← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 13091–13130 · переход к 13096.

стр. 13091

ولما اتصل خبر مقتله بوالده الأمير جوبان أظهر الخلاف، وعزم على حرب الملك أبى سعيد، ورجع بالعساكر التى كانت معه من خراسان، وتوجه الملك أبو سعيد لقتاله بمن بقى عنده من العساكر، وتقدم كل منهما بعساكره إلى الآخر، حتى بقى بينهما منزلة أو نحوها، ففارقه أكثر من كان معه من الأمراء أولا فأولا، والتحقوا بالملك أبى سعيد، فعند ذلك رجع جوبان بمن بقى معه إلى خراسان، ففارقه من بقى معه من الأمراء إلى خدمة الملك، وبقى فى نحو ستمائة فارس من ألزامه ومماليكه، فتوجه بهم، ولم يتبعه الملك أبو سعيد، ولا جرّد خلفه عسكرا، بل رضى كل منهما من الغنيمة بالإياب، ولعله إنما ترك ذلك خشية أن يكون لحاق من كان مع جوبان من العساكر/ (٢٦٦) به مكيدة، وعزم جوبان على اللحاق بأولاد الملك كبك، والاستنصار بهم على حرب الملك أبى سعيد. فلما وصل إلى هراة [١]- من أعمال خراسان- خرج إليه نائبها، وهو أمير جرىء مقدام، له فتكات معروفة، وهو ممن أنشأه جوبان وقدمه فتلقاه وخدمه وعرض عليه الدخول إلى هراة والإقامة بها إلى انقضاء فصل الشتاء، ويتوجه بعد ذلك إلى حيث أحب، فركن إلى قوله، ووثق به، ويقال: إن ابنه حسن كره ذلك ونهى والده عنه، وذكره بغدراته، وكان قد حصل لجوبان مرض منعه من إدامة الحركة والسير، فترجح عنده الدخول إلى هراة، فدخل إليها، وفارقه ابنه حسن، والتحق بالملك أزبك صاحب صراى والبلاد الشمالية، فأكرمه أزبك، وأحسن إليه، ولما صار جوبان بهراة بادر نائبها بالقبض عليه وقتله، وكتب إلى الملك أبى سعيد بذلك. وقتل أيضا ولد لجوبان بكردستان [٢] ، ثم حمل جوبان فى تابوت، وجىء به إلى بغداد فى سابع عشرين شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وصلى عليه بالمدرسة المستنصرية، ثم حمل إلى مكة- شرفها الله تعالى- فى جملة الركب

стр. 13092

العراقى وطيف به، وحمل إلى عرفة، ثم إلى منى، وأعيد إلى مكة، وحمل منها إلى المدينة النبوية ليدفن فى تربته التى أنشأها بالمدينة، فلما اتصل ذلك بالسلطان الملك الناصر كتب إلى أمير المدينة النبوية ألا يدفن فى التربة، فدفن فى البقيع، وكان السبب فى الاحتفال به، وحمله/ (٢٦٧) إلى مكة والمدينة أن الملك تزوج ببغداد خاتون ابنة جوبان بعد مقتل والدها وأخويها، وحظيت عنده، وشغف بها، وكان يحبها قبل ذلك، وقصد زواجها، فزوجها والدها من الأمير/ الشيخ حسن بن الجتيه [١] ، فلما قتل جوبان أمره الملك أبى سعيد بطلاقها، وتزوجها وشغف بها، وتمكّنت من دولته أكثر من تمكّن أبيها على ما نذكر مما يصل إلينا إن شاء الله تعالى من أخبارها، فأمرت بحمل أبيها إلى الحجاز الشريف، هذا ما بلغنا من أخبار جوبان. وأما الأمير دمرداش [٢] بن جوبان وهو نائب الملك أبى سعيد بالمملكة الرومية، وكان قد استقل بأمرها، واستولى على أموالها وعساكرها من غير منازع له فيها ولا معارض، فإنه لما اتصل إليه خبر مقتل أخيه دمشق خواجا، وما كان من خلاف أبيه علم أنه لا يمكنه الإقامة بالمملكة الرومية، وأنه متى يفرغ وجه الملك أبى سعيد من أمر جوبان يقصده بالعساكر، فكتب إلى السلطان الملك الناصر يسأله الإذن له في اللحاق به، والانضمام إليه والالتجاء إلى حرمه، فأذن له فى ذلك، وكتب السلطان إلى نوابه بالشام بتلقيه وإكرامه. ولما ورد عليه جواب السلطان حصّن أهله وولده وأمواله بقلعة حصينة، وجعل فيها ذخائره وحصّنها بالعدد والأقوات الكثيرة، ثم ركب في عسكر الروم. وأظهر أنه يتوجه فى مهم بأمر الملك أبى سعيد، فلما كان بأثناء

стр. 13093

/ (٢٦٨) الطريق نزل بمنزلة، ولبس لأمة حربه هو ومن يعتمد عليه من ألزامه ومماليكه، وقال لمن معه من العسكر: أنا متوجه إلى الديار المصرية، فمن أحب أن يصحبنى فليعتزل العسكر، ومن أحب الرجوع إلى بلاد الروم فليرجع، ومن أحب القتال فليبرز للحرب، فما جسر أحد منهم علي قتاله، ولا أقدم على حربه، بل ترجّلوا وخدموه [١] ، ورجعوا إلى بلادهم، وتقدم هو إلى الشام فى نحو ستمائة فارس، فكان وصوله إلى دمشق فى يوم الأحد خامس عشرين صفر سنة ثمان وعشرين وسبعمائة فتلقّاه نائب السلطنة بها الأمير سيف الدين تنكز [٢] وأكرمه وجهّزه إلى الديار المصرية، فوصل إلى خدمة السلطان، والسلطان بمنزلة أوسيم من الأعمال الجيزية فى ليلة الخميس المسفرة عن سابع عشر شهر ربيع الأول، ومثل بين يدي السلطان فى بكرة نهار الخميس المذكور، فأكرمه السلطان، وأحسن إليه، وأنعم عليه بتشريف أطلس معدلى [٣] بطرززركش وكلّوته زركش، وشاش رقيم وحياصه ذهب مجوهرة على عادة نواب السلطنة الشريفة، وحضر فى خدمة السلطان فى بقية نهار الخميس إلى قلعة الجبل المحروسة، وأسكنه السلطان بالقلعة بدار كان يسكنها خاصّ ترك [٤] الناصرى، ثم رسم بتجديد عمارة دارين بقلعة الجبل وإصلاحهما، فأصلحا، وأسكنه بهما هو ومن معه من الأمراء أصحابه، ووكّل السلطان بخدمته وملازمته وقضاء حاجته الأمير سيف الدين طرغاى [٥] الجاشنكير،/ (٢٦٩) وأنعم السلطان عليه بالأموال والأقمشة والخيول، ورتب له ولمن معه الرواتب المتوفرة، فرتب له في كل يوم من اللحم ثلاثمائة وأربعين رطلا، وغير ذلك مما يحتاج إليه. وركب في يوم الاثنين حادى عشر الشهر في الموكب بالأقبية الإسلامية [٦] والكلّوتة والشاش على عادة العساكر المصرية، وحضر إلى

стр. 13094

الخدمة السلطانية، وأجلس فى مجلس السلطان بدار العدل الشريف بالإيوان إلى جانب سيف الدين آل ملك [١] الجوكان دار دونه بلواء تلو الأمراء مقدمى الألوف [٢] . ووصل في يوم السبت تاسع [عشر [٣]] شهر ربيع الأول الأمير شاهنشاه وهو ابن عم الأمير جوبان، وكان وصوله من جهة الرحبة، وذكر أن ابن عمه جوبان أرسله إلى خدمة السلطان يعرفه ما وقع، وذكر أنه فارقه من بلاد خراسان عند عزمه علي دخول غزنة إلى أولاد الملك كبك، ولعله فارقه قبل وصوله إلى هراة، فخلع السلطان على شاهنشاه تشريفا كنجيا أحمر، وكلّوتة زركش، وأنزله عند تمرتاش، ثم وصل طلب تمرتاش وأنقاله إلى القاهرة المحروسة فى يوم الخميس ثامن عشرين شهر ربيع الأول، فأنزلوا بدار الضّيافة، وهم نحو ستمائة فارس، فرسم السلطان بعرضهم في يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر، فعرضوا وفرّق أكثرهم على الأمراء، ورسم للأمراء أن يقوموا بكلفهم من خواصّهم من غير إقطاع، وسأل جماعة منهم العود إلي بلادهم، فأذن لهم السلطان، وزوّدهم وكتب إلى نواب الشام/ (٢٧٠) بتمكينهم من العود، فتوجه منهم نحو تسعين فارسا. ووصل إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأحد مستهل شهر ربيع الآخر رسل الملك أبى سعيد بن خربندا، وهما اثنان، فمثلا بين يدي السلطان لوقتهما، وأديا رسالتهما، وخلع عليهما، وذكرا أنهما توجها من جهة الملك قبل وصول الخبر إليه بمفارقة تمرتاش البلاد الرومية، ولحاقه بالديار المصرية، ثم مثلا بين يدى السلطان فى يوم الاثنين، وأقام بالأبواب السلطانية إلى يوم الاثنين تاسع الشهر، فأعيدا إلي مرسلهما وجهز السلطان من جهته الأمير سيف الدين أرج [مملوك قبجق] [٤] وكتب معه إلى الملك أبى سعيد يشفع فى تمرتاش

стр. 13095

ويستوهبه/ منه ويسأله إطلاق عياله وألزامه من بلاد الروم، واستمر تمرتاش فى الخدمة السلطانية، والسلطان يضاعف له الإكرام، ويصله بالإنعام الواصل والخيول، وتوجه فى خدمة السلطان إلى الصيد بجهة البحيرة [١] وعاد ثم رسم السلطان له أن يرسل فى إحضار ولده وأهله وأمواله من بلاد الروم، وكتب فى ذلك إلى الأمير ابن قرمان صاحب الجبال ورئيس التركمان، فتوجه رسوله صحبة رسول السلطان إلى القلعة التى بها ولده، فلم يوافق على الحضور، وقال: ان بينه وبين أبيه أمارة لم تصل إليه، وظهر للسلطان من تمرتاش خبث طوية، وسوء نية، فأمر عند ذلك بالقبض عليه وعلى الأعيان الذين معه، فقبض عليه وعلى الأميرين/ (٢٧١) شاهنشاه ومحمود في يوم الخميس العشرين من شعبان من السنة، واعتقل تمرتاش ببرج السباع، ومحمود وأخوه عثمان وشاهنشاه بالبرج الصغير [٢] . ووصل رسل الملك أبى سعيد إلى الأبواب السلطانية فى يوم الأربعاء حادي عشر شهر رمضان، وهم ثلاثة نفر، المشار إليه منهم أياجى أمير جاندار الملك أبى سعيد، ومثلوا بين يدى السلطان، وشملهم الإنعام بالتشاريف على عادة أمثالهم، وأرسلهم السلطان إلى تمرتاش فى معتقله صحبة الأمير سيف الدين قجليس أمير سلاح، فاجتمعوا به، وتحدثوا معه، وقيل كان مضمون رسالتهم طلب تمرتاش من السلطان، وأنه إذا أسلم إليهم أرسل الملك أبو سعيد إلى السلطان فى مقابل ذلك الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى [٣] ، فمال السلطان إلى ذلك، ورسم للأمير سيف الدين أيتمش المحمدى أن يتوجه إلى الملك أبى سعيد برسالة السلطان لتقرير الحال فى ذلك، وتوجه طلبه فى يوم الاثنين سادس عشر شهر رمضان، ثم عدل السلطان عن هذا الأمر، وترجح عنده أنه لا يرسله إلى الملك [أبى سعيد] [٤] .

