← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 12986–13025 · переход к 12991.

стр. 12986

وفى رابع عشر شهر رجب من السنة أخذ الأمير صارم الدين داود بن على حصن الجميمة بجبال شظب [١] والأمير على بن أحمد حصن العجرد بشظب بموافقة من فيها. وفى سنة إحدى وسبعمائة خالف الأشراف السلمانيون، وقتلوا المقدم خطلبا، وكان مقيما بالراحة [٢] ، فأخذوا من خيله أربعين فرسا، فرسم الملك المؤيد إلى الأمير عماد الدين إدريس بالتوجه إلى الراحة، وأضاف إليه عسكرا من الحلقة، وأمر الأمير شهاب الدين أحمد بن الخرتبرتى [٣] شادّ تهامة، وأمر متولى حرض بالمسير، فسار العسكر، بكماله، ودخلوا الراحة، وأحرقت بلاد المفسدين، وتتبعوهم إلى قريب [٤] اللؤلؤة، وسألوا الصلح، وأعادوا الخيل التى أخذوها، وتسلم نائب الملك المؤيد- وهو الشريف على بن سليمان- الراحة وبلادها، وعاد العسكر. وفيها أوقع الأمير سيف الدين طغريل- وهو مقطع لحج- بالجحافل والعجالم، وقتل منهم ما ينيف على أربعين رجلا، واتفقت له وقعة أخرى بالدّعبس، فقتل منهم ما ينيف على سبعين.

стр. 12987

/ (١٥٩) ذكر ما وقع بين الأشراف من الاختلاف وما وقع بسبب ذلك من الحرب والحصار وفى سنة إحدى وسبعمائة توجه الملك المؤيد إلى البلاد العليا، فأقام بالجند أياما، وبالموسعة أياما، وبصنعاء أياما، ثم خرج منها إلى الظاهر، وطلع من نقيل [١] عجيب، والموجب لطلوعه ما جرى بين الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى، وبين الشيخ قاسم بن منصور الضّربوه- صاحب [٢] ثلا- من التشاجر على البلاد التى بينهما، فأخرب كل منهما على الآخر بعض بلاده، وكان الشيخ ممن يحالف الملك المؤيد، فاجتمع الأشراف إلى ظفار: منهم الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، فسألهم تاج الدين القيام معه لمحاربة صاحب ثلا، فذكروا أنه حليف الملك، ولا يمكن حربه إلا بمحاربة السلطان، ورأوا إخراب القنّة، وبعض ثغر ظفار من المصلحة، وأن يرسلوا القاضى أحمد بن محمد الذمارى إلى الملك المؤيد ليتحقق رأيه، فأرسلوه، وعاد كل منهم إلى بلاده. فأما الأمير موسى بن أحمد فإنه لما وصل إلى صعدة قبض بعض بلاد الأمير سليمان بن القاسم، وكتب إلى الأمير شرف الدين شكر بن على يستدعيه إلى صعدة، فوصل إليه فأرسله إلى الملك المؤيد [٣] ، وسير معه ابنه الأمير علم الدين موسى، وقبض منه رهينة، فلما وصل إلى صنعاء ترك الرهينة فى حصن ذهبان عند الأمير محمد بن أحمد الحاتمى/ (١٦٠) الهمدانى، ثم وصل إلى المؤيد وهو على الحركة إلى البلاد العليا، فأكرمة المؤيد، وأنعم عليه، وسار معه إلى الموسعة، ومن هناك تقدم إلى صوب ابنه. وأما الأمير تاج الدين فإنه تقدم إلى الجهات الغربية، وأوقد نار الحرب فى بلاد الموقّر والعارضة [٤] وما يليها من بلاد السلطان، ومال إليه بنو شاور [٥] ، وجماعة من قبائل العرب ودخل المؤيد صنعاء، وأقام بها أياما، ثم

стр. 12988

سار إلى اليمن، ولقيه الأمير نور الدين موسى بن أحمد، والأمير عبد الله بن وهّاس، وطلع الملك المؤيد القنّة من طريق جبل [١] صبيح، وتسنم سعده القنّة، ونزل فيها بجميع عساكره، وذلك يوم العيد، وأشرف على أخذ ظفار من الجهة التى تلى القاهرة من غربيها، ولم يبق إلا أخذها، وعاد المؤيد إلى القنة، وأقام بها ثمانية أيام، وشرع فى عمارتها، وسماها المنصورة، وحصل للعسكر ضرر شديد، لعدم الماء والطعام والعلف، حتى بيعت القربة بعشرة دراهم، والزبدى الدقيق بعشرة دراهم، فعند ذلك أمر السلطان بضرب مخيمه بورور [٢] ، ورتب فى القنة الأمير نجم الدين موسى بن أحمد، ورتب فى تعز وهو الحصن المقدم الذى أخربه الأمير سليمان بن قاسم- الحسام بن مسعود بن طاهر، وأمر بعمارة الموضعين، ونصب فى تعز منجنيقين ترمى إلى ظفار وإلى المدينة فأضرهم المنجنيق غاية الضرر، وعيد الملك المؤيد عيد الأضحى فى محطة ورور. ثم طلع المؤيد إلى تعز ليشاهد العمارة،/ (١٦١) ورمى المنجنيق، فعلم الأمير علم الدين سليمان بن قاسم صاحب ظفار أنه إن دام هذا الأمر أدى إلى خراب [بلاده [٣]] ، فأعمل الحيلة، وأخرج بنى أخيه وجماعة من الأشراف إلى خارج درب ظفار ومعهم وزيره على بن دحروج، وصاح بأعلى/ صوته أن الأمير والأشراف قصدهم أن يخدموا السلطان، وسؤالهم أن يشرف عليهم، فأشرف عليهم فخدموا [٤] بأجمعهم، وقالوا: نحن غلمان السلطان، وهذه المواضع مواضعه، وأشار ابن دحروج أن معه خطابا يفضى إلى المصلحة، ويسأل أن يرهن به الفقيه شرف الدين، فأجيب إلى ذلك، ونزل الشيخ ابن دحروج، واجتمع بالملك المؤيد بحضور القاضى الوزير موفق الدين، واستقر الأمر أن الأمير سليمان بن قاسم يبيع المؤيد حصن تلمّص بخمسين ألف دينار، ويرهن بذلك ولدى أخيه محمدا وداود، ووزيره على بن محمد بن دحروج، وأن يخرب الملك

стр. 12989

المؤيد تعز المعمورة على ظفار والقنّة، فأشار من حول الملك المؤيد عليه بذلك وقالوا: السلطان يملك صعدة بغير شريك، والرهائن توثقة لمن صدق، فركن إلى ذلك، وقبض الرهائن، ونزل الفقيه شرف الدين أحمد بن علي من ظفار، وأطلع لهم المال المشروط، وأرسل الملك المؤيد الفقيه شرف الدين أحمد بن على (الجنيد) [١] بعسكر لقبض تلمّص، وأرسل الشريف سليمان بن قاسم ثقة [٢] منه، وتقدموا إلى جهة صعدة. وتوجه المؤيد من محطة ورور، والرهائن صحبته، وقصد صنعاء فى يوم الجمعة نصف ذى الحجة، فانتهى إلى جربان [٣] فى يوم الأحد سابع عشر الشهر، فزحف العسكر فى اليوم الثانى، وقاتلوا قتالا عظيما وبلغ الشفاليت [٤] / (١٦٢) باب الحصن، ونزل للشفاليت الكسوة، فأخرب أهل الحصن الحمولة وعاد الشفاليت فوجدوها خرابا، وكان قد تجمع إليه خلق كثير من همدان وغيرهم، ونصب الملك المؤيد المنجنيق، وأقام ثمانية أيام على جربان، ثم توجه إلى صنعاء، وتولى الحصار الأمير شمس الدين عباس بن محمد، والأمير عماد الدين إدريس والأمير محمد بن حاتم، ومحمد بن أحمد بن عمرو، ووصل المؤيد إلى صنعاء فى المحرم سنه اثنين وسبعمائة. وأما سليمان بن قاسم صاحب ظفار، فإنه لما نظر إلى المال عنده والخلع، وقد أخربت القنّة وتعز، وارتفعت عساكر السلطان عنها، نوى الغدر، وزهد فى الرهائن، فكتب إلى المقيم بتلمّص أن يسلم تلمّص إلى الشريف أبى سلطان، ففعل ذلك، وكتب سليمان بن قاسم إلى الملك المؤيد: أنة غلب على تلمّص أبو سلطان، وأنه قد صار فى حرزه، وانتقض ما كان تقرر، فأرسل المؤيد شكر بن على إلى صاحب ظفار يطالبه بإعادة المال، وأخذ الرهائن، فغالظ فى الجواب، وبادر بعمارة تعز الذى كان أخربه، وأكد بناءه، وعاد الذين توجهوا ليتسلموا تلمّص، وتهدد السلطان صاحب ظفار أنه إذا لم يعد المال أشهر رهائنه، فلم

стр. 12990

يحتفل بالرهائن، فتقدم المظفر بإشهار [١] ولديه، وولد عمه، ونعاه بالعيب، كعادة العرب فى الغادر بعد الوفاء، ولما نظر الشيخ على بن محمد بن دحروج أن الشهرة لا حقته لا محالة، بذل للملك المؤيد/ (١٦٣) الخدمة والنصيحة، ووثقه من نفسه، وأرسله صحبة سيف الدين طغريل- بعد إقطاعه صنعاء، وذلك فى يوم الاثنين رابع عشر شهر ربيع الأول سنة اثنتين وسبعمائة- بالعساكر إلى عمارة المنصورة وهى القنّة، وكان عند الأشراف أن العسكر لا يطلع إليها، ولا يعمرها فطلعها العسكر قهرا، وتسنموا القنة، وعمرت المنصورة، واستمرت العمارة بها، واستمرت المحطة بورور، ولحق الناس قحط شديد، بلغ الزيدى فى ورور أربعة دنانير وأكثر من ذلك، فخلا كثير من أهل [٢] البلاد. فلما كان فى أثناء شهر رجب تداعى الناس إلى الصلح على رد المال المسلم فى تلمص، فردوا منه ستة عشر ألف دينار نقدا، وحريرا وحليا باثنى عشر ألف دينار، ورهنوا على ما بقى ولدى الأمير أحمد بن قاسم وحصن [٣] المدارة على يد الأمير ابن وهاس إلى عشرة أيام فى شوال والقنة للسلطان. ومالت قبائل المرقان وبنو أسد الصيد، وبنو حسن ومخلاف تلمص وبنو دحروج إلى جنب السلطان، وما كان إليهم من مال وغيره، وأخرجوا حريمهم من ظفار وسكنوا صنعاء، وسلم الأمير تاج الدين الحدّة [٤] وخرّب شريب، ورهن ولده مع رهينة الأمير همام الدين سليمان بن القاسم، وانعقد الصلح بين الملك المؤيد وبين أصحاب ظفار وتاج الدين، على أن المؤيد يحارب تلمص، ويعمل فيه ما شاء. وعاد الملك المؤيد إلى اليمن فى الثامن عشر من شعبان سنة اثنتين وسبعمائة ووصل تعز فى غرة/ (١٦٤) رمضان منها.

