هى الذهبيات وتلك نسبة كريمة النّجار؛ ومن ثمراتى ما لا تزال أمّهاته حوامل، وأوراقه نواضر وغيرها ذوابل، وقد شبه بالمصابيح وشبهت أغصانه بالسلاسل.
ولقد أنصف من قال:
محاسن للخريف بهنّ فخر ... على زمن الربيع، وأىّ فخر!
به صار الزّمان أمام برد ... يراقب نزحه وعقيب حرّ.
٤- وأما فصل الشتاء، فإن طبعه بارد رطب، ودخوله عند حلول الشمس رأس الجدى والدّلو والحوت.
وهذه البروج تدل على السكون. وله من السنّ الشيخوخة؛ ومن الرياح الدّبور؛ ومن الساعات العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة؛ ومن القوى القوّة الدّافعة؛ ومن الاخلاط البلغم؛ ومن الكواكب المشترى وعطارد؛ ومن المنازل بعض الشولة والنعائم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد السعود وسعد الأخبية وبعض الفرغ المقدّم؛ وعدد أيامه تسعة وثمانون يوما.
ويكون حلول الشمس برأس الجدى فى الثالث عشر من كانون الأوّل، ويوافقه دچنبر من شهور الروم؛ وفى السابع عشر من كيهك من شهور القبط. وإذا حلت الشمس ببرج الجدى يشتدّ البرد، ويخشن الهواء، ويتساقط ورق الشجر، وتنجحر الحيوانات، وتضعف قوى الأبدان، وتكثر الأنواء، ويظلم الجوّ، وتصير الدّنيا كأنها عجوز هرمة قد دنا منها الموت.
وروى عن علىّ (رضى الله عنه) أنه قال: «توقّوا البرد فى أوّله، وتلقّوه فى آخره، فإنه يفعل فى الأبدان كفعله فى الأشجار: أوّله يحرق، وآخره يورق» .
стр. 177
ذكر ما قيل فى وصف فصل الشتاء وتشبيهه.
فمن ذلك ما قاله جرير شاعر الحماسة:
فى ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب فى ظلمائها الطّنبا.
لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتّى يلفّ على خيشومه الذّنبا.
وقال ابن حكينا البغدادىّ:
البس إذا قدم الشّتاء برودا ... وافرش على رغم الحصير لبودا.
الرّيق فى اللهوات أصبح جامدا ... والدّمع فى الآماق صار برودا.
وإذا رميت بفضل كأسك فى الهوا ... عادت عليك من العقيق عقودا.
وترى على برد المياه طيورها ... تختار حرّ النّار والسّفّودا.
يا صاحب العودين لا تهملهما ... أوقد لنا عودا، وحرّك عودا!
وقال آخر:
ويومنا أرواحه قرّة ... تخمّش الأبدان من قرصها.
يوم تودّ الشمس من برده ... لو جرّت النّار إلى قرصها!
وقال عبد الله بن المعتزّ:
قد منع الماء من اللّمس ... وأمكن الجمر من المسّ.
فليس نلقى غير ذى رعدة، ... ومسلم يسجد للشّمس!
وقال آخر:
ليس عندى من آلة البرد إلّا ... حسن صبرى، ورعدتى، وقنوعى.
فكأنّى لشدّة البرد هرّ ... يرقب الشّمس فى أوان الطّلوع.
стр. 178
وقال ابن سكّرة الهاشمىّ، عفا الله تعالى عنه ورحمه:
قيل: ما أعددت للبر ... د وقد جاء بشدّه؟
قلت: درّاعة برد ... تحتها جبّة رعده.
وقال أبو سعيد المخزومىّ:
إذا كنت فى بلدة نازلا ... وحلّ الشّتاء حلول المقيم،
فلا تبرزنّ إلى أن ترى ... من الصّحو يوما صحيح الأديم.
فكم زلقة فى حواشى الطريق ... تردّ الثياب بخزى عظيم!
وكم من لئيم غدا راكبا ... يحبّ البلاء لماش كريم!
وقال الصاحب بن عبّاد:
أنّى ركبت فكفّ الأرض كاتبة ... على ثيابى سطورا ليس تنكتم.
فالأرض محبرة، والحبر من لثق ... والطّرس ثوبى، ويمنى الأشهب القلم.
قال أبو علىّ كاتب بكر شاعر اليتيمة:
يا بلدة أسلمنى بردها ... وبرد من يسكنها للقلق.
لا يسلم الشّاتى بها من أذى ... من لثق، أو دمق، أو زلق.
ومما وصف به نثرا قول بعضهم:
إذا حلّت الشمس برج الجدى مدّ الشتاء رواقه، وحلّ نطاقه؛ ودبّت عقارب البرد لاسبه، ونفع مدخور الكسب كاسبه.
ومن رسالة لابن أبى الخصال، جاء منها:
الكلب قد صافح خيشومه ذنبه، وأنكر البيت وطنبه؛ والتوى التواء الحباب، واستدار استدارة الغراب؛ وجلده الجليد، وضربه الضّريب وصعّد أنفاسه الصعيد؛
стр. 179
فحماه مباح، ولا هرير له ولا نباح؛ والنار كالصّديق، أو كالرّحيق؛ كلاهما عنقاء مغرب، أو نجم مغرّب.
وقال بعضهم:
برد بغير الألوان، وينشّف الأبدان؛ ويجمّد الريق فى الأشداق، والدّمع فى الآماق؛ برد حال بين الكلب وهريره، والأسد وزئيره، والطير وصفيره، والماء وخريره.
وقيل لبعضهم: أىّ البرد أشدّ؟ فقال: إذا دمعت العينان، وقطر المنخران، وتلجلج اللسان، واصطكّت الأسنان.
ووصف ابن وكيع الفصول الأربعة فى أرجوزة فقال:
عندى فى وصف الفصول الأربعه ... مقالة تغنى اللّبيب مقنعه.
ذكر ما قيل فى فصل الصيف
أمّا المصيف، فاستمع ما فيه ... من فطن يفهم سامعيه.
فصل من الدّهر إذا قيل حضر، ... أذكرنا بحرّه نار سقر.
يظلّ فيه القلب مقشعرّا، ... والأرض تشكو حرّه المضرّا.
أوّله فيه ندى منغّص ... كأنه على القلوب يقنص.
يلصق منه الجلد بالثّياب ... ويعلق التّراب بالأثواب.
حتّى إذا ما طردته الشمس ... وفرحت بأن يزول النّفس.
فتّحت النّار لنا أبوابها ... وشبّ فيها مالك شهابها.
حرّ يحيل الأوجه الغرّانا ... حتّى ترى الروم به حبشانا.
يعلو به الكرب ويشتدّ القلق ... وتنضح الأبدان فيه بالعرق.
стр. 180
تبصره فوق القميص قد علا ... حتّى ترى مبيضّه مصندلا.
إن كان رثّا، زاد فى تمزيقه؛ ... أو مستجدّا، جدّ جبل زيقه.
ثم يعيد الماء نارا حاميه ... يزيد فى كرب القلوب الصّاديه.
شاربه يكرع فى حميم ... كأنّه من ساكنى الجحيم.
ينسيه ما يلقى من التهابه ... أن يحمد الله على شرابه.
حتّى إذا أعيا، انقضى نهاره ... وأرخيت من ليله أستاره،
تحرّكت فى جنحه دواهى ... سارية، وأنت عنها لاهى.
من عقرب يسعى كسعى اللّصّ ... سلاحها فى إثره كالشّصّ.
وحيّة تنفث سمّا قاتلا ... تزوّد الملسوع حتفا عاجلا.
تبصر ما بجلدها من الرّقش ... كوجنة مصفرة فيها نمش.
لو نهشت بالنّاب منها الخضرا، ... لنثرت منه الحياة نثرا.
فلا تقل إن جاء يوما أهلا ... فلعنة الله عليه فصلا.
ذكر ما قيل فى فصل الخريف
حتّى إذا زال، أتى الخريف: ... فصل بكلّ سوأة معروف.
أهونه يسرع فى حلّ الجسد ... وهو كطبع الموت يبس وبرد.
يجنى على الأجسام من آفاته، ... وأرضه قرعاء من نباته.
لا يمكن النّاس اتّقاء شرّه ... ولا خلاف برده وحرّه.
تبصره مثل الصّبىّ الأرعن ... من كثرة العشّاق والتلوّن.
فأنت منه خائف على حذر ... لأنه يمزج بالصّفو الكدر.
