واستهلت سنة سبع وعشرين وسبعمائة بيوم الخميس الموافق لأول كيهك من شهور القبط.
ذكر عزل الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة، وانتقاله إلى نيابة السلطنة بالمملكة الحلبية
قد ذكرنا فى سنة ست وعشرين وسبعمائة أن الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة توجه إلى الحجاز الشريف فى يوم الخميس خامس شوال، وصحبته ابنة السلطان زوجه ولده الأمير سيف الدين أبى بكر، وزوجة السلطان دلنبيه [١] وهى التى وصلت من جهة الملك ازبك.
فلما كان فى هذه السنة عاد بهم من الحجاز الشريف بعد قضاء الحج والمناسك والزيارة، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى الساعة الأولى من نهار الأحد حادى عشر المحرم من هذه السنة، وحال وصوله رسم السلطان للأمير سيف الدين قجليس الناصرى أمير سلاح بالقبض عليه وعلى ولده الأمير ناصر الدين محمد [٢] ، فلما عبر إلى الخدمة السلطانية، وسار فى الدّهليز، قبض عليه الأمير سيف الدين المشار إليه وعلى ولده، وأخذ سيفيهما، وعدل بهما إلى قاعة رسم أن يكونا بها، وأعلم السلطان بذلك، فأرسل السلطان إليه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى/ (٢٢٦) وأرسل له مأكولا، ولم يضيق عليه. وبات تلك الليلة بالقاعة، فلما كان فى يوم الاثنين أحضره السلطان بين يديه، وخلا به، وحدّثه طويلا، وبكيا، وأفرج عنه وعن ولده، وخلع على الأمير سيف الدين تشريفا على عادته، ورسم له أن يتوجه إلى نيابة السلطنة الشريفة بالمملكة الحلبية عوضا عن الأمير علاء الدين الطّنبغا، فخرج من بين يدى السلطان من ساعته، فى عشية نهار الاثنين، وصحبته الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى أحد الأمراء مقدمى الألوف، وتوجها/ إلى دمشق [فوصلاها فى] [٣] يوم الجمعة الثالث والعشرين من المحرم.
стр. 13057
وكان السلطان- حال القبض على الأمير سيف الدين أرغون- أرسل الأمير سيف الدين ألجاى الدوادار على خيل البريد إلى حلب، لإخراج الأمير علاء الدين الطّنبغا نائب السلطنة الشريفة منها، وإحضاره إلى الأبواب السلطانية، وإخلاء مساكن النيابة للأمير سيف الدين أرغون، فتوجه ووصل إلى دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث عشر المحرم، وتوجه منها إلى حلب، وعاد هو والأمير علاء الدين الطّنبغا فوصلا إلى دمشق على خيل البريد فى عشية نهار الخميس ثانى عشرين الشهر، فوصلوا كلهم الجمعة، بدمشق [١] ، وتوجه الأمير سيف الدين أرغون إلى حلب، فوصل إليها فى يوم الجمعة سلخ المحرم.
وتوجه الأمير علاء الدين الطّنبغا إلى/ (٢٢٧) الأبواب السلطانية فكان وصوله فى يوم السبت مستهل صفر، وخلع عليه السلطان على عادته تشريفا وحياصة، وأنعم عليه بخيل، وأسكنه بقلعة الجبل، وأنعم عليه بإمرة مائة فارس من جملة الإقطاع المحلول عن الأمير سيف الدين أرغون، وقدمه على ألف [٢] ، وفرق السلطان إقطاع النيابة، فأعطى الأمير سيف الدين بكتمر الساقى منه «منية بنى خصيب» وكمل الأمير سيف الدين طايربغا مائة فارس، وتقدمه ألف من جملة تقدمه نائب السلطنة، فزادت التقادم تقدمة، فكملت بهذه التقدمة خمسة وعشرين تقدمة [٣] ، وأعطى السلطان بقية إقطاع النيابة زيادة على إقطاعات الأمراء مماليكه، وقطع أخباز جماعة من مماليك الأمير سيف الدين أرغون وألزامه.
ثم توجه طلب الأمير سيف الدين أرغون وصحبته ولده الأمير ناصر الدين محمد فى يوم الأربعاء خامس صفر، وتوجه معهم الأمير سيف الدين بلك [٤] الجمدار، ورسم ألا ينشر علما، ولا يحرك طبلخاناه، ولا يشدّ من معه دركاشا إلى حين وصولهم إلى حلب، فأوصلهم الأمير سيف الدين بلك، وعاد إلى الأبواب السلطانية فى يوم الخميس ثامن عشر [٥] شهر ربيع الأول، وتأخر
стр. 13058
بالأبواب السلطانية من أولاد الأمير سيف الدين أرغون الأمير سيف الدين أبو بكر، والأمير ركن الدين عمرو، والأمير شهاب الدين أحمد إلى/ (٢٢٨) أثناء جمادى الأولى، ثم رسم أن يتوجّهوا إلى حلب، فتوجهوا هم وعائلة الأمير سيف الدين أرغون، وابنة السلطان زوجة الأمير سيف الدين أبى بكر فى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى، وصحبتهم الأمير سيف الدين آقبغا [بن] [١] عبد الواحد رأس نوبة الجمدارية، ليوصلهم ويعود، فوصلوا إلى دمشق فى ليلة السبت رابع عشرين الشهر، فنزلوا بالقصر الأبلق، وتوجهوا إلى حلب فى ليلة الأحد، واستقر أولاد الأمير سيف الدين أرغون الثلاثة فى جملة الأمراء بحلب المحروسة، وخرجت إقطاعاتهم التى بالديار المصرية لغيرهم من الأمراء.
ثم رسم السلطان ببيع ما نقل من جهاز ابنته زوجة الأمير سيف الدين أبى بكر، فأبيع بالمدرسة الناصرية بالقاهرة، وكان فى جملة ما أبيع قصر فضة، وتخت، ودكّة فضة، الجميع ملبّس على خشب، وأبيع غير ذلك [٢] .
وفى هذه السنة فى يوم الثلاثاء ثالث عشر من المحرم فوض السلطان نظر النّظّار والصحبة إلى القاضى مجد الدين إبراهيم بن القاضى المرحوم مكين الدين عبد الله بن لفيتة [٣] وخلع عليه.
وأفصل القاضى شرف الدين عبد الرحمن الخطيرى من الوظيفة المذكورة، وفوّض إليه نظر البيوت السلطانية عوضا عن القاضى مجد الدين المذكور، واستقر أيضا فى أشغال الأمير سيف الدين أرغون فى غيبته على عادته قبل مباشرة نظر النظّار/ (٢٢٩) .
стр. 13059
وفيها فى يوم الأحد الثامن عشر من المحرم ولد للسلطان الملك الناصر ولد ذكر من زوجته عتيقته طغاى [١] ، وكان السلطان قد توجه فى هذا اليوم إلى الصيد بجهة القصور بناحية سرياقوس، فطولع فى ذلك، فعاد فى يوم الخميس الثانى والعشرين من الشهر [وعمل مهمّ [٢] فى يوم السبت الرابع والعشرين من الشهر] [٣] وأقام السلطان بقلعة الجبل إلى آخر يوم السبت مستهل صفر.
وتوجه فى يوم الأحد ثانى الشهر إلى جهة القصور بسرياقوس، ثم توجه من هناك، وعدّى إلى جهة المنوفية، فتصيد هناك، وعاد إلى الجيزية، فأقام بها أياما، وحضر الرسل الذين وصلوا من جهة الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد بين يدى السلطان، فسمع كلامهم، وخلع عليهم، وأعادهم، وعاد السلطان إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس العشرين من صفر.
وفى يوم الخميس الرابع من شهر ربيع الأول من السنة انتقل [٤] ركاب السلطان من قلعة الجبل المحروسة إلى جهة القصور بسرياقوس، فأقام إلى يوم السبت، وتوجه إلى جهة الأهرام، واستقر بتلك المنزلة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من الشهر، ثم توجه إلى جهة البحيرة للصيد المبارك، وناب عنه فى الغيبة الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، وأمر أن يركب فى مماليكه الخاصة، وأن جميع من تأخر من الأمراء وأمراء العشرات، ومقدمى الحلقة،/ (٢٣٠) بالقاهرة وبقلعة الجبل لا يركبون فى مدة غيبة السلطان لموكب ولا لغيره، وأن يلزم كل منهم بيته إلى حين عودة ركاب السلطان [فلم يزل الأمراء على ذلك إلى أن عاد السلطان] [٥] وكان عوده ووصوله إلى قلعة الجبل المحروسة فى يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول.
стр. 13060
وفيها فى يوم الجمعة السادس والعشرين من شهر ربيع الأول أنعم السلطان على الأمير سيف الدين ألماس الحاجب بسكن دار النيابة خلا القاعة الحسامية، فإنه رسم بإفرادها، فأفردت، وسكن فيما عداها من المساكن.
/ ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية والقبض على الأميرين سيف الدين طشتمر البدرى [١] وسيف الدين قطلوبغا [٢] الفخرى والإفراج عنهما
وفى يوم الجمعة الرابع والعشرين [٣] من شهر ربيع الآخر من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين تنكز [٤] نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس على خيل البريد، وكان ركوبه على خيل البريد [من غزة، فإنه وصل إليها بطلبه ومماليكه/ (٢٣١) يتصيد، فرسم له بالحضور إلى الأبواب السلطانية على خيل البريد] [٥] فوصل، وتلقّاه الأمير سيف الدين بكتمر الساقى إلى سرياقوس، وتصيد معه فى تلك الجهة، ولما وصل توجه، فمثل بين يدى المقام الشريف، وشمله الإنعام السلطانى على عادته، ونزل عند الأمير سيف الدين بكتمر الساقى بداره بقلعة الجبل.
