← Адаб

Адаб · id 10283

نهاية الأرب في فنون الأدب

النويري، شهاب الدين

Полный текст (13 172 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

الممالك؛ وعاد وهنهم عليها فاختلّ نظامها، واعتلّ مرامها. وقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال «إذا اتّجر الراعى هلكت الرعيّة» . وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر: أىّ ملك تطنّف [١] نفسه إلى المحقّرات فالموت أكرم له. فهذا ما اشتمل عليه الشرط الأوّل. وأما الشرط الثانى من شروط وزارة التفويض، فهو الدفاع. وهو أسّ السلطنة وقانون السياسة والأخصّ بكفاية السيف فى تدبير الملك وضروب المصالح. ويشتمل على أربعة أقسام: أحدها الدفاع عن الملك من الأولياء، والثانى الدفاع عن المملكة من الأعداء، والثالث دفاع الوزير عن نفسه من الأكفاء، والرابع دفاعه عن الرعية من خوف [٢] واختلال. فالقسم الأول فى دفاعه عن الملك من أوليائه- ويكون بثلاثة أسباب: أحدها أن يقودهم إلى طاعته بالرغبة، ويكفّهم عن معصيته بالرهبة؛ فإن الرغبة والرهبة إذا تواليا على النفس ذلّت لهما وانقادت خوفا وطمعا، وبهما تعبّد الله الخلق فى وعده ووعيده. والثانى أن يقوم بكفايتهم حتى لا ينفروا بالقوّة أو يتفرّقوا بالضعف؛ وكلاهما قدح فى الملك. والثالث أن يحفظهم من الإغواء، ويحرسهم من الإغراء؛ وذلك بأمرين: أحدهما البحث عن أخبارهم حتى يعلم سليمهم من سقيمهم. والثانى بإبعاد المفسدين عنهم حتى لا يتعدّى إليهم فسادهم؛ فإن الكفّ بحسب الكشف.

стр. 1997

والقسم الثانى فى دفاعه عن المملكة من أعدائها- وأعداء الممالك [١] من انفرد بملك أو امتنع بقوّة. وهم ثلاثة أصناف: أكفاء مماثلون، وعظماء متقدّمون، وناجمة منافسون. فأما الأكفاء المماثلون فيدفعون بالمقاربة والمسالمة. وأما العظماء المتقدّمون فيدفعون بالملاطفة والملاينة. وأما الناجمة المنافسون فيدفعون بالسوط والمخاشنة. والقسم الثالث فى دفاع الوزير عن نفسه من أكفائه- ويكون بعد استصلاح الطرفين: الأعلى وهو الملك، والأدنى وهم الأعوان. وأكفاؤه ثلاثة: واتر، وموتور، ومنافس. فأما الواتر- فقد بدأ بشرّه وجاهر بعداوته؛ وكلاهما بغى مؤنس [٢] بالنصر عليه. وللوزير فى ترته حقّان: حقّ فى مقابلته على ما قدّم من ترته، وحق فى استدفاع ما جاهر به من عداوته. فأما حقه فى المقابلة، فإن عفا الوزير عنها كان بالفضل جديرا، وإن قابل كان فى المقابلة معذورا. وقد قيل: لذّة العفو أطيب من لذّة التشفى [لأن لذّة العفو يتبعها الحمد ولذة التشفى يعقبها الندم [٣]] . قال الشاعر: فإنّك تلقى فاعل الشّرّ نادما ... عليه ولم يندم على الخير فاعله وأما حقّه فى استدفاع شرّه، فقد أيقظته مجاهرته، وأوهن كيده مظاهرته. وقد قيل فى منثور الحكم: أوهن الأعداء كيدا أظهرهم بعداوته. فاحذر بادرته وادفع [٤] عداوته. ودفعها مختلف باختلاف طباعه فى انثنائه بالرغبة وتقويمه بالرهبة.

стр. 1998

وأما الموتور- فقد بودئ بالإساءة فصبر عليها، وجوهر بالعداوة فأخفاها؛ فله ترة مظلوم ووثبة مختلس، فتتوقّى ترة ظلامته بالاستعطاف، ووثبة مخالسته بالاحتراز. وأما المنافس- فهو طالب رتبة إن نال منها سدادا من عوز ياسر، وإن ضويق فيها نافر. فليرخ [١] الوزير له عنان الأمل، وليخفض [٢] له جناح منافسته بالاستنابة والعمل؛ ليندفع بالمياسرة عن المنافرة. وليغالط [٣] به الأيام، فإن الساعات تهدم الأعمار، ولا يجعل له فراغا يتشاغل فيه بمساءته، ويجعله عذرا فى السعى على منزلته. فإن ساق القضاء إليه حظّا كان له مصطنعا، يرعى له حقوق الاصطناع. فقد قيل: [من [٤]] علامة الإقبال، اصطناع الرجال. فإن صدّه القضاء عن إرادته وعجّزه القدر عن طلبته كفى الوزير منه ما خافه [وقد أحسن [٥]] ، ووصل إلى ما أراده [وقد أجمّ [٦]] ، وأوجب بإحسانه شكرا، وأقام بإجمامه عذرا، اجتذب بهما قياد منافسه إلى طاعته، وصرفه بهما عن التعرّض لمنافسته. فهنالك يجعله قبلة رجائه؛ إذ لم يحظ بخير إلّا منه، ولم يقض من زمان وطرا إلّا به. وقد قيل فى منثور الحكم: من استصلح الأضداد، بلغ المراد.

стр. 1999

وربما تعرّض لعداوة الوزير من قصّر عن رتبة منافسته. فليعطه [١] من رجائه طرفا، وليقبض [٢] من زمامه طرفا، وليختبره [٣] فيهما، فسيقف على صلاحه أو فساده. فإن صلح سوعد، وإن فسد بوعد. فقد قال أردشير بن بابك: احذروا صولة الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع. وقد قيل فى منثور الحكم: علّة المعاداة، قلّة المبالاة. والقسم الرابع فى الدفاع عن الرعية من خوف [٤] واختلال- فالخوف من نتائج الخرق [٥] ، والاختلال من نتائج الإهمال؛ وكلاهما من سوء السّيرة وفساد السياسة، [لتردّدهما بين تفريط وإفراط، وخروجهما عن العدل إلى تقصير أو إسراف [٦]] . وهم قوام الملك المستمدّ، وذخيرة المستعدّ. وليس يستقيم ولن يستقيم ملك فسدت فيه أحوال الرعايا، لأنّه منهم بمنزلة الرأس من الجسد لا ينهض إلا بقوّته ولا يستقلّ إلا بمعونته. وعلى الوزير لهم ثلاثة حقوق: أحدها أن يعينهم على صلاح معايشهم ووفور مكاسبهم، لتتوفّر بهم موادّه، وتعمر بهم بلاده. والثانى أن يقتصر منهم على حقوقه، ويحملهم فيها على إنصافه، ليكونوا على الاستكثار أحرص، وفى الطاعة أخلص؛ ولا يكلهم فى مقادير الحقوق الى غيره، ليكونوا له أرجى وعليه أحنى.

стр. 2000

والثالث أن يحوطهم بكفّ الأذى عنهم، ومنع الأيدى الغالبة منهم؛ ليكون لهم كالأب الرءوف ويكونوا له كالأولاد البررة؛ فإنّه كافل مسترعى ومسئول مؤاخذ. ولله عليه فيهم حقّ، وللسلطان عليه فيهم [١] تبعة. فليغتنم الوزير بهم شكر إحسانه، ويجمّل بعدله فيهم آثار سلطانه. وأما الشرط الثالث من شروط وزارة التفويض وهو الإقدام، فهو فى السياسة أوفى شطريها [٢] ، وفى الوزارة أكفى [٣] نظريها؛ لظفر الإقدام، وخيبة الإحجام. وقد قيل فى منثور الحكم: بالإقدام تثبت الأقدام. وإنما يجب الإقدام إذا ظهرت أسبابه، وقصدت أبوابه. قال الشاعر: إذا ما أتيت الأمر من غير بابه ... ضللت وإن تقصد إلى الباب تهتدى ثم يجمع بعدهما بين حزمه وعزمه. فالحزم تدبير الأمور بموجب الرأى، والعزم تنفيذها للوقت المقدّر لها. فإذا تكاملت شروط الإقدام من هذه الوجوه الأربعة- وهى: ظهور أسبابه، وقصد أبوابه، والحزم، والعزم- لم يمنع من الظّفر، إلا عوائق القدر. والإقدام ينقسم إلى قسمين: أحدهما الإقدام على اجتلاب المنافع، والثانى على دفع المضارّ. فأما الإقدام على اجتلاب المنافع فضربان: أحدهما استضافة ملك، والثانى استزادة موادّ. فأما استضافة الملك فتكون بالحزم والعزم إذا اقترنا برغبة أو رهبة. ولأن تكون بالاغتيال والاحتيال، أولى من أن تكون بالقتال. وأما استزادة الموادّ فتكون بالعدل والإحسان إذا اقترنا برفق ومياسرة لتكثر بهما العمارة وتتوفّر بهما الزراعة؛ فإنّ الأرض كنوز الملك يستخرجها أعوان متطوّعون يقنعهم