стр. 181
أحسن ما يهدى لك النّسيما ... يقلبه فى ساعة سموما.
وهو على المعدود من ذنوبه ... خير من الصّيف على عيوبه.
ذكر ما قيل فى فصل الشتاء
حتّى إذا ما أقبل الشّتاء، ... جاءتك منه غمّة عمياء.
لو أنّه روح، لكان فدما ... أو أنه شخص، لكان جهما.
يلقاك منه أسد يزير ... له وعيد وله تحذير.
تأتيك فى أيّامه رياح ... ليس على لاعنها جناح.
حراكها ليس إلى سكون ... تضرّ بالأسماع والعيون.
يحدث من أفعالها الزّكام ... هذا إذا ما فاتك الصّدام.
ثم يليها مطر مداوم ... كأنه خصم لنا ملازم.
يقطعنا بعضا عن الطريق ... وعن قضاء الحقّ للصّديق.
وربما خرّ عليك السّقف، ... فإن عفا عنك أتاك الوكف.
وإن أردت فى النّهار الشّربا ... فيه، فقد قاسيت خطبا صعبا.
واحتجت أن توقد فيه نارا ... تطير نحو الحدق الشّرارا.
يترك مبيضّ الثّياب أرقطا ... يحكى السّعيدىّ لك المنقّطا.
وبعد ذا تسدّد النقابا ... من خوفه وتغلق الأبوابا.
نعم، وترخى دونه السّتورا ... حتّى ترى صباحه ديجورا.
وإن أردت الشّرب فى الظّلام ... عاقك عن تناول المدام.
حسبك أن تندسّ فى اللّحاف ... من خشية البرد على الأطراف!
ورعده يشغل عن كلّ عمل ... ويؤثر النّوم ويستحلى الكسل.
стр. 182
حتّى إذا جئت إلى الرّقاد، ... نمت على فرش من القتاد.
إنّ البراغيث عذاب مزعج ... لكلّ قلب ولجلد ينضج.
لا يستلذّ جلدك المضاجعا ... كأنما أفرشه مباضعا.
تنحّ فصلا فوق ما ذممته ... لو أنه يظهر لى، قتلته.
حتّى إذا ما هو عنّا بانا ... وزال عنّا بعضه، لا كانا!
ذكر ما قيل فى فصل الربيع
جاء إلينا زمن الرّبيع ... فجاء فصل حسن الجميع.
لبرده وحرّه مقدار ... لم يكتنف حدّهما إكثار.
عدّل فى أوزانه حتّى اعتدل ... وحمد التّفصيل منه والجمل.
نهاره فى أحسن النّهار ... فى غاية الإشراق والإسفار.
تضحك فيه الشّمس من غير عجب ... كأنّها فى الأفق جام من ذهب.
وليله مستلطف النّسيم ... مقوّم فى أحسن التّقويم.
لبدره فضل على البدور ... فى حسن إشراق وفرط نور.
كجامة البلّور فى صفائها ... أذابت الجراد فى نقابها.
كأنّها إذا دنت من بدره ... جوزاؤه قبل طلوع فجره.
روميّة حلّتها زرقاء ... فى الجيد منها درّة بيضاء.
هذا وكم تجمع من أمور ... إطراء مطربها من التّقصير.
فيه تظلّ الطّير فى ترنّم ... حاذقة باللّحن لم تعلّم.
غناؤها ذو عجمة لا يفهمه ... سامعه وهو على ذا يغرمه.
من كلّ دبسىّ له رنين ... وكلّ قمرى له حنين.
стр. 183
فى قرطق أعجل أن يورّدا ... خاط له الخيّاط طوقا أسودا.
تبصره منه على الحيزوم ... كمثل عقد سبج منظوم.
هذا وفيه للرّياض منظر ... يفشى الثّرى من سرّه ما يضمر.
سرّ نبات حسنه إعلانه ... إذا سواه زانه كتمانه.
فيه ضروب لنبات [١] الغضّ ... يحكى لباس الجند يوم العرض.
من نرجس أبيض كالثّغور ... كأنّه مخانق الكافور.
وروضة تزهر من بنفسج ... كأنّها أرض من الفيروزج.
قد لبست غلالة زرقاء ... وكايدت بلونها السّماء.
يضحك منها زهر الشّقيق ... كأنّه مداهن العقيق.
مضمّنات قطعا من السّبج ... قد أشرقت من احمرار ودعج.
كأنّما المحمرّ فى المسودّ ... منه إذا لاح عيون الرّمد.
وارم بعينيك إلى البهار ... فإنّه من أحسن الأزهار.
كأنّه مداهن من عسجد ... قد سمّرت فى قضب الزّبرجد.
فانهض إلى اللهو ولا تخلّف ... فلست فى ذلك بالمعنّف.
واشرب عقارا طال فينا كونها ... يصفرّ من خوف المزاج لونها.
دونك هذى صفة الزّمان ... مشروحة فى أحسن التّبيان!
وارض بتقليدى فيما قلته ... فإنّنى أدرى بما وصفته.
стр. 184
الباب الرابع من القسم الثالث من الفن الأوّل
فى ذكر مواسم الأمم وأعيادها، وأسباب اتخاذهم لها، وما قيل فى ذلك
والذى أورده فى هذا الباب، هو مما وقفت عليه أثناء مطالعتى للكتب الموضوعة فيه، ونقلته منها لمّا تعذر علىّ من أتلقاه من فيه. وضمنته أعياد المسلمين، والفرس والنصارى، واليهود.
١- ذكر الأعياد الإسلامية
والأعياد الإسلامية التى وردت بها الشريعة اثنان: عيد الفطر، وعيد الأضحى.
والسبب فى اتخاذهما، ما
روى عن رسول الله ﷺ «أنه قدم لمدينة، ولأهلها يومان يلعبون فيهما، فقال: ما هذان اليومان؟ فقالوا: كنا نلعب فيهما فى الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : إن الله قد بدّلكم خيرا منهما، يوم الفطر، ويوم الأضحى» .
فأوّل ما بدئ به من العيدين عيد الفطر، وذلك فى سنة اثنتين من الهجرة. وفيها كان عيد الأضحى.
وعيد ابتدعته الشّيعة، وسموه عيد الغدير. وسبب اتخاذهم له مؤاخاة النبىّ ﷺ علىّ بن أبى طالب (رضى الله عنه) يوم غدير خمّ. والغدير على ثلاثة أيام [١] من الجحفة بسرّة الطّريق. قالوا: وهذا الغدير تصبّ فيه عين، وحوله شجر كثير ملتفّ بعضها ببعض. وبين الغدير والعين مسجد لرسول الله ﷺ .
واليوم الذى ابتدعوا فيه هذا العيد هو الثامن عشر من ذى الحجة، لأن المؤاخاة كانت
стр. 185
فيه فى سنة عشرة من الهجرة، وهى حجة الوداع. وهم يحيون ليلتها بالصلاة، ويصلون فى صبيحتها ركعتين قبل الزوال. وشعارهم فيه لبس الجديد، وعتق الرّقاب، وبرّ الأجانب، والذبائح.
وأوّل من أحدثه معز الدّولة أبو الحسن علىّ بن بويه، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخباره فى سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة.
ولما ابتدع الشيعة هذا اتخذوه من سننهم، عمل عوامّ السّنّة يوم سرور نظير عيد الشيعة فى سنة تسع وثمانين وثلاثمائة. وجعلوه بعد عيد الشيعة بثمانية أيام، وقالوا: هذا يوم دخول رسول الله ﷺ الغار هو وأبو بكر الصدّيق (رضى الله عنه) . وأظهروا فى هذا اليوم الزينة، ونصب القباب، وإيقاد النيران.
٢- ذكر أعياد الفرس
وأعياد الفرس كثيرة جدّا. وقد صنف علىّ بن حمزة الأصفهانىّ فيها كتابا مستقلّا ذكر فيه أعيادهم، وسبب اتخاذهم لها، وسنن ملوكهم فيها. وقد رأيت أن أقتصر على المشهور منها، وهى ثلاثة أعياد: النّيروز، والمهرجان، والسّدق.
١- فأما النّيروز، فهو أعظم أعيادهم وأجلّها. يقال إن أوّل من اتخذه جمشيد أحد ملوك الفرس الأول. ويقال فيه جمشاد، ومعنى جم القمر، وشاد الشعاع والضياء؛ وسبب اتخاذهم لهذا العيد أن طهومرت لما هلك، ملك بعده جمشاد.