ولما كان فى يوم الأحد سادس الشهر جلس السلطان، ووقف الأمير سيف الدين تنكز بين يديه والأمراء المماليك السلطانية، فنظر السلطان إلى الأميرين
стр. 13061
سيف الدين طشتمر البدرى، وسيف الدين قطلوبغا الفخرى، وقال لقطلوبغا: قد ضجرت مما أسمع عنك، وهذا كلام كثير، وما أعرف رضاكم فى أى شىء حتى أفعله، وأشباه هذا من الكلام، وأظهر الغضب الشديد، والحرج والحدّة، وأمر الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح بالقبض عليهما، فتقدم إلى كل منهما وأخذ سيفه، وتوجه بهما إلى الاعتقال، فاعتقلهما، وكان ذلك [ببرج السباع] [١] بالقلعة واشتد الأمر عليهما، وقيل: إنهما قيّدا.
فلما كان عشية النهار اضطرب المماليك السلطانية سكان الطباق لذلك اضطرابا شديدا، ويقال: إنهم امتنعوا من الدخول فى الخدمة، وقالوا نحبس جميعا، فإن هؤلاء هم أكابرنا، وأخص الناس بالسلطان، فإذا قبض عليهما بغير ذنب فكلنا نحبس، فطالع الأمير سيف الدين صواب- المقدم عليهم- السلطان بذلك [٢] ، فطلب الأمير سيف الدين/ (٢٣٢) تنكز، وعرفه ذلك، فتلطف فى أمرهما وقبّل الأرض مرارا بين يدى السلطان، وشفع فيهما، فأفرج عنهما فى بقية النهار [٣] ، وأقر الأمير سيف الدين طشتمر على إقطاعه، وأسكنه فى القاعة الحسامية التى أفردت من دار النيابة، وكان قبل ذلك يسكن داخل باب القلعة بقرب مساكن السلطان.
وأما الأمير قطلوبغا الفخرى، فإن حرج السلطان عليه كان أشد، لما كان يتكلم به بين يديه من الرد عليه، وكثرة الإدلال، فأنزل إلى إسطبله، ورسم السلطان بإخراجه إلى الشام [٤] ، فعين له إقطاع الأمير علاء الدين أيدغدى التّليلى [٥] وهو من جملة أمراء الطبلخاناه، وكان قد أنهى إلى السلطان أنه عجز عن الخدمة، وقلّ نظره، وتغير ذهنه، فوفّره من الخدمة، وأنعم عليه براتب،
стр. 13062
وأخرج إقطاعه للأمير المذكور، وزاد عليه قرية عنجرا [١] ، وعبرتها [٢] فى السنة عشرون ألف درهم، وتوجه صحبته الأمير سيف [الدين تنكز إلى الشام، وذلك فى يوم السبت ثانى عشر شهر ربيع الآخر، وقدم السلطان على ألفه الأمير سيف] [٣] الدين طغيتمر [٤] العمرى الناصرى.
ولما توجه الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخرى إلى الشام أوصى ألا يسكّن اصطبله لأحد من الأمراء، فاتصل ذلك بالسلطان، فأمر بهدمه، وهو الأصطبل الذى كان قد أنشأه الأمير سيف الدين طغاى، وهو تحت القلعة فيما بين القلعة وبين البرقية، وله باب آخر/ (٢٣٣) من جهة التبانة فيما بين المصلى وقلعة الجبل، وبه حوض سبيل لسقى الدواب، فهدم الأصطبل وحوض السبيل، وعفّى أثره، وبنى بنقضه، وصار طريقا يسلكه من يمر إلى القلعة من خارج السور، كما كان أول مرة قبل عمارته.
وفى هذه السنة فى يوم السبت الثانى عشر من شهر ربيع الآخر الموافق الحادى عشر من برمهات من شهور القبط- وذلك فى أواخر فصل الشتاء- حصل بالقاهرة ومصر حر شديد، وزاد فى يوم الأحد، واشتد فى يوم الاثنين، وهبت فى هذه الأيام ريح شرقية حارة جدا، وكان أشدها يوم الاثنين، وحصل من الحر ما لا يحصل فى أيام الصيف أكثر منه، حتى لبس الناس فى هذه الأيام فى فصل الشتاء ما يلبسونه فى فصل الصيف من القمصان الرفاع [٥] ، وكانت الأيام قبل ذلك شديدة البرد، واستمر ذلك كذلك بقية يوم الاثنين، وهبت ريح غربية قبيل العشاء الآخرة من ليلة الثلاثاء خف الحر بسببها يسيرا، ثم سكنت
стр. 13063
بسرعة، وعاد الحر فى ليلة الثلاثاء، وتزايد إلى الثلث الأخير من الليل، ثم نقص الحر فى يوم الثلاثاء، وحصل غيم مطبق قبيل المغرب من يوم الثلاثاء، ورعد وبرق شديد فيما بين المغرب والعشاء من ليلة الأربعاء، وانهل مطر يسير لكنه غليظ القطر حار جدا، كأنه سخن بالنار، وعاد/ (٢٣٤) البرد إلى ما كان عليه فى يوم الأربعاء السادس عشر من شهر ربيع الآخر، وهو الخامس عشر من برمهات، فسبحان من يدبّر ملكه كيف شاء، لا إله إلا هو الكبير المتعال، وبسب هذا الحر حصل فى الزرع نقص، وهاف بعضه فى كثير من البلاد بالديار المصرية.
ذكر حادثة وقعت بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام
/ وفى يوم السبت العشرين من شهر ربيع الأول وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير طفيل أخو الأمير بدر الدين كبيش بن منصور بن جمّاز بن شيحة من المدينة النبوية، وأخبر أن أخاه الأمير بدر الدين كبيش توجه من المدينة إلى البر لبعض أوطاره، وأن عمه الأمير ودىّ [١] لما علم خلو المدينة منه وصل إليها بجموع من العرب، وحاصرها فى ثامن عشر صفر، واستولى عليها فى الخامس والعشرين [من] الشهر بعد أن حرق بعض [٢] أبوابها، وقتل القاضى شهاب الدين هاشم بن على بن سنان قاضى الشيعة بالمدينة، وجرح بعضهم، وقتل نفر يسير، واستولى ودىّ على حواصل الأمير كبيش وذخائره وأمواله، ثم وصل الأمير بدر الدين كبيش إلى الأبواب السلطانية، وجرد معه طائفة من العسكر إلى المدينة، فوصل إليها فى/ (٢٣٥) العشر الأخر من شوال، وخرج من كان بالمدينة من أصحاب ودىّ، وأقام العسكر بالمدينة ثلاثة أيام، وعاد إلى الديار المصرية.
стр. 13064
ذكر القبض على من يذكر من الأمراء، وإعادة الأمير شرف الدين حسين بن جند ربيك إلى الديار المصرية
وفى هذه السنة فى يوم الخميس مستهل جمادى الأولى بعد العصر أمر السلطان بالقبض على الأمير سيف الدين القفجاقى [١] أحد الأمراء مقدمى الألوف، وعلى أخيه سيف الدين قرمشى [٢] واعتقالهما، وأمر أيضا بالقبض على طائفة من المماليك السلطانية القفجاقية، وجهز- فى ليلة الجمعة إلى ثغر الإسكندرية- ممن كان فى الاعتقال بقلعة الجبل بالجب من الأمراء صلاح الدين طرخان بن الأمير بيبرس [٣] الشمسى، وسيف الدين برلغى [٤] وهو ابن عم السلطان، ورسم باعتقالهم بالثغر، أحسن الله تعالى خلاصهم.
ولما قبض على أصلم [٥] أمر السلطان بإعادة الأمير سيف الدين حسين بن جندر بيك إلى الخدمة الشريفة بالأبواب السلطانية- وقد قدمنا خبر إرساله إلى الشام [٦]- فوصل إلى الأبواب السلطانية فى يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الأولى، وشمله الأنعام بالتشريف الأطلس بالطّرزالزّركش، والكلّوتة الزّركش والحياصة الذهب/ (٢٣٦) المجوهرة، وأنعم عليه بإقطاع الأمير سيف الدين أصلم وتقدمته.
وفيها فى يوم الاثنين خامس جمادى الأولى توجه الأمير حسام الدين حسين بن خربندا إلى بلاد التتار، وكان هذا الأمير قد حضر إلى الأبواب السلطانية من مدة سنين، وشمله الإنعام السلطانى بأمرة طبلخاناه بالديار
стр. 13065
المصرية، فتكرر طلب التتار له لما وقع الصلح، وسألوا السلطان إرساله إليهم، وذكروا أن له إخوة وعيالا يبكون عليه، فعرض السلطان عليه العود إلى بلاده فيما تقدم، فأبى، فلما كان فى هذا الوقت عاد سيف الدين كرماس أحد مماليك الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى من جهة الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد- وكان قد توجه إليه برسالة- فأكد عليه فى سؤال السلطان فى إعادته، فرسم بعوده إلى بلاده، وخلع السلطان عليه وزوّده، فتوجه فى هذا التاريخ، ثم عاد الأمير المذكور فى هذه السنة رسولا من جهة الملك أبى سعيد، فسمع السلطان رسالته، وخلع عليه [وأعاده] [١] .
ذكر اتصال الأمير سيف الدين قوصون بابنة السلطان الملك الناصر
وفى يوم الاثنين الثالث من جمادى الآخرة من هذه السنة/ (٢٣٧) عقد نكاح الأمير سيف الدين قوصون الناصرى على إحدى بنات السلطان الملك الناصر بحضور قضاة القضاة وأمراء الدولة الشريفة، وذلك بقلعة الجبل، وتولى عقد النكاح بالإذن السلطانى قاضى القضاة شمس الدين محمد بن الحريرى الحنفى، وبنى بها فى ليلة الجمعة الثالث عشر من شهر رجب، وكان ابتداء الفرح من يوم الاثنين تاسع الشهر.
وهذا الأمير- سيف الدين قوصون المذكور- لم يكن قديم الهجرة فى الخدمة السلطانية، وإنما ابتاعه السلطان من سنيّات من رسل أزبك، فأحسن إليه، وأمّره، وزاد فى الإحسان إليه حتى انتهى إلى هذه الغاية، ثم قدمه على ألف، وعظم شأنه، وارتفع محله، وتميز إقطاعه، وكثرت عصائره، واتسع ملكه، وتقدم فى الدولة تقدما عظيما، ووصل إخوته من بلاد الملك أزبك، وتزوج السلطان بعد ذلك بأخته، وكان من تمكنه وبسطته ما نذكره إن شاء الله تعالى فى موضعه [٢] .
