وتوفى الأمير محمد بن الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا وكانت وفاته بسلمية [١] فى يوم السبت سابع شهر رجب، ودفن عند والده بقرية الأساود [٢] رحمه الله تعالى.
وفيها ورد الخبر بوفاة الوزير تاج الدين على شاه بن أبى بكر التبريزى وزير الملك [٣] أبى سعيد بن خربندا، وأن وفاته كانت فى ثامن جمادى الآخرة بأرجان [٤] ، وحمل إلى تبريز، فدفن بتربته، وكان شيخا جليلا، ولى الوزارة بعد مقتل سعد الدين الساوى فى شوال سنة إحدى عشرة وسبعمائة، واستمر فى الوزارة إلى أن مات رحمه الله تعالى.
وفيها فى ليلة الثلاثاء الثانى والعشرين [٥] من شعبان توفى الشيخ المحدّث نجم الدين أبو بكر عبد الله بن على بن عمر بن سبل بن رافع بن محمود الصنهاجى الحمزى بالقرافة الصغرى ودفن بها، ومولده فى سادس عشر شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة، سمع الكثير من الحديث، وأسمع قبل وفاته، وكان سهلا فى الإسماع ﵀.
/ (٧٤) واستهلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة بيوم الأربعاء الثالث والعشرين من كيهك من شهور القبط .
فى هذه السنة ورد إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية رسل الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر الدين داود بن الملك المظفر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول متملك [٦] اليمن يستنجد السلطان، ويستغيث به، ويستصرخ به على ابن عمه
стр. 12917
الملك الظاهر أسد الدين عبد الله بن الملك المنصور زين الدين أيوب بن الملك المظفر شمس الدين، وغيره ممن خرج عليه من المماليك، واستولوا على بلاده، وحصروه بقلعة تعز على ما نذكر ذلك.
وقد رأينا أن نبدأ فى هذا الموضع بذكر أخبار بلاد اليمن، وسياقة أخبار ملوكها، إلى أن انتهى الملك إلى الملك المجاهد هذا المرسل الآن.
стр. 12918
ذكر أخبار اليمن ومن وليه من العمال ومن استقل بملكه وسميت أيامهم بالدولة الفلانية
اعلم- وفقك الله تعالى وإيانا- أيها المطالع/ لهذا الكتاب، المتأمل لما اشتمل عليه من الفصول والأبواب، الباحث عن جمله وتفصيله، المستوعب لتراجمه وفصوله، أننا لم نترك إفراد بلاد اليمن بباب مستقل يشتمل على أخبارها، ويستدل/ (٧٥) من مضمونه على آثارها، ويعلم منه أخبار من وليها من العمال فى السنين السالفة، ومن استقل بملكها فى المدد الماضية والآنفة، ذهولا عنه ولا إهمالا، ولا أخرناه استخفافا بقدرها ولا استقلالا، لكنا لم نقف فيما سلف على تاريخ جرّد لذكرها وألّف، ولا كتاب أفرد فى أخبارها وصنّف، وإنما كنا نقف من أخبارها على النّبذة الشاردة، والإشارة التى تكون فى أخبار غيرها من الدول واردة، فنورد من ذلك ما نقف عليه فى أثناء أخبار الدولة الأموية والعباسية، والملوك الأيوبية، والأيام المنصورية والناصرية، ونحن مع ذلك نتوكّف [١] أن نقف على مؤلّف يجمع سيرها وأخبارها، ومصنّف يكشف أستارها ويبرز أسرارها، ونسأل عن ذلك كل قادم ووارد، فلا نجد من يرد ضالّة هذه الشوارد، إلى أن وصل إلى الديار المصرية المولى القاضى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد بن عبد الله اليمانى كاتب درج [٢] الملك المؤيد داود- كان- من البلاد اليمنية وهو الذى أشرنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب، وذكرنا جملة من رسائله البليغة، وآدابه البديعة، فأوقفنى على كتاب ألفه لما عاد إلى البلاد اليمنية سماه: «بهجة الزمن فى تاريخ اليمن» وهو فى مجلّدة خدم بها الملك الظاهر المذكور آنفا، فلخصت منه ما أورده الآن، فاجتمعت أخبار اليمن فى هذا المكان بحسب الإمكان، وهى نبذة/ (٧٦) يستدل بها على أخباره، ولمعة تهدى المتأمل إليها إلى آثاره، وإذا انتهينا- إن شاء الله تعالى إلى آخر ما أورده من أخبار اليمن- إلى آخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة، عدنا إلى سياقة أخبار الدولة الناصرية لسنة خمس وعشرين وسبعمائة وما بعدها.
стр. 12919
قال- أدام الله الانتفاع بفوائده، وأجزاه [١] من ألطافه على أجمل عوائده- فى كتابه ما مختصره- وفى بعض ألفاظه ما أوردناه بالمعنى-:
توفى رسول الله ﷺ وولاة اليمن ثلاثة، وهم: أبان بن سعيد بن العاص بن أمية على صنعاء وأعمالها، ومعاذ بن جبل الأنصارى على الجند ومخاليفها، والمهاجر بن أبى أمية المخزومى على حضرموت.
فلما ظهر الأسود العنسى باليمن- كما قدمناه- لحق الأمراء المذكورون بأبى بكر الصديق رضى الله عنه، فاستخلف معاذ على عمله عبد الله بن أبى ربيعة المخزومى، وهو والد عمر بن أبى ربيعة الشاعر المشهور، واستخلف أبان بن سعيد على عمله يعلى بن منبه [٢] التميمى حليف بنى نوفل بن عبد مناف، واستخلف المهاجر عكرمة بن أبى جهل [٣] .
فلما قتل العنسى، وفاء أهل اليمن إلى الإسلام، أقر أبو بكر رضى الله تعالى عنه عبد الله بن أبى ربيعة على الجند ومخاليفه، ويعلى على صنعاء وأعمالها، واستمر أهل حضر موت على الردة والعصيان.
فلما ولى عمر بن الخطاب رضى الله عنه أقر عبد الله ويعلى على عمليهما، ثم عزل عمر يعلى لشكاية، واستعمل المغيرة بن شعبة على صنعاء، فشخص يعلى إلى عمر يظهر بطلان/ (٧٧) الشكاية وأن الحق كان بيد يعلى، فرده عمر إلى عمله بعد سنتين، فأقام ما شاء الله، ثم شكى إلى عمر، فأمر بإشخاصه إليه ماشيا، فخرج حتى إذا كان على أميال من صنعاء لقيه الخبر
стр. 12920
بقتل عمر وخلافه عثمان، وإقراره على عمله، فعاد راكبا، فلم يزل على عمله إلى أن قتل عثمان، وكذلك ابن أبى ربيعة.
فلما استخلف على بن أبى طالب رضى الله عنه استعمل على جميع اليمن ابن عمه عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب، ففارق يعلى وابن أبى ربيعة اليمن، وأتيا مكة، وانضمّ يعلى إلى طلحة والزبير وعائشة، وخالف عليا، وأعان بمال وإبل كما قدمنا فى أخبار على بن أبى طالب رضى الله عنه، واستمر عبيد الله باليمن أيام على، ثم تخاذل عنه أصحابه.
وأرسل معاوية بسر بن [١] أرطأة إلى اليمن، فسفك الدماء وارتكب الأفعال الشنيعة، وقتل ابنى عبيد الله كما تقدم، فلما ولى معاوية بعث إلى اليمن عثمان الثقفى، ثم عزله وجمع اليمن بكماله لأخيه عتبة بن أبى سفيان، فولى ثلاث سنين، ثم مات فاستعمل/ معاوية على اليمن النعمان بن بشير الأنصارى، فمكث سنة ثم عزله واستعمل [سعيد بن] [٢] دادوية من أبناء الفرس، فولى تسعة أشهر، ومات، فاستعمل الضحاك بن فيروز، فولى بقية أيام معاوية.
فلما مات معاوية استعمل يزيد بجير بن زيان الحميرى على المخلافين:
مخلاف صنعاء ومخلاف الجند، قاطعه عليهما بمال عظيم فى كل سنة يرسله إليه، وكان بجير عاتيا متجبرا، فكان باليمن حتى هلك يزيد بن معاوية، وظهر عبد الله بن الزبير بمكة فأطاعه أهل اليمن إلا القليل منهم، فاستعمل ابن الزبير الضحاك بن/ (٧٨) فيروز فمكث سنة، ثم عزله بعبد الله بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فولى سنة، ثم عزله بعبد الله بن أبى وداعه السهمى، فمكث سنة وثمانية أشهر، ثم عزله بأخيه عبيدة بن الزبير، فمكث خمسة أشهر، وعزله وولى قيس بن يزيد السعدى أحد بنى تميم، فمكث عشرة أشهر، ثم عزله واستعمل ولاة كان الرجل منهم يلى أربعة أشهر وخمسة أشهر ويعزله، حتى قتل عبد الله بن الزبير.
стр. 12921
وولى الحجاج بن يوسف لعبد الملك بن مروان، فبعث الحجاج على اليمن أخاه محمد بن يوسف، فولى إلى آخر أيام عبد الملك وتوفى، وكان قد جمع المجذومين بصنعاء، وجمع لهم الحطب ليحرقهم، فمات قبل ذلك، فاستعمل الحجاج- بأمر الوليد بن عبد الملك- ابن عمه أيوب بن يحيى [١] الثقفى، فولى مدة أيام الوليد.
فلما تولى سليمان بن عبد الملك استعمل على اليمن عروة بن محمد السعدى، فولى ست سنين.
فلما ولى يزيد بن عبد الملك استعمل مسعود بن عوف الكلبى، فولى أيام يزيد.
فلما ولى هشام بن عبد الملك بعث يوسف بن عمر الثقفى على جميع مخاليف اليمن، فمكث عليه ثلاث عشرة سنة، ثم نقله هشام بن عبد الملك إلى ولاية العراق، كما قدمناه فى سنة ست وعشرين ومائة، واستخلف على اليمن ابنه الصلت، فولى خمس سنين إلى أن توفى هشام.
وولى الوليد بن يزيد، فاستعمل مروان بن محمد بن يوسف، وهو ابن أخى الحجاج.
فلما ولى يزيد بن الوليد الناقص استعمل الضحاك بن واصل السّكسكى [٢] .
فلما غلب مروان بن محمد على الأمر استعمل القاسم بن عمر [٣] الثقفى أخا يوسف بن عمر.
وكان قد/ (٧٩) ثار بحضرموت الأعور الخارجى [٤] ، فلم يلبث القاسم أن قصده الأعور إلى صنعاء فانهزم عنه، وقتل ابن أخيه الصلت بن يوسف، وغلب
стр. 12922
عبد الله بن يحيى الأعور على اليمن سنة وأربعة أشهر، واستولى نايبه أبو حمزة الخارجى على مكة، وقتل أهل قديد [١] ، وسار فاستولى على المدينة فأقام بها أربعة أشهر، ثم سار يريد الشام، فبلغ وادى القرى، فلقيه جيوش الشام الذين بعثهم مروان بن محمد مع عبد الملك بن عطية السعدى، فقتلهم عبد الملك بوادى القرى حتى أصفى اليمن منهم، وسار إلى حضرموت، فأتاه كتاب مروان بتوليه الموسم، فصالحهم وسار فى ركب قليل، فقتل كما قدمنا، فبعث مروان الوليد بن عروة بن محمد على اليمن، فكان عليه إلى أن انقضت الدولة الأموية.
