← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

عند وصوله إلى الخانقاة سبعة آلاف درهم يخص الشيخ منها بألفى درهم، وتفرق منها خمسة آلاف على الفقراء، وليس هذا المال [من] الوقف، وإنما هو من ديوان الخاصّ السلطانى، وسمع السلطان فى هذا اليوم أحاديث نبوية على قاضى القضاة بدر الدين [محمد بن جماعة [١]] بقراءة ولده القاضى عز الدين عبد العزيز، وانفصل هذا الجمع بأوفر الصلات، وأتم الإنعام. ذكر روك [٢] الإقطاعات بالمملكة الحلبية وفى هذه السنة أمر السلطان بروك المملكة الحلبية، فإنه لم يتأخر من الممالك بغير روك سواها، وتوجه لذلك الأمير علاء الدين مغلطاى [٣] الجمالى الناصرى مدبّر المملكة فى العشر الأخر من جمادى الآخرة وصحبته مكين الدين إبراهيم بن قروينة مستوفى الصحبة، وكان عوده فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان، وحصل الانتصاب لتحرير الرّوك، وتعين فيه جملة أقطع عليها جماعة من المماليك السلطانية والحلقة، وفيها فى يوم الثلاثاء ثالث عشر شهر رمضان/ (٢٠٣) عادت رسل السلطان من جهة الملك أزبك صاحب البلاد الشمالية، وهم: الأمير سيف الدين بكمش الجمدار الظاهرى، والأمير بدر الدين بيليك السّيفى السّلارى المعروف بأبى غدّة، وصحبتهما رسله ورسل الأشكرى [٤] ، ومعهم التقادم، فسمع السلطان رسالتهم، وأنعم عليهم، وأعادهم صحبة رسله، وهم الأمير سيف الدين أضجلى [٥] أحد الأمراء، وسيف الدين قرادمر أحد المقدمين، وأصحبهم

стр. 13022

الهدايا، فتوجهوا، وكان خروج رسل الملك أزبك من بين يدى السلطان فى يوم الاثنين السادس من شوال، بعد أن شملهم بالخلع والإنعام، وتوجهوا فى يوم الجمعة عاشر الشهر. ذكر وفاة الأمير ركن الدين بيبرس [١] المنصورى / وفى ليلة الخميس المسفر صباحها عن خامس عشرين شهر رمضان المعظم من هذه السنة كانت وفاة الأمير ركن الدين بيبرس الدّوادار المنصورى، وهو من أكابر مماليك السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون فى زمن إمرته، وكان رحمه الله تعالى أجلّ الأمراء فى وقته لا يتخطّاه أحد، ولا يجلس فى مرتبته، وهو رأس الميسرة [٢] ، وتأمّر فى ابتداء الدولة المنصورية السيفية، ثم فوض السّلطان الملك المنصور إليه نيابة قلعة الكرك كما تقدم، ونقل منها إلى الديار المصرية فى جملة الأمراء فى الدولة الأشرفية الصّلاحية، وردّ إليه فى/ (٢٠٤) ابتداء الدولة الناصرية أمر ديوان المكاتبات لصغر سن السّلطان فى ذلك الوقت، وتنقلّ فى المراتب؛ فكان ينوب عن السلطنة الشريفة فى الغيبة، ثم ولى نيابة دار العدل الشريف، ونظر البيمارستان المنصورى فى أول الدولة النّاصريّة الثالثة، ثم فوض إليه نيابة السلطنة الشريفة استقلالا، ثم قبض عليه بعد ذلك، وأفرج عنه كما تقدم ذكر ذلك، واستقر فى جملة أكابر الأمراء، وجلس رأس الميسرة، وكان رحمه الله تعالى مولعا بالتاريخ، يديم مطالعته، وألف كتابا سماه: «زبدة الفكرة فى تاريخ الهجرة [٣] » فى أحد عشر مجلدا، وتاريخا مختصرا منه فى مجلدين، واستعان على تأليفه فى ابتدائه بكاتبه شمس الرئاسة بن كبر [٤] النصرانى، وكان الأمير ركن الدين رحمه الله تعالى من بقايا الخير. ولما مات فرق السلطان إقطاعه، فأعطى الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبّر الدولة وأستاذ الدار العالية منه خمسين فارسا على ما بيده،

стр. 13023

وقدمه على ألف فارس، وأعطى بقيته للأمير سيف الدين بلبان السّنائى [١] أحد أمراء العشرات وأمّره بطبلخاناه، وجعل الأمير عز الدين أيدمر الخطيرى [٢] رأس الميسرة. وفى سنة خمس وعشرين أيضا كان عيد الفطر بالقاهرة، والديار المصرية فى يوم الأربعاء، وأما دمشق فإن الناس ارتقبوا الهلال فى ليلة الثلاثاء فلم يره أحد، فصلى الناس التراويح، وسحّر المؤذّنون بالمواذن [٣] ، وأصبح الناس صياما إلى نصف النهار، ثم ثبت على الحكام/ (٢٠٥) بدمشق رؤية الهلال، ونودى بذلك، وأفطر الناس بقية النهار، وصلى صلاة العيد فى يوم الأربعاء قضاء بالجامع الأموى دون المصلى، نقلت ذلك من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى ... وفيها توجه الحاج على العادة وكان رحيل المحمل السلطانى من بركة الجب فى يوم الجمعة سابع عشر شوال، وأمير الحاج الأمير سيف الدين طرجى [٤] أمير مجلس، فلما وصل الناس إلى منزلة السويس، حصل حر شديد مفرط، وقل الماء، فرجع من الناس خلق كثير من الأعيان وغيرهم. ذكر القبض على الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب وتنقل الأمراء فى الإقطاعات والتّقادم قد ذكرنا فى هذه السنة أن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب [٥] عاد من بلاد اليمن بمن معه من العسكر فى يوم السبت الثالث من ذى القعدة، وأنه خلع

стр. 13024

عليه وعلى الأمراء فى يوم الاثنين خامس الشهر، وقدم تقدمته، وأهدى للأمراء هداياه، وقبل ذلك منه، ثم أعطى بعد ذلك بأيام قباء الشّتاء بطردوحش. فلما كان فى يوم الاثنين تاسع عشر الشهر المذكور، وحضر إلى الخدمة السلطانية على عادته، ومشى فى خدمته نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون [١] إلى دار النيابة، فقال له نائب السلطنة: قد برز أمر السلطان أن تتوجه إلى نيابة السلطنة وتقدمة العسكر/ (٢٠٦) بغزّة، فظن أن المراد بذلك القبض عليه، فامتنع من قبول الولاية، فقال: ما المملوك من هذا القبيل، أنا من جملة أوشاقية السلطان، فإن كان قد رسم فىّ بأمر فمن الآن، وحل سيفه بيده، فغضب نائب السلطنة منه، وعوّقه بدار النيابة، واجتمع بالسلطان، وأخبره بذلك، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين قجليس [٢] أمير سلاح، وأمره بأنه متى أصر على الامتناع يقتله، فكلمه فى ذلك وراجعه، فصمم على أنه لا يتوجه إلى غزة أبدا، واختار الاعتقال على ذلك، فاعتقل [فى برج عند باب القلعة] [٣] وخرج إقطاعه للأمير سيف الدين طينال، وفرق إقطاع طينال، فكمل للأمير سيف الدين أيتمش المحمدى مائة فارس، وقدم على ألف، وأمر فى يوم الخميس الثانى والعشرين من الشهر اثنان بطبلخاناة، أحدهما: على ما بقى من الإقطاع المحلول عند تنقل الأمراء، والثانى: على إقطاع الأمير سيف الدين، ونقل بهادر البدرى إلى نيابة السلطنة [بقلعة الكرك، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد السلطان بالكرك، ونقل نائب السلطنة بالكرك إلى نيابة السلطنة] [٤] وتقدمة العسكر بغزة المحروسة. وعرض السلطان فى يوم الخميس المذكور المماليك الكتابية، وعين منهم سبعين مملوكا لخدمة ولده الذى تقرر إرساله إلى الكرك.

стр. 13025

وفيها، فى يوم الاثنين ثالث ذى الحجة أمر السلطان/ (٢٠٧) بالقبض على الأمير أبى إسحاق إبراهيم ولد [١] أخى الخليفة أبى الربيع سليمان، واعتقاله، وسبب ذلك أنه تزوج امرأة مغنية تعرف بفالحة بنت [٢] المغربية، فوقفت أمها للسلطان، وشكته، وادعت أنه تمم على الشهود، وأحضر امرأة غيرها، وسماها باسمها، واستأذنها الشهود فأذنت، وعقد العقد عليها ولم تكن هى، وادعى هو أن العقد إنما وقع عليها دون غيرها، وشهد الشهود بصحة العقد، فأمره/ السلطان بطلاقها، وأرسل إليه يقول: إنكم من بيت الخلافة، ولا يصلح أن تفعل مثل هذا، وزواج هذه عار عليك، فصمم على ألا يفارقها، واعتذر أنه يمسكها خشية أنه إذا فارقها تعود إلى الغناء، فيكون عليه عارها، فرسم السلطان أنها لا تمكن من الغناء، وراجعه فى طلاقها، فأصر وأبى ذلك، وامتنع منه، فأمر باعتقاله، فاعتقل بالبرج فى قلعة الجبل، وادعى أنه غرم عليها نحو خمسين ألف درهم، وأمر السلطان أن يستخرج ذلك منها، واعتقلت عند الشيخة البغدادية، وأخذوا جواريها المغنيات، وبقى الأمير إبراهيم المذكور فى الاعتقال أياما أفرج عنه نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغن، وأرسل إليه مع بهادر العلمى نائب الفتاح [٣] يقول له: رسم لك السلطان إن لم تطلقها حصل لك ما لا يمكن أن تستدرك فارطه، وأشهد عليه بطلاقها، فعرفه بهادر المذكور الرسالة، وشدد عليه الجواب، وما فارقه إلى أن شهد عليه بطلاقها، فتوجه بهادر، وعرف الأمير سيف الدين أرغن أنه تلفظ بالطلاق، [فشاور عليه السلطان فأفرج عنه] [٤] حين أذن، ففارقها وعادت لما كانت عليه من الغناء. ذكر توجه السلطان إلى الصيد والإفراج عمن نذكر من الأمراء وفى هذه السنة فى يوم الخميس الثالث عشر من ذى الحجة توجه/ (٢٠٨) السلطان إلى الصيد المبارك، وقصد جهة [البحيرة] [٥] .