стр. 2001

الكفّ عنهم ويقطعهم العسف بهم. وأما الإقدام على دفع المضارّ فضربان: أحدهما. دفع ما اختلّ من الملك. وله سببان: إهمال أو عجز. والثانى دفع ما نقص من الموادّ. وله سببان: نفور أو جور. فيحتاج الوزير أن يدفع ضرر كلّ واحد منهما بالضدّ [من سببه، فإن علاج كل داء بضده [١]] من الدواء. فإن كان اختلال الملك من الإهمال أيقظ له عزمه، وإن كان من العجز استعمل فيه حزمه. وإن كان نقص الموادّ من النفور استنجد فيه رهبته، وإن كان من الجور أظهر فيه معدلته. فإن كان حدوث ذلك فى الملك صدر عن الوزير كان مؤاخذا بتفريطه فى الابتداء، ومستدركا لتقصيره فى الانتهاء؛ فيجبر إساءته بإحسانه، ويمحو قبيحه بجميله. وإن كان حدوثه من غيره كانت جريرة الإساءة على من أحدثه، وكان حمد الإحسان للوزير. وأما الشرط الرابع من شروط وزارة التفويض وهو الحذر- فيتعيّن على الوزير أن يكون حذرا، لأنّ الدهر ثائر بطوارقه، ومنافر بنوائبه، يغدر إن وفى، ويفتك إن هفا. قال عبد الحميد: أصاب الدنيا من حذرها، وأصابت الدنيا من أمنها. وقال عبد الملك بن مروان: احذروا الجديدين، فللأقدار أوقات تغضى عنها الأبصار. فإذا صادفت طوارق الدهر غرّا مسترسلا صار هدفا لسهامه الصوائب، وغرضا لمنافرة الحوادث والنوائب. وقد قال بعض الحكماء: من أعرض عن الحذر والاحتراس، وبنى أمره على غير أساس، زال عنه العزّ واستولى عليه العجز؛ وإن قدّم لطوارقه حذر المتيقّظ، وتلقّاها بعدّة المتحفّظ، ردّ بادرتها بعزم ذى حزم قد حلب أشطر دهره، وقام بواضح عذره. قال بعض الشعراء: إنّ للدهر صولة فاحذرنها ... لا تبيتنّ قد أمنت الدّهورا

стр. 2002

ثم هو بعد حذره مستسلم لقضاء لا يردّ؛ وقدر لا يصدّ. وقد روى عن أبى الدّرداء رضى الله عنه عن رسول الله عليه وسلم أنه قال: «احذروا الدنيا فإنّها أسحر من هاروت وماروت» . وقيل لبعض الحكماء: من السعيد؟ قال: من اعتبر بأمسه، واستظهر لنفسه. قال بعض الشعراء: وحذرت من أمر فمرّ بجانبى ... لم يبكنى ولقيت ما لم أحذر وللحذر حدّ يقف عنده إن زاد [عليه [١]] صار خورا، كما أن للإقدام حدّا إن زاد عليه صار تهوّرا. والزيادة على الحدود، نقص فى المحدود. ولهما زمان إن خرجا عنه صار الحذر فشلا، والإقدام خرقا. وعيارهما معتبر بحزم العاقل ويقظة الفطن. قال بعض الحكماء: ليعرفك السلطان عند افتتاح التدبير بالحذر، وعند وقوع الأمر بالجدّ. والحذر يلزم من أربعة أوجه: أحدها الحذر من الله تعالى فيما فرض. والثانى [الحذر [٢]] من السلطان فيما فوّض. والثالث الحذر من الزمان فيما اعترض. والرابع الحذر من [غلبة [٣]] الأعداء ومكر الدّهاة. فأما الحذر من الله تعالى- فهو عماد الدّين الباعث على الطاعة. والحذر منه هو الوقوف عند أوامره، والانتهاء عن زواجره؛ فيعمل بطاعته فيما أمر، وينتهى عن معصيته فيما حظر. فلن يرى قليل الحذر إلا متجوّزا فى دينه طائحا فى غلوائه، لا يرى رشدا فى العاجل، وهو على وعيد فى الآجل؛ مع نفور النفوس منه وسراية الذّم فيه. وقد قيل فى بعض الصحف الأولى: العزّة والقوّة يعظمان القلب، وأفضل منهما خوف الله تعالى؛ لأن من لزم خشية الله لم يخف الوضيعة ولم يحتج إلى ناصر. وقال علىّ رضى الله عنه: من حاول أمرا بمعصية الله كان أبعد لما رجا، وأقرب لمجىء ما اتّقى.

стр. 2003

وأما الحذر من السلطان، فهو وثّاب بقدرته، متحكّم بسطوته، يميل به الهوى فيقطع بالظنّ ويؤاخذ بالارتياب؛ فالثقة به عجز، والاسترسال معه خطر. والحذر منه فى حالتى السّخط والرضا أسلم؛ لأنّه يستذنب إذا ملّ حتى يصير المحسن عنده كالمسىء. فليستخلص [١] رأيه بالنصح، ويستدفع تنكّره بالحذر. وقال بعض الحكماء: اصحب السلطان بثلاث: الحذر، ورفض الدولة، والاجتهاد فى النصح. والحذر منه يكون بثلاثة أمور: أحدها ألّا يعوّل على الثقة به فى الإدلال والاسترسال، فما جرّت الثقة إلا ندما. وقد قيل: الخرق الدالّة على السلطان، والوثبة قبل الإمكان. [فاقبض نفسك إذا قدّمك، وتواضع له إذا عظّمك، واحتشمه [٢] إذا آنسك، ولن له إذا خاشنك، واصبر على تجنّيه [إذا غالظك [٣]] ؛ فهو على التّجنى أقدر، فكن على احتماله أصبر؛ فربّما كانت مجاملته لك مكرا، وتجنّيه عليك غدرا [٤]] . فقد قيل فى بعض الصحف الأولى: حبّ الملك وهواه يشبه الطّلّ على العشب. فلا تجعل له فى إظهار تنكّره عذرا؛ فربما اعترف بالحق فوفّى، ورقّ بالصبر فكفّ. وقد قيل فى أمثال كليلة ودمنة: صاحب السلطان كراكب الأسد يخافه الناس وهو لمركوبه أشدّ خوفا. والثانى من حذره منه أن يساعده على مطالبه، ويوافقه على محابّه [ومآربه [٥]] ، ولا يصدّه عن غرض إذا لم يقدح فى دين ولا عرض، ولا يتوقّف عن إجابته

стр. 2004

وإن شغله ما هو أهمّ؛ فإن الملك لا يقيم لوزيره عذرا إذا وجده فى أغراضه مقصّرا، وإن كان على مصالح ملكه متوفّرا؛ فإنّه اتخذه لنفسه ثم لملكه؛ وقد يقدّم حظّ نفسه على مصلحة ملكه، لغلبة الهوى ونازع الشهوة. فليكن متوفّرا على مراده ليسلم اعتقاده له. فإن قدحت أغراضه فى دين أو عرض سلّ الوزير نفسه من وزرها وتحفّظ من شينها [١] بالتلطّف فى كفّه عنها بما يعتاضه بدلا منها، ليسهل عليه إقلاعه عنها. فإن ساعده الملك عليها سلم دينهما، وزال شينهما. فقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إن لله خزائن للخير والشرّ مفاتيحها الرجال فطوبى لمن جعله الله مفتاحا للخير مغلاقا للشرّ وويل لمن جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير» . وقال الشاعر: ستلقى الذى قدّمت للشّرّ محضرا ... وأنت بما تأتى من الخير أسعد وإن أصرّ الملك عليها فليلن [٢] الوزير فى متاركته، ويحجم عن مساعدته؛ وهو خداع يتدلّس بالمغالطة ويخفى بالحزم؛ فليستنجد فيه عقله، ويستعمل فيه حزمه؛ ليسلم من تنكّره، ويخلص من وزره. فقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إنّ من شرار الناس عند الله يوم القيامة عبدا أذهب آخرته بدنيا غيره» . والثالث من حذره منه أن يذبّ عن نفسه وملكه بما استطاع من مال ونفس؛ فإنّه [عن نفسه [٣]] يذبّ، ولها يربّ [٤] ؛ فإنّه لا يصلح حاله مع فساد حال ملكه وهو فرع من أصله. وهو [٥] يسترسل لثقته به، ويستسلم لتعويله عليه؛ فليقابل ثقته بأمانته، واستسلامه بكفايته، ولا

стр. 2005

يلجئه أن يباشر دفع الخوف والحذر، فيلجئه إلى ما هو أخوف وأحذر؛ لأن الوزير يخاف الملك ويخاف ما يخافه، فيتوالى عليه خوفان، ويتمالأ عليه خطران. قال شاعر: إنّ البلاء يطاق غير مضاعف ... فإذا تضاعف صار غير مطاق وأما حذره من زمانه، فلأنّه يتقلّب بألوانه، ويخشن بعد ليانه، فيسلب ما أعطى ويفرّق ما جمع. وقد روى عن أبى بكر الصدّيق رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أنظروا دور من تسكنون وأرض من تزرعون وفى طرق من تمشون» . وقال بعض الحكماء: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها. وقال بعض البلغاء: إن الدنيا تقبل إقبال الطالب، وتدبر إدبار الهارب؛ لا تبقى على حالة، ولا تخلو من استحالة؛ تصلح جانبا بإفساد جانب، وتسرّ صاحبا بمساءة صاحب؛ فالكون فيها على خطر، والثّقة بها على غرر. وقال قيس بن الخطيم: ومن عادة الأيّام أنّ خطوبها ... إذا سرّ منها جانب ساء جانب [والحذر [١]] من الزمان يكون من أربعة أوجه: أحدها: ألّا يثق بمساعدته، ولا يركن إلى مياسرته، فيغفل عن الحذر والاستعداد، فربّما انعكس فافترس، وغافص [٢] فاختلس. وقد قيل: للدهر صروف، لست عنها بمصروف. قال أبو العتاهية: إنّ الزمان وإن ألا ... ن لأهله لمخاشن فخطوبه [٣] المتحرّكا ... ت كأنّهنّ سواكن