стр. 13096

فلما كان فى ليلة الخميس رابع شوال من هذه السنة أخرج تمرتاش من معتقله بالبرج، وفتح باب السّرّ [١] من جهة القرافة، وأخرج منه وهو مقيد مغلول [وقد جمعت يداه إلى عنقه] [٢] وطلب رسل الملك أبى سعيد، وشاهدوه على هذه الحال، ثم خنق وشاهدوه بعد موته، وقطع رأسه وسلخ وصبّر وحشى وأرسل السلطان الرأس إلى أبى سعيد، ودفن/ (٢٧٢) الجسد بمكان قتله، وحضر الرسل إلى الخدمة السلطانية فى يوم الخميس رابع شوال، وركبوا فى خدمة السلطان فى يوم السبت إلى الميدان، ثم حضروا إلى الخدمة فى يوم الاثنين ثامن شوال، وشملهم بالخلع والإنعام، وأعيدوا إلى مرسلهم فى هذا اليوم، وتوجه أيضا الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى برسالة السلطان إلى الملك أبى سعيد. هذا ما كان من أخبار تمرتاش علي سبيل الاختصار، والله تعالى أعلم بالصواب [٣] . فلنرجع إلى سياقة الحوادث فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وفي هذه السنة [توجه السلطان أيضا] [٤] إلى الصيد بالوجه البحرى فى يوم الثلاثاء عاشر شهر ربيع الآخر، وتصيد بجهة البحيرة [٥] وغيرها، وعاد إلى قلعة الجبل فى الثانية من نهار الخميس سادس عشرين الشهر، وهى السفرة التى كان تمرتاش معه فيها. ذكر وصول الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة بالشام المحروس إلى الأبواب السلطانية وعوده وفى يوم الأحد الرابع والعشرين من شهر جمادى [٦] الآخرة وصل الأمير سيف الدين تنكز نائب السلطنة الشريفة بالشام المحروس إلى الأبواب

стр. 13097

السلطانية وشمله التشريف والإنعام والزيادة/ (٢٧٣ فى إقطاعه ثم رسم بعوده إلى الشام، فعاد وتوجه فى عوده لزيارة الخليل صلوات الله عليه، والبيت المقدس، وشاهد العين التى أجريت إلى القدس الشريف، وكان قد جرّد إليها من دمشق فى شوال سنة سبع وعشرين وسبعمائة الأمير سيف الدين قطلوبك بن الجاشنكير فتوجه ولازم العمل، واجتهد فيه، ووجد آثار قنى [١] قديمة قد سدت، وقلفطت [٢] ، فيسر الله تعالى فتحها، ووصل الماء إلى القدس/ فى شهر ربيع الأول من هذه السنة، ولما شاهد نائب السلطنة [المذكور] [٣] العين رسم بعمارة حمام على فائض الماء [٤] . ذكر وفاة قاضى القضاة شمس الدين بن الحريرى الحنفى وتفويض القضاء بعده إلى القاضى برهان الدين إبراهيم بن عبد الحق وفى يوم السبت خامس جمادى الآخرة بعد أذان العصر توفى القاضى شمس الدين محمد بن صفى الدين عثمان بن زكىّ الدين أبى الحسن بن عبد الوهاب الأنصارى الحنفى المعروف بابن الحريرى [٥] قاضى الحنفية بالديار المصرية، وكانت وفاته بالمدرسة الصالحية [٦] النجمية بالقاهرة المحروسة، وكان قد مرض وطالت مرضته، فركب فى أثناء مرضه مرارا إلى المدارس لإلقاء الدروس، وحضر دار العدل الشريف، ثم عاوده المرض غير مرة، وتمادت العلة به حتى مات، رحمه الله تعالى [٧] ودفن فى يوم الأحد بالقرافة الصغرى بتربته التى أنشأها، ومولده فى عاشر صفر سنة ثلاث وخمسين وستمائة، وخلّف تركة طائلة، وكان رحمه الله تعالى قاضيا عالما بمذهبه، شديدا فى أحكامه، غير متحاش من أرباب الدولة من الأمراء وغيرهم.

стр. 13098

ولما توفي رحمه الله تعالى تحدّث مع السلطان فى ولاية القضاء، واعتنى عنده بقوم، ثم وقع الاختيار على القاضى برهان الدين [إبراهيم] المذكور بن القاضى كمال الدين أبى الحسن على بن القاضى بهاء الدين أحمد ابن الشيخ زين الدين على بن عبد الحق [١] ، فرسم بطلبه من دمشق، وكتب لنائب السلطنة بها، وتوجه البريد بذلك فى يوم الثلاثاء ثالث الشهر، وكان وصوله إلى القاهرة المحروسة فى يوم السبت السادس والعشرين من جمادى الآخرة، ومثل بين يدى السلطان، وفوض إليه القضاء، وما كان بيد القاضى شمس الدين الحريرى من المدارس والأوقاف، وخلع عليه وأنعم عليه ببغلة، وأنزل إلى المدرسة الصالحية بالقاهرة، وحكم فى بقية يومه، وجلس بدار العدل فى يوم الاثنين الثامن والعشرين من الشهر، وأجلس دون قاضى القضاة تقى الدين بن الأخنائى [٢] المالكى على العادة القديمة. ذكر عود رسل السلطان من جهة الملك أزبك ووصول رسله، وعودهم إلى مرسلهم وفى يوم السبت العاشر من شهر رجب عاد الأمير سيف الدين أطوجى [٣] ورفيقه من جهة الملك أزبك صاحب صراى [٤] والبلاد الشمالية، وصحبته رسل الملك أزبك، فمثلوا بين يدى السلطان، وأحضروا ما معهم من الهدايا والتقادم، وأدوا الرسالة، فشملهم الأنعام والخلع على عادة أمثالهم، وأنزلوا بالميدان، وتكرر حضورهم بين يدي السلطان، ثم أحضروا فى يوم الخميس حادى عشر شوال من السنة إلى مجلس السلطان، وعاد وخلع عليهم تشاريف طردوحش مذهّب، ورسم بعودهم إلى مرسلهم، فتوجهوا إلي ثغر الإسكندرية فى

стр. 13099

يوم السبت العشرين من الشهر، وتوجه من جهة السلطان الأمير سيف الدين أطارس أنان [١] أحد أمراء العشرات، وصحبته عمه تيلق [٢] . وفيها فى يوم الأحد الخامس والعشرين من شهر رجب الفرد عقد نكاح الأمير سيف الدين طغيتمر [٣] العمرى الناصرى أحد الأمراء المماليك السلطانية مقدمي الألوف علي إحدى بنات السلطان، ورسم السلطان بإعفاء الأمراء من التقادم، وحمل الشمع، وأنعم على الأمير المشار إليه من مال السلطان بأربعة آلاف دينار عوضا عما كان يصل إليه من تقادم الأمراء. ذكر مقتل الأمير بدر الدين كبيش أمير المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام وتولية أخيه طفيل وفى يوم السبت مستهل شعبان من هذه السنة وثب أولاد الأمير ودىّ بن منصور بن جمّاز بن شيحه على الأمير بدر الدين كبيش أمير المدينة النبوية فقتلوه خارج المدينة، ووصل الخبر بذلك إلى الأبواب السلطانية فى أواخر الشهر، ففوّض السلطان الإمرة لأخيه الأمير سيف الدين طفيل، وكان قد حضر إلى الأبواب السلطانية، فخلع عليه، وتوجه إلى المدينة النبوية. وفيها فى شهر رمضان فوّض السلطان قضاء المدينة النبوية- على ساكنها أفضل الصلاة والسلام- والخطابة بها لصاحبنا وأخينا فى الله تعالى القاضى شرف الدين محمد بن القاضى عز الدين محمد بن الشيخ كمال الدين أحمد بن الشيخ جمال/ الدين إبراهيم بن يحيى بن أبى المجد اللّخمى المعروف جد أبيه جمال الدين بالأسيوطى، ولى القضاء عوضا عن شرف الدين يعقوب المدنى، والخطابة عوضا عن القاضى بهاء الدين موسى بن سلامة، وخلع عليه، ورسم له بمال، يوفى منه ما عليه من الدين، ويتجهز ببقيته، وكانت ديونه تزيد على سبعة آلاف درهم، وتجهز أحسن جهاز، وتوجه صحبة الركب فى شوال، كتب الله سلامته، وأعانه على ما ولاه.

стр. 13100

ذكر ما قرر من استيمار [١] الدولة الناصرية ومن رتب من المباشرين وفى هذه السنة فى شوال منها حسن (جماعة) [٢] للسلطان أن يوفّر من جامكية مباشرى الدولة الشريفة، ومباشرى المعاملات بالقاهرة ومصر والأعمال البرانية وأرباب الوظائف جملة، ومنهم من وفّر. فلما كان فى يوم الأحد رابع عشر شوال قرىء الاستيمار على السلطان وتعين من توفر، ثم أحضر مباشرى الدولة فى يوم الاثنين، وتجدد الحديث فى ذلك، فلما انفصلوا من بين يديه رسم بطلب الصاحب أمين الدين عبد الله [٣] ، فطلب من داره فحضر ومثل بين يدى السلطان بعد العصر، وخلع عليه وعلى القاضى مجد الدين بن لفيتة [٤] بغير طرحات [٥] ، ورتّبهما السلطان فى نظر النظار والصحبة، ونقل القاضى شمس الدين بن قروينة ناظر الدواوين إلى نظر البيوت [٦] السلطانية، وخلع عليه أيضا معهما، وباشر الصاحب أمين الدين النظر وكشف الرواتب، وأوقف أربابها إلا بعد العرض على من ندب لذلك، ومن عرض شطب اسمه، وكتب إلى سائر الممالك الشامية الساحلية بأوقاف أرباب الرواتب المقيمين بالديار المصرية المرتّبين على الشام، ولا يصرف لأحد منهم شىء إلا بتوقيع جديد لاستقبال شوال من السنة، وشدد فى ذلك، فاجتمعت به، وسألته عن هذا الحال ومقصده فيه، فحلف لى بالله أنه لا غرض له فى قطع مستحق، وأن غرضه فى الكشف، والعرض أن جماعة من أرباب الرواتب درجوا

стр. 13101

بالوفاة، وتسمى غيرهم بأسمائهم، وقبض مرتبهم ممن للكتّاب بهم عناية، وأن ذلك لا يتميز له إلا بالعرض والكشف، ثم كتب قصّة [١] بعد ذلك إلى السلطان يطلب فيها الإعفاء من المباشرة، فلم يجب إلى ذلك، فكتب قصّة ثانية، فأجيب إلى سؤله، وأعفى من المباشرة بعد العصر من يوم الأربعاء تاسع عشرين ذى القعدة، وهو سلخة، فكانت مدة مباشرته أربعة وأربعين يوما تحريرا. وفيها فى يوم الاثنين تاسع شوال عقد نكاح الأمير سيف الدين منكلى بغا السلاح دار الناصرى على الخوند دلنبيه [٢] زوج السلطان- كانت- وهى التى وصلت من بلاد أزبك وهى من البيت الجنكيزخانى، وكان السلطان قد أبانها بالطلاق، وبنى الأمير سيف الدين بها فى ليلة الخميس ثانى ذى القعدة. ذكر الإفراج عمن يذكر من الأمراء والمعتقلين وفى هذه السنة فى يوم الخميس ثامن ذى الحجة أمر السلطان بالإفراج عن الأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المنصورى المعروف بزيرباج [٣] وقد ذكرنا اعتقاله فى يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الآخر لسنة اثنتى عشرة وسبعمائة، فكانت مدة اعتقاله ست عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، وأفرج أيضا فى هذا اليوم عن الأمير جمال الدين فرج بن الأمير شمس الدين قراسنقر المنصورى [٤] وأفرج فى يوم الجمعة- يوم عرفة- عن الأمير علم الدين سنجر الجاولى، وقد ذكرنا أنه كان قبض عليه فى يوم الجمعة ثامن عشرين شعبان سنة عشرين وسبعمائة، فكانت مدة اعتقاله ثمانى سنين وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما [٥] .

