من الحصون والذخائر إلى المنصور بن المفضل، فابتاع الداعى محمد بن سبأ هذا منه الحصون والبلاد فى سنة ست وأربعين وخمسمائة، مثل مدينة جبلة والتّعكر وحب/ وغيرها من حصون المخلاف وسواه، وطلع/ (١١٤) الداعى المخلاف، فسكن بذى [١] جبلة، وكانت وفاته فى سنة ستين وخمسمائة، ولم يزل الأمر فى ذراريهم إلى أن نفاهم سيف الإسلام بن أيوب.
وأما صنعاء فملكها بعد الداعى سبأ بن أحمد الصّليحى رجل من همدان يعرف بحاتم بن الغشم [٢] ، وكان ناهضا كافيا، وكان له ولد اسمه محمد لم يشاركه أحد فى شجاعته وجوده، إلا أنه كانت فيه لوثة واختلاط عقل، فكان إذا تزوج امرأة وأحبها قتلها، فتحاماه الناس فلم يزوجه [٣] أحد بعد ذلك، فخطب إلى بنى الصليحى أهل قيضان [٤] ، فأبوا أن يزوجوه، فألح عليهم فقالوا: «إذا ضمن أبوك زوّجناك» ، فلم يزل بأبيه حتى ضمن، وقال له أبوه: «إن قتلتها قتلتك» فقتلها بعد مدة، ولحق بحصن براش صنعاء، فلم يزل أبوه يخادعه ويلاطفه، حتى التقيا تحت المدرج، فوثب عليه أبوه فقتله، وقطع برأسه ودخل به صنعاء على رمح، وكانت لمحمد بنية فى بيت جدها، وقد سمعت أن جدها خرج ليأتى بأمها، فلم يفجأها إلا رأس أبيها على الرمح، فماتت فجأة، ثم مات حاتم بن الغشم، فانتقل ملك صنعاء ومخاليفها إلى:
السلطان حاتم بن أحمد بن عمران اليامى
وذلك فى سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة، وكانت له حروب مع الإمام أحمد ابن سليمان، ومات حاتم بن أحمد فى سنة ست [٥] وخمسين وخمسمائة، فولى بعده ابنه حميد الدولة على بن حاتم، فخالفت عليه همدان، وقتلوا أخاه عمران،
стр. 12952
ثم استقاموا له،/ (١١٥) وقويت شوكته ونزل اليمن الأسفل لقتال بنى مهدى، فأوقع بهم فى الجبال، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وذلك فى ربيع سنة تسع وستين [وخمسمائة] .
ذكر أخبار سعيد الأحول، واستيلائه على زبيد ثانيا ومن ملك بعده من آل نجاح
قد ذكرنا أن المكرم هزم سعيدا الأحول، وقتل رجاله واستولى على زبيد، وأعاد إليها خاله أسعد بن شهاب فى سنة ستين وأربعمائة، فلما رجع المكرم بأمه إلى صنعاء وثب سعيد الأحول، فطرد أسعد بن شهاب من زبيد فلحق بابن أخته، واستولى سعيد الأحول على زبيد والأعمال التهامية بها إلى أن تحيلت الحرة السيدة على قتله، فأمرت والى الشعر أن يكاتبه، ويباطنه أنه يسلم إليه جبل الشعر [١] ، ومنه يستولى على الحرة وما بيدها من الأعمال، فطمع فى ذلك فخرج للميعاد، وأمرت الحرة ملوك اليمن الأعلى بحشد عساكرهم وراءهم ونزولهم من الجبال المطلة على زبيد، وأن يطووا المراحل خلف سعيد، فلما صار تحت الشعر أطبقت عليه جيوش العرب وجيوش الحرة، فقتل هو وأكثر من معه، وذلك فى سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة.
وعادت زبيد إلى المكرّم، وأعادت الحرة إليها أسعد بن شهاب، ثم انتزعها منه «جيّاش بن نجاح» أخو سعيد، وذلك أنه كان عند مقتل أخيه ببلاد الهند، وكان قد توجه إليها/ (١١٦) متنكرا فى سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، فلما عاد وجد أخاه قد قتل، وخرجت زبيد عنهم، فدخل زبيد متنكرا، ولم يزل يتحيّل ويتلطّف حتى اجتمع له من مواليه وأصحابه خمسة آلاف حربة، وساعده على ظهوره على ابن القم [٢] الشاعر، وكان وزيرا لأسعد بن شهاب، فوثب بزبيد، وملكها وأعانه عوام المدينة، وأتى بأسعد بن شهاب أسيرا، فأكرمه وأطلقه، وكان جياش قد أحضر معه جارية من الهند حاملا، فولدت له ابنه
стр. 12953
فاتكا، وفى ساعة وضعها كان وثوبه بزبيد، ولم يزل جيّاش فى ملك زبيد وتهامة من سنة اثنتين/ وثمانين وأربعمائة إلى سنة ثمان وتسعين، فمات فى ذى الحجة منها، وقيل فى شهر رمضان سنة خمسمائة [١] . قال: والأول أظهر، وخلف من الأولاد الفاتك- ابن الهندية- ومنصورا وابراهيم وعبد الواحد والذخيرة ومعاركا، فولى بعده ابنه الفاتك، وخالف عليه أخوه إبراهيم، وخالف عليه أيضا أخوه عبد الواحد، وجرت بينهم وقائع وحروب، فظفر فاتك بأخيه عبد الواحد، فعفا عنه، وأكرمه، ونزل إبراهيم بن جياش بأسعد بن وائل بن عيسى الوحاظى، فأكرمه إكراما عظيما، وكانت عبيد فاتك بن جياش قد عظم شأنهم، وكثروا واشتدت شوكتهم، ثم مات فاتك فى سنة ثلاث وخمسمائة، وترك ولده المنصور بن فاتك صغيرا، فملكه عبيد أبيه، وحشد إبراهيم بن جياش بعد موت أخيه/ (١١٧) فاتك، فتواقعوا [٢] ، وحين خلت زبيد منهم وثب بها عبد الواحد بن جياش فملكها، وحاز دار الإمارة، فأخرج الأستاذون والوصفان مولاهم منصور بن فاتك ودلوه من سور البلد خوفا عليه، ولحق بعبيد أبيه.
ولما بلغ إبراهيم بن جياش أن أخاه عبد الواحد قد حصل على زبيد وسبقه [٣] إليها، توجّه إلى الحسين بن أبى الحفاظ الحجورى.
وأما عبيد فاتك، فإنهم توجهوا بالمنصور ابن مولاهم، ونزلوا بالملك المفضل بن أبى البركات الحميرى صاحب التّعكر، وبالحرة السيدة بنت أحمد الصليحى بذى جبلة، فأكرما مثواهم، والتزم عبيد فاتك للمفضّل بريع البلاد على نصرتهم على «ابن جياش» فأخرجه من زبيد، وملكهم إياها، وهمّ المفضّل أن يغدر بآل فاتك، ويملك البلاد، فبلغه ما كان من أمر الفقهاء، واستيلائهم على حصن التّعكر، ففارق زبيد، وتوجه إليهم، وكان من أمر وفاته ما قدمناه.
стр. 12954
واستقر الأمر بتهامة للمنصور بن فاتك وعبيد أبيه، فمن أولاد فاتك الأمراء ومن عبيده الوزراء، فأما الأمراء فمنهم [المنصور بن فاتك، ثم فاتك بن المنصور [١]] وهو ابن الحرّة الصالحة الحاجة.
ثم مات فاتك بن منصور، فانتقل الأمر إلى ابن عمه، واسمه أيضا الفاتك ابن محمد بن منصور بن فاتك بن جياش فى سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة، وقتله عبيده فى سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، وعنهم زالت الدولة إلى على بن مهدى الخارج باليمن فى شهر رجب سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ولم يكن لأولاد فاتك/ (١١٨) بن جيّاش من الأمر شىء سوى النّواميس الظاهرة، من الخطبة لهم، بعد بنى العباس، والسكة، والركوب بالمظلّة فى أيام الموسم، وعقد الآراء فى مجالسهم [٢] ، وما عدا ذلك من الأمر والنهى والتدبير وإقامة الحدود، وإجازة الوفود، فلعبيدهم الوزراء، وهم عبيد فاتك بن جياش، وعبيد منصور ابنه.
وأول من وزر منهم أنيس الفاتكى، وكان من بطن فى الحبشة يقال لهم الجرليون [٣] ، وملوك بنى نجاح من هذا البطن، وكان أنيس هذا جبارا غشوما مهوبا [٤] ، وبنى قصورا عظيمة، ولما اشتدت شوكته عزم على قتل مولاه المنصور بن فاتك، وتهيأ للاستقلال بالملك، فبدره [٥] ابن مولاه، بأن عمل وليمة واستدعاه، فقطع رأسه واستصفى أمواله. ووزر بعده الشيخ أبو منصور منّ الله الفاتكى، وكان كريما شجاعا، وله وقعات مشهورة فى العرب، ومآثر مذكورة، ولما وزر لمنصور بن فاتك بن جياش فى سنة تسع عشرة وخمسمائة لم يقدم شيئا على قتل منصور ابن مولاه بالسم، وملّك ابنه فاتك بن منصور، وهو طفل صغير، ثم تعرض إلى حريم مولاه، فيقال: إن منصور بن فاتك وأباه فاتك ابن جياش، وغيرهما من آل نجاح، ماتوا عن أكثر من ألف سرّية، ما منهن واحدة سلمت من الوزير «منّ الله» إلا عشرة نساء من حظايا منصور بن فاتك
стр. 12955
منهن الحرّة الملكة أم فاتك بن المنصور الملك، وكانت/ (١١٩) من جوارى الوزير أنيس ابتاعها منصور من ورثته، وكانت حبشية مغنية، واسمها علم، فخرجت امرأة صالحة خيّرة كانت تحج بأهل اليمن برا وبحرا فى خفارتها من الأخطار والمكوس، فاعتزلت القصر، وسكنت خارج المدينة، وبنت لها دارا.
هذا والملك ولدها.
قال: ولما أراد الله تعالى هلاك الوزير «منّ الله» حاول بنت معارك بن جياش وراودها، وكانت موصوفة بجمال، فافتدت [نفسها [١]] منه بأربعين بكرا فذكرت ذلك لعبيد عمها فاتك، وعبيد ابن عمها منصور بن فاتك فهابوه، ولم يقدروا على شىء فقالت/ لهم الحرة أم أبى الجيش- وكانت مولدة ذات جمال-: أنا أكفيكموه، ثم أرسلت إلى الوزير منّ الله. تقول له: «إنك أسأت السّمعة علينا وعليك فيما تقدم، ولو كنت أعلمتنى خدمتك أتمّ خدمة، ولم يعلم بك أحد، ففرح الوزير بذلك، وتواترت الرسائل بينه وبينها، حتى قال: فإنى أزورك فى هذه الليلة إلى دارك متنكرا، فقالت لرسوله: إن الله قد أجلّ قدر الوزير عن ذلك، بل أنا أزوره فى داره، وأتته عند المساء، فغنّته وشرب وطرب، فيقال: إنها مكّنته من نفسها، فوقع عليها، فلما فرغ مسحته بخرقة مسمومة، فتهرّأ ومات [٢] من ليلته، فدفنه ولده منصور فى إسطبله، وسوى به الأرض، فلم يعرف له قبر، وكانت وفاته فى ليلة السبت خامس عشر جمادى الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة.