стр. 2006

والثانى: أن ينتهز فرصة مكنته [١] بفعل الجميل، وغرس الصنائع، وإسداء العوارف؛ ليكون ذلك ذخيرة له فى النوائب، وخلفا فى العواقب؛ ولا يلهيه استكفاؤه عن الاستظهار، ولا يمنعه استغناؤه عن الاستكثار. فقد قيل: المرء ابن يومه، فلينتبه من نومه. وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: «اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحّتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك» . قال سعيد بن سلم: إنّما الدنيا هبات ... وعوار مستردّه شدّة بعد رخاء ... ورخاء بعد شدّه والثالث: أن يكفّ نفسه عن القبيح ويقبض يده عن الإساءة، ليكفى رصد التّرات، وغوائل الهفوات؛ فيأمن من وجله، ويسلم من زلله؛ ولا يتطاول بالقدرة فيغفل وهو مطلوب، ويأمن وهو مسلوب. والرابع: أن يستعدّ لآخرته، ويستظهر لمعاده، ولا يغترّ بالأمل فيخونه الفوت، ولا تلهيه الدنيا فتصدّه عن الآخرة. فقلّ من لا بسها فسلم من تبعاتها؛ لهفوات غرورها، [وعواقب [٢] شرورها] . روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «يا عجبا كل العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور» . وقيل فى منثور الحكم: طلاق الدنيا مهر الجنّة. وأما حذره من أهل الزمان- فلأن الإنسان محسود بالنعمة، مغبوط بالسلامة. والناس على أربعة أطوار متباينة:

стр. 2007

أحدها [١]] خيّر عاقل يسالم بخيره، ويساعد بعقله؛ فالظّفر به سعادة، والاستعانة به توفيق. فليجتهد [٢] ألّا يفوته وإن كان قليل الوجود، ليحظى بخيره ويسعد بعقله. وقلّ أن يكون الخيّر العاقل إلا متحلّيا بالعلم متزيّنا بالأدب. فإذا أظفره الزمان بمن تكاملت فضائله، وتهدّبت خصائله، فليتّخذه [٢] ذخيرة نوائبه، وعدّة شدائده، يجده كفيل صلاحها، وزعيم نجاحها. والطور الثانى: شرّير جاهل يضرّ بشرّه، ويضلّ بجهله. فليحذر مخالطته، فهى أضر من السّمّ، وأنفذ من السهم. وشرّه بجهله منتشر يضعف إن تورك، ويقوى إن شورك؛ فليكفف شرّه بالإبعاد، ولا يعزّه بالتقريب، فيلحقه ضررى شرّه وجهله. وضرر الجهل أعمّ من ضرر الشر؛ لأن قانون الشر معلوم، وقانون الجهل غير معلوم. والطور الثالث: خيّر جاهل يسالم بخيره، ويضل بجهله؛ فليقاربه [٣] ، إن شاء، لخيره، ولا يستعمله لجهله؛ ليكون بخيره موسوما، ومن جهله سليما. والطور الرابع: شرّير عاقل وهو الداهية المكر، يستعمل للخطوب إذا حزبت [٤] . فليكن على حذر من مكره، ويتاركه فى الدّعة على استدفاع لشره. وقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إن الله يؤيّد هذا الدّين بالرجل الفاجر» . ومثل هذا يستكفّ بمعونة تمدّه، ومراعاة ترضيه؛ فإنّه كالسّبع الضارى إن أجعته هاج، وإن أشبعته سكن؛ ليكون مذخورا للحاجة؛ فإن للزمان خطوبا لا تدفع إلا بشرار أهله؛ كما قال حذيفة بن اليمان لرجل: أيسرّك أن تغلب شرّ الناس؟ قال: نعم؛ قال:

стр. 2008

إنك لن تغلبه حتى تكون شرّا منه. فيعدّ لخطوب الشرّ إن طرقت؛ فإنّه بها أخبر، وعلى دفعها أقدر، ولأهلها أقهر؛ ف «إنّ الحديد بالحديد يفلح» . فيستكفّ إلى حينها بما يدفع عادية شرّه، ويقطع غائلة مكره، وإن كانت ضراوة الشر أجذب، وطباع النفوس أغلب. فإن وجد الوزير من هذا الداهية فتورا فى همّته، وقصورا فى منّته [١] كانت سراية مكره أنزر، وتأثيره فى الخطوب أيسر. وإن كان عالى الهمّة قوىّ المنّة يتطاول إلى معالى الأمور، كانت سراية مكره أوفر، وتأثيره فى الخطوب أكثر. فليعطه [٢] فى كل حال من أمريه من الحذر والسكون بحسب ما تقتضيه همّته، وتبعث عليه منّته؛ ليكون قانونه معه مستقيما، [ومن دهاء مكره [٣] سليما] ؛ لا يناله خور من سرف، ولا استرسال من تقصير؛ فقد جعل الله تعالى لكل شىء قدرا. فهذا تفصيل ما اشتمل عليه العقد والحلّ. وأما التقليد والعزل، وهو الشطر الثانى من شروط وزارة التفويض، فالتقليد على ضربين: تقليد تقرير، وتقليد تدبير. فأما تقليد التقرير، فهو فيما يستأنف إنشاء قواعده، ويبتدأ تقرير رسومه. وهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون فى حاضر يقدر الوزير على مباشرته، فالوزير أخصّ بتقريره، وأحقّ بتنفيذه؛ لأنها أصول مؤبّدة وهى من خواصّ نظره. فإن قلّد عليها واستناب

стр. 2009

فيها، كان تقصيرا منه إن جلّ، ومعذورا فيه إن قلّ. ولم يكن لمن قلّده تنفيذ تقريره إلا عن إذنه، وإلا كان عزلا خفيّا؛ لأنه يصير ملتزما وقد كان ملزما، ومحكّما [١] وقد كان حاكما. والثانى: أن يكون التقليد فيما بعد عنه ويمكن استئماره [٢] فيه، فيجوز أن يستنيب فى تقريره، ويكون موقوفا على إمضاء الوزير وتنفيذه. ولا يجمع المستناب بين الأمرين، ليكون التقليد مقصورا على التقرير، والوزير مختصا بالتنفيذ. فإن جمع المستناب بين التقرير والتنفيذ كان فيه متجوّزّا، إلا أن يؤمر به فيصير الآمر متجوّزا، إلا أن يكون اضطرارا يزول معه حكم الاختيار. والثالث: أن يكون التقليد [٣] فيما بعد عنه ويتعذّر استئماره فيه، فيجوز أن [يستنيب [٤] فيه من] يجمع بين تقريره وتنفيذه إذا تكاملت فى المستناب ثلاثة شروط: أحدها الكفاية التى ينهض بها فى التقرير. والثانى الهيبة التى يطاع بها فى التنفيذ. والثالث الأمانة التى يكفّ بها عن الاسترشاء والخيانة، بعد تكامل الشروط المعتبرة فى جميع الولايات، وهى ثلاثة: العقل، والديانة، والمروءة. فلا فسحة فى تقليد من أخلّ ببعضها، لقصوره عن حقها، وخروجه من أهلها؛ وإنما يختلف ما سواها باختلاف الولايات، وإن كانت هذه مستحقّة فى جميعها. وقد قال كسرى أبرويز: من اعتمد على كفاة السوء لم يخل من رأى فاسد وظنّ كاذب وعدوّ غالب. وقد قال بعض الحكماء:

стр. 2010

لا تستكفينّ مخدوعا عن عقله؛ والمخدوع [١] من بلغ به قدرا لا يستحقه، أو أثيب ثوابا لا يستوجبه. وأما تقليد التدبير، فهو النظر فيما استقرّت رسومه، وتمهّدت قواعده. وهو مشترك بين الوزير وبين الناظر فيه؛ لكن [٢] يختصّ الوزير بمراعاته، والناظر بمباشرته؛ ليستظهر [٣] الوزير بالمراعاة، ولا يتبذّل [٤] بالمباشرة. وهو ضربان: أحدهما تدبير الأجناد. والثانى تدبير الأموال. فأما تدبير الأجناد، فلا يستغنى الوزير عن تقليد سفير فيه وإن كانوا يلاقونه؛ ليحفظ بالسفير حشمة وزارته ولا يقف أغراض أجناده، وقد انصان عن لغط كلامهم، وجفوة طباعهم. والأغلب على تدبيرهم الرأى والسياسة. فيعتبر فى هذا المختار لهذا التقليد ستة شروط: أحدها: الهيبة التى تقودهم إلى طاعته، لأنه يقوم بتدبير ذوى سطوة، فيحتاج إلى قوّة الهيبة. والثانى: أن يكون من ذوى الرأى والسياسة، ليقودهم برأيه إلى الصواب ويقفهم بسياسته على الاستقامة. والثالث: أن يكون متوصّلا إلى استعطاف القلوب، واجتماع الكلمة، ليسلموا من اختلاف أو منافرة.