стр. 13066
وفى هذه السنة فى العشر الأول من جمادى الأولى وصل إلى الأبواب السلطانية رسل صاحب إسطنبول، فلما مثلوا بين يدى السلطان، وأدوا الرسالة أسلم أحدهم وهو آقسنقر الرومى، وتلفظ بالشهادتين المعظمتين، فسر السلطان بإسلامه، وأحسن إليه، وأنعم عليه، ثم أمّره بعشرة طواشية، ولبس بالإمرة فى يوم السبت رابع عشرين شوال من السنة/ (٢٣٨) وأسلم أيضا أخ لهذا الرسول اسمه بهادر [١] ونزل فى جملة المماليك السلطانية، والله أعلم.
/ ذكر استعفاء قاضى القضاة بدر الدين محمد بن جماعة الشافعى من القضاء بالديار المصرية، وإجابته إلى ذلك، وتفويض القضاء بعده لقاضى القضاة جلال [٢] الدين القزوينى
وكان سبب ذلك أن قاضى القضاة بدر الدين محمد بن الشيخ برهان الدين إبراهيم بن جماعة الشافعى ضعف بصره، ونزل الماء فى إحدى عينيه، وكمل، وتحدر إلى العين الثانية، فقل نظره جدا، وتبين ذلك وظهر فى أواخر جمادى الأولى سنة سبع وعشرين وسبعمائة، فلما كان فى يوم الاثنين ثالث جمادى الآخرة حضر إلى دار العدل، وأنهى ذلك إلى السلطان، وسأله أن يعفيه من الحكم، وانفصل المجلس ثم أتته الرسالة السلطانية بالإجابة إلى الإعفاء.
واستدعى السلطان ولده القاضى عز الدين عبد العزيز إلى بين يديه فى يوم الجمعة السابع من الشهر، وتحدث معه فى معنىّ والده، وسبب ضعف بصره، وسأله عن الجهات التى بيده، ثم حضر قاضى القضاة بدر الدين فى يوم الاثنين عاشر الشهر أو حادى عشرة [٣] / (٢٣٩) إلى مجلس السلطان بدار العدل الشريف، وأعاد السؤال فى الإعفاء، فأجابه السلطان إلى ذلك من غير أن يصرح له بعزله، ثم سأله السلطان عمن يصلح للقضاء، وأن يعين له من يوليه،
стр. 13067
فاستعفى من ذلك، ولم يعين، ورسم له فى ذلك المجلس أن يحكم فى قضية كانت بين الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب وبين خصومه، فنزل إلى المدرسة الصالحية بالقاهرة، وجلس فى قاعته، وحكم فى عشية نهار الاثنين المذكور بين الأمير سيف الدين وغرمائه، وبلغنى أنه قال لمن حضر مجلسه: «هذا آخر الحكم» وتوجه إلى داره التى بساحل مصر بقرب الجامع الناصرى، واستقر بها وأخلى قاعة التدريس بالمدرسة الصالحية بالقاهرة.
ورسم له السلطان أن يرتّب له من مال منجّز [١] الخاصّ الشريف فى كل شهر ألف درهم نقرة بحكم استعفائه من الحكم، فكتب له توقيع سلطانى بذلك، ولم يكتب له فيه ما جرت العادة به من النعوت، واستقر بيده من جهاته تدريس زاوية الإمام الشافعى بجامع عمرو بن العاص بمصر، فاستمر يلقى فيها الدرس، واستمر نوابه فى القاهرة ومصر والأعمال على ولايتهم منه، وأحكامهم نافذة.
وذكر بين يدى السلطان من يصلح للقضاء بالديار المصرية، فعين جماعة لم يقع اختياره على أحد منهم، فاجتمع رأى السلطان على إحضار قاضى القضاة جلال الدين محمد بن قاضى القضاة/ (٢٤٠) سعد الدين عبد الرحمن ابن قاضى القضاة إمام الدين عمر القزوينى [٢] قاضى القضاة بدمشق، وخطيب الجامع الأموى بها، فرسم بطلبه وأن يحضر على خيل البريد.
وتقرر أن ينقل القاضى كمال الدين بن الزّملكانى قاضى حلب منها إلى دمشق، ويتوجه القاضى جمال الدين الزرعى- الذى كان قاضى الشام وعزل بالقاضى جلال الدين- إلى حلب، ولم ينعقد فى ذلك ولاية.
стр. 13068
وتوجه البريد لإحضار قاضى القضاة جلال الدين المذكور إلى الأبواب السلطانية، فوصل إلى دمشق فى يوم الجمعة منتصف جمادى الآخرة، وتوجه القاضى جلال الدين من دمشق إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء التاسع عشر من الشهر، فوصل إلى الخانقاة الناصرية بسماسم فى يوم الجمعة الثامن والعشرين من الشهر، ونزل عند شيخها، مجد الدين الأقصرائى [١] ، وسأله الشيخ والفقراء أن يخطب لهم بالجامع، فاستأذن الخطيب شهاب الدين أحمد ابن السّبتى فى الخطبة، فأذن له، فخطب وصلى بالناس بالجامع الناصرى بالخانقاه الناصرية، وركب من الخانقاة، ووصل إلى الأبواب السلطانية بقلعة الجبل المحروسة بكرة نهار السبت التاسع والعشرين من جمادى الآخرة، وهو سلخه، وحضر بين يدى السلطان، فأكرمه وشافهه بالولاية، وأنعم عليه، وخلع عليه خلعة القضاء، وأنعم عليه ببغلة بسرج وزنّار [٢] من جوخ، وقام من/ (٢٤١) المجلس السلطانى، وجلس بمصاطب [٣] باب القلعة [٤] وكتب على الفتيا على عادة القضاة فى ذلك، ونزل من القلعة إلى المدرسة الصالحية [٥] ، وحكم بين الناس، وأقرّ النواب على ما كانوا عليه من جهة قاضى القضاة بدر الدين، ثم أنعم السلطان عليه بزيادة على معلوم القضاء، واستقر بيده- مما كان بيد القاضى بدر الدين- تدريس المدرسة الصالحية، والمدرسة الناصرية [٦] ، ودار الحديث، بالكاملية [٧] ، وخطب بجامع قلعة الجبل
стр. 13069
من غير معلوم مع استمرار خطيبه ابن القسطلانى، فصار يخطب جمعة وقاضى القضاة جمعة، هذا إذا كان السلطان بقلعة الجبل، وإذا كان السلطان بالصيد أو غيره خطب الخطيب المستقرّ بمفرده، والجامكية للخطيب خاصة.
وكان قد حضر مع قاضى القضاة جلال الدين ولده القاضى بدر الدين محمد، ففوض السلطان إليه خطابة الجامع الأموى بدمشق، وتدريس المدرسة الشامية الجوّانية [١] ، وعاد إلى دمشق على خيل البريد، وكان وصوله إليها فى يوم السبت/ الثانى والعشرين من الشهر، وجلس للتدريس بالمدرسة الشامية [٢] فى يوم الأربعاء سابع عشر شعبان من السنة.
стр. 13070
ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد ملك العراقين وخراسان إلى الأبواب السلطانية/ (٢٤٢)
وفى يوم الأربعاء الرابع من شهر رجب من هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية الملكية الناصرية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان وبلاد الروم وغير ذلك، وكان المشار إليه منهم سيف الدين أسندمر، وهو من أكابر الأمراء مقدمى التّوامين [١] ، ووصل صحبتهم محمد بيه بن جمق أحد أقارب السلطان، وهو ابن أخت [الأمير سيف الدين [٢]] طايربغا، فمثلوا بين يدى السلطان فى يوم الخميس، فسمع رسالتهم، وقبل هدية مرسلهم، وأحسن إليهم، وأنزلهم عند الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى بقلعة الجبل، وشملهم السلطان بالتشاريف والإنعام.
وكان مضمون رسالتهم من الملك أبى سعيد- فيما بلغنى من المحقق لها- خطبة ابنة السلطان للأمير خواجا [٣] دمشق بن الأمير جوبان نائب الملك أبى سعيد، فأجاب السلطان إلى ذلك، واشترط حضور بن جوبان إلى أبوابه، وتوجه الرسل فى خدمة السلطان إلى الميدان فى يوم السبت سابع الشهر، وشاهدوا من مواكبه العظيمة ما لم يروا مثله، وتوجهوا إلى القبة المنصورية لزيارة ضريح السلطان الملك المنصور والد السلطان، وذلك فى يوم الجمعة ثالث عشر الشهر، ودخلوا المدرسة، ومدّ لهم سماط بالإيوان القبلى [٤] ، وحضر الفقهاء بجملتهم فى الإيوان البحرى.
ثم توجه الرسل أيضا فى خدمة السلطان فى يوم السبت إلى الميدان،/ (٢٤٣) وعادوا إلى مرسلهم بعد أن شملهم الإنعام الوافر من الخلع والأموال،
стр. 13071
وكان توجههم فى يوم الاثنين السادس عشر من شهر رجب، وجهّز السلطان معهم الأمير سيف الدين قطلوبغا المغربى الحاجب.
وأما محمد بيه بن جمق الواصل صحبتهم فإن السلطان أنعم عليه بإمرة طبلخاناة، وأقطعه إقطاع الأمير عز الدين أيبك البكتوتى أمير علم، ونقل البكتوتى إلى صفد على إقطاع نجم الدين فيروز، وكان قد قبض عليه واعتقل بها.
وفيها فى يوم الاثنين تاسع [١] عشر شهر رجب أمر السلطان بالقبض على أولاد الأمير سيف الدين بكتمر [٢] الأبى بكرى الثلاثة [٣] وهم: علاء الدين أمير على، وسيف الدين أسنبغا [٤] ، وشهاب الدين أحمد، فقبض عليهم وعوّقوا بدار الأمير سيف الدين ألماس الحاجب أياما إلى أن سكنت الفتنة التى وقعت بثغر الإسكندرية، ونقل الأمراء منها على ما نذكره إن شاء الله تعالى، ثم أفرج عنهم، ورسم لهم بالدخول إلى الخدمة السلطانية، فدخلوا، ووقفوا مع الجند، فأمر السلطان الحجّاب أن يرفعوا منزلتهم، وأن يقفوا مع الأمراء، وأن يلبسوا أقبية فوقانية على عادة الأمراء فى ذلك.