стр. 13102

وفيها فى يوم الاثنين ثانى عشر ذى الحجة توجه السلطان إلى الصيد بجهة سرياقوس، وتصيد بتلك الجهة، وعاد إلى قلعة الجبل عشية نهار الجمعة سادس عشر الشهر، فأقام بقلعة الجبل إلى آخر يوم الأربعاء الثامن والعشرين من الشهر، وتوجه فى بكرة نهار الخميس تاسع عشرين الشهر إلى الصيد بجهة سرياقوس. وفيها فى آخر نهار/ الثلاثاء السابع والعشرين من ذى الحجة وصل إلى الأبواب السلطانية من الحجاز الشريف- ممن وقف بعرفة فى هذه السنة- سيف الدين ألناق السيفى أحد مماليك الأمير سيف الدين الحاج آل ملك الجوكندار ورفيقه أحد مماليك الأمير سيف الدين طقزدمر العمادى [١] ومثلا بين يدي السلطان فى بكرة نهار الأربعاء، وشملهما الإنعام والتشاريف على عادة أمثالهما، وأخبرنى سيف الدين ألناق المذكور أن الوقفة بعرفة كانت يوم الجمعة من غير شك فى ذلك، وأن الحاج فى خير ورخاء، وأن المياه كانت كثيرة متيسرة ولله الحمد على ذلك، وسألته عن يوم مفارقته الحاج، فذكر أنه ركب من مكة شرفها الله تعالى بعد المغرب من نهار الاثنين ثانى عشر الشهر، فمدة سفره خمسة عشر يوما وتسع ساعات، وقد ذكرنا فى سنة إحدى وعشرين وسبعمائة وصول أوجى مملوك قجليس وطرنطاى الكريمى فى اثنى عشر يوما وتسع ساعات. ذكر متجددات كانت بدمشق فى هذه السنة من ذلك كانت عمارة الحائط القبلى بالجامع الأموى، وذلك أنه فى أول شهر ربيع الأول فكّ الرخام الذى بالجدار القبلى من الجهة الغربية ليصلح ويعاد، فظهر فى الحائط عند كشفه ميل ظاهر، فأخر إصلاحه إلى أن عاد نائب السلطنة من الديار المصرية، فطولع بذلك، فحضر فى يوم الجمعة سابع عشر ربيع الآخر إلى الجامع، وصحبته قاضى القضاة علاء الدين وغيره، وأحضر المهندسين، وعمل تقدير ما يحتاج إليه لنقضه وإعادته، فكان مائة ألف درهم، فطولع السلطان بذلك، فورد المثال السلطانى بهدمه وإعادته فى يوم الخميس رابع عشر جمادى الأولى، فهدم الحائط بعد صلاة الجمعة، فنقض منه ثمانية

стр. 13103

معازب وعشرة أوتار جسورة [١] ، وانتهوا إلى نقض الحجارة فى يوم الجمعة ثالث جمادى الآخرة، وحضر نائب السلطنة، وشاهدها قبل نقضها، فنقضت، وهى حجارة كبار تشبه عمارة [٢] القلاع، وانتهوا إلى الأساس فى يوم الجمعة سابع عشر الشهر، وحصل الشروع فى البنيان فى يوم الأحد تاسع عشر الشهر، وانتهت عمارة الحائط فى خمسة وعشرين يوما. وجدّد فى الحائط محراب يشبه المحراب المعروف بمحراب الصحابة الذى فى الجهة الشرقية بين باب الزيارة وباب الخطابة، واستقر أن يصلّى فيه أمام الحنفية، وكملت العمارة وإعادة السقف وغيره فى يوم الخميس الثانى والعشرين من شهر رجب، وخلع على ناظر الجامع والمشد والمغاربة فى هذا اليوم، وفرش الجامع على عادته فى يوم الجمعة ثالث عشرين شهر رجب، وصرف علي عمارته- فيما قيل- نحو خمسين ألف درهم، ووجد سلّم عظيم لصومعة مبنى بالحجارة المنحوتة، فنقض السلم، وحملت حجارته على العتّالين إلى هذا الحائط، فعمّر [٢] به، وأعان ذلك إعانة كبيرة، ولولا ذلك لاحتاج إلى كلفة عظيمة، ورخّم الحائط، فكان الفراغ من ترخيمه فى يوم الخميس سادس عشرين صفر سنة تسع وعشرين، وصلّى تحت الحائط بعد ترخيمه فى يوم الجمعة سابع عشرين الشهر، وفتح باب الزيارة- وكان قد أغلق بسبب العمارة- واستقر فى أمر الأئمة وترتيبهم فى الصلاة فى صلاة العصر من يوم الجمعة ثالث عشرين شهر رجب من هذه السنة ما نذكره، فصلى إمام الكلّاسة [٣] أولا على عادته، وصلى بعده إمام مشهد على بن زين العابدين بن الحسين بن على رضى الله عنه، وصلى الخطيب بعدهما، وهو إمام الشافعية، وصلى بعده إمام الحنفية فى المحراب المستجد، ثم إمام المالكية نقل إلى محراب الصحابة، وبعده إمام الحنابلة صلى بالمحراب الذى كان المالكى يصلي فيه غربى الجامع بمقصورة الخطابة، ووسع المحراب المذكور، ورفع عنه العمارة، وصلى بعده إمام مشهد أبى بكر الصديق رضى الله عنه، وبعده إمام

стр. 13104

مشهد ابن عروة، ونقل الإمام الذى كان يصلى بمحراب الصحابة إلى محراب الكلّاسة القديم بالمعلوم الذى كان له بمحراب الصحابة، واستقرت الحال على ذلك. وفيها فى أول ليلة السبت خامس جمادى الأولى وقع حريق عظيم بسوق الفرّانين بدمشق، كان مبدأه من دكان قطّان فى طريق قيسارية الفرش، وامتد إلى سوق الفرّانين وإلى القيسارية المستجدة وقيسارية البيمارستان وبعض حوانيت سوق على، وعجز الناس عن طفيه، واستمرت النار إلى يوم الأحد، ثم طفى. وفيها أمر نائب السلطنة بدمشق بعمارة المدارس بها، ومنع من التصرف فى شىء من ريع الأوقاف إلى أن تكمل عمارتها، ففعل ذلك، ورسم بتقرير مال يجبي لعمارة قنى بدمشق، فقرر لذلك نحو ثلاثمائة ألف درهم، وندب لعمارة القنى ناصر الدين النّجيبى، فعمر منها في هذه السنة إلى آخر سنة تسع وعشرين إحدى وعشرين قناة، وبقى نحو أربع قنى تعمر إن شاء الله فى سنة ثلاثين وسبعمائة. / وفيها فى يوم الاثنين تاسع عشر جمادى الآخرة ورد مرسوم شريف سلطانى إلى دمشق بمنع الشيخ تقى الدين أحمد بن تيمية من الكتابة مطلقا فى التصنيف والفتيا، فأخذ ما عنده من الكتب والأوراق والدواة والأقلام وأودع ذلك عند متولى قلعة دمشق، فكان عنده إلى مستهل شهر رجب، ثم أرسل المتولى ذلك إلى قاضى القضاة علاء الدين، فجعل الكتب فى خزانة المدرسة العادلية، لأنها كانت عارية [١] ، وأما الأوراق التى كانت بخطه من تصانيفه فكانت نحو أربع عشرة ربطة، فنظر القضاة والفقهاء فيها، وفرّقت بينهم.

стр. 13105

وكان سبب ذلك أنه وجد له جواب عما ردّه عليه قاضى القضاة تقى الدين المالكى، فأعلم السلطان بذلك، فاستشار قاضى القضاة، فأشار بذلك، فرسم به، فحينئذ عدل الشيخ عن ذلك إلى تلاوة القرآن. وفيها فى يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادى الآخرة رسم القاضى الصدر علاء الدين على بن الصدر المرحوم شرف الدين محمد بن محمد التميمى القلانسىّ [١]- أحد كتاب الإنشاء بدمشق المحروسة- أن يجلس بين يدي نائب السلطنة يوقع على القصص المرفوعة، عوضا عن أخيه جمال الدين القاضى، بما كان له من المعلوم على وظيفة الكتابة، وأن يستقر ما كان باسم القاضى جمال الدين من المعلوم عن الوظيفة المذكورة له على قضاء العسكر الشامى، وخلع عليهما بسبب ذلك، والله أعلم. ذكر حادثة السيل بعجلون [٢] وفى هذه السنة في يوم الأربعاء ثامن عشرين ذي القعدة كانت حادثة السيل بمدينة عجلون، وورد محضر بذلك إلى دمشق نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذى يرسل آياته تخويفا للعباد، ويريهم باهرات قدرته ليسلكوا سبل الرشاد، ويظهر لهم جبروته فى ملكوته، ليحسنوا لأنفسهم الارتياد، ويعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله لا يخلف الميعاد، ثم يدركهم برأفته ورحمته، ويكشف ما نزل بهم من المعضلات الشداد، ولما كان فى يوم الأربعاء ثانى عشرين ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة أرسل الله تعالى بقدرته ومشيئته بمدينة عجلون ريحا عاصفا، فأثارت سحابا ثقالا هطلت بماء منهمر يدوّى وريح زعزع، فلم تزل