ثم وزر بعده لفاتك بن منصور زريق الفاتكى [٣] «وكان شجاعا كريما، وكان له من الأموال والأراضى ما لا تحصى قيمته،/ (١٢٠) وكان له ثلاثون ولدا إلا أنه لم يكن له نفاذ فى سياسة العسكر، ولا خبرة بإقامة نواميس السلطنة، فاستقال من الوزارة، واستدعى لها الوزير أبا منصور مفلحا الفاتكى،
стр. 12956
وهو من بطن من الحبشة يقال لهم «سحرت» ، وكان يكنى بولده منصور، وكان منصور هذا من الأعيان أهل الخبرة والفقه والأدب والصباحة والسماحة والشجاعة والرئاسة الكاملة، وكان مفلح ينبز فى صغره «بالبغل» ، وكان يقال: «مفلح البغل» ولا يغضب من ذلك، وكان عفيفا لم تعلم له صبوة فى صغر ولا كبر، ولما عظم شأنه فى الوزارة ثقل على أهل الدولة، فتحيّل فى إخراجه، فأخرج من الوزارة، وكانت له حروب مع سرور الفاتكى، ثم مات فى سنة سبع [١] وعشرين وخمسمائة.
وكان لمنصور ابنه مع العساكر حروب، ثم خذله أصحابه وتفلّلوا [٢] عنه، فاستأمن إلى القائد «سرور» ودخل معه إلى زبيد، والوزير يومئذ «إقبال» الفاتكى، فخلع على منصور، وأنزله فى دار أبيه، ثم قبض عليه من الغد، وقتل فى دار الوزير «إقبال» ، فأنكر الملك فاتك ذلك، وهمّ بإقبال، ثم أبقاه على دخن، فتلطف إقبال، حتى سقى مولاه فاتكا السم، فمات فاتك بن منصور فى شعبان سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة.
ومنهم القائد «أبو محمد سرور الفاتكى» وجنسه من الحبشة «أمحرة» ، وكانت له مآثر وصدقات وصلات/ (١٢١) يطول الشرح بذكرها. وكان كثير الصلاة والعبادة والخير والبر، فكانت هذه حاله من سنة تسع وعشرين وخمسمائة إلى أن قتل فى مسجده بزبيد فى الركعة الثالثة من صلاة العصر يوم الجمعة الثانى عشر من شهر رجب سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، قتله رجل يقال له «محرّم» من أصحاب على بن مهدى، ثم قتل قاتله فى تلك العشية بعد أن قتل جماعة من الناس، ولم تلبث الدولة بعد قتله إلا يسيرا حتى أزالها على بن مهدى، وملك زبيد وأعمالها فى سنة أربع وخمسين وخمسمائة، فى آخر يوم من شهر رجب.
стр. 12957
ذكر أخبار دولة على بن مهدى الحميرىّ وبنيه
وهم من أهل قرية يقال لها العنبرة من سواحل زبيد، وكان أبوه رجلا صالحا سليم القلب، ونشأ ولده علىّ هذا على طريقة أبيه فى العزلة والتمسك بالصلاح، وحج وزار ولقى حاجّ العراق وعلماءها ووعّاظها، وتضلّع فى [١] معارفهم، وعاد إلى اليمن، فاعتزل وأظهر الوعظ، وإطلاق التحذير من صحبة العسكرية، وكان فصيحا صبيحا أخضر اللون طويل القامة مخروط الجسم بين عينيه سجّادة [٢] ، حسن الصوت، طيب النغمة، حلو الإيراد، غزير المحفوظات، قائما بالوعظ والتفسير وطريقة الصوفية، وكان يحدّث بشىء من أحواله المستقبلات فيصدق، وكان ذلك من أقوى عدده فى استمالة قلوب العالم، وظهر أمره بساحل زبيد بقرية العنبرة وقرية واسط وقرية القضيب والأهواب/ (١٢٢) والمقتفى وساحل الفازة وكان يتنقل بينها. وكانت عبرته لا ترقأ على ممر الأوقات، ولم يزل يعظ الناس فى البوادى من سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة فإذا دنا الموسم خرج حاجا على نجيب له إلى سنة ست وثلاثين [وخمسمائة] .
ثم أطلقت الحرة أم فاتك ابن منصور له ولأخوته وأصهاره ومن يلوذ بهم خراج أملاكهم، فلم تمض بهم هنيهة حتى أثروا، واتسعت حالهم، فركبوا الخيل.
ثم حالفه قوم من أهل الجبال على النصرة، فخرج من تهامة إليهم فى سنة ثمان وثلاثين، فجمع جموعا تبلغ أربعين ألفا، وقصد بهم مدينة الكدراء، فلقيه القائد إسحاق بن مرزوق السحرتى [٣] فى قومه، فهزموا أصحابه، وقتلوا خلقا من جموعه، وعفوا عن أكثرهم، وعاد ابن مهدى إلى الجبال، وأقام بها إلى سنة إحدى وأربعين [وخمسمائة] ، ثم كاتب الحرّة بزبيد، وسألها فى ذمّة له ولمن يلوذ به، ويعود إلى وطنه، ففعلت له ذلك على كره من أهل دولتها، ومن فقهاء عصرها، ليقضى الله أمرا كان مفعولا.
стр. 12958
وأقام ابن مهدى يستغل أملاكه سنين عدة، وهى مطلقة الخراج، فاجتمع له من ذلك مال، وكان يقول فى وعظه: «أيها الناس، دنا الوقت، أزف الأمر، كأنّكم بما أقول لكم وقد رأيتموه عيانا» ، فما هو إلا أن ماتت الحرة فى سنة خمس وأربعين حتى أصبح فى الجبال فى موضع يقل له الداشر [١] «من بلاد خولان» ثم ارتفع منه إلى حصن يقال له الشرف، وهو لبطن من خولان، يقال لهم خيوان- بإسكان الياء- وسماهم الأنصار وسمى كل/ (١٢٣) من صعد معه من تهامة المهاجرين، ثم [ساء ظنّه] [٢] /بكل أحد ممن معه خوفا على نفسه، فأقام للأنصار رجلا من خولان يسمى سبأ بن يوسف وكناه «شيخ الإسلام» وللمهاجرين رجلا يسمى التّويتى لقبه أيضا شيخ الإسلام، وجعلهما نقيبين على الطائفتين، ولا يخاطبه ولا يصل إليه أحد سواهما، وربما احتجب فلا يرونه وهم يتصرفون فى الغزو، فلم يزل يغادى الغارات ويراوحها على تهامة حتى أخرب الحزوز المصاقبة [٣] للجبال، والحبشة يومئذ تبعث الأبدال فى المراكز، فلا يغنون شيئا، فلم يزل ذلك دأبه مع أهل زبيد إلى أن أخلى جميع أهل البوادى، وقطع الحرث، ومنع القوافل، وكان يأمر أصحابه أن يسوقوا الأنعام والقوافل، وما عجز عن السير عقروه، ففعلوا من ذلك ما أرعب وأرهب، وقضى بخراب الأعمال، ثم توجه إلى الداعى محمد بن سبأ صاحب عدن إلى مدينة ذى جبلة فى سنة تسع وأربعين وخمسمائة، يستنجده على أهل زبيد، فلم يجبه إلى ذلك، فعاد إلى حصن الشرف، ودبر فى قتل القائد «سرور الفاتكى» فقتل فى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة كما تقدم.
وانشغل رؤساء زبيد بالتنافس والتحاسد على رتبة القائد سرور، فكان ذلك مما أعان ابن مهدى، وفارق ابن مهدى حصن الشرف، وهبط إلى الداسر، وبينه وبين زبيد أقل من نصف يوم، فانضمت إليه الرعايا وعرب البلاد، فلما كثر جمعه زحف إلى زبيد فى جموع لا تحصى كثرة وحصر أهل زبيد بها،
стр. 12959
فصبروا، وقاتلوه اثنين وسبعين زحفا يقتل من أصحابه مثل ما يقتل منهم، واشتد بهم الضر والبلاء/ (١٢٤) والجوع حتى أكلوا الميتة، فاستنجدوا بالشريف الزيدى ثم الرّسى، أحمد بن سليمان صاحب صعدة، وشرطوا له أن يملكوه عليهم، فقال: «إن قتلتم مولاكم فاتكا حلفت لكم ونصرتكم، فوثب عبيد فاتك بن محمد بن فاتك بن جياش بن نجاح مولى مرجان، ومرجان مولى أبى عبد الله الحسين بن سلامة، والحسين بن سلامة مولى رشد الزمام، ورشد مولى زياد بن إبراهيم بن أبى الجيش إسحاق بن محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن زياد- فقتلوه فى شهور سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، ثم عجز الشريف عن نصرهم على ابن مهدى، ثم كانت بينهم وبين ابن مهدى حروب، وهم يتحصنون بالمدينة إلى أن فتحها فى يوم الجمعة رابع عشر شهر رجب سنة أربع وخمسين، وأقام بها على بن مهدى بقية شهر رجب وشعبان ورمضان، ومات فى شوال من السنة، فكانت مدة ملكه أحد وثمانين يوما.
ثم انتقل (الملك) بعده إلى ولده «المهدى» ثم إلى ولده «عبد النبى» ، ثم إلى ولده «عبد الله» ، ثم عاد الأمر إلى [عبد النبى] [١] والأمر فى اليمن بأسره إليه ما عدا عدن، فإن أهلها هادنوه عليها بمال فى كل سنة، واجتمع لعبد النبى هذا ملك الجبال والتهايم، وانتقل إليه ملك جميع ملوك اليمن وذخائرها، يقال: إنه حصل فى خزائن ابن مهدى ملك خمس وعشرين دولة من دول أهل اليمن.
قال: «وكان ابن مهدى يتمذهب بمذهب أبى حنيفة فى الفروع، ثم أضاف إلى عقيدته التكفير بالمعاصى، والقتل بها/ (١٢٥) وقتل من خالف اعتقاده من أهل القبلة، واستباحة الوطء لنسائهم، واسترقاق ذرايهم، وكان اعتقاد أصحابه فيه أن الواحد من آل مهدى إذا قتل جماعة من عسكره ثم قدروا عليه لم يقتلوه دينا وعقيدة، وإذا غضب ابن مهدى على رجل من أكابرهم وأعيانهم حبس المغضوب عليه نفسه فى الشمس، ولم يطعم ولم يشرب ولم يصل إليه ولد ولا زوجة، ولا يقدر أحد أن يشفع فيه حتى يرضى عنه ابتداء من نفسه،
стр. 12960
ومن طاعتهم له أن كل واحد يحمل ما تغزله زوجته وبناته إلى بيت المال، ويكون ابن مهدى هو الذى يكسوهم [هم] وأهاليهم من عنده، وليس لأحد من العسكرية فرس يملكه ولا يرتبطه، ولا عدة من سلاح ولا غيرها، بل الخيل فى إسطبلاته، والسلاح فى خزائنه، فإذا عنّ له أمر دفع من الخيل والسلاح ما يحتاجون إليه، ومن سيرته قتل من انهزم من عسكره ولا سبيل إلى حياته، وقتل من شرب المسكر، ومن سمع الغناء، ومن زنى، وقتل من تأخر عن صلاة الجماعة، أو عن مجلس وعظه فى يومى الخميس والاثنين، وقتل من تأخر فيهما عن زيارة قبر أبيه، هذه رسومه فى العسكرية [١] .
ولم يزل أمره على ذلك حتى اتصل خبره بالسلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واتصل به أن عبد النبى يزعم أن دولته تطبق الأرض، وأن ملكه يسير مسير الشمس، فجهز أخاه الملك المعظم فخر الدين [٢] فى شهر رجب سنة تسع وستين وخمسمائة، وملك زبيد، وأسر عبد النبى، وقتله على ما نذكره- إن شاء الله تعالى- فى أخبار الدولة الأيوبية.