стр. 13026

ولما قارب ثغر الإسكندرية أرسل الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبر المملكة وأستاذ دار العالية إلى الثغر، وأمره بالإفراج عن الأميرين سيف الدين طاجار المحمدى [١] ، وسيف الدين كيتم [٢] ، وأمره أن يكشف أحوال الأمراء المعتقلين بالثغر، ومن اختار أن يكتب قصة [٣] فليستصحبها معه، ففعل ذلك، وكتب الأمراء قصصا بما أحبوا، وامتنع الأمير بهادر النقوى [٤] أمير جاندار- كان- والأمير سيف الدين بلبان الشمسى من كتابة قصة، وقالوا: نحن لنا ذنوب عند السلطان، وبأى وجه نرفع إليه قصة، فلما عاد الأمير علاء الدين إلى السلطان عرض على السلطان قصص الأمراء وأخبره بامتناع الأميرين المذكورين من كتابة قصة، وبما قالاه، فشملتهما عواطفه، وأمر بالإفراج عنهما، وأحضرا إلى المخيم المنصورى، وخلع على الأمراء الأربعة المذكورين، وحضروا إلى القاهرة فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من ذى الحجة. وفيها فى ليلة الأحد ثامن عشر صفر توفى الشيخ الإمام المقرئ المتقن المعمر تقى الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن على بن سالم ابن مكى المصرى الشافعى المعروف بالصائغ [٥] شيخ القراءات فى وقته، وكانت وفاته بمصر، وصلى عليه يوم الأحد بعد صلاة الظهر بالجامع العمرى بمصر، وأمّ الناس فى الصلاة/ (٢٠٩) عليه قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى، ودفن بالقرافة، ومولده فى ثامن عشر جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وستمائة بمصر، قرأ القرآن على الكمال الضرير، وسمع الحديث من الرشيد العطار، وابن البرهان، وغيرهما رحمهما الله تعالى. وتوفى فى ليلة السبت مستهل شهر ربيع الأول الخطيب جمال الدين محمد بن الخطيب تقى الدين محمد بن مجد الدين الحسن بن الشيخ تاج الدين

стр. 13027

أبى الحسن [١] على بن أحمد بن على بن [أحمد] [٢] بن القسطلانى خطيب جامع قلعة الجبل المحروسة، وإمام الجامع العمرى بمصر، ودفن من الغد بالقرافة، سمع من ابن خطيب المزّة، وصحب الشيخ العارف أبا محمد المرجانى، وحج معه ولازمه، ومولده سنة ثلاث وستين [٣] وستمائة تقريبا، وخطب بالجامع العمرى بمصر بعد والده فى سنة خمس وتسعين وستمائة، وخطب والده بالجامع المذكور قبله ثمانى عشرة سنة. ولما مات الخطيب جمال الدين، عرض جماعة من الخطباء على السلطان وخطب كل منهم بجامع القلعة، ومنهم من خطب فى مجلس السلطان فى غير يوم الجمعة، ثم استقرت الخطابة بجامع قلعة الجبل باسم ابن أخيه الخطيب تقى الدين بن الخطيب نور الدين، واستقر ولده الخطيب زين الدين أحمد [بن جمال الدين [٤]] فى خطابة جامع عمرو بمصر، وإمامته ونظره. وتوفى فى يوم السبت الحادى والعشرين من شهر/ (٢١٠) ربيع الآخر من السنة الشيخ الفقيه المفتى شرف الدين يونس بن أحمد بن صلاح القرقشندى [٥] الشافعى، أحد المفتين، وأحد المعيدين بزاوية الإمام الشافعى بالجامع العمرى بمصر، ودفن من يومه بالقرافة، رحمه الله تعالى. وفيها. فى يوم الأحد خامس عشر شهر ربيع الآخر، توفى القاضى الفقيه الإمام العالم سراج الدين يونس بن عبد المجيد بن على بن داود الهذلى الشافعى الأرمنتى، قاضى الأعمال القوصيّة، وكانت وفاته بظاهر مدينة قوص بالمشهد الذى يسكنه الحكام بقوص من لسعة عقرب [٦] ، ومولده بأرمنت من عمل قوص فى المحرم سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان فقيها فاضلا أصوليا وله مصنفات وشعر ليّن، رحمه الله تعالى.

стр. 13028

وتوفى فى الليلة المسفرة عن ثالث عشر جمادى الأولى من هذه السنة القاضى فتح الدين محمد بن القاضى كمال الدين أحمد بن عيسى السّعدى المعروف بابن القليوبى [١] وكان فيما مضى ينوب عن قاضى القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعى فى بعض الأعمال، ونقل إلى قضاء [٢] صفد نيابة عنه أيضا، ثم صرف منها، وعاد إلى الديار المصرية، فناب فى أعمال الدقهلية والمرتاحية عن قاضى القضاة المشار إليه، ونقل إلى قضاء أبيار [٣] ، ثم عزل وعطل مدة، حتى ضاق عليه الحال، فتوجه/ إلى مدينة المحلة، وناب بها عن القاضى عز الدين الحاكم بالغربية/ (٢١١) مدة تقارب أربع سنين، ثم فارق الجهة، وحضر إلى القاهرة وهو مضعف، فاستمر به المرض، واشتدت علته إلى أن مات رحمه الله تعالى، ودفن بالقرافة، وكان ﵀ رجلا كريما فاضلا جيد الشعر والنثر، جيد البديهة لسنا حسن الفكاهة والمحاضرة والمذاكرة، ﵀ وإيانا، وكان بينه وبين نجم الدين سعيد بن أحمد بن عيسى الغمارى المالكى [٤] عداوة مستحكمة ثابتة على الحكام، فلما أيس من الحياة أرسل إليه، وسأله الصلح عما مضى والمحاللة، ففعل، ثم لم تطل حياة نجم الدين المذكور بعده، فإنه مرض أثر ذلك، ومات بالمدرسة الصالحية النجمية فى ليلة الخميس ثانى جمادى الآخرة ودفن من الغد بمقبرة باب النصر رحمه الله تعالى وإيانا. وتوفى فى عشية الأربعاء قبل أذان المغرب فى الثانى والعشرين من جمادى الآخرة الشيخ المحدث نور الدين أبو الحسن على بن جابر بن على بن موسى بن خلف بن منصور بن عبد الله بن مالك [٥] الهاشمى الشافعى المعروف

стр. 13029

باليمنىّ شيخ الحديث بالقبة المنصورية، وكانت وفاته بالمدرسة الظاهرية، وصلى عليه فى يوم الخميس بالمدرسة المذكورة، وأمّ الناس فى الصلاة عليه قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة، ثم صلى عليه بسوق الخيل تحت قلعة الجبل، وكانت جنازته مشهودة، ودفن بالقرافة./ (٢١٢) ومولده بمكة شرفها الله تعالى، فى سنة ثمان وأربعين وستمائة تقريبا [١] ، وكان ﵀ جيد النظم، ورحل إلى الهند وغيره من البلاد، وخلف كتبا كثيرة جدا. وولى تدريس الحديث بعده بالقبة المنصورية الشيخ العالم زين الدين عمر ابن أبى الحزم [٢] بن يونس الشافعى المعروف بابن الكتّانى وجلس لإلقاء الدروس بالقبة فى يوم الأربعاء رابع عشر رجب، وتكلم الناس عليه لقبوله الولاية، فإنه لم يشتهر بطلب الحديث، ولا الاشتغال به وأما فقهه ومعرفته بمذهب الإمام الشافعى فغير مدفوع عنه. وفيها فى ليلة الخميس السادس من شعبان كانت وفاة الشيخ الصالح الإمام العالم القاضى عز الدين أبى عبد الله محمد بن الشيخ كمال الدين أبى العباس أحمد بن الشيخ جمال الدين أبى إسحاق إبراهيم بن يحيى بن أبى المجد اللخمى المعروف جده جمال الدين بالأسيوطى [٣] ، قاضى الكرك بها، وكان قد وليها فى شهر رجب سنة ست وتسعين وستمائة من قبل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى، واستقر بها إلى أن مات، ومولده بالقاهرة المعزية بالجامع الظافرى المعروف الآن بالفاكهى [٤] عند أذان الصبح من يوم الأربعاء السابع والعشرين من شعبان سنة إحدى وخمسين وستمائة،

стр. 13030

ودفن بمقبرة تعرف بالقبر الجديد، وكان ﵀ فقيها عالما متقنا محققا من أجلّ مشايخ القراءات،/ (٢١٣) والعلوم مقتصدا فى مأكله وملبسه وسائر أحواله، وكان من قضاة العدل والحق، لا تأخذه فى الله لومة لائم، ولا يخشى سطوة ملك، تساوى عنده فى الحق الآمر والمأمور، رحمه الله تعالى. وتوفى فى ليلة السبت الثانى والعشرين من شعبان الشيخ الفاضل العالم البارع شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبى، ثم الدمشقى كاتب الإنشاء بدمشق، وصلى عليه بجامعها، ثم بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، بتربة بناها لنفسه، ومولده فى شعبان سنة أربع وأربعين وستمائة، وكان ﵀ رجلا فاضلا، كاتبا أديبا شاعرا، انتهت إليه كتابة الإنشاء، ولو قيل فيه كاتب الشرق والغرب لاستحق ذلك غير مدفوع عنه ولا منازع فيه [١] ، وكان يكتب التقاليد والتواقيع والمناشير من رأس [٢] القلم، ويأتى فيها بما لم يأت به سواه مع الفكرة والرويّة، رحمه الله تعالى، وولى بعده كتابة الإنشاء بدمشق ولده شمس الدين محمد، رسم له بذلك فى شهر رمضان من السنة باعتناء نائب السلطنة بالشام به، وقدم على غيره لهذه الوظيفة مع توفر الأعيان والأكابر بدمشق. وفيها فى يوم الخميس رابع شهر رمضان توفيت الست الجليلة فالحة [٣] ابنة الملك الأمجد، مجد الدين حسن بن الملك الناصر صلاح الدين داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، ودفنت من يومها بالتربة المعظمية بسفح قاسيون، وتعرف هذه المتوفاة «بدار دينار» وكان لها بر ومعروف وإيثار، رحمها الله تعالى.