فسمى اليوم الذى ملك فيه نوروز، أى اليوم الجديد.
ومن الفرس من يزعم أن النّيروز اليوم الذى خلق الله فيه النور، وأنه كان معظّم القدر عند جمشاد. وبعضهم يزعم أنه أوّل الزمان الذى ابتدأ فيه الفلك بالدوران.
стр. 186
ومدّته عندهم ستة أيام، أوّلها اليوم الأوّل من شهر أفريدون ماه، الذى هو أوّل شهور سنتهم. ويسمون اليوم السادس النّوروز الكبير، لأن الأكاسرة كانوا يقضون فى الأيام الخمسة حوائج الناس ثم ينتقلون إلى مجالس أنسهم مع خواصّهم.
وحكى ابن المقفّع أنه كان من عادتهم فيه أن يأتى الملك من الليل رجل جميل الوجه، قد أرصد لما يفعله. فيقف على الباب حتّى يصبح. فإذا أصبح دخل على الملك من غير استئذان. فإذا رآه الملك، يقول له: من أنت؟ ومن أين أقبلت؟ وأين تريد؟ وما اسمك؟ ولأىّ شىء وردت؟ وما معك؟ فيقول: أنا المنصور، واسمى المبارك، ومن قبل الله أقبلت، والملك السعيد أردت، وبالهناء [١] والسلامة وردت، ومعى السنة الجديدة. ثم يجلس، ويدخل بعده رجل معه طبق من فضة، وفيه حنطة، وشعير، وجلبان، وحمّص، وسمسم، وأرز (من كل واحد سبع سنابل وتسع حبات) وقطعة سكر، ودينار ودرهم جديدان. فيضع الطبق بين يدى الملك. ثم تدخل عليه الهدايا. ويكون أوّل من يدخل عليه وزيره، ثم صاحب الخراج، ثم صاحب المعونة، ثم الناس على طبقاتهم ومراتبهم. ثم يقدّم للملك رغيف كبير مصنوع من تلك الحبوب، موضوع فى سلّة. فيأكل منه ويطعم من حضره. ثم يقول: هذا يوم جديد، من شهر جديد، من عام جديد، من زمان جديد، يحتاج أن نجدّد فيه ما أخلق من الزمان، وأحقّ الناس بالفضل والإحسان الرأس لفضله على سائر الأعضاء. ثم يخلع على وجوه دولته ويصلهم ويفرّق فيهم ما حمل إليه من الهدايا.
وكانت عادة عوامّ الفرس فيه رفع النار فى ليلته، ورشّ الماء فى صبيحته.
وفى ذلك يقول المعوج:
стр. 187
كيف ابتهاجك بالنّيروز يا سكنى؟ ... وكلّ ما فيه يحكينى وأحكيه!
فناره كلهيب النار فى كبدى! ... وماؤه كتوالى عبرتى فيه!
وقال آخر:
نورز النّاس ونورز ... ت، ولكن بدموعى!
وذكت نارهم، والنّ ... ار ما بين ضلوعى!
٢- وأما المهرجان، فوقوعه فى السادس والعشرين من تشرين الأوّل من شهور السّريان، وفى السادس عشر من مهرماه من شهور الفرس.
وهذا الأوان وسط زمان الخريف، وفيه يقول بعض الشعراء:
أحبّ المهرجان لأنّ فيه ... سرورا للملوك ذوى السّناء،
وبابا للمصير إلى أوان ... تفتّح فيه أبواب السّماء.
وهو ستة أيام. ويسمّى اليوم السادس المهرجان الأكبر. قال المسعودىّ:
وسبب تسميتهم لهذا اليوم بهذا الاسم، أنهم كانوا يسمون شهورهم بأسماء ملوكهم.
وكان لهم ملك يسمّى مهر، يسير فيهم بالعنف والعسف. فمات فى نصف الشهر الذى يسمونه مهرماه، فسمى ذلك اليوم مهرجان. وتفسيره «نفس مهر ذهبت» وهذه لغة الفرس الأوّل. وزعم آخرون أن «مهر» بالفارسية حفاظ و «جان» الروح.
وقد نظم عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر ذلك، فقال:
إذا ما تحقّق بالمهرجا ... ن من ليس يعرف معناه، غاظا.
ومعناه أن غلب الفرس فيه ... فسمّوه للرّوح حقّا حفاظا.
ويقال إنه إنما عمل فى عهد أفريدون الملك، وأن معنى هذا الاسم «إدراك الثأر» .
стр. 188
وسبب اتخاذهم له، أن بيوراسف (وهو الضحاك) ، ويقال له أزدهاق ذو الحيّتين والأفواه الثلاثة، والأعين الستة، الدّاهى الخبيث المتمرّد، لما قتل جمشاد، وملك بعده، غيّر دين المجوسية. وجاء إبليس فى صورة خادم، فقبّل منكبيه، فنبت فيهما حيتان، فكان يطعمهما أدمغة الناس. فأجحف ذلك بالرعية، فخرج رجل بأصبهان، يقال له كابى، ويقال فيه كابيان. ودعا الناس إلى قتاله، فاجتمع له خلق كثير.
فشخص الضحاك لقتاله، فهاب كثرة جمعه وفرّ منهم. فاجتمع الناس على كابى ليملكوه عليهم، فأبى ذلك وقال: ما أنا من أهل الملك، وأخرج صبيا من ولد جمشاد، يسمّى أفريدون وملّكه، فأطاعه الناس فيه وملّكوه عليهم.
وخرج أفريدون فى طلب الضحاك ليأخذ ثأر جدّه فظفر به، وجعل ذلك اليوم عيدا، وسماه المهرجان. ويقال إن المهرجان هو اليوم الذى عقد فيه التاج على رأس- أردشير بن بابك، أوّل ملوك الفرس الساسانية.
وقال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر يفضل المهرجان على النيروز:
أخا الفرس إنّ الفرس تعلم إنّه ... لأطيب من نيروزها مهرجانها:
لإدبار أيّام يغمّ هواؤها ... وإقبال أيّام يسرّ زمانها.
وكان مذهب الفرس فيه أن يدّهن ملوكهم بدهن البان تبرّكا، وكذلك عوامهم، وأن يلبس القصب والوشى، ويتوّج بتاج عليه صورة الشمس وحجلتها الدّائرة عليها، ويكون أوّل من يدخل عليه الموبذان بطبق فيه أترجّة، وقطعة سكّر، ونبق، وسفر جل، وعنّاب، وتفّاح، وعنقود عنب أبيض، وسبع طاقات آس قد زمزم علمها.
стр. 189
ثم يدخل الناس على طبقاتهم بمثل ذلك.
وكان أردشير، وأنو شروان يأمران بإخراج ما فى خزائنهم فى المهرجان والنيروز من أنواع الملابس والفرش، فتفرّق كلّها فى الناس على مراتبهم، ويقولان: إن الملوك تستغنى عن كسوة الصيف فى الشتاء، وعن كسوة الشتاء فى الصيف، وليس من أخلاقهم أن يخبؤوا كسوتهم فى خزائنهم ويساووا العامّة فى فعلها.
وزعم بعض أصحاب التاريخ أن النيروز عملته الفرس قبل المهرجان بألفى سنة وخمسمائة سنة.
٣- وأما السّدق، فإنه يعمل فى ليلة الحادى عشر من شهر بهمن ماه.
ويسمّى هذا اليوم عندهم أبان روز، لأن لكل يوم من أيام الشهر عندهم اسما.
ويقال فى سبب اتخاذهم له: إن فراسياب لما ملك، سار إلى بلاد بابل وأكثر فيها الفساد، وخرّب العمران. فخرج عليه دق بن طهماسب، وطرده عن مملكته إلى بلاد التّرك. وكان ذلك فى يوم أبان روز. فاتخذ الفرس هذا اليوم عيدا، وجعلوه ثالثا ليوم النيروز، والمهرجان.
ويقال أيضا فى سبب اتخاذهم له: إن الأب الأوّل، وهو عندهم كيومرث، لما كمل له مائة ولد، زوج الذكور بالإناث، وصنع لهم عرسا أكثر فيه من إشعال النيران، فوافق ذلك الليلة المذكورة، واستسنه الفرس بعده.
وهم يوقدون النيران بسائر الأدهان، ويزيدون فى الولوع بها، حتّى إنهم يلقون فيها سائر الحيوانات.
стр. 190
وفى ذلك يقول ابن حجاج من أبيات يمدح بها عضد الدّولة بن بويه:
مولاى يا من نداه يعدو ... ففات سبتا وليس يلحق.