ذكر الفتنة الواقعة بثغر الإسكندرية [٥]
وفى يوم الخميس خامس شهر رجب سنة سبع وعشرين وسبعمائة،/ (٢٤٤) وقع بثغر الإسكندرية المحروس فتنة عظيمة بين أهل الثغر ومتولّيه ركن الدين بيبرس الكركى [٦] .
стр. 13072
وسبب هذه الفتنة أن جماعة من عوام الثغر اجتمعوا فى هذا اليوم ليتفرجوا على عادتهم، فوقفوا على حلقة قاصّ ظاهر الثغر بين بابى الأخضر والبحر، وكان فى الحلقة فرنجى من أتباع رسل صاحب إسطنبول، فشرع القاصّ إذا ذكر فى قصصه النبى ﷺ رفع المسلمون أصواتهم بالصلاة على عادة المسلمين فى ذلك، فقال بعضهم: أخرجوا هذا الفرنجى من بيننا، فإننا نحن نصلى على النبى ﷺ وهو لا يصلى عليه، فأرادوا إخراجه من الحلقة، فامتنع من الخروج، فدفع منها، فأعانه بعض رجّالة [١] الولاية بالثغر، وقال: هذا من أتباع الرسل الذين وصلوا إلى السلطان، فضرب بعض العوام ذلك الراجل [١] ، فاستنفر بجماعة من رفقته رجالة الولاية، فكاثرهم العوام وضربوهم، وثارت الفتنة، فركب المتولى ليرد الناس، فرجمه أهل الثغر، فغلّق أبواب البلد بين العوام وبين مساكنهم، وتحصن منهم، وأحضر إليه ريّس الخلافة [٢] قاربا فيه نشّاب، فرمى العوام بالنّشاب، فقتل منهم جماعة.
وحضر القاضى بالثغر عماد الدين الكندى، وأشار على المتولى بالكفّ، فلم يوافقه، واستمر هو وأصحابه على رشق العوام بالنشاب، فقيل: إن القاضى قال للعوام: قد حل لكم قتالهم، فعند ذلك عظمت الفتنة، وحوصر/ (٢٤٥) المتولى، وتوجه جماعة من العوام إلى دار ريّس الخلافة، فانتهبوا جميع ما فيها، وقتلوا جماعة من العوام، وتوجه بعضهم وكسروا السجن، فأخرجوا ما فيه من المعتقلين، وكان عبيد أهل الثغر قبل ذلك قد خرجوا للعب فى عيد اللّنجات على عادتهم، فضرب المتولى منهم جماعة واعتقلهم، فخرجوا الآن،/ وقصد العوام إخراج الأمراء المعتقلين بالثغر، فامتنعوا من ذلك.
فعند ذلك بادر المتولى بمطالعة السلطان بهذه الحادثة، فوصلت مطالعته فى بكرة يوم الأحد ثامن شهر رجب، فندب السلطان الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى مدبر الدولة وأستاذ الدار العالية، وصحبته من الأمراء: الأمير سيف
стр. 13073
الدين ألدمر [١] أمير جاندار، والأمير سيف الدين طوغان شادّ الدواوين، وغيرهما [٢] ، فتوجّهوا إلى الثغر فى بقية نهار الأحد لكشف هذه الحادثة، ومقاتلة من تعدّى، ورسم بإهانة القاضى عماد الدين الكندى الحاكم بالثغر، والإخراق به، وعزله عن القضاء، وفوّض [قضاؤه] إلى القاضى علم الدين بن الأخنائى الشافعى فى العشر الأوسط من شهر رجب، وهو أول شافعى ولى قضاء الثغر.
ولما وصل الأمير علاء الدين مغلطاى والأمراء إلى الثغر أحضر القاضى عماد الدين الحاكم، وأهانه، وصادره هو وشمس الدين المؤذن البلبيسى [٣] نائبه وجماعة من أهل الثغر والتجار، فأخذ من جهتهم نحو خمسين ألف دينار [٤] . منها من التجار الكارميّة [٥] نحو عشرين ألف دينار وبقية ذلك/ (٢٤٦) من أهل الثغر، ووسّط جماعة من العوام، ومسك جماعة من العبيد بالثغر وغير العبيد، وأحضر منهم نحو تسعين رجلا، فقيدوا واستعملوا فى العمارة، وحصل لأهل الثغر ضرر عظيم.
وكان ممن وسّط رجل صاحب قاعة فزارة يعرف بابن رواحة [٦] كان قد حضر إلى الأمير علاء الدين، والتزم بحفظ ميناء الثغر، وأنه مقيم من رجاله من يحفظها بغير جامكية، ويوفر جامكية الرماة بالبحر، وكان هذا الرجل عنده أربعمائة عدّة يلبسها الرجال المقاتلة إذا دهم الثغر [٧] عدو، فأخرجوا من البلد
стр. 13074
فتوجهوا إلى منية مرشد [١] إلى الشيخ محمد المرشدى، وطولع فى أمره، وأنهى المتولى إلى السلطان أن هذا الرجل رأس فتنة، فطلب وأحضر إلى الثغر ووسّط، وأخليت قاعات الرماة بالثغر.
وعاد الأمير علاء الدين والأمراء إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء خامس عشرين الشهر، والثغر وأهله على أسوأ الأحوال.
ورسم السلطان بنقل جماعة من الأمراء المعتقلين، أحضر منهم فى يوم الأحد الثانى والعشرين من الشهر عشرة نفر جهّز منهم إلى الكرك [٢] الأمير سيف الدين بكتمر الأبى بكرى، وسيف الدين تمر الساقى واعتقل ببرج السباع بقلعة الجبل الأمير علم الدين سنجر الجاولى، والأمير سيف الدين بهادر المغربى [٣] ، واعتقل بالجبّ ستة وهم: سيف الدين طغلق، وأمير غانم بن أطلس خان/ (٢٤٧) وسيف الدين قطلوبك المعلائى [٤] المعروف بالأوشاقى، وعز الدين أيدمر اليونسى، وسيف الدين كجكن، وفخر الدين أياز [٥]- نائب قلعة الروم كان- ثم أفرج عن فخر الدين أياز المذكور فى يوم الخميس السادس والعشرين من الشهر لكبر سنه وعجزه، وخلع عليه على عادة مقدمى الحلقة المنصورة، وسكن بالقاهرة عند أولاده.
وتأخر بثغر الإسكندرية من الأمراء المعتقلين به صلاح الدين طرخان بن بيسرى [٦] ، وسيف الدين بلاط الجوكندار [٧] ، وسيف الدين برلغى، وحسام
стр. 13075
الدين لا جين العمرى، وسيف الدين ايتزا، وركن الدين بيبرس العلمى [١] ، وسيف الدين طشتمر أخو بنحاص [٢] أحسن الله خلاصهم.
وفيها فى يوم الأحد التاسع والعشرين من شهر رجب- وهو سلخه- جلس الأمير علاء الدين مغلطاى بقاعة الوزارة التى استجدت له بقلعة الجبل المقابلة لديوان الإنشاء، وجلس نظار الدولة والمستوفون وكتّاب الدّرج بين يديه خارج الشّبّاك على مصطبة بنيت برسم جلوسهم، ووقف شادّ الدواوين سيف الدين طوغان وحجّاب الوزارة من أسفل المصطبة التى جلس عليها من ذكرنا أمام الشباك، [ولم يعبر إليه أحد بداخل القاعة التى/ (٢٤٨) هو بها- وبها الشباك- سوى مماليكه وحاشيته] [٣] .
ذكر تفويض قضاء القضاة بالشام لشيخ المشايخ علاء الدين القونوى [٤]
وكان السلطان لما نقل قاضى القضاة جلال الدين القزوينى من دمشق إلى الديار المصرية المحروسة رسم بطلب القاضى كمال الدين بن الزّمكانى [٥] قاضى حلب منها ليفوض إليه قضاء الشام، فتوجه البريد إليه فى أوائل شعبان، ووصل البريد إلى دمشق فى ثامن شعبان، وتوجه إلى حلب، وعاد صحبة القاضى كمال الدين المذكور، فكان وصوله إلى دمشق فى يوم السبت العشرين من شعبان، وتوجه إلى الأبواب السلطانية فى يوم الخميس الخامس والعشرين من شعبان على خيل البريد.
стр. 13076
فلما وصل إلى مدينة بلبيس درج بالوفاة إلى رحمة الله تعالى على ما نذكره إن شاء الله فى الوفيات، ولما اتصلت وفاته بنائب السلطنة بالشام طلب القاضى بدر الدين أبا اليسر [١] محمد بن قاضى القضاة عز الدين محمد [بن محمد بن محمد [٢]] بن عبد القادر بن عبد الخالق بن خليل الأنصارى المعروف بابن الصايغ، وكان معتكفا بالجامع الأموى، فخرج من اعتكافه، وتوجه إليه، فتحدث معه نائب السلطنة فى ولاية القضاء/ (٢٤٩) ، وتلطف به، فامتنع كل الامتناع، وصمم على ألّا يلى القضاء أبدا، فلم يزل يتلطف به إلى أن قال: استخير الله تعالى فى ذلك، فكتب نائب السلطنة إلى الأبواب السلطانية فى ولايته القضاء، فكتب تقليده بالقضاء، وسيّر إلى دمشق، فوصل فى يوم الخميس خامس عشر شوال، فحمل إليه التقليد والتشريف [٣] ، فامتنع من قبول الولاية، وأصر على الامتناع، ومرض بسبب ذلك، وردّ التقليد والتشريف.