стр. 13031

وتوفى فى يوم الجمعة خامس شهر رمضان الأمير شرف الدين عيسى بن عمر البرطاسى [١] الكردى، أحد أمراء الطبلخاناة بمدينة طرابلس، وشادّ الدواوين بها، وكان رحمه الله تعالى رجلا شهما شجاعا مقداما، وأنشأ مدرسة بمدينة طرابلس، رافقته فى سنة عشر وسبعمائة بطرابلس، فكان حسن المرافقة، كثير الاحتمال، رحمه الله تعالى. وفيها فى الرابع والعشرين من شهر رمضان قتل الأمير السيد الشريف ناصر الدين أبو عامر منصور بن الأمير عز الدين جمّاز بن شيحة الحسينى أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، قتله شاب من أقاربه بالبرية [٢] ، وكان قد كبر وأسن، وولى إمرة المدينة بعده الأمير بدر الدين كبيش [٣] . وفيها فى يوم السبت ثالث ذى القعدة توفى نجم الدين أبو بكر بن القاضى بهاء الدين محمد ابن الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن أبى بكر، كان بالمدرسة الناصرية بالقاهرة وكان يقول: إن ما يخاطب به يستغنى الآن عن إعادته، ولم يزل يدعى ذلك إلى آخر وقت، رحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. / ذكر غرق مدينة بغداد وفى جمادى الأولى من هذه السنة زادت دجلة زيادة عظيمة، وكان ابتداء الزيادة فى يوم السبت ثالث عشر الشهر، واستمرت الزيادة إلى يوم الثلاثاء، وعظمت فغرق دائر البلد جميعه، بحيث أنه ما بقى أحد من الناس يستطيع الخروج من البلد، وانحصر الناس واجتهدوا فى عمل السّكورة [٤] ، وتساوى فى العمل الرئيس والمرءوس، والكبير والصغير، [ونقل التراب- حتى الحكام

стр. 13032

والقضاة والمترفين- فى حجورهم] وبقيت بغداد جزيرة فى وسط الماء، واستدار الماء عليها، ودخل الماء الخندق وكان له هدير عظيم، وغرق ما حول البلد، وخربت أماكن كثيرة منها البازار [١] ، وسائر الترب والبساتين والسواد [٢] والجانبين المتقابلين لسوق الخيل والدكاكين والساباط [٣] ، وخرب بستان الصاحب جميعه، والمصلى، وبعض الكمش، وسائر البساتين التى حوله، ووصل الماء إلى الثلاث نخلات، ووقعت قبة الجعفرية [٤] ، وخربت مدرسة عبيد الله، وغرقت خزانة الكتب التى بها، وكانت فيما قيل تساوى عشرة آلاف دينار، وسطّح الماء وعلا بمقدار عشر قامات، وكان الإنسان إذا وقف لم ير ما امتد بصره إلا ماء وسماء، وفتح فى الرّقّة [٥] وخرّب إلى الحارثية، وما ترك طرفه قائمة، وغرق خلق كثير من المزارعين الذين كانوا عند زروعهم ممن لم يحسن السباحة، وغرقت بساتين الرّقّة مثل بستان القاضى، وبستان ابن العفيف، والخاتونى، وبستان جمال الدين الدكروالى، وغرقت بساتين الحارثية، مثل: بستان الخادم، وابن الأمليس، وسديد الدولة، وبقى الناس فى خلقة ضيّقة، وامتنعوا من النوم ليلا والمعايش نهارا من شدة الزّعقات [٦] ، وخوف الغرق، وغلق البلد ستة أيام، والناس ينظرون إلى الخندق والشط هل زاد أو نقص، وتحول كثير من الناس إلى المحال العالية مثل تل الزينية، وتل اللوازه بالمستضيئيّة، وأسكرت سائر أبواب المحال العالية ببغداد، وأبواب الخانات بها، وسد باب خان السلسلة، وبقى إذا انفتح من الخندق فتح تداركه الناس بالسد، والناس يدورون فى الأسواق مكشوفى الرءوس، والرقعات الشريفة على رءوسهم، وهم يضجّون بالبكاء ويخرّون إلى الله تعالى، ويسألونه كشف هذه الحادثة عنهم، وودّع بعض الناس بعضا، ولو انخرق إليهم من الخندق أدنى شىء لغرقوا، وزاد الماء فى الخندق حتى ركب القنطرة الجديدة بسوق الخيل،

стр. 13033

وعلا فيها أكثر من ذراعين، وبلغ الماء إلى شباك دار شيخ المشايخ، ولو لم يعلّ السور بالسّكر كان انقلب إلى البلد، ولولا ما حصل من هذه البثوق- بثق الخندق، وبثق الرّقّة، وبثق التعسار- لغرقت بغداد. قال الناقل: ومع ذلك فإلى عشر سنين ما يمكن عمارة ما خرب بالجانب الغربى؛ فإنه غرق أكثره، وغلت الأسعار أياما، ثم نقص الماء بعد أن أشرف الناس على الهلاك، وكان ابتداء النقص يوم الأربعاء، وذكر القاضى ابن السباك: أن جملة ما خرب من البيوت بالجانب الغربى خمسة آلاف وستمائة بيت. نقلت ذلك- وبعضه بمعناه- من تاريخ الشيخ علم الدين القاسم بن البرزالى، وقال فى تاريخه: إنه كتبه من كتاب ابن الساعى، وأنه اختصر بعضه. ومن غريب ما وقع فى ذلك الغرق أن مقبرة الإمام أحمد بن محمد بن حنبل تهدمت قبورها، ولم يبق إلا قبر الإمام أحمد فإنه سلم من الغرق، واشتهر هذا الأمر بها واستفاض. قال: وورد كتاب شمس الدين بن منتاب يتضمن أن الماء حمل خشبا عظيم الخلقة، وزنت خشبة منه فكانت بالبغدادى ستمائة رطل، وجاء على الخشب حيّات كبار خلقتهن غريبة منها ما قتل، ومنها ما صعد فى النخل والشجر، وكثير منها مات، ولما نضب الماء أنبت على الأرض نباتا صورته صورة البطيخ، وشكله على قدر الخيار وفى طعمه محوحه [١] ، وأشياء غريبة الشكل من النبات. قال: ومحلة الصّراصرة صعد الماء فى دورها إلى الوسط وأكثر وأقل، وذكر أشياء من أمر الغرق اختصرتها، قال: وأما محلة الرقيقة [٢] فإنها بقيت أرضا بغير حائط قائم، وغرقت مقبرة معروف، وتربة بنت المنذر وغيرها. هذا ملخص ما حكاه مما لخصه هو، والله تعالى أعلم بالصواب.

стр. 13034

واستهلت سنة ست وعشرين وسبعمائة بيوم الأحد الموافق لثانى عشر كيهك من شهور القبط ، والسلطان الملك الناصر بالوجه البحرى من الديار المصرية يتصيّد، والديار المصرية المحروسة فى غاية ما يكون من الرخاء والأسعار فى غاية الرّخص، والخبز العلامة ثمانية عشر رطلا بدرهم نقرة، والقمح الطيب الإردب بثمانية دراهم، والشعير الإردب بخمسة دراهم، والفول بستة دراهم، وسائر الحبوب رخيصة الأسعار إلى الغاية. هذا، وقد قصّر النيل فى سنة خمس وعشرين وسبعمائة بحيث أن غالب بلاد الصعيد الأعلى صارت قليلة الرى جدا، ومع ذلك فإن الأسعار فى سائر أعمال الديار المصرية رخيصة متساوية، أو متقاربة فى الرخص. وفى شهر المحرم من هذه السنة عاد السلطان من الوجه البحرى وتوجه إلى/ «دهشور» من الأعمال الجيزية، وعاد إلى قلعة الجبل فصعد إليها فى الساعة الثالثة من يوم الخميس ثانى عشر الشهر، وأقام بها إلى يوم السبت الحادى والعشرين من الشهر، وتوجه فى بكرة هذا النهار إلى جهة سرياقوس [١] ، ودخل الخانكاه الناصرية، ورسم بزيادة عدد القراء بها، لتكملة مائة، ثم توجه منها وعدّى إلى بر الجيزية، ورسم بإنشاء جسر بها يحبس الماء ويصرف منه إلى جهة البحيرة، وأمر الأمراء ورجال الحلقة المنصورة بعمله، فعمل فى صفر. وتوجه السلطان إلى جهة الحمامات، وتصيد، ثم عاد إلى قلعة الجبل فى الساعة الثالثة من نهار الخميس ثانى شهر ربيع الأول، وتوجه إلى جهة سرياقوس، ثم توجه منها إلى الجيزية، ورتب من أحوال المباشرين ما نذكره، وتوجه من صفد إلى جهة الكحيليات لصيد الرخمة، فتصيد وعاد إلى قلعة الجبل فى العاشرة من يوم الثلاثاء الثانى والعشرين من شهر ربيع الأول. ذكر وصول رسل متملّك الحبشة وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل متملّك الحبشة [٢] ،

стр. 13035

ومثلوا بين يدى المقام الشريف السلطانى بقلعة الجبل المحروسة فى يوم الاثنين سادس عشر المحرم. وكان مضمون رسالتهم عن ملكهم أنه بلغه أن كنائس النصارى بالديار المصرية غلّقت، وأن النصارى فى ذلّة وهوان، والتمس من السلطان الإحسان إلى النصارى، وفتح كنائسهم، وأنهم متى لم يعاملوا بالإحسان عامل من ببلاده من المسلمين وما بها من المساجد كما يفعل بأهل دين النصرانية وكنائسهم بالديار المصرية، وذكروا عنه أنه قال: نيل مصر الذى به قوام أمرها وصلاح أحوال ساكنيها مجراه من بلادى، وأنا أسده، ونحو هذا من الكلام، فضحك السلطان من كلامهم، واستقل عقل مرسلهم، وعوملوا بغاية الإطّراح والإهانة، وعادوا إلى مرسلهم. ذكر عزل وتولية من يذكر من أرباب المناصب الديوانية بالدولة الناصرية وفى هذه السنة- فى يوم الجمعة ثامن عشر صفر- رسم بإفصال القاضى شمس الدين عبد الله المعروف بغبريال من نظر [النّظّار] [١] والصحبة بالديار المصرية، وخلع عليه، ورسم له بعوده إلى دمشق على عادته الأولى، عوضا عن كريم الدين عبد الكريم [٢] المعروف [بكريم الدين] [٣] الصغير، وتوجه على خيل البريد فى يوم الاثنين الحادى والعشرين من الشهر، فوصل إلى دمشق فى بكرة نهار الاثنين ثامن عشر من الشهر، ورسم بطلب كريم الدين إلى الأبواب السلطانية، فوصل إلى المخيم المنصور السلطانى بالجيزية فى يوم الاثنين ثالث عشر [٤] شهر ربيع الأول، وكانت الشاعة [٥] قد قويت أن السلطان يفوّض