стр. 12991

وفيها توفى الملك العادل صلاح الدين أبو بكر ابن الملك الأشرف بن الملك المظفّر، ودفن فى أول شهر رمضان فى [١] ضراس. وتوفى الأمير نجم الدين موسى بن شمس الدين بنواحى صعدة. وفيها أمر الملك المؤيد بإنشاء مدرسة بمغربة تعز، ووقفها على طائفة الشافعية، ورتب بها مدرسا ومعيدا وعشرة من الطلبة، ومتصدرا لإقراء القراءات السبعة، ومعلما يقرىء جماعة من الأيتام القرآن، وأماما يصلى بالناس الخمس، ووقف بها خزانة كتب، ونقل إليها كتبا كثيرة من كتب العلوم [٢] والتفاسير. / وفى سنة ثلاث وسبعمائة فى العشرين من المحرم توفى الملك الظافر قطب الدين عيسى بن الملك المؤيد بحصن تعز، ودفن بمدرسة أبيه، ورتب والده قراء يقرأون القرآن على قبره، وتألم والده عليه، وأمر بذبح خيله الخواص فذبحت، وتصدّق بلحمها حالة حمله إلى قبره، وعملت له الأعزية فى سائر المملكة. وفيها توفى الأمير أبو سلطان المتولى على تلمّص المتقدمة الذكر، فغلب المرتبون فى الحصن عليه، وباعوه من الأمير على بن موسى بن شمس الدين، فسار نحوه، ونقل إليه الطعام، ووقعت الحرب بين عسكر السلطان والأشراف بسبب ذلك، وذلك فى/ (١٦٥) النصف الأخير من شعبان، ثم حصل الصلح، وانعقدت الذمة إلى سلخ ذى الحجة على إخلاء صعدة من الفئتين. وفى سنة أربع وسبعمائة أمر الملك المؤيد بالقبض على الأمير أسد الدين محمد بن أحمد بن عز الدين، وولده، والشريف شكر بن على، وسبب ذلك أنه بلغه مباطنتهم فى صعدة وتلمص. وفى ذى الحجة من السنة فارق الأمير سيف الدين طغريل الخزندار صنعاء وأقطعها السلطان ولده الملك المظفر، وأقطع طغريل الخزندار المذكور

стр. 12992

الأعمال الأبينيّة [١] ، ونزل إليها فى المحرم سنة خمس وسبعمائة، ثم فارق المظفر صنعاء فى آخر شعبان من هذه السنة، وتوجه إلى أبيه، فأقطعت الأمير سيف الدين طغريل المذكور، وأقطع الأمير عماد الدين إدريس [بن على [٢]] الأعمال الأبينية، وفيها تم الصلح بين الملك المؤيد والأشرف، وقبض رهائنهم، ورجع أهل مدينة صعدة إليها وسكنوها. وفى سنة سبع [٣] وسبعمائة ملك الملك المؤيد حصن القرانع [٤] وهو مزاحم الطويلة بينهما رمية حجر، وحصلت الحرب بين تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة وبين الأمير سيف الدين طغريل مقطع صنعاء. وفيها فى جمادى الأولى خالف ابن أصهب بأصاب [٥] وأخذ حصن السانة [٦] بها، وهو حصن منيع/ (١٦٦) مرتفع، فتوجه الملك المؤيد إليه بعسكر، وحصره به، فراجع ابن أصهب إلى الطاعة، ونزل على الذّمة هو وأولاده وحريمه، واستعاد الحصن ومعه حصونا أخر، ورجع إلى زبيد، وأقيمت التهانى والأفراح بسائر المملكة، ومدحه الشعراء. ذكر إنشاء القصر المعقلى والمنتخب وفى سنة ثمان وسبعمائة فى النصف من صفر من عمارة القصر المسمى بالمعقلى بثعبات، وهو مجلس طوله خمسة وعشرون ذراعا فى عرض عشرين ذراعا بسقفين مذهبين بغير أعمدة بأربع مناظر بأربع رواشن [٧] ، وفيه طشتيات [٨] من رخام شكل حلزون، وفى صدره شبابيك تفتح على بستان، وكذلك الرواشين وأمامه بركة طولها مائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعا على

стр. 12993

حافتيها الأوزّ الصّفّر [١] ترمى بالماء من أفواهها، ويقابل المجلس شاذروان [٢] بعيد المدى ينصب ماؤه إلى البركة، ولما كمل أمر الملك المؤيد بمجتمع حضره الأمراء والوزراء والفقهاء والأعيان والعامة من أهل البلد، وجلس الملك فى الطبقة الثانية ينظر إلى الناس، وخلع على الأعيان وامتدحه الشعراء. وعند الفراغ من هذا القصر أمر ببناء قصر ثان سمّاه المنتخب، وبستان/ (١٦٧) وفى السنة المذكورة توجه الملك المؤيد إلى زبيد فى رابع جمادى الأولى، فأقام بها نصف شهر، وتوجه إلى المهجم، فأقام به إلى تاسع عشر شهر رجب، وسار إلى جهة حجّة، ورجع منها فى تاسع عشر شعبان، ودخل المهجم فى الثالث والعشرين منه، وخرج منه وعيّد بزبيد. وفى السادس عشر من شوال وصل الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة إلى الملك المؤيد، ولم يطأ بساطه قبل ذلك، وهو من أعيان الأشراف ورؤسائهم، وله حصون منها كحلان والطويلة وعدة حصون غيرهما، فأكرمه المؤيد، وأنعم عليه، وتوجه به إلى صوب البحر [٣] ، وركب الملك المؤيد فيلا، وأردف الشريف تاج الدين خلفه، ودخل البحر فلجج الفيل بهما فى الماء، فبادر الفيال بأن ركب فيلة، ودخل البحر، واتبع الفيل وأسرع حتى أدركه، فلما شم الفيل رائحة الفيلة رجع إليها، ورجع الفيال بالفيلة أمامه، واتبعه الفيل إلى البر، وهذا دليل على خفة وطيش، وعدم ثبات وتغرير بالنفس، وكانت سقطة من الملك المؤيد، ثم عاد إلى زبيد، ثم إلى تعز، ودخلها فى السابع والعشرين من ذى القعدة والشريف تاج الدين معه، وفرّجه فى قصور ثعبات. وفى سنة تسع وسبعمائة رسم الملك المؤيد للأمير عماد الدين إدريس أن يتوجه إلى صوب الشرفين [٤] لاستفتاحهما بعد أن استخدم له مذحج، وأصحبه جماعة من العسكر فتوجه وطلع من الطهرة/ (١٦٨) إلى الشرف الأعلى،

стр. 12994

واستولى على جبل سعد ببلد الجبر، وحصن القاهرة ببلد المحاسبة، وأخذها من أهل الشرفين، وتوجه إلى الشرف الأسفل وحط بقلحاح [١] ، وتسلم فى ذلك اليوم حصن/ القفل وكان يومئذ بيد ابن مقرعة مولى الشريف إبراهيم بن قاسم، ثم توجه إلى جبل الشاهل، فاستولى على حصن أقتاب [٢] وحصن الناصرة واستولى على الشرف الأسفل بكماله، ولم يبق إلا حصن المسوكة [٣] للأشراف أهل جبل حرام، ومنهم عند الملك المؤيد [محمد [٤]] بن على، وأخوه يقصدان بيع الحصن عليه، فأخذه الأمير عماد الدين بمصالحة على ألفى دينار، وكتب إلى المؤيد بذلك فصادف وصول كتابه وقد عقد القاضى الصاحب موفق الدين مجلسا لشراء الحصن من الشريف محمد بخمسة آلاف دينار وكساوى، ولم يبق إلا وقوع المعاقدة، فقرأ الملك المؤيد الكتاب، وأمر بنقض المجلس، ثم تسلم الأمير عماد الدين حصن المفتاح فى سنة عشر، وسلم جميع ذلك إلى غلام الدولة حسن بن الطماح [٥] بن ناجى بحكم ما بيده من ولايتها من جهة الملك المؤيد. ذكر [٦] مقتل الأمير سيف الدين طغريل مقطع صنعاء وفى سنة تسع وسبعمائة غدر الأكراد بالأمير سيف الدين طغريل الخزندار مقطع صنعاء، وقتلوه فى يوم الاثنين سادس عشر/ (١٦٩) شهر ربيع الآخر. وسبب ذلك أنهم توهموا أنه يريد القبض عليهم، وأتاه النذير بذلك في تلك الليلة، فلم يعبأ به، فخرج الأكراد من المدينة، وقصدوا عسكر صنعاء فعقروا خيلهم، وتوجهوا نحو القصر الذى به الأمير المذكور، فاستولوا على اسطبله وحالوا بينه وبين مراكبيه، وسألوه الخروج إليهم على ذمة، فامتنع، فحصروه إلى أن طلعت الشمس، فخرج إليهم على ذمتهم، فقتلوه، وقتل معه

стр. 12995

صهره وهو أستاذ داره، وكاتبه، ووالى ذمار، ونقيبه، وأربعة من مماليكه، فوصل عسكر صنعاء إلى الملك المؤيد فعوضهم ما أخذه الأكراد، وجرّد الأمير شجاع الدين عمر بن القاضى العماد أمير جاندارة، والأمير شمس الدين عباس ابن محمد إلى جهة صنعاء من طريق تهامة، فدخلا ذمار، وانحازت الأكراد بجملتها إلى الوادى الحار، فقصدهم العسكر، وقاتلوهم ثلاثة أيام، وقتل من الأكراد ثلاثة نفر، وأخذت خيلهم، ثم تفرقت الأكراد فى كل ناحية، وعاد الأميران إلى ذمار، ثم حصر الأميران الأكراد بمصنعة عبيدة ثلاثة أشهر إلى نصف رمضان، وأنفقت أموال جليلة، فلم تجد المحاصرة شيئا، فتركا الحصار، وسار الأمير عباس بعسكر صنعاء إلى صنعاء، واجتمع الأكراد إلى الإمام ابن المطهر [١] ، وحالف بنى شهاب وأهل الحصون، فقويت شوكته، وقصد حصن ظفار، فأخذه وحط فى حدّة، فقاتل من بصنعاء، ووقعت حرب عظيمة على باب صنعاء ولم يكن فيها إلا/ (١٧٠) الأمير شمس الدين عباس فى جمع قليل من عسكرها، فثبت حتى وصلت إليه عساكر السلطان، وابن المطهّر مقيم فى حدّة، وظهره بلاد بنى شهاب، فلما اتصل ذلك بالملك المؤيد بادر بنفسه إلى صنعاء، فدخلها فى يوم الخميس الثالث والعشرين من شوال، ووجه ولده الملك المظفر إلى قاع بيت الناهم [٢] فنزل به يوم الاثنين السادس من ذى القعدة، واستولى على بيت [٣] خبص، وانهزم ابن المطهر هو ومن معه من الأكراد إلى حاقد [٤] ، ثم طلعوا إلى سبأ، وأقام ابن المطهر بجبل رهقة، والأكراد فى البروية، ثم افترقوا فسار الأكراد نحو طوران، وقد باطنوا أصحابه، وسار ابن مطهر نحو ذروان. وفى سنة عشر وسبعمائة تسلم الأمير شمس الدين عباس حصن عزّان، ونقل محطته نحو ظفار فحط بالطّفة [٥] ، ونصب المنجنيق على حصن تعز، فرغب الأشراف فى الصلح، فوقع، وعاد الملك المؤيد من صنعاء إلى تعز فى