/ (١٢٦) ذكر أخبار ملوك الدولة الأيّوبية باليمن
قد ذكرنا أخبار الدولة الأيوبية بالديار المصرية والشام وبلاد الشرق، فيما تقدم من كتابنا، وأتينا على أخبار ملوكها ملكا ملكا، وأشرنا إلى نبذ يسيرة من أخبار ملوكهم باليمن، ونحن الآن نذكر أخبار ملوكهم ببلاد اليمن بما هو أبسط مما تقدم، لتكون أخبار اليمن سياقة يتلو بعضها بعضا.
كان من خبر دولتهم باليمن أن السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن أيوب لما ملك الديار المصرية، وأزال الدولة العبيدية كان من جملة من اتصل بخدمته عمارة اليمنى الشاعر، فذكر له أخبار اليمن قال:
стр. 12961
/ (١٢٧) [فى [١] سنة تسع وستين وخمسمائة، توجه إلى مكة شرفها الله تعالى، ومنها إلى مدينة زبيد، فلما شاهده أهلها انهزموا عن الأسوار إلى المدينة، فلما انتهى العسكر إلى السور وجده خاليا، فنصب عليه السلاليم، وصعدوا عليها إلى السور، فنال البلد عنوة، وذلك فى يوم الاثنين التاسع من شوال من السنة، وأسر عبد النبى بن على مهدى، فسلمه الملك المعظم إلى الأمير سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وأمره أن يستخرج منه الأموال، فاستخرج منه شيئا كثيرا، وأظهر دفائن كانت له، ودلّتهم الحرّة على ودائع لها كثيرة. ومات عبد النبى فى أسره، وقيل شنقه، وخطب من بعده لأخيه السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف.
ثم سار من زبيد إلى ثغر عدن، وصاحبها يومئذ بلال بن جرير [٢] المحمدى. نائب آل زريع بها، فخرج إليه وقاتله، فانهزم هو ومن معه، فسبقهم عسكر المعظم إلى الثغر، فدخلوه، وأسر صاحبه، وقصد العسكر نهب البلد، فمنعهم الملك المعظم، وقال: «ما جئنا لنخرب البلاد، وإنما جئنا لنملكها ونعمرها» ثم توجه من عدن إلى صنعاء فى أول المحرم سنة سبعين وخمسمائة، فملكها، وبنى بها المبانى، ثم ملك الحصون والمعاقل منها: قلعة تعز، وهى الدّملوة [٣] ، ورتب النواب فى بلاد اليمن: فرتب فى زبيد سيف الدولة مبارك بن كامل بن منقذ، وبثغر عدن عز الدين عثمان الزنجيلى، وفى تعز ياقوت التعزى/ (١٢٨) وفى ذى جبلة مظفر الدين قايماز، ورتب فى كل حصن نائبا، ولم يعجب الملك المعظم المقام باليمن، ففارقها وعاد إلى أخيه السلطان الملك الناصر إسماعيل إلى دمشق بعد أن ملكها الملك الناصر، وكان وصوله فى سنة إحدى وسبعين [٤]] /.
قال: ثم ادعى كل من النواب الملك لنفسه، وضرب سكة باسمه، وكان كل واحد لا يتعامل بسكة الآخر، فأما سيف الدولة [مبارك بن كامل] بن منقذ فإنه
стр. 12962
مرض، وكره المقام باليمن، فعاد إلى الملك الناصر، واستناب أخاه خطاب [١] ابن منقذ بزبيد، وأما مظفر الدين قايماز فإنه ضعف أمره ولم ينقذ بلده.
ولما علم الملك الناصر بفساد الحال، وما وقع باليمن، أرسل الأمير المقدم فارس الدين خطلبا فى البحر إلى فخر الدين عثمان الزنجيلى [٢] بعدن، فلما وصل إليه قابله بالإجلال والتعظيم، واتفقا على المسير إلى خطاب بن منقذ، وسارا فلقيهما ياقوت التغرى وقايماز، فاصطلحوا ساروا جميعا إلى خطاب [١] ، فلما سمع بذلك خطاب ارتفع إلى حصن قوارير، وأخلى زبيد، ودخل خطلبا زبيد، وملكها فى سنة أربع وسبعين وخمسمائة، وكان خطاب يغير فى بعض الأوقاف على أطراف زبيد، ثم مرض خطلبا وأشرف على الموت، فراسل خطابا سرا، وقال له: أنت أولى بالأمر من عثمان الزنجيلى [٢] ، فدخل خطاب [١] زبيد مختفيا، وبلغ ذلك عثمان، فسار بجيشه إلى زبيد فخذل، ومات خطلبا، واستمر خطاب [١] / (١٢٩) بزبيد إلى سنة تسع وسبعين وخمسمائة.
ولما اتصل ذلك بالملك الناصر بعث أخاه الملك العزيز أبا الفوارس سيف الإسلام طغتكين بن أيوب، ومعه ألف فارس وخمسمائة جبلى، فتوجه فى سنة تسع وسبعين [وخمسمائة] ، ودخل مكة معتمرا فى شهر رمضان، وبها صاحبها الشريف فليتة بن مطاعن الهاشمى، فتلقاه الشريف، وخلع عليه الملك العزيز خلعة سنية قيمتها ألف دينار، وتوجه إلى اليمن قبل الحج، فوصل إلى زبيد فى أواخر سنة تسع وسبعين [وخمسمائة] ، فتلقاه خطاب، فخلع عليه الملك العزيز وعلى عسكره، ودخلا جميعا زبيد، فأقام معه أياما، واستأذنه خطاب فى المسير إلى الشام، فأذن له، فأخرج جميع أثقاله وأمواله إلى ظاهر زبيد، فعند ذلك أمر سيف الإسلام بالقبض على خطاب، والاحتياط على أثقاله، وخنق بعد ليال بحصن تعز، وأما ياقوت، فسلم إليه حصن تعز ومعشاره، وأما مظفر الدين قايماز فتغلب على جبلة ومخاليفها، وأرسل إليه من أخذه، وأما عثمان الزنجيلى [٢] فعمر سفنا عظيمة وشحن فيها جميع ما يملكه من الصامت [٣] والناطق، وتوجه إلى العراق.
стр. 12963
وملك سيف الإسلام اليمن كله وعره وسهله، ودخل أماكن ما دخلها أحد قبله بالسيف، وجرت بينه وبين الإمام عبد الله بن حمزة عدة وقائع على صنعاء، وأقام خمس سنين وصنعاء ليست فى ملكه.
وفى سنة خمس وثمانين استولى على حصن كوكبان/ (١٣٠) ودان له ملك اليمن بكماله، وأزال ملك بنى حاتم من صنعاء، وسوّر زبيد سورا جديدا، وسوّر [١] صنعاء بعد أن أخرب سورها، ورمى النفط فى دورها، واستمر فى الملك إلى أن مات بالمنصورة بين الجند وجبلة فى شوال سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، وكان حسن السيرة، إذا تعرض له أحد وهو فى موكبه وقف له، ولا ينصرف من مكانه حتى يكشف ظلامته، وكانت مدة ملكه أربع عشرة سنة، وكان قبل وفاته قد سلطن مملوكه «همام الدين أبو زبا» وأرسله إلى البلاد العليا، ولما مات ملك بعده ولده.
الملك المعزّ [٢] فتح الدين أبو الفدا إسماعيل
وكان الملك المعزّ هذا قبل وفاة والده قد غضب على أبيه وفارقه، وأراد اللحاق بأعمامه بالديار المصرية، فأدركته الرجال على النّجب بوفاة والده، وهو على ساعد حرض [٣] فجزّ شعره، ولبس السواد حزنا على أبيه، وعاد، وملك البلاد وقتل جماعة كثيرة من غلمان أبيه، ثم صعد إلى صنعاء فقبض على «همام الدين أبو زبا» ، وقتله، وذلك فى المحرم سنة أربع وتسعين، وعاد إلى اليمن.
ثم أقام الإمام المنصور الدعوة فى سنة أربع وتسعين، وانضم إليه جماعة من عسكر سيف الاسلام، فبلغ ذلك المعزّ، فرجع من فوره إلى صنعاء، فوجد الإمام على الحقل [٤] ومعه الأمير جكوا [٥] فى مائتى فارس، فلما تراءى
стр. 12964
الجمعان انحاز أصحاب جكوا إلى المعز، وثبت جكوا، وقاتل إلى أن قتل وانهزم/ (١٣١) الإمام، ودخل المعز صنعاء، وعاد منها إلى زبيد، وبنى المدرسة المعروفة بالميلين، ثم داخلته الخيلاء فى عقله، وادعى الخلافة، وانتمى إلى بنى أمية، وتقلب بالإمام الهادى بنور الله المعزّ لدين الله أمير المؤمنين، فكتب إليه أعمامه ينكرون هذه الدعوى، ثم أخاف مماليك أبيه، فهرب منهم سنقر الأتابك فى طائفة كبيرة من المماليك، وبقى أكثر من معه من الأكراد.
ولما تفاحش أمره بدعوى الخلافة قتله الأكراد على باب زبيد فى سنة ثمان وتسعين، ونهب الأكراد زبيد نهبا شنيعا، وكانت ولايته ست سنين.
ولما مات أرجع الأتابك سنقر حصون حجّة، فوصل إلى تهامة، فتلقاه الأكراد والعساكر، وجعلوه أتابكا/ للملك الناصر أيوب بن سيف الإسلام، وهو يومئذ صغير، وقيل: إن الأكراد لم يمكنوا الأتابك من زبيد، وكان للأتابك عدن، ومخلاف جعفر، ومخلاف تعز، وصنعاء وأعمالها، ونائبه فيها وفى حرب الإمام المنصور علم الدين ورد سار [١] ، ونزل الأتابك إلى تهامة، فقتل الأكراد قتلا ذريعا بقرية الزّربية [٢] ، وهزمهم إلى زبيد، ودخلها الأتابك، وأمر بغلق مدرسة المعز، وأخرج الفقهاء الشافعية منها، وأخرج وقفها، وبنى مدرسة كبيرة بزبيد تعرف الآن بمدرسة ابن دحمان [٣] وبنى بالدملوة قناطر ومبانى، واستقامت أحوال الأتابك إلى سنة ثمان وستمائة، فمات/ (١٣٢) بحصن تعز، والأتابك هو والد بنت جورا [٤] .
стр. 12965
واستقل الملك الناصر أيوب بالأمر، ووزر له غازى بن جبريل، وطلع إلى صنعاء فى جيوش عظيمة، فلما استقر بها سمّه أستاذ داره غازى بن جبريل فى المحرم سنة إحدى عشرة وستمائة، واستقل بالملك، وخطب له، وضربت السكة باسمه، فلما صار بالسّحول وثب عليه مماليك الملك الناصر فقتلوه، ورجع الإمام المنصور إلى صنعاء بعد أن كان الملك الناصر أخرجه منها.
ثم وصل سليمان بن موسى الحمزى إلى ذمار بعسكر جرّار، فمر على طريق بنى حبيش، فغزا لحجا، فأخذها، وأقام بالرّعارع أياما، وعاد فافتقر أهل اليمن إلى سلطان فوجدوا:
سليمان بن شاهانشاه بن تقى الدين عمر بن شاهنشاه بن أيوب [١]
وكان قد تجرّد وخرج فى زى الصوفية، فوصل إلى اليمن، وأهله على هذه الحال، فملكوه عليهم، وأطلعوه حصن تعز، وذلك فى أواخر سنة إحدى عشرة وستمائة، وتزوج بأم الملك الناصر، وكانت أموره ضعيفة.