стр. 13036

إليه نظر الدولة، ومن الناس من أشاع أنه يلى الوزارة، ومنهم من أشاع أنه يفوّض إليه نظر الوكالة السلطانية، وقلق الناس لذلك قلقا عظيما، فلما وصل إلى المخيّم السلطانى لم يجد قبولا من السلطان، وأنكر عليه إنكارا شديدا، ثم رسم له بملازمة داره بظاهر القاهرة، وطلب القاضى شرف الدين عبد الرحمن الخطير- وهو ناظر ديوان نائب السلطنة الشريفة- فى ليلة الثلاثاء سادس شهر ربيع الأول، وفوض إليه نظر النّظّار والصحبة، على عادة شمس الدين غبريال، وخلع عليه، وذلك بمنزلة سفط [١] من الأعمال الجيزية، وباشر ذلك، واستمر كريم الدين بمنزله بخط بركة قرموط، ومنع من فتح بابه، واجتماع الناس إليه إلى أن عاد السلطان إلى قلعة الجبل، فكتب له توقيع بإشارة الوزير الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى بنظر منفلوط، ورسم له بتشريف على عادة نظّار الجهة، فقلق لذلك قلقا شديدا، فاعتنى به نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون، وخاطب السلطان فى أمره، وأوضح له التحامل عليه، فقطع التوقيع، وبطل ما كان قد رسم به فيه. وفى ليلة الاثنين رابع شهر ربيع الآخر توجه كريم الدين المذكور إلى الحمّام فرصده جماعة [٢] إلى أن خرج منه، فوثبوا عليه، وضربه أحدهم بسيفه، فالتقى الضربة بدبوسه، ثم هرب بفرسه، فسلم، وقتل اثنان ممن كانوا معه، وجرح الثالث، فأما أحد المقتولين فاحتمله الرجال الذين وثبوا على كريم الدين، فلم يعلم خبره، وأما الثانى فأثخنته الجراحة فمات فى يوم الاثنين صبيحة تلك الليلة، وأمسك الذى جرح وكان من الجند من أصحاب كريم الدين ممن كان معه فى الحمام، وقيل له: إنما كنت مع الذين قصدوا قتله، فاعتقل بسجن الولاية، وكان معه أيضا نفران من خير الحرسة، فمسكوا وقيّدوا، واستعملوهم فى جملة المقيدين بالعمارة السلطانية، وسأل كريم الدين عقيب هذه الحادثة أن يفسح له فى سكن القاهرة، فرسم له بذلك فسكنها.

стр. 13037

فلما كان فى يوم السبت تاسع شهر ربيع الآخر رسم السلطان بطلب كريم الدين وأولاده، فطلبوا إلى قلعة الجبل أشد طلب، وأحضروا بين يدى الوزير، / فطالبه بالمال، فقال: لا مال عندى، وأنا ما تعرضت لمال السلطان، وأشباه هذا من الكلام، فضرب ابنه سعد الدين فرج الله بالمقارع، وسلم ولده الصغير لمتولى القاهرة، وعرض كريم الدين على الضرب فوجد فى كمّه أوراقا تشتمل على مرافعات [١] ، وقصد الوزير أخذها منه، فامتنع، وقال: لا أسلمها إلا للسلطان، فطولع السلطان بذلك، فأرسل الأمير سيف الدين بلبان الساقى إليه، فتسلمها منه، وعرضت على السلطان، فطلب الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى الوزير، وأمره بالإفراج عن أولاد كريم الدين، وأن يكون هو عنده فى مكان من داره، ففعل ذلك فى اليوم المذكور، ثم رسم فى بقية النهار بعقوبة كريم الدين، وتقريره على المال، فسعّطه بالخل والجير [٢] ، فناله من ذلك شدة عظيمة، حتى خرج الدم من حلقه، ورسم عليه وعلى ولده سعد الدين فرج الله فى بقية يوم السبت والأحد، ثم رسم بإخراجهما وإرسالهما إلى ثغر أسوان، فسأل كريم الدين أن يكون اعتقاله بغزّة، فلم يجب إلى ذلك، وأخرج من باب القرافة من فى أول يوم الاثنين الحادى عشر، شهر ربيع الآخر، هو وولده سعد الدين، فتسلمهما متوليا القاهرة ومصر وشادّ الصناعة، فتوجهوا بهما وحجّلا [٣] فى سلّورة [٤] ، وأرسلا إلى ثغر أسوان، وفرّق بينهما، فجعل كل منهما فى خنّ [٥] لم يجتمع أحدهما بالآخر على ما بلغنى من المحقق للحال إلى أن وصلا إلى ثغر أسوان، فكان وصولهما فى ليلة الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، فأنزل بدار تعرف بدار يحيى، وهى الدار التى [أنزل] بها من قبل

стр. 13038

كريم الدين الوكيل، فبات بها بعض ليلة الاثنين، ويوم الاثنين بكماله، وتوفى فى ليلة الثلاثاء فى الثلث الأول، ودفن فى بقية الليلة، ولم يصل عليه، ودفن بين مقابر المسلمين وأهل الذمة، أخبرنى بذلك القاضى شرف الدين شعيب بن القاضى جمال الدين يوسف السّيوطى [١] ، وهو الحاكم بثغر أسوان يومئذ. ذكر وصول رسل الملك المجاهد متملك اليمن بالتّقادم وفى هذه السنة فى سادس عشرين شهر ربيع الأول وصل إلى الأبواب الملكية السلطانية الناصرية رسل الملك المجاهد سيف الإسلام [٢] على- المتقدم ذكره- وهو صاحب زبيد وتعزّ وما مع ذلك من بلاد اليمن، وهما: جمال الدين محمد بن يونس، وابن الجلال، وأحضرا على أيديهما كتاب مرسلهما، وتقادم وتحفا سنية، فمثلا بين يدى السلطان بعد عوده من الصيد، وقدما له ما أحضراه، فقبل ذلك، وأنعم عليهما بما جرت به عادة أمثالهما، وأعيدا إلى مرسلهما. ذكر إرسال الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى إلى أبى سعيد وفى يوم الخميس سابع جمادى الأولى من هذه السنة جهز السلطان الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى الناصرى- أحد الأمراء مقدمى الألوف- برسالة وهدية جليلة إلى الملك أبى سعيد صاحب العراقين وخراسان وما مع ذلك، فتوجه فى هذا التاريخ [٣] ، وأقام بحلب مدة، ثم رسم بتوجهه، فتوجه وكان عوده إلى الأبواب السلطانية فى يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شعبان من السنة المذكورة.

стр. 13039

ذكر إرسال السلطان ولده إلى الكرك [١] المحروس قد تقدم أن السلطان الملك الناصر فوّض نيابة الكرك إلى الأمير سيف الدين بهادر البدرى، فتوجه إليها، وتضمن تقليده أن يكون نائبا عن أولاد مولانا السلطان بالكرك، وجهز أيضا من ذكرنا من المماليك السلطانية، ولهج الناس أن السلطان قد عزم على إرسال ولده إلى الكرك. فلما كان فى يوم الخميس السادس من جمادى الأولى، توجه السلطان فى أوائل النهار من قلعة الجبل إلى القصور بسرياقوس بعد أن قرر خروج ولده الأكبر الأمير أحمد- وسنه يومئذ نحو ثمانى سنين [٢]- فتوجه من قلعة الجبل وقت المغرب من ليلة الجمعة السابع من الشهر، وتوجه فى خدمته الأمير سيف الدين قجليس الناصرى- أمير سلاح- ليوصله إلى الكرك، وأصحبه السلطان خزانة المال فيما بلغنى، وجهزها صحبة الأمير سيف الدين طقتمر الخزندار، وتوجهوا إلى الكرك، ووصلوا إليها، واستقر ولد السلطان بها، وعاد الأمير سيف الدين قجليس، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الثلاثاء الثانى من جمادى الآخرة من السنة المذكورة. ذكر تجديد عمارة البيمارستان المنصورى والقبّة والمدرسة / وفى مستهل هذه السنة حصل الشروع فى إصلاح البيمارستان المنصورى والقبة والمدرسة، وكان الأمير جمال الدين آقش الأشرفى- ناظر الأوقاف قبل ذلك- قد رسم ألا يترك أحدا من المرضى بالبيمارستان، ومن هو فى أوائل يخرج منه، فخلت بذلك الأواوين من المرضى وأكثر القاعات، ولم يبق بالبيمارستان إلا الممرورون [٣] وبعض المرضى، وحصل الشروع فى العمارة، فأصلحت العمران [٤] وجدّد البياض والأدهان، ونحت ظاهر القبة والمدرسة

стр. 13040

والمئذنة بالأزاميل، واستمرت العمارة إلى أواخر جمادى الأولى، وخلت الأواوين الأربعة بالبيمارستان من مستهل هذه السنة إلى يوم الثلاثاء حادى عشر جمادى الأولى، فرسم فى هذا اليوم بتنزيل المرضى، وكان جملة ما صرف على هذه العمارة يقارب ستين ألف دينار [١] . ذكر تجريد طائفة من العسكر إلى برقة وفى هذه السنة حضر الأمير فايد بن غرّاز ومعه سليمان بن خالد [٢] ، وأنهيا إلى السلطان أن العربان ببرقة منعوا الزكاة [٣] ، وهى مقطعة لهما، ولمن معهما من رفقتهما، بمنشور سلطانى، فأمر السلطان بطائفة من العسكر المنصور، وهم: الأمير سيف الدين أسندمر العمرى وهو المقدم على الجيش، والأمير سيف الدين بلكتمر [٤] الإبراهيمى السلحدار، والأمير سيف الدين قطلوبغا الطويل، والأمير عز الدين أيدمر العلائى الجمقدار، وجماعة من أجناد الأمراء من كل أمير مائة جنديان، ومن كل أمير طبلخاناه جندى واحد، وتوجهوا فى العشر الأخر [٥] من جمادى الأولى، وكان عودهم فى يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان من السنة. ذكر تفويض نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين طينال [٦] الحاجب وفى يوم الخميس رابع جمادى الآخرة سنة ست وعشرين وسبعمائة، فوض السلطان نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية والفتوحات إلى الأمير سيف الدين طينال الحاجب- وهو حاجب الميسرة- عوضا عن الأمير بهادر قرطاى الصالحى العلائى، وخلع عليه، ولم يجر فى التشريف على عادة من