ذكر عمال اليمن فى الدولة العباسية
لما بويع أبو العباس السفاح بالخلافة فى سنة اثنين وثلاثين ومائة بعث على الحجاز واليمن عمه داود بن على بن عبد الله بن العباس، فاستخلف داود على اليمن عمر بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن يزيد بن الخطاب العدوى القرشى، فمكث خمسة أشهر ومات، فاستعمل أبو العباس على اليمن محمد بن زيد [٢] بن عبد الله بن زيد بن عبد المدان الحارثى، فقدمها لسبع مضين [٣] من شهر رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث أخا له على عدن، وقصد إحراق المجذومين بالنيران بصنعاء، وجمع لهم الحطب، فمرض أياما يسيرة ومات قبل إحراقهم، ومات أخوه بعدن، وكانت ولاية محمد بن زيد خمسة أشهر/ (٨٠) فبعث السفاح عبد الله بن مالك الحارثى، فمكث أربعة أشهر ثم عزله واستعمل على بن الربيع بن عبد الله بن عبد المدان، فولى أربع سنين وأشهرا.
فلما استخلف أبو جعفر المنصور استعمل على اليمن عبد الله بن الربيع/ ابن عبد الله بن عبد المدان الحارثى، فأقام مدة وسار نحو المنصور، واستخلف ابنه، فأقام باليمن حتى قدم عليه معن بن زائدة الشيبانى فى شهر ربيع الأول
стр. 12923
سنة أربعين ومائة، وقيل سنة اثنتين وأربعين، وبعث معن ابن عم له يقال له سليمان إلى المعافر [١] ، فقتلوه، فغزاهم، فقتل منهم وأكثر، ثم انتقضت حضرموت على معن فسار إليهم، وأوقع بهم عدة وقعات قيل بلغت قتلاهم خمسة عشر ألفا، فأعظم الناس ذلك، ثم رجع إلى صنعاء وكتب إلى المنصور بذلك فاستصوب فعله؛ لأنهم بقية الخوارج الذين قتلوا أهل قديد ومن أهل المدينة.
ثم سار معن إلى المنصور، واستخلف ابنه زائدة، فلما قدم العراق استعمله المنصور على سجستان، فكانت ولايته اليمن- بمقام ابنه- تسع سنين.
وبعث المنصور على اليمن الضّراب [٢] بن سالم العبسى، فمكث ثلاث سنين، ثم عزله بيزيد بن منصور الحميرى ابن خال [٣] المهدى، وذلك فى سنة أربع وخمسين ومائة، فأقام بقية خلافة أبى جعفر، وأقره المهدى بعده، فلما كان الموسم كتب إليه بموافاته ففعل، واستخلف عبد الخالق بن محمد الشهابى [٤] فولى شهرين ونصفا، وقدم عليه رجاء بن روح الجذامى [٥] فى ذى الحجة سنة تسع وخمسين ومائة فأقام رجاء ثلاثة عشر شهرا.
ثم بعث المهدى على اليمن على بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، فقدمها فى المحرم سنة إحدى وستين ومائة، فأقام إلى سنة اثنتين وستين، وسار نحو العراق/ (٨١) واستخلف رجلا يقال له واسع بن عقيمة [٦] ، فأقام أحد عشر شهرا، ثم بعث إلى اليمن عبد الله بن سليمان أخا على، فقدم
стр. 12924
لتسع بقين من شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وستين ومائة، فأقام سبعة عشر شهرا، وبعث المهدى منصور بن زيد بن منصور الحميرى، فقدم فى سنة خمس وستين [وماية] ، فمكث سنة، ثم عزله بعبد الله بن سليمان النوفلى فمكث سنة، ثم عزله بسليمان بن يزيد بن عبد المدان فأقام بقية خلافة المهدى.
فلما ولى الهادى- فى المحرم سنة تسع وستين ومائة- استعمل عبد الله ابن محمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن عباس، ثم عزله بإبراهيم بن سليمان بن قتيبة بن مسلم الباهلى، فمكث أربعة أشهر، وتوفى الهادى.
فلما ولى الرشيد فى شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة استعمل خاله الغطريف بن عطاء فقدم اليمن والفتنة ثائرة بين الجند وأهل صنعاء، فأصلح أمرهم، وأقام على اليمن ثلاث سنين وتسعة أشهر، ثم سار نحو الرشيد واستخلف عبّاد بن محمد الشهابى، فبعث الرشيد على اليمن الربيع بن عبد الله ابن عبد المدان فقدم آخر سنة أربع وسبعين، فمكث سنة ثم عزله الرشيد بعاصم ابن عتبة الغسانى، فمكث سنة، ثم [عزل بأيوب بن جعفر بن سليمان بن على ابن عبد الله، فمكث سنة، ثم] [١] عزل بالربيع بن عبد الله الحارثى، والعباس ابن سعيد مولى بنى هاشم: الربيع على الصلاة والحرب، والعباس على الجباية، فأقام سنتين، وعزلا بمحمد بن إبراهيم القاسمى، وقد جمع له الحجاز واليمن، فأقام بالحجاز وبعث ابنه العباس فشكاه الناس، فعزله، وولى الرشيد اليمن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن الزبير [٢] ،/ (٨٢) وكان رزق عامل صنعاء فى الشهر ألف دينار، فجعل له الرشيد ألفى دينار، فقال له يحيى بن خالد: هذا يفسد عليك من توليه من أهل بيتك، فرد رزقه إلى ألف دينار ووصله بصلة جليلة، فأقام سنة ثم عزله، واستعمل أحمد بن إسماعيل بن على الهاشمى فى سنة إحدى وثمانين ومائة، ثم عزله واستعمل إبراهيم بن عبد الله بن طلحة بن أبى طلحة، من بنى عبد الدار، فأقام سنة ووثب به الجند، فعزله الرشيد، واستعمل محمد بن خالد بن برمك [٣] ، فدخل صنعاء فى شوال سنة ثلاث
стр. 12925
وثمانين، فأقام سنة ثم عزله الرشيد، واستعمل مولاه حمادا البربرى، فقدم فى شوال سنة أربع وثمانين، فلم يزل على اليمن بقية خلافة الرشيد إلى سنة ثلاث وتسعين، وعمّر اليمن فى أيامه، وأمّنت السبل، وظفر بالهيصم بن عبد الحميد [١] لما خالف عليه.
ولما ولى الأمين الأمر أقر حمادا مديدة، ثم سار نحو العراق واستخلف ابن أخيه، فكتب أهل اليمن إلى الأمين يشكونه، فعزله واستعمل محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعى، فقدم خليفة له، ثم قدم فاستخرج من عمال حماد أموالا جليلة، وعدل فى الناس ثم عزله الأمين واستعمل سعيد بن السرح الكنانى، فقدم صنعاء/ فى شعبان سنة خمس وتسعين، فأقام حتى ثارت الفتنة بين الأمين والمأمون، وسار طاهر بن الحسين لمحاربة الأمين، وضعف أمره.
فبعث طاهر بن الحسين على اليمن يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القسرى [٢] ، فقدم صنعاء آخر سنة ست وتسعين، فقبحت سيرته فى الناس، ثم آتاه رجل من أهل العراق يكنى أبا الصلت/ (٨٣) قدم عليه طالبا، فلم يعطه شيئا، فرجع حتى إذا كان بضمر من بلد همدان وجد عمر بن إبراهيم بن واقد بن محمد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكان نازلا مع أخواله أرحب من السلمانيين، فأخبره خبره، فقال: بئس والله ما صنع يزيد، ووصله بعشرين دينارا، فقال أبو الصلت: لا جرم، لأحسنن مكافأتك إن شاء الله تعالى، فخرج من عنده ومكث وقتا، ثم قدم عليه بكتاب افتعله بولايته اليمن [٣] ، فقدم عمر ابنه محمدا فى نفر من الأعراب وقوم جمعهم، فقدم صنعاء فى صفر سنة ثمان وتسعين ومائة، وحبس يزيد بن جرير، ثم قدم أبوه فأقام وقتا، وأخرج يزيد من الحبس ميتا، وكانت ولاية عمر شهرا، ثم عزله المأمون
стр. 12926
بإسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمى، فقدمها فى ذى القعدة سنة ثمان وتسعين [وماية] ، فأقام بها سنة تسع وتسعين [وماية] ، ثم سار يريد الحجاز، واستخلف ابن عمه القاسم بن إسماعيل وذلك حين بلغه ظهور محمد بن إبراهيم المعروف بابن طباطبا بالكوفة، واستيلائه عليها، وإرساله جماعة من الطالبيّين نحو الحجاز، فاستولوا على المدينة ومكة، فلما انتهى إسحاق إلى ضمر وثب به الأعراب فقاتلوه، فرجع إلى صنعاء، فاتصل به قدوم إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبى واليا على اليمن بعثه الحسين بن الحسن الطالبى المعروف بالأفطس لما استولى على مكة والموسم، فقدم إبراهيم اليمن فى صفر سنة مائتين، فأسرف فى القتل حتى سمى الجزّار، ولم تزل أموره مستقيمة باليمن حتى ثار محمد بن إبراهيم، وقام بعده محمد بن محمد بن محمد بن زيد بن على، فلما أسر محمد، وقتل أبو السرايا- كما/ (٨٤) قدمناه- انحلت أمور الطالبيّين بالحجاز واليمن، فبعث المأمون محمد بن على بن عيسى بن ماهان [١] ، فكانت بينه وبين إبراهيم وقائع استظهر فيها ابن ماهان على إبراهيم، فأقام إبراهيم يتردّد فى القرى التى حول صنعاء حتى قدم عليه عهد المأمون بولاية اليمن، فأبى ابن ماهان أن يسلمها إليه، فالتقيا عند صنعاء فهزمه ابن ماهان، فعاد إبراهيم، ولم يستقم له أمر بعد ذلك، فقدم عيسى بن يزيد الخلودى [٢] التميمى واليا، فجمع ابن ماهان عشرة آلاف مقاتل وخرج إليه ولده عبد الله من صنعاء، وقد خندق الخلودى على نفسه، فالتقوا فهزمه الخلودى، ودخل صنعاء، واستمرت الهزيمة بعبد الله حتى دخل مكة، واختفى أبوه بصنعاء، فقبض عليه الخلودى وحبسه، وفرّق عماله فى المخاليف، وشخص نحو العراق.