فطالع/ نائب السلطنة بذلك، فاتفق رأى السلطان على تفويض القضاء لشيخ الشيوخ [٤] علاء الدين أبى الحسن على بن الشيخ نور الدين إسماعيل بن جمال الدين يوسف القونوىّ الشافعى، فأحضره السلطان إلى مجلسه فى يوم الاثنين السادس والعشرين من شوال سنة سبع وعشرين وسبعمائة، وفوض إليه قضاء القضاة بالشام، وخلع عليه فى هذا اليوم، وأذن له فى الحكم بالقاهرة، فأثبت كتبا تتعلق بالشام، وأنعم السلطان عليه بمبلغ ألف درهم وخمسمائة درهم، ورسم أن يجهز له من ديوان الخاص ما ينقل عليه عياله إلى دمشق، فجهز له أربعة محاير [٥] وعدّة جمال، وصرفت أجرتها من ديوان الخاص السلطانى، ورسم لعائلة فى كل يوم- من حين سفرهم إلى أن يصلوا دمشق- بثلاثين درهما نقرة، عن عشرين يوما ستمائة درهم.
стр. 13077
وتوجه هو إلى دمشق على خيل البريد بعد صلاة الظهر من يوم السبت التاسع من ذى القعدة، ووصل إلى دمشق/ (٢٥٠ فى بكرة نهار الاثنين الخامس والعشرين من الشهر، واجتمع بنائب السلطنة بدار السعادة، ولبس التشريف وتوجه إلى المدرسة العادليّة [١] ، وقرئ تقليده، وجلس للحكم، وسلك فى ولايته سبيل السلف الصالح، ولم يحتجب عن أحد من الناس، ثم فوض إليه مشيخة الشيوخ بدمشق عوضا عن قاضى القضاة شرف الدين المالكى، وذلك فى ذى الحجة من السنة، وجلس بالخانقاة السّميساطيّة [٢] فى يوم الجمعة رابع المحرم سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
ذكر تفويض ما كان بيد الشيخ علاء الدين من الجهات لمن يذكر، وما وقع فى أمر الصوفية بالخانقاة الصلاحية
لما توجه شيخ الشيوخ إلى دمشق المحروسة فوض ما كان بيده من تدريس المدرسة الشريفية بالقاهرة لقاضى القضاة جلال الدين، وفوّضت مشيخة الشيوخ بالخانقاة الصلاحية للشيخ مجد الدين الأقصرائى شيخ الخانقاة الناصرية بسماسم، ورسم له أن يستنيب عنه بالخانقاة الصلاحية الشيخ جمال الدين الحويزائى [٣] ، وتولى مشيخة الخانقاة الركنية الشيخ افتخار الدين الخوارزمى، ونقل شيخها الشيخ مجد الدين الزّنكلونى [٤] إلى تدريس الحديث بالقبة الركنية [٥] ، ورتب معه معيد وقارىء وطلبة بمقتضى شرط الواقف،/ (٢٥١) وهو أول من درّس بهذه القبة، وكانت قبل ذلك معطّلة منذ وقفت.
стр. 13078
ولما ولى الشيخ مجد الدين الخانقاة الصلاحية تحدث مع السلطان فى أمر الفقراء بالخانقاتين المذكورتين، فندب السلطان لذلك الأمير سيف الدين قجليس الناصرى أمير سلاح، وقاضى القضاة جلال الدين القزوينى، فحضرا إلى الخانقاة فى يوم الاثنين حادى عشر ذى القعدة، وعرض الفقراء بها وبالخانقاة الركنية، فأخبرنى الأمير سيف الدين قجليس المشار إليه أنه أنهى إلى السلطان أمر العرض، وأنه رسم أنه من حضر إلى الخانقاة فى وقت الوظيفة وأدّاها يستمر ولا يقطع، ومن كانت له وظيفة تعارضه فى الوقت يخيّر فى إحداهما [١] ، ثم حضر الشيخ مجد الدين واجتمع بالسلطان، وقرّر معه قطع جماعة العدول [٢] الجالسين بسوق الورّاقين من الخانقاة، وأرباب الوظائف، فقطع من الخانقاة الصلاحية من له عدالة بارزة، وجلوس بسوق الوراقين، وقطع أيضا جماعة من أرباب الوظائف، فصارت العدالة البارزة وصمة عليهم، وسببا لحرمانهم، وقويت الشناعة فى ذلك، فأعيد بعض من قطع، وكره الناس من الشيخ مجد الدين هذه الواقعة، أشد الكراهة، وتكلموا عليه وعلى ابن أخيه أوحد الدين أحمد بهذا السبب، ثم انفصل الشيخ افتخار الدين من مشيخة الخانقاة الركنية، ولم يطل مقامه بها، ثم سكنت الأحوال فى ذلك/ (٢٥٢) .
وفيها فى ليلة الجمعة ثالث عشر ذى الحجة بنى الأمير شهاب الدين أحمد [٣] بن الأمير سيف الدين بكتمر الساقى الركنى الناصرى بابنة الأمير سيف الدين تنكز [٤] نائب السلطنة بالشام، وكان قد تقدم عقد النكاح عليها عند حضور والدها فى هذه السنة إلى الأبواب السلطانية، ووصلت من دمشق فى ليلة الجمعة مستهل ذى القعدة، وحصل الاهتمام بأمر الفرح، ووصل بسببه الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة، وقدّم التّقادم الوافرة، وكان بسبب هذا المهمّ من الاحتفال والتقادم وحمل الشموع شىء كثير.
стр. 13079
ذكر وصول رسل الباب [١] فرنسيس إلى الأبواب السلطانية
وفى هذه السنة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الباب [٢] ، وهو القائم ببلاد الفرنج مقام الخليفة، ورسل الملك فرنسيس، واسمه ديكردين فلب [٣] ، ومثلوا بين يدى السلطان [٤] ، وأحضروا ما معهم من التقادم، وكان مضمون رسالتهم سؤال السلطان أن يبرز أمره بالوصاة بالنصارى، وذكروا أن ببلاد الفرنج جماعة كثيرة من المسلمين، وأن السلطان إن أحسن إلى من فى مملكته من أهل الذمة النصارى أحسنوا إلى من ببلادهم من/ (٢٥٣) المسلمين، فسمع السلطان رسالتهم، وقبل تقدمتهم، وأكرم وفادتهم، وأعادهم إلى مرسلهم، ولم يصل إلى الديار المصرية من جهة هذا الملك رسول من الأيام الصالحية النجمية إلى حين وصول هؤلاء/ الرسل الآن.
ذكر متجدّدات كانت بالشام فى هذه السنة خلاف ما ذكرناه
فى هذه السنة فى شهر ربيع الأول فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام «أحمد بن حنبل» لقاضى القضاة عزّ الدين محمد بن قاضى القضاة تقى الدين سليمان الحنبلى [٥] عوضا عن قاضى القضاة شمس الدين بن مسلم بحكم وفاته، كما تقدم، ووصل تقليده إلى دمشق فى يوم الخميس الثامن عشر من الشهر، وخلع عليه، وقرىء تقليده فى يوم الجمعة التاسع عشر من الشهر، وجلس للحكم بالمدرسة الجوزية على عادة والده رحمه الله تعالى.
стр. 13080
وفيها فى مستهل شعبان فوضت مشيخة المشايخ بدمشق لقاضى القضاة شرف الدين محمد بن القاضى معين الدين أبى بكر المالكى [١] مضافة إلى الحكم، وجلس بالخانقاة السّميساطية لذلك فى يوم الجمعة السادس والعشرين من الشهر.
وفيها فى سابع شهر رمضان فوض قضاء القضاة بدمشق على مذهب الإمام أبى حنيفة للقاضى عماد الدين أبى الحسن على بن محيى الدين أحمد ابن عبد الواحد الطّرسوسى الحنفى [٢] عوضا عن القاضى صدر الدين البصروى [٣] بحكم وفاته على ما نذكره، ووصل تقليده إلى دمشق فى يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان، وخلع عليه فى يوم الخميس/ (٢٥٤) سابع عشر الشهر، وجلس للحكم بالمدرسة النّوريّة [٤] .
وفيها فوض قضاء القضاة بحلب المحروسة للقاضى فخر الدين عثمان بن [محمد بن] [٥] عبد الرحيم بن إبراهيم البارزى [٦] الحموى الشافعى، وكان يلى الخطابة بحماة، وينوب عن عمه قاضى القضاة شرف الدين فى الحكم بحماة.
وفيها فى نصف رمضان وصل إلى دمشق المحروسة جماعة من الأسرى [المسلمين] [٧] من بلاد الفرنج نحو مائة وأربعين أسيرا، ومعهم جماعة من تجار الفرنج تولوا استيفادهم، فجعلوا فى المدرسة العادلية الكبيرة بدمشق، ورسم بإعطاء التجار الفرنج ما ذكروا أنهم صرفوه وأنفقوه عليهم، بعد تحليفهم وتحليف الأسرى [وكان ذلك نحو ستين ألف درهم، فلما قبض التجار ذلك من
стр. 13081
ريع الأوقاف على فكاك الأسرى أطلق الأسرى] [١] وكان سبب سعى التجار فى فكاك هؤلاء الأسرى أن قاضى القضاة جلال الدين القزوينى أشهد على نفسه أنه جعل لكل من يحضر أسيرا من المكان الفلانى مبلغا عيّنه، وكتب بذلك مكتوبا، وعرف التجار ذلك، فسعوا فيه، وجعلوه من جملة متاجرهم، و «نقلت هذه الواقعة من تاريخ الشيخ علم الدين بن البرزالى [٢] » .
وفى يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذى القعدة فوضت نيابة السلطنة بقلعة دمشق المحروسة إلى الأمير علاء الدين مغلطاى الخازن أحد الأمراء بدمشق عوضا عن الأمير علم الدين سنجر الدميثرى [٣] واستقر الدميثرى [٣] من جملة الأمراء بدمشق المحروسة.
وفيها فى يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذى القعدة أيضا خلع على الأمير سيف الدين بلبسطى [٤] ، وفوض إليه نيابة بحمص عوضا عن بلبان البدرى، رحمه الله تعالى، وكانت وفاة البدرى فى ليلة عيد الفطر من السنة بحمص، وحمل إلى دمشق، وصلى عليه بسوق الخيل، ودفن يوم السبت بسفح قاسيون.
