ﵀.
/ (٧٤) واستهلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة بيوم الأربعاء الثالث والعشرين من كيهك من شهور القبط .
فى هذه السنة ورد إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية رسل الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول متملك [٦] اليمن يستنجد السلطان، ويستغيث به، ويستصرخ به على ابن عمه
стр. 12917
الملك الظاهر أسد الدين عبد الله بن الملك المنصور زين الدين أيوب بن الملك المظفر شمس الدين، وغيره ممن خرج عليه من المماليك، واستولوا على بلاده، وحصروه بقلعة تعز على ما نذكر ذلك.
وقد رأينا أن نبدأ فى هذا الموضع بذكر أخبار بلاد اليمن، وسياقة أخبار ملوكها، إلى أن انتهى الملك إلى الملك المجاهد هذا المرسل الآن.
стр. 12918
ذكر أخبار اليمن ومن وليه من العمال ومن استقل بملكه وسميت أيامهم بالدولة الفلانية
اعلم- وفقك الله تعالى وإيانا- أيها المطالع/ لهذا الكتاب، المتأمل لما اشتمل عليه من الفصول والأبواب، الباحث عن جمله وتفصيله، المستوعب لتراجمه وفصوله، أننا لم نترك إفراد بلاد اليمن بباب مستقل يشتمل على أخبارها، ويستدل/ (٧٥) من مضمونه على آثارها، ويعلم منه أخبار من وليها من العمال فى السنين السالفة، ومن استقل بملكها فى المدد الماضية والآنفة، ذهولا عنه ولا إهمالا، ولا أخرناه استخفافا بقدرها ولا استقلالا، لكنا لم نقف فيما سلف على تاريخ جرّد لذكرها وألّف، ولا كتاب أفرد فى أخبارها وصنّف، وإنما كنا نقف من أخبارها على النّبذة الشاردة، والإشارة التى تكون فى أخبار غيرها من الدول واردة، فنورد من ذلك ما نقف عليه فى أثناء أخبار الدولة الأموية والعباسية، والملوك الأيوبية، والأيام المنصورية والناصرية، ونحن مع ذلك نتوكّف [١] أن نقف على مؤلّف يجمع سيرها وأخبارها، ومصنّف يكشف أستارها ويبرز أسرارها، ونسأل عن ذلك كل قادم ووارد، فلا نجد من يرد ضالّة هذه الشوارد، إلى أن وصل إلى الديار المصرية المولى القاضى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد بن عبد الله اليمانى كاتب درج [٢] الملك المؤيد داود- كان- من البلاد اليمنية وهو الذى أشرنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب، وذكرنا جملة من رسائله البليغة، وآدابه البديعة، فأوقفنى على كتاب ألفه لما عاد إلى البلاد اليمنية سماه: «بهجة الزمن فى تاريخ اليمن» وهو فى مجلّدة خدم بها الملك الظاهر المذكور آنفا، فلخصت منه ما أورده الآن، فاجتمعت أخبار اليمن فى هذا المكان بحسب الإمكان، وهى نبذة/ (٧٦) يستدل بها على أخباره، ولمعة تهدى المتأمل إليها إلى آثاره، وإذا انتهينا- إن شاء الله تعالى إلى آخر ما أورده من أخبار اليمن- إلى آخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، عدنا إلى سياقة أخبار الدولة الناصرية لسنة خمس وعشرين وسبعمائة وما بعدها.
стр. 12919
قال- أدام الله الانتفاع بفوائده، وأجزاه [١] من ألطافه على أجمل عوائده- فى كتابه ما مختصره- وفى بعض ألفاظه ما أوردناه بالمعنى-:
توفى رسول الله ﷺ وولاة اليمن ثلاثة، وهم: أبان بن سعيد بن العاص بن أمية على صنعاء وأعمالها، ومعاذ بن جبل الأنصارى على الجند ومخاليفها، والمهاجر بن أبى أمية المخزومى على حضرموت.
فلما ظهر الأسود العنسى باليمن- كما قدمناه- لحق الأمراء المذكورون بأبى بكر الصديق رضى الله عنه، فاستخلف معاذ على عمله عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى، وهو والد عمر بن أبى ربيعة الشاعر المشهور، واستخلف أبان بن سعيد على عمله يعلى بن منبه [٢] التميمى حليف بنى نوفل بن عبد مناف، واستخلف المهاجر عكرمة بن أبى جهل [٣] .
فلما قتل العنسى، وفاء أهل اليمن إلى الإسلام، أقر أبو بكر رضى الله تعالى عنه عبد الله بن أبى ربيعة على الجند ومخاليفه، ويعلى على صنعاء وأعمالها، واستمر أهل حضر موت على الردة والعصيان.
فلما ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أقر عبد الله ويعلى على عمليهما، ثم عزل عمر يعلى لشكاية، واستعمل المغيرة بن شعبة على صنعاء، فشخص يعلى إلى عمر يظهر بطلان/ (٧٧) الشكاية وأن الحق كان بيد يعلى، فرده عمر إلى عمله بعد سنتين، فأقام ما شاء الله، ثم شكى إلى عمر، فأمر بإشخاصه إليه ماشيا، فخرج حتى إذا كان على أميال من صنعاء لقيه الخبر
стр. 12920
بقتل عمر وخلافه عثمان، وإقراره على عمله، فعاد راكبا، فلم يزل على عمله إلى أن قتل عثمان، وكذلك ابن أبى ربيعة.
فلما استخلف على بن أبى طالب رضى الله عنه استعمل على جميع اليمن ابن عمه عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، ففارق يعلى وابن أبى ربيعة اليمن، وأتيا مكة، وانضمّ يعلى إلى طلحة والزبير وعائشة، وخالف عليا، وأعان بمال وإبل كما قدمنا فى أخبار على بن أبى طالب رضى الله عنه، واستمر عبيد الله باليمن أيام على، ثم تخاذل عنه أصحابه.
وأرسل معاوية بسر بن [١] أرطأة إلى اليمن، فسفك الدماء وارتكب الأفعال الشنيعة، وقتل ابنى عبيد الله كما تقدم، فلما ولى معاوية بعث إلى اليمن عثمان الثقفى، ثم عزله وجمع اليمن بكماله لأخيه عتبة بن أبى سفيان، فولى ثلاث سنين، ثم مات فاستعمل/ معاوية على اليمن النعمان بن بشير الأنصارى، فمكث سنة ثم عزله واستعمل [سعيد بن] [٢] دادوية من أبناء الفرس، فولى تسعة أشهر، ومات، فاستعمل الضحاك بن فيروز، فولى بقية أيام معاوية.
فلما مات معاوية استعمل يزيد بجير بن زيان الحميرى على المخلافين:
مخلاف صنعاء ومخلاف الجند، قاطعه عليهما بمال عظيم فى كل سنة يرسله إليه، وكان بجير عاتيا متجبرا، فكان باليمن حتى هلك يزيد بن معاوية، وظهر عبد الله بن الزبير بمكة فأطاعه أهل اليمن إلا القليل منهم، فاستعمل ابن الزبير الضحاك بن/ (٧٨) فيروز فمكث سنة، ثم عزله بعبد الله بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فولى سنة، ثم عزله بعبد الله بن أبى وداعه السهمى، فمكث سنة وثمانية أشهر، ثم عزله بأخيه عبيدة بن الزبير، فمكث خمسة أشهر، وعزله وولى قيس بن يزيد السعدى أحد بنى تميم، فمكث عشرة أشهر، ثم عزله واستعمل ولاة كان الرجل منهم يلى أربعة أشهر وخمسة أشهر ويعزله، حتى قتل عبد الله بن الزبير.