стр. 2011

والرابع: أن يكون بينه وبين الأجناد مناسبة فى الطباع ومشاكلة فى الأخلاق يمتزجون [بها [١]] فى الموافقة و [لا [٢]] يختلفون [فيها [٣]] فى المباينة [٤] . والخامس: أن يكون سليم الباطن صحيح المعتقد؛ لأنه يصير أخصّ بهم، ويصيرون أطوع له. والسادس: ما اختلف باختلاف الحال، فإن كان فى زمان السلّم اعتبر فيه الأناة والسكون؛ وإن كان فى زمان الحرب اعتبر فيه الإقدام والسّطوة، ليكون مطبوعا على ما يضاهى حال زمانه. فإذا ظفر بمن استكملها- وبعيد أن يظفر به إلا أن يعان بالتوفيق- وجب تقليده، ولزمت مناصفته فى الحقوق التى له وعليه، ليدوم ويستقيم. فقد قيل فى منثور الحكم: من قضيت واجبه، أمنت جانبه. وأما تدبير الأموال، فالوزير مصون عن مباشرتها، وإنما يحفظ دخلها بالهيبة والاستظهار، ويضبط خرجها بالحاجة والاضطرار. وللتقليد على كل حال [٥] منهما شروط. فشروط التقليد على مباشرة دخلها خمسة: أحدها: أن يكون مطبوعا على العدل، لينصف وينتصف. والثانى: أن يكون متديّنا بالأمانة، ليستوفى ويوفّى. والثالث: أن يكون كافيا، ليضبط بكفايته، ولا يضيع بعجزه. والرابع: أن يكون خبيرا بعمله يعرف وجوه موادّه، وأسباب زيادته.

стр. 2012

والخامس: أن يكون رفيقا بمعامليه غير عسوف ولا أخرق. حكى ان الإسكندر كتب إلى معلّمه أرسطاطاليس ليستشيره فى عمّاله؛ فكتب إليه: إنّ من كان له عبيد فأحسن فى سياستهم فولّه الجند، ومن كان له ضيعة فأحسن تدبيرها فولّه الخراج. وأما شروط التقليد على مباشرة خرجها، بعد الأمانة التى هى مشروطة فى كلّ ولاية، فمعتبرة بأحوال الخرج. وينقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان راتبا عن رسوم مستقرّة كأرزاق الجيوش والحواشى، فللتقليد عليه شرطان: معرفة مقاديرها، ومعرفة مستحقّيها. والثانى: ما كان عارضا عن أوامر تقدّمتها والناظر مأمور بها كالصّلات وحوادث النّفقات، فللتقليد عليه شرطان: وقوفها على الأوامر، ومعرفة أغراض [١] الآمر. والثالث: ما كان عارضا فوّض إلى رأى الناظر ووكل إلى تقريره كالمصالح والنّفقات، فالتقليد عليه أوفى شروطا لوقوفها على اجتهاده وتقديره، فيحتاج مع الأمانة إلى ثلاثة شروط: أحدها: معرفة وجوه الخرج، حتى لا يتصرف فى غير حقّ. والثانى: الاقتصاد فيه، حتى لا يفضى إلى سرف ولا تقصير. والثالث: استصلاح الأثمان والأجور من غير تحيّف [٢] ولا غبن.

стр. 2013

وأما العزل فضربان: أحدهما: ما كان عن غير سبب فهو خارج عن السياسة؛ لأن للأفعال والأقوال أسبابا إذا تجرّدت عنها [١] صار الفعل عبثا والكلام لغوا لا يقتضيه رأى حصيف، ولا توجبه سياسة لبيب. وقد قيل: العزل أحد الطّلاقين. فكما أنه لا يحسن الطلاق بغير سبب، كذلك لا يحسن العزل بغير سبب. وإذا لم يثق الناظر باستدامة نظره مع الاستقامة، عدل عنها إلى النظر لنفسه، فعاد الوهن على عمله. وما يكون هذا العزل إلا عن فشل أو ملل. والضرب الثانى: أن يكون العزل لسبب دعا إليه. وأسبابه تكون من ثمانية أوجه: أحدها: أن يكون سببه خيانة ظهرت منه، فالعزل لها من حقوق السياسة مع استرجاع الخيانة والمقابلة عليها بالزواجر المقوّمة. ولا يؤاخذ فيها بالظنون والتّهم. فقد قيل: من يخن يهن. والوجه الثانى: أن يكون سببه عجزه وقصور كفايته، فالعمل بالعجز [مضاع [٢]] ؛ وهو نقص فى العاجز وإن لم يكن ذنبا له؛ فلا يجوز فى السياسة إقراره على العمل الذى عجز عنه. ثم روعى عجزه بعد عزله، فإن كان لثقل ما تقلّده من العمل جاز أن يقلّد ما هو أسهل، وإن كان لقصور منّته وضعف حزمه لم يكن أهلا لتقليد ولا عمل.

стр. 2014

والوجه الثالث: أن يكون سببه اختلال العمل من عسفه أو خرقه. فهذا السبب زائد على الكفاية، وخارج عن السياسة. والوزير المقلّد فيه بين خيارين: إما أن يعزله بغيره، وإما أن بكفّه عن عسفه وخرقه. ويجوز أن يكون مرصدا لتقليد ما تدعو [١] السياسة فيه الى العسف لمن شاقّ ونافر. فقد قيل: لكلّ بناء أساس، ولكلّ تربة غراس. والوجه الرابع: أن يكون سببه انتشار العمل به من لينه وقلّة هيبته. فهذا السبب موهن للسياسة. والوزير فيه بين خيارين: إما أن يعزله بمن هو أقوى وأهيب، وإما أن يضمّ إليه من تتكامل به القوّة والهيبة. وخياره فيه معتبر بالأصلح. ويجوز أن يقلّد بعد صرفه ما لا يستضرّ فيه بضعفه. والوجه الخامس: أن يكون سببه فضل كفايته وظهور الحاجة إليه فيما هو أكبر من عمله. فهذا أحمد وجوه العزل وليس بعزل فى الحقيقة، وإنما هو نقل من عمل إلى ما هو أجلّ منه، فصار بهذا العزل زائد الرتبة. وقد قال بعض البلغاء: الناس فى العمل رجلان: رجل يجلّ به العمل لفضله ورياسته؛ ورجل يجلّ بالعمل لتقصيره ودناءته، فمن جلّ به العمل ازداد تواضعا وبشرا، ومن جلّ بالعمل ازداد ترفّعا وكبرا. والوجه السادس: أن يكون سببه وجود من هو أكفأ [٢] منه. فيراعى حال الأكفأ، فإن كان فضل كفايته مؤثّرا فى زيادة العمل به كان عزل الناظر به من لوازم

стр. 2015

السياسة ولم يسغ فيها إقراره على عمله؛ وإن لم يؤثّر فى زيادة العمل كان عزل الناظر من طريق الأولى فى تقديم الأكفاء وتخيّر الأعوان، وإن جاز فى السياسة إقرار الناظر على عمله لنهوضه به. والوجه السابع: أن يكون سببه أن يخطب عمله من الكفاة من يبذل زيادة فيه. فلا يجوز عزله ببذل الزيادة حتى يكشف عن سببها، فربما تخرّص [١] بها الباذل لرغبة فى العمل، أو لعداوة فى العامل. فإن لم يظهر لها بعد الكشف موجب لم يجز فى السياسة عزله بهذا البذل الكاذب؛ وكان الباذل جديرا بالإبعاد لابتدائه بالإدغال [٢] . فإن ظهر موجب الزيادة لم يخل من ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون لتقصير الناظر؛ فيجب عزله. والوزير بعد عزله بين خيارين: إما أن يقلّد الباذل أو غيره من الكفاة. والثانى أن يكون موجبها فضل كفاية الباذل؛ فيجب عزله بالباذل دون غيره. والثالث أن يكون سببها عسف الباذل وخرقه، فلا يجوز فى السياسة عزل الناظر ولا تقريب الباذل، فربما مال إلى الزيادة من تغاضى عن العدل، فعزل وقلّد فصار هو العاسف المجازف. والوجه الثامن: أن يكون سببه أن الناظر مؤتمن، فيخطب عمله ضامن. فتضمين الأعمال خارج عن قوانين السياسة العادلة، لأن المؤتمن عليها إذا كان كافيا استوفى ما وجب، وكفّ عما لم يجب؛ وهذا هو العدل. والضامن إن ضمنها بمثل ارتفاعها لم يؤثر، وإن ضمنها بأكثر منه تحكّم فى عمله، وكان بين عسف أو هرب، لأنه ضمن ليغنم لا ليغرم. وحكى أن المأمون عزم على تضمين السّواد، وعنده عبيد الله