وفيها فى التاريخ أيضا فوّض نظر أوقاف القدس الشريف، وحرم الخليل ﵊ إلى الأمير سيف الدين إبراهيم بن الأمير علم الدين الجاكى [٥] ، وخلع عليه، وتوجه.
وفيها فى العشر الأول من ذى الحجة كمل ترخيم الحائط الشمالى بالجامع الأموى بدمشق، وكان فى الدولة الظاهرية/ (٢٥٥) الركنية قد رخّم
стр. 13082
من جهة الشرق إلى باب الكلّاسة [١] ، ولم يكمل، واستمر كذلك إلى الآن، فرسم بترخيمه، فكان ذرع الذى استجد الآن من باب الكلّاسة إلى زاوية الغزالى ستون ذراعا طولا وفى الارتفاع ستة، وعمل بأعلاه طراز مذهّب.
وفى هذه السنة توفى أحد أولاد السلطان الملك الناصر وهو طفل، لعله الذى ذكرنا أنه ولد فى ثامن عشر المحرم من هذه السنة [٢] ودفن بتربة الخوند أردكين [٣] ابنة نوكاى زوج السلطان.
وتوفى فى ليلة الاثنين المسفرة عن السادس والعشرين من جمادى الأولى قبيل العشاء الآخرة الشيخ الصالح ضياء الدين محمد المعروف بالمعبدى [٤] وهى نسبة إلى معبد الشيخ محيى الدين الفارسى بالقرافة، وكانت وفاته بمنزله بجوار الزاوية المعروفة به بخطّ موردة الخلفاء بمصر، بشاطىء نيلها، وصلّى عليه بالجامع الناصرى، وأم الناس فى الصلاة عليه قاضى القضاة بدر الدين الشافعى، ثم صلّى عليه ثانيا فى جامع عمرو بن العاص بمصر، ودفن بالقرافة بتربته فى قبر كان قد حفره لنفسه، وأعده لدفنه فى حال حياته، وكان رحمه الله تعالى كثير الخدمة للفقراء، والتكرم عليهم والإنفاق، وله مروءة وافرة، كثير التعصب والقيام مع من يقصده، يطّرح/ (٢٥٦) الكلفة جدا، كان ينفق على الفقراء الواردين وغيرهم ممن يقصده النفقات الكثيرة، ويطعمهم الأطعمة اللذيذة الفاخرة، ويفرّجهم فى المستنزهات، وهو فى غالب أوقاته يلبس الدّلق المرقّع بغير قميص، وكان حسن المحاضرة، كثير النوادر، مشهورا بالخلاعة والانبساط رحمه الله تعالى/.
стр. 13083
وتوفى فى يوم الأحد الثامن من شهر رجب القاضى الإمام الفاضل العالم نجم الدين أبو العباس أحمد بن صدر الدين محمد بن رشيد الدين حرمى الشافعى [١] القمولى نائب الحكم العزيز بمصر، وناظر الحسبة بها، وكانت وفاته [بداره] [٢] بمصر، وصلّى عليه بجامع عمرو بن العاص عقيب صلاة الظهر من اليوم المذكور، وكانت جنازته مشهودة، حضرها القضاة والحكام والأكابر وغيرهم من العوام، ومولده فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة تقريبا بقمولة من غربية مدينة قوص [٣] ، وكان رحمه الله تعالى رجلا ديّنا فاضلا فقيها عالما، صنف: «كتاب البحر المحيط فى شرح الوسيط» فى نحو ثمانية عشر مجلدا كبارا، واختصره فى ثمانى مجلدات وسمى المختصر: «جواهر البحر» وشرح مقدمة الشيخ أبى عمر بن الحاجب فى النحو فى مجلدين وشرح الأسماء الحسنى، وغير ذلك من التآليف رحمه الله تعالى/ (٢٥٧) .
وتوفى فى ليلة الأحد خامس عشر شهر رجب الشيخ الصالح أبو القاسم عبد الرحمن بن موسى بن خلف الحدافى [٤] وكانت وفاته بالبرج بقلعة الجزيرة مقابل مصر، وبه كان يسكن، وصلّى عليه بجامع عمرو بن العاص بعد صلاة الظهر، ودفن بسفح المقطّم بتربة الشيخ تاج الدين بن عطاء الله، بجوار تربة الشيخ أبى محمد بن أبى حمزة، وكان الشيخ عبد الرحمن رجلا صالحا زاهدا عابدا منقطعا متخلّيا عن الدنيا، رحمه الله تعالى.
وتوفى بحلب الأمير [٥] ناصر الدين محمد بن الأمير سيف الدين أرغون الناصرى نائب السلطنة الشريفة والده، وكانت وفاته فى يوم السبت ثالث عشر [٦] شعبان، ونقل الشيخ علم الدين بن البرزالى فى تاريخه أنه توفى فى
стр. 13084
يوم الجمعة ثانى عشره، ودفن يوم السبت، وكان قد استقر عند انتقال والده إلى نيابة السلطنة بحلب فى جملة الأمراء مقدمى الألوف بحلب، فمرض ومات، فوصل الخبر إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء رابع عشرين الشهر، وكان قبل ذلك قد توفى أخوه الصغير أحمد، وهو من أمراء العشرات بحلب، ووصل الخبر أيضا بمرض والده وأخوته، فرسم السلطان أن يتوجه صلاح الدين بن البرهان أحد الأطباء بالباب الشريف، فتوجه إليهم على خيل البريد فى يوم الجمعة تاسع عشر الشهر.
وتوفى فى يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان/ (٢٥٨) القاضى عز الدين عبد العزيز بن [أحمد بن] [١] عمر بن عثمان بن الخضر الهكّارى قاضى الأعمال الغربية، ويعرف بابن خطيب الأشمونين [٢] ، وكانت وفاته بالقاهرة، وكان قد حضر من المحلة للسلام على قاضى القضاة جلال الدين [٣] فمرض ودامت به العلة إلى أن مات، وكان فقيها فاضلا نزها كريم الأخلاق، رحمه الله تعالى.
وتوفى فى يوم الثلاثاء ثامن شهر رمضان أيضا الأمير سيف الدين قطلوبغا [بن عبد الله] [٤] المغربى الناصرى الحاجب، وكان قد توجه صحبة الرسل إلى حلب كما ذكرنا، فمرض فى سفره، وعاد فعجز عن الركوب، فحمل فى محفّة، ورحل إلى القاهرة فى يوم الاثنين سابع عشر شهر رمضان، فبات بداره ليلة واحدة، ومات رحمه الله تعالى، وكان السلطان قد أعده لمهمّاته، ووعده بتقدمة ألف، فعاجلته المنية عن بلوغ الأمنية.
وفيها فى آخر ليلة الأربعاء سادس شهر رمضان توفى القاضى كمال الدين أبو المعالى محمد بن الشيخ علاء الدين على بن الشيخ كمال الدين عبد الواحد
стр. 13085
ابن خطيب زملكا [١] زين الدين عبد الكريم بن خلف بن نبهان الأنصارى الشافعى، المعروف بابن الزّملكانى [٢] ، وكانت وفاته بمدينة بلبيس مدينة الأعمال الشرقية من الديار المصرية، وكان قد استدعى من حلب بالأمر السلطانى، لينقل إلى قضاء الشام، فجاء على خيل البريد، فلما انتهى/ (٢٥٩) إلى منزلة الصالحية مرض، فوصل إلى بلبيس، وقد اشتد به المرض فمات، وحمل إلى القرافة فى ليلة الخميس، فدفن بالقرب من قبر قاضى القضاة إمام الدين القزوينى جوار قبة الإمام الشافعى، ومولده فى ليلة الاثنين ثامن شوال سنة سبع وستين وستمائة، وكان من أعيان العلماء بمذهب الإمام الشافعى ومن الفضلاء، ولى كتابة الدّرج بدمشق مدة طويلة، وتنقل فى الولايات ودرس فى أجلّ مدارس [٣] دمشق، ثم نقل إلى قضاء حلب، كما تقدم، وله شعر حسن، وترسّل جيد، رحمه الله تعالى.
وتوفى فى يوم الأحد تاسع عشرين ذى الحجة الأمير سيف الدين كوجرى [ابن عبد الله] [٤] أمير شكار، وهو من أمراء المائة مقدمى الألوف، رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق فى مستهل شهر ربيع الأول الأمير ناصر الدين إبراهيم بن الملك المعظم شرف الدين عيسى بن الملك الزاهد [٥] داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن الملك القاهر ناصر الدين محمد بن الملك المنصور أسد الدين شيركوه بن شادى، ودفن بقاسيون، وكان من جملة مقدمى الحلقة بدمشق المحروسة، رحمه الله تعالى.
стр. 13086
وتوفى بدمشق أيضا فى عشية نهار الأربعاء العشرين [١] من جمادى الآخرة الملك الكامل، وهو الأمير/ (٢٦٠) ناصر الدين محمد بن الملك السعيد فتح الدين عبد الملك بن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن السلطان الملك العادل سيف الدين أبى بكر محمد بن [نجم الدين] [٢] أيوب، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر بالجامع الأموى، وحمل إلى تربة الملك الكامل بن الملك العادل وهو عم أبيه، وجده لأمه ربيعة خاتون ابنة الملك الكامل، فأغلق باب التربة دون تابوته عامل التربة موسى بن أخت صاين الدين خطيب مصلّى العيدين، وامتنع من الموافقة على دفنه بها، فتألم الناس لذلك، وضربوا موسى المذكور، ولم يفتح الباب، فتوجّهوا/ بجنازته إلى تربة أم جده الملك [الصالح، وكشفوا الأزج [٣] فوجدوه مملوءا بالأموات] [٤] فجاءوا به إلى قبر أبيه فوجدوه ضيقا، فأحضروا الحجّارين فشقوا له قبرا ودفن [عند مغيب الشمس وكان نائب السلطنة] [٤] يومئذ بالمرج، فطولع بذلك، فرسم أن يدفن عند والدته، فامتنع أهله من نقله، ومولده فى ليلة [الاثنين بطريق الحجاز الشريف، بمنزلة تسمى العقاب، بثنيّة راطية [٥] خامس ذى القعدة سنة ثلاث] [٦] وخمسين وستمائة سمع صحيح مسلم من ابن عبد الدايم وسمع من غيره، وحدث وكان من أمراء [الطبلخاناة بالشام، كثير التواضع والمجون [٧]] حسن المذاكرة والمداعبة، كثير النوادر، ولما مات أنعم السلطان على ولده صلاح الدين [بإمرة طبلخاناه، وعلى ولده] الأصغر بإمرة عشرة، وركبا بالخلع فى رابع عشرين رجب بدمشق.