стр. 13106

الأمطار متواترة الهطل والبروق تلمع، وأصداء الجبال والأودية بأصوات الرّعود للقلوب تصدع، حتى ظن أهلها أنها قد أزفت الآزفة، فارتفعت الأصوات بأن ليس لها من دون الله كاشفة، ولفت الرءوس، ووجلت القلوب، وذرفت العيون، وطاشت الألباب، وخضعت الرقاب، ومدت الأيدى بالدعاء لمن بيده أمر الأرض والسماء، وعاينوا فى ذلك اليوم هولا عظيما، وأشفقوا أن يكون أرسل الله عليهم عذابا أليما، فبينما الناس على ذلك الحال ذاهلين، يقولون رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [١] إذ دهمهم سيل عظيم ماؤه، طام عبابه هام سحابه، له دوى شديد، قد اجتمع من عيون الجبال وبطون الأودية وقرار الوهاد، فالتقى الماء على أودية بأمر قد قدر، إن فى ذلك لآية فهل من مدّكر [٢] ، فارتفع العويل، وسكبت العبرات، واشتد الخوف، وتضاعفت الحسرات، وفر كل واحد من الناس يطلب النجاة لنفسه، واحتسب عند الله جميع ماله وعقاره وغرسه، فأخذ هذا السيل العظيم ما كان فى ممرّه من الدور والقياسير والأسواق، ودخل الطواحين والبساتين، وأخذ جانبا من حارة المشارقة المجاورة للوادى، وأخذ العرصة وسوق الأدميّين، وسوق القطانين، وبعض دار الطعن وسوق الأقباعين، وسوق الخليع، وقيسارية التجار المعروفة بإنشاء الأمير سيف الدين بكتمر، والقيسارية القديمة، وأخذ من قيسارية ملك الأمراء الموقوفة على البيمارستان بصفد عشرين حانوتا، وضعضع بقية الجدر، وهدم الأبواب وهدم سوق الصاغة، وهدم سوق النامية، الذى بقرب العين، وهدم وقف الجامع، وسوق السقطيين، وأما السوق المعروف بإنشاء الأمير علاء الدين بن معبد وسوق اللحامين وحوانيت الخبّازين فإنه أخذه، وأخذ السوق المعروف بإنشاء الأمير سيف الدين النائب كان بقلعة عجلون، والحوانيت المعروفة بوقف القاضى فخر الدين ناظر الجيوش المنصورة بالديار المصرية الموقوفة على مدرسته بنابلس وأخذ المدرسة النفيسيّة [٣]

стр. 13107

وهدم رواق الجامع القبلى وباب الجامع الشرقى، وهدم جانبا من الحمام الصالحى/ المعروف بأمير موسى، وبعض الحمام السلطانى، وأخذ ظهارة [١] الجامع والمربعة والمسلخ المعروف بابن معبد، وأخذ ما كان فى مجراه من الجسور والقناطر والأقباء [٢] التى كان يجوز الناس عليها عندما تمدّ الأودية وعدم من عجلون تقدير عشرة أبقار، وهذه قدرة الملك الجبار، فاعتبروا يا أولى الأبصار، وكان مدة تواتر الأمطار والسيل من أول ساعة من النهار المذكور إلى وقت العصر، وفى ذيل المشروح خط جماعة من الشهود. هذا ما أورده الشيخ شمس الدين الجزرى فى تاريخه. ونقل الشيخ علم الدين بن البرزالى فى تاريخه نسخة الكتاب الوارد من عجلون فقال: الحمد لله المحمود فى السراء والضراء، المشكور على الشدة والرخاء الذى يخوّف عباده بما شاء من معضلات اللأواء، ويريهم باهرات قدرته فى ملكوت الأرض والسماء، ثم يعود عليهم برحمته، ويجللهم بسوابغ النعماء، أحمده حمدا يزيد على الإحصاء، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ذو العظمة والكبرياء، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله خاتم الأنبياء، ومبلغ الأنباء صلى الله عليه وعلى آله الأمناء، وأصحابه الأتقياء، صلاة دائمة بلا نفاد ولا انقضاء، وبعد: فإنه لما كان بتاريخ نهار بكرة الأربعاء ثانى عشرين ذى القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة أرسل الله تعالى بقدرته ريحا عاصفة، فأثارت سحبا واكفة [٣] فى خلالها بروق خاطفة، ليس لما جاءت به من دون الله كاشفة فطبقت الوهاد، وجللت الآكام، وأطبقت على مدينة عجلون وما قاربها من أرض الشام، ثم أرخت عزاليها [٤] كأفواه القرب، حتى خيّل لمن رآها أن الوعد الحق قد اقترب، فلم يكن إلا كحلب شاة من الضأن، أو ما قارب ذلك من الزمان،

стр. 13108

حتى صارت مدينة عجلون كما قال الله تعالى فى كتابه المكنون: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ. وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ [١] فوجلت القلوب لهول ذلك وتصدعت، وكادت الحوامل أن تضع حملها وتذهل كل مرضعة عما أرضعت [٢] ، واندهش أهل البلد عند معاينة هذا الهول الكبير، واختلفت همومهم، فكل إلى ما اشتمل عليه قلبه يشير، فمن باك على ما فى يده من متاع الدنيا الحقير، ومن مشفق خائف على ولده الصغير، ومن غريق عدم نفسه النفيسة، ما له من ملجأ يومئذ وما له من نكير، ومن ناج يقول: أشهد أن الله هو الحق وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شىء قدير، ومن ضارع إلى من ليس كمثله شىء وهو السميع البصير، ومن قائل: رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [٣] ولسان الحال يتلو قوله تعالى: وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [٤] ولم تزل الأمطار متواترة، والسيول من كل فج متواترة، حتى تحير من حضر ذلك من الإنس والجان، وشغلوا بما عاينوه عن الأموال والأولاد والإخوان، وظنوا أنهم أحيط بهم، وجاءهم الموج من كل مكان، فتلاقى على البلد واديان: أحدهما من شمالها يسمى الجود والآخر من شرقها يسمى جنان [٥] ، فأخرب وادى الجود بهذه الآية الخارقة جانبا من حارة المشارقة، ودمّر وادى جنان ما كان على جانبه من البنيان، ثم اختلطا فرأى الناس منهما ما لا يطاق، وأخربا ما مرا عليه من رباع وقياسير وأسواق، فأخربا العرصة والمصبغة والفرانين والعلافين، وحوانيت الدق وسوق الأدميين وسوق البر العتيق والأقباعية والقطانين، وحوانيت الصاغة وما يليها من البساتين، وردم أمام دار الطعم [٦]- بعد إخراب بعضها- أحجارا وصخورا، وكل ذلك ليتّعظ أهل المكر وما يزيدهم إلا

стр. 13109

نفورا، وذهب هذا السيل العظيم الطامى بجميع سوق الخليع لبكتمر الحسامى، وأخرب من قيسارية ملك الأمراء للتجار نحو عشرين حانوتا، وذهب بكل ما فيها من ثمين، ثم ردم باقيها على ما فيه بالأخشاب والأحجار والطين، حتى رجعت قيمة ما سلم من المائة إلى العشرين، وأخرب ما جاوز بحر المدينة من سوق أم معبد واللّحّامين، ومن وقف السقطيين والحضريين وحوانيت العجز وسوق الأمير ركن الدين ثم دمر فى وقف الجامع على ما فيه من الأمتعة والبضائع، ثم ردم العين بالأحجار والخشب والصخور، حتى خشى عليها أهل البلد أن تفور، ثم أخرب حوانيت الطبّاخين وجانبا من حمام الأمير موسى، وكان ذلك على من لم يرض بقضاء الله يوما منحوسا ثم أخرب الدباغة وجانبا من حمام السلطان وما يلى ذلك من المطهرة [١] ومسلخ [٢] المعز والضان، وأعظم من ذلك إخرابه المدرسة النفيسية والرواق القبلى من المسجد الجامع، وفى ذلك ما يحرق قلب كل منيب وخاشع، وردم داخل الجامع بغثاء السيل والطين والأخشاب، فاعتبروا يا أولى الألباب/ وبلغ الماء فى داخل الجامع إلى القناديل المعلقة، وذلك بتقدير من يعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة، ولم يقرب شيئا من غالب ما ذكر إلا أتى على ما فيه من الأمتعة والبضائع والأموال، حتى أتيح لكثير من أرباب ذلك أن يمد يده للسؤال، وكان مدة استدامته من بكرة النهار إلى وقت العصر، وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي، وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ، وكان عرض السيل قدر رمية بحجر، وارتفاعه على بسيط الأرض قدر قامتين أو أكثر، وقدّر ما ذهب فيه من الأمتعة والبضائع والأموال وقيمة الأملاك بهذا القضاء المبرم، فكان ذلك يزيد على خمسمائة ألف درهم، وذلك خارج عن الغلات والمواشى والبساتين والطواحين ظاهر مدينة عجلون. إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [٣] ومن جملة لطف الله تعالى مجيؤه بالنهار، فحذر الناس منه، فلم يعلم فى البلد غريق إلا

стр. 13110

سبعة أنفار [١] ولو كان- والعياذ بالله- ليلا لزادوا على الإحصاء فى المقدار إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ* [٢] ، وليس الخبر فى جميع ما ذكرنا كالعيان، ونعوذ بالله من الزيادة والنقصان. وفى هذه السنة فى يوم الخميس سادس عشر صفر توفى الشيخ الصالح المعروف بقوام الدين عبد المجيد بن أسعد بن محمد الشيرازى شيخ الخانقاة بالجامع الناصرى بساحل مصر المحروس، ومولده- كما أخبرنى- رحمه الله تعالى- فى تاسع عشر صفر سنة ثمان وثلاثين وستمائة بشيراز، وكان عمره تسعين سنة إلا ثلاثة أيام. سمع من الشخ عز الدين الفاروثى، وله إجازة بخطه شاهدتها، وقد جعل فيها لكل من جعل خطه تحت خطه فيها أن يروى عن الشيخ عز الدين المذكور ما يجوز له روايته، وكتبت خطّى تحت تلك الإجازة، فصار لى بهذا الاعتبار أن أروى عن الشيخ عز الدين الفاروثى بالإجازة. وتوفى الأمير الكبير سيف الدين جوبان [٣] المنصورى أحد الأمراء الأكابر مقدمى الألوف بدمشق وكانت وفاته فى ليلة الثلاثاء العشرين من صفر بداره بظاهر دمشق، ودفن بتربته بالمزّة [٤] ، وأنعم بإقطاعه على الأمير شهاب الدين قرطاى الصالحى العلائى، عوضا عما كان بيده من الاقطاع. وتوفى فى النصف من يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من صفر القاضى موفق الدين عبد الرحيم بن الأسعد بن المعتمد، وهو من مسالمة [٥] القبط، وكان فى