ليلتنا حسنها عجيب ... بالقصف والعزف قد تحقّق.
لنارها فى السّما لسان ... عن نور ضوء الصّباح ينطق.
والجوّ [١] منها قد صار جمرا ... والنجم منها قد كاد يحرق.
ودجلة أضرمت حريقا ... بألف نار وألف زورق.
فماؤها كلّها حميم ... قد فار مما غلى [٢] وبقبق.
وقال أبو القاسم المطرّز، فى سدق عمله السلطان ملك شاه، أشعل فيه الشموع والنيران فى السّميريّات بدجلة، وذلك فى سنة أربع وثمانين وأربعمائة:
وكلّ نار على العشّاق مضرمة ... من نار قلبى أو من ليلة السّدق.
نار تجلّت بها الظّلماء فاشتبهت ... بسدفة الليل فيها غرّة الفلق!
وزارت الشمس فيها الليل واصطلحا ... على الكواكب بعد الغيظ والحنق.
مدّت على الأرض بسطا من جواهرها ... ما بين مجتمع وار ومفترق.
مثل المصابيح إلا أنها نزلت ... من السماء بلا رجم ولا حرق.
أعجب بنار ورضوان يسعّرها ... ومالك قائم منها على فرق!
فى مجلس ضحكت روض الجنان له ... لما جلا ثغره عن واضح يقق.
стр. 191
٣- ذكر أعياد النصارى القبط
وأعياد النصارى أربعة عشر عيدا: سبعة يسمونها كبارا، وسبعة يسمونها صغارا.
فأما الكبار:
١- فمنها عيد البشارة. ويعنون بها بشارة غبريال، وهو عندهم جبريل ﵇ على ما يزعمون أنه بشر مريم ابنة عمران بميلاد عيسى ﵉ . وهم يعملونه فى التاسع والعشرين من برمهات من شهورهم.
٢- ومنها عيد الزيتونة. وهو عيد الشّعانين، وتفسيره التسبيح. يعملونه فى سابع أحد من صومهم. وسنّتهم فيه أن يخرجوا بسعف النخل من الكنيسة. ويزعمون أنه يوم ركوب المسيح اليعفور فى القدس، وهو الحمار، ودخوله صهيون وهو راكب، والناس يسبحون بين يديه، وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
٣- ومنها الفصح. وهو العيد الكبير عندهم يقولون إن المسيح قام فيه بعد الصّلبوت بثلاثة أيام.
٤- ومنها خميس الأربعين. ويسميه الشاميون السّلّاق [١] . وهو الثانى والأربعون من الفطر. يزعمون أن المسيح ﵇ تسلّق فيه من بين تلاميذه إلى السماء من بعد القيام، ووعدهم إرسال الفار قليط وهو روح القدس.
٥- ومنها عيد الخميس. وهو العنصرة يعمل بعد خمسين يوما من يوم القيام يقولون إن روح القدس حلّت بالتلاميذ، وتفرّقت عليهم ألسنة الناس، فتكلموا بجميع الألسنة، وتوجه كل واحد منهم إلى بلاد لسانه الذى تكلم به يدعوهم إلى دين المسيح.
стр. 192
٦- ومنها الميلاد. وهو اليوم الذى ولد فيه المسيح. يقولون إنه ولد فى يوم الاثنين فيجعلون عشية الأحد ليلة الميلاد. وهم يوقدون فيه المصابيح بالكنائس ويزينونها. ويعمل فى التاسع والعشرين من كيهك من شهورهم.
٧- ومنها الغطاس. ويعمل فى الحادى عشر من طوبة من شهورهم. ويقولون إن يحيى بن زكريا، وينعتونه بالمعمدان، غسل عيسى ﵇ فى بحيرة الأردنّ، ويزعمون أن عيسى ﵇ لما خرج من الماء اتصل به روح القدس على هيئة حمامة. والنصارى يغمسون أولادهم فى الماء فيه، ووقته شديد البرد.
وأما الأعياد الصغار:
١- فمنها الختان. ويعمل فى سادس بئونة، يقولون إن المسيح ختن فى هذا اليوم، وهو الثامن من الميلاد.
٢- ومنها الأربعون. وهو عند دخول الهيكل يقولون إن سمعان الكاهن دخل بعيسى ﵇ مع أمّه [الهيكل] [١] وبارك عليه. ويعمل فى ثامن أمشير من شهورهم.
٣- ومنها خميس العهد. ويعمل قبل الفصح بثلاثة أيام. وسنّتهم فيه أن يأخذوا إناء ويملؤوه ماء ويزمزموا عليه، ثم يغسل البطريك به أرجل سائر الناس. ويزعمون أن المسيح عيسى ﵇ فعل مثل هذا بتلاميذه فى مثل هذا اليوم، يعلمهم التواضع، وأخذ عليهم العهد أن لا يتفرّقوا، وأن يتواضع بعضهم لبعض. وعوامّ النصارى يسمون هذا الخميس خميس العدس، وهم يطبخون فيه العدس المقشور
стр. 193
على ألوان، ويسميه أهل الشام خميس الأرز. ومنها خميس البيض أيضا. ويسميه أهل الأندلس خميس أبريل، وأبريل شهر من شهور الروم.
٤- ومنها سبت النّور. وهو قبل الفصح بيوم. يقولون إن النور يظهر على مقبرة المسيح فى هذا اليوم، فتشتعل منه مصابيح كنيسة القيامة التى بالقدس. وليس كذلك، بل هو من تخييلات فعلها أكابرهم ليستميلوا بها عقول أصاغرهم. وقيل إنهم يعلقون القناديل فى بيت المذبح، ويتحيلون فى إيصال النار إليها بأن يمدّوا على سائرها شريطا من حديد فى غاية الدقة، يدهنونه بدهن البلسان ودهن الزّنبق. فإذا صلّوا، وحان وقت الزوال، فتحوا المذبح، فدخل الناس إليه، وقد أشعلت فيه الشموع. ويتوصل بعض القوم إلى أن يعلق بطرف الشريط الحديد النار فتسرى عليه، فتقد القناديل واحدا بعد واحد بسبب الدّهن.
٥- ومنها حدّ الحدود. وهو بعد الفصح بثمانية أيام. يعمل أوّل أحد بعد الفطر، لأن الآحاد قبله مشغولة بالصوم. وفيه يجدّدون الآلات، والأثاث، واللباس، ويأخذون فى المعاملات، والأمور الدّنيوية.
٦- ومنها التجلى. يقولون: إن المسيح ﵇ ، تجلّى لتلاميذه بعد أن رفع، وتمنّوا عليه أن يحضر لهم إيليا، وموسى، فأحضرهما لهم فى مصلّى بيت المقدس، ثم صعد. ويعمل فى ثالث عشر مسرى من شهورهم.
٧- وعيد الصليب. وتزعم النصارى أن قسطنطين بن هيلانى انتقل عن اعتقاد اليونان إلى اعتقاد النصرانية، وبنى كنيسة قسطنطينية العظمى، وسائر كنائس الشام.
стр. 194
وسبب ذلك- على ما نقله المؤرّخون- أنه كان مجاورا للبرجان، فضاق بهم ذرعا من كثرة غاراتهم على بلاده. فهمّ أن يصانعهم ويقرّر لهم عليه إتاوة فى كل عام ليكفّوا عنه. فرأى ليلة فى المنام أن ملائكة نزلت من السماء ومعها أعلام عليها صلبان، فحاربت البرجان فهزموهم. فلما أصبح، عمل أعلاما وصوّر فيها صلبانا، ثم قاتل بها البرجان فهزمهم.
وقيل إنه رأى فى المنام صلبانا من نور فى السماء، وقائلا يقول له: اعمل مثل هذا على رؤوس أعلامك وقاتل بها فنصر. فأمر أهل مملكته بالرجوع عن دينهم والدّخول فى دين النصرانية، وأن يقصوا شعورهم، ويخلقوا لحاهم. وإنما فعل ذلك بهم لأن رسل عيسى ﵇ كانوا قد وردوا على اليونان من قبل يأمرونهم بالتعبد بدين النصرانية، فأعرضوا عنهم، ومثّلوا بهم هذه المثلة نكالا بهم. ففعلوا ذلك تأسّيا بهم.