стр. 12996

الخامس والعشرين من صفر سنة عشر وسبعمائة، وأقطع صنعاء للأمير أسد الدين محمد بن حسن بن [١] نور، وفى سنة تسع توفى الفقيه رضى الدين أبو بكر بن محمد بن عمر صاحب الملك المؤيد، وأخو وزيره، وكانت وفاته بزبيد، وفيها توفى الأمير تاج الدين محمد بن أحمد بن يحيى بن حمزة. وفى عشر وسبعمائة فى سابع عشر جمادى الآخرة دخل الأكراد فى/ (١٧١) الطاعة، وبذلوها من أنفسهم، ورهنوا رهائن وأعطوا حصن هرّان [٢] واستخدم من أراد الخدمة منهم. وفيها أقطع المؤيد الأمير جمال الدين نور بن حسن بن نور الأعمال الصعدية والجوفية [٣] والجثّة بتهامة وعوض الإمام عماد الدين عن الجثّة [٣] بالقحمة. وفى سنة إحدى عشرة وسبعمائة توفي الملك الواثق نور الدين إبراهيم بن الملك المظفر يوسف بن عمر، وكانت وفاته فى آخر المحرم بظفار الحبوظى. وفى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وفى شهر رجب احترقت دار المرتبة بتعز، واحترق فيها أشياء كثيرة. وفيها فى يوم الأحد سادس ذى القعدة توفى الملك المظفر ولد الملك المؤيد بتعز وأوصى قبل يوم وفاته ألا يصاح عليه، ولا يشق عليه ثوب، ولا يغطى نعشه إلا بثوب قطن، وأن/ يدفن فى مقابر المسلمين، وألا يعقر عليه شىء من خيله، فنفذت وصيته فى جميع ذلك إلا الدفن، فإنه دفن مع أخيه الظافر فى المدرسة المؤيدية، وكان من جملة وصيته أن يعمل له فى تربة المحاريب [٤] مدرسة، وأن يجرى لها الماء، ويجرى الماء منها إلى حوض تحتها، ففعل ذلك، ورتب بها جماعة من الطلبة. وفى ثالث ذى الحجة توفى الصاحب القاضى موفق الدين وزير الملك المؤيد المقدم الذكر، وكان مكينا عند السلطان كما تقدم.

стр. 12997

وفى السنة المذكورة أمر الملك المؤيد بإنشاء قصر ظاهر/ (١٧٢) الشّبارق بزبيد فى البستان الذى أمر بإنشائه هنالك. قال: وصورة بنائه أن وضع به أيوان طوله خمسة وأربعون ذراعا، وفي صدره مقعد عرضه ستة أذرع، وله دهليز متسع، وفوق الدهليز قصر بأربعة [١] أواوين، والجميع [٢] جملون، وفيه المبانى الغريبة المشرفة على البستان المذكور من جميع نواحيه. وفى سنة ثلاث عشرة وسبعمائة توجه الملك المؤيد من تعز إلى الجند، وكان قد رسم للأمير أسد الدين محمد بن نور أن يخرج من ذمار، وينازل حصن هرّان الذى هو بيد الأكراد، وينصب عليه المنجنيق، ففعل ذلك، وقتل الأكراد بعض المماليك وجماعة، فأردفه الملك المؤيد بالأمير شمس الدين عباس فى خمسين فارسا غير عسكره الذين معه، فراسل الأكراد السلطان المذكور، ما سبق لهم من الذمة، فأبقى عليهم لشهامتهم، وأمر بحضور أعيانهم، فحضر الأميران إبراهيم بن شكر، والجلال بن أسد إلى السلطان بالجند، فاستقرت الحال بينهم على أن يسلموا هرّان، وعادوا إلى ذمار على عادتهم، وذلك فى مستهل شهر رجب من السنة، وتوجه الملك المؤيد إلى زبيد، فدخلها فى ثانى عشر شهر رجب. وفى سنة أربع عشرة توفى الأمير عماد الدين إدريس المقدّم ذكره. ذكر وصول الأمير علاء الدين كشتغدى [٣] إلى خدمة السلطان الملك المؤيد / (١٧٣) وفى سنة خمس عشر وسبعمائة وصل الأمير علاء الدين كشتغدى من الشام إلى خدمة الملك المؤيد باستدعاء من المؤيد، وكان قبل ذلك أستاذ دار الملك المظفّر صاحب حماه، وكان خبيرا باللعب بالجوارح،

стр. 12998

فتقدم عند الملك المؤيد تقدما عظيما، ونادمه فى خلواته، ثم استنابه بعد ذلك، ورد إليه أمور دولته على ما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها ولى القاضى جمال الدين محمد بن الفقيه رضى الدين أبى بكر- الذى تقدم ذكر والده وعمه- قضاء الأقضية وعمره عشرون سنة، وكان الملك المؤيد يكرمه ويعظمه لحقوق أبيه السالفة، فلما كان فى سنة ست عشرة مرض الملك المؤيد مرضا خيف عليه فيه التلف، وأرجف الناس بموته، فراسل القاضى المذكور الملك الناصر جلال الدين بن الملك الأشرف بالأمور الباطنة، وأشار عليه بنشر الدعوة، وآيسه من عمه، فلما اتصل بذلك المؤيد خرج من تعز إلى الجند، وبه بقية التوعك، فخاف ابن أخيه الناصر من ذلك، ولجأ إلى جبل يقال له السّورق [١] ، وهو جبل حصين، وحوله أناس من العربان، وهو مطل على مدينة الجند، فجهز له المؤيد العساكر، ومقدمها الأمير جمال الدين بن نور، فنزل الناصر بذمّة، وحضر إلى خدمة عمه الملك المؤيد، ووقع الصلح بينهم والاتفاق، ويقال: إنه عرفه ما وصل إليه من كتب القاضى، فعزله عن القضاء، واعتقله بحصن تعز، وفوض القضاء إلى القاضى رضى الدين أبى بكر بن أحمد الأديب الشافعى/ (١٧٤) . وفى سنة سبع عشرة وسبعمائة، وصل القاضى الفاضل تاج الدين عبد الباقى بن عبد المجيد من دمشق إلى اليمن إلى خدمة الملك المؤيد باستدعاء منه له، وولاه كتابة إنشائه، وأكرمه وقربه. وفيها دخل عسكر المؤيد فللة [٢] وملكوها، وضربت البشائر فى سائر البلاد. وفى سنة ثمان عشرة وسبعمائة وصل صفى الدين عبد الله بن عبد الرازق الواسطى، وهو من جملة الكتاب ببلد حماة، وباشر كتابة بيت المال بطرابلس

стр. 12999

الشام، فلما استقر علاء الدين كشتغدى فى الخدمة المؤيدية نوه بذكره وشكره، وأثنى عليه، وذكر معرفته ونهضته، فاقتضى ذلك طلبه، فطلب طلبا حثيثا وأنفق عليه إلى حين وصوله من الذهب العين ألفى مثقال، ولما وصل فوّض إليه شادّ الاستيفاء، وحظى عند المؤيد وانبسطت يده فى الدواوين، والمذكور زوج ابنة الأمير علاء الدين كشتغدى، وتوجه المذكور فى السنة المذكورة إلى عدن وحمل منها ثلاثمائة ألف دينار، وعاد بها والمؤيد بالجند فأكرمه وعظمه. وفى السنة المذكورة رتب الأمير علاء الدين كشتغدى الجيش اليمنى على قاعدة الجيوش المصرية، وجعل له حاجبا للميمنة، وحاجبا للميسرة، ورتّب خلف السلطان إذا ركب العصايب والجمدارية والطّبرداريّة [١] ، فركب المؤيد بهذا الزى/ (١٧٥) . وفى سنة تسع عشر وسبعمائة فوض الملك المؤيد للأمير علاء/ الدين كشتغدى نيابة السلطنة وأتابكية العسكر، وتقدم عنده تقدما لم يسمع بمثله، وقرىء منشوره بأيوان الراحة، وكان يوما مشهودا، ووقع بينه وبين صهره صفى الدين منافسة ظاهرا، وباطنا، ثم كانت وفاة كشتغدى فى سنة عشرين وسبعمائة. وفى سنة عشرين وسبعمائة حصلت مرافعات [٢] من الكتاب على صفى الدين، وحاققه الكتّاب بمجلس الملك المؤيد، ونسبوا إليه أنه أخذ جملة من المال، ولم يظهر عليه أثر ذلك، فعزله المؤيد عن شد الاستيفاء، وفوض ذلك إلى الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد. وفيها وصل القاضى محيى الدين يحيى بن القاضى سراج الدين عبد اللطيف التكريتى الكارمى من الديار المصرية على طريق مكة، واجتمع بالملك المؤيد، وقدم له جملة من الزّمرّد واللآلىء، وتقدم عنده تقدما كثيرا، وأحله محل

стр. 13000

الوزارة، وفوض إليه الوكالة، وصرّفه فى عدن تصرفا عاما تاما مطلقا، وأعطاه من ماله- على حكم المتجر- مائة ألف دينار، وأطلق له من عدن خمسين ألف دينار، وتوجه إلى عدن، وعاد منها فى سنة إحدى وعشرين، وحصل بينه وبين صفى الدين مرافعات [١] بمجلس السلطان، ولم ينتصر أحدهما على الآخر، وركب السلطان ومحيى الدين فى يوم العيد فى موضع الوزارة، وركب بالطرحة على عادة وزراء مصر/ (١٧٦) . ذكر وفاة الملك المؤيد هزبر [١] الدين داود كانت وفاته رحمه الله تعالى فى نصف الليلة المسفرة عن يوم الثلاثاء مستهل ذى الحجة سنة إحدى وعشرين وسبعمائة، وكان قد هم بالنزول من تعز إلى زبيد على عادته، فنزل قصر الشجرة، وحصل له وجع، فأقام بالقصر عشرة أيام، ومات وغسل بدار العدل أسفل الحصن، ودفن بمدرسته التى أنشأها [بمغربة [٢] تعز] وكانت مدة ملكه خمسا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة وعشرين يوما. وكان ملكا حازما فاضلا محبا للعلوم مقربا لأهلها يستميلهم إليه حيث كانوا، ويرغب فيهم، ويرغبهم فيما عنده، ويكرم من وفد عليه من الديار المصرية وغيرها، وكان محبا لجمع الكتب والتحف، جمع من مصنفات العالم على اختلافها وتباينها ما ينيف على مائة ألف مجلدة، وحملت إليه الكتب والتحف من كل جهة، وكان عنده مع ذلك زيادة على عشرة نساخ ينسخون الكتب، وترفع إلى خزانته بعد مقابلتها وتحريرها، رحمه الله تعالى. وملك بعده ابنه سيف الاسلام.