стр. 12927
ذكر أخبار دولة بنى زياد
كان المأمون قد قلد محمد بن عبد الله بن زياد الأعمال التهامية، وما استولى عليه من الجبال، فقدم اليمن فى سنة ثلاث ومائتين ومعه رجل تغلبى يسمى محمد بن هارون قاضيا، وهو جد بنى عقامة، ولم يزل الحكم فيهم يتوارث حتى أزالهم ابن مهدى حين أزال دولة الحبشة على رأس الخمسين وخمسمائة، فاستولى ابن زياد على تهامة بعد حروب جرت بينه وبين العرب، واختط مدينة زبيد فى سنة أربع ومائتين، وكان مع ابن زياد مولى له يسمى جعفر، وهو الذى نسب إليه مخلاف جعفر،/ (٨٥) وكان فيه دهاء وكفاية حتى كانوا يقولون: «ابن زياد بجعفره» واشترط على عرب تهامة ألا يركبوا الخيل، وسيره مولاه إلى المأمون فى سنة خمس ومائتين بهدايا جليلة وأموال عظيمة، فعاد فى سنة ست ومعه ألفا فارس فيهم من مسودة خراسان تسعمائة فعظم أمر ابن زياد، وملك حضر موت وديار كندة والشحر ومرباط، وأبين ولحج وعدن والتّهايم إلى حلى، وملك من الجبال أعمال المعافر/ والجند والمخلاف وقلده جعفرا [١] ، فاختط به مدينة المذيخرة فى جبل ذى أنهار ورياحين واسعة، وخطب لابن زياد بصنعاء وصعدة ونجران وبيحان، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين.
وقام بعده زياد بن إبراهيم فلم تطل مدته.
فملك بعده أخوه أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم، فامتنع عليه أهل الأطراف، وانقطعت الخطبة له فى الجبال، واستولى سليمان بن طرف على المخلاف، وهو من الشّرجة إلى حلى، وجعل السّكة والخطبة باسمه، فكان مبلغ ارتفاع [٢] عمله فى السنة خمسمائة ألف دينار عثرية [٣] ، وهذا المخلاف هو
стр. 12928
المعروف بالسليمانى، نسبته إلى سليمان هذا، وخرج أيضا من ولاية أبى الجيش- لحج وأبين وما عداها- إلى البلاد الشرقية.
ومات أبو الجيش فى سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة عن طفل اسمه عبد الله، وقيل زياد، فتولت كفالته أخته هند بنت أبى الجيش وعبد لأبيها يسمى رشدا،/ (٨٦) أستاذ حبشى، فقام بأمر الطفل، فلما مات رشد قام بكفالته حسين بن سلامة، وصيف من أولاد النوبة، وينسب إلى أمه، وقد كان هذّبه رشد وأحسن تأديبه، فخرج حازما حفيفا وقام بالأمر، ووزر لولد أبى الجيش وأخته، وكانت دولتهم قد تضعضعت أطرافها، وغلبت ملوك الجبال على الحصون والمخاليف، فقام الحسين [١] بحربهم حتى استرجع أكثر مملكة ابن زياد الأولى، واختطّ مدينة الكدرا أعلى وادى سهام، ومدينة المعقر على وادى ذؤال، وكان عادلا فى الرعية، كثير الصدقات، وأنشأ الجوامع الكبار، والمنارات الطوال والقلب [٢] العاديّة فى المفاوز المنقطعة، وبنى الأميال والفراسخ والبرد على الطرقات من حضرموت إلى مكة شرفها الله تعالى.
ومات حسين فى سنة اثنتين وأربعمائة، وقد انتقل الأمر إلى طفل آخر من آل زياد، فتولت كفالته عمة له وعبد أستاذ اسمه مرجان من عبيد الحسين بن سلامة، وكان له عبدان فحلان من الحبشة رباهما صغيرين، وولاهما الأمور كبيرين، أحدهما يسمى نفيسا جعل إليه تدبير الحضرة، والثانى يسمى نجاحا، وهو والد سعيد الأحول وجيّاش، وكان يتولى أعمال الكدرا والمهجم ومور والواديين، فوقع التنافس بين نجاح ونفيس على وزارة الحضرة، وكان نفيس غشوما مرهوبا، ونجاح ذا رفق بالناس عادلا محببا/ (٨٧) إلى الرعية، وكان مولاهما مرجان يميل إلى نفيس، فنمى إلى نفيس، أن عمة ابن زياد تكاتب نجاحا، وتميل إليه، فأعلم مولاه، فأمره بالقبض عليها وعلى ابن زياد، فقبض
стр. 12929
عليهما، وبنى عليهما جدارا وهما حيان يناشدانه الله حتى ختم عليهما، فكان بموت هذا الصبى انقراض دولة بنى زياد، وكانت مائتى سنة وثلاثا وستين سنة [١] .
وكان بنو زياد قائمين بخدمة خلفاء الدولة العباسية، وتولى صلتهم بالهدايا والأموال، فلما اختلّ أمرهم، وغلب أهل الأطراف على ما بأيديهم، فغلب بنو زياد على ما بأيديهم من أعمال اليمن، وركبوا بالمظلة، وساسوا قلوب الرعية بإبقاء الخطبة العباسية.
قال: «ولما بلغ نجاحا ما فعله نفيس فى مواليه استنفر الناس، وجمع العرب وقصده بزبيد، فجرت بينهما عدة وقائع قتل نفيس فى آخرها على باب زبيد، واستولى نجاح على زبيد فى سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة وقال نجاح [لمرجان] [٢] مولاه: ما فعل مواليك وموالينا [٣] ؟ قال: هم فى ذلك الجدار فأخرجهما وصلى عليهما، وجعل مرجان فى موضعهما وبنى عليه حيا، وركب بالمظلة، وضربت السكة باسمه، وكاتب أهل العراق، وبذل لهم الطاعة.
وقد كان حين توفى الحسين بن سلامة، واختلف عبيده، هرب ملوك الجبال من سجنه، ولحقوا ببلادهم، فغلب بنو معن على عدن ولحج وأبين والشحر وحضرموت، وغلب بنو الكرندى [٤]-/ (٨٨) وهم قوم من حمير كانت لهم سلطنة ومكارم ظاهرة ومفاخر- على السوا والسّمدان والدّملوة وحصن صبر وحصن ذخر والتّعكر ومخاليفها، والمعافريّة والجعفرية والجندية، وتغلب على حبّ/ وحصن الشعر رجل يعرف بالحسين بن النّبّعى [٥] ، وبنو عبد الواحد على
стр. 12930
برع والعمد [١] ونعمان، ولم يزل نجاح متوليا على الأعمال التّهامية حتى ملكها الصّليحى على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ثم كانت لهم دولة يأتى ذكرها بعد أخبار الصليحى- إن شاء الله تعالى- فنرجع إلى أخبار صنعاء، ومن وليها بعد الخلودى [٢] .
ذكر أخبار صنعاء ومن وليها بعد الخلودى
قال: ولما شخص الخلودى إلى العراق قيل: إنه استخلف رجلا يقال له حصن بن المنهال، فأقام حتى قدم عليه إبراهيم الإفريقى، وهو رجل من بنى شيبان بن ربيعة، فأقام على اليمن مدة، ثم عزل بنعيم بن الوضاح [٣] الأزدى، والمظفّر بن يحيى الكندى اشتركا فى العمل، فقدما صنعاء فى صفر سنة ست ومائتين، وسار المظفر يجبى الجند ومخاليفها، وقام بها مدة، ورجع إلى صنعاء فمات بعد أيام من رجوعه، فاستقل نعيم بالأمر حتى عزل بمحمد بن عبد الله ابن محرز [٤] مولى المأمون، فقدم اليمن سنة ثمان ومائتين ولم يلبث أن شغب عليه/ (٨٩) الجند، فخرج نحو الحجاز واستخلف عبّاد بن الغمر [٥] الشهابى، فأقام حتى قدم إسحاق بن العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس اليمن، وهى ولايته الثانية وكان مقدمه آخر شهر رجب سنة تسع [ومائتين] [٦] فأساء السيرة، وظلم الناس، ونال من التّهامية كل منال، فكان لا يسأل أحدا عن نسبه فينتسب إلا ضرب عنقه، حتى كان من سأله بعد ذلك عن نسبه قال:
مولى بنى العباسى، ولم يترك بحمير ذكرا ولا رسما، ولم يزل كذلك حتى مات سنة عشرة ومائتين، وقيل: إن أهل صنعاء شكوه إلى المأمون، فأمر بإشخاصه، فلما مثل بين يديه، قال له المأمون: ضع يدك على رأسى، ففعل، قال: قل:
стр. 12931
وحياة رأسك لا ضربت عنقا، فقال، فقال له: «عد إلى عملك» فعاد، فكان بعد ذلك يوسّط [١] الناس.
ولما مات إسحاق استخلف عند موته ابنه يعقوب، فحاربه أهل الجند وأهل صنعاء فسار إلى ذمار [٢] ، وقدم إلى صنعاء- من قبل المأمون- عبد الله ابن عبيد الله بن العباس الهاشمى، فكان بها حتى توفى المأمون سنة ثمان عشرة ومائتين، فلحق بالعراق واستخلف عباد بن الغمر الشهابى، وبايع الناس للمعتصم بالله بن الرشيد، فأقر الغمر سنين.
ثم ولى المعتصم صنعاء ومخاليفها عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن على الهاشمى، فقدم صنعاء آخر المحرم سنة إحدى وعشرين ومائتين، فأقام مدة، وحبس عبّاد بن الغمر الشهابى، وابنه عند يعفر بن عبد الرحيم الحوالى.
ثم عزل عبد الرحيم بجعفر بن دينار،/ (٩٠) مولى المعتصم، فقدم خليفة له يقال له منصور بن عبد الرحمن التّنوخى فى صفر سنة خمس وعشرين، فضبط البلد ووجه عماله، ثم قدم عليه عبد الله بن محمد بن على بن ماهان، وقد أشرك مع جعفر فى الولاية، فأقام مع منصور وقتا، ثم عزل جعفر بإيتاخ التركى مولى المعتصم، فأقر منصورا وعبد الله على عمليهما.
ومات المعتصم سنة سبع وعشرين ومائتين وولى الواثق، فأقر إيتاخ على اليمن فوجه أبا العلاء أحمد بن [٣] العلاء العامرى، فلما وصل صعدة أرسل يعفر الحوالى غلامه طريف بن ثابت فى عسكر نحو صنعاء، فخرج إليه من بها من الجند مع منصور بن عبد الرحمن الذى كان خليفة لجعفر بن دينار، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا من موالى يعفر نحو ألف رجل، وأسروا أسرى ثم ضرب منصور أعناقهم، وقدم أبو العلاء صنعاء بعد الوقعة بأيام، فأقام حتى توفى، واستخلف أخاه عمرو بن [٤] العلاء، فأقام واليا حتى ولى إيتاخ هرثمة بن البشير مولى المعتصم، فورد كتاب هرثمة على منصور بن عبد الرحمن يستخلفه، وقدم هرثمة آخر المحرم سنة ثلاثين ومائتين فأقام أياما، وخرج لمحاربة يعفر [٤] بن
стр. 12932
عبد الرحمن وهو بشبام، فنزل بالجيش أسفل وادى ضلع، وأقام هنالك محاربا ليعفر وقتا، ثم عاد.