стр. 13111

ابتداء أمره يتولى عمالة قليوب، ثم تنقل فى المباشرات إلى أن ولى استيفاء ديوان الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة كان، وحصل أموالا جليلة، ثم ولى استيفاء النظر بالباب السلطانى، وانتقل منه إلى نظر الدواوين، إلى أن عزل فى سنة أربع وعشرين وسبعمائة- كما ذكرنا- ولزم داره، ورتب له من الصدقات السلطانية فى كل شهر ثلاثمائة درهم، إلى أن مات فى التاريخ المذكور، وكانت وفاته بداره بشاطىء النيل بمصر بقرب صناعة الإنشاء، ومولده فى سنة أربع وخمسين وستمائة. وفيها فى ليلة الاثنين رابع عشر جمادى الأولى توفى الشيخ الإمام العالم الصالح الورع السيد الشريف تقى الدين أبو الفتوح محمد بن الشيخ [١] ضياء الدين جعفر بن الشيخ محمد بن الشيخ القطب عبد الرحيم بن أحمد بن [أحمد] ابن حجّون الحسنى الشافعى شيخ خانقاة الأمير بهاء الدين أرسلان الدّوادار بمنشاة المهرانى [٢] ، وصلّى عليه بكرة النهار، ودفن بالقرافة، وكان رحمه الله تعالى حسن الصحبة والعشرة والمودة، وله نثر جيد، ومولده فى سنة خمس وأربعين وستمائة تقريبا. وتوفى فى يوم الأربعاء الثانى والعشرين من جمادى الآخرة الشيخ كمال الدين [] [٣] الغمارى المغربى، وكان رجلا منقطعا، لا يتردد إلى أحد، حسن اللباس والمأكل، يأكل غالبا خبز الشعير، ويطعم أهله ما يختارونه من الأطعمة وكان من فقهاء المالكية، وكنت أعهد له كشفا، اجتمعت به فى سنة سبعمائة وهو يوم ذاك بالمدرسة الشريفية [٤] بالقاهرة، وكاشفنى فى قضية

стр. 13112

تتعلق بى، فوقعت كما قال، ثم ذكر لى بعد ذلك قضية أخرى تتفق بى، فاتفق بعضها كما قال، وتأخر بعضها، فاجتمعت به بعد ذلك فى سنة ست وسبعمائة، وسألته عن حاله وما كنت أعهده فيه من الكشف، فأجاب: قد زال ما كنت تعهده منذ استقليت بهذه النّميلة- يشير إلى ابنته فاطمة- وكان قد رزقها، وكانت من الذكاء على أمر عظيم لم يشاهد مثله من سرعة الحفظ، وجودة الاتقان مع صغر السن. أحضرت إلى مجلس شيخنا شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدّمياطى [١] رحمه الله تعالى/ لتسمع عليه جزءا من مسموعاته، فامتنع أن يكتب اسمها إلا حضورا، وقال: هذه صغيرة السن عن السماع، فلقّنها معلمها سرى الدين أبو القاسم الزيدى الحديث الذى كانت تريد أن تسمعه، فحفظته بسنده، وأحضرها إلى الشيخ فجلست بين يديه، وعمرها يوم ذاك أربع سنين أو نحوها، فقالت مخاطبة الشيخ: حدثك- رضى الله عنك الشيخ فلان- وسردت السند إلى رسول الله ﷺ ، والحديث إلى آخره من حفظها فبهت الشيخ من ذلك، واستعظمه منها، وكساها فوطة حرير، وكتب اسمها سماعا، أخبرنى بذلك معلمها سرى الدين المذكور، وكان صدوقا ﵀، ثم اشتغلت بعد ذلك وقرأت الكتاب العزيز بالسبع، وأتقنت قراءته واشتغلت بالفقه والعربية والأصول وغير ذلك من العلوم، وكتبت الخط الجيد المنسوب عدة أقلام، فكانت تكتب الدّروج المشتملة على عدة أقلام كتابة جيدة، وتكتب فى آخرها: «كتبته فاطمة الغمارية» واشتغل والدها بأشغالها اشتغالا كثيرا، فلذلك قال لى ما قال، وأصيب بها، وكان رحمه الله تعالى صعب الخلق شديد الحرج كبير الحدّة ما اجتمع به أحد من الأمراء والأعيان والأكابر وفارقه عن رضى، وكان يسب من يجتمع به ويتركه أقبح سب عن غير تحاش، ولعل ما حصل له من سوء الخلق نتج عن خشونة مأكله، رحمه الله تعالى وسامحه. وتوفى فى ليلة الأربعاء سابع شهر رجب القاضى كمال الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن أبى [٢] بكر بن محمد بن محمود الحلبى البسطامى الحنفى

стр. 13113

[ناب فى الحكم ودرّس] [١] بالمدرسة الفارقانية بالقاهرة، ودفن من الغد بالقرافة، وكان قد مرض من مدة، وطالت مرضته وعجز عن الحركة وانقطع ولزم بيته، ونزل عن جهاته لولده الفقيه سراج الدين عمر [٢] ، سمع كمال الدين بن النجيب عبد اللطيف وحدّث، ومولده فى سنة ثلاث وخمسين وستمائة. وتوفى فى يوم السبت خامس عشر شعبان الأمير سيف الدين بكتمر الأبى [٣] بكرى فى معتقله ببرج السباع بقلعة الجبل، وكان السلطان قد رسم بإحضاره من الكرك هو والأمير سيف الدين تمر الساقى [٤] ، فأحضرا فى شهر رجب من السنة، وقويت الشناعة أنه يفرج عنهما فاعتقلا ببرج السباع، واعتل المذكور ومات رحمه الله تعالى، وقد تقدم ذكر اعتقاله، وأنه كان فى ليلة الجمعة لثلاث خلون من شهر رمضان سنة اثنين وعشرين وسبعمائة، فكانت مدة اعتقاله ست سنين إلا ثمانية عشر يوما. وتوفى فى ليلة السابع عشر من شعبان صاحبنا ووالد صاحبنا الشيخ الصالح العدل شرف الدين أبو حفص عمر بن الشيخ معين الدين عبد الرحيم بن أبى القاسم بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن منصور بن حيدر الجزرى الشافعى المعروف بالخياط، ويعرف أيضا بإمام قفجاق، وهو صاحب الشيخ أبى إسحاق اللّوزى، وكانت وفاته بالقدس الشريف، وصلى عليه من الغد بالمسجد الأقصى، ودفن بمقبرة ماملا [٥] ، ومولده فى المحرم سنة سبع وأربعين وستمائة بالموصل، سمع من النجيب عبد اللطيف وغيره، وأسمع، وكان يؤم نواب السلطنة بدمشق الأمير حسام الدين لاجين المنصورى فى نيابته بدمشق قبل سلطنته، ثم كان إماما عند الأمير سيف الدين قبجاق بدمشق وحماة، وهو من بيت مشهور معروف بالجزيرة العمرية بالتجارة والحشمة والاتصال بالملوك، وكان هو من أعيان الصوفية حيث حل بدمشق والقاهرة والقدس. صحبته رحمه الله تعالى، وصحبت ولده الشيخ أمين الدين

стр. 13114

محمد من سنة تسع وسبعمائة، وتأكدت الصحبة بيننا، فكانا من خيار من صحبت، وكان لى بهما اجتماع قبل ذلك، وكان ﵀ كريما حسن الصحبة والمودة، وجلس مع العدول بدمشق والقاهرة وشهد على القضاة، وما زال يعظمه الأكابر والأمراء والوزراء ويجلّونه رحمه الله تعالى. وتوفى فى آخر ليلة السبت المسفرة عن رابع عشر شهر رمضان الأمير جمال الدين خضر بن نوكية [١] أحد أمراء الطبلخاناة بداره، بخط الهلالية بظاهر القاهرة، ودفن فى ليلة السبت، وكان قد مرض نحو ثلاثة أشهر وعوفى، وطلع إلى الخدمة السلطانية قبل وفاته بيومين، فى يوم الخميس ثانى عشر الشهر فبلغنى أن السلطان سأله عن حاله، فلما خرج من الخدمة، قال السلطان لبعض خواصه من الأمراء لمن يعطى خبز هذا؟ فقيل له: وكيف يقطع السلطان خبزه؟ فقال السلطان: «هذا ما يعيش أكثر من يومين» فكان كذلك، ولعمرى لو قال هذا القول من يتصدى للناس ممن ينسب إلى الصلاح والكشف لعدت من كراماته، ولهرع الناس إليه، وبلغنى أنه صلى الجمعة ببركة الحبش [٢] ، وأفطر فى ليلة السبت، وتسحر، ومات قبيل أذان الصبح. وفيها فى ليلة السبت المسفرة عن سابع عشرين شوال كانت وفاة الأمير شمس الدين قرا سنقر المنصورى [٣] بمدينة مراغة [٤] من عمل أذربيجان [٥] ، ودفن فى مستهل ذى القعدة، وكان سبب تأخير دفنه أنه كتب إلى الملك أبى سعيد بخبر وفاته، واستؤذن فى دفنه، فتأخر إلى أن ورد جوابه، ورد الخبر إلى الأبواب/ السلطانية بوفاته فى يوم الثلاثاء حادى عشرين ذى القعدة، وقد

стр. 13115

ذكرنا ما كان من تسحّبه إلى بلاد التتار فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، ولما اتصل خبر وفاته بالسلطان رسم بالإفراج عن جماعة من مماليكه كانوا قد اعتقلوا بعد تسحّبه، ووعدهم الإحسان، ثم رسم بإخراج ولديه الأميرين: علاء الدين على، وعز الدين فرج إلى دمشق، وأقطع الأول إمرة طبلخاناة، وفرج إمرة عشرة بدمشق، وتوجّها فى سنة تسع وعشرين، ووصلا إلى دمشق فى ثالث شهر ربيع الآخر، واستقرا بها. وفيها فى الثلث الأخير من ليلة الاثنين المسفر صباحها عن العشرين من ذى القعدة كانت وفاة الشيخ العالم الورع تقى الدين أحمد بن الشيخ شهاب الدين أبى المحاسن عبد الحليم بن الشيخ مجد الدين أبى البركات عبد السلام ابن عبد الله بن أبى القاسم بن محمد بن تيمية الحرّانى ثم الدمشقى [١] فى معتقله بدمشق، ومرض سبعة عشر يوما، ولما منع من الكتابة والتصنيف عكف على تلاوة كتاب الله تعالى، فيقال إنه قرأ ثمانين ختمة، وقرأ من الحادية والثمانين إلى سورة الرحمن، وأكملها أصحابه الذين دخلوا عليه حال غسله وتكفينه، وتولى غسله مع المغسّل الشيخ تاج الدين الفارقىّ، والشيخ شمس الدين بن إدريس، وصلّى عليه فى عدة مواضع فصلى عليه أولا بقلعة دمشق وأمّ الناس فى الصلاة عليه الشيخ محمد بن تمام الصالحى الحنبلى، ثم حمل إلى الجامع الأموى، ووضعت جنازته فى أول الساعة الخامسة، وامتلأ الجامع بالناس، وغلّقت أسواق المدينة، وصلّى عليه بعد صلاة الظهر، ثم حمل وأخرج من باب الفرج، وازدحم الناس حتى تفرقوا فى أبواب المدينة وصلّى عليه بعد صلاة الظهر، ثم حمل فخرجوا من باب النصر وباب الفراديس وباب الجابيه، وامتلأ سوق الخيل بالناس، وصلى عليه مرة ثالثة وأمّ الناس فى الصلاة عليه أخوه الشيخ زين الدين عبد الرحمن [٢] ، وحمل إلى مقبرة الصوفية،