стр. 13001

ذكر ملك الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر داود بن الملك المنصور عمر بن على بن رسول وخلعه من الملك/ (١٧٧) ملك بعد وفاة والده رحمه الله تعالى، وعمره يوم ذاك خمس عشرة سنة وخمسة أشهر وثمانية عشر يوما، فإن مولده فى ثالث عشر جمادى الآخرة سنة ست وسبعمائة. وكان سبب ملكه أنه لما مات والده نزل الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب بن الجواد- وكان الملك المؤيد قد فوض إليه الأستادارية والأتابكية، ونيابة السلطنة- فتوجه إلى الشجرة حفظا للجهات السلطانية، ومعه جماعة من العسكر وأعيان الأمراء، وثبت ثباتا حسنا فى تلك الليلة وحفظ نظام السلطنة، وضرب بركا على الشجرة [١] . وكان الملك المجاهد عصر تلك الليلة قد تقدم إلى الحصن ودخله، فكاتب الأمراء والأعيان، ورغبهم فرغبوا إليه، وصعدوا إلى خدمته، وتم له نظام السلطنة، فلما استقر فى الملك عزل الأمير جمال الدين، وفوض النيابة والأتابكية إلى الأمير شجاع الدين عمر بن يوسف بن منصور، وكان شاد الدواوين، وكتب له منشور وقرىء فى دار الضيف، وفى ذلك اليوم عقد لولدى أخيه المفضل والفائز الألوية، ورفع لهما الطبلخاناة، وقرىء منشور شجاع الدين بحضورهما، فتغيرت قلوب الأمراء والجند من تلك الساعة، وحصل بينه وبين ابن عمه الملك الناصر مراسلة اقتضت أيمانا وعهودا، فأرسل إليه من جهته الطواشى صلاح الدين، والفقيه وجيه الدين عبد الرحمن معلمه، فحلف الناصر اليمن المغلظة. ولما تمكن شجاع الدين من الملك المجاهد، حسن له أشياء منها أن يقبض على/ (١٧٨) الناصر، وسعى شجاع الدين فى خلاص المعتقلين بمعقل الدملوة، وكان فيه الأميران نجم الدين وبدر الدين ولدا أزدمر المظفرى، وشمس الدين الطّنبا [٢] أمير جندار والشريفان داود وأخوه، ولدا الشريف قاسم بن

стр. 13002

حمزة، ونجم الدين أحمد بن أيدمر الخزندار الفارس المظفرى، وكانت لهم مدة طويلة، ومنها أن يغير مماليك أبيه، ويستجد له عسكرا، وكان هو والفقيه عبد الرحمن [١] مدبرى دولته، وفوض قضاء الأقضية للفقيه عبد الرحمن المذكور، فأرسل شجاع الدين جماعة رايتهم/ الشيخ عيسى بن الحريرى [٢] ناظر المخلاف، وبدر الدين محمد بن الصليحى، والشيخ أحمد بن عمران رأس مذحج، للقبض على الناصر، فلما علم بذلك لجأ إلى تربة الفقيه عمر بن سعيد بذى عقيب من أعمال جبلة، فأحاطوا به، وأخذوه من التربة، ودخلوا به تعز، ثم نقل إلى عدن. ونزل الملك المجاهد من الحصن فى ثالث المحرم إلى الشجرة، فلبث بها إلى مستهل شهر ربيع الأول، ثم تقدم إلى الجند فلبث بها أياما، ثم توجه إلى الدّملوة، فدخلها وخرج منها، ولم يعط أحدا مما جرت به العادة إلا قليلا ممن يختص به، ومنع الملوك من الدخول إلى المنصورة، فتغيرت قلوب الناس عليه، ولما نزل من الدملوة توجه إلى ثعبات، وعزم على أخذ حصن السمدان من عمه الملك المنصور. فلما علم الأمراء البحرية وأكابر الدولة ما أضمره شجاع الدين لهم، بادر جماعة/ (١٧٩) منهم فى النصف الأخير من جمادى الآخرة، فقتلوا شجاع الدين المذكور فى داره بالمحاريب هو وقاضيه الفقيه عبد الرحمن، ثم قبضوا على الملك المجاهد وهو بثعبات، ونهبت تلك الليلة دور كثيرة بالمغربة [٣] والمحاريب. ذكر ملك الملك المنصور زند [٤] الدين أيوب بن الملك المظفر يوسف بن الملك المنصور عمر بن على بن رسول، وخلعه قال: ولما قبض الأمراء والعسكر على الملك المجاهد بادروا إلى عمه الملك المنصور وملّكوه، وحلفوا له، وصعد إلى الحصن، وبذل الأموال، وأنفق

стр. 13003

فى العساكر وصرف فى مدة سلطنته سبعمائة ألف دينار خارجا عن التشاريف، وكاتبه الأشراف، وهنئوه، فبعث إلى كل شريف منهم ما جرت العادة به، وفوض نيابة السلطنة إلى الأمير شجاع الدين عمر بن علاء [١] [الشهابى] فأقام أياما، ثم حصل بينه وبين الأمراء البحرية منافرة أوجبت أن استبدل به الأمير جمال الدين يوسف بن يعقوب [بن [٢] الجواد] المقدم ذكره، وفوض إليه أمر بابه بكماله. قال: وفى ليلة جلوس الملك المنصور أرسل إلى الملك الناصر جلال الدين ابن أخيه الملك الأشرف يطالبه، فلما وصل إلى الجند تلقاه بالطبلخاناة، وأقطعه المهجم، وعقد أيضا للأمير بدر الدين حسن بن الأسد الألوية، ورفع له/ (١٨٠) الطبلخاناة وأقطعه صعدة وما والاها، وعقد للأمير نجم الدين أحمد بن أزدمر الألوية، ورفع له الطبلخاناة، وأقطعة حرض، وعقد لولديه الملك الكامل تامور الدين، والملك الواثق شمس الدين الألوية، ورفع لهما الطبلخاناة وعين لهما الإقطاعات، وأرسل ولده الملك الظاهر أسد الدين عبد الله إلى حصنى الدملوة والمنصورة، وفى خدمته الشيخ افتخار الدين ياقوت العزيزى [٣] فتسلم الحصنين. ذكر عود الملك المجاهد إلى الملك والقبض على عمه الملك المنصور ووفاته وكان الملك المنصور لما ملك أبقى على حاشية أخيه الملك المؤيد، ولم يغير أحدا منهم، وكان منهم من يميل إلى الملك المجاهد ولد مخدومهم، فتقدم بعض غلمان المجاهد إلى بلاد العريبين، واتفق هو وجماعة منهم مقدمهم بشر الذهابى [٤] ، وكانوا عاملوا شخصا يقال له صالح ابن القواس [٥] على طلوع الحصن من ورائه باتفاق جماعة من عبيد الشراب

стр. 13004

خاناة وكانوا مؤيديه، فوصل العرب إلى المكان الذى تقرر طلوعهم منه، وكان بينهم وبين العبيد إشارة، فلما علم العبيد بهم أرسلوا لهم الحبال التى أعدوها للطلوع، فطلع الحصن أربعون رجلا، وباتوا تلك الليلة فى الشراب خاناة، وهى الليلة السادسة من شهر رمضان، فلما نزل الطواشى شهاب الدين/ (١٨١) موفق الخادم بمفاتيح أبواب الحصن خرجوا عليه فضربوه بالسيوف وأخذوا منه المفاتيح، ودخلوا على الملك المنصور، وطلع العرب بظاهر البيوت، ونادوا باسم المجاهد، فترامى العرب المنصورية من الحصن، وقاتل شمس الدين الطّنبا والى الحصن قتالا عظيما، فقتل. ولما علم الناصر بهذه الحادثة ركب فى جماعة من العسكر إلى أسفل الحصن، فلم يتهيأ لهم ما أرادوا، وقام سواد البلد على الناصر، ونادوا بشعار المجاهد، وحمل الناس إلى المجاهد بالحبال، وملك الحصن ثانيا، واستولى على ما فيه، وقبض على عمه المنصور، فلم يزل فى اعتقاله إلى أن مات فى المحرم سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ودفن بمدرسة أبيه المظفّر. ولما ملك المجاهد ثانيا حلف لمماليك أبيه، وكتب لهم ذرّاعة [١] بالأمان والوفاء، وجمع ملوك بنى رسول كلهم عنده تحت الاحتياط ما خلا ولدى الواثق، فإنه لم يعثر عليهما، واستناب فى السلطنة الأمير جمال الدين نور، وكان شديد الكراهية له، وطلب من عمه الملك المنصور أن يكتب إلى ولده الملك الظاهر بتسليم الدملوة، فكتب إليه كتابا شافيا، فامتنع الظاهر من/ تسليمها، فأرسل إليه عسكرا مقدمه الأمير شجاع الدين عمر بن علاء الدين والشيخ أحمد بن عمران الغياتى [٢] ، والشيخ عمران بن أبى بكر المغلسى [٣] ، فخامر [٤] جماعة من الأشعوب على الظاهر مقدمهم، ومكنوا عسكر المجاهد من طريق يفضى بهم إلى الصلىّ [٥] ، وحاصروا/ (١٨٢) حصن المنصورة،

стр. 13005

وحصل بينهم وبين عسكر الظاهر زحوف كثيرة، ولم ينالوا من الحصن شيئا، فرجعوا وتركوا أكثر أثقالهم وخيامهم، فخرج أصحاب الظاهر من المنصورة، فانتهبوا ذلك. وفى آخر سنة اثنتين وعشرين اختل أمر المخلاف، وخرج عن السلطنة، وثار به مشايخ العربان والقبائل، وملكوا أملاك الملوك، ونهبوا جبلة، وأخذوا جميع ما فيها حتى حصر المسجد الجامع، وخالف بنو فيروز وعسكر الدروب، واتسعت دائرة الخلاف. وفى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة التحق جماعة من الجند إلى الملك الظاهر، وجماعة من عرب ذمار، فأكرمهم، وصاروا يغيرون على أطراف بلاد الملك المجاهد، وسار جماعة من المماليك إليه، ووصل إليه الأمير غياث الدين محمد بن يحيى بن منصور الشبابى [١] ، فأكرمه، وكاتب الأمير بدر الدين حسن بن الأسد والى ذمار، فأجابه، وكان فى جملة المماليك البحرية جماعة يكاتبون الظاهر، ويميلون إليه، منهم،: الأمير عز الدين أيبك الدوادار المؤيدى فجيش الأمير بدر الدين حسن ابن الأسد، وجمع وحشد، ودخل إلى الجند قاصدا حصار تعز، وأمده الظاهر بأموال جمة من الذهب والفضة، فخرج إليه العسكر المجاهدى، ومقدمهم إبراهيم بن شكر، وكان قد نزل إلى المجاهد من بلاده لما عاد الملك إليه، ومعهم الفائز قطب الدين بن أخى المجاهد، فلما تراءى الجمعان/ (١٨٣) نكس جماعة من المماليك والجند رماحهم، والتحقوا بعسكر الظاهر، وصار العسكر بكماله ظاهريا، وعاد الفائز من ليلته بمساعدة إبراهيم بن شكر، وحصل بين ابن شكر وبين الأمير بدر الدين حسن بن الأسد أيمان وعهود [٢] ، وأجمع العسكر على دخول تعز، ولاقاهم الأمير غياث الدين بن الشبابى [١] من ناحية الدملوة، وضربت الخيام بمزارع عدنية، وأقامت المحطة سبعة أيام، وكان أهل تعز فى أشد ما يكون من التعب من قوة الحصار، ثم التحق جماعة من العسكر بالمجاهد، فارتفعت المحطة.