ذكر ملك الملك المسعود صلاح الدين أتسر
وهو أقسيس بن السلطان الملك الكامل بن السلطان الملك العادل [أبو بكر [٢]] بن أيوب.
كان من خبر ملكه اليمن أنه لما اتصل خبر اليمن بالسلطان/ (١٣٣) الملك الكامل ناصر الدين محمد، وكان ينوب عن والده السلطان الملك العادل بالديار المصرية، جهز ابنه الملك المسعود المذكور إلى اليمن فى سنة إحدى عشرة وستمائة، فرحل من بركة الجبّ ظاهر القاهرة فى يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان، ومعه ألف فارس، ومن الجاندارية والرماة خمسمائة، فتوجه إلى مكة شرفها الله تعالى، وحج، ثم توجه إلى اليمن، فكان دخوله إلى زبيد فى مستهل المحرم سنة اثنتى عشرة وستمائة، فملكها من غير قتال، وندب قطعة
стр. 12966
من العسكر لحصار تعز، وكان سليمان قد تحصن بها، ففتح الحصن فى ثالث صفر من السنة، وقبض على سليمان واعتقله، ثم جهزه إلى الديار المصرية هو وزوجته، وتزوج الملك المسعود بنت جوزا وشغف بها، وكانت صنعاء فى يد الإمام المنصور، فخرج منها فى شهر ربيع، ودخلها الأتابك فليت بطائفة من العسكر المسعودى فى مستهل جمادى الأولى، ونزل الإمام بموضع يسمى الليطة، وقامت الفتنة بينهما، وكانت بينهم وبين عز الدين محمد- ولد الإمام- وقائع كثيرة.
ثم مات الإمام بكوكبان فى المحرم سنة أربع عشرة وستمائة، فدفن ثم نقل إلى مشهده بظفار، وتوفى الأتابك فليت بعده بصنعاء فى شهر ربيع الأول من السنة.
ثم وقع الصلح بين الملك مسعود وبين عز الدين بن الإمام على تسليم كوكبان، فسلمه، ولحق عز الدين ببلاده، وتسلم الملك مسعود حصن براش [١] صنعاء فى جمادى الآخرة، وعاد إلى اليمن فى شهر رجب،/ (١٣٤) وعاد إلى صنعاء فى شهر ربيع الأول سنة خمس عشرة، وعاد إلى اليمن فى شهر ربيع الآخر، ثم عاد إلى صنعاء مرة ثالثة فى شهر رمضان من السنة، وعاد عنها، ورجع إليها مرة رابعة فى شهر رجب سنة سبع عشرة، فحط على حصن بكر، وهو بيد عماد الدين يحيى بن حمزة، وبه من أولاد الإمام وأمهات أولاده طائفة، فأقام عليه تسعة أشهر، وأنفق أموالا جليلة، فجمع عز الدين جموعا كثيرة، وقصد تهامة، فخالف عليه علم الدين سليمان بن موسى الحمزوى [٢] ، ووصل إلى محطة بكر، فتلقاه الملك المسعود وأكرمه، وأعطاه العطايا الجليلة، وجهز معه جيشا لحرب عز الدين، فكانت بينهما حروب عظيمة، وتسلم الملك المسعود حصن بكر فى شهر ربيع الأول سنة ثمانى عشرة وستمائة، وسار إلى مكة لقتال الشريف حسن بن قتادة، فدخلها بالسيف فى شهر ربيع الأول سنة تسع عشرة، وعاد إلى اليمن، ثم فارق تعز فى شهر رمضان سنة عشرين وستمائة، وتوجه إلى الديار المصرية [لخدمة والده السلطان [٣] الملك] الكامل،
стр. 12967
واستناب باليمن الأمير نور الدين عمر بن على بن رسول، وهو أتابك عسكره، ووصل إلى/ الديار المصرية فى سنة إحدى وعشرين وستمائة كما ذكرنا، ولما فارق اليمن أقام مرغم [١] الصوفى فتنة فى الحقل وبلاد زبيد، فسار إليه عسكر من جهة الأمير نور الدين النائب، عليه راشد بن مظفر بن الهرش، فهزمهم مرغم، وقتل راشد، وذلك فى سنة/ (١٣٥) اثنتين وعشرين، وكانت وقعة [عصر [٢]] بين الأمير بدر الدين حسن بن على بن رسول، وهو مقطع صنعاء وأعمالها، وبين عز الدين بن الإمام بعد العصر فى يوم الأربعاء السادس والعشرين من شهر رجب سنة ثلاث وعشرين.
ثم عاد الملك المسعود من الديار المصرية فى سنة أربع وعشرين وستمائة، وقبض على بدر الدين حسن بن على بن رسول وإخوته فى سنة ست وعشرين، وسيّرهم مقيّدين إلى مصر، ثم توجه إلى الديار المصرية فى سنة ست وعشرين، واستناب نور الدين عمر بن على بن رسول، فمات الملك بمكة شرفها الله تعالى فى ثالث [٣] عشر جمادى الأولى من السنة، كما ذكرنا فى أخبار والده الملك الكامل. ثم كانت الدولة الرسولية.
ذكر أخبار الدولة الرسولية ببلاد اليمن
أول من ملك منهم الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول [٤] بن هارون بن أبى الفتح بن نوحى [٥] من ولد جبلة بن الأيهم كما زعموا، وذلك أنه كان ينوب عن الملك المسعود، كما ذكرنا، فلما مات بمكة استولى على زبيد والأعمال التّهامية فى سنة ست وعشرين وستمائة، وتلقب بالملك المنصور،
стр. 12968
وتزوج زوجة الملك المسعود، وهى بنت جوزا، وأقام بزبيد حتى قرر قواعدها، وسار منها إلى حصن تعزّ/ (١٣٦) وتسلم التّعكر فى سنة سبع وعشرين، ثم استولى فى السنة على الأعمال الصنعانية. فأقطعها ابن أخيه الأمير أسد الدين محمد بن بدر الدين، وتسلم حصنى بيت عز وحبّ فى سنة ثمان وعشرين وستمائة.
وفيها طلع إلى صنعاء، وحصل الصلح بينه وبين الأمير شمس الدين بن الإمام، وعمه عماد الدين يحيى بن حمزة، وعقدوا صلحا عاما بينهم، وطلع المنصور صنعاء مرة أخرى فى سنة تسع وعشرين، وتسلم حصنى بكر وكوكبان، وحصن براش [١] ، واستولى على بلد علوان [بن عبد الله بن سعيد [٢]] الجحدرى وحصونه فى سنة ثلاثين، وتسلم حصون حجّة والمخلافة، ومخلافيهما فى سنة أربع وثلاثين، وهى من حصون الإمام، ثم أعادهما عليه، وتم الصلح بينهما، ثم طلع المنصور مرة ثالثة إلى صنعاء فى سنة سبع وثلاثين، وتسلم حصن الكميم، وأتاه وهو بصنعاء خبر مقتل نجم الدين بن أبى زكرى [٣] بحضرموت، وتسلم جبل حفاش، وهو من معاقل اليمن المشهورة فى سنة إحدى وأربعين، واستولى على جبال العوادر وحصونهم فى سنة خمس وأربعين، وكانت بينه وبين الإمام أحمد بن الحسين القاسمى الحسنى [٤] فى سنة ست وأربعين حروب وعاد إلى صنعاء فى شهر رمضان سنة ست وأربعين، ورجع منها فى شهر ربيع الأول سنة سبع وأربعين، فلما استقر بمستقر ملكه، ونزل قصر الجند، وثبت عليه جماعة من مماليكه فقتلوه وذلك فى/ (١٣٧) سنة سبع وأربعين وستمائة باتفاق من أسد الدين محمد، وفخر الدين أبى بكر ولدى أخيه بدر الدين حسن، وكان سبب ذلك أن أسد الدين استشعر من عمه [أنه يقصد أخذ صنعاء [٥]] منه، ويقطعها لابنه الملك المظفر يوسف، فكره ذلك، وباطن مماليك عمه ووعدهم، وحسّن لهم قتله، فقتلوه، وكان ملكا حازما كريما سريع النهضة حسن السياسة.
стр. 12969
ومن جملة سياسته ودهائه أنه لما ملك اليمن، جهّز الملك الكامل إليه أسد الدين جفريل وصحبته ألفى فارس، فلما اتصل به ذلك كتب أجوبة عن كتب الأمراء الذين كانوا مع الأسد جفريل، وتحيّل فى وصولها إلى الأسد جفريل، فلما ظفر بها وقرأها ظن أنها حقيقة، وأن العسكر قد فسدت نياتهم، فرجع بالعسكر قبل وصوله إلى مكة، والتحق بالمنصور من العسكر الكاملى من أمراء الطبلخاناه ابن برطاس وفيروز [١] .
وملك بعد المنصور ولده الملك:
المظفّر أبو المنصور شمس الدين يوسف
وهو الثانى من ملوكهم، وذلك أنه لما قتل والده كان الملك المظفر بإقطاعه بالمهجم، وكانت المماليك المنصورية لما قتلوا الملك المنصور بالجند أقاموا الأمير فخر الدين أبا بكر بن بدر الدين حسن بن على، ولقبوه بالملك المعظم، وساروا به نحو تهامة، وكانت الشمسية ابنة الملك المنصور بزبيد/ (١٣٨) وزمام دارها/ الطواشى تاج الدين بدر الصغير فى السجن، فحين بلغها قتل والدها أخرجت الخادم، واستولت على المدينة، وحفظتها، فجاء فخر الدين والمماليك، فوجد المدينة قد حفظت، فنزل على باب المجرى.
أما الملك المظفر فإنه لما بلغه قتل والده سار من المهجم بمن معه، وكان كلما مر بقوم من العرب استصحبهم معه، فارسهم وراجلهم، حتى نزل بالأقواز، فراسل مماليك والده ووعدهم، وكان من جملة رسالته لهم: «لا تجمعوا علينا بين قتل أبينا وخروج الملك [٢] منا» فأجابوه، ودخلوا على فخر المعظم وهو فى خيمته، فكتفوه بطنب من أطناب الخيمة، وساروا بأجمعهم إلى ابن مولاهم الملك المظفر يوسف، فقبض على فخر الدين، ودخل زبيد فى موكب عظيم، واستولى عليها وعلى الأعمال التهامية، ثم سار فى سنة ثمان وأربعين إلى عدن فاستولى عليها وعلى لحج وأبين فى صفر من السنة، وطلع الجبال، فاستولى
стр. 12970
على بلد المعافر وحصونها فى الشهر أيضا، وحطّ على تعز، وبه الخدام [١] والأمير علم الدين سنجر الشعبى فى ربيع الأول، وتسلّمه فى جمادى الأولى، وتسلّم حصن حبّ [٢] ، وطلع صنعاء فى ذى الحجة آخر السنة.