وعزل الواثق إيتاخ عن اليمن، وولاه جعفر بن دينار مولاهم، فقدم وحاصر يعفر مدة، وعاد إلى صنعاء فأقام بها سنة، وسار نحو العراق، واستخلف ابنه محمدا، فأتته ولايته من المتوكل، فلم يزل على ولايته حتى/ (٩١) قتل المتوكل وأقره/ المنتصر والمستعين ومن بعدهما إلى أن انتهت الخلافة إلى المعتمد على الله، وفوض الأمور لأخيه أبى أحمد الموفّق، فوردت كتب الموفّق فى سنة ثمان وخمسين ومائتين على محمد بن يعفر بولاية اليمن، فوجه عماله على المخاليف، وفتح حضرموت وكانت قد امتنعت على من قبله.
ثم أنه استخلف فى سنة اثنتين وستين ومائتين على عمله ابنه إبراهيم بن محمد، وحج وجدد له عهدا من الموفق، واستمر إبراهيم على ولايته إلى سنة سبعين ومائتين، وأمره جده يعفر بقتل ولديه محمد وأحمد ابنى يعفر، فقتلا بعد المغرب فى صومعة مسجد شبام، فانتشرت الأمور [١] عليه، وخالف عليه الفضل بن يونس المرادى بالجوف، وولد طريف غلامه بيحصب ورعين والمكرمان ببيجان، ومالوا إلى جعفر بن إبراهيم المناخى [٢] فوجه ابن يعفر إلى المخالفين عليه من حاربهم فكانت سجالا، وولى إبراهيم محمد الدّعّام [٣] الجوفين، ثم تغير عليه الدعام ونصب له الحرب، فسارت إليه عساكر إبراهيم فالتقوا بورور، فهزمهم الدعام وقتل منهم بشرا كثيرا، وقدم عهد بن يعفر على صنعاء ومخاليفها من الوزير صاعد [٤] بن مخلد وزير المعتمد، فاعتزل إبراهيم ابن محمد عن الإمارة، وولى أبو يعفر ابنه عبد الرحيم، فأقام بصنعاء مدة، ثم عزله أبوه حين قدم صنعاء سنة ثلاث وسبعين ومائتين، واستعمل على صنعاء ولاة كثيرة، وكان أكثر مقامه بشبام، ثم اجتمع أهل صنعاء- من الأبناء
стр. 12933
وغيرهم- والشهابيون على عماله بصنعاء، فقاتلوهم فقتل منهم/ (٩٢) خلق كثير، ثم طردوهم، ونهبوا دار أبى يعفر، وأحرقوها، ولم يلبث أبو يعفر بعد ذلك أن قتل بشبام آخر المحرم سنة تسع وسبعين ومائتين، فقام بالأمر بعده عبد القاهر بن أحمد بن أبى يعفر أياما حتى قدم من العراق على بن الحسين المعروف بجفتم [١] فى صفر من السنة عاملا على صنعاء وأعمالها، فقاتله الدعّام بمدينة صنعاء فهزمهم جفتم، وأقام بها إلى سنة اثنين وثمانين [ومايتين] ، ورجع إلى العراق فسار الدعام نحو صنعاء، فدخلها ثم هرب منها، ورجع الأمر إلى بنى يعفر ومواليهم.
ثم إن أبا العتاهية بن الرّويّة المذحجى استدعى الهادى إلى الحق يحيى ابن الحسين بن القاسم من صعدة إلى صنعاء، فدخلها فى آخر المحرم سنة ثمان وثمانين ومائتين، فدعا الهادى إلى نفسه، فبايعه الناس، وضرب اسمه على الدينار والدرهم، وكتب فى الطّرز، ووجه عماله إلى المخاليف، فقبضوا الأعشار، وخرج إلى يحصب ورعين ونواحيها، واستخلف على صنعاء أخاه عبد الله بن الحسين، فأقام أياما، وعاد إلى صنعاء، ثم خرج منها إلى [٢] شبام واستخلف ابن عمته على بن سليمان على صنعاء، وكان بنو يعفر وآل طريف بعضهم فى سجن صنعاء، وبعضهم فى سجن شبام، فاجتمعت همدان [٣] وسواها، وقصدوا الهادى إلى شبام، فقابلوه بها، ووثب من بصنعاء على نائبه فأخرجوه، وكسروا السجن، وأخرجوا من به من آل يعفر وآل طريف، فاستولى عبد القاهر بن أبى الخير بن يعفر على صنعاء وخرج الهادى من شبام فأقام/ (٩٣) بريدة وبيت [٤] زود شهرا ثم عاد إلى صنعاء فى جيش كبير وجعل صاحب جيشه أبا العتاهية فلقيته جيوش آل يعفر بالرحبة [٥] ، فهزمهم، ودخل
стр. 12934
صنعاء، وانحاز آل يعفر [١] إلى شبام، ومتولى الأمر فيهم أسعد بن أبى يعفر، وابن عمه عثمان بن أبى الخير، فأقامت الحرب بينهم سجالا مدة، ثم رجع الهادى إلى صعدة فى جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين ومائتين، فعادت صنعاء إلى آل أبى يعفر، ودخلها مولاهم إبراهيم بن خلف، وصالح أبا العشيرة ابن الرّويّة على أن مخاليف مذحج فى جميع اليمن إليه.
ولما توفى المعتضد بالله فى سنة تسع وثمانين [ومايتين] ، وولى ولده المكتفى، ولى اليمن مولاهم نجح بن نجاح، فوردت كتبه على عثمان بن أبى الخير، وأسعد بن أبى يعفر بتجديد ولايتهم، ثم قدم جفتم للمرة الثانية واليا على اليمن، فلما وصل إلى يأزل (قرية من قرى بنى شهاب) خرج إليه جرّاح وإبراهيم ابنا خلف كالمسلّمين عليه، فقبضا عليه، وصار جيشه إليهما، وحبساه مدة، ثم احتال وخرج، وسار إلى صنعاء فانضم إليه الجند الذين بها، وأصحابه الذين وصلوا معه، وأسعد وعثمان يغدوان عليه فى كل يوم يسلمان عليه، وسألهما تسليم الأمر إليه فاستنظراه أياما، فجمع أصحابه وكبسهما،/ فأراد [٢] الهرب، فلم يمكنهما، فخرجا فى مواليهما ومن انضم إليهما من أهل صنعاء فقاتلاه، فقتل فى نفر من أصحابه، ومال الجيش إليهما وأكل قوم من أهل صنعاء من لحم جفتم، ثم وثب أسعد على ابن عمه عثمان فحبسه، واستبد بالأمر إلى سنة ثلاث وتسعين ومائتين.
/ (٩٤) ذكر أخبار على بن الفضل والمنصور بن حسن بن زادان دعاة عبيد الله المنعوت بالمهدى
قال: ودخل على بن الفضل القرمطىّ، وأصله من اليمن من حمير، والمنصور وهو [ابن] الحسن بن زادان بلاد اليمن داعيين لعبيد الله المنعوت بالمهدى، وتحيّلا وتلطّفا، واستمالا الناس حتى غلبا على أكثر البلاد، وكانت
стр. 12935
لهما حروب باليمن، وقتلى كثيرة يطول الشرح بذكرها، وخرج الأمر فى غالب بلاد اليمن عن بنى العباس سنين كثيرة، ثم ظهر الزّيديّة والإماميّة، وكانت لهم حروب كثيرة، ووقائع مشهورة، حتى استولى على بن الفضل على صنعاء، فانهزم منه أسعد بن أبى يعفر، فعند ذلك أظهر ابن الفضل مذهبه الخبيث، وادعى النّبوّة، وكان يؤذن فى عساكره بالشهادة أنه رسول الله، وأباح المحرمات، وفى ذلك يقول شاعر فى عصرهم [١] :
خذى الدفّ يا هذه واضربى ... وغنى هزارك ثم اطربى
تولّى نبى بنى هاشم ... وهذا نبىّ بنى يعرب
لكلّ نبىّ مضى شرعة ... وهذى شريعة هذا النبى
فقد حطّ عنا فروض الصلاة ... وحطّ الصيام ولم يتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضى ... وإن صوّموا فكلى واشربى
ولا تطلبى السعى عند الصفا ... ولا زورة القبر فى يثرب
/ (٩٥) ولا تمنعى نفسك المعرسي ... ن [٢] من الأقربين ومن أجنبى
فمن أين حلّلت للأبعدي ... ن وصرت محرّمة للأب؟
أليس الغراس لمن أسّه ... وسقّاه فى الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء ... حلال فقدّست من مذهب
وجعل دار ملكه المذيخرة. ولما ادعى ابن الفضل النبوة، وأسقط اسم عبيد الله المهدى، وغضب المنصور بن الحسن بن زادان- وهو صاحب مسور-
стр. 12936
لذلك، وخالف على ابن الفضل، خرج ابن الفضل لحربه، وذلك فى سنة تسع وتسعين ومائتين، فذكّره المنصور حقوق عبيد الله المهدى وابنه، وأنهما نعمة من نعمهما، فلم يلتفت إليه ابن الفضل وحصره ببيت دحان [١] أشهرا، ثم انصرف عنه ابن الفضل.
ومات المنصور فى سنة اثنتين وثلاثمائة، ثم مات ابن الفضل بالمذيخرة فى سنة ثلاث وثلاثمائة، وذلك أنه احتاج إلى الفصاد، فأحضر طبيبا وجرده من ثيابه، وغسل المفصد، وهو ينظر إليه، وكان الطبيب قد جعل السمّ فى شعر رأسه، فلما غسل المفصد مسحه على شعره كالمجفف له، فعلق به السم، فلما فصده أهلكه الله تعالى، فاجتمعت رؤساء اليمن مع الحوالى، وقصدوا المذيخرة، فحصرها سنة ورماها بالمجانيق، حتى تسلمها، وسبى منها بنات على بن الفضل، ففرقهن فى رؤساء العرب، واضمحل أمر القرامطة الدعاة للعبيديين باليمن إلى أن قام بأمرهم على بن محمد الصّليحى فى سنة تسع وثلاثين وأربعمائة، على ما نذكر ذلك،/ (٩٦) إن شاء الله تعالى، فلنذكر أخبار الزيدية [٢] .