стр. 13006

ثم اضطربت أحوال المجاهد واختلفت آراء من حوله، فأشار عليه بعض من عنده- ويقال إنه ابن شكر- بالقبض على الأمراء البحرية والمماليك، وكان المحرض له عبد الرحمن المعروف بابن العنقاء، وهجموا عليهم سحرا، فنجا بعضهم، وقبض على جماعة كثيرة، ونهبت منازلهم، وشنق بعضهم، والتحق من هرب بالظاهر وانضموا إليه، فلما تحقق نفورهم عن المجاهد، ووثق بمناصحتهم، وكان منهم الأمير بهاء الدين بهادر الصقرى، أرسلهم الظاهر إلى الخوخية [١] ، وكان للظاهر بها محطة تبلغ مائتى فارس، وكانوا بين إقدام وإحجام، فلما انتهوا إليهم، وكان الحاث لهم على النزول، والمتدرك لهم بالبلاد بهادر الصقرى فنزلوا [إلى تهامة، ودخلوا السلامة، وتوجهوا إلى حيس، ثم توجهوا [٢]] إلى زبيد، فلما صاروا بالقرتب [٣] اختلفت آراؤهم، فهم جماعة منهم/ (١٨٤) بالتوجه إلى جهة أخرى، وهمّ آخرون بالرجوع إلى الظاهر، ثم جمعهم الصقرى، وثبتهم، وتوجه هو وجماعة من المماليك إلى زبيد، وكان بها الأمير بدر الدين محمد بن طرنطاى، وأمر البلد إليه، فكاتبه الصقرى، فلم يعد إليه جوابا، وأصر على حفظ البلد. وكان أهل زبيد يرغبون فى الصقرى، ويميلون إليه لتقدم ولايته عليهم فى الأيام المؤيدية، ووقع بين أهل زبيد اختلاف على قتيل، فخرج جماعة من عوارين [٤] البلد إلى الصقرى والعسكر بكماله قد نزل بستان الراحة بباب الشبارق، فتكفلوا للعسكر أنهم يطلعون رجالهم بالحبال، فبادر عسكر الظاهر إلى ذلك ودخلوا البلد فى مستهل شهر رجب سنة ثلاث وعشرين وقت الظهر، ونهبت بيوت مخصوصة منسوبة إلى المجاهد: كدور بنى النقاش، ومن والاهم، وكان بها جملة من الطعام، وظفر الصقرى بآلات وتحف للمجاهد منها:

стр. 13007

حياصتان مرصعتان بالجواهر النفسية، وكانت للملك المؤيد، وسر موزه مرصّعة بالجوهر يقال أنها كانت لبنت جوزا، أخذها المجاهد من الدملوه حال طلوعه، فأحضرها الصقرى إلى الظاهر، واستولى الظاهر على زبيد والبلاد التهامية. وقامت دعوته بها، وضربت السّكّة باسمه، وخطب له فى التهايم كلها، وسكن عسكر الظاهر بكماله زبيد. ولما اتصل ذلك بالمجاهد جهز عسكره، وقدم عليهم الأمير نجم الدين أحمد بن أزدمر:/ (١٨٥) وابن العماد، والزعيم بن الافتخار، وكانوا يزيدون على ثلاثمائة فارس، وأربعمائة راجل، ومقدم الرجّالة أخو الورد بن الشبيلى، ولما دخلوا إلى السلامة [١] نهبوا أكثر بيوتها، وساروا إلى جهة زبيد، فخرج إليهم جماعة من العسكر وأقام الصقرى بالبلد، فالتقوا بالمنصورة، فانهزم عسكر المجاهد، وقتل منهم خلق كثير، وأخذ العلم والحمل الذى كان مع ابن أزدمر وأسروه، ودخل رديفا خلف الشريف صارم الدين داود بن قاسم بن حمزة، وقتل أخو الورد بن الشبيلى [٢] ، وابن العماد، وتفرق العسكر، واستأمن منهم جماعة، وقوى الظاهر بذلك. / وكانت عدن بيد الملك المجاهد، وواليها ابن النقاش، فوقع بينه وبين الأمير شجاع الدين عمر بن بلبان العلمى [٣] منافرة، فكتب إلى المجاهد يشكو منه، فظفر بعض غلمان الظاهر بإنسان وصل من عدن [٤] ومعه كتب فقتله، وأخذ كتبه، وأحضرها إلى الظاهر، فوجد فى جملتها جوابا لابن النقاش، وفيه فصول تتعلق بالأمير شجاع الدين المذكور وإخوته لا ترضى، وكان قبل ذلك قد توجه شجاع الدين إلى المجاهد بمال، وصحبته جماعة من الجحافل، فلم يقابلهم المجاهد بما جرت به العادة، فنفروا، ونفر شجاع الدين معهم، وانضم إلى ذلك أن المجاهد طلب من شجاع الدين أن يقرضه سبعين ألف دينار فرفض فزاد نفوره مع مشاحنة ابن النقاش. فلما وقف/ (١٨٦) الظاهر على الكتاب أرسل به إلى الأمير شجاع الدين، فلما وقف عليه أعلن أنه ظاهرى، وتوجه من ساعته، وحاصر عدن،

стр. 13008

فأقام عليها عشرين ليلة، ثم افتتحها فى الثامن والعشرين من شعبان سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة برجال أدخلهم، وتحيّلوا على فتح الباب، ودخلوا البلد دخولا صعبا، نهبت فيه أكثر البيوت الخصوصية، وعاث الجحافل فى البلد، وقبضوا على ابن النقاش، ونهبوا داره، واستقر الثغر للأمير نجم الدين يوسف ابن على الصليحى، وهو رجل شهم من بيت الزعامة والرئاسة، واستقرت المملكة كلها بيد الظاهر ونوابه، ولم يبق مع الملك المجاهد غير حصن تعز، وهو يبذل لأهل صبر [١] فى كل شهر جملة من المال، خوفا منهم أن يقطعوا عنه الماء ويحاصروه. وفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة ثار الزعيم ابن الافتخار ببلاد المحالب، وتوجه إليه البحرية من قبل الظاهر، وكسروه كسرة شنيعة، وقتلوا من أصحابه جماعة. وفى السنة المذكورة عقد الظاهر للأمير بهاء الدين بهادر الصقرى الألوية ورفعت إليه الطبلخاناة، ودخل زبيد دخولا لم يعهد مثله، وعامله الظاهر بأتم إحسان، وهو مع ذلك «يسرّ حسوا فى ارتغاء [٢] » وفى السنة المذكورة خالف أهل صبر على المجاهد، وقطعوا المياه عنه، وضعف حاله، وشعث أهل المغربة وعدنية بين أهل صبر والمجاهد/ (١٨٧) فجهز الظاهر الأمراء البحرية ومقدمهم الأمير نجم الدين محمد بن طرنطاى، ووافاه الأمير شجاع الدين عمر بن بلبان الدوادار العلمى من عدن، فحطوا على الحصن وحاصروه. وكان غياث الدين بن بوز [٣] من خواص أصحاب المجاهد قد فوض إليه أمر أستاذ داريته، وأتابكية عسكره، فلما حوصر المجاهد استأذنه غياث الدين

стр. 13009

فى اللحاق بهم، وقال: إنه إذا وصل إليهم تحيّل على استمالتهم إليه، فإن مالوا إليه، وإلا تحيل أن يسقى ابن الدوادار السم، فأذن له: فلما التحق بهم قالوا له: لا نقبلك ونتحقق نصحك إلا إذا نصبت المنجنيق على تعز، ورميتها به، وبالغت بالنصيحة للملك الظاهر، فراسل المجاهد فى ذلك، وقال له: إنهم لا يرضون منى إلا أن أرميك بالمنجنيق [١] ، فأذن له فى ذلك، فنصب عليه المنجنيق ورموه بها، وأزالوا ما بتعز من المناظر والمنازل. قال القاضى تاج الدين: فأخبرنى المحقق للحال، أن الذى وصل إلى الحصن من الحجارة المنحوتة أربعة آلاف حجر، وحصل قتل كثير، وخربت تعز خرابا لا يتدارك، وخلت أكثر بيوتها، واستمر الحصار إلى ذى الحجة سنة أربع وعشرين وسبعمائة. ولما اشتد الحصار على المجاهد، ورأى تألّب الناس عليه، وخروج البلاد عنه، راسل السلطان الملك الناصر [٢] فى ذلك، واستغاث به، وتضرع إلى مراحمه، والتزم تحمل الأموال، والتحف والنفقة فى العساكر، فوصلت رسله إلى الأبواب السلطانية/ (١٨٨) وذلك فى سنة خمس وعشرين كما تقدم، فكان من تجهيز العساكر المصرية ما نذكره إن شاء الله تعالى. قال: واتفق أن الأشراف كانوا قد استولوا على صنعاء بعد وفاة الملك المؤيد عند ما وقع الاختلاف بين الملكين باليمن، فلما علموا أن الصقرى ومن معه من المماليك استولوا على زبيد وبلاد تهامة، وأنهم مظهرون الطاعة للملك الظاهر بن الملك المنصور، مخالفون على المجاهد، وأنهم استقلوا بأموال البلاد لا يحملون منها إلى الظاهر شيئا، تحرك الأشراف عند ذلك، ونزلوا فى جمع كبير يقال إن عدتهم كانت خمسمائة فارس وكثير من الرجال، وراسلوا الأمير بهاء الدين بهادر الصقرى أن يعطيهم نصف بلاد تهامة، فقال: لا جواب لكم عندنا إلا السيف، فوقعت الحرب [٣] بينهم على وادى سهام من عمل الكدراء،