стр. 2016

ابن الحسن العنبرىّ القاضى؛ فقال له: [يا أمير المؤمنين [١]] إن الله قد دفعها إليك أمانة، فلا تخرجها من يدك قبالة [٢] . فعدل عن الضّمان. فهذا تفصيل ما تعلّق بوزارة التفويض من عقد وحل وتقليد وعزل. فلن ذكر حقوق الملك على وزيره وحقوق الوزير على ملكه . ذكر حقوق الملك على وزيره وحقوق الوزير على ملكه فأما حقوق السلطان على وزيره فهى ثلاثة: أحدها: قيامه بمصالح ملكه، وهى أربع: عمارة بلاده، وتقويم أجناده، وتثمير أمواله، وحياطة رعيّته. والثانى: قيامه بمصالح نفسه، وهى أربع: إدرار [٣] كفايته، وتحمّل عوارضه، وتهذيب حاشيته، وإعداد ما يستدفع به النوائب. والثالث: قيامه بمقاومة أعدائه، وذلك بأربعة أشياء: تحصين الثّغور، واستكمال العدّة، وترتيب العساكر، وتقدير الحدود. فيجب على الوزير أن يؤدّى حقوق سلطانه، ويوفّى شروط ائتمانه؛ ويحذر بادرة مؤاخذته إن قصّر، وسطوة انتقامه إن فرّط؛ لأن بادرة الانتقام، أسرع من ظهور الإنعام؛ [لأن الانتقام يصدر عن طيش الغضب، والإنعام يصدر عن أناة الكرم [٤]] . وقد قيل فى حكم الفرس: ما أضعف طمع صاحب

стр. 2017

السلطان فى السلامة. وذلك أنّه إن عفّ جنى عليه العفاف عداوة الخاصة، وإن بسط يده جنى عليه البسط ألسنة المتنصّحين. فلزم لذلك أن يكون حذره أغلب من رجائه، وخوفه أكثر من أمنه. ولئن تكدّر بهما العيش فهما إلى السلامة أدعى. وأما حقوق الوزير على السلطان فثلاثة: أحدها: معونته على نظره. وذلك بأربعة أشياء: تقوية يده، وتنفيذ أمره، وإطلاق كفايته، وألّا يجعل لغيره عليه أمرا. وقد قال سابور بن أردشير فى عهده إلى ابنه هرمز: ينبغى للوزير أن يكون قوىّ الأمر، مقبول القول، يمنعه مكانه منك، من الضراعة لغيرك، وتبعته الثّقة بك، على بذل النصيحة لك، ويشجّعه ما يعرف من رأيك، على مقاومة أعدائك؛ وأحذّرك أن تنزل بهذه المنزلة من سواه من خدمك. والثانى: أن يثق منه بأربعة أشياء: ألّا يؤاخذه بغير ذنب، وألّا يطمع فى ماله من غير خيانة، وألّا يقدّم عليه من هو دونه، وألّا يمكّن منه عدوّا. وقد عهد ملك إلى ابنه فقال: يا بنىّ، إنّك لن تصل إلى إحكام ما تريده من تدبير ملكك إلا بمعونة وزرائك وأعوانك، فأعنهم على طاعتك بمياسرتك، وعلى معونتك بمساعدتك. والثالث: أن يحفظ منزلته من أربعة أشياء: [الأوّل [١]] ألّا يرتاب بباطنه وظاهره سليم، فيؤاخذ بالظن، ويعجز عن دفعه باليقين؛ فليس يؤاخذ بضمائر القلوب، إلّا علّام الغيوب. قيل لكسرى قباذ: إنّ قوما من خواصّك قد فسدت سرائرهم؛ فوقّع: أنا أملك الأجساد دون النيّات، وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. والثانى: ألّا يستبدل به ونظره مستقيم، فيقلّ نفعه، ويضعف

стр. 2018

نشاطه، ولا يجهد نفسه فى النهوض بما كلّفه؛ فإن داعى الطبع أبلغ من مصنوع التكلّف. وقد اتّخذه لاستقامة وجدها به. فإذا أضاع حقّه بالاستبدال ظلم نفسه، وكان من غيره على خطر. وقد قال كسرى: الوزارة أبعد الأمور من أن تحتمل غير أهلها. لأن الوزير من الملك بمنزلة سمعه وبصره ولسانه وقلبه، لأنه مغلق الأبواب، مستور عن الأبصار؛ ليحفظه فى أمواله، ويستر خلله فى أفعاله؛ وحقيق بمن [١] كان بهذه المنزلة أن يكون محفوظا. والثالث: ألّا يؤاخذه بدرك ما جرّه القضاء وساقه القدر، فيجعله غرضا فى معارضة خالقه. وهل الوزير فيه إلا كالملك! فأفعال الله لا تكون ذنوبا لعباده. وقد روى عن النبىّ ﷺ أنه قال: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوى العقول عقولهم حتى ينفذ فيهم قضاؤه وقدره» [٢] . والرابع: ألّا يحمّله ما ليس فى قدرته، ولا يكلّفه ما ليس فى طاقته، فلا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها. وما ذاك إلّا من دواعى التّجنّى، ومبادئ التنكّر. فهذه حقوق الوزير على سلطانه. وهى مقابلة لحقوق السلطان على وزيره. لكنّ حقوق الوزير موضوعة على المسامحة فى أكثرها، وحقوق السلطان موضوعة على المؤاخذة بأقلها؛ لاستطالته عليه بالقدرة وقصوره عنه بالنيابة. وحيث ذكرنا هذه الحقوق الداخلة فى وزارة التفويض فلنذكر وزارة التنفيذ.

стр. 2019

ذكر وزارة التنفيذ قال الماوردىّ ما معناه: إنّ لوزارة التنفيذ أربعة قوانين: فالأوّل من قوانينها: السّفارة بين الملك وأهل مملكته، لأن الملك معظّم بالحجاب، مصون عن المباشرة بالخطاب؛ فاقتضى ذلك اختصاصه بسفير محتشم ووزير معظّم مطاع فيما يورده عنه من الأوامر والنواهى، ويهاب فيما يتحمله إليه من المطالب والمباغى. ليكون للملك لسانا ناطقا، وأذنا واعية. وهذه السّفارة مختصّة بخمسة أصناف: أحدها: السّفارة بين الملك وأجناده، فيحملهم على أوامره ونواهيه، ويتنجّز لهم من [١] الملك ما استوجبوه أو سألوه. ويحتاج فى سفارته معهم أن يجمع بين اللّين والعنف، والخشونة واللّطف، ليقتادهم [٢] إلى طاعته بالرغبة والرهبة. والثانى: السفارة بين الملك وعمّاله، فيستوفى مناظرة العمّال ويتصفّح أحوال الأعمال؛ ليستدرك خللا إن كان، ويستديم صلاحا إن وجد. ويحتاج فى هذه السفارة إلى استعمال الرّهبة خاصّة؛ ليكفّهم عن الخيانة، ويبعثهم على الأمانة. والثالث: السّفارة بين الملك ورعيّته، ليتصدّى لإنصافهم، ويصغى إلى ظلاماتهم؛ فيمضى ما تيسّر له، وينهى ما تعسّر عليه. ويحتاج فى هذه السفارة إلى استعمال اللّين واللّطف؛ ليصلوا إلى استيفاء الظّلامة، ويستدفعوا ذلّ الاستضامة.

стр. 2020

والرابع: السفارة فى استيفاء حقوق السّلطنة التى للملك وعليه، من غير مباشرة قبض ولا إقباض [١] . ويحتاج فى هذه السفارة إلى الرهبة فيما يستوفيه للملك، وإلى اللّطف فيما يتنجّزه منه. والخامس السفارة فى اختيار العمّال، ومشارفة الأعمال؛ لينهى حال من يرى تقليده وعزله من غير أن يباشر تقليدا ولا عزلا؛ لانّ التقليد والعزل داخل فى وزارة التفويض خارج عن وزارة التنفيذ. وشروط هذه السفارة: أن يكون جيّد الحدس، صحيح الاختيار، قليل الاغترار، عارفا بكفاة [٢] العمّال ومقادير الأعمال، ليحمد اختياره، ويقلّ عثاره. والثانى من قوانينها: أن يمدّ الملك برأيه ومشورته؛ فإن الملك مع جزالة رأيه وصحّة رويّته محجوب الشخص عن مباشرة الأمور، فصار محجوب الرأى عن الخبرة بها. فاحتاج إلى بارز الشخص بالمباشرة، ليكون بارز الرأى بالخبرة؛ فليس الشاهد كالغائب، ولا المخبر كالمعاين. والوزير أحقّ بهذه المرتبة. وله فى المشورة حالتان: إحداهما: أن يبتدئه الملك بالاستشارة، فيلزمه أن يشير فيها برأيه سواء اختصّت بملكه أو تعدّت إلى غيره. وعلى الوزير فيها حقّان: أحدهما: اجتهاد رأيه فى إيضاح الصواب. والثانى: إبانة صحّته بتعليل الجواب ليكون مجيبا ومحتجّا؛ فيكفى توهّم الزّلل ويسلم من ظنّة الارتياب.