وتوفى بدمشق أيضا فى يوم الأربعاء [الرابع والعشرين [٧] من] جمادى الأولى الشيخ العالم شرف الدين أبو محمد عبد الله/ (٢٦١) بن الشيخ
стр. 13087
شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام مجد الدين أبى البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبى القاسم بن محمد [١] بن تيمية الحرّانى الحنبلى، وهو أخو الشيخ تقى الدين، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر بجامع دمشق، ثم صلى عليه بباب قلعة دمشق، وكانت جنازته مشهودة، ثم حمل إلى ظاهر باب النصر فصلى عليه مرة ثالثة، ثم صلى عليه مرة رابعة، ودفن بمقبرة الصوفية عند والده وأهله ﵏، ومولده بحران [٢] فى الحادى والعشرين من المحرم سنة ست وستين وستمائة.
وتوفى فى يوم الأربعاء بعد العصر الثالث من شعبان قاضى القضاة صدر الدين أبو الحسن على بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم [بن محمد بن عثمان ابن محمد البصروى] [٣] الحنفى ببستانه بأرض سطرا [٤] ظاهر دمشق، وصلّى عليه بكرة [الخميس بسوق الخيل، ودفن بسفح قاسيون، وأوصى بثلث ماله فى بكرة نهار] [٥] وفاته صدقة على الفقراء والمساكين، ومولده فى ثالث شهر رجب سنة اثنتين وأربعين وستمائة بقلعة بصرى، وسمع من ابن عبد الدايم وابن عطاء وغيرهما، وحدث رحمه الله تعالى.
وتوفى بدمشق الصدر شمس الدين محمد بن الشيخ الفاضل شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد الحلبى [٦] صاحب ديوان المكاتبات بدمشق فى ليلة السبت عاشر شوال، وصلى عليه بالجامع الأموى، ودفن من الغد بتربة والده
стр. 13088
بسفح جبل/ (٢٦٢) قاسيون، ومولده فى يوم الأحد ثامن شوال سنة تسع وستين وستمائة رحمه الله تعالى، ولما توفى استقر فى كتابة الدّرج [١] بعده بدمشق القاضى محيى الدين بن فضل الله، ولبس التشريف، وباشر الوظيفة فى يوم السبت الثالث والعشرين من ذى القعدة، واستقر شرف الدين ولد شمس الدين فى التوقيع بين يدى نائب السلطنة على ما كان عليه القاضى محيى الدين بن فضل الله، وخلع عليه أيضا فى اليوم المذكور، والله أعلم.
واستهلت سنة ثمان وعشرين وسبعمائة [٢] بيوم الثلاثاء الموافق للعشرين من هاتور من شهور القبط
، ورئى فى كثير من البقاع يوم الاثنين، والسلطان الملك الناصر- خلد الله ملكه- بمقر ملكه بقلعة الجبل المحروسة، ولا نائب للسلطنة بالأبواب العالية، فإنه منذ عزل الأمير سيف الدين أرغون الناصرى عن النيابة، وتوجّهه إلى حلب، لم يفوّض السلطان النيابة إلى غيره، وإنما الأمير سيف الدين ألماس أمير حاجب يتحدث فى أمر الجند، والأمير علم الدين مغلطاى الجمالى الناصرى فى وظيفتى الوزارة وأستاذ الدّارية العالية على عادته، والديار المصرية والشام والبلاد الحلبية والساحلية والجبلية وغيرها، من الممالك الإسلامية الداخلة فى مملكة السلطان الملك الناصر، على غاية الرخاء والخير، وانحطاط الأسعار.
وفى يوم الخميس ثالث المحرم من هذه السنة أمر السلطان أن يتقدم الأمير سيف الدين [بشتاك [٣] على ألف فارس، وهى التقدمة التى انحلت عن الأمير سيف الدين كوجرى [٤]] أمير شكار، وأعطاه السلطان من خبز كوجرى ملّوى [٥] ، وكمل له على ما بيده من الإقطاع مائة فارس،/ (٢٦٣) وأمر الأمير
стр. 13089
سيف الدين نوروز بطبلخاناة، وأمر ناصر الدين بن كوجرى بعشرة طواشيّة، وأمر سيف الدين چهاركس [١] بعشرة طواشية، وجعل أحد أمراء شكارية، وركب الأمراء فى يوم الخميس ثالث شهر المحرم بالتشاريف والشّرابيش [٢] على عادة أمثالهم.
وفيها فى يوم الاثنين السابع من المحرم توجه السلطان إلى جهة القصور بسرياقوس، فتصيد بتلك الجهة إلى يوم الاثنين رابع عشر الشهر ورجع، ومر تحت قلعة الجبل ولم يصعد إليها، ومر على طريق سوق الخيل إلى الصّليبة إلى قناطر السباع، حتى انتهى إلى بولاق، فركب إلى جهة الجيزية، واستقر فى نيابة السلطنة- فى مدة غيبة السلطان- الأمير سيف الدين قجليس الناصرى أمير سلاح.
ووصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك
أبى سعيد بن خربندا ملك العراقين وخراسان، فكان وصولهم إلى باب الدّهليز [٣] المنصورى بمنزلة الأهرام فى يوم الأحد السابع/ والعشرين من المحرم، فمثلوا بين يدى السلطان، وسمع رسالتهم، وأحسن إليهم، ورسم بإعادتهم إلى مرسلهم، فتوجهوا بعد دخولهم إلى القاهرة فى يوم السبت رابع صفر، واستمر السلطان بمنزلة الأهرام أياما، ثم توجه منها إلى جهة المنوفية، وعاد إلى قلعة الجبل المحروسة فى منتصف نهار الأحد ثانى عشر صفر، فأقام بقلعة الجبل إلى يوم/ (٢٦٤) الخميس سلخ صفر، وتوجّه فى بكرة النهار إلى جهة القصور بسرياقوس، ثم عدى البحر إلى الجانب الغربى، وتوجّه إلى جهة المنوفية، وتصيد هناك وعاد، فكان وصوله إلى قلعة الجبل فى يوم الخميس سابع عشر ربيع الأول من السنة، والله أعلم.
стр. 13090
ذكر وفود الأمير تمرتاش بن الأمير جوبان بن تلك بن بدوان [١] نائب الملك أبى سعيد بمملكة الروم إلى الأبواب السلطانية
وسبب وفوده. وما كان من خبره إلى أن قبض عليه وقتل، ولنبدأ بذكر السبب الذي أوجب مفارقته المملكة الرومية، وحضوره إلى الديار المصرية، وهو ما وصل إلينا من أخبار والده وإخوته ومقتلهم، ثم نذكر أخبار تمرتاش [٢] فنقول:
كان الأمير جوبان بن تلك [٣] بن بداون نائب الملك أبى سعيد بن خربندا صاحب العراقين وخراسان والروم وأولاده قد استولوا علي مملكة التتار ما قرب منها وما بعد، وتحكموا فيها تحكم الملوك من غير منازع لهم ولا مناوئ، وزاد تحكمهم حتى لم يبق للملك أبى سعيد معهم إلا اسم السلطنة، وانفرد جوبان بالأمر كله بعد وفاة الوزير على شاه، وقد تقدم من أخبار جوبان وتمكنه وقتله من قتل من أكابر الأمراء وأقارب الملك ما ذكرناه فى حوادث/ (٢٦٥) سنة تسع عشرة وسبعمائة ما لا يحتاج إلى إعادته، فلما كان فى سنة سبع وعشرين وسبعمائة توجه الأمير جوبان وولده الأمير حسن إلى بلاد خراسان، واستصحب معه معظم الجيوش، وتوجه لقصد محاربة أولاد الملك كبك [٤] على عادة التتار، وتأخر بالأردو [٥] من أولاد جوبان دمشق خواجا، فأنهى إلى الملك أبى سعيد عنه أنه قد عزم علي الوثوب عليه وقتله، حتى صح ذلك عنده، واتهم أيضا ببعض نساء الملك خربندا والد أبى سعيد، فعند ذلك أمر الملك أبو سعيد بقتله، واتصل الخبر به فركب فى طائفة يسيرة من مماليكه، وقصد الهرب إلى أبيه فأدرك لوقته، وقتل بظاهر مدينة سلطانية [٦] ، وترك ملقى بعد قتله، وذلك فى شوال سنة سبع وعشرين.
стр. 13091
ولما اتصل خبر مقتله بوالده الأمير جوبان أظهر الخلاف، وعزم على حرب الملك أبى سعيد، ورجع بالعساكر التى كانت معه من خراسان، وتوجه الملك أبو سعيد لقتاله بمن بقى عنده من العساكر، وتقدم كل منهما بعساكره إلى الآخر، حتى بقى بينهما منزلة أو نحوها، ففارقه أكثر من كان معه من الأمراء أولا فأولا، والتحقوا بالملك أبى سعيد، فعند ذلك رجع جوبان بمن بقى معه إلى خراسان، ففارقه من بقى معه من الأمراء إلى خدمة الملك، وبقى فى نحو ستمائة فارس من ألزامه ومماليكه، فتوجه بهم، ولم يتبعه الملك أبو سعيد، ولا جرّد خلفه عسكرا، بل رضى كل منهما من الغنيمة بالإياب، ولعله إنما ترك ذلك خشية أن يكون لحاق من كان مع جوبان من العساكر/ (٢٦٦) به مكيدة، وعزم جوبان على اللحاق بأولاد الملك كبك، والاستنصار بهم على حرب الملك أبى سعيد.