стр. 13010

فكانت الدائرة على المماليك، وأسر الأشراف جماعة من أعيانهم، فعند ذلك اضطربت المحطة [١] الذين كانوا يحاصرون المجاهد بتعز، وفارقوا الحصار، وتوجهوا لإنجاد أصحابهم، وأظهر الأشراف عند ذلك الانتصار للمجاهد. وكان الحامل لهم على ذلك ولدا المظفر أخى المجاهد، وهما: الملك المفضّل شمس الدين يوسف، والملك الفائز قطب الدين أبو بكر، فإنهما التمسا من الأشراف نصرة عمهما الملك المجاهد. ولما حصل من الأشراف ما حصل رجع المماليك البحرية- الصقرى وغيره، وغياث [٢] بن نور- إلى خدمة الملك المجاهد، ورجعت زبيد وتهامة إليه. / (١٨٩) هذا ما أورده المولى تاج الدين فى تاريخه، وبعضه شافهنى به، فلنرجع إلى سياقة أخبار الدولة الناصرية لسنة خمس وعشرين وسبعمائة، وما بعدها. / ذكر تجريد طائفة من العساكر المنصورة إلى البلاد اليمنية وما كان من خبرها إلى أن عادت [٣] قد ذكرنا وصول رسل [٤] الملك المجاهد سيف الإسلام على بن الملك المؤيد هزبر الدين داود إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية يستغيث به، ويستنجده لتفريج ما به من الكرب، وإعادة ما أخذ من بلاده إليه، فبرزت المراسيم الشريفة السلطانية فى يوم الاثنين الخامس من صفر سنة خمس وعشرين وسبعمائة بتجريد طائفة من العساكر المنصورة لإنجاده، فجرّد لذلك من نذكر من الأمراء والمماليك السلطانية، ورجال الحلقة، وأجناد الأمراء، وهم:

стр. 13011

الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، كان وهو مقدّم العسكر، وصحبته من طلبة خمسين [خمسون [١]] فارسا، ومن المماليك السلطانية سبعة عشر فارسا ومن الأجناد والأمراء ثلاث وسبعين فارسا، ومضافيه ومن أمراء الطبلخاناة خمسة وهم:/ (١٩٠) الأمير سيف الدين أقول الحاجب، وصحبته اثنين [٢] وخمسين فارسا من طلبة عشرين، ومن المماليك السلطانية عشر، ومن أجناد الأمراء اثنين وعشرين. والأمير سيف الدين قجماز بنخاص [٣] وصحبة ثمانية وأربعين فارسا من طلبه عشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر، والأمير سيف الدين بلبان الصرّخدى، وصحبة ثلاثة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر. والأمير سيف الدين بكتمر العلائى أستاذ [٤] الدار، كان، وصحبة خمسة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء عشرين. والأمير سيف الدين ألجاى الساقى الناصرى، وصحبته ثلاثة وخمسون فارسا من طلبة خمسة وعشرين، ومن المماليك السلطانية عشرة، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر. ومن أمراء العشرات الأمير عز الدين أيدمر الكوندكى، وثلاثة من أصحابه. والأمير شمس الدين إبراهيم التّركمانى كذلك، ومن مقدمى الحلقة المنصورة خمسة، وهم: سيف الدين ككتمر بن كراى الظاهرى، ومضافية ثلاثين فارسا. علاء الدين على بن أميرك الدّوادار، ومن مضافية ثلاثة وثلاثين. عز الدين

стр. 13012

أيدمر الحسامى، ومن مضافية اثنين وثلاثين، بهاء الدين بكمش [١] الحسامى ومضافية كذلك، عز الدين أزدمر السيفى [٢] ، ومن/ (١٩١) مضافية تسعة وعشرين. هذه التقدمة الأولى، والتقدمة الثانية: الأمير سيف الدين طينال حاجب الميسرة، وهو أحد مقدّمى الألوف، وصحبته من طلبة أربعين فارسا، من المماليك السلطانية، خمسة عشر فارسا، ومن أجناد الأمراء اثنين وأربعين فارسا، ومضافيه من أمراء الطبلخاناة خمسة، وهم: الأمير سيف الدين [٣] ططقر العفيفى الناصرى وصحبة أربعة وخمسين فارسا من طلبة خمسة وعشرين فارسا، ومن المماليك السلطانية تسعة نفر، ومن أجناد الأمراء عشرين، والأمير سيف الدين كوكاى طاز وصحبة تسعة وأربعين فارسا من طلبة عشرين فارسا، ومن المماليك السلطانية تسعة، ومن أجناد الأمراء عشرين فارسا، والأمير علاء الدين على ابن الأمير سيف الدين طغريل الإتقانى [٤] وصحبته كذلك، والأمير عز الدين أيبك الكوندكى، وصحبة ستة وأربعين فارسا من طلبة عشرين فارسا، ومن المماليك السلطانية ثمانية، ومن أجناد الأمراء ثمانية عشر، والأمير سيف الدين جرباش [٥] أمير علم، وصحبة أحد وأربعين فارسا من طلبة خمسة عشر، ومن المماليك السلطانية تسعة، ومن أجناد الأمراء سبعة عشر، ومن أمراء العشرات: الأمير سيف الدين بلبان الدّوادارى، وثلاثة من أصحابه، والأمير حسام الدين طرنطاى الإسماعيلى كذلك. / (١٩٢) ومن مقدّمى الحلقة المنصورة خمسة، وهم: سيف الدين سوندك الجاشنكير، ومن مضافية ثلاثين فارسا بدر الدين بيليك أمير آخور، ومن مضافية تسعة وعشرين: سيف الدين طاجار الفخرى، ومن مضافيه كذلك شمس الدين سنقر الشمسى، ومن مضافية ثمانية وعشرين سيف الدين أسندمر السّيفى، ومن مضافية كذلك.

стр. 13013

فكانت عدة هذا العسكر ألف فارس وخمسة وسبعين فارسا، ومن أمراء الطّبلخاناة اثنى عشرة، عدتهم ثلاثمائة، وخمسة من أمراء العشرات ممن عدتهم ستة عشر، ومن المماليك السلطانية مائة وستة وعشرين، ومن مقدمى الحلقة المنصورة ومضافيهم ثلاثمائة ومن أجناد الأمراء ثلاثمائة وستة [١] ، فتجهز هذا العسكر أحسن جهاز وأجمله، وجهز السلطان- خلد الله ملكه- معهم خزانة مال، ورسم/ لمقدم الجيش الأمير ركن الدين المذكور [أن ينفق [٢] المال] لمن نفق له فرس، أو تنبّل [٣] له جمل، وجهز صحبة المقدم المذكور عدة تشاريف لملك [٤] اليمن، وأمراء الحجاز، وغيرهم من العربان. قال: وكان بروز هذا العسكر من القاهرة المحروسة فى يوم الخميس خامس شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة، ورحل أوائل العسكر من بركة الجب بظاهر القاهرة المحروسة فى يوم الاثنين التاسع [٥] من الشهر، وتكامل رحيله فى يوم الأربعاء حادى عشر، واستمر بهم السير إلى أن وصلوا إلى/ (١٩٣) مكة- شرفها الله تعالى- معتمرين فى السادس والعشرين من جمادى الأولى، وأقاموا بمكة عشرة أيام، وكتب الأمير ركن الدين مقدم العسكر الأمانات، وسيرها أمامه إلى العربان، وإلى أهل حلى بن يعقوب [٦] ، وإلى الأشراف بالمخلاف السليمانى، وضمنها ما برزت به الأوامر السلطانية من الوصية بمن تمرّ العساكر عليه منهم، وعدم التعرض إلى أموالهم وغلالهم، والإحسان إليهم، فاستقرت خواطرهم بذلك، ولم ينفروا من العسكر.

стр. 13014

وحضر الرسل إلى مقدم العسكر وهو بمكة، وسألوه أن يكتب إلى الملك المجاهد كتابا يخبره فيه بوصول العسكر، فكتب إليه، وجهز الكتاب على يد بعض رفقتهم إليه فى البحر، ورحل العسكر من مكة- شرفها الله تعالى- فى السادس من جمادى الآخرة، وفى صحبته الأمير السيد الشريف سيف الدين عطيفة [١] أمير مكة، والأمير الشريف ناصر الدين عقيل أمير ينبع، وتأخر الأمير عز الدين رميثة [٢] عن الحضور، حتى حلف له مقدم العسكر وأمنه، فلحق بالعسكر المنصور فى الخامس والعشرين من الشهر فى أثناء الطريق، ووصل العسكر إلى حلى ابن يعقوب فى سادس عشر الشهر، وأقام العسكر به يومين للراحة والاستراحة، ورحل فى تاسع عشر الشهر، ونزل جعل، وتعرف بعمق وهو أول بلاد اليمن، ووصل إلى حرض فى التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، وهى أول بلد يجبى خراجه لملك [٣] اليمن، وهى/ (١٩٤) خاص الملك، وعند الوصول إليها أشهر مقدم العسكر النداء بالعدل، وألا يتعرض أحد للرعية، ورحل منها ووصل إلى المحالب فى ثالث شهر رجب. ووصل جواب الملك المجاهد إلى مقدم العسكر بهذه المنزلة، وظهر من فحوى جوابه ما دل على أنه سقط فى يده، وندم على طلب العسكر، وخاف على نفسه، فأعيد جوابه صحبة جمال الدين عبد الله الدوادارى البريدى بما يسكّن خاطره، ويطيّب نفسه، وكان الحصار قد ارتفع عن الملك المجاهد لما بلغهم إقبال العسكر، وأطاعه جماعة ممن كان خالفه، وخرج عليه كما تقدم، وقبض المجاهد عند ذلك على ابن عمه جلال الدين بن الملك الأشرف وابن طرنطاى وحضر إلى مدينة زبيد، ليتلقى العسكر، فلما قرب العسكر من زبيد قويت إشاعة أن الملك المجاهد عزم على ألا يتلقى العسكر، وأن يعود إلى تعز، ووصل العسكر إلى بلد تسمى فشال [٤] فى ثامن رجب، فأرسل مقدم العسكر

стр. 13015

إلى المجاهد ملطّفا كان على يده من جهة السلطان يخبره فيه بما رسم فيه باطنا وأرسله على يد الأميرين: عز الدين أيدمر [١] الكوندكى، وحسام الدين طرنطاى الإسماعيلى، وهما من أمراء العشرات، فتوجها إليه، وعرفاه أن يقف على الملّطف، ويكتم ما تضمنه، وإذا وصل المثال السلطانى، وقرىء فى المجلس العام تقابل الأوامر فيه بالسمع والطاعة. ثم وصل العسكر إلى زبيد فى يوم الأحد/ (١٩٥) عاشر رجب الفرد، وخرج الملك المجاهد للقائه، فتلقاه بالقرب من أسوار البلد، وألبسه مقدم العسكر التشريف [٢] السلطانى، وعاد المجاهد والعساكر فى خدمته إلى داره، وترجل مقدم الجيش والأمراء فى خدمته حسب ما أمرهم السلطان، ومشوا حتى انتهوا إلى الإيوان الذى يمد فيه الإخوان [٣] ، فعضده الأمير ركن الدين بيبرس عند نزوله عن فرسه، وبذلك كله كان السلطان أمره عند توجهه، وقرىء عليه المثال السلطانى، فى المجلس العام بعد أن قبل الملك المجاهد الأرض عند رؤية المثال، ومد المجاهد للعسكر إخوانا [٣] . وتحدث مقدم العسكر مع الملك المجاهد فى إرسال رسول إلى الملك [الظاهر [٤]] بقلعة الدّملوة بالمثال السلطانى إليه، فوافق على ذلك، ثم كرهه بعد الموافقة، فجهز إلى الظاهر عز الدين الكوندكى، وحسام الدين طرنطاى الإسماعيلى، فتوجها من زبيد نحو الدّملوة ولما توجها تحدث الملك المجاهد مع مقدم العسكر أن يجرد معه مائتى فارس، ليتوجه أمامه إلى تعز، وذكر له أنه بلغه أن الملك الظاهر قد عزم على مفارقة الدّملوة، واللحاق بحصن السّمدان، وأنه حصن حصين، ومتى صار به تعذر الوصول إليه، وذكر أن الطريق لا تسع العساكر بجملتها، فجرد معه الأمير سيف الدين ططقر العفيفى السلاح دار، والأمير سيف الدين قجماز بنخاص، وتوجهوا من زبيد فى سادس عشر رجب، ووصلوا إلى تعز فى العشرين من الشهر/ (١٩٦) .