стр. 13116

فدفن قريبا من وقت العصر لازدحام الناس عليه، ومولده بحرّان فى يوم الاثنين عاشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، وقدم مع والده فى حال صغره، واشتغل عليه وسمع من جماعة من المشايخ، وكان شيخا حافظا مفرط الذكاء، حسن البديهة، وله تصانيف كثيرة منها ما ظهر، ومنها ما لم يظهر، وشهرته بالعلم تغني عن بسط القلم فيه، وكان علمه أرجح من عقله، وقد قدمنا من أخباره ووقائعه ما يغنى عن إعادته، وكانت مدة اعتقاله من يوم الاثنين سادس شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة إلى حين وفاته سنتين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما، رحمه الله تعالى، ولما مات أفرج عن أخيه الشيخ زين الدين عبد الرحمن فى يوم الأحد سادس عشرين ذي القعدة، وكان قد اعتقل معه، فلما مات كان يخرج فى كل يوم إلى تربة أخيه، ويعود عشية النهار يبيت بقلعة دمشق، إلى أن حضر نائب السلطنة من الصيد، فأفرج عنه. واستهلت سنة تسع وعشرين وسبعمائة بيوم الجمعة الموافق لثامن هاتور من شهور القبط ، والسلطان الملك الناصر يتصيد بجهة سرياقوس، فأقام بتلك الجهة إلى يوم الاثنين، وعاد إلى قلعة الجبل المحروسة فى بكرة نهار الاثنين رابع المحرم، وفى يوم السبت ثانى المحرم وصل القاضى فخر الدين محمد ناظر الجيوش المنصورة من الحجاز الشريف إلي خدمة السلطان بالقصر بسماسم، وخلع عليه ووصل إلى داره بمصر فى يوم الأحد ثالث الشهر. وفيها فى يوم الأحد سابع عشر المحرم فوّض السلطان صحابة ديوان الإنشاء السعيد بالأبواب العالية للقاضى محيى الدين [يحيى] بن جمال الدين فضل الله [بن] المجلّى القرشى العدوى [١] وسبب ذلك أن القاضى علاء الدين على بن الأثير [٢] كان قد حصل له مرض فالج فى شهور سنة ثمان وعشرين

стр. 13117

وسبعمائة، واستمر مدة شهور، وهو يتكلف الدخول مع البريد وحضور دار العدل بين يدى السلطان، فلما دخل فصل الخريف اشتد به المرض، وتمكن من جسده، وتزايد الحال به، فعجز عن المشى، واعتقل لسانه، وبطلت يده، فرسم بعد ذلك بتوفيره، ونزل من القلعة فى يوم الخميس رابع عشر الشهر، واستقر بداره، وكان ولده فى الحجاز الشريف، فوصل فى يوم السبت الثانى من المحرم وخلع عليه، وجلس فى مرتبة أبيه، وظن الناس أنه يستقر فى الوظيفة، وكان السلطان قبل ذلك قد رسم بطلب القاضى محيى الدين المشار إليه من دمشق فطلب، وكان رأس كتاب الدّرج بها، فتوجه منها فى يوم الجمعة ثامن الشهر، ووصل إلي الأبواب السلطانية في هذا اليوم/ هو وولده القاضي شهاب الدين [١] أحمد، وشرف الدين بن شمس الدين بن شهاب الدين محمود، ومثلوا بين يدى السلطان وهو بالإسطبل، وخلع عليهم، واستقر القاضى محيى الدين صاحب ديوان الإنشاء وولده شهاب الدين أحمد كاتب السر [٢] الشريف، وشمس الدين بن شرف الدين رأس كتّاب الدرج بدمشق فى وظيفة القاضى محيى الدين، وتوجه إلى دمشق المحروسة. وفى هذه السنة فى يوم الأحد رابع عشرين المحرم أنعم السلطان علي الأمير علم الدين سنجر الجاولى بإمرة طبلخاناة، وأقطعه إقطاع الأمير علاء الدين على بن الأمير شمس الدين قراسنقر، ونقل علاء الدين إلى دمشق كما تقدم، وأنعم على الأمير حسام الدين لاجين الجاشنكير المعروف بزيرباج [٣] بإمرة طبلخاناة بالديار المصرية، وأقطع إقطاع الأمير ناصر الدين محمد بن جمق الذى كان قد وصل من بلاد التتار، وذكر أنه من أقرباء السلطان، فعاد الآن إلى بلاد التتار بطلب من الملك أبى سعيد، فرسم بعوده. وفيها فى يوم الأحد الرابع والعشرين من الشهر وصل إلي الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين أيتمش المحمدى، عاد من جهة الملك أبى سعيد ابن خربندا على خيل البريد، ووصل الرسل بعده، وفيها فى بكرة نهار الثلاثاء ثالث صفر استقل ركاب السلطان من قلعة الجبل لقصد الصيد، فتوجه إلى

стр. 13118

الجيزية، وعدى من ساحل بولاق، وأقام إلى يوم الخميس، وتوجه فى بكرة نهار الجمعة إلى جهة المنوفية، وفرّق الأمراء مماليكه بالجهات ولم يستصحب من مماليكه إلا أرباب الوظائف. وفى يوم السبت سابع صفر وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد، وجهّزوا إلى السلطان إلى جهة المنوفية، فمثلوا بين يديه، وأدوا رسالتهم وأمر أن يتوجهوا إلى قلعة الجبل، وأقاموا بها إلى حين عود السلطان، وكان عوده من الصيد المبارك فى الساعة الثانية من يوم الخميس [١] تاسع عشر صفر. وفيها فى يوم الاثنين مستهل شهر ربيع الأول أعيد القاضي شمس الدين ابن قروينة إلى نظر الدواوين على ما كان عليه، نقل إلى هذه الوظيفة من نظر البيوت السلطانية، وأضيف نظر البيوت إلى القاضى مجد الدين [إبراهيم] [٢] ابن لفيتة ناظر النظار والصحبة، وخلع عليهما. وفيها فى يوم الأحد سادس شهر ربيع الأول توجه السلطان إلى الصيد بجهة سرياقوس، ثم توجه منها إلى الجيزية، وأقام بها إلى بكرة نهار الاثنين الحادى والعشرين من الشهر، وعاد إلى قلعة الجبل، وكان صعوده إليها فى الساعة الأولى من النهار المذكور، واستقر بها بكرة نهار الاثنين ثانى عشر شهر ربيع الآخر، وتوجه إلى جهة القليوبية، وعاد ظهر يوم الأربعاء رابع عشر الشهر، وأقام بقلعة الجبل إلى يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى، فتوجه فى الأول من النهار وعدّى من جهة بولاق لقصد الصيد بجهة البحيرة، وعاد إلى قلعة الجبل فى الساعة الثالثة من يوم الأحد سادس عشر جمادى الأولى. وفيها فى يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى رسم السلطان بهدم الجبّ الذى يعتقل به الأمراء بقلعة الجبل وردمه، وألا يعتقل به أحد من الناس فهدم وردم بما نقض من الإيوان الكبير الذي بالرحبة عند جامع القلعة [٣] ، وكان قد رسم بهدمه وإنشاء غيره أصغر منه، ففعل ذلك.

стр. 13119

وفيها فى هذا اليوم المذكور وصل إلى الأبواب السلطانية رسل نائب الملك أبى سعيد بن خربندا الذى استقر فى النيابة بعد جوبان وهو الشيخ حسن ابن الجتية [١] ، وهو ابن عمة الملك أبى سعيد، أمّه أخت غازان وخربندا، وحسن هذا هو الذى كان زوج بغداد خاتون ابنة جوبان، وأحضر رسله قماشا وفهدين تقدمة من جهته إلى السلطان، فقبلت تقدمته، وعومل رسله بما جرت به عادة أمثالهم. وفيها فى يوم الثلاثاء عاشر جمادى الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين أرغون [٢] الناصرى نائب السلطنة الشريفة بحلب، وأكرمه السلطان إكراما كثيرا، وخلع عليه على عادته فى نيابة السلطنة بالأبواب السلطانية، وأنزله بمناظر الكبش [٣] ، وأنعم عليه بخيل وقماش، وأقام إلى يوم الخميس سادس عشرين الشهر، فخلع عليه فى هذا اليوم قباء مقصّبّا بطرز زركش، وعاد إلى حلب، بعد انقضاء الخدمة السلطانية فى هذا اليوم المذكور من التاريخ من السنة المذكورة. ذكر وصول رسل الملك أبى سعيد/ ورغبته فى الاتصال بمصاهرة السلطان وفى يوم الأحد التاسع والعشرين من جمادى الآخرة وصل إلى الأبواب السلطانية رسل الملك أبى سعيد بن خربندا، والمشار إليه منهم اسمه تمربغا المرغينانى [٤] أحد مقدمى التّوامين، ومثلوا بين يدى السلطان بقلعة الجبل فى يوم الاثنين سلخ الشهر، وقدموا ما معهم من الهدية، فكان منها اثنا عشر أكديشا [٥] عشرة منها مجلّلة بالجوخ الأحمر المبطن بالصندات، واثنان بغير

стр. 13120

جلال، ذكران لها قيمة كثيرة، وأحضروا غير ذلك من التحف مما خفي أمره، وكان مضمون الرسالة رغبة الملك إلى السلطان الاتصال بابنته، فأجاب السلطان الملك الناصر سؤاله إلى ذلك، فاعتذر بصغر سنها الآن، ووعدهم إلى انقضاء ثلاث سنين، فعند ذلك أحضر الرسول ثمانا دراهم، وهو ستون ألف درهم، وسأل عن مرسله، أن يعمل بذلك مهمّ، ويمدّ سماط يأكله الأمراء، فرسم السلطان بقبول ذلك، وعمل المهم فى يوم الخميس عاشر شهر رجب، وسلك السلطان فى ذلك نايب [١] التتار، وشرط السلطان عليهم شروطا منها: أن طلب فى مهرها أعمال «ديار بكر» [٢] وخلع على الرسل فى يوم الخميس ثالث شهر رجب، ثم خلع عليهم مرة ثانية في يوم الاثنين سابع الشهر، ثم رسم بإعادتهم إلى مرسلهم، وتوجهوا فى يوم الاثنين رابع عشر الشهر، ووصلوا دمشق فى مستهل شعبان، وتوجهوا منها فى يوم السبت رابع الشهر. وفيها فى يوم الخميس عاشر رجب وصل إلى الأبواب السلطانية الأمير سيف الدين طينال [٣] الساقى، نائب السلطنة الشريفة بالمملكة الطرابلسية، وخلع عليه تشريف أطلس أحمر بطرز زركش على أطلس أصفر وشاش رقم، وكلّوتة زركش، وحياصة ذهب مجوهرة، وأنعم عليه بثلاثة رءوس خيل، وأقام فى الخدمة السلطانية إلى يوم الخميس رابع عشرين الشهر، وتوجه إلى طرابلس على عادته فى يوم الجمعة خامس عشرين الشهر، وأثّر حضوره أثرا سيئا، فإنه شكا إلى السلطان ما على المملكة الطرابلسية من الكلف، وأن خالصها لا يقوم بالمرتب عليها، وحسّن للسلطان قطع ما على المملكة المذكورة من الرواتب لأرباب الصلات المقيمين بالديار المصرية ومرتبهم بطرابلس، فقطع جميع ذلك بطرابلس، وشمل هذا القطع ما هو مرتب لهم على سائر الممالك الشامية والحلبية والصّفدية، فحصل للناس الضرر التام بذلك،