ولما تنصر قسطنطين، خرجت أمه هيلانى إلى الشام، فبنت الكنائس، وسارت إلى بيت المقدس، فطلبت الخشبة التى صلب عليها المسيح، على ما يزعمون. وكانت مدفونة فى مزبلة. فأخرجت منها، وفيها مواضع سبعة مسامير فلما حملت إليها، غلفتها بالذهب وحملتها إلى ابنها. واتخذت يوم رؤيتها لها عيدا.
قال المسعودىّ: وذلك لأربع عشرة ليلة خلت من أيلول، ووافق ذلك سبع عشرة ليلة خلت من توت من شهور القبط. وكان من مولد عيسى إلى اليوم الذى وجدت فيه الخشبة ثلاثمائة وثمان وعشرون سنة.
وسيأتى ذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى أخبار الروم فى فنّ التاريخ، وهو فى الجزء الثالث عشر من هذا الكتاب.
стр. 195
٤- ذكر أعياد اليهود
وأعياد اليهود التى نطقت بها توراتهم خمسة:
١- منها عيد رأس السنة. ويسمونه رأس هيشا، أى عيد رأس الشهر.
وهو أوّل يوم من تشرين. ينزل عندهم منزلة عيد الأضحية عندنا. ويقولون إن الله أمر إبراهيم بذبح إسحاق ابنه ﵉ فيه، وفداه بذبح عظيم.
٢- ومنها عيد صوماريا. ويسمّى الكبور. وهو عندهم الصوم العظيم الذى فرض عليهم، ويقتل من لم يصمه. ومدّة الصوم خمس وعشرون ساعة، يبدأ فيها قبل غروب الشمس فى اليوم التاسع من شهر تشرين، ويختم بمضىّ ساعة بعد غروبها من اليوم العاشر. ويشترطون رؤية ثلاثة كواكب عند الإفطار. وهى عندهم تمام الأربعين الثالثة التى صام فيها موسى ﵇. ولا يجوز أن يقع عندهم فى يوم الأحد، ولا يوم الثلاثاء، ولا فى يوم الجمعة. ويزعمون أن الله تعالى يغفر لهم فيه جميع ذنوبهم إلا الزنا بالمحصنات، وظلم الرجل أخاه، وجحد ربوبية الله تعالى.
٣- ومنها عيد المظلّة. وهو ثمانية [١] أيام، أوّلها الخامس عشر من تشرين. وكلها أعياد، واليوم الأخير منها يسمّى عرابا [٢] ، وتفسيره شجر الخلاف. وهو أيضا حج لهم.
وهم يجلسون فى هذه الأيام تحت ظلال سعف النخل الأخضر، وأغصان الزيتون.
والخلاف، وسائر الشجر الذى لا ينشر ورقه على الأرض. ويزعمون أن ذلك تذكار منهم لإظلال الله تعالى إياهم فى التّيه بالغمام.
стр. 196
٤- ومنها عيد الفطير. ويسمونه الفصح. ويكون فى الخامس عشر من نيسان. وهو سبعة أيام يأكلون فيها الفطير، وينظّفون بيوتهم فيها من خبز الخمير.
لأنها عندهم الأيام التى خلص الله تعالى فيها بنى إسرائيل من فرعون وأغرقه، فخرجوا إلى التيه، وجعلوا يأكلون اللحم، والخبز الفطير، وهم بذلك فرحون. وفى آخر هذه الأيام غرق فرعون.
٥- ومنها عيد الأسابيع، وهى الأسابيع التى فرضت عليهم فيها الفرائض، وكمّل فيها الدّين. ويسمّى عيد العنصرة، وعيد الخطاب. ويكون بعد عيد الفطير بسبعة أسابيع. يقولون إنه اليوم الذى خاطب الله تعالى فيه بنى إسرائيل من طور سيناء وإن من جملة ما خوطبو به العشر كلمات، وهى وصايا تتضمن أمرا ونهيا. وهو:
من حجوجهم. وحجوجهم ثلاثة: الأسابيع، والفطير، والمظلّة. وهم يعظمونه ويأكلون فيه القطائف ويجعلونها بدلا عن المنّ الذى أنزل عليهم فى هذا اليوم، على ما يزعمون. واتخاذهم لهذا العيد فى اليوم السادس من سيوان.
٦- وعيد الفوز. وهو عيد أحدثوه، ويسمونه الفوريم. وذكروا فى سبب اتخاذهم له أن بختنصر لما أجلى من كان ببيت المقدس من اليهود إلى عراق العجم، أسكنهم مدينة جىّ، وهى إحدى مدينتى أصفهان. فلما ملك أردشير بن بابك، سماه اليهود بالعبرانية أجشادوس. وكان له وزير يسمونه بلغتهم هيمون. ولليهود يومئذ حبر يسمّى بلغتهم مردوخاى. فبلغ أردشير أن له ابنة عمّ جميلة الصورة من أحسن أهل زمانها. فطلب تزويجها منه، فأجابه إلى ذلك. فتزوّجها، وحظيت عنده، وصار مردوخاى قريبا منه. فأراد هيمون الوزير إصغاره حسدا له، وعزم على إهلاك طائفة اليهود التى فى جميع مملكة أردشير. فرتب مع نوّاب الملك فى سائر الأعمال
стр. 197
أن يقتل كلّ واحد منهم من يعلمه من اليهود. وعيّن لهم يوما وهو النصف من آذار.
وإنما خص هذا اليوم دون غيره، لأن اليهود يزعمون أن موسى ﵇ ولد فيه، وتوفى فيه. وأراد بذلك المبالغة فى نكايتهم ليضاعف الحزن عليهم بهلاكهم، وبموت موسى ﵇ .
فبلغ مردوخاى ذلك، فأرسل إلى ابنة عمه يعلمها بما بلغه، ويحضها على إعمال الحيلة فى خلاصهم، فأعلمت الملك بالحال، وذكرت له أن الوزير إنما حمله على ذلك الحسد، لقرب مردوخاى منه. فأمر بقتل هيمون الوزير، وأن يكتب أمان لليهود.
فاتخذوه عيدا. واليهود يصومون قبله ثلاثة أيام.
وهذا العيد عندهم عيد سرور، ولهو، وخلاعة، وهدايا يهديها بعضهم لبعض، ويصوّرون فيه من الورق صورة هيمون، ويملئون بطن الصورة نخالة ويلقونها فى النار حتّى تحترق.
٧- وعيد الحنكة. وهو أيضا مما أحدثوه. وهو ثمانية أيام، أوّلها ليلة الخامس والعشرين من كسلا. وهم يوقدون فى الليلة الأولى من لياليه على كل باب من أبوابهم سراجا؛ وفى الثانية سراجين؛ ويضعف ذلك فى كل ليلة إلى ثمان ليال. فيكون فى الثامنة ثمانية سرج.
وسبب اتخاذهم لهذا العيد، أن بعض الجبابرة تغلّب على البيت المقدّس وقتل من كان فيه من بنى إسرائيل، وافتض أبكارهم. فوثب عليه أولاد كاهنهم، وكانوا ثمانية، فقتله أصغرهم. فطلب اليهود زيتا لوقود الهيكل فلم يجدوا إلا يسيرا، وزعوه على عدد ما يوقدونه من السرج على أبوابهم فى كل ليلة إلى ثمان ليال. فاتخذوا هذه الأيام عيدا وسموه الحنكة، وهو مشتق من التنظيف، لأنهم نظفوا فيها الهيكل من أقذار شيعة الجبار.
стр. 198
القسم الرابع من الفن الأوّل فى الأرض، والجبال، والبحار، والجزائر، والأنهار، والعيون، والغدران
وفيه سبعة أبواب
الباب الأوّل من هذا القسم ١- فى مبدإ خلق الأرض
قال الله تعالى: (أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً) .
والأرض سبع، كما أن السماوات سبع. والدّليل على ذلك قوله :
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)
واختلف فيها هل هى سبع متطابقات بعضها فوق بعض، أو سبع متجاورات؟
فذهب قوم إلى أنّ الله تعالى خلق سبع سماوات متطابقات متعاليات، وسبع أرضين متطابقات متسافلات؛ وبين كل أرض وأرض، كما بين كل سماء وسماء، خمسمائة عام. وفسر بهذا قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما)
. أى كانت سماء واحدة [١] ففتقناهما سبعا.
قيل: ولكل أرض أهل وسكّان مختلفو الصور والهيئات؛ ولكل أرض اسم خاص.