стр. 13041

تقدمه، فإنه خلع عليه طردوحش، وعادة نائب هذه المملكة الأطلس المعدنى بالطّرزالزّركش، ونقل الأمير بهادر قرطاى [١] المذكور إلى دمشق من جملة الأمراء مقدمى الألوف، وأقطع إقطاع الأمير بدر الدين بكتوت القرمانى، وكان القرمانى قد اعتقل فى تاسع عشرين جمادى الأولى، وسبب اعتقاله أنه رسم له أن يتوجه إلى متملّك سيس، لإحضار ما عليه من القطيعة فى كل سنة، فاستعفى من ذلك، وامتنع من الاجابه إليه، فرسم باعتقاله بدمشق، فاعتقل بقلعتها. واستمر بالاعتقال بها إلى ليلة الأحد حادى عشر شوال سنة سبع وعشرين، فأخرج من القلعة مقيدا، وحمل على خيل البريد إلى الديار المصرية بعد أن وكّل وأوصى، ولما فوضت نيابة السلطنة بالمملكة الطرابلسيّة إلى الأمير سيف الدين طينال المذكور تألّم لذلك، ومرض وانقطع فى بيته أياما، ثم عوفى، وتوجه إلى المملكة الطّرابلسية على خيل البريد فى يوم السبت ثالث عشر الشهر المذكور، وتوجه طلبه بعد ذلك، فكان خروج طلبه من القاهرة يوم الثلاثاء منتصف شهر رجب، من السنة، ورسم بقيمة الإقطاع الذى كان لطينال بالديار المصرية- وهو الإقطاع الذى انتقل إليه عن الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب- فأعطى الأمير سيف الدين قوصون منه «فاتوا وتقليفه [٢] » من الأعمال الفيومية زيادة على إقطاعه، وكمل له بذلك مائة فارس، وقدّم على ألف، وأعطى أطفيح [٣] ودلجة [٤] للأمير ناصر الدين محمد بن نائب السلطنة الأمير سيف الدين أرغون الناصرى عوضا عن إقطاعه، وخرج إقطاعه الذى كان بيده لغيره.

стр. 13042

ذكر الجلوس بخانقاة الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بالقرافة وفى يوم الثلاثاء ثامن رجب الفرد من السنة حصل الجلوس بخانقاة أنشأها الأمير سيف الدين بكتمر [١] الساقى الناصرى بالقرافة، وحصل الاحتفال بذلك، وحضر مشايخ الصوفية وغيرهم، ومدّ سماط عظيم، ورتّب فى مشيختها وإمامتها الشيخ شمس الدين الرومى المعروف بالطّويل [٢] ، وكان قبل ذلك إماما بصفّة النفيس بالخانقاة الصلاحية بالقاهرة، ورتب له على وظيفة المشيخة فى كل شهر مائة درهم، وعن الإمامة خمسون درهما، ورتّب بها عشرون صوفيا، لكل منهم فى الشهر ثمانون/ درهما من غير خبز ولا طعام ولا غيره. ذكر وصول رسل التتار وأقارب السلطان إلى الأبواب السلطانية وفى يوم الاثنين رابع عشر شهر رجب وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد، وصحبتهم- من أقارب السلطان- سيف الدين طايربغا [٣] وولده يحيى، فمثل الرسل بين يدى السلطان فى هذا النهار، وشملهم الإنعام بالتشاريف، وكان طايربغا وولده قد وصلا فى يوم الأحد ثالث عشر الشهر، ومثلا بين يدى السلطان، وذكر طايربغا ما دلّ على صدق دعواه فى انتسابه، فلما كان فى يوم الخميس سابع عشر الشهر أمر السلطان الأمير سيف الدين طايربغا بطبلخاناه، وأمر ولده يحيى بعشرة، وأمر أيضا أخا [٤] الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بطبلخاناة، وأمر أحد المماليك بحلب وذهبوا بشعار الإمرة من المدرسة المنصورية [٥] بالقاهرة على العادة، وخلع على الرسل مرة ثانية، وأعيدوا إلى مرسلهم فى يوم الخميس رابع عشرين الشهر.

стр. 13043

ذكر وصول رسل جوبان [١] ثم وصل من جهة الأمير جوبان المذكور فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر رمضان ثلاثة من أعيان الصوفية على خيل البريد برسالة مضمونها: السؤال فى مصاهرة السلطان لابن الأمير جوبان على إحدى بناته، فمثلوا بين يدى السلطان، وكان من جملة سؤالهم عن مرسلهم، أن يكون الذى يمشى بينهم فى الخطبة الشيخ تقى الدين بن تيمية، وكان قد اعتقل على ما نذكره، فأجيبوا عن ذلك أن المذكور فى حبس الشرع لأمور صدرت عنه، ورسم السلطان للقاضى بدر الدين أن يسمع كلام الرسل، فسمع كلامهم، ثم أعيدوا إلى مرسلهم على خيل البريد. وفيها فى يوم الاثنين السابع والعشرين من شعبان أفرج السلطان عن الأمير سيف الدين بلبان طرنا [٢] نائب المملكة الصّفدية كان، وكان فى الاعتقال منذ انفصل من نيابة السلطنة بالمملكة الصّفدية وأنعم عليه بإمرة طبلخاناة بدمشق، ثم نقل بعد ذلك إلى مقدمة ألف. وفيها- فى سلخ شعبان- احترقت مدينة بيسان [٣] من غور الشام حريقا فاحشا، وأكثر عمارتها بالقصب، فلذلك أسرعت النار فيها. ثم طفئت، وأعيد ما احترق. ذكر وصول صاحب حصن كيفا [٤] إلى الأبواب السلطانية، وعوده إلى بلاده، وخبر مقتله وملك أخيه وفى يوم الثلاثاء خامس شهر رمضان من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية فى قلعة الجبل المحروسة الملك الصالح صلاح الدين يوسف بن

стр. 13044

الملك الكامل سيف الدين أبى بكر [١] شادى ابن الملك الموحّد تقى الدين عبد الله بن الملك المعظم غياث الدين طورانشاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وهو صاحب حصن كيفا. وكان سبب حضوره أنه أقام مدة سنين لا ينزل من الحصن إلى نواب الملك أبى سعيد إذا حضروا إلى البلاد على جارى عاداتهم، بل يرسل إليهم الهدايا والتقادم الجارية بها العادة، وتحصن بالحصن، ثم شرع بنهب من ينفرد من التتار، ويتعرض إلى إقطاع الأمير الذى أقطع له أعمال حصن كيفا، فشكاه الأمير المقطع إلى الملك أبى سعيد، وقال: إنه يأخذ أكثر ما يتحصل من إقطاعه، وأنهى إلى الملك أنه عصى بالحصن، وأنه لا ينزل إلى نائب الملك إذا وصل، فكتب أبو سعيد إلى نائبه فى تلك الجهة يستعلم منه: هل هو فى الطاعة على عادته أو خرج عنها؟ فأجابه النائب أنه على عادته فى الطاعة، وأنه ينزل إليه إذا حضر إلى جهة الحصن، وأرسل النائب إلى الملك الصالح المذكور يعرفه ما ورد عليه، وما أجاب به، وقدم إليه تقادم كثيرة بسبب ذلك، وواعده أنه إذا وصل إلى الحصن ينزل إليه، ثم خاف على نفسه أنه إن نزل إليه قبض عليه، فحضر إلى الأبواب السلطانية، وأشاع أنه إنما حضر بسبب الحج. أخبرنى بذلك المحقق للحال، وهو الأمير علاء الدين على بن الملك الموحّد، وهو عم الملك الصالح. ولما وصل الملك الصالح إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية شمله الإنعام السلطانى بتشريف طردوحش بقصب وكلّوته [٢] بزركش، وحياصة ذهب،

стр. 13045

وثلاثين [١] ألف درهم، ورسم له بعوده إلى مملكته بحصن كيفا، وكتب على يده كتابا إلى الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد يتضمن الوصية به، والإحسان إليه، وأعاده فى العشر الأوسط من الشهر على خيل البريد إلى دمشق المحروسة، وتوجه/ منها على خيله بمن حضر معه من إلزامه، وكتب السلطان إلى نائب السلطنة بحلب المحروسة أن يجرد معه من العسكر الحلبى خمسمائة فارس ومائتى فارس من العربان- من كلاب- إلى أن يصل إلى مأمنه، فتوجهوا معه إلى أن شارف بلاده وأعادهم وحال وصوله إلى الحصن وثب عليه أخوه شقيقه الملك العادل محيى الدين فقتله، وملك الحصن بعده، وكتب إلى الملك أبى سعيد، وأنهى إليه أنه إنما قتله لأنه كان باغيا، وتوجه إلى الديار المصرية، وحضر إلى البلاد بعسكر، وقصد إفساد البلاد، فأقره الملك أبو سعيد على الحصن، وطالع الملك العادل محيى الدين هذا الأبواب السلطانية [بذلك] ، واعتذر عن قتله، وجهّز مختصرا يتضمن سوء سيرته، وطالع نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس أيضا بمثل ذلك، وسأل الصفح عنه فيما فعل، وأنه إنما قتل لسوء سيرته [٢] ، ومن قتله من أهله، فسكن الحال فى ذلك. وفيها فى يوم الخميس خامس شوال توجه الأمير سيف الدين أرغن [٣] الناصرى نائب السلطنة الشريفة إلى الحجاز الشريف هو وأولاده وابنة السلطان زوجة ولده، الأمير سيف الدين وأولاده، وكان استقلال ركابه من قلعة الجبل فى الثالثة من هذا اليوم. وفيها- فى يوم الجمعة خامس ذى القعدة- قرىء بالجامع على المنابر بالقاهرة ومصر مثال [٤] شريف سلطانى، مضمونه الإعفاء من المظالم، وطرح الأصناف على التجار والمبعثين، ومنع الولاة من الضرب بالمقارع، وإبطال المقدمين من أبواب الولاة.