ذكر نبذة من أخبار الزيدية وغيرهم
/ قال: وقام الناصر أحمد بن الهادى يحيى بن الحسين بن القاسم بعد موت أبيه، واعتزال أخيه المرتضى، فاستولى على أكثر اليمن الأعلى، ودخل عدن فى ثمانين ألفا، ومات فى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وكان أسعد بن أبى يعفر قد صالح ابن الفضل، فوّلاه صنعاء، فلم يزل عليها وعلى مخاليفها إلى سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة، ومات بحصن كحلان، ودامت صنعاء بيد بنى يعفر ومواليهم مع كثرة اختلافهم وقيام من قام عليهم بسبب ذلك إلى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، ووصل المختار بن الناصر بن الهادى إلى ريدة، فخرج من بصنعاء من بنى الضحاك إليه، فولاها المختار أبا القاسم بن يحيى بن
стр. 12937
خلف، ولم يلبث الضحاك أن غدر بالمختار، فحبسه فى قصر ريدة فى صفر سنة خمس وأربعين وثلاثمائة، فاستمر فى الحبس إلى شوال من السنة، وقتله [١] ، وكان على بن وردان- من موالى آل يعفر- قد غلب على صنعاء، وثار الأسمر يوسف ابن أبى الفتوح- وقام معه قومه خولان- يعارض بنى يعفر وبنى الضحاك، فقصدوه وهو بجدان [٢] ، فهزمهم، وقتل من همدان خلقا كثيرا، ثم مات فى سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة واستخلف أخاه سابورا، فسار إليه الضحاك وابن أبى الفتوح إلى/ (٩٧) بلد خولان فلم يظفرا منه بشىء، فعاد الضحّاك إلى صنعاء، وسار سابور يريد ذمار، فلحقه الأسمر فقتله فى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وكاتب الضحاك أبا الجيش ابن زياد صاحب زبيد بالطاعة، وخطب له بصنعاء فى شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
ولما تعطلت المخاليف من يحصب ورعين، وظهر أمر السفهاء اجتمع الوجوه إلى الأسمر بن أبى الفتوح، وسألوه أن يكاتب الأمير [٣] عبد الله بن قحطان بن أبى يعفر- وهو يومئذ بشبام- أن يقوم بالأمر، فخرج الأمير [٣] عبد الله بن السرّ [٤] فأقام به مع ابن أبى الفتوح أياما، ثم سار نحو كحلان، فأقام به مدة، ورجع إلى صنعاء، فدخلها فى سنة ثلاث وخمسين [وثلاثمائة] ، فانهزم الضحّاك منها [٥] ، ولم يلبث ابن قحطان أن خرج من صنعاء، واستعادها الضحاك، وأعاد الخطبة لابن زياد، فلم يستقر له أمر، وعاد أمر البلاد لابن قحطان، فأقام يتردد من شبام إلى كحلان إلى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة، وتجهز للنزول بزبيد [٦] ، فلقيه صاحبها ابن زياد، واقتتلوا، وكانت الدائرة على ابن زياد، وقتل من عسكره خلق كثير، ودخل ابن قحطان زبيد فى شهر ربيع من السنة، فنهب دور ابن زياد، ونهب عسكر زبيد أقبح نهب، وأقام بها ستة أيام، وعاد نحو كحلان،
стр. 12938
وخطب للعزيز صاحب مصر، وقطع ذكر بنى العباس، ثم قصد ابن قحطان مخلاف جعفر، فملكه فى سنة ثمانين [وثلاثمائة] ، وأقام بإبّ، فاضطرب عليه أهل المخلاف، فأمر بعمارة المنظر، وتحول إليه من إب وجعل أمر ألهان [١] إلى أسعد بن أبى الفتوح.
ثم مات فى سنة سبع وثمانين وثلاثمائة،/ (٩٨) فقام بما كان إليه بعده ولده أسعد بن عبد الله، وكان ظهور الإمام يوسف بن يحيى بن الناصر بن الهادى فى سنة ثمان وستين وثلاثمائة، وكانت له حروب مع ابن أبى الفتوح وابن الضحاك وغيرهما، ودخل صنعاء ثم فارقها، وكان يحارب ابن أبى الفتوح مرة ويصالحه أخرى، ولم يزل أمر صنعاء فى غاية الاضطراب إلى سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، تارة يغلب عليها الإمام وابن أبى الفتوح، وتارة الضحّاك، وتارة حاشد، والعرب من همدان وحمير وخولان وبنى شهاب مفترقة على هؤلاء، فمن كثر جمعه غلب عليها، ولم يكن الإمام يوسف هذا من الأئمة السابقين عند أهل البيت، ولا عدّوه من أئمة الزيدية.
فلما كان فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة وصل الإمام المنصور القاسم بن على بن عبد الله/ بن محمد بن القاسم بن إبراهيم، وهو أحد أئمة الزيدية فاضلا فيهم مصنفا، وكان مقامه قبل ذلك بترح [٢] من بلد خثعم، ثم أقام بتبالة، ووصل صعدة وملكها، وسار إلى نجران، وأرسل إلى صنعاء من قبله شريفا يعرف بالقاسم بن الحسين الزيدى، فتصرف فى صنعاء بأحكام الإمامية، ثم خالف أهل نجران على الإمام، وكانت له حروب إلى أن مات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، فوصل ابن أبى حاشد إلى صنعاء، وخطب للزّيدى، ثم تغيرت عليه الأحوال، فخرج منها بغير سلطان، ودامت الفتنة بصنعاء، وهى فى أكثر أوقاتها/ (٩٩) بغير سلطان، والغالب عليها الضحاك إلى سنة أربعمائة، فسار جماعة من همدان وبنى شهاب إلى الزيدى إلى ذمار، فسار معهم إلى صنعاء، فدخلها فى ذى القعدة من السنة.
стр. 12939
فلما كان فى صفر سنة إحدى وأربعمائة وصل الحسين بن القاسم بن على إلى قاعة [١] وادعى أنه المهدى الذى بشّر به النبى ﷺ ، فأجابه حمير وهمدان وسائر أهل المغارب، وتخلوا عن الزيدى، فوصل إلى صنعاء اليمن، وكانت بينه وبين الزيدى حروب، فقتل الزيدى فى حقل [٢] صنعاء فى سنة ثلاث وأربعمائة، ورجع الإمام الحسين بن القاسم الزيدى إلى ريدة وترك أخاه جعفرا بصنعاء، ثم كانت له حروب مع محمد بن القاسم الزيدى، وكان ابن الزيدى قد جمع جموعا كثيرة، فانهزم ابن الزيدى، واستولى الحسين على صعدة وغيرها، ثم خالفه المنصور بن أبى الفتوح بصنعاء وبنو شهاب وبنو حريم وغيرهم، ونهبوا داره، وخرجت الشيعة من صنعاء بعد أن نهبت دورهم، فجمع الإمام عسكرهم، فقاتلوه فهزموه، وقتل من عسكره خلق كثير، وأعاد الناس أبا جعفر قيس بن الضحّاك إلى إمارة صنعاء، فأقام بها إلى المحرم سنة أربع وأربعمائة، فبلغه ما جمع الإمام من العساكر، فخرج من صنعاء محتقرا مهزوما، وكانت القبائل المخالفة على الإمام تجتمع إليه فاضطربوا، ثم قويت قلوبهم وساروا إلى الإمام فقاتلوه فهزموه، فبقى فى مائة فارس، فعلمت به همدان فلقوه وقاتلوه/ (١٠٠) فغشيهم بنفسه مرارا فى كلها. يخرق صفوفهم، ثم قتلوه، وذلك فى صفر سنة [٣] أربع وأربعمائة، وقتل وهو لم يبلغ الثلاثين سنة.
ولما قتل سار ابن أبى حاشد إلى صنعاء فأقام بها إلى ذى الحجة من السنة ولم يتم له أمر مع همدان، فخرج منها، وتعطلت من السلطنة إلى النصف من شوال سنة خمس وأربعمائة، ووصلها أبو جعفر أحمد بن قيس [بن محمد بن الضحاك الهمدانى] [٤] فأقام بها إلى ربيع سنة ست [وأربعمائة] وخرج منها، ورفع أيدى عماله، فتعطلت أيضا إلى سنة ثمان [وأربعمائة] ، وراجعت همدان أبا جعفر فى الرجوع إلى الإمام، فأجابهم.
стр. 12940
وفى سنة عشر وأربعمائة ثار يزيد بن القاسم الزيدى مع قوم من بنى شهاب بن مروان، فقتلوه بأشيح [١] ، فسار إليهم ابن أبى الفتوح، وأمده القائد مرجان صاحب الكدراء، وعاضده ابن أبى حاشد، ثم نزل ابن أبى الفتوح إلى تهامة، فتلقاه القائد بالكدراء بأحسن لقاء، وعاد فأقام بألهان، حتى خرج زيد من أشيح وسلمه للقائد، وتحالفت همدان والأبناء على بنى شهاب بأمر القائد، فحاربوهم مرارا، ثم اصطلحوا، ووصل جعفر بن القاسم أخو الحسين من صعدة إلى [محلة] [٢] عيان، فاستدعته همدان وحمير، فسار إلى صنعاء، فدخلها آخر سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، فأقام بها إلى المحرم، وسار إلى صعدة بطائفة من الناس، فنهبها، وخرّب دورا، وقتل ناسا، وقد كان ذعفان [٣] وابن أبى حاشد خالفا عليه عند مسيره إلى صنعاء، فلما رجع جعفر إلى عيان سألته همدان/ (١٠١) العود إلى صنعاء فكرهه، ثم وقع الخلف بين همدان وذعفان وابن أبى حاشد، فاستدعوا جعفر بن القاسم، فأدخلوه صنعاء فى صفر سنة خمس عشرة، وطالب الناس مطالبة شديدة، وأقام بها مدة يحارب ذعفان وابن أبى/ الفتوح ثم اصطلحوا ونزل ذعفان إلى القائد فى الكدراء فأحسن القائد تلقيه، وأمده بأموال جليلة، وكتب معه إلى المنتاب صاحب مسور، وأمرهم جميعا بحرب جعفر، فاجتمعوا عليه، فخرج إلى بيت شعيب، فحصرته همدان وحمير، وأعادوا ابن أبى حاشد إلى إمارة صنعاء، وهجم أهل بيت خولان على محطة حمير، وقتلوا منهم مائة رجل، وانهزم عسكر المنتاب، وذلك فى المحرم سنة ست عشرة وأربعمائة، ثم تهادنوا إلى آخر السنة.
ولما كان فى ثمان عشرة وأربعمائة ظهر إنسان بناعط، ولم يعرف الناس اسمه، وذكر أنه يتسمى عند ظهور رايته من المشرق، وسار إلى مأرب وبها المؤمن [٤] بن أسعد بن أبى الفتوح، وتلقاه أحسن لقاء، وأقام عنده وسطر كتبه
стр. 12941
من عبد الله الإمام المعيد لدين الله الداعى إلى طاعة الله الدافع لأعداء الله، وأنفذها إلى النواحى، فبلغ القائد مرجان قيام المؤمن [١] بن أسعد معه، فغضب على المنصور بن أسعد، وأعاد كتبه مختومة، فغضب المنصور، وانضم إلى هذا الإمام، ودخل صنعاء فى شهر رمضان سنة ثمان عشرة (وأربعمائة) وخطب له بها ابن التّقوى قاضى صنعاء بالإمامة، ثم خرج منها، وخالف عليه من كان انضم إليه، فقتلوه فى آخر ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، واشتد القحط باليمن من هذه السنة إلى سنة اثنتين وعشرين، وصنعاء خالية من/ (١٠٢) السلطنة.