وكان الأمير شمس الدين بن الإمام اتفق هو والإمام أحمد بن الحسين وقصدا أسد الدين بصنعاء فأخرجاه منها إلى حصن براش، وقابلته عساكر الأشراف بالمدرج، فكانت هناك وقائع مشهورة، فلما قرب السلطان من صنعاء، خرج منها/ (١٣٩) الإمام إلى سناع، وترك الحسن بن وهاس الحمزى [رتبه فى صفوة [٣]] فقصده الأمير أسد الدين بعساكر المظفر فأسره وطائفة من أصحابه، وعاد الملك المظفر إلى اليمن فاستولى على حصن التّعكر سنة تسع [وأربعين وستمائة [٤]] ووصل الأمير بدر الدين حسن بن على بن رسول من الديار المصرية فى سلخ المحرم سنة تسع، فلقيه إلى حيس، وقبض عليه، وحمله إلى حصن تعز، فأودعه دار الأدب، وبها ولده فخر الدين.
ثم اتفق الأمير أسد الدين هو والإمام أحمد بن الحسين فى سنة خمسين، ودخل أسد الدين فى طاعته، وباع عليه حصن براش صنعاء [بمائتى [٥]] ألف درهم، وسيره بعساكره وعساكر من قبله عليهم الشريف هبة الله [٦] بن الفضل العلوى إلى ذمار، واستولى الطواشى المظفّرى على حصن الدّملوة وهو بيد بنت جوزا، وكانت فيه هى وولداها الفائز والمفضّل، وخدامها، ومعها أربعمائة فارس، وكان الملك المظفر قد هادنها، ورهن ولده الأشرف عندها، ومعه مولاه الخادم ياقوت، وكان خادما حازما، فغافل أهل الحصن، ثم أمر من قال لها:
стр. 12971
«إن البقرة الفلانية ولدت عجلا برأسين بالجوة» ، فنزلت لتنظر إلى ذلك، فتسلم الحصن فى تاسع عشر ذى القعدة سنة خمسين، وأوقد النار بأعلاه، وكانت هذه إشارة بينه وبين مولاه الملك المظفر، فركب المظفر من فوره وطلع إلى الحصن، وسير الطواشى تاج الدين بدر إلى ذمار، ففر عنها أسد الدين وهبة بن الفضل، ثم عاد أسد الدين إلى طاعة/ (١٤٠) السلطان، فأكرمه السلطان، وأمده بالعساكر، فعاد إلى صنعاء، فخرج منها الإمام، وطلع الملك المظفر إلى صنعاء، ثم عاد فى شهر رجب سنة إحدى وخمسين وستمائة، واختلف الأمير شمس الدين الإمام وأصحابه، فاستنصروا بالمظفر، وأمر أسد الدين بمساعدتهم، فخرج إليهم إلى البيون [١] ، وتسلم المظفر حصن براقش والزاهر [٢] ، وسار شمس الدين وأسد الدين إلى صعدة إلى الإمام، فخرج منها وترك بها السيد الحسن بن وهاش، فدخلا عليه قهرا بالسيف فأسراه وعاد أسد الدين إلى صنعاء وشمس الدين إلى الظاهر، ثم اجتمعا وقصدا الإمام بالظرف من بلد ابن شاور، فالتقوا بحلملم [٣] فانكسر الإمام، وقتل من عسكره طائفة، وأسر شمس الدين أحمد بن يحيى بن حمزة، وكان بعسكره مع الإمام، وذلك فى شهر رمضان سنة اثنتين وخمسين.
وجهز المظفّر مبارز الدين بن برطاس إلى مكة فى شوال من السنة، فجرت الوقعة المشهورة بينه وبين الشريف ابن أبى نمى، وإدريس بن قتادة، فكانت الدائرة عليه، فانهزم، وقتل بعض عسكره، وأخذ ما كان معه.
قال: «ولما ضعف الأمير شمس الدين بن الإمام عن مناوأة الإمام أحمد بن الحسين قصد الملك المظفر بزبيد، فأكرمه المظفر، وأعطاه أموالا جزيلة، وأقطعه مدينة القحمة [٤] ، وذلك فى شوال سنة اثنتين وخمسين، فعاد/ (١٤١) وسكن بصنعاء.
стр. 12972
ثم اختلف الزيدية على الإمام، وطعنوا عليه فى شىء من سيرته، وكان بينهم اختلاف وحروب، قتل فيها الإمام أحمد بن الحسين، ووقع الخلاف بين الملك المظفر وبين عمه أسد الدين، فأخرجه من صنعاء، فتوجه إلى ظفار.
ولما قتل الإمام أحمد بن الحسين طلع شمس الدين على بن يحيى، فحط على الكميم بعسكره المظفر، فتسلم المظفر حصن أشيح فى ذى الحجة سنة ست وخمسين، وتسلم الكميم وهداد [١] فى سنة سبع، وطلع نحو رداع، فأخذ براش العرش [٢] /بالسيف، وأسر منه ولد أسد الدين فى جماعة كثيرة، وقصد الملك المظفر صنعاء ودخلها فى المحرم سنة ثمان وخمسين، وقد خرج منها أسد الدين، فأقام المظفر بصنعاء أياما، ورتب بها جيشا، وعاد إلى اليمن، فجمع أسد الدين جيشا، وكانت له حروب مع عسكر صنعاء، فجهز الملك المظفر الأمير علم الدين سنجر الشعبى إلى صنعاء، فارتحل أسد الدين، ولحق ببلاد الأشراف، ولم تقم له بعد ذلك راية، ثم حصل له ضرر شديد، حتى باع ثيابه، فاضطر إلى مكاتبة المظفر وكتب إليه:
«فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركنى ولما أمزّق [٣] »
ثم سار إلى زبيد فى شوال سنة ثمان وخمسين، فقبض عليه وعلى شمس الدين بن على بن يحيى وأرسلهما إلى تعز، واجتمع أسد الدين بها بابنه وأخيه فى حبس المظفر، وكان أسد الدين فى حبسه إلى أن/ (١٤٢ مات فى ثالث عشر ذى الحجة سنة سبع وسبعين وستمائة.
وفى سنة تسع وخمسين فى رجب تسلم الملك المظفر حصن براش صنعاء من الشريف أحمد بن محمد وعوضه عنه بالمصنعة [٤] وعزّان ببلاد حمير، وبمال أعطاه إياه، ثم استعادهما فى سنة أربع وستين، وعوّضه حصن اللحام [٥] ومال.
стр. 12973
وفى شوال سنة تسع وخمسين طلع الأمير علم الدين سنجر الشّعبى إلى صنعاء مقطعا لهما، وفيها فى شوال أيضا توجه الملك المظفر لقصد الحج، فحج، وعاد فى صفر سنة ستين.
وفى سنة إحدى وستين وستمائة تسلم المظفر حصن الجاهلى [١] وحجّه وسراة من الشريف أحمد بن قاسم القاسمى بمال.
وفى سنة اثنين وستين تسلم حصن مدع من بنى وهيب، وعوضهم حصن بيت أنعم ودراهم اشترطوها، وفيها دخلت عساكره صعدة.
وفى سنة ثلاث وستين قبض على محمد بن [٢] الوشّاح الشهابى، وقبض على حصون بيت برام وصوايب، وفيها فى شعبان تسلم حصن ذى مرمر [٣] وبعده الفص الكبير، وفى جمادى الآخرة سنة أربع وستين تسلم الشعبى حصن ونعان [٤] وهو للأمير شجاع الدين يحيى بن الحسن.
وفيها تسلم المظفر حصن الفصّ الصغير، وفيها تسلم حصن بيت ردم وحصن اللحام بالابتياع من الأشراف أولاد سليمان بن موسى.
وفيها توجه بكتمر الغلاب [٥] بعسكر المظفر لعمارة الزاهر فى/ (١٤٣) الجوف فقصده الأشراف الحمزيون، فقتلوه فى بعض عسكره، وانحاز من سلم إلى براش. وفيها تسلم الملك المظفر حصن مبين بحجّة وتسلم الموقّر وحصونه والمخلافة من الشريف أحمد بن قاسم القاسمى، وأعطاه مالا جزيلا.
وفى المحرم سنة ست وستين تسلم حصن العرايس وبلادها من علوان الجحدرى.
стр. 12974
وفى سنة سبع وستين تسلم حصن براش صعدة من عز الدين [محمد] [١] ابن شمس الدين، وكان فى سجنه، ففدى نفسه به.
وفيها كان بين جيوش المظفّر وبين الأشراف اختلاف وحروب استمرت إلى سنة اثنتين وسبعين، ثم صالحهم واستقر كل منهم ببلده.
وفى سنة ثلاث وسبعين وستمائة كان باليمن قحط شديد، ومات خلق كثير، وأكل من عاش الميتة.
وفى سنة أربع وسبعين توجه الأمير علم سنجر الشعبى إلى مخلاف ذمار لقبض الحقوق، وترك الأسدية بصنعاء مع ابن الغلاب، ومعه منهم رجل، فوقع بينه وبين مملوكه المعروف بالداوى خصومة على شراب، فقتله الداوى، فلما بلغ ذلك الأسدية استولوا على صنعاء، وقبضوا ما وجدوه للشعبى، وذلك فى الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر، وكاتبوا الأشراف بالوصول إليهم، فوصل إليهم الشريف على بن عبد الله يوم السبت التاسع والعشرين بسبعة آلاف رجل، فسكن القصر، وجاء الإمام والأمير صارم الدين داود [٢] ، وعز الدين، وسار الأشراف فى خامس جمادى الأولى، فأقاموا بصنعاء إلى نصف الشهر،/ (١٤٤) وخرجوا متوجهين نحو ذمار لقصد الشعبى، وظنوا أن الملك المظفر لا يبادر بالحضور، فلما وصلوا جهران أتاهم الخبر بطلوعه، فهموا بالرجوع واستقبحوه، فانحازوا إلى أفق، وسار إليهم المظفر، والتقوا فى يوم الجمعة ثامن عشر جمادى الأولى، فانهزم الأشراف بعد قتال يسير وكان الإمام منحازا فى الحصن، فقبضت عليه العساكر، وأحضر إلى المظفر، فأكرمه وآنسه وأركبه بغلة، وكان يسايره حتى دخل حصن [٣] تعز، ودعا الإمام المطهر إلى نفسه.
ثم كانت بين الأشراف وبين الأمير علم الدين الشعبى حروب، وانتصر عليهم فيها، فصالحوه على تسليم الحصون الحضورية، وتسليم ردمان، وعلى خروج من فيها من الأشراف.
стр. 12975
ذكر استيلاء المظفر على ظفار وحضرموت ومدينة شبام
كان سبب ذلك أن شوانى [١] [سالم [٢]] بن إدريس الحبوظى أغارت على ثغر عدن، فعظم ذلك على المظفر، ونزل إلى ثغر عدن، وجهز الجيوش فى البر والبحر، وسارت ثلاث قطع: قطعة فى البحر، وهم معظم الرّجّالة ومعهم الأزواد، وقطعة/ فيها أربعمائة فارس مع شمس الدين أزدمر المظفرى استاذ الدار وطريقهم على الساحل معارضين لسفنهم، والقطعة الثالثة فيها الشيخان عبد الله بن عمرو [٣] الجند، وشهوان بن منصور العبيدى وهم مائتا فارس من فرسان العرب/ (١٤٥) وطريقهم حضرموت، فالتقت العساكر الثلاثة قريبا من ظفار، وقصدوا سالما، فلما قاربوا المدينة خرج إليهم سالم، وصفّ لهم، والتقوا، فأجلت المعركة عن قتله فى جماعة كثيرة من عسكره، وذلك فى يوم السبت السابع والعشرين من شهر رجب سنة ثمان وسبعين [وستمائة] ، ودخلت أعلام المظفر المدينة فى الثامن والعشرين، ودخل شمس الدين أزدمر والعساكر فى سلخ الشهر، وخطب للمظفر بها، ورتب بها أزدمر سنقر البرنجلى [٤] ، والخادم ألتوزيرى [٤] ، وعاد إلى اليمن، وتسلم حضرموت ومدينة شبام، واستعاد المظفر حصن كوكبان من الحواليّين بحصن ردمان، ومال يسير، وذلك فى شهر ربيع الأول سنة تسع [٥] وستين [وستمائة] .