стр. 13046

/ (٢١٤) ذكر خبر مولود ولد فى هذه السنة أخبرنى ركن الدين عمر بن الشيخ الصالح ناصر الدين محمد بن الشيخ الصالح العارف إبراهيم بن معضاد بن شدّاد بن مالك بن ماجد القشيرى الجعبرى [١] نفع الله به وببركات أسلافه الصالحين أنه ولد له فى الساعة الرابعة من الليلة المسفرة عن رابع عشر ذى الحجة سنة ست وعشرين وسبعمائة ولد من موطوءته سماه موسى، وأنه أقام فى بطن أمه منذ حملت به سنتين وشهرين، وحين وضعته لم تر معه دما كثيرا ولا ماء، بل أرمت على [٢] عادة الحوامل لتسعة أشهر وأنه وضع قوى اليافوخ غير ليّنه على هادة المولود حين يولد، قال: وطلعت أسنانه لشهرين وثلاثة أيام من مولده، وقال: ومشى فى غرّة الشهر الخامس من مولده، أنشأه الله تعالى نشأة صالحة. ذكر خبر إجراء الماء إلى مكة شرفها الله تعالى وفى هذه السنة أجريت عين إلى مكة شرفها الله تعالى، وكان وصول الماء إليها فى الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة ست وعشرين وسبعمائة وذلك أن الأمير جوبان/ (٢١٥) نائب الملك أبى سعيد صاحب العراقين وخراسان اهتم بهذا الأمر اهتماما عظيما، وأرسل بعض التجار بجملة كثيرة من المال، يقال: إنه نحو ثلاثمائة ألف درهم، فبذلها فى إجراء الماء إلى مكة، ويسر الله تعالى ذلك له، وحصل الظفر بآثار العيون القديمة التى كانت أجريت فيما سلف من السنين، وقطع التراب الذى كان يمنع جريان الماء، ونظف فجرت العين بماء كثير. وهذه العين قد كانت قديمة، وقد ذكر الشيخ أبو الوليد محمد بن [عبد الله [٣]] الأزرقى فى (أخبار مكةما أجرى فى الحرم من العيون، فقال: ما ملخصه [٤]- وبعضه بمعناه-: أن رجلا من بنى سليم قال لعمر بن الخطاب

стр. 13047

رضى الله عنه بمكة: يا أمير المؤمنين، أقطعنى حيف الأرين [١] حتى أملأه عجوة، فقال له عمر: نعم، فبلغ ذلك أبا سفيان بن حرب، فقال: دعوه فليملأه ثم لينظر [أينا يأكل جناه] [٢] ، فبلغ ذلك السلمى فتركه، فكان أبو سفيان يدعيه، ثم كان معاوية هو الذى عمله وملأه عجوة، وذلك أنه أجرى فى الحرم عيونا عشرة [٣] ، واتخذ لها أخيافا [٤] ، فكانت حوائط [٥] فيها النخل والزرع، ذكرها أبو الوليد فى كتابه، قال أبو الوليد: واتخذت بعد ذلك ببلدح عيون سواها، ومنها: عين سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ببلدح، وحائط سفيان، والخيف الذى أسفل منه. قال ثم انقطعت عيون معاوية تلك وذهبت، فأمر أمير المؤمنين/ (٢١٦) هارون الرشيد بعيون منها فعملت وأحييت وصرفت فى عين واحدة يقال لها الرشاد؛ لتسكب فى المأجلين [٦] اللّذين أحدثهما الرشيد بالمعلى [٧] ، ثم تسكب فى البركة التى عند المسجد الحرام، ثم كان الناس بعد تقطع هذه العيون فى شدّة الماء، وكان أهل مكة والحاج يلقون من ذلك المشقة، حتى أن الرواية لتبلغ فى الموسم عشرة دراهم وأكثر وأقل. فبلغ ذلك أم جعفر بنت أبى الفضل جعفر بن المنصور، فأمرت فى سنة أربع وتسعين ومائة بعمل بركتها التى بمكة، فأجرت لها عينا من الحرم، فجرت بماء قليل لم يكن فيه رى لأهل مكة، وغرمت فى ذلك غرما عظيما، فبلغها ذلك، فأمرت [جماعة من] [٨] المهندسين أن يجروا/ لها عيونا من الجبل، فأرسلت بأموال عظيمة، ثم أمرت من نزف [٩] عينها الأولى، فوجدوا فيها فسادا، فأنشأت عينا أخرى إلى جنبها، وأبطلت تلك العين، وعملت هذه العين بأحسن ما يكون من العمل، حتى بلغت ثنية جبل، وإذا الماء لا يظهر فى

стр. 13048

ذلك الجبل إلا بعمل شديد، وضرب فى الجبل، فأمرت بالجبل فضرب فيه، وأنفقت فى ذلك من الأموال ما لا يمكن أن تطيب به نفس كثير من الناس [١] حتى أجراها الله لها، وأجرت فيها عيونا من الحلّ منها: عين من المشاش [٢] واتخذت لها بركا تجتمع فيها السيول إذا جاءت، ثم أجرت لها عيونا من حنين، واشترت/ (٢١٧) حائط حنين، فصرفت عينه إلى البركة، وجعلت حائطه سدا يجتمع فيه السيل، فصارت لها مكرمة لم تكن لأحد قبلها. قال: ثم إن أمير المؤمنين أمر صالح بن العباس فى سنة عشرين [٣] ومائتين أن يتخذ لها بركا من السوق خمسا، لئلا يتعنّى [٤] أهل أسفل مكة والثّنيّة وأجيادين [٥] والوسط إلى بركة أم جعفر، فأجرى عينا من بركة البطحاء [٦] عند شعب ابن يوسف من وجه دار ابن يوسف، ثم تمضى إلى بركة عند الصّفا، ثم تمضى إلى بركة عند الحنّاطين، ثم تمضى إلى بركة بفوّهة سكة الثنية دون دار أويس، ثم تمضى إلى بركة عند سوق الحطب بأسفل مكة، ثم تمضى فى سرب ذلك إلى مأجل أبى صلاية، ثم إلى المأجلين اللذين فى حائط ابن طارق بأسفل مكة [٧] ، فهذه العين التى أجريت الآن إنما هى من ذلك الأصل القديم. وكان السلطان الملك الناصر قد عزم على إجراء هذه العين، فصرفه بعض أرباب الأمر من أتباعه عنها، وقال: «إن هذا متعذر الإمكان» فلما أجريت الآن تألّم السلطان من كون هذه الحسنة العظيمة لم تجر على يديه.

стр. 13049

ذكر عدة حوادث كانت بدمشق فى سنة ست وعشرين وسبعمائة خلاف ما ذكرنا فى هذه السنة وصل إلى دمشق فى يوم الأحد منتصف المحرم الأمير محمد ابن عبد القادر بن يوسف بن الأمير أبى القاسم عبد العزيز بن الإمام المستنصر بالله أمير المؤمنين، فرسم نائب السلطنة بالاحتياط عليه، وطولع فى أمره الأبواب السلطانية، ورسم أن يعود إلى أهله، فرجع، ولم يدخل مدينة دمشق. قال الشيخ علم الدين بن البرزالى فى تاريخه عنه: وهو رجل حسن فيه أدب ومعرفة وديانة، اجتمعت به وسألته عن مولده، فذكر أنه قبل دولة اليهود بسنة، وكانت دولة اليهود سنة تسعين وستمائة، وسألته عن مولد أبيه، فذكر أنه قبل سنة براق فى الدولة العباسية، قال: وسألته عن مولد جدّه، فذكر أنه فى واقعة بغداد كان عمره سبع سنين أو ثمان سنين، وذكر أن جد والده عبد العزيز توفى قبل أخذ بغداد بسنة أو نحوها/ (٢١٨) . وفى هذه السنة فى يوم الثلاثاء الحادى والعشرين من شهر ربيع الأول ضربت عنق ناصر بن أبى الفضل بن إسماعيل الهيتى المقرئ الصالحى بسوق الخيل بدمشق، وسبب ذلك أنه ثبت عليه الزندقة، وكان المذكور حسن الصوت بالقراءة، وصحب ابن الباجربقّى، وابن المعمار وغيرهما، فانحلت عقيدته، وشهد عليه فى ذلك بما تقدم، فهرب إلى بلاد الروم [١] ، ثم عاد إلى حلب فى أواخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وحضر عند قاضى القضاة بها كمال الدين ابن الزّملكانىّ الشافعى، وتاب وقبل توبته، وحقن دمه، ثم عاد إلى ما كان عليه من الزندقة فحمل إلى دمشق، وثبت عليه ما تلفظ به، فحكم بإراقة دمه [٢] فنسأل الله العافية فى ديننا وفى دنيانا. وفيها فى يوم الثلاثاء ثامن عشر جمادى الأولى ضربت عنق «توما بن عبد الله النصرانى» من قرية الحمّان، كان قد أسلم على يدى الشيخ تقى الدين

стр. 13050

ابن تيمية قديما، وجاور بالمئذنة الشرقية بجامع دمشق مدة، ثم ارتد، وتكلم فى القرآن بكلام، وقامت البينة عليه بذلك عند قاضى القضاة شرف الدين المالكى بدمشق، فحكم بإراقة دمه، فقتل. ذكر اعتقال الشيخ تقى الدين بن تيمية وفى هذه السنة- فى يوم الاثنين السادس من شعبان-/ (٢١٩) اعتقل الشيخ تقى الدين أحمد [١] بن تيمية بقلعة دمشق المحروسة، حسب الأمر الشريف السلطانى، واعتقل معه أخوه زين الدين عبد الرحمن [٢] ، ومنع من الفتيا واجتماع الناس به. وسبب ذلك أنه أفتى أنه لا يجوز زيارة قبر رسول الله ﷺ ، ولا قبر إبراهيم الخليل، ولا غيرهما من قبول الأنبياء والصالحين، وتوجه بعض أصحابه وهو الشمس محمد بن أبى بكر [٣] إمام المدرسة الجوزية فى هذه السنة لزيارة البيت المقدس، فرقى منبرا فى حرم القدس الشريف، ووعظ الناس وذكر هذه المسألة فى أثناء وعظه، وقال: ها أنا من هنا أرجع ولا أزور الخليل، وجاء إلى نابلس [٤] ، وعمل مجلس وعظ، وأعاد كلامه، وقال: ولا يزار قبر النبى ﷺ ، ولا يزار إلا مسجده، فقصد أهل نابلس قتله،/ فحال بينهم وبينه متولّيها، وكتب أهل القدس وأهل نابلس ودمشق بما وقع منه، فطلبه قاضى القضاة شرف الدين المالكى، فتغيب عنه، وبادر بالاجتماع بقاضى القضاة شمس الدين محمد بن مسلم الحنبلى قاضى الحنابلة، وتاب عنده، وقبل توبته، وحقن دمه، ولم يعزّره.