стр. 13121

ثم سأل الزيادة لنفسه على ما بيده من الإقطاع، فأنعم عليه بزيادة ثلاثين ألف درهم فى كل سنة أو نحوها من الذى يوفّر بطرابلس. ذكر الاستبدال بمن يذكر من مباشرى الدولة، ومصادرتهم وإفصال الأمير علاء الدين مغلطاى الجمالى من الوزارة وفى يوم الأحد العشرين أو الحادى والعشرين من شهر رجب من هذه السنة رسم السلطان بعزل القاضى مجد الدين إبراهيم بن لفيتة عن نظر النظار بالديار المصرية والصحبة، وشمس الدين بن قروينة عن نظر الدواوين، وفوض نظر النظار والصحبة للقاضيين: علم الدين إبراهيم بن القاضى تاج الدين إسحاق [١] وكيل الخواص الشريفة وناظرها، وتقى الدين عمر بن الصاحب شمس الدين محمد بن فخر الدين عثمان الشوخى المعروف بابن السّلعوس [٢] الدمشقى وزير الدولة الأشرفية الصلاحية والده كلف وكان قبل ذلك يتولى صحابة الديوان بدمشق، ذكره بعض الأمراء الأكابر بين يدى السلطان وأثنى عليه، فرسم بطلبه فتوجه من دمشق فى يوم الخميس العاشر من رجب ووصل إلى الأبواب السلطانية فى يوم الجمعة ثامن عشر الشهر، فرسم له بالمباشرة، وخلع عليهما فى اليوم المذكور، وفوض نظر خزانة الخاص الذى كان يباشره علم الدين المذكور لأخيه شمس الدين موسى [٣] ، وباشر الناظران- علم الدين وتقى الدين- مدة والأمير علاء الدين الجمالى الوزير على حالته فى الوزارة، إلا أنه مشغول بما حصل له من المرض، يترددان إلى خدمته، ويستأذنانه، فلما كان فى يوم الأحد ثانى شوال رسم بتوفير الوزارة، واستقر الأمير علاء الدين فى الأستاذ دارية خاصة مع ملازمة المرض به، وهو مع ذلك يتجلد فى بعض أيام المواكب، ويعبر إلى الخدمة، ويقف على عادة الأستاذ دارية يسيرا، ثم

стр. 13122

يعود إلى داره بقلعة الجبل، فلما كان فى يوم الأحد خامس عشر ذى القعدة جلس السلطان فى الميدان تحت قلعة الجبل، وعرض كتاب الأمراء ليستصلح منهم من يستخدمه، ثم طلب القاضيين مجد/ الدين بن لفيتة وشمس الدين بن قروينة الناظرين المنفصلين، ومكين الدين بن قروينة مستوفى الصحبة وأمين الدين مستوفى الخزانة المعروف بقرموط [١] ، وأمر بالترسيم عليهم، وسلمهم للأمير سيف الدين الدمر [٢] أمير جاندار، ورسم أن يستخرج منهم ستمائة ألف درهم. وسبب ذلك أنه كان قد رسم بكشف الجيزية، فكشفت [٣] فوجد فيها بواقيا كثيرة، فرسم بمصادرة واليها سيف الدين قشتمر، وهو من ألزام الأمير علاء الدين الجمالى الوزير- كان- ومستوفيها ابن سقرون، فحمل من جهة قشتمر مائتى ألف درهم، ومن جهة ابن سقرون المستوفى ما يزيد على سبعين ألف درهم، فاضطر المستوفى المذكور إلى أن أنهى إلى السلطان ما أخذ من الجيزية، فرسم عند ذلك بمصادرة من ذكرنا، وإفصال المستوفين. وكان السلطان قبل ذلك قد عرض مشدّى الجهات بالقاهرة ومصر، ورسم بقطع أخبازهم من الحلقة، واستبدل بهم، وانتصب السلطان بنفسه أياما لمصالح دولته، وأحضر مشايخ بلاد الجيزية، وسجلوا بلادها فى مجلس السلطان، وهذا ما لم يسمع بمثله فى دولة من الدول، وشرع بالاستبدال بالمباشرين، وصار يستخدم بنفسه، ويتحدث مع كل مباشر، ويسأله عن مباشراته، وغير ذلك [٤] ، ثم أفرج السلطان عن الناظرين المنفصلين والمستوفين، بعد أن استخرج منهم- بعد ما قرر عليهم- جملة من المال.

стр. 13123

وفيها فى خامس شهر رمضان رسم السلطان للأمير علاء الدين [١] قلبرس ابن الأمير علاء الدين طيبرس الوزيرى أحد أمراء الطبلخاناة أن يتوجه إلى دمشق المحروسة من جملة الأمراء مقدمى الألوف، وأنعم عليه بإقطاع الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى [٢] الحاجب بدمشق، وزاده عليه إمرة عشرة طواشية، وتوجه من القاهرة المحروسة فى خامس عشر شوال من السنة، ووصل إلى دمشق فى الاثنين سادس عشر ذى القعدة، وكانت وفاة الأمير علاء الدين أيدغدى الخوارزمى- الحاجب المذكور- فى ليلة الأحد ثانى عشر شعبان من السنة. ذكر رؤيا رأيتها فى المنام أحببت إثباتها لدلالتها على صحة نسبى وفي ليلة الجمعة ثالث عشر ذى القعدة رأيت رسول الله ﷺ فى المنام، وهو جالس بالإيوان البحرى بالمدرسة الناصرية، التى هى بين القصرين، من الجهة اليمنى لمن يقصد صدر الإيوان فى ذيل الإيوان بينه وبين الحائط نحو ذراعين، أو أقل من ذلك، وأنا جالس بين يديه الكريمتين، وهو يذكر عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها بخير، فقلت له: يا رسول الله هى عمتى، ثم قلت ثانيا: يا رسول الله عائشة أم المؤمنين عمتى؛ لأننى أحمد بن عبد الوهاب ابن محمد بن عبد الدائم بن منجا بن على بن طرّاد بن خطّاب بن نصر بن إسماعيل بن إبراهيم. فلما انتهيت فى سرد نسبى إلى إبراهيم قال النبى ﷺ ابن جعفر، قلت: نعم يا رسول الله، ابن جعفر بن هلال ابن الحسين بن ليث بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق، فعائشة أم المؤمنين يا رسول الله عمتى، فقال رسول الله ﷺ : نعم، واستيقظت من النوم، وسررت بهذه الرؤيا، وأثبتها ولله الحمد.

стр. 13124

ذكر متجدّدات كانت بدمشق فى سنة تسع وعشرين وسبعمائة فى هذه السنة فى أوائل شهر ربيع الأول تجرّأ رجل يقال له محيى الدين ابن الحكم الكاتب جرأة عظيمة لم يسبق إلى مثلها فيما بلغنا، وذلك أنه اتفق مع أربعة من الرسل المتصرّفين بباب الحكم العزيز، وجلس فى قاعة تعرف بدرب البلسانى بخطّ عتبة الكتاب بدمشق، وسمى نفسه عماد الدين، وأحضر نصرانيا له مال، وأوهمه هو والرسل أنه نائب قاضى القضاة المالكى بدمشق، وقال للنصرانى: قد ثبت عندى أنك قلت لرجل مسلم أنك أخى وأنا أخوك ولا فرق بينى وبينك، وبمقتضى هذا القول تكون مسلما، وتهدّده بالقتل، وتحدث الرسل مع النصرانى، وأشاروا عليه أن يعطيه مالا، فتقررت الحال على ألف درهم ومائتى درهم عجّل النصرانى منها ستمائة درهم، وأحضر شهودا إلى باب الدار، وكتب عليه حجة بستمائة درهم، ورفع عنه الترسيم، فلما أطلق النصرانى توجه إلى القاضى شمس الدين ناظر النظار، وأنهى له الصورة، وأحضر نائب قاضى القضاة المالكى، فلما رآه النصرانى قال: ما هو هذا، ثم أحضر عماد الدين نائب قاضى القضاة الحنفى، فقال/ كذلك، فسير جماعة إلى الدار وهجمت فمسك، وأحضر إليه والدراهم والحجة معه، فاستنقذ ذلك منه وأطلقه شمس الدين الناظر، فلما اتصل الخبر بمتولى دمشق اعتقله، وطالع نائب السلطنة بأمره، فرسم بضربه وضرب الرسل الذين اتفقوا معه على ذلك، وشقّ منا خيرهم، وإشهارهم على الحمر، ففعل بهم ذلك فى يوم الأحد سادس شهر ربيع الأول، واعتقلوا. وفيها فى يوم الاثنين ثالث جمادى الأولى أنعم على الأمير علاء الدين ولد قاضى القضاة نجم الدين أحمد بن صصرى [١] بإمرة عشرة طواشية بدمشق، ولبس التشريف فى اليوم المذكور.

стр. 13125

وفيها فى شهر ربيع الأول دخل نائب السلطنة بدمشق الأمير سيف الدين تنكز إلى المدرسة القليجيّة [١] ، وهى بجوار داره التى جدد عمارتها المعروفة بدار الفلوس [٢] فنظر إلى بيوت المدرسة، فرأى على بعضها أقفال حديد مغلقة علي الأبواب، فسأل عن البيوت وهل هى للفقهاء؟ فقال قيم المدرسة: هذا البيت لفخر الدين بن شهاب الدين الحنفى، وهذه البيوت لجماعة آخرين- سماهم- لهم فيها قماش وغيره، فطلب فخر الدين المذكور، وأنكر عليه كونه ضيق على الفقهاء فى مساكنهم مع استغنائه عنها، فقال: ما انفردت بهذا، وشمس الدين بن حميد- رفيقى فى ديوان الإنشاء- له بيت بالمدرسة العزيزية وجماعة غيره، فرسم نائب السلطنة لشادّ الأوقاف بطلب كل من أشغل بيتا من بيوت المدارس وليس هو من الفقهاء، وتقويم أجرة البيت، وإلزامه بالقيام بالأجرة منذ أشغله وإلى ذلك اليوم، فأحضر شهود القيمة وقوّموا أجرة البيوت فأخذ من شمس الدين بن حميد ستمائة درهم، ومن شهاب الدين أحمد بن المهذّب ستمائة درهم وثلاثة عشر درهما، ومن أولاد عفيف الدين الحنفى أربعمائة درهم، وهؤلاء من الذين كان لهم بيوت بالمدرسة العزيزية، وأخذ من غيرهم. وفيها فى شهر رجب خلع ما كان بجامع دمشق عند قبر يحيى بن زكريا ﵇ من الخشب بين العامودين وبين الحجارة، ورخّم البناء المجدّد من جهة القبلة، والتأم، وكتب بالرخام الأبيض بالرخام الأسود قوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا [٣] . وفيها فى أول شهر رمضان رسم نائب السلطنة بدمشق أن يوسّع طريقا سويقة مسجد القصب خارج باب سلامة، وأن يوسّع من كل ناحية قدر ذراعين،