стр. 13016

ثم توجه الأمير ركن الدين ببقية العسكر إلى تعزّ، فوجد رسله الذين أرسلهم إلى الملك الظاهر قد منعهم نائب قلعة تعزّ من التوجه إلى الدّملوة، واعتذر أنه خشى عليهم من الطرقات، فجهز معهم الأمير سيف الدين عطيفة أمير مكة، وتوجهوا إلى الملك الظاهر، واجتمعوا به، فوقف على المثال/ السلطانى، وكان يتضمن الاتفاق بين الملكين، فسأل الظاهر الكشف عن سيرته وسيرة المجاهد، وأن تكون قلعة الدّملوة للسلطان، ويكون نائبه بها، وأكرم الرسل غاية الإكرام، وأعادهم، وحصل من الملك المجاهد فى خلال ذلك اضطراب كثير، وعدم موافاة بما كان التزم به، وقرره على نفسه من النفقة على العسكر، وكان جميع ما أعطاهم فى جملة ثمن ما تنبّل للجند من الجمال ثمانية وأربعين ألف درهم، وطولب بعلوفات دوابهم، فاعتذر أن خيله لها سبعة أيام ما أكلت عليقا، وأنه لا شىء عنده، فالتمس منه أن يأمر رعيته ببيع العليق للجند، والجند يقومون بالثمن، فقال: ما عندى إلا ما تأخذونه بسيوفكم، ولم يكن مع المقدم مرسوم بالقبض على المجاهد، ولا نهب البلاد [١] ، فلذلك كف العسكر عنهم، وضاقت الميرة على العسكر، ومرض جماعة منهم، وتوجه جماعة من أجناد الحلقة إلى بعض الجهات ليبتاعوا ذرة برسم عليق دوابهم، فخرج عليهم جماعة من أهل جبل صبر، فأخذوا الجمال، وجرحوا الجمّال [٢] ، فوصل الخبر إلى مقدم العسكر، فأرسل جماعة لكشف الخبر، فقاتلهم أهل/ (١٩٧) الجبل وكاثروهم، فركب بنفسه، وتوجه إليهم، فاعتصموا منه بالجبل، وهو جبل وعر صعب المسلك لا ماء فيه، فصعد جماعة من العسكر إلى الجبل مشاة، وقتلوا من أهله نحو ثلاثمائة نفر، واشتد العطش بالعسكر، فمات منهم خمسة [٣] أحدهم من المماليك السلطانية، والآخر من الحلقة، وثلاثة من أصحاب الأمير سيف الدين قجماز بنخاص.

стр. 13017

وظهر لمقدم العسكر أن الملك المجاهد قد ضاق من العسكر، وعمل على ما يحصل به الضرر التام، وسأل أن يفرق العسكر، ويتوجه بعضه إلى عدن، وبعضه إلى لحج وأبين وضبا [١] ونواحيها، وبعضهم إلى مخلاف جعفر، وبعضهم إلى بلاد المغلسى [٢] وغير ذلك من الجهات، وقصد بذلك أن يفرق العسكر فى البلاد خوفا على نفسه منه، وقابل إحسان السلطان بالإساءة على ما نقل مقدم العسكر عنه. ثم بلغ المقدم أن بهادر الصقرى قرر مع المجاهد أن يمنع أهل البلاد من بيع العلوفات على العسكر، وربما شهر النداء بذلك، وكان الأمر السلطانى قد برز لمقدم العسكر أنه متى ظفر ببهادر الصقرى يقتله، فأخر المقدم قتله ليطمئن غيره ممن كان قد خالف الملك المجاهد، ويحضروا، ثم ينفذ فيهم أمر السلطان. فلما تحقق المقدم سوء طويته ركب إلى خيمة بهادر الصقرى، وقبض عليه وعلى الغياث بن نور، وكانا ممن خالف المجاهد وألّبا عليه كما تقدم، ثم رجعا إلى طاعته لما بلغهم قرب العسكر، ثم عملا على إفساد العسكر، ولما قبض على الصقرى،/ (١٩٨) وسّطه [٣] لوقته، وقيد الغياث بن نور، وهو أيضا ممن رسم السلطان بقتله، وشهد عليه جمال الدين [محمد [٤]] بن مؤمن، والزعيم عند مقدم العسكر- على ما حكاه المقدم فى مطالعته للسلطان- أنه عمل على الإضرار بالعسكر، ومنع الأجلاب عنه، فلم يزل فى القيد إلى أن رجع العسكر، ووصل إلى حرض فوسّطه [٣] المقدم بالقرب من المخلاف السليمانى. وأما الملك المجاهد، فإنه لما ضاق بالعسكر، واشتد خوفه منه، قال للمقدم: إن كان السلطان قد رسم لكم بالإقامة باليمن فالأمر إليه، وإن كان إنما أرسلكم لنصرتى فارجعوا إلى أبواب السلطان، وأحضر القاضى والشهود، وأشهد على نفسه أنه أذن للعسكر فى [٥] العود، ثم طلع المجاهد إلى القلعة،

стр. 13018

وامتنع من النزول إلى العسكر، فأرسل إلى المقدم أن يرحل بالجيش، وأنه يلحقه إلى زبيد، فعاد العسكر من تعزّ فى التاسع من شعبان، ووصل إلى زبيد، وأقام بها فى ميعاد المجاهد، فوصل الزعيم إلى مقدم العسكر، وأخبره أن الملك المجاهد توجّه من تعزّ إلى بعض الجهات، فانتظره المقدم ثمانية أيام، فلم يصل فعاد بالعسكر. ولما وصل إلى منزلة بالقرب من بئر على، توفى الأمير سيف الدين ططقر [١] العفيفى السلاح دار الناصرى، وكان رحمه الله تعالى رجلا جيدا كريما، صادق اللهجة، ووصل أوائل العسكر إلى مكة شرفها الله تعالى عائدا إلى الديار المصرية فى عاشر شهر رمضان، وآخره فى ثالث عشره/ (١٩٩) وأقام بها بقية شهر رمضان، ثم توجه منها إلى الديار المصرية. وكان وصول جاليش [٢] العسكر إلى القاهرة المحروسة فى يوم الخميس مستهل ذى القعدة من السنة، ووصل المقدم وبقية الجيش فى يوم السبت ثالث الشهر، ومثلوا بين يدى السلطان فى يوم الاثنين خامس الشهر، وخلع على الأمراء فى هذا اليوم، فخلع على الأميرين المقدمين خلعا كاملة بكلّوتات زركش، وحوائص ذهب، وخلع على بقية الأمراء خلعا كاملة على عادتهم، وزيد الأمير سيف الدين كوكاى فى خلعته كلّوتة زركشا، ثم كان بعد ذلك من أمر الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب، والقبض عليه ما نذكره، إن شاء الله تعالى. وفى سنة خمس وعشرين وسبعمائة أيضا، فى العاشر من شهر ربيع الأول وصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل بالمحروسة الأمير سيف الدين تنكز [٣] نائب السلطنة بالشام المحروس على خيل البريد، وشمله الإنعام السلطانى والتشاريف، وعاد إلى دمشق على عادته فى النيابة، وكان وصوله إليها فى يوم الثلاثاء ثالث شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة.

стр. 13019

ذكر حفر الخليج الناصرى [١] وفى هذه السنة أمر السلطان بحفر خليج مستجدّ سمى الخليج الناصرى عوضا عن خليج الذكر [٢] ، وجعل فوهته من قبلى خليج// (٢٠٠) الذكر، وتولى أمره نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون الناصرى، وولاه الأعمال البرانية، وابتدأ بحفره من فم البحر، ومر به على باب اللوق، ثم إلى بركة قرموط، واتصل الحفر إلى أن انتهى إلى الخليج الحاكمى، وبطل خليج الذكر، وسد فمه وبنى على هذا الخليج الناصرى عدة قناطر فى عدة أماكن منه، لسلوك المارة عليها فأنشأ القاضى فخر الدين ناظر الجيوش قنطرة عند فم الخليج بقرب البحر، وأنشأ الأمير سيف الدين قدودار [٣] متولى القاهرة قنطرة عند باب اللوق، وأنشأ القاضى شمس الدين عبد الله غبريال قنطرة عند دائرة [٤] بركة قرموط، وأمر السلطان بإنشاء قنطرة عند باب البحر بظاهر القاهرة، وأنشأ بعد ذلك فى سنة ست وعشرين الأمير سيف الدين بكتمر الحسامى- الحاجب كان- قنطرة فى أرض الطّبّالة خارج باب الشعرية، وأنشأ الأمير جمال الدين آقوش الأشرفى المعروف بنائب الكرك قنطرة قبلى قناطر الأوز عند اجتماع الخليجين الحاكمى والناصرى، وحصل بهذا الخليج نفع كثير، وجرى مدة طويلة بعد انقطاع الخليج الحاكمى، ثم نشف. وفيها فى يوم الاثنين تاسع شهر ربيع الآخر ضرب عنق نصرانى تعرض إلى ذكر دين الإسلام، وأغض منه، وأصرّ على إظهار ذلك، فحكم قاضى القضاة تقى الدين بن الأخنائى المالكى [٥] بإراقة دمه، وأنهى أمره إلى

стр. 13020

السلطان، فرسم بتنفيذ حكمه، فجلس بعد صلاة العصر من اليوم المذكور/ (٢٠١) بالمدرسة الصالحية بإيوان المالكية، وضربت عنقه بين يديه. ذكر عمارة القصر والخانقاة بسماسم والجلوس بالخانقاة وفى هذه السنة كملت عمارة القصر والخانقاة الناصرية بأراضى سماسم بالقرب من سرياقوس، وحصل الجلوس فى يوم الخميس [١] التاسع من جمادى الآخرة، ورسم السلطان بحضور قضاة القضاة، والعلماء، وسائر مشايخ الزوايا والخوانق والربط بالقاهرة ومصر المحروستين والقرافتين، ومن معهم من الفقراء، وحضر السلطان ونائبه، وأكابر أمراء دولته، واجتمعوا بالخانقاة، ومدت الأسمطة الكثيرة من الأطعمة اللذيذة، والأشوية، والحلويات والمشروب، وخلع على شيخ الشيوخ علاء الدين القونوى [٢] ، وشيخ الخانقاة المذكورة الشيخ مجد الدين الأقصرائى [٣] وغيرهما من المشايخ والقضاة، وفرقت الأموال الكثيرة على سائر فقراء الخوانق والزوايا والربط من الذهب والفضة، وكان يوما مشهودا. ورتب السلطان بالخانقاة أربعين صوفيا، ورتب لهم فوق الكفاية، ورتب لكل منهم فى كل شهر أربعين درهما، وفى كل يوم ثلاثة أرطال خبز [٤] ، ورتب سماطا عاما يمد فى كل يوم يأكله الفقراء المقيمون بها، والواردون إليها، وجعل للواردين إليها ضيافة، وأنشأ بها حماما للسبيل،/ (٢٠٢) وجامعا، ورتب له خطيبا، واحتفل بالمكان غاية الاحتفال، وأنشأ به بساتين، ووقف على الخانقاة أوقافا كثيرة، يفضل [ريعها [٥]] عن كفايتها، ثم زاد بعد ذلك عدّة الصوفية، فجعلهم مائة، ووصلهم بالافتقاد [٦] الوافر، ورتب لهم فى كل شهر