وفى شهر رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة ظهر الإمام أبو [٢] هاشم الحسن بن عبد الرحمن إماما، وتسمى بالنفس الزّكيّة، ومعه ولده حمزة بن أبى هاشم وإليه ينسب الأشراف الحمزيون، فقصد صنعاء، فهرب منه ابن أبى حاشد، ووصل المنصور بن أبى الفتوح، فبايعه ورجع إلى بلده، واستمر هذا الإمام إلى سنة تسع وعشرين، فخالفت عليه همدان، فدخل ابن أبى حاشد صنعاء، ثم خرج منها فتعطلت من السلطنة إلى سنة إحدى وثلاثين، فاستدعت همدان جعفر بن القاسم، فدخل صنعاء فى ربيع من السنة، ثم كان بينهم اختلاف يطول شرحه، وخلت صنعاء أيضا من السلطنة إلى شوال سنة سبع وثلاثين وأربعمائة.
ووصل الإمام أبو الفتح الناصر بن الحسين الدّيلمىّ [٣] مدّعيا للإمامة، وانضمت إليه همدان وجميع العساكر، ونهب صعدة، وخرب دورا، وقتل من خولان مقتلة عظيمة، ودخل صنعاء فى ذى القعدة من السنة، وأقام إلى صفر
стр. 12942
سنة ثمان وثلاثين [وأربعمائة] ، ودخل ابن أبى الفتوح، فبنى له فى حصن علب قصرا بالجص والآجر، وكاتب له المنصور عبسا، فأقبل من رؤسائهم مائة فارس، فدخلوا فى طاعة الإمام، وبايعوه، والتحق به أيضا الأمير جعفر بن القاسم، فجعله أمير الأمراء بينهما، ولم يتم.
وتمالأ جعفر وابن أبى حاشد على حرب الإمام، وخرجا من صنعاء فأمر الإمام بخراب دور بنى الحارث،/ (١٠٣) وبنى مروان، فغضب ابن أبى الفتوح وابن أبى حاشد لذلك، ودخلا صنعاء، ورفعا أيدى ولاة الإمام، وقطعا اسمه من الخطبة، فخرج هاربا، ثم رجع إلى بلد عنس، ووصل إليه جعفر، وأقاموا بصنعاء، ثم مات السلطان يحيى بن أبى حاشد فى أول سنة أربعين وأربعمائة، فأغلقت أبواب صنعاء ولم يبايع الناس ثلاثة أيام، وأقام الناس ابنه أبا حاشد، وحلفت له همدان.
ذكر أخبار دولة على بن محمد الصّليحىّ
وفى ليلة الاثنين ثالث جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وأربعمائة [١] ظهر على بن محمد الصليحى/ واستولى على اليمن فى أقرب مدة داعيا إلى الدولة العبيدية، وكان من خبر قيامه وابتداء أمره أنه لما مات المنصور الحسن ابن زادان صاحب مسور الذى قدمنا ذكره- وهو أحد الداعيين لبنى عبيد [الله] فى سنة اثنتين وثلاثمائة- كما ذكرنا- استخلف على أهل دعوته رجلا من بنى شاور يقال له «عبد الله بن عباس» [٢] وابنه حسين بن المنصور، وأمرهما بالمحافظة على دينهما، وألا يقطعا دعوة بنى عبيد الله، وأمرهما بمكاتبة المهدى، فإذا ورد أمره بولاية أحدهما سمع الآخر له وأطاع، وكان المهدى يعرف عبد الله بن عباس [٢] فكتب إليه ابن عياس [٢] يعرفه وفاة المنصور،
стр. 12943
وأنه قد قام بالدعوة فوصلت إليه كتب المهدى بولايته، وعزل أولاد المنصور، وبعث إليه سبع رايات، فسار أبو الحسين [١] بن المنصور إلى المهدى/ (١٠٤) بإفريقية، فأمره بطاعة ابن عياش [٢] وقد أيس من الرئاسة، فعمل على قتل ابن عياش [٣] فنهاه أخوته فلم ينته، واستولى على الأمر، ولم يدع مكاتبة المهدى، ثم خرج أبو الحسين [٤] بن منصور إلى عين محرم، وفيه رجل من قبله يقال له ابن العرجى واستخلف على مسور إبراهيم بن عبد الحميد السباعى [٥] ، وهو جد [٦] بنى المنتاب، فوثب ابن العرجى على أبى الحسين [٧] فقتله، فاستولى إبراهيم على مسور، وادعى الأمر لنفسه، وأخرج أولاد المنصور وحريمهم عن مسور إلى جبل بنى أعسب، فوثب عليهم المسلمون، فقتلوهم الصغير والكبير، وسبوا حريمهم.
ثم اتفق إبراهيم وابن العرجى، فاقتسما المغرب نصفين، لكل واحد منهما ما يليه، ورجع إبراهيم إلى مذهب السّنّيّة، وخطب للخليفة العباسى، وتتبع القرامطة بالقتل والسبى [٨] ، ونصّب من بقى منهم داعيا يعرف بابن الطّفيل، فقتله إبراهيم، ثم مات إبراهيم، فولى بعده ابنه المنتاب بن إبراهيم، وانتقلت الدعوة الخبيثة بعد ابن الطفيل إلى رجل يعرف بابن أقحم [٩] ، فخاف على نفسه من المنتاب، فكان لا يستقر فى موضع واحد، وكاتب المعز بعد وصوله إلى مصر، فلما حضرته الوفاة استخلف رجلا من شبام [١٠] يعرف بيوسف بن الأسد [١١] ، فأقام دعوتها مدة حياته، واستخلف رجلا من شبام اسمه سليمان بن عبد الله الزواحى [١٢] من حمير، فدعا إلى الحاكم ومن بعده، وكان كثير المال والجاه، فاستمال الرعاع والطغام إلى مذهبه، وكان إذا هم به المسلمون يقول:
стр. 12944
«أنا رجل مسلم فكيف يحل قتلى؟» ، وكان فيه كرم نفس،/ (١٠٥) وإفضال على الناس.
وكان الصّليحى كثير الاختلاط به، والحظوة لديه، فتفرّس فيه، فلما حضرته الوفاة أوصاه بالدعوة، وأعطاه مالا كثيرا كان قد جمعه من أهل دعوتهم، وأقام الصليحى باليمن دليلا للحاج على طريق السراة خمس عشرة سنة، وهو مع ذلك يعمل الحيلة فى ظهور أمره، فطلع مسارا [١] ، وهو أعلى ذروة فى جبال حراز [٢] ، ومعه قوم قد بايعوه على الموت، فأحاط بهم جميع أهل حراز [٢] ، وتهددوه بالقتل، فدافعهم بالحيل، وقال: إنما لزمته خوفا أن يلزمه الغير فتلحقنا جميعا المضرّة، ولم يمض عليه أشهر حتى بناه وحصّنه وأمره يستفحل، وشأنه يظهر، فلما ظهر بمسار [١]- ومعه قوم من الحجاز وسنحان ويام وجشم وهبرة- حصره جعفر بن القاسم فى الأحبوش، وهم خلق كثير، ورجل يسمى جعفر بن العباس [شافعى المذهب سار مع جعفر لحصاره فى ثلاثين ألفا، فأوقع الصليحى بجعفر بن العباس] [٣] فى محطته فى شعبان من السنة، فقتله فى جمع عظيم، فتفرق الناس عنه، ثم طلع إلى جبل حضور فافتتحه، وأخذ حصن يناع، وجمع له ابن أبى حاشد صاحب صنعاء فالتقوا [بصوف] [٤] ، فقتل ابن أبى حاشد وألف رجل، وسار إلى صنعاء فملكها، وطوى اليمن طيا بسهله وجبله.
وفى سنة خمس وخمسين وأربعمائة استقرّ ملك الصّليحى بجميع اليمن من مكة إلى حضرموت سهلها وجبلها، واستقر بصنعاء، وأسكن معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، واختط بصنعاء عدة قصور، واستعمل صهره/ (١٠٦) أخا زوجته- أسعد بن شهاب على زبيد، فدخلها فى سنة ست وخمسين وأربعمائة، وأحسن سيرته فى الرعية، وفسح لأهل السنة فى إظهار مذاهبهم، وكان يحمل من تهامة/ إلى صنعاء فى كل سنة- بعد أرزاق الجند الذين بها وغير ذلك من الأسباب اللازمة- ألف ألف دينار عينا.
стр. 12945
ذكر مقتل الصّليحى وقيام ابنه المكرّم
وفى سنة تسع وخمسين وأربعمائة توجه الصليحى إلى مكة شرفها الله تعالى، واستخلف ابنه المكرم على الملك، وسار فى ألفى فارس منهم من آل الصليحى مائة وستون رجلا واستصحب معه ملوك اليمن الذين أزال ملكهم خوفا أن يثوروا بعده فى البلاد، وسار حتى نزل بظاهر المهجم بضيعة تعرف بأم الدّهيم وبئر أم معبد، وخيمت عساكره حوله، فلما كان فى الثانى عشر من ذى القعدة لم يشعر الناس فى نصف النهار إلا وقد قيل لهم قتل الصّليحى.
وكان سبب قتله أنه لما استولى على زبيد فى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وقتل صاحبها نجاحا بالسم، وكان قد أهدى له جارية وأمرها فسمّته، فهرب أولاد نجاح: سعيد الأحول وجيّاش وغيرهما، فلحقوا بأرض الحبشة، وشاع على ألسنة المنجّمين وأهل الملاحم أن سعيدا الأحول قاتل على ابن محمد الصّليحى، وبلغ ذلك الصّليحى فاستشعره، وبلغ سعيدا فترقت إليه همته، وتهيّأ لأسبابه، فلما بلغه مسير/ (١٠٧) الصليحى إلى الحجاز خرج من أرض الحبشة، فعارضه فى خمسة آلاف حربة كان قد انتقاها حين خرج من ساحل المهجم، وهجم على الصليحى فى نصف النهار، والناس مقيلون فى خيامهم غير مستعدين لحرب، فدخل عليه خيمته فى أهل بيته، وعنده دوابّ النوبة، وهو يريد الركوب، فقتلوه [١] ، وقتلوا أخاه عبد الله، وتفرّقوا فى المحطة، فقتلوا من وجدوا، واستولى سعيد الأحول على خزائن الصليحى وأمواله، وكان قد استصحب منها أموالا جليلة، وجمع آل الصليحى خاصة فقتلهم رميا بالحراب، وأخذ أسماء بنت شهاب، فأركبها هودجا، وجعل رأس الصليحى ورأس أخيه أمام هودجها حتى دخل زبيد، وتركها فى دار والرأسان منصوبان قبالة طاق الدار التى هى فيها، وفى ذلك يقول شاعرهم العثمانى [٢] من قصيدة:
стр. 12946
بكرت مظلّته عليه فلم ترح ... إلا على الملك الأجلّ سعيدها
ما كان أقبح وجهه فى ظلها ... ما كان أحسن رأسه فى عودها
سود الأراقم قابلت أسد الشّرى ... يا رحمتا لأسودها من سودها
فأقامت تحت الأسر سنة، ثم تلطفت فى الكتابة إلى ابنها المكرّم تقول:
إنها قد حملت من الأحول، ولم يكن رآها قطّ وإنما أرادت أن تستنفر حفايظ العرب، فلما وصل الكتاب الى ابنها جمع رؤوس القبائل، وقرأه عليهم، فثارت حفائظهم، وخرج من صنعاء فى ثلاثة [١] آلاف فارس غير الراجل، فخطبهم فى الطريق، وقال: «إنما تقدمون على الموت، فمن أراد أن يرجع فمن مكانه» فيقال: إنه رجع بعضهم وسار فى الباقين، وبلغ الأحول،/ (١٠٨) فجمع جموعه فى عشرين ألف حربة، فطحنتهم خيل العرب، وقتل أكثرهم، فركب الأحول فى خواصّه وأهل بيته خيولا مضمّرة كان أعدها للهرب، وهرب إلى الساحل، وقد أعدت له هناك سفن فركبها، وتوجه نحو دهلك [٢] ، ودخلت العرب زبيد، فكان أول فارس وقف تحت طاق أسماء ولدها المكرم، فسلم عليها، فلم تعرفه، وقالت: من أنت؟ فقال: أحمد بن على، فقالت أحمد بن على فى العرب كثير، وأمرته أن يرفع المغفر، فرفعه، فقالت: مرحبا بمولانا المكرم، فأصابته ريح ارتعش لها، واختلج وجهه، فكان كذلك سنين كثيرة حتى مات، وأعاد المكرّم خاله أسعد بن شهاب إلى ولاية زبيد والأعمال التهامية، ورجع بأمه إلى صنعاء فأقامت مدة وماتت.