стр. 2021

والحالة الثانية: أن يبتدئ الوزير بالمشورة على الملك، فله فيها حالتان: إحداهما: ألّا يقع بمشورته اجتلاب نفع ولا استدفاع ضرر. فهذا تجوّز من الوزير، وتبسّط على الملك؛ إن أنكره فبحقه، وإن احتمله فبفضله. والثانية: أن يتعلّق بمشورته اجتلاب نفع، أو استدفاع ضرر. فإن اختصّ بالمملكة كان من حقوق الوزارة، وإن تجاوزها كان من نصح الوزير. وعليه أن يذكر سبب ابتدائه، ويوضّح صواب رأيه. ويلزمه فيما يؤدّى به من الاستشارة ويبدأ به من المشورة، أن يكتمه عن كل خاصّ وعامّ؛ لأمرين: أحدهما: أن الرأى لا يجب أن يظهر إلا بالأفعال دون الأقوال؛ لأن ظهوره بالفعل ظفر، وظهوره بالقول خطر. وقد قيل: من وهن الأمر إعلانه قبل إحكامه. والثانى: أنه من أسرار الملك التى يجب أن تكتم فى الصدور، وتصان عن الظهور؛ ليجمع بين تأدية الأمانة وطلب السلامة؛ فإن فى إفشاء سرّ الملك خطرا به وبمن أفشاه. وقلّما تعفو الملوك عن مفشى أسرارها؛ لتردّده بين خيانة وجناية. والثالث من قوانينها: أن يكون عينا للملك ناظرة، وأذنا سامعة، ينهى ما شاهد على حقّه، ويخبر بما سمع على صدقه؛ لأنه قد سوهم فى الملك وميّز بالاختصاص، وندب للمصالح؛ فهو القائم مقام الملك فى مشاهدة ما غاب، وسماع ما بعد. وعليه فى ذلك ثلاثة حقوق: أحدها: أن يديم الفحص عن أحوال المملكة حتى يعلم ما غاب كعلمه بما حضر، وما خفى كعلمه بما ظهر؛ فلا يتدلّس عليه حقّ أمر [١] من باطله، ولا يشتبه

стр. 2022

عليه صدق قوى من كذبه. فإن قصّر فيها حتى خفيت، أو استرسل فيها حتى تدلّست كان مؤاخذا بجرم التقصير، وجريرة الضرر. والثانى: أن يعجّل مطالعة الملك بها ولا يؤخّرها، وإن جاز تأخير العمل بها؛ لأن عليه الإنهاء، وليس عليه العمل. وإذ كان من الملك بمنزلة عينه وأذنه اللتين يتعجّل [العلم [١]] بهما، وجب أن يجرى معه على حكمهما؛ ليستدرك الملك ما يجب تعجيله، ويقدّم الرّويّة فيما يجوز تأخيره. فإن أخّر الوزير إعلام الملك بها وقد حسم ضررها، كان للنصيحة مؤدّيا، ومن الملك على وجل. والثالث: أن يوضّح له حقائق الأمور، ويساوى فيها بين الصغير والكبير، فلا يمايل [٢] قريبا، ولا يتحيّف بعيدا، ولا يعظّم من الأمور صغيرا، ولا يصغّر منها عظيما. فإن خاف من صغار الأمور أن تصير كبارا، أو كبارها أن تعود صغارا، أخبر بحقائقها فى المبادئ، وذكر ما تؤول إليه فى العواقب؛ ليكون بالمبادئ مخبرا، وفى الغايات مشيرا. فإن أخبر بالغايات وأعرض عن ذكر المبادئ، كان تدليسا، وكان بالإنكار حقيقا وبالذمّ جديرا. والرابع من قوانينها: أن يفتدى راحة الملك بتعبه، ويقى دعته بنصبه؛ ولا يغيب إذا أريد، ولا يسأم إذا أعيد؛ لأنه لسان الملك إذا نطق، وعينه إذا رمق، ويده إذا بطش؛ فلا يبعد عن دعائه، ولا يضجر من ندائه؛ لأن عوارض الملك من هواجس أفكاره وتقلّب خاطره. وقد يتجدّد مع الأوقات ما لا [٣] تعرف أسبابه، ولا تتعيّن

стр. 2023

أوقاته؛ فليكن هذا [١] الوزير على رصد منها. وربما ملّ الوزير الملازمة فأعقبته أسفا إذا فارقها، لأن فى ملازمته للملك نصبا يقترن بعزّ، وفى متاركته راحة تؤول إلى ذلّ. فليختر لنفسه ما وافقها من عز يجتذبه بالكدّ، أو ذلّ يؤول إليه بالدّعة. فإنه إن صبر على ما أراده الملك ظفر بإرادته من الملك، وهو على الضدّ إن خالفها. وقد قال أنوشروان: ما استنجحت الأمور بمثل الصبر، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر. وقيل: من خدم السلطان خدمه الإخوان. فيطّرد على هذا التعليل أنّ من تنكّر له السلطان، تنكّر له الإخوان. هذه قوانين وزارة التنفيذ. ذكر ما تتميز به وزارة التفويض على وزارة التنفيذ وما تختلف فيه . وتتميز وزارة التفويض على وزارة التنفيذ وتختلف من ستة أوجه: أحدها: أن الملك يقلّد وزير التفويض فى حقوقه وحقوق رعيته، ويقلّد وزير التنفيذ فى حقوقه خاصة دون حقوق رعيته؛ لأنّ وزير التفويض تنفّذ الأمور برأيه، ووزير التنفيذ يمضيها بأمر الملك وعن رأيه. والثانى: أن وزارة التفويض تفتقر إلى عقد يصح به نفوذ أفعاله، ووزارة التنفيد لا تفتقر إلى عقد، لأنه فيها مأمور بتنفيذ ما صدر عن أمر الملك. والثالث: أن وزير التفويض مأخوذ بدرك ما أمضاه، ووزير التنفيذ غير مؤاخذ بدركه. والرابع: أن وزير التفويض لا ينعزل إلا بالقول أو ما فى معناه دون المتاركة، [لأنّه قد تملّك بها مباشرة الأمور [٢]] ، ووزير التنفيذ ينعزل بالمتاركة لأنه مأمور.

стр. 2024

والخامس: أن وزير التفويض لا ينعزل إن كفّ وترك، حتى يستعفى ويعفيه الملك منها، لأنه مستودع الأعمال فلزمه ردّها إلى مستحقّها، ووزير التنفيذ يجوز أن ينعزل بعزل نفسه بالكفّ والمتاركة، لأنه لا شىء بيده فيؤخذ بردّه. والسادس: أن وزير التفويض يفتقر إلى كفاية بالسيف والقلم، لنهوضه بما أوجبهما، ووزارة التنفيذ غير مفتقرة إليهما لقصورها عنهما. ويعتبر فى وزير التنفيذ ستة أوصاف: وهى الأبّهة والمنّة والهمّة والعفّة والمروءة وجزالة الرأى. وهذه الأوصاف معتبرة فى كل مدبّر ذى رياسة. ذكر حقوق الوزارة وعهودها ووصايا الوزراء أما حقوق الوزارة- فهى أن تقلّد لمن اجتمعت فيه ثمانية أوصاف، وهى التى ذكرها الماوردىّ فى قوانين الوزارة، وبيّنها بالنص والتعيين لا بالتعريض والإشارة: فأحدها: أن يكون بأعباء الوزارة ناهضا، وفى مصالح المملكة راكضا؛ يقدّم حظّ الملك على حظ نفسه ويعلم أن صلاحه مقترن بصلاحه؛ فلن تستقيم أحوال الوزير مع اختلال أحوال الملك، لأن الفروع إنما تستمدّ من أصولها. والثانى: أن يكون على الكدّ والتعب قادرا، وفى السخط والرضا صابرا؛ لا ينفر ان أوحش، فإن نفوره عطب. وليتوصل إلى راحته بالتعب، والى دعته بالنصب. وقد قيل: علّة الراحة قلّة الاستراحة. وقال عبد الحميد: أتعب قدمك، فكم تعب قدّمك!. فإن تشاغل الوزير براحته، ومال إلى لذّته، سلبهما بالتنكّر، وعدمهما بالتغيّر.

стр. 2025

والثالث: أن يكون لإحسان الملك شاكرا، ولإساءته عاذرا، يشكر على يسير الإحسان، ويعذر على كثير الإساءة، ليستمدّ بالشكر إحسانه، ويستدفع بالعذر إساءته. فإن عدل عنهما، كان منه على ضدّهما. فقد قيل: أحق الناس بالمنع الكفور، وبالصنيعة الشّكور. والرابع: أن يظهر محاسنه إن خفيت، ويستر مساويه إن ظهرت، لأنه بمحاسنه موسوم وبمساويه مقروف، يشاركه فى حمد محاسنه، ويؤاخذ بذمّ مساويه. وربما استرسل الملك لثقته بالاحتجاب، فارتكب بالهوى ما يصان عن إذا عته، فكان الوزير أحقّ بستره عليه، لأنه الباب المسلوك منه إليه. والخامس: أن تخلص نيّته فى طاعته، ويكون سرّه كعلانيته، فإن القلوب جاذبة تملك أعنة الأجساد؛ فإن اتفقا، وإلا فالقلب أغلب، وإلى مراده أجذب. والقلوب تنمّ على الضمائر فتهتك أستارها وتذيع أسرارها. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «فى [١] ابن آدم مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا فسدت فسد الجسد ألا وهى القلب» . والسادس: ألّا يعارض الملك فيمن قرّب واستبطن، ولا يماريه فيمن حطّ ورفع؛ فإنه يتحكّم بقدرته ويأنف من معارضته. فربما انقلب بسطوته إذا عورض، ومال بانتقامه إذا خولف. فبوادر الملك تسبق نذيرها، وتدحض أسيرها؛ فإن سلم من الخطر لم يسلم من الضجر.