стр. 13051

فنهض الفقهاء بدمشق عند ذلك، وتكلموا على الشيخ تقى الدين، وكتبوا فتيا تتضمن ما صدر منه، وذكروا هذه المسألة وغيرها [١] ، فأفتى العلماء بكفره، وعرضت/ (٢٢٠) الفتيا على نائب السلطنة بالشام، الأمير سيف الدين تنكز، فطالع السلطان بذلك، فجلس السلطان فى يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من شهر رجب بالميدان الذى هو بذيل قلعة الجبل، وأحضر القضاة والعلماء، وعرض عليهم ما ورد فى أمره من دمشق، فأشار قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى باعتقال تقى الدين المذكور، فرسم باعتقاله ومنعه من الفتيا، ومنع الناس من الاجتماع به، وأن يؤدّب من هو على معتقده، وتوجه البريد بذلك، فوصل إلى دمشق فى يوم الاثنين سادس شعبان، فاعتقل، وقرىء المثال السلطانى بعد صلاة الجمعة العاشر من الشهر على السدة بجامع دمشق. ثم طلب قاضى القضاة القزوينى جماعة من أصحاب تقى الدين فى يوم الجمعة الرابع والعشرين من الشهر إلى المدرسة العادلية [٢] ، وكانوا قد اعتقلوا بسجن الحكم، فادعى على العماد إسماعيل صهر الشيخ جمال الدين المزّى أنه قال: إن التوراة والإنجيل لم يبدّلا، وأنهما كما أنزلا، فأنكر، فشهد عليه بذلك، فضرب بالدّرّة، وأشهر وأطلق. وادعى على عبد الله الإسكندرى، والصلاح الكتبى، وغيرهما بأمور صدرت منهم، فثبت ذلك عليهم، فضربوا بالدرة، وأشهروا فى البلد. وطلب الشمسى أمام المدرسة الجوزية وسئل/ (٢٢١) عما صدر منه فى مجلس وعظه بالقدس ونابلس، فأنكر ذلك، فشهد عليه من حضر مجلسيه بما تلفظ ممن كان قد توجه من عدول دمشق لزيارة البيت المقدس، فثبت ذلك عليه فضرب بالدّرّة، وأشهر على حمار بدمشق والصالحية [٣] ، وقيّد، واعتقل

стр. 13052

بقلعة دمشق، فلم يزل فى الاعتقال إلى يوم الثلاثاء العشرين من ذى الحجة سنة ثمان وعشرين، فأفرج عنه فى هذا اليوم، وحضر إلى قاضى القضاة الشافعى، فشرط عليه شروطا، فالتزمها، وأطلق. وفى هذه السنة فى ليلة الخميس الثالث والعشرين من شهر ربيع الأول توفى الشيخ عز الدين [١] بن أبى زكريا يحيى بن الشيخ الخطيب شمس الدين إبراهيم بن شيخ الإسلام عز الدين أبى محمد بن عبد العزيز بن عبد السلام السلمى الدمشقى، وكانت وفاته بالقاهرة بسكنه بحارة بهاء الدين، ودفن بالقرافة بتربة جده الشيخ عز الدين، وتوليت تجهيزه ودفنه بوصية منه إلىّ، وكان قد أوصانى ألا أدفنه إلا خارج باب التربة، فدفنته هناك حيث أوصى، وكانت قد طالت مرضته، مرض فى أثناء شوال، ومولده بدمشق فى يوم الأحد عاشر صفر سنة ثمان وخمسين [٢] وستمائة، وسمع من النجيب فراس بن العسقلانى، وابن الأوحد وغيرهما، وحدّث قبل وفاته، وكان رحمه الله تعالى يباشر الأشغال الديوانية، والأوقاف، وآخر مباشراته شهادة الحوائج خاناه السلطانية بقلعة الجبل المحروسة. وفيها فى ثامن شهر ربيع الأول توفى الشيخ الصالح شرف الدين أبو عبد الله محمد بن الشيخ العارف القدوة السيد الشريف أبى الحسن على بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف الشاذلى الحسنى، وكانت وفاته بدمنهور الوحش، وهو من المشايخ الصلحاء المشهورين. ويقال: إنه كان فى صحبة والده لما توجه إلى الحجاز الشريف. ومات فى سمرة عيذاب [٣] بمنزلة حمتيره فى سنة ست وخمسين وستمائة، وكان إذ ذاك صغير السن رحمه الله تعالى. وفيها فى ليلة السبت سادس جمادى الآخرة توفى القاضى شرف الدين عبد الهادى بن زنبور، وهو إذ ذاك/ (٢٢٢) يباشر نظر خزائن السلاح بالقاهرة

стр. 13053

المحروسة. ولى ذلك بعد انفصاله من نظر الدواوين بالديار المصرية، ودفن من الغد بالقرافة. ومولده فى سنة تسع وثلاثين وستمائة، وكان رحمه الله تعالى رجلا عاقلا قليل الشر، وهو خال القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة. وفيها فى العشرين من شهر رجب توفيت الست [١] الجليلة صالحة خاتون ابنة الملك المعز فخر [٢] الدين يعقوب بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب، وهى فى درجة الملك الصالحى [٣] نجم الدين أيوب بن الملك الكامل، ودفنت بقاسيون، ومولدها تقريبا فى سنة خمسين وستمائة، ولم يكن فى البيت الأيوبى أقرب إلى السلطان الملك العادل منها، رحمهما الله تعالى. وفيها فى عشية نهار الثلاثاء تاسع عشر شهر رمضان توفى الأمير [٤] صلاح الدين أبو الحسن محمد بن الملك الأمجد مجد الدين حسن بن الملك الناصر داود بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وكانت وفاته بظاهر دمشق ببستان النعامات، ودفن فى يوم الأربعاء بالتربة المعظمية بقاسيون، وهذه التربة هى دير مرّان المذكور فى أشعار المتقدمين [٥] ، ومولده فى الرابع والعشرين من ذى القعدة سنة أربع وستين وستمائة سمع حضورا من والده وروى عنه، وسمع/ (٢٢٣) من ابن البخارى، ومن الشيخ عز الدين الفاروثى [٦] وغيره، وأسمع، رحمه الله تعالى.

стр. 13054

وفيها فى ليلة الخميس ثالث عشر شوال توفى ببعلبك الشيخ قطب الدين أبو الفتح موسى بن الشيخ الإمام القدوة الحافظ أبى عبد الله/ محمد بن أبى الحسين أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أحمد بن اليونينى البعلبكى الحنبلى، ودفن ضحى يوم الخميس بمقبرة باب سطحا، ومولده فى بكرة الجمعة ثامن صفر سنة أربعين وستمائة بالديار الفاضلية بمدينة دمشق. سمع من والده ومن الشيخ شرف الدين الحسين الأربلى، وشيخ الشيوخ شرف الدين الحموى، وابن عبد الدايم، وحدث عنه بصحيح مسلم، وسمع بالديار المصرية من الشيخ رشيد الدين العطار وغيره، وكان له تعلق بالتاريخ، اختصر (مرآة الزمان) لابن قزاوغلى [١] وذيّل عليه [٢] ، وقد نقلنا عنه مواضع يسيرة فى كتابنا هذا، نقلت وفاته من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى رحمه الله تعالى. وفيها فى ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من ذى القعدة توفى قاضى القضاة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن مسلم بن مالك بن مزروع بن جعفر الصالحى الحنبلى، قاضى الحنابلة بدمشق، وكانت وفاته بالمدينة النبوية، وكان قد توجه لقصد الحج فى هذه السنة، فمرض عند رحيل الركب من منزلة العلا [٣] ، واشتد به المرض، فيقال أنه سأل الله تعالى أن يصل إلى المدينة النبوية، ويزور رسول الله ﷺ قبل وفاته، فاستجاب الله له، ووصل إلى المدينة فى يوم الاثنين قبل وصول الركب بيوم، فسلم على رسول الله ﷺ ، وصلى بالحرم النبوى، وبات فى تلك الليلة ببعض الرّبط، ومات من ليلته، فدفن بالبقيع بجوار قبر عقيل بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه، ومولده بالصالحية بظاهر دمشق فى سنة اثنتين وستين وستمائة، وولى القضاء بدمشق فى ثامن صفر سنة ست عشرة وسبعمائة، بعد وفاة قاضى

стр. 13055

القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى، وسلك فى ولايته سيرة السلف الصالح، ولم يغير هيئته ولا لباسه، ولا جدد مركوبا بسبب ولاية القضاء، وكان يمشى غالبا من الصالحية إلى/ (٢٢٤) دمشق، ولا أضاف إلى نفسه ولاية مدرسة، ولا نظر وقف بمعلوم، وكان رحمه الله تعالى رجلا صالحا ديّنا خيّرا فاضلا عالما محدثا، سمع الحديث من ابن عبد الدايم، وابن البخارى، وغيرهما، فسمع من مائتى شيخ وعشرة شيوخ، وسمع بمكة والمدينة والقدس ونابلس وبعلبك، وحضر عدة غزوات وفتوحات منها طرابلس وعكّا وقلعة الروم، وخرّج له الشيخ جمال الدين المزّى أربعين حديثا تساعيا، وخرج له غير ذلك [١] . وفيها فى يوم الأربعاء ثامن ذى الحجة توفى الأمير مجد [٢] الدين يعقوب ابن الملك الأشرف شرف الدين عبد الحق بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن أيوب، وكانت وفاته ببستانه بالمزّة ظاهر دمشق. وصلّى عليه بجامع المزّة فى يوم عرفة، ودفن بمقبرتها، رحمه الله تعالى، وكان رجلا خيّرا [٣] كثير التواضع، وله مكارم، وكان يحفظ شعرا كثيرا. وفيها فى ذى الحجة توفى الأمير بدر الدين حسن بن الملك الأفضل نور الدين على بن الملك المظفر محمد [٤] بن الملك المنصور بحماة وهو أخو الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة، وهو من جملة الأمراء بحماة، رحمه الله تعالى/ (٢٢٥) .