стр. 13021

عند وصوله إلى الخانقاة سبعة آلاف درهم يخص الشيخ منها بألفى درهم، وتفرق منها خمسة آلاف على الفقراء، وليس هذا المال [من] الوقف، وإنما هو من ديوان الخاصّ السلطانى، وسمع السلطان فى هذا اليوم أحاديث نبوية على قاضى القضاة بدر الدين [محمد بن جماعة [١]] بقراءة ولده القاضى عز الدين عبد العزيز، وانفصل هذا الجمع بأوفر الصلات، وأتم الإنعام. ذكر روك [٢] الإقطاعات بالمملكة الحلبية وفى هذه السنة أمر السلطان بروك المملكة الحلبية، فإنه لم يتأخر من الممالك بغير روك سواها، وتوجه لذلك الأمير علاء الدين مغلطاى [٣] الجمالى الناصرى مدبّر المملكة فى العشر الأخر من جمادى الآخرة وصحبته مكين الدين إبراهيم بن قروينة مستوفى الصحبة، وكان عوده فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان، وحصل الانتصاب لتحرير الرّوك، وتعين فيه جملة أقطع عليها جماعة من المماليك السلطانية والحلقة، وفيها فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان/ (٢٠٣) عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك صاحب البلاد الشمالية، وهم: الأمير سيف الدين بكمش الجمدار الظاهرى، والأمير بدر الدين بيليك السّيفى السّلارى المعروف بأبى غدّة، وصحبتهما رسله ورسل الأشكرى [٤] ، ومعهم التقادم، فسمع السلطان رسالتهم، وأنعم عليهم، وأعادهم صحبة رسله، وهم الأمير سيف الدين أضجلى [٥] أحد الأمراء، وسيف الدين قرادمر أحد المقدمين، وأصحبهم

стр. 13022

الهدايا، فتوجهوا، وكان خروج رسل الملك أزبك من بين يدى السلطان فى يوم الاثنين السادس من شوال، بعد أن شملهم بالخلع والإنعام، وتوجهوا فى يوم الجمعة عاشر الشهر. ذكر وفاة الأمير ركن الدين بيبرس [١] المنصورى / وفى ليلة الخميس المسفر صباحها عن خامس عشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة كانت وفاة الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورى، وهو من أكابر مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى زمن إمرته، وكان رحمه الله تعالى أجلّ الأمراء فى وقته لا يتخطّاه أحد، ولا يجلس فى مرتبته، وهو رأس الميسرة [٢] ، وتأمّر فى ابتداء الدولة المنصورية السيفية، ثم فوض السّلطان الملك المنصور إليه نيابة قلعة الكرك كما تقدم، ونقل منها إلى الديار المصرية فى جملة الأمراء فى الدولة الأشرفية الصّلاحية، وردّ إليه فى/ (٢٠٤) ابتداء الدولة الناصرية أمر ديوان المكاتبات لصغر سن السّلطان فى ذلك الوقت، وتنقلّ فى المراتب؛ فكان ينوب عن السلطنة الشريفة فى الغيبة، ثم ولى نيابة دار العدل الشريف، ونظر البيمارستان المنصورى فى أول الدولة النّاصريّة الثالثة، ثم فوض إليه نيابة السلطنة الشريفة استقلالا، ثم قبض عليه بعد ذلك، وأفرج عنه كما تقدم ذكر ذلك، واستقر فى جملة أكابر الأمراء، وجلس رأس الميسرة، وكان رحمه الله تعالى مولعا بالتاريخ، يديم مطالعته، وألف كتابا سماه: «زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة [٣] » فى أحد عشر مجلدا، وتاريخا مختصرا منه فى مجلدين، واستعان على تأليفه فى ابتدائه بكاتبه شمس الرئاسة بن كبر [٤] النصرانى، وكان الأمير ركن الدين رحمه الله تعالى من بقايا الخير. ولما مات فرق السلطان إقطاعه، فأعطى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبّر الدولة وأستاذ الدار العالية منه خمسين فارسا على ما بيده،

стр. 13023

وقدمه على ألف فارس، وأعطى بقيته للأمير سيف الدين بلبان السّنائى [١] أحد أمراء العشرات وأمّره بطبلخاناه، وجعل الأمير عز الدين أيدمر الخطيرى [٢] رأس الميسرة. وفى سنة خمس وعشرين أيضا كان عيد الفطر بالقاهرة، والديار المصرية فى يوم الأربعاء، وأما دمشق فإن الناس ارتقبوا الهلال فى ليلة الثلاثاء فلم يره أحد، فصلى الناس التراويح، وسحّر المؤذّنون بالمواذن [٣] ، وأصبح الناس صياما إلى نصف النهار، ثم ثبت على الحكام/ (٢٠٥) بدمشق رؤية الهلال، ونودى بذلك، وأفطر الناس بقية النهار، وصلى صلاة العيد فى يوم الأربعاء قضاء بالجامع الأموى دون المصلى، نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى ... وفيها توجه الحاج على العادة وكان رحيل المحمل السلطانى من بركة الجب فى يوم الجمعة سابع عشر شوال، وأمير الحاج الأمير سيف الدين طرجى [٤] أمير مجلس، فلما وصل الناس إلى منزلة السويس، حصل حر شديد مفرط، وقل الماء، فرجع من الناس خلق كثير من الأعيان وغيرهم. ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب وتنقل الأمراء فى الإقطاعات والتّقادم قد ذكرنا فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب [٥] عاد من بلاد اليمن بمن معه من العسكر فى يوم السبت الثالث من ذى القعدة، وأنه خلع

стр. 13024

عليه وعلى الأمراء فى يوم الاثنين خامس الشهر، وقدم تقدمته، وأهدى للأمراء هداياه، وقبل ذلك منه، ثم أعطى بعد ذلك بأيام قباء الشّتاء بطردوحش. فلما كان فى يوم الاثنين تاسع عشر الشهر المذكور، وحضر إلى الخدمة السلطانية على عادته، ومشى فى خدمته نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون [١] إلى دار النيابة، فقال له نائب السلطنة: قد برز أمر السلطان أن تتوجه إلى نيابة السلطنة وتقدمة العسكر/ (٢٠٦) بغزّة، فظن أن المراد بذلك القبض عليه، فامتنع من قبول الولاية، فقال: ما المملوك من هذا القبيل، أنا من جملة أوشاقية السلطان، فإن كان قد رسم فىّ بأمر فمن الآن، وحل سيفه بيده، فغضب نائب السلطنة منه، وعوّقه بدار النيابة، واجتمع بالسلطان، وأخبره بذلك، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين قجليس [٢] أمير سلاح، وأمره بأنه متى أصر على الامتناع يقتله، فكلمه فى ذلك وراجعه، فصمم على أنه لا يتوجه إلى غزة أبدا، واختار الاعتقال على ذلك، فاعتقل [فى برج عند باب القلعة] [٣] وخرج إقطاعه للأمير سيف الدين طينال، وفرق إقطاع طينال، فكمل للأمير سيف الدين أيتمش المحمدى مائة فارس، وقدم على ألف، وأمر فى يوم الخميس الثانى والعشرين من الشهر اثنان بطبلخاناة، أحدهما: على ما بقى من الإقطاع المحلول عند تنقل الأمراء، والثانى: على إقطاع الأمير سيف الدين، ونقل بهادر البدرى إلى نيابة السلطنة [بقلعة الكرك، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد السلطان بالكرك، ونقل نائب السلطنة بالكرك إلى نيابة السلطنة] [٤] وتقدمة العسكر بغزة المحروسة. وعرض السلطان فى يوم الخميس المذكور المماليك الكتابية، وعين منهم سبعين مملوكا لخدمة ولده الذى تقرر إرساله إلى الكرك.

стр. 13025

وفيها، فى يوم الاثنين ثالث ذى الحجة أمر السلطان/ (٢٠٧) بالقبض على الأمير أبى إسحاق إبراهيم ولد [١] أخى الخليفة أبى الربيع سليمان، واعتقاله، وسبب ذلك أنه تزوج امرأة مغنية تعرف بفالحة بنت [٢] المغربية، فوقفت أمها للسلطان، وشكته، وادعت أنه تمم على الشهود، وأحضر امرأة غيرها، وسماها باسمها، واستأذنها الشهود فأذنت، وعقد العقد عليها ولم تكن هى، وادعى هو أن العقد إنما وقع عليها دون غيرها، وشهد الشهود بصحة العقد، فأمره/ السلطان بطلاقها، وأرسل إليه يقول: إنكم من بيت الخلافة، ولا يصلح أن تفعل مثل هذا، وزواج هذه عار عليك، فصمم على ألا يفارقها، واعتذر أنه يمسكها خشية أنه إذا فارقها تعود إلى الغناء، فيكون عليه عارها، فرسم السلطان أنها لا تمكن من الغناء، وراجعه فى طلاقها، فأصر وأبى ذلك، وامتنع منه، فأمر باعتقاله، فاعتقل بالبرج فى قلعة الجبل، وادعى أنه غرم عليها نحو خمسين ألف درهم، وأمر السلطان أن يستخرج ذلك منها، واعتقلت عند الشيخة البغدادية، وأخذوا جواريها المغنيات، وبقى الأمير إبراهيم المذكور فى الاعتقال أياما أفرج عنه نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن، وأرسل إليه مع بهادر العلمى نائب الفتاح [٣] يقول له: رسم لك السلطان إن لم تطلقها حصل لك ما لا يمكن أن تستدرك فارطه، وأشهد عليه بطلاقها، فعرفه بهادر المذكور الرسالة، وشدد عليه الجواب، وما فارقه إلى أن شهد عليه بطلاقها، فتوجه بهادر، وعرف الأمير سيف الدين أرغن أنه تلفظ بالطلاق، [فشاور عليه السلطان فأفرج عنه] [٤] حين أذن، ففارقها وعادت لما كانت عليه من الغناء. ذكر توجه السلطان إلى الصيد والإفراج عمن نذكر من الأمراء وفى هذه السنة فى يوم الخميس الثالث عشر من ذى الحجة توجه/ (٢٠٨) السلطان إلى الصيد المبارك، وقصد جهة [البحيرة] [٥] .
следующие страницы →