стр. 199
وذهب قوم إلى أنها سبع متجاورات متفرّقات لا متطابقات. فجعلوا الصين أرضا، وخراسان أرضا، والسند والهند أرضا، وفارس والجبال والعراق وجزيرة العرب أرضا، والجزيرة والشام وبلاد إرمينية أرضا، ومصر وإفريقيّة أرضا، وجزيرة الأندلس وما جاورها من بلاد الجلالقة والأنكبردة وسائر طوائف الروم أرضا.
ويقال: إنها كانت على ماء، والماء على صخرة، والصخرة على سنام ثور، والثور على كمكم [١] ، والكمكم على ظهر حوت، والحوت على الماء، والماء على الريح، والريح على حجاب ظلمة، والظلمة على الثرى. وإلى الثرى انقطع علم المخلوقين.
قال الله تعالى: (لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى) .
وزعم آخرون أن تحت الأرض السابعة صخرة. وتحت الصخرة الحوت، وتحت الحوت الماء، وتحت الماء الظلمة، وتحت الظلمة الهواء، وتحت الهواء الثرى.
وقد تقدّم فى الباب الأوّل من هذا الكتاب أن الأرض مخلوقة من الزّبد.
فلا فائدة فى تكراره.
الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الأوّل
١- فى تفصيل أسماء الأرضين وصفاتها
، فى الاتساع، والاستواء، والبعد، والغلظ، والصلابة، والسهولة، والحزونة، والارتفاع، والانخفاض، وغير ذلك قال الثعالبىّ: فى كتابه المترجم «بفقه اللغة» وأسنده إلى أئمة اللغة:
стр. 200
إذا اتّسعت الأرض ولم يتخللها شجر أو خمر، فهى الفضاء والبراز والبراح؛ ثم الصّحراء والعراء؛ ثم الرّهاء والجهراء.
فإذا كانت مستوية مع الاتّساع، فهى الخبت والجدد؛ ثم الصّحصح والصّردح؛ ثم القاع والقرقر؛ ثم القرق والصّفصف.
فإذا كانت مع الاستواء والاتساع بعيدة الأكناف والأطراف، فهى السّهب والخرق؛ ثم السّبسب والسّملق والملق.
فإذا كانت مع الاتّساع والاستواء والبعد لا ماء فيها، فهى الفلاة والمهمة؛ ثم التّنوفة والفيفاء؛ ثم النّفنف والصّرماء.
فإذا كانت مع هذه الصفات لا يهتدى فيها لطريق، فهى اليهماء والغطشاء.
فإذا كانت تضلّ سالكها، فهى المضلّة والمتيهة.
فإذا لم يكن بها أعلام ولا معالم، فهى المجهل والهوجل.
فإذا لم يكن بها أثر، فهى الغفل.
فإذا كانت قفراء، فهى القىّ.
فإذا كانت تبيد سالكها، فهى البيداء. والمفازة كناية عنها.
فإذا لم يكن فيها شىء من النّبت، فهى المرت والمليع.
فإذا لم يكن فيها شىء، فهى المروراة والسّبروت والبلقع.
فإذا كانت الأرض غليظة صلبة، فهى الجبوب، ثم الجلد، ثم العزاز، ثم الصّيداء، ثم الجدجد.
فإذا كانت صلبة يابسة من غير حصى، فهى الكلد، ثم الجعجاع.
стр. 201
فإذا كانت غليظة ذات حجارة ورمل، فهى البرقة والأبرق.
فإذا كانت ذات حصّى، فهى المحصاة والمحصبة.
فإذا كانت كثيرة الحصى، فهى الأمعز والمعزاء.
فإذا اشتملت عليها كلّها حجارة سود، فهى الحرّة واللّابة.
فإذا كانت ذات حجارة كأنها السكاكين، فهى الحزيز.
فإذا كانت الأرض مطمئنة، فهى الجوف والغائط؛ ثم الهجل والهضم.
فإذا كانت مرتفعة، فهى النّجد والنّشز.
فإذا جمعت الأرض الارتفاع والصّلابة والغلظ، فهى المتن والصّمد، ثم القفّ والفدفد والقردد.
فإذا كان ارتفاعها مع اتّساع، فهى اليفاع.
فإذا كان طولها فى السماء مثل البيت، وعرض ظهرها نحو عشرة أذرع، فهى التّلّ؛ وأطول وأعرض منها الرّبوة والرّابية؛ ثم الأكمة؛ ثم الزّبية، وهى التى لا يعلوها الماء.
وبها ضرب المثل فى قولهم: «بلغ السيل الزّبى» ؛ ثم النّجوة، وهى المكان الذى تظن أنه نجاؤك؛ ثم الصّمّان، وهى الأرض الغليظة دون الجبل.
فإذا ارتفعت عن موضع السيل وانحدرت عن غلظ الجبل، فهى الخيف.
فإذا كانت الأرض لينة سهلة من غير رمل، فهى الرّقاق والبرث؛ ثم الميثاء والدّمثة.
فإذا كانت طيبة التربة كريمة المنبت بعيدة عن الأحساء والنّزوز، فهى العذاة.
فإذا كانت مخيلة للنبت والخير، فهى الأريضة.
فإذا كانت ظاهرة لا شجر فيها ولا شىء يختلط بها، فهى القراح والقرواح.
فإذا كانت مهيأة للزراعة، فهى الحقل والمشارة والدّبرة.
стр. 202
[فإذا لم تهيأ للزراعة، فهى بور] [١] .
فإذا لم يصبها المطر، فهى الفلّ والجرز فإذا كانت غير ممطورة وهى بين أرضين ممطورتين، فهى الخطيطة.
فإذا كانت ذات ندى ووخامة، فهى الغمقة.
فإذا كانت ذات سباخ، فهى السّبخة.
فإذا كانت ذات وباء، فهى الوبئة والوبيئة.
فإذا كانت كثيرة الشجر، فهى الشّجراء والشّجرة.
فإذا كانت ذات حيّات، فهى المحوّاة [٢] .
فإذا كانت ذات سباع أو ذئاب، فهى المسبعة والمذأبة.
٢- ذكر تفصيل أسماء التراب وصفاته
قال الثعالبىّ رحمه الله تعالى:
الصّعيد، تراب وجه الأرض.
والبوغاء، والدّقعاء، التراب الرّخو الرقيق الذى كأنه ذريرة.
والثّرى، التراب النّدىّ: وهو كل تراب لا يصير طينا لازبا إذا بلّ.
المور، التراب الذى تمور به الريح.
الهباء، التراب الذى تطيّره الريح فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم [يلتزق لزوقا] [٣] .
стр. 203
[والهابى، الذى دقّ وارتفع] [١] .
السّافياء، التراب الذى يذهب فى الأرض مع الريح.
النّبيئة، التراب الذى يخرج من البئر عند حفرها.
الرّاهطاء والدّامّاء، التراب الذى يخرجه اليربوع من جحره ويجمعه..
الجرثومة، التراب الذى يجمعه النمل عند قريته.
العفاء، التراب الذى يعفّى الآثار. وكذلك العفو.
الرّغام، التراب المختلط بالرمل.
السّماد، التراب الذى يسمّد به النبات. فإذا كان مع السّرقين، فهو الدّمال..
٣- ذكر تفصيل أسماء الغبار وأوصافه
النّقع والعكوب، الغبار الذى يثور من حوافر الخيل وأخفاف الإبل.
العجاج، الغبار الذى تثيره الريح.
الرّهج والقسطل، غبار الحرب.
الخيضعة، غبار المعركة.
العثير، غبار الأقدام.
المنين ما تقطّع منه.
٤- ذكر تفصيل أسماء الطين وأوصافه
قال:
إذا كان الطين حرّا يابسا، فهو الصّلصال.
فإذا كان مطبوخا، فهو الفخّار.
стр. 204
فإذا كان علكا لاصقا، فهو اللّازب.
فإذا غيّره الماء وأفسده، فهو الحمأ.
(وقد نطق القرآن بهذه الأسماء الأربعة) .
فإذا كان رطبا، فهو الثّأطة والثّرمطة والطّثرة.
فإذا كان رقيقا، فهو الرّداغ.
فإذا كان ترتطم فيه الدوابّ، فهو الوحل. وأشدّ منه الرّدغة والرّزغة. وأشدّ منها الورطة تقع فيها الغنم فلا تقدر على التخلّص منها؛ ثم صارت مثلا لكل شدّة يقع فيها الإنسان.
فإذا كان حرّا طيبا علكا وفيه خضرة، فهو الغضراء.
فإذا كان مخلوطا بالتبن، فهو السّياع.
فإذا جعل بين اللّبن، فهو الملاط.