فلما وصل إلى هراة [١]- من أعمال خراسان- خرج إليه نائبها، وهو أمير جرىء مقدام، له فتكات معروفة، وهو ممن أنشأه جوبان وقدمه فتلقاه وخدمه وعرض عليه الدخول إلى هراة والإقامة بها إلى انقضاء فصل الشتاء، ويتوجه بعد ذلك إلى حيث أحب، فركن إلى قوله، ووثق به، ويقال: إن ابنه حسن كره ذلك ونهى والده عنه، وذكره بغدراته، وكان قد حصل لجوبان مرض منعه من إدامة الحركة والسير، فترجح عنده الدخول إلى هراة، فدخل إليها، وفارقه ابنه حسن، والتحق بالملك أزبك صاحب صراى والبلاد الشمالية، فأكرمه أزبك، وأحسن إليه، ولما صار جوبان بهراة بادر نائبها بالقبض عليه وقتله، وكتب إلى الملك أبى سعيد بذلك.
وقتل أيضا ولد لجوبان بكردستان [٢] ، ثم حمل جوبان فى تابوت، وجىء به إلى بغداد فى سابع عشرين شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وصلى عليه بالمدرسة المستنصرية، ثم حمل إلى مكة- شرفها الله تعالى- فى جملة الركب
стр. 13092
العراقى وطيف به، وحمل إلى عرفة، ثم إلى منى، وأعيد إلى مكة، وحمل منها إلى المدينة النبوية ليدفن فى تربته التى أنشأها بالمدينة، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الناصر كتب إلى أمير المدينة النبوية ألا يدفن فى التربة، فدفن فى البقيع، وكان السبب فى الاحتفال به، وحمله/ (٢٦٧) إلى مكة والمدينة أن الملك تزوج ببغداد خاتون ابنة جوبان بعد مقتل والدها وأخويها، وحظيت عنده، وشغف بها، وكان يحبها قبل ذلك، وقصد زواجها، فزوجها والدها من الأمير/ الشيخ حسن بن الجتيه [١] ، فلما قتل جوبان أمره الملك أبى سعيد بطلاقها، وتزوجها وشغف بها، وتمكّنت من دولته أكثر من تمكّن أبيها على ما نذكر مما يصل إلينا إن شاء الله تعالى من أخبارها، فأمرت بحمل أبيها إلى الحجاز الشريف، هذا ما بلغنا من أخبار جوبان.
وأما الأمير دمرداش [٢] بن جوبان
وهو نائب الملك أبى سعيد بالمملكة الرومية، وكان قد استقل بأمرها، واستولى على أموالها وعساكرها من غير منازع له فيها ولا معارض، فإنه لما اتصل إليه خبر مقتل أخيه دمشق خواجا، وما كان من خلاف أبيه علم أنه لا يمكنه الإقامة بالمملكة الرومية، وأنه متى يفرغ وجه الملك أبى سعيد من أمر جوبان يقصده بالعساكر، فكتب إلى السلطان الملك الناصر يسأله الإذن له في اللحاق به، والانضمام إليه والالتجاء إلى حرمه، فأذن له فى ذلك، وكتب السلطان إلى نوابه بالشام بتلقيه وإكرامه.
ولما ورد عليه جواب السلطان حصّن أهله وولده وأمواله بقلعة حصينة، وجعل فيها ذخائره وحصّنها بالعدد والأقوات الكثيرة، ثم ركب في عسكر الروم. وأظهر أنه يتوجه فى مهم بأمر الملك أبى سعيد، فلما كان بأثناء
стр. 13093
/ (٢٦٨) الطريق نزل بمنزلة، ولبس لأمة حربه هو ومن يعتمد عليه من ألزامه ومماليكه، وقال لمن معه من العسكر: أنا متوجه إلى الديار المصرية، فمن أحب أن يصحبنى فليعتزل العسكر، ومن أحب الرجوع إلى بلاد الروم فليرجع، ومن أحب القتال فليبرز للحرب، فما جسر أحد منهم علي قتاله، ولا أقدم على حربه، بل ترجّلوا وخدموه [١] ، ورجعوا إلى بلادهم، وتقدم هو إلى الشام فى نحو ستمائة فارس، فكان وصوله إلى دمشق فى يوم الأحد خامس عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة فتلقّاه نائب السلطنة بها الأمير سيف الدين تنكز [٢] وأكرمه وجهّزه إلى الديار المصرية، فوصل إلى خدمة السلطان، والسلطان بمنزلة أوسيم من الأعمال الجيزية فى ليلة الخميس المسفرة عن سابع عشر شهر ربيع الأول، ومثل بين يدي السلطان فى بكرة نهار الخميس المذكور، فأكرمه السلطان، وأحسن إليه، وأنعم عليه بتشريف أطلس معدلى [٣] بطرززركش وكلّوته زركش، وشاش رقيم وحياصه ذهب مجوهرة على عادة نواب السلطنة الشريفة، وحضر فى خدمة السلطان فى بقية نهار الخميس إلى قلعة الجبل المحروسة، وأسكنه السلطان بالقلعة بدار كان يسكنها خاصّ ترك [٤] الناصرى، ثم رسم بتجديد عمارة دارين بقلعة الجبل وإصلاحهما، فأصلحا، وأسكنه بهما هو ومن معه من الأمراء أصحابه، ووكّل السلطان بخدمته وملازمته وقضاء حاجته الأمير سيف الدين طرغاى [٥] الجاشنكير،/ (٢٦٩) وأنعم السلطان عليه بالأموال والأقمشة والخيول، ورتب له ولمن معه الرواتب المتوفرة، فرتب له في كل يوم من اللحم ثلاثمائة وأربعين رطلا، وغير ذلك مما يحتاج إليه.
وركب في يوم الاثنين حادى عشر الشهر في الموكب بالأقبية الإسلامية [٦] والكلّوتة والشاش على عادة العساكر المصرية، وحضر إلى
стр. 13094
الخدمة السلطانية، وأجلس فى مجلس السلطان بدار العدل الشريف بالإيوان إلى جانب سيف الدين آل ملك [١] الجوكان دار دونه بلواء تلو الأمراء مقدمى الألوف [٢] .
ووصل في يوم السبت تاسع [عشر [٣]] شهر ربيع الأول الأمير شاهنشاه وهو ابن عم الأمير جوبان، وكان وصوله من جهة الرحبة، وذكر أن ابن عمه جوبان أرسله إلى خدمة السلطان يعرفه ما وقع، وذكر أنه فارقه من بلاد خراسان عند عزمه علي دخول غزنة إلى أولاد الملك كبك، ولعله فارقه قبل وصوله إلى هراة، فخلع السلطان على شاهنشاه تشريفا كنجيا أحمر، وكلّوتة زركش، وأنزله عند تمرتاش، ثم وصل طلب تمرتاش وأنقاله إلى القاهرة المحروسة فى يوم الخميس ثامن عشرين شهر ربيع الأول، فأنزلوا بدار الضّيافة، وهم نحو ستمائة فارس، فرسم السلطان بعرضهم في يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر، فعرضوا وفرّق أكثرهم على الأمراء، ورسم للأمراء أن يقوموا بكلفهم من خواصّهم من غير إقطاع، وسأل جماعة منهم العود إلي بلادهم، فأذن لهم السلطان، وزوّدهم وكتب إلى نواب الشام/ (٢٧٠) بتمكينهم من العود، فتوجه منهم نحو تسعين فارسا.
ووصل إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر رسل الملك أبى سعيد بن خربندا، وهما اثنان، فمثلا بين يدي السلطان لوقتهما، وأديا رسالتهما، وخلع عليهما، وذكرا أنهما توجها من جهة الملك قبل وصول الخبر إليه بمفارقة تمرتاش البلاد الرومية، ولحاقه بالديار المصرية، ثم مثلا بين يدى السلطان فى يوم الاثنين، وأقام بالأبواب السلطانية إلى يوم الاثنين تاسع الشهر، فأعيدا إلي مرسلهما وجهز السلطان من جهته الأمير سيف الدين أرج [مملوك قبجق] [٤] وكتب معه إلى الملك أبى سعيد يشفع فى تمرتاش
стр. 13095
ويستوهبه/ منه ويسأله إطلاق عياله وألزامه من بلاد الروم، واستمر تمرتاش فى الخدمة السلطانية، والسلطان يضاعف له الإكرام، ويصله بالإنعام الواصل والخيول، وتوجه فى خدمة السلطان إلى الصيد بجهة البحيرة [١] وعاد ثم رسم السلطان له أن يرسل فى إحضار ولده وأهله وأمواله من بلاد الروم، وكتب فى ذلك إلى الأمير ابن قرمان صاحب الجبال ورئيس التركمان، فتوجه رسوله صحبة رسول السلطان إلى القلعة التى بها ولده، فلم يوافق على الحضور، وقال: ان بينه وبين أبيه أمارة لم تصل إليه، وظهر للسلطان من تمرتاش خبث طوية، وسوء نية، فأمر عند ذلك بالقبض عليه وعلى الأعيان الذين معه، فقبض عليه وعلى الأميرين/ (٢٧١) شاهنشاه ومحمود في يوم الخميس العشرين من شعبان من السنة، واعتقل تمرتاش ببرج السباع، ومحمود وأخوه عثمان وشاهنشاه بالبرج الصغير [٢] .
ووصل رسل الملك أبى سعيد إلى الأبواب السلطانية
فى يوم الأربعاء حادي عشر شهر رمضان، وهم ثلاثة نفر، المشار إليه منهم أياجى أمير جاندار الملك أبى سعيد، ومثلوا بين يدى السلطان، وشملهم الإنعام بالتشاريف على عادة أمثالهم، وأرسلهم السلطان إلى تمرتاش فى معتقله صحبة الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، فاجتمعوا به، وتحدثوا معه، وقيل كان مضمون رسالتهم طلب تمرتاش من السلطان، وأنه إذا أسلم إليهم أرسل الملك أبو سعيد إلى السلطان فى مقابل ذلك الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى [٣] ، فمال السلطان إلى ذلك، ورسم للأمير سيف الدين أيتمش المحمدى أن يتوجه إلى الملك أبى سعيد برسالة السلطان لتقرير الحال فى ذلك، وتوجه طلبه فى يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان، ثم عدل السلطان عن هذا الأمر، وترجح عنده أنه لا يرسله إلى الملك [أبى سعيد] [٤] .