وفى سنة اثنتين وثمانين وستمائة فى الثامن عشر من شهر ربيع الآخر سقط القصر بصنعاء على مقطعها الأمير علم الدين سنجر الشعبى، فمات ومات معه تحت الهدم الأمير على بن حاتم وصهره محمد بن الجحافى [٦] وجماعة من مماليكه وكتّابه، وأقطع الملك المظفر صنعاء لولده الملك الواثق
стр. 12976
نور الدين إبراهيم، فطلع إليها، ودخلها فى الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين، وتسلم حصن براش صنعاء، وقبض على الأمير سيف الدين بلبان الدوادار العلمى، واستمرت صنعاء فى إقطاع الواثق إلى أن أخرجها الملك المظفر عنه لولده الملك الأشرف فى سنة ست وثمانين وستمائة، ثم أقطعها هى وأعمالها لولده الملك/ (١٤٦) المؤيد هزبر الدين داود فى سنة سبع وثمانين فدخلها فى رابع عشر ذى القعدة.
وفى صفر سنة تسع وثمانين توفى الأمير صارم الدين داود بن الإمام، وكانت له فيما تقدم حروب وخلاف وطاعة للملك المظفر يطول بذكرها الشرح، وقام مقامه بعده ابن أخيه الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، وملك حصون ظفار، فقبض تلمّص [١] صعدة.
وكان سبب استيلائه على ذلك أن الملك المظفر نزل إلى زبيد ليختن أولاد أولاده، ونزل بسبب ذلك الملك المؤيد، والشريف على بن عبد الله، والأمير نجم الدين موسى بن أحمد بن الإمام، فخلت تلك النواحى منهم، فاستولى على ذلك، وكان بسبب ذلك حرب بين المؤيد والأشراف، انتصر فيها المؤيد، واستولى على تنعم [٢] فى سنة تسعين وستمائة، وأخربها وعاد إلى صنعاء وأقطع الملك المظفر ولده الملك الواثق ظفار الحبوظى [٣] ، فركب البحر من عدن فى سنة اثنتين وتسعين وستمائة.
وفى السنة المذكورة خالف الأشراف، واجتمعت كلمتهم على الخلاف، وكان بينهم وبين المؤيد بصنعاء حرب إلى سنة أربع وتسعين، فنزل المؤيد من صنعاء إلى اليمن، وطلع الملك الأشرف إلى صنعاء للصلح، ودخل إليه الشريف على بن عبد الله، وانعقد الصلح العام، وذلك أول المحرم من السنة، ثم نزل الملك الأشرف من صنعاء إلى اليمن، فقلده والده الملك المظفّر المملكة بإقليم اليمن جميعه، وأسكنه حصن تعز، وأقام هو بثعبات [٤] ، وتوجه
стр. 12977
الملك المؤيد/ (١٤٧) إلى جهة المشرق- الشّحر وحضرموت- وفى نفسه ما فيها من تخصيص الأشرف بالأمر، وسارت معه عمته الشمسية.
ذكر وفاة الملك المظفر شمس الدين يوسف بن عمر، وملك ولده الأشرف
كانت وفاته آخر نهار الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان سنة أربع وتسعين وستمائة [١] وهو ابن أربع وسبعين سنة وثمانية أشهر وعشرة أيام وعشر ساعات تقريبا، ومدة ملكه ستة وأربعون سنة وعشرة أشهر وأحد عشر يوما، وكان ملكا جوادا كريما كثير البذل للأموال فى الحروب خاصة، حسن السياسة، وكان له من الأولاد خمسة، هم: الملك الأشرف ممهّد الدين عمر ، والملك المؤيّد هزير الدين داود، والملك الواثق نور الدين إبراهيم، والملك المسعود تاج الدين حسن، والملك المنصور زند الدين أيوب، ولما مات ملك بعده ولده.
الملك الأشرف ممهّد الدين عمر
ولما اتصل خبر ملكه بأخيه الملك المؤيّد أقبل من الشّحر لطلب الملك، ولما قرب من اليمن وصل إليه كتاب من أخيه الملك المنصور يحذره التقدم إلى جهة اليمن، وعرض عليه حصن السّمدان، وكان بيد المنصور، ولم يقع بينه وبين أخيه الأشرف اتفاق، فمال إلى المؤيد، ثم وصله كتاب الوزير [٢] موفق الدين على بن محمد يخبره أن الملك/ (١٤٨) الأشرف/ أرسل إليه نفرين من الفداويّة، وأوصاه أن يحترز على نفسه، فعند ذلك جهز حريمه وأثقاله إلى السّمدان، وتوجهه إلى عدن، فاستولى عليها فى مدة ثلاثة عشر يوما، وكان النائب بثغر عدن الأمير سيف الدين بن برطاس.
ولما اتصل الخبر بالملك الأشرف جهز ولده الملك الناصر جلال الدين فى ثلاثمائة فارس، وألحقه بجيوش صنعاء منهم الأمير الشريف جمال الدين على
стр. 12978
بن عبد الله الحمزى، وولدا أزدمر: نجم الدين وبدر الدين، ومع المؤيد والده المظفّر والظافر، وعسكره الذى وصل معه من الشّحر، وجماعة من الجحافل مقدمهم عمر بن سهل، فالتقوا فيما بين تعز وعدن بمكان يسمى الدّعيس [١] .
وذلك فى آخر المحرم سنة خمس وتسعين، فحمل المؤيد على جيش الأشرف، فضعضعه، ثم خذله الجحافل، وتفرقوا عنه، وبقى فى نفر يسير، فتقدم إليه الملك الناصر جلال الدين بن الملك الأشرف، وألان له القول، وأشار عليه فى الدخول فى الطاعة، وحذره عاقبة المخالفة، فمال إلى ذلك، ورجع إلى الطاعة، فأراد الناصر أن يتوجه به إلى والده على حالته، فامتنع الشريف جمال الدين على بن عبد الله [الحمزى [٢]] : وقال: أمر هذا الجيش إلىّ وقيد المؤيد، وحمله إلى الملك الأشرف، ووصل إليه وهو بالجوّه، وهو تحت حصن الدّملوة، فنقله إلى الحصن، واعتقله ببعض القاعات، فاستمر فى الاعتقال إلى أن مات الملك الأشرف، وكانت وفاته لسبع خلون [٣] من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة والله أعلم.
/ (١٤٩) ذكر ملك الملك المؤيّد هزبر الدين داود
[وهو] ابن الملك المظفّر شمس الدين يوسف بن الملك المنصور نور الدين عمر بن على بن رسول.
ملك فى ليلة وفاة أخيه الملك الأشرف لسبع خلون من المحرم سنة ست وتسعين وستمائة، وذلك أنه لما مات الأشرف كان والده: الملك الناصر [٤] بالقحمة، والملك العادل صلاح الدين بصنعاء، فنهضت عمته الشمسية فى أمره، واستمالت الخدّام ومن بالحصن، فامتثلوا أمرها، وحضر الخدام إلى الملك فظن أنهم يقصدون قتله، فأخبروه بوفاة أخيه الملك الأشرف، وأخرجوه من
стр. 12979
الدار التى هو معتقل بها إلى دار السلطنة، فلما شاهد أخاه ميتا سكن روعه عند ذلك، وأصبح الحراس، فأعلنوا بالترحّم على الملك الأشرف، والدعاء والصياح للملك المؤيّد، وكانت حاشية الملك المؤيد قد تفرّقوا، فأعلن المنادى من رأس الحصن بجمعهم من تلك الليلة، فاجتمعوا من خادم ومملوك، وغلام، وحملوا فى المكاتل والحبال، فلما وثق بمن اجتمع له من حاشيته وغلمانه أمر بفتح أبواب الحصن، فكان أول من صعد إلى الحصن، الصاحب حسام الدين حسان بن محمد العمرانى، وزير أخيه الملك الأشرف، فاجتمع بالمؤيد، وحلف له الأيمان المؤكدة، واستحلف له الأمراء والجند وأعيان الدولة،/ (١٥٠) وأمر بتجهيز الملك الأشرف وأخرج من الحصن فى تابوته، وأمامه ولدا [المؤيد [١]] المظفر والظافر، وأعيان الدولة، ودفن بمدرسته التى أنشأها بمغرية تعز، وأنشأ تاج الدين بن الموصلى فى ذلك اليوم الكتب عن المؤيّد إلى بلاد التّهايم، وبلاد الجبال بأجمعها، وإلى جهة صنعاء والأشراف يعلمهم أمر سلطنة المؤيد، فدخل الناس فى الطاعة، وأتته كتب الأشراف ورسلها بالتهنئة بالملك، وعقد الصلح، وكانوا عقيب موت الأشرف استولوا على عدة حصون [٢] وعلى صعدة فوقع الصلح، وأعيدت الحصون.
وكان حصن الدّملوة بيد الطواشى «فاخر الأشرفى» قد ولاه إياه الملك الأشرف، ونقل إليه ذخائره التى كانت بالتّعكر، وأربعا من بناته، فراسله الملك المؤيد مرارا، فامتنع فاخر من تسليم الحصن، فجهز إليه المؤيد الأمير شمس الدين الطّنبا «أمير جاندار» بالعسكر، فحاصروه، فلم يتمكنوا منه، وامتنع الخادم من تسليمه إلا أن تصل إليه كتب أولاد مولاه الناصر والعادل، فكتب المؤيد إليهما فى ذلك، فكتبا إلى الخادم وأمراه بالتسليم، فامتنع من قبول الكتب، وقال: لا أقبلها حتى يأتينى ثقتيهما، فثقة الناصر خادمه مسك، وثقة العادل أنيس، فأرسل الملكان خادميهما إليه بالرسالة، فاشترط فاخر أن ينزل بجميع المال الذى طلع به من التّعكر، فأجابه المؤيد إلى ذلك، فنزل ببنات مولاه الأربع، وبما كان عنده، واقتسمه الورثة الأشرفية، ولم يكن فيه نقد غير
стр. 12980
الأقمشة النفيسة،/ (١٥١) وتسلم نواب الملك المؤيد حصن الدملوة فى السنة المذكورة، وزوج [المؤيد [١]] ولديه الظافر والمظفر باثنتين من بنات عمهما الأشرف، واستمر الوزير حسام الدين بالوزارة، وفى خاطر المؤيد منه ومن أخوته ما فيه.
ثم استوزر الصاحب موفّق الدين على بن محمد فى جمادى الأولى سنة ست وتسعين [وستمائة] ، وتمكن منه تمكنا عظيما، وكان بين الملك/ المؤيد وبين الفقيه رضى الدين محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمر اليحيوى [٢] صحبة متأكدة، ومودة قديمة، وكان من الصلحاء العلماء الفضلاء، فكره وزارة أخيه، فلم يجتمع به منذ وزر.
ثم قبض الملك المؤيد على جماعة من الأمراء، وهم: نجم الدين وبدر الدين ولدا أزدمر، وابن الهكارى، وقبض بعدهما على الطّنبا أمير جاندر، ونقلهم إلى حصن الدملوة، واعتقلهم بمكان يعرف بدار الأدب.