٥- ذكر تفصيل أسماء الرّمال
قال:
العداب، ما استرقّ [١] من الرمل.
الحبل، ما استطال منه.
اللّبب، ما انحدر منه.
الحقف، ما اعوجّ منه.
الدّعص، ما استدار منه.
стр. 205
العقدة، ما تعقّد منه.
العقنقل، ما تراكم منه.
السّقط، ما جعل يتقطّع ويتصل منه.
النّهبورة، ما أشرف منه.
التّيهور، ما اطمأنّ منه.
الشّقيقة، ما انقطع وغلظ منه.
الكثيب والنّقا، ما احدودب وانهال منه.
العاقر، ما لا ينبت شيئا منه.
الهدملة، ما كثر شجره منه.
الأوعس، ما سهل ولان منه.
الرّغام، ما لان منه. وليس هو الذى يسيل من اليد.
الهيام، ما لا يتمالك أن يمسك باليد منه للينه.
الدّكداك، ما التبد بالأرض منه.
العانك، ما تعقّد منه حتّى لا يقدر البعير على المسير فيه.
٦- ذكر ترتيب كمية الرمل
قال الثعالبىّ:
الكثير يقال له العقنقل.
فإذا نقص، فهو كثيب.
فإذا نقص، فهو عوكل.
стр. 206
فإذا نقص عنه، فهو سقط.
فإذا نقص عنه، فهو عداب.
فإذا نقص، فهو لبب.
وقال فى كتابه «الغريب [١] » :
إذا كانت الرملة مجتمعة، فهى العوكلة.
فإذا انبسطت وطالت، فهى الكثيب.
فإذا انتقل الكثيب من موضع إلى آخر بالرياح وبقى منه شىء رقيق، فهو اللّبب.
فإذا نقص، فهو العداب.
٧- ذكر تفصيل أسماء الطرق وأوصافها
قال الثعالبىّ:
المرصاد والنّجد، الطريق الواضح؛ وكذلك الصّراط والجادّة والمنهج واللّقم والمحجّة، وسط الطريق ومعظمه.
واللّاحب، الطريق الموطّأ.
المهيع، الطريق الواسع.
الوهم، الطريق الذى يرد فيه الموارد.
الشّارع، الطريق الأعظم.
النّقب والشّعب، الطريق فى الجبل.
الخلّ، الطريق فى الرمل.
стр. 207
المخرف، الطريق فى الأشجار. ومنه الحديث: «عائد المريض فى مخارف الجنة» .
النّيسب، الطريق المستقيم؛ وقيل إنه الطريق المستدق الواضح، كطريق النمل والحية وحمر الوحش.
والله أعلم.
الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الأوّل
فى طول الأرض ومسافتها ذهب المتكلمون فى ذلك أن مسافة الأرض خمسمائة عام: ثلث عمران، وثلث خراب، وثلث بحار؛ وأن مقدار المعمور من الأرض مائة وعشرون سنة: تسعون منها ليأجوج ومأجوج، واثنا عشر للسودان، وثمانية للروم، وثلاثة للعرب، وسبعة لسائر الأمم.
وقيل إن الدّنيا سبعة أجزاء: ستة منها ليأجوج ومأجوج، وواخذ لسائر الناس.
وقيل إن الأرض خمسمائة عام: البحار منها ثلاثمائة، ومائة خراب، ومائة عمران.
وقيل إن الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ: للسودان منها اثنا عشر ألفا، وللروم ثمانية آلاف فرسخ، ولفارس ثلاثة آلاف، وللعرب ألف.
وقال وهب بن منبه: ما العمارة من الدّنيا فى الخرب إلا كفسطاط فى الصحراء.
وقال أردشير بن بابك: إن الأرض أربعة أجزاء: جزء منها للترك، وجزء للعرب، وجزء للفرس، وجزء للسّودان.
стр. 208
وقيل: إن الأقاليم سبعة، والأطراف أربعة، والنواحى خمسة وأربعون، والمدائن عشرة آلاف، والرساتيق مائتا ألف وستة وخمسون ألفا.
وقال الخوارزمىّ صاحب الزيج: دور المعمور سبعة آلاف فرسخ، وهو نصف سدس الأرض، والجبال، والمفاوز، والبحار. والباقى خراب يباب لا نبات فيه ولا حيوان.
ومثّل المعمور بصورة طائر، رأسه الصين، والجناح الأيمن الهند والسند، والجناح الأيسر الخزر، وصدره مكة والعراق والشام ومصر، وذنبه الغرب.
وزعم أصحاب الهيئة أن قطر الأرض سبعة آلاف وأربعمائة وأربعة عشر ميلا، وأن دورها عشرون ألف ميل وأربعمائة ميل. وذلك جميع ما أحاطت به من برّ وبحر.
وإنما علم ذلك وحرر من عبد الله المأمون، وذلك أنه لما أشكل عليه ما ذكره المتقدّمون من مقدار الأرض بعث جماعة من أهل الخبرة بالحساب والنجوم- منهم علىّ بن عيسى- إلى برّية سنجار. وتفرّقوا من هناك. فذهب بعضهم إلى جهة القطب الشمالىّ، وذهب آخرون إلى جهة القطب الجنوبىّ، وسار كل منهم فى جهته إلى أن وصل غاية ارتفاع الشمس نصف النهار، وقد زال وتغير عن الموضع الذى اجتمعوا فيه وتفرّقوا منه، مقدار درجة واحدة. وكانوا قد ذرعوا الطريق فى ذهابهم، فنصبوا السهام، ووتدوا الأوتاد، وشدّوا الحبال. ثم رجعوا وامتحنوا الذرع ثانية، فوجدوا مقدار درجة واحدة من السماء سامتت وجه بسيط الأرض ستة وخمسين ميلا وثلثى ميل. (والميل أربعة آلاف ذراع؛ والذراع ست قبضات؛ والقبضة أربع أصابع؛ والإصبع ست شعيرات، بطون بعضها إلى بعض؛ والشعيرة
стр. 209
ست شعرات من شعر الخيل) . فضربت هذه الأميال فى جميع درجات الفلك، وهى ثلاثمائة وستون درجة، فخرج من الضرب عشرون ألف ميل وأربعمائة ميل.
فحكم بأن ذلك دور الأرض.
وقال أبو زيد أحمد بن سهل البلخىّ: مسافة طول الأرض من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب نحو من أربعمائة مرحلة، ومسافة عرضها من حيث العمران الذى من جهة الشمال (وهو مساكن يأجوج ومأجوج) إلى حيث العمران الذى من جهة الجنوب (وهو مساكن السودان مائتان وعشرون مرحلة؛ وما بين برارى يأجوج ومأجوج والبحر المحيط فى الجنوب خراب ليس فيه عمارة.
ويقال إن مسافة ذلك خمسة آلاف فرسخ.
حكى هذه الأقوال صاحب كتاب «مباهج الفكر ومناهج العبر» ﵀.
الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الأوّل
١- فى الأقاليم السبعة
ذهب أصحاب الزيجات إلى أن كل إقليم منها كأنّه بساط ممدود، طوله من المغرب إلى المشرق، وعرضه من الجنوب إلى الشمال.
١- فأما الإقليم الأوّل. فمبدؤه من مشرق أرض الصين إلى مدائن أبوابها.
وهى الأنهار التى تدخل السفن فيها من البحر إلى المدائن الجليلة، مثل خانقو وخانفور. [١]
стр. 210
وفيه جزيرة سرنديب. ومن أرض اليمن ما كان جنوبيا من صنعاء، مثل ظفار وحضرموت وعدن. وفيه من بلد النوبة دنقلة؛ ومن بلد السودان غانة. ثم ينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من خط الاستواء إلى مقدار ما يبعد عنه عشرون درجة وثلاث عشرة دقيقة.
وذهب بعض الناس إلى أن أوّل المعمور من حيث يكون العرض وخط الاستواء اثنتى عشرة درجة ونصف وربع درجة، وفيما بين هذا العرض وخط الاستواء مسكون بطوائف من السودان فى عداد الوحوش والبهائم. وعدّ فيه بطليموس من البلاد ذوات العروض ستين مدينة. وأهل هذا الإقليم سود، وهو قليل الساكن لإفراط حرّه.