стр. 2026

والسابع: أن يتقاصر عن مشاكلة الملك فى رتبته، ويقبض نفسه عن مثل هيئته، فلا يلبس مثل ملابسه، ولا يركب مثل مراكبه، ولا يستخدم مثل خدمه؛ فإن الملك يأنف إن موثل، وينتقم إن شوكل، ويرى أن ذلك من أمواله المحتاجة، وحشمته المستباحة. وليقتصر على نظافة لباسه وجسده من غير تصنّع، فإن النظافة من المروءة، والتّصنّع للنساء؛ ليكون بالسلامة محفوظا، وبالحشمة ملحوظا. والثامن: أن يستوفى للملك ولا يستوفى عليه، ويتأوّل له ولا يتأول عليه؛ فإن الملك إذا أراد الإنصاف كان عليه أقدر، وإن لم يرده فيد الوزير معه أقصر؛ وإنما أراد الوزير عونا لنفسه ولم يرده عونا عليها. فإن وجد إلى مساعدته سبيلا سارع إليها، وإن خاف ضررها وانتشار الفساد بها تلطّف فى كفّه عنها إن قدر. فإن تعذّر عليه تلطّف فى الخلاص منها؛ ولا يجهر بالمخالفة. سئل بعض حكماء الروم عن أصلح ما عوشر به الملوك، فقال: قلة الخلاف وتخفيف المؤنة. والملوك لا يصحبون [١] إلا على اختيارهم، ولا يتمسّكون إلا بمن وافقهم على آرائهم. وإذا روعيت أحوال الناس وجدوا لا يأتلفون إلا بالموافقة، فكيف الملوك! قال شاعر: الناس إن وافقتهم عذبوا ... أو لا فإنّ جناهم مرّ كم من رياض لا أنيس بها ... تركت لأنّ طريقها وعر وأما عهودها ووصاياها- فلم أر فيما طالعته فى هذا المعنى أشمل ولا أكمل ولا أنفع ولا أجمع من كلام لأبى الحسن الماوردىّ؛ فلذلك أوردته بفصّه، وأتيت على أكثر نصّه.

стр. 2027

قال الماوردى: فأما العهود الموقظة فسأقول، وأرجو أن يقترن بالقبول: اجعل أيها الوزير لله تعالى على سرّك رقيبا يلاحظك من زيغ فى حقه، واجعل لسلطانك على خلوتك رقيبا يكفّك عن تقصير فى أمره؛ ليسلم دينك فى حقوق الله تعالى، وتسلم دنياك فى حقوق سلطانك، فتسعد فى عاجلتك وآجلتك. فإن تنافى اجتماعهما لك فقدّم حقّ الله تعالى على حق الملك. فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق. وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: «من أحبّ دنياه أضرّ بآخرته ومن أحبّ آخرته أضرّ بدنياه [فآثروا [١] ما يبقى على ما يفنى] » وعنه ﷺ أنه قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس» . قال: حقّ [٢] عليك أيها الوزير أن تكون بأمور الناس خبيرا، وإلى أحوالهم متطلّعا، وبهم على نفسك وعليهم مستظهرا، لأنهم من بين من تسوسه أو تستعين به، لتعلم ما فيهم من فضل ونقص وعلم وجهل وخير وشرّ، وتتحرّز من غرور المتشبه [٣] وتدليس المتصنّع؛ فتعطى كل واحد حقّه، ولا تقصّر بذى فضل، ولا تعتمد على ذى جهل. فقد قيل: من الجهل صحبة ذوى الجهل، ومن المحال مجادلة ذوى المحال. وافرق بين الأخيار والأشرار، فإنّ ذا الخير يبنى، وذا الشرّ يهدم. واحذر الكذوب فلن ينصحك من غشّ نفسه؛ ولن ينفعك من ضرّها. ولا تستكفين عاجزا فيضيّع العمل، ولا شرها فيضرّك باحتجانه [٤] . ولا تعبأ بمن لا يحافظ على المروءة، فقلما تجد فيه خيرا؛ لزهده فى صيانة النفس وميله إلى خمول القدر. وبعيد ممن أسقط حق

стр. 2028

نفسه أن يقوم بحق غيره، وصعب على من ألف إسقاط التكلف أن يحول عنه. وقد قيل فى حكم الهند: ذو المروءة يرتفع بها، وتاركها يهبط؛ والارتقاء صعب والانحطاط هين، كالحجر الثقيل الذى رفعه عسير وحطّه يسير. وقال بعض البلغاء: أحسن رعاية ذوى الحرمات، وأقبل على أهل المروءات؛ فإن رعاية [ذوى [١]] الحرمة تدلّ على كرم الشيمة، والإقبال على ذوى المروءة يعرب عن شرف الهمة [٢] . إختبر أحوال من استكفيته لتعلم عجزه من كفايته، وإحسانه من إساءته؛ فتعمل بما علمت من إقرار الكافى وصرف العاجز، وحمد المحسن وذمّ المسىء. فقد قيل: من استكفى الكفاة، كفى العداة. فإن التبست عليك [أمورهم [٣]] أوهنت الكافى وسلّطت العاجز، وأضعت المحسن وأغريت المسىء. ولأن يكون العمل خاليا فتصرف إليه فكرك أولى من أن يباشره عاجز أو خائن فيقبح بهما أثرك. فاحذر العاجز فإنه مضيّع، وتوقّ الخائن فإنه يكدح لنفسه. قال شاعر: إذا أنت حمّلت الخؤون أمانة ... فإنك قد أسندتها شرّ مسند اقتصر فى أعوانك بحسب حاجتك إليهم. ولا تستكثر منهم لتكثر بهم. فلن يخلو الاستكثار من تنافر يقع به الخلل، أو اتّفاق يستأكل به العمل. وليكن أعوانك وفق أعمالك، فإنه أنظم للشّمل وأجمع للعمل وأبلغ فى الاجتهاد وأبعث على النصح. قال ابن الرومى: عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب فإنّ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب

стр. 2029

فدع عنك الكثير فكم كثير ... يعاف وكم قليل مستطاب فما اللّجج الملاح بمرويات ... وتلقى الرّىّ فى النّطف العذاب هذّب نفسك من الدنس تتهذب جميع أتباعك. ونزّه نفسك عن الطمع تتنزه جميع خلفائك. وتوقّ الشره فلن يزيدك إلا حرصا إن أجديت، ونقصا إن أكديت [١] ، وهما معرّة ذى الفضل ومضرّة أولى الحزم. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اقتربت [٢] الساعة ولا يزداد الناس فى الدنيا إلا حرصا ولا تزداد منهم إلا بعدا» . رض نفسك عن الطمع يتنزه جميع عمّالك، وتنتظم بك جميع أعمالك [٣] . ولا تكل إلى غيرك ما تختصّ بمباشرته [٤] طلبا للدّعة، فتعزل عنه نفسك وتؤثر به غيرك؛ فتكون من وفائه على غدر، ومن نفسك على تقصير. قال بزرجمهر: إن يكن الشغل مجهدة، فإن الفراغ مفسدة. وقال عبد الحميد: ما زانك ما أضاع زمانك، ولا شانك ما أصلح شانك. اجعل زمان فراغك مصروفا إلى حالتين: إحداهما راحة جسدك وإجمام خاطرك، ليكونا عونا لك على نظرك. والثانية أن تفكر بعد راحة جسدك وإجمام خاطرك فيما قدّمته من أفعالك، وتصرّفت فيه من أعمالك: هل وافقت الصواب

стр. 2030

فيه فتقوّيه وتجعله مثالا تحتذيه، أو نالك فيها زلل فتستدرك منه ما أمكن، وتنتهى عن مثله فى المستقبل. فقد قيل: من فكّر أبصر. وقال بعض البلغاء: من لم يكن له من نفسه واعظ، لم تنفعه المواعظ. اخفض جناحك لمن علا، ووطّئ كنفك لمن دنا، وتجاف [عن [١]] الكبر تملك من القلوب مودّتها، ومن النفوس مساعدتها. فقد قيل لحكيم الروم: من أضيق الناس طريقا، وأقلّهم صديقا؟ قال: من عاشر الناس بعبوس وجهه، واستطال عليهم بنفسه. ولذلك قيل: التواضع فى الشرف، أشرف من الشرف. كن شكورا فى النعمة، صبورا فى الشدّة، لا تبطرك السراء، ولا تدهشك الضراء؛ لنتكافأ أحوالك، وتعتدل خصالك؛ فتسلم من طيش البطر وحيرة الدّهش. فقد قال بعض الحكماء: اشتغل بشكر النعمة عن البطر بها. وقيل فى أمثال الهند: العاقل لا يبطر بمنزلة أصابها ولا شرف وإن عظم، كالجبل الذى لا يتزلزل وإن اشتدّت الرياح، والسخيف تبطره أدنى منزلة كالحشيش الذى تحرّكه أدنى ريح. استدم مودّة وليّك بالإحسان [إليه [٢]] ، واستسلّ سخيمة عدوّك بعد الاحتراز منه، وداهن من يجاهرك بعداوتك. فقد قيل لبعض الحكماء: ما الحزم؟ قال: مداجاة الأعداء، ومؤاخاة الأكفاء. ولا تعوّل على التهم والظنون [واطّرح الشك باليقين [٣]] . فقد قيل: لا يفسدك الظن على صديق قد أصلحك اليقين له. قال شاعر: إذا أنت لم تبرح تظنّ وتقتضى ... على الظن أردتك الظنون الكواذب واختبر من اشتبهت حاله عليك، لتعلم معتقده فيك، فتدرى أين تضعه منك؛ فإن الألسن لا تصدق عن القلوب؛ لما يتصنّعه المداجى ويتكلّفه المداهن. وشهادات