ثم جمعت الحبشة لأسعد بن شهاب، فأخرجوه من زبيد، وعادت إلى ملكهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبارهم.
قال: ثم إن المكرم بن الصليحى فوّض الأمور إلى زوجته الحرة، واسمها سيّدة [٣] ابنة أحمد بن جعفر الصليحى، وكان الصليحى يكرمها/ قبل مقتله،
стр. 12947
ويقول لزوجته أسماء: هى والله كافلة ذرارينا، القائمة بهذا الأمر لمن بقى منا، فلما ماتت أسماء فوض المكرم الملك والأمر لزوجته الحرّة، وخلا للشراب واللذات، فارتحلت من صنعاء حتى بنت دارها بذى [١] جبلة، وتعرف بدار العز، ونقلته إليها، فاستخلف على صنعاء عمران بن الفضل اليامى، حتى مات فى سنة/ (١٠٩) أربع وثمانين وأربعمائة، فأسند الأمر إلى ابن عمه.
السلطان سبأ بن أحمد بن المظفّر الصّليحى
وكان دميم الخلق لا يكاد يظهر من السرج بطائل، وكان جوادا شاعرا قائما بأحوال الملك، وأياه عنى ابن [٢] القم بقوله:
ولما مدحت الهبرزىّ [٣] ابن أحمد ... أجاز وكافانى على المدح بالمدح
وعوّضنى شعرا بشعرى وزادنى ... عطاء فهذا رأس مالى وذا ربحى
شققت إليه الناس حتى رأيته ... فكنت كمن شقّ الظلام إلى الصّبح
وكان مستقر ملكه حصن أشيح وما إليه من الجبال المطلّة على زبيد، وكانت الحرب بينه وبين أهل نجاح سجالا، فبيّتوه فى بعض الليالى، وكبسوا عسكره، فقتلوا أكثرهم، ونجا سبأ على قدميه عامة ليلته حتى وجد من حمله على فرس فى آخر الليل، فلم تعد العرب بعد ذلك إلى تهامة.
وخطب سبأ الحرّة السيدة، فلم تجبه، وأنكرت ذلك غاية الإنكار، فتحاربا مدة، فقيل له: ما تجيب إلا بأمر المستنصر خليفة مصر، فأرسل فى ذلك إلى المستنصر رسولين، فعادا ومعهما خادم من أكابر خدّام المستنصر بألفاظ حسنة، فردت بأحسن منها، وقال لها: أمير المؤمنين يقول لك:
стр. 12948
وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
[١] قالت: وما ذاك؟ قال: «قد زوّجك أمير المؤمنين من الداعى الأوحد المظفر عمدة الخلافة، أمير الأمراء أبى حمير سبأ بن أحمد/ (١١٠) بن المظفّر الصّليحى على ما حضر من المال، وهو مائة ألف دينار عينا، وخمسون ألفا من التحف والألطاف والطيب والكساء» ، فقالت: أما كتاب مولانا صلوات الله عليه، وأمره فأقول فيه: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ، وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[٢] ولا أقول فى أمر مولانا يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي ما كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ
[٣] وأجابت إلى العقد، فأقبل سبأ فى جموع عظيمة إلى ذى جبلة، فتلقتهم من الضّيافات والعطايا الواسعة للناس، والنفقات على العساكر بما بهر سبأ، وصغّر قدر نفسه عنده، وأقام هو ومن معه على ذلك شهرا، ثم استأذنها فى الدخول عليها، فأذنت له، فقيل: إنه اجتمع بها ساعة واحدة، وقيل بعثت إليه بجارية تشبهها، وأصبح سائرا، فلم يجتمعا بعد ذلك، ومات سبأ، فأقامت الحرة للذبّ عن ملكها، والقيام بأمرها.
المفضّل بن أبى البركات بن الوليد الحميرى
وهو تربيتها، فعظم شأنه وعلت كلمته، وغزا تهامة مرارا، وكان إليه ولاية التّعكر [٤] وبه ذخائر بنى الصليحى وأموالهم، وكان يتولاه من قبله رجل من الفقهاء فطلع إليه جماعة من الفقهاء السّنّية من المخلاف، فحسنوا له الخلاف، فخالف على المفضل، واستولى على الحصن وما فيه من الذخائر، فجاء المفضل، وحصره أشد حصار، فقال بعض الفقهاء: والله لا بت حتى أقتل المفضل، فعمد إلى حظايا المفضل اللواتى يميل إليهن،/ (١١١) فألبسهن فاخر الحلى والحلل، وأطلعهن أسطح القصور، فضربن بالدفوف والمعازف بحيث يراهن المفضل وجميع عسكره، وكان المفضل أشد الناس غيرة، فمات
стр. 12949
من ليلته كمدا وقيل: امتص خاتما فأصبح/ ميتا والخاتم فى فمه، فعند ذلك طلعت الحرة من ذى جبلة، فخيمت بالرّبادى، وكاتبت الفقهاء ولا طفتهم، وكتبت لهم خطها بما اقترحوه من أمان وأموال، وتسلمت الحصن فولته أحد مواليها.
وقدم على أثر ذلك على بن أحمد [١] المعروف بابن نجيب الدولة رسولا من قبل الخليفة بمصر إلى الحرة، وكان عاقلا حسن التدبير فقام بأمر الحرة، وغزا أهل الأطراف، فاستقر أمره، واشتدت شوكته، واستخدم أربعمائة فارس من همدان وغيرهم من عرب اليمن، فقوى بهم، وغزا ملوك زبيد، ولم تزل أموره مستقيمة حتى بلغ الحرة عنه أنه قال: إنها قد خرفت ولا تصلح لتدبير الملك، فتنكرت له، وأغرت به ملوك اليمن، وكانوا تحت طاعتها كعمران اليامى، وعمرو الجنبى، وكل منهما يسير فى ألف فارس، فحصروه حتى جهد، فلما اشتد به الحصار فرقت الحرة عشرة آلاف دينار مصرية، وأشاعت فى الناس أنها من ابن نجيب الدولة، فطلبت العساكر من ملوكها الأموال والأرزاق، فغالطوهم فارتحلوا، وتفرق الناس، فقيل لابن نجيب الدولة: هذا من تدبير التى قلت إنها قد خرفت، فركب إليها إلى ذى جبلة، فاعتذر إليها.
ثم قدم رسول/ (١١٢) من الديار المصرية، فلم يحتفل به ابن نجيب الدولة، فشق عليه ذلك، والتحق به أعداء ابن نجيب الدولة، فقال لهم: اكتبوا على يدى كتابا «أنه دعاكم إلى البيعة لنزار [٢] ، واضربوا سكة نزار، وأنا أوصلها إلى الخليفة الآمر [٣] بأحكام الله» ففعلوا ذلك وفعل، فبعث الآمر أميرا، فقبض عليه، وسيره إلى مصر، فأرسلت الحرة إلى مصر رسولا، فشفع فيه، فلما توسطوا البحر غرّقهم الموكّلون بهم بمواطأة ذلك الأمير، وانتقلت الدعوة إلى آل زريع.
стр. 12950
ذكر أخبار ملوك الدولة الزّريعيّة
قال: ولما جهز ابن نجيب الدولة إلى الديار المصرية انتقلت الدعوة إلى الداعى سبأ بن أبى السعود بن زريع بن العباس بن المكرم بن يام بن أصبى [١] ، من حاشد من همدان، وهو من بيت شرف ورئاسة، وكان لجده العباس سابقة محمودة، وبلاء حسن مع الصليحى فى القيام بالدعوة، ومع المكرم فى نزول زبيد.
ولما تغلب بنو معن على عدن وافتتحها المكرم، ونفى بنى معن، ولاها العباس ومسعود ابنى المكرم، فكانا كذلك إلى أن سارا مع المفضل بن أبى البركات إلى زبيد لقتال الحبشة، فقتلا على باب زبيد، فانتقل الأمر بعدن إلى أبى السعود بن زريع،/ (١١٣) وأبى الغارات بن مسعود حتى ماتا، فولى الأمر بعدهما الداعى سبأ بن أبى السعود، ومحمد بن أبى الغارات، فلما مات محمد ولى ما كان إليه من الأمر أخوه على بن أبى الغارات، وبيد الداعى سبأ مع عدن تبالة [٢] ، وله فى الجبال حصن الدّملوة، والسّانة، ومطر، وغيدان، وذبحان [٣] وبعض المعافر وبعض الجند، ثم وقع بينه وبين ابن عمه خلاف وقتال أجلت الحرب عن هزيمة أبى الغارات واستقلال الداعى سبأ بالأمر بمفرده، وصفت له البلاد، ودخل عدن، وأقام بها سبعة أشهر، ومات فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، فولى الأمر بعده ولده على الأعز، ووصل القاضى الرشيد أحمد بن الزبير من مصر بتقليده الدعوة، فوافاه قد مات فى سنة أربع وثلاثين، فقلدها أخاه.
محمد بن سبأ، ولقبه المعظّم المتوّج المكين
وكان الداعى محمد هذا ممدّحا [يقصده الشعراء، فيجزل لهم العطاء، وكان جوادا كريما، وتوسع فى الملك، وغلب على أكثر البلاد [٤]] ، وتوفيت الحرة السيدة بذى جبلة سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وانتقل ما كان بيدها
стр. 12951
من الحصون والذخائر إلى المنصور بن المفضل، فابتاع الداعى محمد بن سبأ هذا منه الحصون والبلاد فى سنة ست وأربعين وخمسمائة، مثل مدينة جبلة والتّعكر وحب/ وغيرها من حصون المخلاف وسواه، وطلع/ (١١٤) الداعى المخلاف، فسكن بذى [١] جبلة، وكانت وفاته فى سنة ستين وخمسمائة، ولم يزل الأمر فى ذراريهم إلى أن نفاهم سيف الإسلام بن أيوب.