ثم قبض على الوزراء العمرانين: حسام الدين حسان، وأخوته، لأمور بلغته عنهم، وأحضرهم قبل القبض عليهم، وقال لهم: «أنتم قضاة القضاة وبأيديكم أموال الأيتام ودفاترها وحساب الأوقاف» . فقالوا: «لا نعلم شيئا منها» ، فراجعهم مرارا، فأصروا على الإنكار، فأمر بهجم منازلهم، فوجد بها عدة صناديق فارغة، فسئلوا عما كان فيها، فقالوا: أثاث، ولم يقروا بشىء، وأمر بهم إلى عدن، وبنى لهم سجن مفرد على باب دار الولاية/ (١٥٢) فحبسوا به، وأمر بقبض أملاكهم لبيت المال. فقبضت، وكانت كثيرة.
ذكر وصول أولاد [٣] الملك الأشرف إلى عمّهما الملك المؤيّد، ونزولهما عما بأيديهما
قال: ووصل الملك الناصر جلال الدين محمد، وكان مقطعا بالقحمة، ثم وصل إليه أخوه الملك العادل صلاح الدين، وكان بصنعاء فأكرمهما، وأحسن إليهما، وعرض عليهما أن يستمرا على إقطاعيهما، فاستعفيا من الخدمة،
стр. 12981
وقالا: «لا نحب الخدمة بعد أبينا، ولكنا نكون فى ظلّ أسياف السلطان» وحلفا له على المناصحة، وعدم المنازعة، وحلف لهما على ما أرادا، وتوثقوا بالعهود بواسطة الفقيه رضى الدين، فعند ذلك عقد السلطان الألوية لولديه المظفر والظافر، وأقطع المظفر ضرغام الدين صنعاء، والظافر عيسى الفخرية والحازّتين [١] ، وتوجه المظفّر إلى صنعاء فى شهر رجب سنة ست وتسعين، واستعاد حصن ود من بنى الحارث فى شعبان بالمنجنيق.
وتوجه الملك المؤيد إلى زبيد فى جمادى الآخرة من السنة، ففرح به أهلها، ثم رجع إلى تعز فى شعبان، وفى آخر السنة أخذ الحصون الحجّيّة والمخلافية من الأمير الصارم إبراهيم بن يوسف [بن منصور [٢]] وكانت فى يده من سنة إحدى وتسعين وستمائة، واشترط الصارم شروطا منها: إقطاع موزع ونصف خيس [٣] ، والذمة الأكيدة [والعفو [٤]] عما جناه.
/ (١٥٣) ذكر خلاف الملك المسعود تاج الدين [الحسن [٥]] ابن الملك المظفر على أخيه الملك المؤيد
قال: «ولما ولى الملك المؤيد كان أخوه الملك المسعود مقطعا للأعمال السّرددية [٦] من جهة أخيه الملك الأشرف، فتألم أن أفضت السلطنة إلى المؤيد، فلما استقر الصلح بين السلطان والأمير الصارم إبراهيم بن يوسف، وسأل الأمان على تسليم الحصون الحجّية على ما تقدم، سأل أن يكون تسليمها إلى الملك المنصور زند الدين أيوب أخى المؤيد، والقاضى الوزير موفق الدين، وأن يحضر معهما إلى الملك المؤيد، فأمر الملك المؤيد أخاه ووزيره بذلك، فقيل للملك المسعود: إن ذلك أحبولة ومكيدة للقبض عليه، وأخذ المهجم منه،
стр. 12982
وكان طريقهما عليه، فاستوحش من ذلك، وكتب إلى أخيه المؤيد يستعطفه ويترقّق له، ويقول: «إنه خائف، ويسأله أن يكون هو الذى يقبض الحصون الحجّية، وأنه لا فرق بينه وبين أخيه المنصور، فأجابه الملك المؤيد: أن إبراهيم لم يطلب إلا صنونا الملك المنصور، والوزير، ولو طلبك لفعلنا، فاتركهما يمرّان الطريق، ولا يكن لك إليهما سبيل اعتراض، فلم يجب إلى ذلك، فكتب إليه ثانيا ذمّة أنه باق على ما بينه وبينه، وأن ليس القصد فى تجهيز العسكر إلا أخذ الحصون/ (١٥٤) الحجّيّة، وإذا كرهت أن أخاك المنصور لا يصل إلى المهجم أمرناه بطريق الحازة، فلا يصل إليك، وكتب إلى المنصور أن يتوجه على طريق الحازة، ففعل ذلك، ولما صار المنصور بالفخرية حسّن أتباع الملك المسعود له الخروج، فخرج وقصد المحالب، وتم إلى حرض [١] ، وأقام الفتنة، وأما المنصور والوزير فطلعا إلى جهة حجّة، وقبضا الحصون الحجّية.
وجمع المسعود العربان من كل ناحية، وكان عقيد رأيه والمدبر لجيشه على بن محمد بن إبراهيم [٢] ، وكان مقدما بحرض فى الدولة الأشرفية، فلما اتصل خبره بالملك المظفر جهز ولده الملك الظافر عيسى، وكتب إلى المنصور والصاحب [على بن محمد اليحيوى [٣]] أن يكون مع ولده، وفوض تدبير الحرب إليهما، فتوجهوا إليه والتقوا فيما بين حرض/ والمحالب، فلم يكن للمسعود بهم طاقة، وتفرق جمعه، وقبض على المسعود وولده أسد الإسلام فى المحرم سنة سبع وتسعين وستمائة، فلما أحضرا إلى الملك المؤيد جعلهما فى «دار الأدب» ، فكانا فيها دون السنة، ثم أطلقهما وأسكنهما حيس [٤] ، وقرر لهما ولغلمانهما جامكيّة.
стр. 12983
ذكر متجددات كانت فى شهور سنة سبع وتسعين وستمائة
فى شهر ربيع الأول منها قتل الأمير علم الدين سليمان بن محمد بن سليمان بن موسى، قتله عبيده بالوادى الحار.
وفيها فى جمادى الآخرة/ (١٥٥) توجه الملك المظفر من صنعاء إلى خدمة والده الملك المؤيّد متبرئا من الأعمال الصنعانية، ثم عاد إليها فى السنة المذكورة، واستولى على حصن غراس، وأخذه بالسيف، ثم انتقل إلى حصن إرياب [١] فاستولى عليه بعد حرب، وطلع إلى جهة صنعاء مقطعا لها.
وفى جمادى الآخرة وقع مطر شديد عظيم لم ير مثله عم القطر اليمانى بكماله، وحصل رعد شديد، وريح باردة، وكان معظم ذلك بتهامة، وأخرجت الريح سفنا- من الأهواب وساحل الشّرجة [٢]- بما فيها إلى البر، وكسرت بعضها ببعض، وهدمت حصونا شامخة، واقتلعت أشجارا كبارا بأصولها.
وفى يوم الاثنين ثانى عشر من شهر رمضان من السنة توفى الشريف المطهر بن يحيى بن حمزة بحصنه بذروان [٣] .
وفى شعبان تجهز العسكر المؤيدى إلى جهة حجة، وتقدمه الأمير بدر الدين محمد بن عمر بن ميكائيل أستاذ الدار، والفقيه شرف الدين أحمد بن على بن الجنيد ونزلا على «ابن الصليحى» بمبين، وعلى عمر بن يوسف بظفر، وأخذا منهما الحصنين، ونزلا على الذمة.
وفى السنة المذكورة توجه الملك المؤيد إلى البلاد العليا، وذلك عند امتناع الأشراف من الصلح، ودخل صنعاء لخمس مضين من ذى القعدة، وطلع
стр. 12984
إلى الظاهر عن طريق حدّة [١] فى رابع عشر ذى الحجة، واستقر فيه بعسكره، ثم سار نحو الميقاع بعساكره، فقاتل عليه وعاد إلى منزلته، وأقام بالعسكر ثمانية عشر يوما، وفى انتهائها دخلت عساكره صعدة/ (١٥٦) مع جمال الدين [على [٢]] بن بهرام، والأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين.
وفى يوم الخميس أول المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة نهض الملك المؤيد من محطته «وهى منزلة العسكر» ، طالبا للظاهر لقطع الأعناب [٢] فوقف بها ثمانية أيام، ثم نهض منها إلى جهران، فأقام بها ثمانية أيام، وحط بالظاهر الأسفل، وسار نحو جبل ظفار، فتأهب الأشراف للحرب، وأخرب ما حوله من الأعناب [٣] ونهض فى يوم الاثنين ثالث صفر من محطته بالسّبيع، فبات عند الكولة، ثم سار منها وحط على الميقاع، وهو إذ ذاك بيد الأمير جمال الدين على بن عبد الله، ونصب المجانيق على الحصن، وبه الأمير عماد الدين إدريس ابن على، وتوالى الزحف على الحصن، ثم حصل الاتفاق، وحضر الأمير عماد الدين على إلى خدمة الملك المؤيد، فلما قرب من مخيّمه ركب إليه وتلقاه وانعقد الصلح بينهم، وأخذ لأصحابه الأشراف ذمة سبعة [٤] أشهر، ودخلت الأعلام المؤيدية الميقاع، لإظهار الطاعة، وأنعم عليه المؤيد بالطبلخاناة والأموال والكساء والخلع، وأعاد عليه بلاده التى كانت بيده.
ثم توجه الملك المؤيد فى يوم السبت أول شهر ربيع الأول قاصدا صنعاء، ولما استقر بها وصل إليه الأمراء الأشراف ومشايخ العربان، وفى جملتهم الأمير أحمد بن على بن موسى لتمام صلح الأشراف، فتم صلح الأشراف على تسليم نعمان واللحام وصعدة، وقسمة بلاد مدع [٥] كما كانت فى/ (١٥٧) زمن الملك المظفر، ثم توجه إلى تعز وصحبته الأمير جمال الدين على بن عبد الله، والأمير
стр. 12985
أحمد بن على، والأمير ابن وهّاس، وأمراء العرب، ثم توجه إلى زبيد فى جمادى الآخرة، وصحبته الأشراف والأمراء، وطلع من زبيد فى آخر شعبان، فلما كان عيد الفطر ودعه الأمير جمال الدين على السّماط، وتوجه إلى البلاد العليا، والذى حصل له من الإنعام من حين خرج من الميقاع إلى أن عاد إلى بلاده ما يزيد على سبعين ألف دينار «الدينار: أربعة دراهم، والدرهم: عشرة قراريط» .
وفى شوال من السنة توجه الملك المؤيد إلى عدن، فأقام إلى ثانى ذى الحجة وعيّد عيد النحر بفور [١] ، وعاد إلى تعز فى آخر ذى الحجة سنة ثمان وتسعين.
وفى سنة تسع وتسعين وستمائة توفى الأمير جمال الدين على بن عبد الله المقدّم الذكر، وكان من أكابر الأشراف وأعيانهم، ورؤسائهم وصدورهم، وقد ناف عمره على السبعين، ولما مات أجمع أهله على تقديم ولده الأمير عماد الدين إدريس، وكاتب الملك المؤيد فى ذلك، فكوتب بأن يصل إلى بابه/ فطلب ذمّة، فكتب إليه، وحضر إلى الملك المؤيد فى ذى القعدة، والمؤيد يومئذ بثعبات.
فلما كان بعد عيد النحر تقررت الحال على أن يسلّم الحصون التى بيده- وهما الميقاع والعظيمة- فتسلمهما نواب الملك المؤيد فى سنة سبعمائة، وأنعم على الشريف عماد الدين إدريس بعشرة أحمال طبلخاناة، وثمانية عشر ألف درهم، وسنجقا وخلعا وملابس ومماليك وخيول/ (١٥٨) وبغال، وركب معه الأمراء، وأعطى القحمة.