стр. 2031

القلوب أصدق، ودلائل النفوس أوثق. فإن وقفت بك الحال على الارتياب، اعتقدت المودّة فى ظاهره، وأخذت بالحزم فى باطنه. وإذا أقنعك الإغضاء عن الاختبار فلا تتخطّه، فأكثر الأمور تمشى على التغافل والإغضاء. فقد قال أكثم بن صيفىّ: من تشدّد نفرّ، ومن تراخى تألّف، والسّرو [١] فى التغافل. ولقلما جوهر المغضى وقوطع المتغافل، مع انعطاف القلوب عليه، وميل النفوس إليه. وهذا من أسباب السعادة وحسن التوفيق. شاور فى أمورك من تثق منه بثلاث خصال: صواب الرأى، وخلوص النية، وكتمان السرّ. فلا عار عليك أن تستشير من هو دونك إذا كان بالشورى خبيرا؛ فإن لكل ذى عقل ذخيرة من الرأى وحظّا من الصواب، فتزداد برأى غيرك [وإن كان رأيك [٢]] جزلا، كما يزداد البحر بموادّه من الأنهار وإن كان غزيرا. وقد يفضل المستشير على المشير؛ ويظفر المشير بالرأى، لأنها ضالّة يظفر بها من وجدها من فاضل ومفضول. وعوّل على استشارة من جرّب الأمور وخبرها، وتقلّب فيها وباشرها، حتى عرف مواردها ومصادرها، فلن يخفى عليه خيرها وشرها، ما لم يوهنه ضعف الهرم. واعدل عن استشارة من قصد موافقتك متابعة لهواك، أو اعتمد مخالفتك انحرافا عنك، وعوّل على من توخّى الحق لك وعليك. فقد قيل فى قديم الحكم: من التمس الرّخص من الإخوان فى الرأى، ومن الأطبّاء فى المرض، ومن الفقهاء فى الشّبه، أخطأ الرأى، وزاد فى المرض، واحتمل الوزر. ولا تؤاخذ من استشرت بدرك [٣] الرأى

стр. 2032

إن زلّ، فما عليه إلا الاجتهاد وإن حجزته الأقدار عن الظّفر. فقد قيل فى منثور الحكم: من كثر صوابه لم يطّرح لقليل الخطأ. اختر لأسرارك من تثق بدينه وكتمانه، وتسلم من إذاعته وإدلاله، ولو قدرت ألّا تودع سرك غيرك، كان أولى بك وأسلم لك؛ لأنك فيها بين خطر أو حذر. وقد قيل فى منثور الحكم: انفرد بسرك ولا تودعه حازما فيزلّ، ولا جاهلا فيخون. تثبّت فيما لا تقدر على استدراكه؛ فقلّما تعقب العجلة إلا ندما. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من تأنّى أصاب أو كاد ومن عجل أخطأ أو كاد» . وقيل فى حكمة آل داود: من كان ذا تؤدة وصف بالحكمة. وقدّم ما قدرت عليه من المعروف، فقلما يعقب الريث إلا فواتا؛ فإن للقدرة غاية، ولنفوذ الأمر نهاية [١] ، فاغتنمها فى مكنتك تسعد بما قدّمته، ويسعد بك من أعنته. قال علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه: انتهزوا الفرصة فإنها تمرّ مرّ السحاب. وقال بعض الحكماء: من أخّر الفرصة عن وقتها، فليكن على ثقة من فوتها. واحذر قبول المدح من المتملّقين، فإن النّفاق مركوز فى طباعهم، ويداجونك بهيّن عليهم [٢] ؛ فإن نفّقوا عليك غششت نفسك، وداهنت حسّك؛ وأنت أعرف بنفسك من غيرك فيما تستحق به حمدا أو ذمّا. فناصح نفسك بما فيها، فإنك أعلم بمحاسنها ومساويها. فقد قيل فيما أنزل الله تعالى من الكتب السالفة: «عجب لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح! وعجب لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف

стр. 2033

يغضب!» . وقال بعض البلغاء: من أظهر شكرك فيما لم تأت إليه فاحذره أن يكفر نعمك فيما أسديت إليه. ففوّض مدحك إلى أفعالك، فإنها تمدحك بصدق إن أحسنت، وتذمّك بحقّ إن أسأت. ولا تغترّ بمخادعة اللسان الكذوب. فقد قيل: أبصر الناس من أحاط بذنوبه، ووقف على عيوبه. وكتب حكيم الروم إلى الإسكندر: لا ترغب فى الكرامة التى تنالها من الناس كرها، ولكن فى التى تستحقّها بحسن الأثر وصواب التدبير. اعتمد بنظرك إحماد سلطانك وشكر رعيتك، تكن أيّامك سعيدة، وأفعالك محمودة، والناس بك مسرورين، ولك أعوانا مساعدين؛ ويبقى بعدك [فى الدنيا [١]] جميل أثرك، وفى الآخرة جزيل أجرك. واستعذ بالله من صدّها فتعدل بك إلى ضدّها، فإن الولايات كالمحكّ تظهر جواهر أربابها، فمنهم نازل مرذول ومنهم صاعد مقبول. فقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أحسنوا جوار نعم الله فقلما زالت عن قوم فعادت إليهم» . وتعرّض رجل ليحيى بن خالد وهو على الجسر بكتاب وسأله أن يختمه؛ فقال: يا غلام اختم كتابه ما دام الطين رطبا، ثم أنشد: إذا هبّت رياحك فاغتنمها ... وجد فلكلّ [٢] خافقة سكون ولا تغفل عن الإحسان فيها ... فما تدرى السكون متى يكون إذا نلت من سلطانك حظّا، وأوجبت عليه بخدمتك حقّا، فلا تستوفه، ودع لنفسك بقيّة يدّخرها لك ويراها حقا من حقوقك، ويكون كفيل أدائها إليك. فإن استوفيتها برئ وصرت إلى غاية ليس بعدها إلا النقصان. قال الشاعر: إذا تمّ أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ

стр. 2034

واعلم أنك مرصد لحوائج الناس، لأنّ بيدك أزمّة الأمور وإليك غاية الطلب، فكن عليها صبورا، تكن بقضائها مشكورا؛ ولا تضجر على طالبها وقد أمّلك، ولا تنفر عليه إذا راجعك؛ فما يجد الناس من سؤالك بدّا. ولخير دهرك أن ترى مرجوّا. قال أبو بكر بن دريد: لا تدخلنّك ضجرة من سائل ... فلخير دهرك أن ترى مسئولا لا تجهن بالردّ وجه مؤمّل ... فبقاء عزّك أن ترى مأمولا واعلم بأنك عن قليل صائر ... خبرا فكن خبرا يروق جميلا وقد قيل فى الصحف الأولى: القلب الضيق لا تحسن به الرياسة، والرجل اللئيم لا يحسن به الغنى. ولئن كانت الحوائج كالمغارم لمن استثقلها فهى مغانم لمن وفّق لها. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما عظمت [١] نعمة الله على عبد إلا عظمت مؤنة الناس عليه فمن لم يحتمل مؤنة الناس عرّض تلك النعمة للزوال» . واذا جعلت الوزارة غايات الأمور إليك، وحوائج الناس واقفة عليك، والقدرة لك مساعدة، لانبساط يدك ونفوذ أمرك، صرت بالتوقّف والإعراض مخلّا بحقوق نظرك، وآسفا على فوات مكنتك. فقد قال بهرام جور فى عهده الى ملوك فارس: إنكم بمكان لا مصرف للناس عن حوائجهم إليكم، فلتتّسع صدوركم كاتّساع سلطانكم. قال علىّ بن الجهم: إذا جدّد الله لى نعمة ... شكرت ولم يرنى جاحدا

стр. 2035

ولم يزل الله بالعائدات ... على من يعود [١] بها عائدا أيا جامع المال وفّرته ... لغيرك إذ لم تكن خالدا! فإن قلت أجمعه للبنين ... فقد يسبق الولد الوالدا وإن قلت أخشى صروف الزمان ... فكن فى تصاريفه واحدا فاجعل يومك أسعد من أمسك، وصلاح الناس عندك كصلاح نفسك. ومل إلى اجتذاب القلوب بالاستعطاف، وإلى استمالة النفوس بالإنصاف، تجدهم كنزا فى شدائدك، وحرزا فى نوائبك. احذر دعوة المظلوم وتوقّها، ورقّ لها إن واجهك بها، ولا تبعثك العزّة على البطش فتزداد ببطشك ظلما، وبعزتك بغيا. وحسبك بمنصور عليك الله ناصره منك. كن عن الشهوات [٢] عزوفا تنفكّ من أسرها، فإنّ من قهرته الشهوة كان لها عبدا، ومن استعبدته ذلّ بها. وقد روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من اشتاق إلى الجنة سارع إلى الخيرات ومن أشفق من النار لها عن الشهوات» . وقيل لبعض حكماء الروم: ما الملك الأعظم؟ قال: أن يغلب الإنسان شهوته. وكن بالزمان خبيرا تسلم من عثرته؛ فإنّ الاغترار به مرد. وقدم لمعادك ليبقى عليك ما ذخرته، فلن تجد إلا ما قدّمته؛ وإنك لتجازى بما صنعت. واستقلّ الدنيا تجد فى نفسك عزّا، فترضى اذا سخطت، وتسرّ اذا حزنت؛ فلن يذلّ إلا طالبها، ولن يحزن إلا صاحبها. فقد قال بعض الحكماء: ليكن طلبك الدنيا اضطرارا،
следующие страницы →