وأما صنعاء فملكها بعد الداعى سبأ بن أحمد الصّليحى رجل من همدان يعرف بحاتم بن الغشم [٢] ، وكان ناهضا كافيا، وكان له ولد اسمه محمد لم يشاركه أحد فى شجاعته وجوده، إلا أنه كانت فيه لوثة واختلاط عقل، فكان إذا تزوج امرأة وأحبها قتلها، فتحاماه الناس فلم يزوجه [٣] أحد بعد ذلك، فخطب إلى بنى الصليحى أهل قيضان [٤] ، فأبوا أن يزوجوه، فألح عليهم فقالوا: «إذا ضمن أبوك زوّجناك» ، فلم يزل بأبيه حتى ضمن، وقال له أبوه: «إن قتلتها قتلتك» فقتلها بعد مدة، ولحق بحصن براش صنعاء، فلم يزل أبوه يخادعه ويلاطفه، حتى التقيا تحت المدرج، فوثب عليه أبوه فقتله، وقطع برأسه ودخل به صنعاء على رمح، وكانت لمحمد بنية فى بيت جدها، وقد سمعت أن جدها خرج ليأتى بأمها، فلم يفجأها إلا رأس أبيها على الرمح، فماتت فجأة، ثم مات حاتم بن الغشم، فانتقل ملك صنعاء ومخاليفها إلى:
السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامى
وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وكانت له حروب مع الإمام أحمد ابن سليمان، ومات حاتم بن أحمد فى سنة ست [٥] وخمسين وخمسمائة، فولى بعده ابنه حميد الدولة على بن حاتم، فخالفت عليه همدان، وقتلوا أخاه عمران،
стр. 12952
ثم استقاموا له،/ (١١٥) وقويت شوكته ونزل اليمن الأسفل لقتال بنى مهدى، فأوقع بهم فى الجبال، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وذلك فى ربيع سنة تسع وستين [وخمسمائة] .
ذكر أخبار سعيد الأحول، واستيلائه على زبيد ثانيا ومن ملك بعده من آل نجاح
قد ذكرنا أن المكرم هزم سعيدا الأحول، وقتل رجاله واستولى على زبيد، وأعاد إليها خاله أسعد بن شهاب فى سنة ستين وأربعمائة، فلما رجع المكرم بأمه إلى صنعاء وثب سعيد الأحول، فطرد أسعد بن شهاب من زبيد فلحق بابن أخته، واستولى سعيد الأحول على زبيد والأعمال التهامية بها إلى أن تحيلت الحرة السيدة على قتله، فأمرت والى الشعر أن يكاتبه، ويباطنه أنه يسلم إليه جبل الشعر [١] ، ومنه يستولى على الحرة وما بيدها من الأعمال، فطمع فى ذلك فخرج للميعاد، وأمرت الحرة ملوك اليمن الأعلى بحشد عساكرهم وراءهم ونزولهم من الجبال المطلة على زبيد، وأن يطووا المراحل خلف سعيد، فلما صار تحت الشعر أطبقت عليه جيوش العرب وجيوش الحرة، فقتل هو وأكثر من معه، وذلك فى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
وعادت زبيد إلى المكرّم، وأعادت الحرة إليها أسعد بن شهاب، ثم انتزعها منه «جيّاش بن نجاح» أخو سعيد، وذلك أنه كان عند مقتل أخيه ببلاد الهند، وكان قد توجه إليها/ (١١٦) متنكرا فى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، فلما عاد وجد أخاه قد قتل، وخرجت زبيد عنهم، فدخل زبيد متنكرا، ولم يزل يتحيّل ويتلطّف حتى اجتمع له من مواليه وأصحابه خمسة آلاف حربة، وساعده على ظهوره على ابن القم [٢] الشاعر، وكان وزيرا لأسعد بن شهاب، فوثب بزبيد، وملكها وأعانه عوام المدينة، وأتى بأسعد بن شهاب أسيرا، فأكرمه وأطلقه، وكان جياش قد أحضر معه جارية من الهند حاملا، فولدت له ابنه
стр. 12953
فاتكا، وفى ساعة وضعها كان وثوبه بزبيد، ولم يزل جيّاش فى ملك زبيد وتهامة من سنة اثنتين/ وثمانين وأربعمائة إلى سنة ثمان وتسعين، فمات فى ذى الحجة منها، وقيل فى شهر رمضان سنة خمسمائة [١] . قال: والأول أظهر، وخلف من الأولاد الفاتك- ابن الهندية- ومنصورا وابراهيم وعبد الواحد والذخيرة ومعاركا، فولى بعده ابنه الفاتك، وخالف عليه أخوه إبراهيم، وخالف عليه أيضا أخوه عبد الواحد، وجرت بينهم وقائع وحروب، فظفر فاتك بأخيه عبد الواحد، فعفا عنه، وأكرمه، ونزل إبراهيم بن جياش بأسعد بن وائل بن عيسى الوحاظى، فأكرمه إكراما عظيما، وكانت عبيد فاتك بن جياش قد عظم شأنهم، وكثروا واشتدت شوكتهم، ثم مات فاتك فى سنة ثلاث وخمسمائة، وترك ولده المنصور بن فاتك صغيرا، فملكه عبيد أبيه، وحشد إبراهيم بن جياش بعد موت أخيه/ (١١٧) فاتك، فتواقعوا [٢] ، وحين خلت زبيد منهم وثب بها عبد الواحد بن جياش فملكها، وحاز دار الإمارة، فأخرج الأستاذون والوصفان مولاهم منصور بن فاتك ودلوه من سور البلد خوفا عليه، ولحق بعبيد أبيه.
ولما بلغ إبراهيم بن جياش أن أخاه عبد الواحد قد حصل على زبيد وسبقه [٣] إليها، توجّه إلى الحسين بن أبى الحفاظ الحجورى.
وأما عبيد فاتك، فإنهم توجهوا بالمنصور ابن مولاهم، ونزلوا بالملك المفضل بن أبى البركات الحميرى صاحب التّعكر، وبالحرة السيدة بنت أحمد الصليحى بذى جبلة، فأكرما مثواهم، والتزم عبيد فاتك للمفضّل بريع البلاد على نصرتهم على «ابن جياش» فأخرجه من زبيد، وملكهم إياها، وهمّ المفضّل أن يغدر بآل فاتك، ويملك البلاد، فبلغه ما كان من أمر الفقهاء، واستيلائهم على حصن التّعكر، ففارق زبيد، وتوجه إليهم، وكان من أمر وفاته ما قدمناه.
стр. 12954
واستقر الأمر بتهامة للمنصور بن فاتك وعبيد أبيه، فمن أولاد فاتك الأمراء ومن عبيده الوزراء، فأما الأمراء فمنهم [المنصور بن فاتك، ثم فاتك بن المنصور [١]] وهو ابن الحرّة الصالحة الحاجة.
ثم مات فاتك بن منصور، فانتقل الأمر إلى ابن عمه، واسمه أيضا الفاتك ابن محمد بن منصور بن فاتك بن جياش فى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وقتله عبيده فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وعنهم زالت الدولة إلى على بن مهدى الخارج باليمن فى شهر رجب سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ولم يكن لأولاد فاتك/ (١١٨) بن جيّاش من الأمر شىء سوى النّواميس الظاهرة، من الخطبة لهم، بعد بنى العباس، والسكة، والركوب بالمظلّة فى أيام الموسم، وعقد الآراء فى مجالسهم [٢] ، وما عدا ذلك من الأمر والنهى والتدبير وإقامة الحدود، وإجازة الوفود، فلعبيدهم الوزراء، وهم عبيد فاتك بن جياش، وعبيد منصور ابنه.
وأول من وزر منهم أنيس الفاتكى، وكان من بطن فى الحبشة يقال لهم الجرليون [٣] ، وملوك بنى نجاح من هذا البطن، وكان أنيس هذا جبارا غشوما مهوبا [٤] ، وبنى قصورا عظيمة، ولما اشتدت شوكته عزم على قتل مولاه المنصور بن فاتك، وتهيأ للاستقلال بالملك، فبدره [٥] ابن مولاه، بأن عمل وليمة واستدعاه، فقطع رأسه واستصفى أمواله. ووزر بعده الشيخ أبو منصور منّ الله الفاتكى، وكان كريما شجاعا، وله وقعات مشهورة فى العرب، ومآثر مذكورة، ولما وزر لمنصور بن فاتك بن جياش فى سنة تسع عشرة وخمسمائة لم يقدم شيئا على قتل منصور ابن مولاه بالسم، وملّك ابنه فاتك بن منصور، وهو طفل صغير، ثم تعرض إلى حريم مولاه، فيقال: إن منصور بن فاتك وأباه فاتك ابن جياش، وغيرهما من آل نجاح، ماتوا عن أكثر من ألف سرّية، ما منهن واحدة سلمت من الوزير «منّ الله» إلا عشرة نساء من حظايا منصور بن فاتك
стр. 12955
منهن الحرّة الملكة أم فاتك بن المنصور الملك، وكانت/ (١١٩) من جوارى الوزير أنيس ابتاعها منصور من ورثته، وكانت حبشية مغنية، واسمها علم، فخرجت امرأة صالحة خيّرة كانت تحج بأهل اليمن برا وبحرا فى خفارتها من الأخطار والمكوس، فاعتزلت القصر، وسكنت خارج المدينة، وبنت لها دارا.
هذا والملك ولدها.
قال: ولما أراد الله تعالى هلاك الوزير «منّ الله» حاول بنت معارك بن جياش وراودها، وكانت موصوفة بجمال، فافتدت [نفسها [١]] منه بأربعين بكرا فذكرت ذلك لعبيد عمها فاتك، وعبيد ابن عمها منصور بن فاتك فهابوه، ولم يقدروا على شىء فقالت/ لهم الحرة أم أبى الجيش- وكانت مولدة ذات جمال-: أنا أكفيكموه، ثم أرسلت إلى الوزير منّ الله. تقول له: «إنك أسأت السّمعة علينا وعليك فيما تقدم، ولو كنت أعلمتنى خدمتك أتمّ خدمة، ولم يعلم بك أحد، ففرح الوزير بذلك، وتواترت الرسائل بينه وبينها، حتى قال: فإنى أزورك فى هذه الليلة إلى دارك متنكرا، فقالت لرسوله: إن الله قد أجلّ قدر الوزير عن ذلك، بل أنا أزوره فى داره، وأتته عند المساء، فغنّته وشرب وطرب، فيقال: إنها مكّنته من نفسها، فوقع عليها، فلما فرغ مسحته بخرقة مسمومة، فتهرّأ ومات [٢] من ليلته، فدفنه ولده منصور فى إسطبله، وسوى به الأرض، فلم يعرف له قبر، وكانت وفاته فى ليلة السبت خامس عشر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ثم وزر بعده لفاتك بن منصور زريق الفاتكى [٣] «وكان شجاعا كريما، وكان له من الأموال والأراضى ما لا تحصى قيمته،/ (١٢٠) وكان له ثلاثون ولدا إلا أنه لم يكن له نفاذ فى سياسة العسكر، ولا خبرة بإقامة نواميس السلطنة، فاستقال من الوزارة، واستدعى لها الوزير أبا منصور مفلحا الفاتكى،