стр. 13126

فهدم فى ثالث شهر رمضان ثم عمر فى مدة شهر، إلى أن انتهى العمل إلى خان دار الطّعم والمدرسة الزّنجيلية [١] ، ثم رسم فى أول شوال بهدم مساطب حوانيت القوّاسين لتوسيع الطريق، فهدمت من الجانبين، واستقرت الحوانيت بغير مساطب، وجلس أهلها داخل الدكاكين، فاتسع ذلك نحو أربعة أذرع، ثم رسم بعمارة رصفان الكعبين وباب البريد، فحصل الرّفق بذلك للمارّة، ثم رسم بهدم جميع المساطب وبعض الحوانيت التى هى خارج باب الجابية إلى قرب باب النصر لتوسعة الطريق، وهدمت فى يوم الثلاثاء رابع عشرين ذى القعدة، واستمر العمل فيها؛ فمنها ما أزيل بجملته، ومنها ما أزيل نصفه وبقى النصف، وبقى ذرع الطريق من عشرين ذراعا إلى عشرة أذرع. وفيها فى يوم الاثنين خامس ذى الحجة رسم نائب السلطنة بدمشق بقتل الكلاب بدمشق وظواهرها، فقتل منها من بكرة النهار إلى بعد العصر [أكثر من خمسة آلاف] [٢] ثم رسم إلى متولى دمشق أن يبنى مقبرة للكلاب فى آخر الخندق ما بين الباب الصغير وباب كيسان، يفصل بينها بحائط، يكون أحد الموضعين للكلاب الذكور والآخر للإناث، فحصل الشروع فى البناء فى يوم السبت فى العشرين من ذى الحجة إلى يوم الأحد ثامن عشرين للشهر، وجمعت الكلاب، وأنزلت فى المكانين، فصار الذكور في خمسة ألايات فى جهة، ورسم للنادشتية بإلقاء الجيف بعد سلخها فيها. وفى هذه السنة فى يوم الخميس رابع عشر المحرم توفى الشيخ الإمام العالم المفتى نجم الدين [أبو] [٣] عبد الله [محمد] [٤] بن الشيخ شمس الدين عقيل بن الخطيب جلال الدين [أبى] [٥] الحسن [بن عقيل] [٦] البالسى، نائب الحكم العزيز بمصر المحروسة، وكانت وفاته بالمدرسة الطّيبرسية [٧] بمصر

стр. 13127

المحروسة وكان آخر ما تكلم به- فيما بلغنى- «أنا عند ربى يطعمنى ويسقينى» ، وكان رحمه الله تعالى من العلماء العاملين، ولم يخلّف دينارا ولا درهما، ومولده فى سنة ستين وستمائة. وفيها فى النصف من ليلة الخميس سابع المحرم توفى الأمير الكبير شرف الدين حسين بن الأمير سيف الدين أبى بكر بن إسماعيل بن جندربك الرومى [١] ، وهو من الأمراء/ مقدمى الألوف بالأبواب السلطانية، وكانت وفاته بالقاهرة بالدار المعروفة بشاطىء، ودفن فى يوم الخميس بتربته الملاصقة لجامعه بظاهر القاهرة بالحكر [٢] وهذا الأمير قدم من بلاد الروم فى الدولة الظاهرية الرّكّنية فى سنة خمس وسبعين وستمائة، ولما مات أنعم السلطان على ابن أخيه بإمرة طبلخاناة بصفد المحروسة، وأنعم بإقطاعه وتقدمته على الأمير سيف الدين أقبغا عبد الواحد رأس نوبة الجمداريّة، وأنعم بإقطاع آقبغا على الأمير سيف الدين سوسون أخى الأمير سيف الدين قوصون. وفيها فى الساعة الحادية عشر من يوم الثلاثاء العشرين من شهر ربيع الآخر توفى الأمير الكبير سيف الدين بكتمر الحسامى- الحاجب كان- ﵀ بداره التى أكمل عمارتها خارج باب النصر المعروفة قبله بدار نهرداس، ودفن بتربته التى أنشأها الملاصقة لداره المذكورة فى الساعة الأولى من يوم الأربعاء وكان قبل ذلك قد حصل له نهج [٣] إذا مشى فى الخدمة السلطانية، فجمع جماعة من الأطباء لذلك وقالوا: إنه حدث من ريح مجاور للكبد، وعولج منه وبرأ، ثم عاوده، وحصل له دوخة فى دماغه، فلما كان فى يوم الخميس ثامن الشهر طلع إلى الخدمة السلطانية، فلما خرج من مجلس السلطان وهو يمشى فى قلعة الجبل قريبا من دار الأمير سيف الدين طرجى- والتى كانت دار عدل- حصلت له الدوخة، فسقط منها على الأرض، فاحتمل وأجلس على

стр. 13128

مسطبة ظاهر الدار المذكورة حتى سكن ما حصل له، وقام ومشى إلى ظاهر القلعة، وركب وعاد إلى داره، وعولج، ثم ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته، وتوجه فى خدمة السلطان إلى جهة القليوبية فى يوم الاثنين ثانى عشر الشهر، وعاد فى الخدمة فى يوم الأربعاء رابع عشره، فلما كان فى يوم الجمعة سادس عشر الشهر المذكور واجتمعت به بعد صلاة العصر، وقد صلى وتوجه ليعود الأمير علاء الدين الجمالى لمرض حصل له، وعاد إلى داره فرأيته وهو يشكو من النّهج، واجتمع بعض الأطباء عنده، وشكا ذلك لهم، فهوّنوه عليه، وقالوا: إنه يزول. وكان قبل ذلك قد نقبت خزانته التى بداره من ظاهرها، وسرق منها ما يزيد على تسعين [١] ألف درهم، وظهر ذلك فى يوم السبت تاسع المحرم، فانزعج لذلك، واتهم جماعة بالمال، فطلبوا وعاقبهم متولى القاهرة، فأقر بعضهم على بعض مماليكه أنه عاملهم على ذلك، فحصل له من ذلك نكد كثير، فاجتمعت به فى يوم الجمعة المذكور بهذا السبب، وكان لى عليه دالّة كثيرة، فتحدثت معه فيما حدث له، وهوّنته عليه، وذكّرته بما ضاع له من الأموال الكثيرة قبل ذلك عند اعتقاله، وماله من البواقى الكثيرة عند من داينه ومات أو عجز عن القيام به، ولم أزل به إلى أن هوّنت له ما عدم له، وكان السلطان قد رسم له أن يعاقب خزنداره بخشى [٢] الذى أقر عليه الذين اتهموا وعوقبوا فسألته عنه، وقلت له: اتّهمه بالمواطأة على مالك، وتتهم غيره من مماليكه، وقال: لا والله هم برايا من مالى، ولا أتهمهم بخيانة ولا مواطأة، قلت له: فإذن لا يجوز لك أن تعاقبهم، وإن فعلت أثمت، ولم أزل به إلى أن أشهدنى على نفسه أنه ترك الحديث عن المال الذى عدم له، وأنه لا يطالب به، وأنه إن وجد يكون صدقة للفقراء أو لبيت المال، وقررت معه أن يسأل السلطان

стр. 13129

أن يفرج عن المعتقلين بسبب ماله، وفارقته على ذلك بعد أن توثقت منه أن يفعل ففعل، وأفرج عنهم فى يوم السبت فى سابع عشر الشهر، فلما كان فى يوم الاثنين تاسع عشر الشهر ركب إلى الخدمة السلطانية على عادته، فلما انتهى إلى سوق الخيل قال له الحاجب: رسم السلطان ألا تتكلّف الطلوع إلى الخدمة حتى تستقل من الضعف، فعاد إلى داره، وجلس، ومدّ سماطه على عادته، وأكل هو مما أشار به الأطباء، ثم اشتد به المرض فى ليلة الثلاثاء، وتزايد فى يوم الثلاثاء فمات رحمه الله تعالى، وكان من أجود [١] الناس وأحسنهم لقاء لأصحابه ومعارفه، وتفقدا لأحوالهم، وسؤالا عنهم إذا حضروا إليه، وأكثرهم بذلا بجاهه، لا يبخل به على أحد ممن يقصده، سواء كان قديم الصحبة أو حديثها، لكنه يرعى لمن يقصده حق قصده، وإذا طالت غيبة أحد أصحابه عنه ثم جاء إليه لا يجد مودته قد تغيرت عليه عما يعهد، بل يسأله عن حاله، ويظهر له البشاشة والبشر، وكان شجاعا حسن الرأى، رحمه الله تعالى. وكان هذا الأمير المذكور من جملة مماليك الأمير حسام الدين طرنطاى المنصورى- نائب السلطنة كان- أخبرنى عن نفسه أنه كان فى صغره فى جملة مماليك السلطان حسام الدين كنجيز [٢] ، وابن السلطان ركن الدين بلج أرسلان السّلجوقى صاحب الروم، فلما عبر السلطان الملك الظاهر إلى الروم، ودخل قيسارية [٣] كما ذكرنا فى سابع عشر ذى القعدة سنة خمس وسبعين وستمائة، وفارقها السلطان غياث الدين كيخسرو [٤] والبرواناه إلى توقات [٥]

стр. 13130

أخذ هذا الأمير فى ذلك اليوم من جملة ثمانية عشر مملوكا من مماليك السلطان غياث الدين، وعرضوا على السلطان الملك الظاهر فأمر بإرسالهم إلى الدّهليز السلطانى، قال: فسرقنى الذى توجه بى، وباعني، ثم اشترانى الأمير حسام/ الدين طرنطاى بعد ذلك، ولم يزل فى جملة مماليكه إلى أن أعتقه، ولما قتل الأمير حسام الدين المذكور، كان الأمير سيف الدين بكتمر هذا عنده أمير آخور [١] ، فانتقل إلى المملكة السلطانية الأشرفية، وجعله السلطان الملك الأشرف صلاح [٢] الدين فى جملة أمراء آخورية فى الإسطبل السلطانى، واستمر على ذلك إلى أن ملك المنصور حسام الدين لاجين المنصورى، فأمّره بعشرة طواشية، ثم أمّره بطبلخاناة، وأقطعه إقطاع الأمير سيف الدين بلبان الأنصارى أمير النقباء، وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا هذا تنقله فى المناصب والولايات، وكان فى الدولة الناصرية [٣] الثانية أمير آخور، ثم نقل إلى دمشق وأمّر بطبلخاناة بها، ثم ولى الحجبة بالشام، ونقل منها إلى أستاذ داريته وشادّ الدواوين، ثم أعيد إلى الشام، وحضر فى ركاب السلطان فى سنة تسع وسبعمائة إلى الديار المصرية المحروسة، ورسم له بتقدم العسكر بغزة فى السنة المذكورة ثم نقل منها إلى الأبواب السلطانية، وولى الوزارة، وأعطى تقدمة ألف وإمرة مائة فى سنة عشر وسبعمائة، ثم نقل فى سنة إحدى عشرة إلى الحجبة إلى الأبواب السلطانية، إلى أن قبض عليه، ثم توجه بعد الإفراج عنه إلى نيابة المملكة الصّفدية، وأعيد إلى الأبواب السلطانية فى سنة ثمان عشرة وسبعمائة، واستقر فى جملة الأمراء المائة مقدمى الألوف، ورسم له بالجلوس فى مجلس السلطان، فكان يجلس أخيرا ثانى الميسرة، وقرب من السلطان قربا كثيرا، وكان يرجع إليه فى أكثر ما يتحدث فيه. ولما تمكن من السلطان بعد عوده من صفد أنهى له ما قدمنا ذكره من أخباره، وأنه كان من مماليك السلطان غياث الدين [كيخسرو] [٤] فأحضر
следующие страницы →