وفى سنة تسع وتسعين وستمائة حطّ الملك المظفر على أشيح، وأخذ حصن إرياب وغراس بالحقل قهرا، فزينت صنعاء لذلك.
وفى سنة سبعمائة توجه الملك الظافر عيسى بن المؤيد مقطعا لصنعاء وأعمالها، فدخل صنعاء فى العشر الأخر من شهر رمضان.
стр. 12986
وفى رابع عشر شهر رجب من السنة أخذ الأمير صارم الدين داود بن على حصن الجميمة بجبال شظب [١] والأمير على بن أحمد حصن العجرد بشظب بموافقة من فيها.
وفى سنة إحدى وسبعمائة خالف الأشراف السلمانيون، وقتلوا المقدم خطلبا، وكان مقيما بالراحة [٢] ، فأخذوا من خيله أربعين فرسا، فرسم الملك المؤيد إلى الأمير عماد الدين إدريس بالتوجه إلى الراحة، وأضاف إليه عسكرا من الحلقة، وأمر الأمير شهاب الدين أحمد بن الخرتبرتى [٣] شادّ تهامة، وأمر متولى حرض بالمسير، فسار العسكر، بكماله، ودخلوا الراحة، وأحرقت بلاد المفسدين، وتتبعوهم إلى قريب [٤] اللؤلؤة، وسألوا الصلح، وأعادوا الخيل التى أخذوها، وتسلم نائب الملك المؤيد- وهو الشريف على بن سليمان- الراحة وبلادها، وعاد العسكر.
وفيها أوقع الأمير سيف الدين طغريل- وهو مقطع لحج- بالجحافل والعجالم، وقتل منهم ما ينيف على أربعين رجلا، واتفقت له وقعة أخرى بالدّعبس، فقتل منهم ما ينيف على سبعين.
стр. 12987
/ (١٥٩) ذكر ما وقع بين الأشراف من الاختلاف وما وقع بسبب ذلك من الحرب والحصار
وفى سنة إحدى وسبعمائة توجه الملك المؤيد إلى البلاد العليا، فأقام بالجند أياما، وبالموسعة أياما، وبصنعاء أياما، ثم خرج منها إلى الظاهر، وطلع من نقيل [١] عجيب، والموجب لطلوعه ما جرى بين الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى، وبين الشيخ قاسم بن منصور الضّربوه- صاحب [٢] ثلا- من التشاجر على البلاد التى بينهما، فأخرب كل منهما على الآخر بعض بلاده، وكان الشيخ ممن يحالف الملك المؤيد، فاجتمع الأشراف إلى ظفار:
منهم الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، فسألهم تاج الدين القيام معه لمحاربة صاحب ثلا، فذكروا أنه حليف الملك، ولا يمكن حربه إلا بمحاربة السلطان، ورأوا إخراب القنّة، وبعض ثغر ظفار من المصلحة، وأن يرسلوا القاضى أحمد بن محمد الذمارى إلى الملك المؤيد ليتحقق رأيه، فأرسلوه، وعاد كل منهم إلى بلاده.
فأما الأمير موسى بن أحمد فإنه لما وصل إلى صعدة قبض بعض بلاد الأمير سليمان بن القاسم، وكتب إلى الأمير شرف الدين شكر بن على يستدعيه إلى صعدة، فوصل إليه فأرسله إلى الملك المؤيد [٣] ، وسير معه ابنه الأمير علم الدين موسى، وقبض منه رهينة، فلما وصل إلى صنعاء ترك الرهينة فى حصن ذهبان عند الأمير محمد بن أحمد الحاتمى/ (١٦٠) الهمدانى، ثم وصل إلى المؤيد وهو على الحركة إلى البلاد العليا، فأكرمة المؤيد، وأنعم عليه، وسار معه إلى الموسعة، ومن هناك تقدم إلى صوب ابنه.
وأما الأمير تاج الدين فإنه تقدم إلى الجهات الغربية، وأوقد نار الحرب فى بلاد الموقّر والعارضة [٤] وما يليها من بلاد السلطان، ومال إليه بنو شاور [٥] ، وجماعة من قبائل العرب ودخل المؤيد صنعاء، وأقام بها أياما، ثم
стр. 12988
سار إلى اليمن، ولقيه الأمير نور الدين موسى بن أحمد، والأمير عبد الله بن وهّاس، وطلع الملك المؤيد القنّة من طريق جبل [١] صبيح، وتسنم سعده القنّة، ونزل فيها بجميع عساكره، وذلك يوم العيد، وأشرف على أخذ ظفار من الجهة التى تلى القاهرة من غربيها، ولم يبق إلا أخذها، وعاد المؤيد إلى القنة، وأقام بها ثمانية أيام، وشرع فى عمارتها، وسماها المنصورة، وحصل للعسكر ضرر شديد، لعدم الماء والطعام والعلف، حتى بيعت القربة بعشرة دراهم، والزبدى الدقيق بعشرة دراهم، فعند ذلك أمر السلطان بضرب مخيمه بورور [٢] ، ورتب فى القنة الأمير نجم الدين موسى بن أحمد، ورتب فى تعز وهو الحصن المقدم الذى أخربه الأمير سليمان بن قاسم- الحسام بن مسعود بن طاهر، وأمر بعمارة الموضعين، ونصب فى تعز منجنيقين ترمى إلى ظفار وإلى المدينة فأضرهم المنجنيق غاية الضرر، وعيد الملك المؤيد عيد الأضحى فى محطة ورور.
ثم طلع المؤيد إلى تعز ليشاهد العمارة،/ (١٦١) ورمى المنجنيق، فعلم الأمير علم الدين سليمان بن قاسم صاحب ظفار أنه إن دام هذا الأمر أدى إلى خراب [بلاده [٣]] ، فأعمل الحيلة، وأخرج بنى أخيه وجماعة من الأشراف إلى خارج درب ظفار ومعهم وزيره على بن دحروج، وصاح بأعلى/ صوته أن الأمير والأشراف قصدهم أن يخدموا السلطان، وسؤالهم أن يشرف عليهم، فأشرف عليهم فخدموا [٤] بأجمعهم، وقالوا: نحن غلمان السلطان، وهذه المواضع مواضعه، وأشار ابن دحروج أن معه خطابا يفضى إلى المصلحة، ويسأل أن يرهن به الفقيه شرف الدين، فأجيب إلى ذلك، ونزل الشيخ ابن دحروج، واجتمع بالملك المؤيد بحضور القاضى الوزير موفق الدين، واستقر الأمر أن الأمير سليمان بن قاسم يبيع المؤيد حصن تلمّص بخمسين ألف دينار، ويرهن بذلك ولدى أخيه محمدا وداود، ووزيره على بن محمد بن دحروج، وأن يخرب الملك
стр. 12989
المؤيد تعز المعمورة على ظفار والقنّة، فأشار من حول الملك المؤيد عليه بذلك وقالوا: السلطان يملك صعدة بغير شريك، والرهائن توثقة لمن صدق، فركن إلى ذلك، وقبض الرهائن، ونزل الفقيه شرف الدين أحمد بن علي من ظفار، وأطلع لهم المال المشروط، وأرسل الملك المؤيد الفقيه شرف الدين أحمد بن على (الجنيد) [١] بعسكر لقبض تلمّص، وأرسل الشريف سليمان بن قاسم ثقة [٢] منه، وتقدموا إلى جهة صعدة.
وتوجه المؤيد من محطة ورور، والرهائن صحبته، وقصد صنعاء فى يوم الجمعة نصف ذى الحجة، فانتهى إلى جربان [٣] فى يوم الأحد سابع عشر الشهر، فزحف العسكر فى اليوم الثانى، وقاتلوا قتالا عظيما وبلغ الشفاليت [٤] / (١٦٢) باب الحصن، ونزل للشفاليت الكسوة، فأخرب أهل الحصن الحمولة وعاد الشفاليت فوجدوها خرابا، وكان قد تجمع إليه خلق كثير من همدان وغيرهم، ونصب الملك المؤيد المنجنيق، وأقام ثمانية أيام على جربان، ثم توجه إلى صنعاء، وتولى الحصار الأمير شمس الدين عباس بن محمد، والأمير عماد الدين إدريس والأمير محمد بن حاتم، ومحمد بن أحمد بن عمرو، ووصل المؤيد إلى صنعاء فى المحرم سنه اثنين وسبعمائة.
وأما سليمان بن قاسم صاحب ظفار، فإنه لما نظر إلى المال عنده والخلع، وقد أخربت القنّة وتعز، وارتفعت عساكر السلطان عنها، نوى الغدر، وزهد فى الرهائن، فكتب إلى المقيم بتلمّص أن يسلم تلمّص إلى الشريف أبى سلطان، ففعل ذلك، وكتب سليمان بن قاسم إلى الملك المؤيد: أنة غلب على تلمّص أبو سلطان، وأنه قد صار فى حرزه، وانتقض ما كان تقرر، فأرسل المؤيد شكر بن على إلى صاحب ظفار يطالبه بإعادة المال، وأخذ الرهائن، فغالظ فى الجواب، وبادر بعمارة تعز الذى كان أخربه، وأكد بناءه، وعاد الذين توجهوا ليتسلموا تلمّص، وتهدد السلطان صاحب ظفار أنه إذا لم يعد المال أشهر رهائنه، فلم
стр. 12990
يحتفل بالرهائن، فتقدم المظفر بإشهار [١] ولديه، وولد عمه، ونعاه بالعيب، كعادة العرب فى الغادر بعد الوفاء، ولما نظر الشيخ على بن محمد بن دحروج أن الشهرة لا حقته لا محالة، بذل للملك المؤيد/ (١٦٣) الخدمة والنصيحة، ووثقه من نفسه، وأرسله صحبة سيف الدين طغريل- بعد إقطاعه صنعاء، وذلك فى يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعمائة- بالعساكر إلى عمارة المنصورة وهى القنّة، وكان عند الأشراف أن العسكر لا يطلع إليها، ولا يعمرها فطلعها العسكر قهرا، وتسنموا القنة، وعمرت المنصورة، واستمرت العمارة بها، واستمرت المحطة بورور، ولحق الناس قحط شديد، بلغ الزيدى فى ورور أربعة دنانير وأكثر من ذلك، فخلا كثير من أهل [٢] البلاد.
فلما كان فى أثناء شهر رجب تداعى الناس إلى الصلح على رد المال المسلم فى تلمص، فردوا منه ستة عشر ألف دينار نقدا، وحريرا وحليا باثنى عشر ألف دينار، ورهنوا على ما بقى ولدى الأمير أحمد بن قاسم وحصن [٣] المدارة على يد الأمير ابن وهاس إلى عشرة أيام فى شوال والقنة للسلطان.
ومالت قبائل المرقان وبنو أسد الصيد، وبنو حسن ومخلاف تلمص وبنو دحروج إلى جنب السلطان، وما كان إليهم من مال وغيره، وأخرجوا حريمهم من ظفار وسكنوا صنعاء، وسلم الأمير تاج الدين الحدّة [٤] وخرّب شريب، ورهن ولده مع رهينة الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، وانعقد الصلح بين الملك المؤيد وبين أصحاب ظفار وتاج الدين، على أن المؤيد يحارب تلمص، ويعمل فيه ما شاء.
وعاد الملك المؤيد إلى اليمن فى الثامن عشر من شعبان سنة اثنتين وسبعمائة ووصل تعز فى غرة/ (١٦٤) رمضان منها.