стр. 13056

واستهلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة بيوم الخميس الموافق لأول كيهك من شهور القبط. ذكر عزل الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة، وانتقاله إلى نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية قد ذكرنا فى سنة ست وعشرين وسبعمائة أن الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة توجه إلى الحجاز الشريف فى يوم الخميس خامس شوال، وصحبته ابنة السلطان زوجه ولده الأمير سيف الدين أبى بكر، وزوجة السلطان دلنبيه [١] وهى التى وصلت من جهة الملك ازبك. فلما كان فى هذه السنة عاد بهم من الحجاز الشريف بعد قضاء الحج والمناسك والزيارة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى الساعة الأولى من نهار الأحد حادى عشر المحرم من هذه السنة، وحال وصوله رسم السلطان للأمير سيف الدين قجليس الناصرى أمير سلاح بالقبض عليه وعلى ولده الأمير ناصر الدين محمد [٢] ، فلما عبر إلى الخدمة السلطانية، وسار فى الدّهليز، قبض عليه الأمير سيف الدين المشار إليه وعلى ولده، وأخذ سيفيهما، وعدل بهما إلى قاعة رسم أن يكونا بها، وأعلم السلطان بذلك، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى/ (٢٢٦) وأرسل له مأكولا، ولم يضيق عليه. وبات تلك الليلة بالقاعة، فلما كان فى يوم الاثنين أحضره السلطان بين يديه، وخلا به، وحدّثه طويلا، وبكيا، وأفرج عنه وعن ولده، وخلع على الأمير سيف الدين تشريفا على عادته، ورسم له أن يتوجه إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية عوضا عن الأمير علاء الدين الطّنبغا، فخرج من بين يدى السلطان من ساعته، فى عشية نهار الاثنين، وصحبته الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى أحد الأمراء مقدمى الألوف، وتوجها/ إلى دمشق [فوصلاها فى] [٣] يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم.

стр. 13057

وكان السلطان- حال القبض على الأمير سيف الدين أرغون- أرسل الأمير سيف الدين ألجاى الدوادار على خيل البريد إلى حلب، لإخراج الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة الشريفة منها، وإحضاره إلى الأبواب السلطانية، وإخلاء مساكن النيابة للأمير سيف الدين أرغون، فتوجه ووصل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم، وتوجه منها إلى حلب، وعاد هو والأمير علاء الدين الطّنبغا فوصلا إلى دمشق على خيل البريد فى عشية نهار الخميس ثانى عشرين الشهر، فوصلوا كلهم الجمعة، بدمشق [١] ، وتوجه الأمير سيف الدين أرغون إلى حلب، فوصل إليها فى يوم الجمعة سلخ المحرم. وتوجه الأمير علاء الدين الطّنبغا إلى/ (٢٢٧) الأبواب السلطانية فكان وصوله فى يوم السبت مستهل صفر، وخلع عليه السلطان على عادته تشريفا وحياصة، وأنعم عليه بخيل، وأسكنه بقلعة الجبل، وأنعم عليه بإمرة مائة فارس من جملة الإقطاع المحلول عن الأمير سيف الدين أرغون، وقدمه على ألف [٢] ، وفرق السلطان إقطاع النيابة، فأعطى الأمير سيف الدين بكتمر الساقى منه «منية بنى خصيب» وكمل الأمير سيف الدين طايربغا مائة فارس، وتقدمه ألف من جملة تقدمه نائب السلطنة، فزادت التقادم تقدمة، فكملت بهذه التقدمة خمسة وعشرين تقدمة [٣] ، وأعطى السلطان بقية إقطاع النيابة زيادة على إقطاعات الأمراء مماليكه، وقطع أخباز جماعة من مماليك الأمير سيف الدين أرغون وألزامه. ثم توجه طلب الأمير سيف الدين أرغون وصحبته ولده الأمير ناصر الدين محمد فى يوم الأربعاء خامس صفر، وتوجه معهم الأمير سيف الدين بلك [٤] الجمدار، ورسم ألا ينشر علما، ولا يحرك طبلخاناه، ولا يشدّ من معه دركاشا إلى حين وصولهم إلى حلب، فأوصلهم الأمير سيف الدين بلك، وعاد إلى الأبواب السلطانية فى يوم الخميس ثامن عشر [٥] شهر ربيع الأول، وتأخر

стр. 13058

بالأبواب السلطانية من أولاد الأمير سيف الدين أرغون الأمير سيف الدين أبو بكر، والأمير ركن الدين عمرو، والأمير شهاب الدين أحمد إلى/ (٢٢٨) أثناء جمادى الأولى، ثم رسم أن يتوجّهوا إلى حلب، فتوجهوا هم وعائلة الأمير سيف الدين أرغون، وابنة السلطان زوجة الأمير سيف الدين أبى بكر فى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى، وصحبتهم الأمير سيف الدين آقبغا [بن] [١] عبد الواحد رأس نوبة الجمدارية، ليوصلهم ويعود، فوصلوا إلى دمشق فى ليلة السبت رابع عشرين الشهر، فنزلوا بالقصر الأبلق، وتوجهوا إلى حلب فى ليلة الأحد، واستقر أولاد الأمير سيف الدين أرغون الثلاثة فى جملة الأمراء بحلب المحروسة، وخرجت إقطاعاتهم التى بالديار المصرية لغيرهم من الأمراء. ثم رسم السلطان ببيع ما نقل من جهاز ابنته زوجة الأمير سيف الدين أبى بكر، فأبيع بالمدرسة الناصرية بالقاهرة، وكان فى جملة ما أبيع قصر فضة، وتخت، ودكّة فضة، الجميع ملبّس على خشب، وأبيع غير ذلك [٢] . وفى هذه السنة فى يوم الثلاثاء ثالث عشر من المحرم فوض السلطان نظر النّظّار والصحبة إلى القاضى مجد الدين إبراهيم بن القاضى المرحوم مكين الدين عبد الله بن لفيتة [٣] وخلع عليه. وأفصل القاضى شرف الدين عبد الرحمن الخطيرى من الوظيفة المذكورة، وفوّض إليه نظر البيوت السلطانية عوضا عن القاضى مجد الدين المذكور، واستقر أيضا فى أشغال الأمير سيف الدين أرغون فى غيبته على عادته قبل مباشرة نظر النظّار/ (٢٢٩) .

стр. 13059

وفيها فى يوم الأحد الثامن عشر من المحرم ولد للسلطان الملك الناصر ولد ذكر من زوجته عتيقته طغاى [١] ، وكان السلطان قد توجه فى هذا اليوم إلى الصيد بجهة القصور بناحية سرياقوس، فطولع فى ذلك، فعاد فى يوم الخميس الثانى والعشرين من الشهر [وعمل مهمّ [٢] فى يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر] [٣] وأقام السلطان بقلعة الجبل إلى آخر يوم السبت مستهل صفر. وتوجه فى يوم الأحد ثانى الشهر إلى جهة القصور بسرياقوس، ثم توجه من هناك، وعدّى إلى جهة المنوفية، فتصيد هناك، وعاد إلى الجيزية، فأقام بها أياما، وحضر الرسل الذين وصلوا من جهة الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد بين يدى السلطان، فسمع كلامهم، وخلع عليهم، وأعادهم، وعاد السلطان إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس العشرين من صفر. وفى يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الأول من السنة انتقل [٤] ركاب السلطان من قلعة الجبل المحروسة إلى جهة القصور بسرياقوس، فأقام إلى يوم السبت، وتوجه إلى جهة الأهرام، واستقر بتلك المنزلة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر، ثم توجه إلى جهة البحيرة للصيد المبارك، وناب عنه فى الغيبة الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وأمر أن يركب فى مماليكه الخاصة، وأن جميع من تأخر من الأمراء وأمراء العشرات، ومقدمى الحلقة،/ (٢٣٠) بالقاهرة وبقلعة الجبل لا يركبون فى مدة غيبة السلطان لموكب ولا لغيره، وأن يلزم كل منهم بيته إلى حين عودة ركاب السلطان [فلم يزل الأمراء على ذلك إلى أن عاد السلطان] [٥] وكان عوده ووصوله إلى قلعة الجبل المحروسة فى يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول.

стр. 13060

وفيها فى يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر ربيع الأول أنعم السلطان على الأمير سيف الدين ألماس الحاجب بسكن دار النيابة خلا القاعة الحسامية، فإنه رسم بإفرادها، فأفردت، وسكن فيما عداها من المساكن. / ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية والقبض على الأميرين سيف الدين طشتمر البدرى [١] وسيف الدين قطلوبغا [٢] الفخرى والإفراج عنهما وفى يوم الجمعة الرابع والعشرين [٣] من شهر ربيع الآخر من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين تنكز [٤] نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس على خيل البريد، وكان ركوبه على خيل البريد [من غزة، فإنه وصل إليها بطلبه ومماليكه/ (٢٣١) يتصيد، فرسم له بالحضور إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد] [٥] فوصل، وتلقّاه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى إلى سرياقوس، وتصيد معه فى تلك الجهة، ولما وصل توجه، فمثل بين يدى المقام الشريف، وشمله الإنعام السلطانى على عادته، ونزل عند الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بداره بقلعة الجبل. ولما كان فى يوم الأحد سادس الشهر جلس السلطان، ووقف الأمير سيف الدين تنكز بين يديه والأمراء المماليك السلطانية، فنظر السلطان إلى الأميرين
следующие страницы →