٢- وأما الإقليم الثانى. فيبتدئ من بلاد الصين، ويمرّ على بعض بلاد الهند الساحلية، مثل تانة [١] ، وصيمور، وسندان؛ ومن بلاد السند على المنصورة وديبل، ثم يبلغ عمان. ويكون فيه من أرض العرب: نجران، وهجر، وجنّابة [٢] ، ومهرة، وسبأ، وتبالة، والطائف، وجدّة، ومكّة، والمدينة، ومملكة الحبشة، وأرض البجة، وأسوان، وقوص، والصعيد الأعلى، وجنوب بلاد المغرب حتّى ينتهى إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الأوّل إلى سبع وعشرين درجة واثنتى عشرة دقيقة.
وزعم بطليموس أن فيه أربعمائة وخمسين مدينة. وأهله بين السمرة والسواد، وهو كثير الذهب.
стр. 211
٣- وأما الإقليم الثالث. فمبدؤه من شرق أرض الصين، وفيه مدينة مملكتها، حمدان [١] ؛ وفيه من بلاد الهند تانش والقندهار، ومن بلاد السند المولتان وقزدار [٢] . ثم يمرّ ببلاد سجستان، وكرمان، وفارس، وأصبهان، والأهواز، والبصرة، والكوفة، وأرض بابل، وبلاد الجزيرة، والشام، وفلسطين، وبيت المقدس، والقلزم، والتّيه، وأرض مصر، والإسكندرية، وبلاد برقة، وإفريقيّة، وتاهرت، وبلاد طنجة، والسّوس، وينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية الإقليم الثانى فى العرض إلى تمام ثلاث وثلاثين درجة وتسع وأربعين دقيقة.
وزعم بطليموس أن فيه تسعا وخمسين مدينة. وأهله سمر.
٤- وأما الإقليم الرابع. فمبدؤه من أرض الصين، ويمرّ على التّبّت والحنق [٣] ، ثم على جبال قشمير، ووخان [٤] ، وتل حسان، وكابل، والغور، وهراة، وبلخ، وطخارستان؛ ويمتدّ إلى الرىّ، وقمّ، وهمذان، وحلوان [٥] ، وبغداد، والموصل، وأذربيجان، ويمتدّ على منبج، وطرسوس، والثغور، وأنطاكية، وجزيرة قبرس، وصقلّيّة، ثم على الزّقاق إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الثالث فى العرض إلى تتمة تسع وثلاثين درجة وعشرين دقيقة.
стр. 212
وزعم بطليموس أن فيه مائة وثلاثين مدينة. وأهله بين السمرة والبياض.
٥- وأما الإقليم الخامس. فمبدؤه من أرض الترك المشرفين على يأجوج ومأجوج إلى كاشغر، وبلاساغون، وفرغانة، وإسبيجاب، [١] والشّاش، وأشروسنة، وسمرقند، وبخارى، وخوارزم، وبحر الخزر إلى باب الأبواب، وبرذعة، وميّافارقين، ودروب الروم، وبلادهم. ثم يمرّ على رومية الكبرى، وأرض الجلالقة [٢] ، وبلاد الأندلس؛ وينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية الإقليم الرابع إلى تمام ثلاث وأربعين درجة وثمانى عشرة دقيقة.
وذكر بطليموس أن فيه سبعا وتسعين مدينة. وأكثر أهله بيض.
٦- وأما الإقليم السادس. فمبدؤه من مساكن ترك المشرق، وهم الخرخيز، والكيماك، والتّغزغر، ثم على بلاد الخوز من شمال تخومها، واللّان، والسّرير، وأرض برجان، ثم على قسطنطينيّة، وأفرنجة [٣] ، وشمال الأندلس؛ وينتهى إلى البحر المحيط؛ وعرضه من غاية الإقليم الخامس إلى تمام سبع وأربعين درجة وخمس عشرة دقيقة.
وزعم بطلميوس أن فيه ثلاثا وثلاثين مدينة، وهو كثير الإمداد والثلوج. وأهله بيض الأبدان، شقر الشعور.
٧- وأما الإقليم السابع. فليس فيه كبير عمارة، وإنما هو فى المشرق غياض وجبال يأوى إليها طوائف من الترك كالمتوحشين. ويمرّ على بلاد البجناك، ثم على بلاد البلغار، ثم على الروس والصقالبة، وينتهى إلى البحر المحيط. وعرضه من غاية
стр. 213
الإقليم السادس إلى تتمة خمسين درجة ونصف. وفيه الأرض المحفورة، وهى وهدة لا يقدر أحد أن ينزل إليها، ولا أن يصعد منها من هو فيها لبعد قعرها. يسكنها أمّة من الناس لا يدرى من هم. وإنما علم أنها معمورة برؤية الدّخان فيها نهارا، والنار ليلا. يشقها نهر يجرى، والعمارة محيطة به.
وزعم بطليموس أن فيها ثلاثا وعشرين مدينة. وأهل هذا الإقليم بيض صهب الشعور.
وما بقى من المعمور إلى نهايته إلى ثلاث وستين درجة مضاف إلى هذا الإقليم ومحسوب فيه. يسكنه طوائف من الناس، هم بالبهائم فى الخلق والخلق أشبه منهم ببنى آدم.
٢- ذكر ما يتمثل به مما فيه ذكر الأرض
يقال:
أحمل من الأرض. أكتم من الأرض. أصبر من الأرض. آمن من الأرض.
أوثق من الأرض. أوطأ من الأرض. أحفظ من الأرض. أكثر من الرمل.
أظلم من الرمل. أعطش من الرمل. أوجد من التراب.
ويقال:
قتل أرضا عالمها، وقتلت أرض جاهلها. رماه بين سمع الأرض وبصرها. أخذت الأرض زخارفها. أفق قبل أن يحفر ثراك. ابتغوا الرزق فى خبايا الأرض.
ومن أنصاف الأبيات:
الأرض من تربة والناس من رجل
أنّى تمطر الأرض السماء
стр. 214
ومن الأبيات:
والأرض لا تطعم من فوقها ... إلا لكى تطعم من تطعمه
وقال آخر:
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر، فهى الأرض. ناهيك من أرض!
وقال آخر:
ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعا، ... فكم تحتها قوم همو منك أرفع!
وقال آخر:
يا أرض كم وافد أتاك فلم ... يرجع إلى أهله ولم يؤب!
٣- ذكر شىء مما قيل فى وصف الأرض وتشبيهها
قال الأخطل:
وتيهاء ممحال كان نعامها ... بأرجائها القصوى أباعر همّل.
ترى لامعات الآل فيها كأنّها ... رجال تعرّى تارة وتسربل.
وجوز فلاة لا يغمّض ركبها ... ولاعين هاديها من الخوف تغفل.
وكلّ بعيد الغور لا يهتدى له ... بعرفان أعلام ولا فيه منهل.
ملاعب جنّان كأنّ ترابها ... إذا اطّردت فيها الرّياح تغربل.
ترى الثعلب الحولىّ فيها كأنّه ... إذا ما علا نشزا حصان محجّل.
وقال ذو الرمّة:
ودوّيّة جرداء جدّاء خيّمت ... بها هبوات الصّف من كلّ جانب.
سباريت يخلو سمع مجتازها بها ... من الصّوت، إلا من صياح الثّعالب.
стр. 215
وقال ذو الرمّة:
وهاجرة السّراب من الموامى ... ترقّص فى عساقلها الأروم.
تموت قطا الفلاة بها أواما ... ويهلك فى جوانبها النّسيم.
مللت بها المقام فأرقتنى ... هموم لا تنام ولا تنيم.
وقال ضابئ البرجمىّ:
وداويّة تيه يحاربها القطا ... على من علاها من ضلول ومهتدى.
مسافهة للعيس ناء نياطها؛ ... إذا سار فيها راكب، لم يغرّد.
وقال مسلم بن الوليد:
وقاطعة رجل السّبيل مخوفة ... كأنّ على أرجائها حدّ مبرد.
مؤزّرة بالآل فيها كأنّها ... رجال قعود فى ملاء معمّد.
وقال الصاحب بن عباد:
وتيهاء لم تطمث بخفّ وحافر ... ولم يدر فيها النّجم كيف يغور.
معالمها أن لا معالم بينها، ... وآياتها أنّ المسير غرور.
ولو قيل للغيث، اسقها: ما اهتدى لها ... ولو ظلّ ملء الأرض وهو جزور.
تجشّمتها، واللّيل وحف جناحه ... كأنّى سرّ والظّلام ضمير.
وقال الشريف الرضى:
وتنوفة حصباؤها ... خلقت لنار القيظ جمرا.
تبدى جنادبها الأن ... ين أسى على المجتاز ظهرا.
وترى بها العصفور متّ ... خذا وجار الضّبّ وكرا.